وأمَّا الثالثةُ: فلم أجد حتى الآن ما أُقوِّيها به.
والجملةُ الرابعةُ: لها بعضُ الشواهدِ، ولذلك كنت أوردتُها مع الجملة الأولى في "صحيح الجامع الصغير" محسِّنًا، وعازيًا إلى الضعيفة (٤٣٥٤).
(تنبيهٌ): كنت أوردتُ حديثَ أبي ذَرٍّ في "الصحيحة" برقم (١٧٢٢)، وفاتني -حينئذٍ- أن أذكر الشواهد المقوّية له، ولا أدري -واللَّه- كيف كان ذلك؟ ! فإِنه خلافُ مشربي ومنهجي، كما أنني كنت أوردتُه في "الضعيفة" -أيضًا- (١٧٨٠)؛ والسببُ واضحٌ، وهو بيان إدراج الجملة التي جاءت في آخره بلفظ: "ولوددتُ أَنّي كنت شجرةً تُعْضَد"، وأنَّها موقوفة على أبي ذرّ؛ ولذلك بادرتُ إلى القول في آخر التخريج تمشّيًا مع المنهج:
"ولكنّ جلّ الحديث قد صحَّ من طُرُق أخرى. . . "
ولقد كان ينبغي أن يكونَ هذا -أو نحوه- في "الصحيحة" -أيضًا-، بل هو به أَوْلى، ولكنْ هكذا قدّر اللَّه؛ فجَلَّ من لا يسهو ولا ينسي، ومعذرةً إلى القراء، ولْتُنقل الشواهد المشار إليها إلى هناك.
١٣٥ - "في "صحيح ابن حِبان" - عنه ﷺ : "أفضل الذكر لا إله إلّا اللَّه".
خرَّجه (الهدَّام) عن جَمْع -منهم التِّرمذي، وابن حبان، والحاكم، والبَغَوي- من طرق، عن موسى بن إبراهيم بن كَثِير الأنصاري، عن طَلحة بن خِرَاش، عن جابر؛ وأعلّه بقوله:
"وموسى هذا لم يُوَثِّقه غير ابن حبان، وزاد: وكان يُخطئ، والذي يظهر أن [في] روايته عن طلحة مناكير، وأشار الأزديُّ أنَّ النكارة في حديث طَلْحَةَ، عن جابر".
стр. 247
قلت: عليه مؤاخذاتٌ بعضُها أنكرُ من بعضٍ:
أَوّلًا: قولُه: ". . . غير ابن حَبان" كَذِبٌ متعمَّد! فقد رأى في "تهذيب المزي":
"قال ابن عبد البر موسى وطلحة؛ كلاهما مدنيٌّ ثقة".
فقد تعمّد تجاهلَ توثيق ابن عبد البر إياه؛ بدليل أنَّ الأحاديث الثلاثة التي سيذكرها لموسى -كما يأتي-؛ إنَّما وقف عليها في "التهذيب"!
بل إنَّ في "تهذيب ابن حَجَر" عن النَّسائيِّ -فيه- قولَه: "صالحٌ".
ثانيًا: تجاهل -أيضًا- تصحيح ابن حِبان، والحاكم، والذهبي، كما تجاهل تحسينَ التِّرمذي والبَغَوي، فلم يذكره عنهما -كما هي عادته-!
ثالثًا: اعتمد على قول ابن حبان في (موسى): "وكان يخطئ"؛ موهمًا أنَّ ذلك تضعيفٌ من ابن حبان لموسى، وليس كذلك، كما هو معروفٌ عند الدّارسين لقول ابن حبان هذا، فهو إنَّما يعني أنَّه وَسَطٌ حسن الحديث، فهناك مئات المترجَمين عنده قال فيهم هذا -أو نحوه-، ومع ذلك يخرّج لهم في "صحيحه"، وهذا من هذا، فهل جهل (الهدَّام) هذا أم تجاهَلَهُ؟ ! أحلاهما مرّ! !
ونحوُهُ قولُ الحافظ في "التقريىب" -فيه-: "صدوق يخطئ".
ومع ذلك أقرّ في "الفتح" (١١٨٢٠٧) تصحيحَ ابنِ حبّان والحاكم إياه.
رابعًا: لم يَحْصُر قولَ ابن حبان -المذكور- بين هلالين مزدوجين كما هو المصطلح اليوم: " "؛ بل أتبعه بة ولهِ: "والذي يظهرُ. . . "، فأفهم -وأوهم- أنَّه من تمام كلام ابن حبان! وليس كذلك! !
خامسًا: ويمكن أن يكون ذلك من جهلهِ وسوء تعبيره، وأنَّ الاستظهار المذكور هو من عنده! وحينئذٍ نقول له: (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)! فما قيمةُ
стр. 248
استنكارِك لروايته عن طلحة؛ أمام أولئك المُصَحِّحينَ والمحسِّنين، والموثِّقين؟ !
سادسًا: قولُه: "وأشار الأزدي أنَّ النكارة في حديث طلحة، عن جابر": هو من سوءِ تعبيره -أيضًا-، فالأزديُّ قد صرَّح بذلك، فقال: "طلحة روى عن جابر مناكير"؛ لكن الأزدي مجروحٌ؛ فلا يُلتفتُ إلى تجريحه، ولا سيّما إِذَا خالف!
ثم قال (الهدَّام): "ولموسى ثلاثةُ أحاديثَ. . . ظاهرةُ النكارة"، ثم ذكرها!
كذا قال! وعليك أن تُسَلِّم تسليمًا لمحدِّث آخر الزمان! !
أمّا الحديثُ الأوّل فهو هذا، وقد عرفتَ عدوانَه بتضعيفهِ إيّاه، ومخالفتِه للعلماء.
والحديثُ الثاني: "لا تمسُّ النارَ مسلمًا رآني، أو رأى من رآني".
والثالث: "ما كلَّم اللَّه أحدًا قطُّ [إلّا] من وراء حِجاب، وكلّم أباك كِفاحًا".
قلت: وثلاثَتُها عند التِّرمذي، وقال في كُلِّ واحدٍ منها: "حديث حسن غريب"، وأقرَّه على ذلك عددٌ من العلماء؛ المزّي في "التهذيب" (١٣/ ٣٩٣ - ٣٩٥)؛ وقد تقدم ذكر من صحّحه وحسّنه قبله.
وأمّا الحديث الثاني: فمع تحسين التِّرمذي والمزّي إيّاه -كما ذكرت آنفًا-، فإنَّ له شاهدًا من حديث عُقبة أبي عبد الرحمن الجُهَني -عند ابن أبي عاصم في "السنة" (٢/ ٦٣٠/ ١٤٨٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٥٧/ ٩٨٣)، و"الأوسط" (١/ ٥٧/ ١٠١١) من طريق عبد الرحمن بن عُقبة، عن أبيه. . . مرفوعًا -نحوه-، لكن عبد الرحمن هذا لم أجد له ترجمةً، وكذلك الراوي عنه نافع بن صَيْفيٍّ، وإليهما أشار الهيثمي بقوله (١٠/ ٢١) بعدما عزاه
стр. 249
"للمعجمين": "وفيه من لم أعرفهم".
وسكت عنه الحافظُ في ترجمة (عُقبة) -هذا- من "الإصابة"، وعزاه لابن السكَن -أيضًا-، والحاكم في "تاريخ نيسابور" من هذا الوجه.
ووقع في "السنة": (عُقبة بن عامر)؛ وأظنّه خطأً من النّاسخ، واللَّه أعلم.
وأمّا الحديث الثالث: فأخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤) -وصحّحه أيضًا-، وحسّن إسنادَه المنذريُّ في "الترغيب" (٢/ ١٩١)، وله شاهدٌ مرسلٌ في "الجهاد" لابن أبي عاصم (ق ٢/ ٩٠)، وشاهدٌ من حديث جابرٍ مختصرًا، أخرجه أحمد (٣/ ٣٦١) بسندٍ حسن صحيح، وهو مخرّج في "الصحيحة" فقم (٣٢٩٠)، وسكت عنه الحافظُ في "الإصابة" (٢/ ٣٥٠)، وأشار ابن عبد البر في ترجمة (عبد اللَّه) والد (جابر) -من "الاستيعاب"- إلى تقويتهِ بتصريحه بتوثيق (طلحة بن خِرَاش)، والراوي عنه (موسى بن إبراهيم).
١٣٦ - "دعوة ذي النُّون؛ الّتي، ما دعا بها مكروبٌ إلّا فرَّج اللَّه كربَه: لا إله إلّا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين":
جزم به المؤلِّف فأصابَ.
وعاكسه (الهدَّام) -كعادته-، فَضَعَّفه! وخرَّجه (٢/ ١٦٢) من رواية التِّرمذي، والنَّسائي، وأحمد، والحاكم؛ قال: "من طرق، عن يونُس بن أبي إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن سَعْد، عن أبيه، عن سَعْد. . . مرفوعًا، وسندُه قابل للتحسين؛ لولا ما ذَكر التِّرمذي عَقِبَه: "وقد روى غيرُ واحد هذا الحديثَ عن يونس. . . ولم يذكروا فيه: عن أبيه". . .؛ وعليه يكون الحديث منقطعًا. . . "!
قلت: ويعني التِّرمذيُّ بقوله: "عن أبيه" (محمد بن سعد) والد (إبراهيم)، وفي كلام (الهدّام) جهالاتٌ:
стр. 250
أَوّلًا: قولُه "من طرق"؛ لم يبيّنها، ولم يذكر عَدَدَها! تضليلًا للقراء -كما يأتي بيانه-.
ثانيًا: قولُه: "قابلٌ للتحسين"؛ فهو من جَنَفِه وجنايتِه على الرواة الثقات، تمهيدًا لتضعيف الحديث؛ فإِنَّ رجالَ السندِ المذكور كلُّهم ثقاتٌ، ولذلك صحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكتم ذلك (الهدَّام) -كعادته-، وليس فيهم من تُكُلّم فيه إلّا يونس بن أبي إسحاقَ، ففيه كلامٌ يسيرٌ لا يضرُّ، ولذلك احتجَّ به مسلم، وصحّح له ابن حِبان غيرَ ما حديث، وذكره الذهبي في "من تُكُلِّم فيه وهو موثق"، وقال في "الميزان": "صدوق ما به بأسٌ، ما هو في قوة مِسْعَر ولا شُعبة".
فمثله يكونُ حسنَ الحديثِ -على الأقلّ-، وهو ما صرّح به الحافظُ -كما يأتي-، ولذلك سكت عن الحديث في "الفتح"، وأقرّ الحاكمَ على تصحيحِه (١١/ ١٤٧).
ثالثًا: لم يقنع (الهدَّام) حتى بالقابليّة التي زعمها، فقد رفضها بقولِهِ: "لولا ما ذَكر التِّرمذي عقبه. . . " إلخ، فأعلّه بالانقطاع، مقلِّدًا للترمذي في قولِه: أنَّ غيرَ واحدٍ روى الحديث عن يونُس منقطعًا، دون ذِكر: "عن أبيه"!
فاكتفى بالتقليد هنا؛ لأنَّه وافق هوىً في نفسهِ، وهو تضعيفُ الحديثِ بغير حقّ، وإلّا فلِمَ لمْ ينظر فيمن أشار إليه التِّرمذي بقوله: "غير واحد"؛ مَن هم؟ ! وما عددُهم؟ ! وما حالُهم؟ ! وهل يصلُحُ -أو يصلُحون- لمعارضة الطرق التي وصلت الحديثَ، والتي أشار إليها -كما تقدّم-؟ ! ولم يبيّنها ليضربَها بقولِ التِّرمذي هذا! !
لقد ذكر التِّرمذيُّ أنَّه وصله محمد بن يُوسف وأبو أحمد الزّبيري (١)، ثمّ
стр. 251
استجاز هو أن يرجِّح عليهما روايةَ "غير واحد"! -وهو لا يعرفُهم! - على روايتهما، فكيف جاز للهدَّام أن يقلِّده، في ذلك وهو لا يعرفُهم؟ ! وعلى العكس من ذلك يعرفُ اللَّذين سمّاهما التِّرمذي، ويعرف ثقةً ثالثًا شاركهما في رواية الوصل، وهو (إسماعيل بن عُمر)، في رواية أحمدَ، وتابعهم (محمد بن عُبيد الطَّنَافِسي) الحافظ الثقة عند البيهقي في "الشُّعَب" (١/ ٤٣٢).
فهؤلاء ثقاتٌ أربعة وصلوه بذكرهم في إسنادهم -عن يونُس-: "عن أبيه"، فكيف جاز للهدَّام أن يتعامى عن هؤلاء ويرجّح روايةَ مَن خالفهم وهو لا يعرفهم؟ ! تاللَّه إنَّها لإحدى الكُبَر! ولذلك لم يُعَرِّج عليها الحافظ ابن حَجَر، فقال -كما في "شرح الأذكار" (٤/ ١١٠) -:
"حديثٌ حسنٌ"، إلى أن قال: "وقال التِّرمذي: إنَّ بعضهم أرسله"، قال الحافظ: "وقد وجدتُ له عن سعدا طريقين آخرين، أحدهما مختصرٌ، أخرجه أبو يعلى، وابن أبي عاصم، والثاني مطوّل، أخرجه الحاكم".
قلت: المختصر عند أبي يعلى في "مسنده" (٢/ ٦٥ / ٧٠٧) بسند ضعيف، وهو عند البزّار (٤/ ٤٢/ ٣١٤٩) مطوّل.
والمطوّل عند الحاكم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦) ضعيف جدًا، فلا يُستشهد به، وفي متنه نكارةٌ، وقد خرَّجته في "الضعيفة" برقم (٥٥١٩).
ثم تعامى (الهدَّام) عن المتابعة التي ذكرها ليونُس من محمد بن مُهاجر القُرَشي، وهو -وإنْ كان البخاري ضعّفه بقوله: "لا يتابع على حديثه"- فلا يضرُّه هنا، لأنَّه قد توبع -كما ترى-، ولا سيما وقد وثّقه ابن حبان (٧/ ٤١٣ و ٤١٥)، وروى عنه جمعٌ من الثقات.
نَعَم؛ الراوي عنه (عبيد بن محمد) لم يضعّفه إلّا ابن عديّ بقوله: "له أحاديث مناكير؛ يرويها عن ابن أبي ذِئب وغيره".
стр. 252
١٣٧ - "وقال ثَوْبان ﵁: كان رسُول اللَّه ﷺ إِذَا راعه أمرٌ قال: "اللَّه ربّي لا أشرك به شيئًا"، وفي لفظ، قال: "هو اللَّه لا شريك له".
جزم به المصنفُ فأصاب.
وأعلّه (الهدَّام) بما لا يقدحُ، وسرق تخريجَه من "الصحيحة" (٢٠٧٠)! فقدّم وأخّر سترًا لسرقته! فأضحك من لا يضحك، فقال: "أخرجه ابن السُّنّي. . . والنسائي في. . . وأبو نُعيم. . . من طريق سَهْل بن هاشم، عن الثوري. . . عن ثوبان. . . "، ثم قال:
"قلت: وسهل بن هاشم لا يُحتمل في الثوري أن يتفرّد به، وعنده بعض الخطإ. . . وقال أبو حاتم في "العلل" (٢/ ٢٠٠): إنَّما يروونه عن ثوبان؛ موقوفٌ".
فأقول: كنت صحَّحْتُ الحديث في "الصحيحة"، فعاكسني -كما عاكس المصنّف- فأعلّه بالوقف تقليدًا بغير بيّنة، وقوله: "لا يحتمل. . . " هُراءٌ متكرِّرٌ منه لا يُحتمل!
وكونُ سهل عنده بعض الخطإ لا يستلزمُ ردَّ حديثه، و (الهدَّام) مهما كابر فلا يُمكن أن ينكر أنَّ عنده بعض (! ) الخطإ! فهل يردُّ حديثه كلّه؟ !
وأمَّا سترُهُ لسرقِته فلتقديمِه في الذكر (ابن السني) على (النسائي)! وهذا شيخُ الأول -كما لا يخفى على المبتدئين في هذا العلم-، بل ومن طريقه رواه ابن السني -كما ذكرت في "الصحيحة"-؛ فخرج عن الجادّة في التخريج سَتْرًا لسرقتِه ومُعاكسةً، كما خرج عنها في التضعيف المذكور، وخَفِيَ عليه شاهدُه الآتي من حديث أسماء بنت عُمَيس، والسببُ التقليدُ -أيضًا-، ولمن؟ ! لمن يُعاكِسُه بغير حقّ في التصحيح، وهو أنا -الألبانيُّ - كما سترى قريبًا-.
стр. 253
١٣٨ - "وقالت أَسماء بنت عُميس: علَّمَني رسولُ اللَّه ﷺ كلماتٍ أقولُها عند الكرب: اللَّه، اللَّه ربي، لا أُشرك به شيئًا":
جزم به المؤلِّف، فأصاب.
وأعلّه (الهدَّام) بجهالة (هلال مولى عمر بن عبد العزيز)؛ فقال: "وهو أبو طُعمة، مجهولُ الحال"، وبضعف شاهديه؛ من حديث عائشةَ في "صحيح ابن حبان"، وحديث ابن عباس عند الطبراني.
فأقولُ: لا يزال (الهدَّام) ضالعًا في مخالفة قاعدة العلماء بتقوية الحديث بالطرق، فهذه ثلاثةٌ منها، ليس فيها متهمٌ ولا شديدُ الضعفِ، ومع ذلك فهو يُصِرُّ على عدم تقويته بها!
وهذا -كلُّه- يُقال على فرضِ التسليمِ بقوله في هلال أبي طُعمة: "مجهول الحال"؛ فإِنَّه مرفوضٌ، وقد كنتُ ذكرت شيئًا من هذا في تعليقي على "الكلم الطيب" -أعني: الجهالة-، لعدم انتباهي -يومئذٍ- أنَّ هلالًا -هذا- هو أبو طُعمة نفسُه؛ في تحقيقٍ كنت أجريته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢٧٥٥)، تبيّن لي منه أنَّ الرجلَ، ثقةٌ، روى عنه جماعةٌ من الثقات، وقد وثّقه ابن حبان، وابن عَمّار الموصلي، والحافظ، والذهبي.
فقول (الهدَّام) فيه: "مجهول الحال" مما يُضرب به وجهُه! ولا سيّما وقد فاته أنَّه قد توبع في طريقٍ أخرى عند البخاري في "التاريخ"، قد خرَّجتُها هناك، ومن المحتمل أنَّ (الهدَّام) علم بها، ولكنه كتمها -كما هي عادته-! كما كتم تقويةَ الحافظِ للحديث في "الفتح" (١١/ ١٤٨)!
١٣٩ - "وفي "مسند الإِمام أحمد" -مرفوعًا-: "دعوات المكروب: اللهم رحمتَك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين، وأصلِح لي شأني كلَّه، لا إله إلّا أنت":
стр. 254
حسّنته في "الكلم الطيب" (٧٣/ ١٢١)، ثم في "صحيح الأدب المفرد" (رقم ٥٣٩)، وسبقني إليه الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٣٧)، والحافظ في "تخريج الأذكار" -فيما نقله ابن علّان (٤/ ٨) -، ولذلك سكت عنه في "الفتح" (١١/ ١٤٨)، وأقرّ ابن حبّان على تصحيحه إيّاه.
وأمّا (الهدَّام) فشذّ عن الجماعة -كعادتهِ- فَضَعَّفها، ثم عزاه إلى ابن حبان وغيره، وقال:
"وجعفر بن ميمون ضعيفٌ"!
قلت: والحق أنَّه مختلفٌ فيه، و (الهدَّام) -كعادته- يأخذ من الأقوال ما يتوافقُ مع (منهجه) في التعنُّتِ في التضعيفِ، ولا يلتزمُ قواعدَ علم الجرح والتعديل، فهو يقدّم الجرح مطلقًا، حتى لو كان الموثّق من المتشدِّدين!
فهذا أبو حاتمٍ قال في (جعفر) هذا: "صالح".
وكذا قال ابن مُعِين في رواية.
ولذلك قال الحافظُ فيه: "صدوق يخطئ".
وقولُ أحمد والنَّسائي فيه: "ليس بالقويِّ": لاينافيه، لأنّه لم ينفِ عنه القوّةَ مطلقًا -كما لا يخفى على أهل المعرفة بهذا العلم-، ولذلك ذكره الذهبي في "الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرّد" (٨٢/ ٨٣)؛ مع ذكره فيه لقولِ أحمدَ هذا.
وينتجُ من ذلك أنَّ الرجل وسطٌ حسنُ الحديث، واللَّه أعلم.
١٤٠ - "وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّه خلق خَلْقَه في ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النورُ اهتدي، ومن أخطأ ضلّ":
стр. 255
خرَّجه (الهدَّام) من ثمانية مصادر، قال (٢/ ١٦٧): ". . . من طُرُقٍ عن عبد اللَّه بن الديلمي، عن عبد اللَّه بن عمرو، وابن الديلمي ثقة".
كذا قال، ولم يصَحِّحه! معاكسةً منه لمن صحَّحه، كالحاكم، والذّهبي، وابن حبّان، وحسَّنَه التِّرمذي فقصَّر، ومع ذلك لم يقلِّده (الهدَّام)، بينما قَلَّده في إعلال الحديث المتقدم (١٣٦)! !
وفي ظنّي أنَّه إنَّما لم يُصَحِّحه مع توفُّر كل شروط الصحة فيه -لتوهُّمه- لجهله بفقه الحديث - أنَّه يُفيد الجبرَ! وليس كذلك، ولا مجالَ الآن لبيانه، وقد صحَّحه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٤٩٢) بإقراره تصحيح ابن حبان إيّاه.
١٤١ - "وصحَّ عنه ﷺ أَنَّهُ قال: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: النساء، والطِّيب، وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة":
صحَّحه المؤلف ﵀؛ وهو الصواب.
وأمّا (الهدَّام) فقال (٢/ ١٧١): "حديث منكر، وقد تقدّم".
وكذب في الأمرين؛ فلا هو، تقدّم! -وفي فهرس الكتاب ما أشار إلّا إلى هذا المكان-، ولا الحديث مُنْكَرٌ! ! وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وجوَّد إسنادهَ الحافظُ العراقي في "المغني" (٢/ ٣٠)، وحسَّنه الحافظ ابنُ حَجَر في "التلخيص" (٣/ ١١٦)، وصحَّحه فى "الفتح" (١١/ ٣٤٥)، وهو مخرَّج في "الروض النضير" (رقم ٥٣)، و"الصحيحة" (٣٢٩١).
(تنبيه): اشتهر على الألسنة زيادة لفظة: "ثلاث" في هذا الحديث، وهي مُفسِدةٌ للمعنى -كما هو ظاهر-، وقد جاء ذكرها في الحديث في فهرس الطبعة الأولى من "الإغاثة" (ص ٣٧٩)، والظاهر أنّها قد تكون من محفوظات
стр. 256
الواضع للفهرس، ومثله يكون -عادةً- من غير العلماء! ولعلَّ (الهدَّام) توهّم ورودها في الحديث، فأنكره! !
١٤٢ - "عنه ﷺ : "من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء، فليستترْ بستر اللَّه؛ فإنّه من يُبدِ لنا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب اللَّه".
جزم به المؤلّف؛ وهو الصواب.
وأعلّه (الهدَّام) بالإرسال، وقال (٢/ ١٨١): "وَرُوي موصولًا، ولا يصحّ"!
كذا قال مخالفًا (السبيلَ) -كعادته-، وقد صحَّحه الحاكمُ، والذهبي، والحافظ، وهو مخّرجٌ في "الصحيحة" (٦٦٣)، وملخّصه:
أنّه رواه جمعٌ من طرق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدّثني عبدُ اللَّه ابن دِينار، عن ابن عمر. . . مرفوعًا.
وقال الحاكم:
"صحيحٌ على شرط الشيخين"، ووافقه الذّهبي، وأقرّه الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٨٧).
وأزيد هنا فأقول: له شاهدٌ مرسل قويٌّ، رواه مالك (٣/ ٤٣)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٣٢٦، ٣٣٠)، عن زيد بن أسْلَم. . . فذكره مرسلًا، وفيه قصّة.
وزيد بن أسْلَم تابعيٌّ ثقةٌ، فقيهٌ جليلٌ، كثيرُ الرّواية عن عبد اللَّه بن عُمر ﵄ في "الصّحيحين" -وغيرهما-، فلا يَبْعُدُ أن يكون قد تلقّاه عنه، فيكون متابعًا لعبد اللَّه بن دينار.
على أنَّ عبد اللَّه بن دينار من الثقةِ والقوّةِ والحفظِ ما يُغنيه عن متابع، وكذلك يقال في الرّاوي عنه (يحيى بن سعيد الأنصاري).
وللحديث شاهدٌ من حديث أبي هريرة؛ خرّجته هناك.
стр. 257
١٤٣ - "قد قال ﷺ "شارب الخمر -أو قال: مُدمن الخمر- كعابد وَثَن":
جزم المصنفُ ﵀ بنسبته إلى النبي ﷺ ، فأصابَ.
وعارضه (الهدَّام) مستهلًّا تخريجه إيّاه بقوله (٢/ ١٨٧): "حديثٌ ضعيفٌ، لم أجد له طريقًا صحيحًا"! !
قلت: هذا النفيُ -وحدَه-؛ ممّا يدلُّ على جهلِه، وانحرافِه عن ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ وذلك لأنّه ليس من الضروري -عندهم- أن يكون للحديث الصّحيح طريقٌ صحيحٌ، فقد يكون الطريق حسنًا لذاته، فيصيرُ الحديث صحيحًا لغيره -بطريقٍ آخرَ أو بطرقٍ أُخَر-، وقد يكون ضعيفًا، فيصير حسنًا، أو صحيحًا لغيره؛ بحسْب طرقهِ؛ قلّةً، وكثرةً، وهذا الحديثُ -بالذّات، وإن أطال النّفَس (! ) في تخريج طرقه وتضعيفها (٢/ ١٨٧ - ١٨٨) - فهو ممّا يتقوّى بالطرق، ويصير بها -على الأقلّ- حَسَنًا كما كنتُ انتهيتُ إليه حين خرَّجته في المجلد الثاني من "الصحيحة" (٦٧٧)، ولذلك عاكسني (الهدَّام).
-كعادته- كما عاكس المؤلّف الذي جزم به -لطرقه-؛ فإِنَّ مثلَه لا يخفى عليه أنَّ في إسناد أحمد مجهولًا لم يُسَمَّ، ولم يَخْفَ ذلك على (الهدَّام)!
لكنّ هذا (الهَدَّام) -لجهلهِ وضيقِ عَطَنهِ- لا ينظر إلى مجموع الطرق؛ وإنَّما إلى مُفرداتِها، كالقاضي الجاهل ينظر إلى أنَّ شهادة المرأة على النصف، والآخرى كذلك! ومع ذلك فهو لا يقبل شادتَهما معًا، فكأنَّ لسانَ حالهِ يقول: (نصف"زائد" نصف = نصف)! وكذلك لأمر عند (الهدَّام):
(طريق "زائد" طريق = طريق)! بل طريق واحدة "زائد" خمسة طرق يساوي عنده في الحكم طريقًا واحدًا!
стр. 258
على هذا المنطق السخيف جرى في تضعيفه الأحاديث الصحيحة بمجموع الطرق! ! فلا جرَمَ أنَّه خالفَ بذلك اتفاقَ العلماءِ -كما تقدّم التنبيه عليه مرارًا وتكرارًا! -.
١٤٤ - "قال -تعالى-: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]:
نزلت في الجُدّ بن قيس لمّا غزا مع رسول اللَّه ﷺ تبوك، قال له: "هل لك يا جُدُّ في بلاد (١) بني الأصفر؛ تتخذ منهم السَّرَاري والوُصفاء؟ "، فقال جُدٌّ: ائذن لي في القُعود عنك، فقد عرَفَ قومي أني مُغْرَمٌ بالنساء، وإني أخشى إنْ رأيتُ بنات بني الأصفرِ أن لا أصبرَ عنهنّ! فأنزل اللَّه هذه الآية".
ضعّفه (الهدَّام) (٢/ ١٩٥)، وعزاه للطبراني من حديث ابن عباس من طريقين ضعيفين؛ فأوهم أمرين اثنين:
أحدهما: أنَّ الحديثَ عند الطبراني بهذا التمام الذي في الكتاب، والواقعُ أنَّه مختصرٌ عنه، وبخاصَّةٍ الطريق الثاني منها، انظر "المجمع" (٧/ ٣٠)، وإنَّما رواه بتمامه الواحديُّ في "أسباب النزول" (ص ١٨٥) معلَّقًا، وكذا في "الوسيط" (٢/ ٥٠٢)، ووقع فيه: (جهاد)، مكان: (بلاد)! وفي الذي قبله: (جلاد)؛ وهو الصواب الموافق لرواية "سيرة ابن هشام" (٤/ ١٧٠)، ولحديث جابرٍ الآتي.
والآخر: أنَّه ليس له شاهدٌ يقوّيه، والواقعُ خلافُه، فإنَّ له شاهدًا من حديث جابر في "تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ٥١/ ١)، وآخر من مرسل مجاهد بسندٍ صحيح عنه؛ عند ابن جَرير الطبري، وهما مُخَرّجان في "الصحيحة"
стр. 259
(٢٩٨٨)؛ فأين التحقيقُ الذي يزعمه (الهدَّام)؟ !
١٤٥ - "رُوى أنَّ النبي ﷺ كان يخطبُ، فجاء الحسن والحسين ﵄، وعليهما قميصانِ أحمرانِ يَعْثُرانِ، فنزل النبي ﷺ إليهما؛ فأخذَهما، فوضعَهما في حِجْره على المنبر، وقال: "صدق اللَّه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ رأيتُ هذين الصبِيَّينِ؛ فلم أصبر عنهما".
ضعَّفه (الهدَّام) -بعدما عزاه لأصحاب "السنن" وأحمد- معلِّلًا إياه بقوله: "فإِنَّ الحسين بن واقد يروى عن ابن بُرَيدة أحاديث منكرة؛ كما ذكر ذلك أحمدُ"!
كذا قال (الهدَّام) (٢/ ١٩٦) -قطع اللَّه دابِرَه! - غيرَ مبالٍ بين وثّقه -وهم الجمهورُ-، ومنهم أحمدُ في روايةِ الأثرم عنه؛ قال لأحمد: ما تقولُ في الحسين بن واقد؟ فقال: "لا بأس به"؛ وأثنى عليه
ذكره المِزّيُّ.
كما أنَّه لم يَعْبَأْ بمن صحَّح حديثَه، كابن خُزيمة، وابن حِبّان، والحاكم، والذهبي، وعبد الحقّ (١/ ٣١٩ - ٣٢٠)، وحَسَّنَه التِّرمذي، وقال "إنَّما نعرفُه من حديث الحُسين بن واقد"، فتعَقَّبه المنذريُّ في "مختصره" بقوله (٢/ ٢٠):
"والحسين بن واقد ثقةٌ، احتجّ به مسلم في "صحيحه"".
قلت: وروى له عن عبد اللَّه بن بُريدة -كما ذكر المِزي-، وهذا من روايتِه عنه.
على أنَّ ما عزاه (الهدَّام) لأحمدَ أنَّه قال: ". . . أحاديث منكرةٌ"! ليس له أصل عنه بهذا اللفظ، وإنَّما ذكروه بألفاظٍ أُخرى لا تعطي المعنى المذكور -نفسَه-.
стр. 260
والأقربُ إليها ما نسبه الحافظُ الذهبي إليه بقوله في "الميزان": "واستنكر أحمدُ بعضَ حديثه"، ثم ساق له حديثًا عن ابن عمر.
وحينئذٍ فالخطبُ سهلٌ، ولا يتعارض قوله هذا مع قولِه الآخر المتفِق مع قول الجمهور؛ فتأمّل!
ولذلك قال الحافظُ فيه: "ثقةٌ، له أوهام".
والحديث مخرَّجٌ في "المشكاة" (٦١٥٩)، و"صحيح أبي داود" (١٠١٦).
١٤٦ - "وفي أثر آخر: "إنَّ اللَّه إِذَا أحبَّ عبدَه حماه الدّنيا، وطيِّباتِها وشهواتِها، كما يحمي أحدُكم مريضَه":
قلت: هكذا وقع في الكتاب: أنَّه (أثر)، وبزيادة (طيّباتها وشهواتها) وفي ذلك كلِّه نَظَرٌ:
أمّا أنَّه (أثر)؛ فلأنه حديثٌ مرفوعٌ في جميع طرقه والمصادر التي روته.
وأمّا الزيادةُ المذكورة؛ فهي منكرةٌ، لأنَّها لم تَرِدْ في شيء من الطرق المشار إليها، ولعلَّ ذلك كله من تحريفات بعض النُسَّاخ؛ فقد أورد المصنِّف ﵀ هذا الحديث في كتابه المشهور "زاد المعاد في هدي خير العباد" (٤/ ١٠٤ - طبع المؤسَّسة) على الصواب -دون الزيادة-، ومصدِّرًا إيّاه بقوله:
"وفي حديثٍ محفوظٍ عنه ﷺ . . . ".
وهذه فائدةٌ هامّة؛ وهي أنَّ الحديثَ مرفوع -أَوّلًا-؛ وهذا يؤكد خطأ كونه (أثرًا)، وثانيًا: أنَّه حديثٌ محفوظٌ صحيحٌ عند المؤلف، وهو الحقُّ؛ خلافًا لما ذهب إليه (الهدَّام) -كعادته- في المعاكسة والتفرّد بالتضعيف! وما سوى ذلك فليس يهمّه، ولا يَلتفتُ إليه -كمثل جهله أو تجاهله هذين الأمرين اللذين
стр. 261
وَقَعَا في الكتاب؛ من تصدير الحديث، بأنَّه (أثر)، ومع الزيادة التي لا أصلَ لها فيه! -، وإنَّما وجّه كلَّ هِمَّته إلى تخريج الحديث، وبيان الخلاف في إرسالهِ ووصلهِ! وانتهى إلى القول (٢/ ٢١٤):
"فالحديثُ ضعيفٌ، لترجيح الرواية المرسلة على غيرها من الروايات"!
يعني رواية محمود بن لَبِيد ﵁!
فأقولُ: إنَّ مجال الرَّد على هذا التضعيف مما لا يَسَعُ له المجالُ الآن، وحسبنا فيه روايةُ محمودٍ نفسه، فإِنَّها كافيةٌ للرَّد عليه، فإِنَّ ترجيحه المذكور بناه على قول ابن حبان في (محمود) أنَّه من التابعين! وتجاهل جَزْمَ إمام المحدّثين بصحبته، وقد أثبت ذلك بروايةٍ صحيحةٍ عن عاصم نفسهِ، وكذلك أحمدُ بإيرادهِ إياها بإسنادين آخرين عنه في "مسنده"، وفيها أنَّه مَشَى مع النبي ﷺ إلى المسجد، وأنَّه صلّى معه المغرب، وأنّه صلّى معه صلاة الكسوف، قال: قرأ فيما نرى ﴿الر كِتَابٌ. . .﴾؛ فهو -إذن- صحابيٌّ وبناءً عليه؛ أخرج له الإِمام أحمد في "مسنده" عدة أحاديث، هذا أحدُها، وقد حَسَّنه التِّرمذي، وصَحَّحه الحاكم، والذهبي، وكتم (الهَدَّام) ذلك كُلَّه عن قرائه -كما هي عادته-، وصحَّح له ابن خزيمة، غير ما حديث في "صحيحه" مثل (٩٣٧ و ١٢٠٠)، وكذلك المنذري في "الترغيب" (١/ ٣٤)، (٤/ ٩٤)؛ وقال في الموضع الأوّل: "وابن خزيمة لا يخرِّج في "صحيحه" من المراسيل"؛ وبعضها مُخَرَّجٌ في "الصحيحة" (٨١٣ و ٩٥١).
ولَمَّا تقدّم قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب":
"قول البُخاري أولى، وقد ذكرنا من الأحاديث ما يشهدُ له".
ومنه يتبيَّن أنَّ (الهدَّام) يتشبَّثُ ببعض الأقوال المرجوحة في سبيل
стр. 262
الشذوذِ وتضعيفِ الأحاديث الصحيحة؛ انطلاقًا من القاعدة اليهوديّة: "الغاية تبرِّر الوسيلة"!
١٤٧ - "كان ﷺ يُوصي أصحابه إِذَا أصبحوا أن يقولوا: أصبحنا على فِطرةِ الإسلام، وكلمةِ الإخلاص، ودينِ نبيِّنا محمد، ومِلَّة أبينا إبراهيم؛ حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين":
قلت: هذا الحديثُ من الأحاديث القليلة التي نَجَتْ من مِعْوَلِ هذا (الهدَّام)! فصَحَّح إسناده من رواية شعبة بسنده عن (سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى)، عن أبيه، ولكِنَّه أخطأ في ترجيحه إيّاها على رواية سفيان بالسندِ نفسهِ، إلّا أنَّ سفيانَ خالَفَ شُعبةَ في اسم تابعي الحديث، فقال: (عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبْزَى)؛ هذا هو الصوابُ بشهادة شُعبة نفسه؛ حيث قال: "سفيان أحفظُ مني"، وعليه جماعةُ الحفاظِ دون خلافٍ بينهم -كما حقّقته في "الصحيحة" (٢٩٨٩) -.
وله خطأٌ آخَرُ، فقد عزى -في آخر تخريجه- الحديثَ لأحمد (٥/ ١٢٣) من حديث أُبَيّ بن كعب، وإنَّما هو في المكان الذي أشار إليه من زيادات ابنه عبد اللَّه بن أحمد على "المسند"، ومثلُ هذا الخطأ سببُه الجهلُ، أو الاعتمادُ على التحويش والتقميش؛ دون التحقيق والتفتيش، وهناك أخطاءٌ أخرى لهذا (الهَدَّام)، نُحيل القراء فيها إلى المصدر المذكور آنفًا.
١٤٨ - "وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخُزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار، وكان أوّلَ من سيّب السوائب"، وفي لفظ: "وغيّر دين إبراهيم":
عزاه (الهدَّام) للشيخين من حديث أبي هُريرة، وقد أخطأ هو -والمؤلّفُ- في أمرين:
стр. 263
الأوّل: عزو اللفظ الثاني لحديث أبي هريرة، وليس فيه، وإنّما هو من حديث ابن عباس.
والآخر: عزوه لـ "الصحيح"، وإنّما أخرجه الطبراني وغيره بسند حسن في الشواهد، وهو مخرجٌ مع حديث أبي هريرة في "الصحيحة" (١٦٧٧).
نعم؛ قد رواه -أعني اللفظ الثاني-: ابنُ أبي عاصم في "الأوائل" -بنحوه- من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة. . . مرفوعًا بلفظ: ". . . دين إسماعيل".
وهو الذي عزاه المؤلّف -عَقِبَ هذه الرواية- لابن إسحاق؛ وسنده حسن. وعزاه في "الفتح" لمسلم، وأظنّه وهمًا منه -كما بيّنته هناك-.
١٤٩ - "قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَلُ! فقال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا له: اللَّه أعلى وأجلّ":
قال (الهدَّام) (٢/ ٢٥٨): "أخرجه البخاري (٤٠٤٣) من حديث البراء".
قلت: هذا العزو - ولو لـ "صحيح البخاري"، ومثلُه كثيرٌ-؛ مما يدلُّ الباحثَ على عدم اهتمامه بالتحقيق الذي يزعُمُه، فإِنَّ البخاري أخرج الحديث -في المكان الذي أشار (الهدَّام) إليه- من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن البراء، وأبو إسحاقَ هذا هو السَّبيعي، وهو معروفٌ بأنَّه كان يدلّس، وأنَّه كان اختلط، وهو في هذه الرواية قد عنعن؛ وإسرائيلُ لم يسمع منه قبل الاختلاط؛ ولذلك فالتحقيقُ يتطلّب البحثَ عن تخليص هذا الإسناد من علَّتيه، أو -إِذَا لم يمكن كُلًّا أو بعضًا- تقويته ببعض الشواهد؛ خشيةَ أن يتعلّق بهما صاحبُ هوي؛ فيضعّف الحديث الصحيح، كما يفعل (الهدَّام) -عادةً-، ولذلك فإنِّي مُبَيِّنٌ -هنا - لامبالاته بالتحقيق، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّه عزاه إلى المكان الذي أشار إليه من البخاري، وفيه
стр. 264
العلّتان، وهو عنده في مكان آخر برقم (٣٠٣٩)؛ ليس فيه علّةُ التدليس! أخرجه من طريق زهير: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء، فصرّح أبو إسحاق في هذه الرواية بالسماع، وهذه فائدةٌ هامّةٌ، ما كان ينبغي للهدَّام أن يُعرض عن الإشارة إلى مصدرها؛ لما ذكرت آنفًا -لولا جهلُهُ! -، وبذلك زالت العلّة الأولى.
والآخر أنَّه بقيت العلّة الأخرى: (الاختلاط)، وقد جهدت للوقوف على ما يُزيلها، كمثل رواية سفيان وشُعبة ونحوهما، ممن روى عنه قبل الاختلاط، فلم أُوَفّق إلى الآن، ولذلك فإِنّي لما كنتُ خرّجت الحديث في "تخريج فقه السيرة" (ص ٢٥١ و ٢٦٠ - دار القلم)، ثم في "صحيح أبي داود" (٢٣٩٠)؛ قوَّيت الحديثَ ببعض الشواهد، من حديثِ ابن عَبَّاس صحَّحه الحاكم، والذهبي، وسكت عنه الحافظ في "الفتح"، ومن حديثِ ابن مسعود، ورجاله ثقات.
فكان على (الهدَّام) أن يَشُدَّ من عَضُدِ هذا الحديث بمثل هذه الشواهد! لو كان يهمُّهُ التصحيح!
١٥٠ - "قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء اللَّه وشئتَ-: "أَجَعَلْتني للَّه نِدًّا؟ ! ": جزم به المؤلِّفُ، وهو الصوابُ.
وعاكسه (الهدَّام) فضعّفه، وعزاه لجمعٍ؛ منهم البخاري في "الأدب المفرد" (٧٨٧)، ثم قال: "والأجلحُ فيه ضعفٌ، وعنده مناكير".
كذا قال! وهو شاهدٌ قويٌّ على تعنُّتهِ ومعارضتهِ للأئمة بالباطل، فقد ذكرتُ أكثرَ من مرَّة أن كون الراوي: "فيه ضعفٌ" لا يجعل حديثه ضعيفًا، وإنَّما هو حَسَنٌ على الأقل، وهو ما كنتُ حكمتُ به فى "الصحيحة" (١/ ٥٦ - ٥٧ - الطبعة الأولى)، فعاكسني -كعادته- بقوله هذا، وهو حُجَّةٌ عليه؛ وإلّا فما الفرقُ عنده بين الصحيح والحسن؟ !
стр. 265
ولذلك قال الذهبي في "المُغني": "لا بأس بحديثه".
وقال في "الرواة المتكلم فيهم بما لا يُوجب الرّد" (ص ٥٨/ ١٣): "صدوق، روى عن الشعبي، وثّقه ابن معين وغيره، وقال النسائي: ضعيف".
وكذلك قال الحافظ في "التقريب": "صدوق".
ولذلك سكت عن الحديث في "الفتح" (١١/ ٥٤٠) مُشيرًا إلى تقويته، وحسّنه شيخُه الحافظ العِراقي في "تخريج الحياء" (٣/ ١٦٢).
فهذا موقفُ العلماء من الحديث وراويهِ تقويةً، فما قيمةُ تضعيف (الهدَّام) إياهما؛ إلّا تأكيدًا لاتَّباعه ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾!
وقبلَ الانتقالِ إلى غيره؛ أُريد أن أسترعيَ النظرَ إلى أنَّ تخريجه للحديث سرقةٌ من "الصحيحة"، بدليل أنَّه كان وقع فيه رقم عزوه للبخاري في "الأدب المفرد" خطأً: (٧٨٧)؛ فنقله هو كما هو كما رأيت! وصوابه (٧٧٣)! ! وله أمثلةٌ أخري، ذُكر بعضُها في موضع آخر!
١٥١ - "قال رسولُ اللَّه ﷺ : "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، فبَدَّلوا، فدَخَلوا الباب يرجعون على أَسْتاهِهِمْ، وقالوا: حبَّة في شعرة، فبدَّلوا القولَ والفعلَ معًا، فأنزل اللَّه عليهم رِجزًا من السماء":
قال (الهدَّام) الجاهل: "أخرجه البخاري (٣٤٠٣) و (٤٤٧٩) و (٤٦٤١)، ومسلم (٣٠١٥) ".
فأقول: لقد أخطأ (الهدَّام) عليهما -وعلى المؤلِّف- خطأ فاحشًا، وذلك لجهله بالسنَّة، وعدم عنايته بحفظ متونها، فإِنَّ قولُه: "فبدّلوا القول. . . " ليس تمامَ الحديث عندهما، ولا عند غيرهما، فجعله هو من تمام الحديث بأنْ جعله بين القوسين المزدوجين في أوَّله وآخره! -كما ترى أعلاه-، وأنا فقط
стр. 266
وضعتُه بالحرف الأسود المُمَيَّز؛ تنبيهًا على إدراجه في الحديث.
و(الهدَّام) أكّد ذلك بأن وضع رقم التعليق في آخر هذه الزيادة المدرجة منه (١)! !
وكما أخرجه الشيخانِ بدون هذه الزيادة: أخرجه التِّرمذي (٢٩٥٩) -وصحّحه-، وأحمد (٢/ ٣١٨)، والطبري (١/ ٢٤٠)، وكذا النسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٨٦).
وله شاهدٌ من حديث أبي سعيد الخُدري -مرفوعًا-، بلفظ: "قال اللَّه لبني إسرائيل. . . "؛ أخرجه أبو داود بسندٍ حسن.
١٥٢ - "قال عَدِيُّ بن حاتم: أتيت رسولَ اللَّه ﷺ ، فسألته عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقلت: يا رسول اللَّه! ما عبدوهم؟ ! فقال: "حَرّموا عليهم الحلال، وأحلُّوا الحرام، فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتَهم إيّاهم"؛ رواه التِّرمذي وغيره":
جزم به المؤلِّف، وهو الصوابُ.
وأعلّه (الهدَّام) بقوله (٢/ ٣٧٥): "وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، غُطَيف بن أَعْيَن ضعيفٌ، وفيه جهالة"!
فأقول: لقد جمع في وصفهِ الرّاوي بالضعف والجهالة بين الضِّدَّين! وذلك لأنَّ وصفَه بالضعف يعني أنَّه معروفٌ بالضعف في الرواية، ووصفَه بالجهالة يعني أنَّه غيرُ معروفٍ بذلك! !
وهذا الجمعُ -وحده- يُنبئ الباحثَ أنَّه دخيّلٌ في هذا العلم -هذا من جهةٍ-.
ومن جهةٍ أُخرى: أنّه (قد) يكونُ أشار بقولهِ -هذا- إلى قولين مَحْكِيَّينِ
стр. 267
عن بعض الحفاظ:
أحدُهما: الجهالة؛ وهو قول التِّرمذي عَقِبَ الحديث: "وغُطَيف بن أَعْيَن ليس بمعروفٍ في الحديث".
والآخر: ما حكاه الحافظ في "التهذيب" عن الدّارقطني أنَّه ضعّف (غُطيفًا) هذا، وهو وَهَمٌ مَحْضٌ على الدّارقطني؛ فإنَّه إنّما ضعَّف (روح بن غُطَيف) في حديث (الدرهم)؛ اشتبه هذا بذاك على بعض الرّواة المتكلِّم فيهم، فنبَّه الدّارقطني في كتابَيْهِ "العلل"، و"السنن" - على وَهَمِه فيه، وصرَّح بأنَّ راوي هذا الحديث إنَّما هو "روحٌ"، وأنَّه ضعيفٌ، فظنّ الحافظ أنَّه (غُطيف)! فقلَّده (الهدَّام)! ! وَجَمَع بين ضِدَّينِ يمكن أن يصدُرا من شخصين يختلف اجتهادهما في الراوي الواحد، أمّا أن يصدُرا من شخص واحد، فذلك في منتهى الجهل، ولاسيّما وأحدهما لم يقُل بما نُسب إليه!
وقد أودعتُ هذا التحقيق في "السلسلة الصحيحة" برقم (٣٢٩٣)، وذكرتُ للحديث فيه بعضَ الشواهدِ التي تقوّيه، وكتمها (الهدَّام) -ولا أقول: جَهِلَها-، لأنَّ أحدَها أمامَه في مصدرٍ من المصادر التي عزا الحديث إليه! !
١٥٣ - "والمسلمون ينتظرون نُزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء، وكَسْرَه الصليب. . . وخروجَ المهدي من أهل بيت النبوّة، يملأُ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا":
قلت: هو كما قال ﵀، وهي عقيدةٌ تلَقَّاها الخَلَفُ عن السلف، مُدَعَّمَةٌ بعشرات الأحاديث الصحيحة في "الصحيحين" -وغيرهما من "السنن" و"المعاجم"-، ومع ذلك بيَّض (الهدَّام) لها، ولم يُخَرّج شيئًا منها، وغالب الظّن أنَّه لا يُؤمِن بها، ويُشكِّك في صحّتها، تبعًا لبعض ذوي الأهواء قديمًا وحديثًا! وإلّا؛ فلماذا يمرُّ على كلام المصنّف هذا، ولا يخرّج ولا حديثًا
стр. 268
واحدًا، ولو على طريقتهِ المقتضبة، التي جرى عليها في تخريج أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما، وفي أقلَّ من سطر واحد؟ ! (انظر الحديث ١٤٩).
ولعلّه يتهيأ ليسوِّدَ بحثًا، أو ينشر مقالًا (! ) يجمع فيه شبهات المرتابين، ويزيدُ فيها من مَعينهِ الذي لا ينضب جهلًا وجهالةً! !
وانظر -لهذا- تخريجي لبعض أحاديث المهدي الصحيحة في بعض المجلّدات من "السلسلة الصحيحة" -وغيرها-، ومنها المجلد الرابع منها برقم (١٥٢٩)، تحت عنوان "خروج المهدي حقيقة عند العلماء"، والمجلد الخامس رقم (٢٢٣٦) تحت عنوان "نزول عيسى واجتماعه بالمهدي، وآخر برقم (٢٢٩٣) و (٢٣٠٨).
ولي مقدمة إضافيةٌ -في نحو كراس- في الرّد عليهم في كتابي "قصّة المسيح الدّجال، ونزول عيسى ﵇ وقتله إياه" -يَسَّر اللَّه تبييضه ونشره-، وقد توسَّعت في تخريج أحاديث المهدي في "العروض النضير" تحت حديث ابن مسعود ﵁ رقم (٦٤٧).
١٥٤ -
-[«وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالي عنه عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسل وحده، فقالت بنو اسرائيل: والله ماريمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر (١)، فذهب موسى يغتسل، فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه. قال: فجمح موسي بأثره، يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسي. وقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر، حتي نظر إليه بنو اسرائيل، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربا، قال أبو هريرة: «والله إن بالحجر لندبا (٢)، ستة أو سبعة. من أثر ضرب موسى الحجر"، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا - الآية﴾»
------------
(١) أخرجه البخاري (٢٧٨)(٣٤٠٤) و (٤٧٩٩)، ومسلم (٣٣٩).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره، ٢٢/ ٥١ ورجاله ثقات غير بحر بن حبيب شيخ الطبري، فلم أر له ترجمة]-
стр. 269
قلت: هذه (صورةُ) (١) الحديث المراد الكلام عليه، مع تخريجهِ، وهو المُثبَتُ في الحاشيةِ، وهو تخريجٌ أقربُ إلى التضليلِ منه إلى التخريج؛ لأنَّه -وإن عزَاه للشيخين- لا يفيدُ تعيين المُصَحَّح ما هو؟ فإِنَّه -كما ترى- وضع التعليق (١) على لفظ (آدر)؛ فهل هذا، منتهى العزو للشيخين؟ ! وعزا التعليق (٢) على لفظ (لندبًا)، فهل هذا القَدْرُ منه لا يصِحُّ؟ ! لأنَّه أعلّه بجهالة شيخ الطبري!
أنا أعتقد -بناءً على معرفتي اليقينيّه بِطُرُقهِ الملتوية في تضعيف الأحاديث الصحيحة- أنَّ الرجل لا يُؤمن بهذا الحديثِ لما فيه من معجزةِ الحَجَر، ولذلك وعَّرَ على القراء أن يعرفوا صِحَّةَ الحديث، مع التلبيس عليهم بعزوه للشيخين! !
والحقيقةُ أنَّ الحديثَ صحيحٌ بتمامه إلى قولُه: الآية، وسياق البخاري أتّم، وقد خَرَّجته في "الصحيحة" (٣٠٧٥)؛ ولمسلم فيه سياقانِ، أحدُهما أتَمُّ من الآخر، لم يقف عليهما (الهدَّام): فإِنَّ الرَّقم الذي عزاه إليه إنَّما هو في (الطهارة)! وأخشى أن يكون ذلك عن عمدٍ منه ليعزوه للطبري، فيوهّن من صِحَّته بقوله في شيخ الطبري: "بحر بن حبيب؛ لم أر له ترجمة"؛ مع أنَّ الصواب في اسمه (يحيى بن حبيب)؛ هكذا رواه عنه مسلم في "الفضائل" (٧/ ٩٩)؛ فهل كتم هذا، وأظهر المحرَّف ليضعِّفه؟ ! وإلّا فهو جاهلٌ لانطلاء التحريف عليه -أولًا-، ولعزوه ما عند الشيخين للطبري -ثانيًا-؛ فقد رواه البخاري (٣٤٠٤) أيضًا عن شيخٍ آخَرَ متابعٍ ليحيى بن حبيب.
ولا يُستبعد عن هذا (الهدَّام) أنْ يكونَ على علمٍ (! ) بوجه الصواب في
стр. 270
التحريف الواقع في اسم هذا الرّاوي الثقة؛ ثم يستغلّه -معمّدًا- ليتّكئ عليه في تضعيف الحديث، فإنَّه يفعل أكثر من ذلك! لقد تعَمَّدَ تحريفَ اسم راوي الحديث الآتي ليضع فيه جهالته! ثم وضع تعليقه بذلك على الحديث؛ وليس له علاقةٌ به، وإنّما بالحديث الذي بعده، وهو موقوفٌ -كما سترى! ! -.
١٥٥ -
-["وقال ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "كان موسى حَيِيَّا سِتّيرًا، لا يكاد يُرَى من جلده شيء، استحياء منه، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل. وقالوا: ما يتَستر هذا التستر إِلا من عيبٍ بجلده، إِما برص، وإما أُدْرَة، وإما آفة، وإن اللَّه تعالي أراد أن يبرئه مما قالوا" وذكر الحديث (١) ".
وقال سفيان بن حُسين عن الحكم عن ابن جُبير عن إبن عباس عن علي ابن أبى طالب في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون. فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدَّ خبًا لنا منك وألْيَنَ لنا منك. وآذاوه بذلك. فأمر اللَّه تعالى الملائكة فحملته، حتى مَرُّوا به على بني إسرائيل، وتكلَّمت الملائكة بموته، حتى عرفَ بنو إسرائيل أنه مات، فَبرَّأه اللَّه تعالى من ذلك، فانطلقوا به، فدفنوه. فلم يَطَّلع على قبره أحدٌ من خلق اللَّه تعالى إلا الرَّخَم، فجعله اللَّه تعالى أصمَّ أبكم".
------------
(١) أخرجه الطبري ٢٢/ ٥٢ وإسناده، حسن غير شيخ الطبري (علي بن موسى الطوسي) فلم أَرَ من ترجمه.]-
قلت: هذه -أيضًا- (صورةُ) الحديثِ المرادِ الكلامُ عليهِ، مع تخريجهِ؛ فإنَّ حالَه كحالِ سابقهِ!
وفي تخريجه المذكور -في حاشيتِهِ- تضليلان:
стр. 271
أحدهما: أنَّه تعمّد -واللَّه أعلم- تحريفَ اسم والد شيخ الطبري؛ إذ هو على الصواب في طبعة "الطبري". (علي بن مسلم الطوسي)؛ وهو ثقةٌ من شيوخ البخاري.
والآخر: أنَّ هذا الراويَ ليس في إسناد حديث ابن سيرين هذا، وإنَّما هو في إسناد سفيان بن حسين الذي بعده! وأمّا حديث ابن سيرين فهو الذي تقدّم بيان صحّته من رواية مسلم والطبري من رواية يحيى بن حبيب.
فتأمّل كم في تخريج هذا (الهدَّام) -على صِغَرِ حجمهِ- من تخليط وتضليل؟ !
١٥٦ - "وقد روى أبو داود في "سننه" عن ابن عُمر، قال: أتى نَفَرٌ من اليهود، فَدَعَوْا رسولَ اللَّه ﷺ إلى القُفّ (١)، فأتاهم في بيت المدارس (٢)، فقالوا: يا أبا القاسم! إنَّ رجلًا منا زنى بامرأةٍ فاحْكُم، فوضعوا لرسول اللَّه ﷺ وسادةً، فجلس عليها، ثم قال: "ائتوني بالتوراة"، فأُتيَ بها، فنزع الوسادةَ من تحته، ووضع التوراة عليها، ثم قال: "آمنتُ بكِ وبمن أنزلك"، ثم قال: "ائتوني بأعلمكم"، فأُتي بفتى شاب. . . ثم ذكر قصَّة الرَّجم".
ضعّف إسناده (الهدَّام) (٢/ ٤١٠)، دون أن يبيّن السبب -كعادتهِ! - فرضًا لجهله على قرائه-، وليس في إسناده ما يقتضي إطلاقَ الضعفِ عليه؛ فإِنَّه من رواية هشام بن سَعد، أنَّ زيد بن أسلم حدّثه، عن ابن عُمر؛ ورجاله كلهم
стр. 272
ثقات، وفي هشام بن سعد كلامٌ يسيرٌ لا يُنزل حديثَه عن رتبة الحسن.
وذلك ما يفيده كلامُ الحُفَّاظ؛ كالذهبي؛ فإنَّه قال في "المغني": "صدوق مشهور"، ثم ذكر بعض ما قيل فيه.
وقال الحافظ: "صدوقٌ له أوهام".
بل صَرَّح الذهبي بما قلتُ: فقال في "الكاشف" -بعد أن حكى بعضَ ما قيل فيه-: "قلت: حسن الحديث"، وكذلك قال في "الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرّد" (١٨٢ - ١٨٣).
فلا غرابةَ -إذن- في تقوية الحافظ للحديث بسكوته عنه في "الفتح" (١٢/ ١٦٨)؛ كما هي قاعدته، ولذلك كنت حسّنته في "الإرواء" (٥/ ٩٤).
بل الحديث صحيحٌ. . .
فقد قال أبو داود -في هشام بن سعد-: "هو ثقة، أثبتُ الناس في زيد ابن أسْلَم".
كلُّ هذه الحقائق، تجاهلها (الهدَّام) في سبيل نشر هَوَاهُ في تضعيف الأحاديث، عامله اللَّه بما يستحق!
١٥٧ - "كان ﷺ يفتخرُ بقوله: "أنا ابن الذبيحين"؛ يعني: أباه عبد اللَّه، وجَدّه إسماعيل":
قال الجاهلُ (٢/ ٤١٤): "بهذا اللفظ في "الكشاف" للزمخشري، كما ذكر العجلوني (١/ ١٩٩)، وذكره أيضًا -به- الحاكم في "مستدركه" (٢/ ٥٥٩)، ولم يُسنده، ونسبه ابن حجر في "الفتح" (١٢/ ٣٧٨) إلى
стр. 273
"الخِلَعيات" من حديث معاوية، وهو نفسُه عند الحاكم (٢/ ٥٥٤) من حديث معاوية، وفيه: أنَّ أعرابيًّا قال للنبي ﷺ : "يا ابن الذبيحين! "، فتبسَّم رسول اللَّه ﷺ ولم ينكر عليه. . . وتعقّبه الذهبي بقوله: "إسناده واهٍ".
قلت: هذا الحديثُ لا أصلَ له بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف ﵀، ومع ذلك فقد استهلّ (الهدَّام) تخريجَه بما لا فائدة يستفيدُها القرّاء من ذكره للزمخشري، والعجلوني، والحاكم! فإنّهم لو أخرجوا الحديث أو أسندوه لم يُفِد ذلك شيئًا إلّا ببيان حال إسناده، فكيف وهم علّقوه، ولم يذكروا إسنادًا له؟ !
ولو أنَّ الحاكم أسنده وصحّحه ولو بسندٍ حسن، لبادر إلى الرَّدِّ عليه وتصديره بقوله: "إسناده ضعيف" -كما هي عادته! -، فما الذي جرى -هنا- حتى خرج عن عادته، فعَمّى على القرّاء حقيقةَ هذا الحديثِ، وأنَّه لا أصل له؟ !
لا شيءَ سوى المشاكسةِ والمعاكسةِ التي عَجَنَ نفسَه بها، وجرى -كما رأيتَ فيما تقدّم في كُلِّ تخريجاته- عليها؛ فقد رآني قد صَدَّرتُ الحديثَ بقولي: "لا أصلَ له بهذا اللفظ"، في، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٣٣١)، ثم خرَّجته مفصّلًا في صفحتين من رواية الحاكم مُعَلّقًا بهذا اللفظ، ومسندًا من حديث معاوية باللفظ الواهي، ومن تخريجي المذكور؛ قدَّم (الهدَّام) الخلاصةَ المذكورةَ أعلاه! وهي، خلاصةٌ مظلمةٌ لا نُورَ فيها، فقد كان من الواجبِ عليه أن يصرِّح بأنَّ اللفظَ المذكورَ لا أصلَ له -كما فعلتُ-، ولكنْ منعه من ذلك حبُّ المشاكسة والمعاكسة، والظهورُ بمظهر الباحث المستقلّ الذي لا يُقَلِّد (! )، وهو في الواقع لا يُحسن حَتّى أن يكون (إمَّعة) لأهلِ العلم! لِعُجْبهِ وغروره! ! نسألُ اللَّه السلامة.
стр. 274
وهذا آخرُ حديثٍ في كتاب ابن القيم: "إغاثة اللهفان" خرَّجه (الهدَّام)، وانكشف به حالُه عِلمًا وخُلُقًا، واللَّه المستعانُ، ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
عمان صباح السبت ٢٢ ذي القعدة سنة ١٤١٥ هـ
وكتب محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن