← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 150846

النصيحة بالتحذير من تخريب «ابن عبد المنان» لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أذكر منها: "الضعيفة" (٤٧٢٨) -؛ ومثله لا يخفى وهاؤه على ابن القيم ﵀، وليس هو مكنصودَه، وإنَّما مقصودُه إفرادُه بالصَّوم -كما يفعل بعض العامّة والعجائز-. وقد روى ابنُ أبي شيبة (٣/ ١٠٢)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٨٢/ ١/ ٧٧٨ - بترقيمي) عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، قال: رأيت عُمَرَ يضرب أكُفَّ النّاس في رجب، حتى يضعوها في الجِفَانِ، ويقول: كُلُوا؛ فإنَّما هو شَهْرٌ كان يعظّمه أهل الجاهلية! وإسناده صحيح. ونحوه ما أخرجه عبد الرّزاق (٤/ ٢٩٢/ ٧٨٥٤) بسند صحيح عن عطاء، قال: كان ابن عَبَّاسٍ ينهى عن صيام رجبٍ كُلِّه؛ لئلَّا يُتَّخَذَ عيدًا. ثم روى هو - (٧٨٥٨) -، وابن أبي شيبة، عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، قال: ذُكر لرسول اللَّه ﷺ قومٌ يصومون رجب؟ فقال: "وأين هم من شعبان؟ ! ". وإسناده مرسلٌ صحيحٌ. وروى ابنُ أبي شيبةَ، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: كان ابن عُير إِذَا رأى الناس وما يُعِدُّوَنُه لرجب؛ كره ذلك. وإسنادهُ صحيحٌ، ومحمد هذا: هو ابن زَيْدِ بن عبد اللَّه بن عُمر، وقد سمع من جَدّه عبد اللَّه بن عمر. وروى ابن وضَّاح القرطبي في "البدع والنهي عنها" (ص ٤٤) بسند ضعيف عن الشعبي، أنَّ عمر بن الخطّاب كان يضرب الرّجَبيين؛ الذين يصومون رجبَ كلّه.

стр. 212

قلتُ: فهذه الرّوايات هي التي أشار إليها ابن القيم بقوله المذكور، وليس الحديثَ الواهي الذي ليس له علاقةٌ بالموضوع، فأعرض عما يجب تخريجُهُ -وصحّ-، إلى ما لا ينبغي تخريجُهُ -ولا يصحُّ! -، وهَكذا فلْيكُنِ التَّخريجُ والتحقيق! ! وقد فصَّل القولَ في صيام شهر رجب: الإمامُ الطُّرطوشيُّ في كتابه القيِّم "الحوادث والبدع" (ص ١٣٨ - ١٤٢/ تحقيق الأخ علي الحلبي)، والحافظ ابن حَجَر في آخر رسالته "تبيين العَجَب فيما ورد في فضل رجب"؛ فلْيرجع إليهما مَن شاء. وكذلك لم يُخَرِّج (الهدَّام) إفرادَ يومِ الجمعة بالصوم، وخرّج حديث النهي عن التخصيص (١)، فهذا أخصُّ، وذاك أعمُّ، فكان ينبغي تخريجه لو كان يعلم! وهو من حديث جابر ﵁، يرويه محمد بن عَبّاد بن جعفر، قال: قلت لجابر أسمعتَ رسولَ اللَّه ﷺ ينهى أن يُفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: إِيْ وربِّ الكعبة. أخرجه النسائي في "الكبرى" (٢/ ٢٧٤٧/ ١٤١) بسندٍ صحيح، وأصله في "البخاري" (١٩٨٤)، وعلّقه بلفظ النسائي، انظر "الفتح" (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤). (تنبيهٌ): حديث أبي هريرة الذي عزاه (الهدَّام) لمسلم، قد ضعَّفه في "ضعيفة الرياض" (٥٦١/ ١٢٣)! ١٠٧ - قال ابنُ القيِّم ﵀: "وقال ﷺ : "إِذَا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"، سدًّا لذريعة الفِتنة والفُرقة": قلت: فرفض (الهدَّام) (١/ ٥٠٨) هذا الحُكْمَ، وأعَلّ حديثَه بعد أن عزاه

стр. 213

لمسلم، والبيهقي من طريق وَهْب بن بقيّة الواسِطي، عن خالد بن عبد اللَّه، عن الجُرَيْري، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سَعِيد الخدري. . . مرفوعًا، فقال (الفَسْلُ): "خالد بن عبد اللَّه الواسطي؛ لم يُذكر فيمن روى عن الجُرَيري قبل الاختلاط، وهب بن بقية: ثقة، لا يحتمل التفرُّدَ بمثل هذا الأصل"! فأقول لهذا الجاهلِ الظالمِ المتعالمِ: أَوّلًا: كذلك لم يُذكر خالدٌ فيمن روى عن الجُرَيري -واسمه سَعِيد بن إياس- بعد الاختلاط، فالعدلُ والواجبُ حينئدٍ التوقُّف عن الجزم بتضعيف حديثه؛ حتى يتبيَّن ما يُرَجِّح الصّحة أو الضعف. ثانيًا: إنَّ الاختلاطَ الذي رُمي به لم يكن فاحشًا -كما قال ابن حبّان-، فهو -والحالةُ هذه- حُجَّةٌ كسائر الثقات الذين فيهم ضعفٌ يسيرٌ ما لم يظهر خَطَؤُهُ. ولذلك قال الذهبي في "الميزان": "أحد العُلَماء الأثبات، تغيّر قليلًا، ولذلك ضعَّفه يحيى القطان، ووثّقه جماعة". وقال في "المغني": "ثقةٌ مشهور، تغيَّر قليلًا، ضعَّفه القطان". وَمَعَ ذلك؛ لم يمتنع الشيخان من الاحتجاجِ بحديثه في "الصحيحين"، وتبعهم على ذلك أصحاب "الصحاح"، كابن حِبّان -نفسه-، فاحتجّ به في "صحيحه". ومن جُملة ما أخرجا له: رواية خالد بن عبد اللَّه -هذا- وهو الواسِطي -عنه- كما في "تهذيب المِزّي"-. على أنَّ الذهبي قد وجّه إخراجَهما عنه بتوجيهٍ آخرَ، فقال في "السير"

стр. 214

(٦/ ١٥٥ - ١٥٦) -بعد أن نقل عن الإِمام أحمد استغرابه لحديثه هذا-: "وقد رَوَيَا له في "الصحيحين"، وتحايَدَا ما حَدَّث به في حالةِ تغيُّر حفظهِ". يشير إلى أنَّ حديثه هذا لا يُعَلُّ بالتغيُّر؛ لأنَّه مِمَّا انتقاه مسلم في "صحيحه". ثالثًا: لا نُسَلِّم بأنَّ خالدًا هذا سمع منه بعد الاختلاط، أو التغيّر، فقد ذكروا جماعةً رووا عنه قبل التغيُّر تأخَّرت وفاتُهم عن وفاة خالد بسنين كثيرة، مثل عبد الأعلى بن عبد الأعلى؛ توفي سنة (١٩٨)، وتوفي خالد سنة (١٧٩ أو ١٨٢)، وهو -وإن كان واسطيًّا-: فقد سمع من جماعةٍ من الشيوخ البصريين هم أقدمُ وفاةً من الجُرَيري (ت ١٤٤)، مثل حُمَيد الطويل، وسليمان التَّيْميِّ؛ تُوُفِّيا سنة (١٤٣)، وخالد بن مِهْران الحَذّاء (ت ١٤١) ويونُس بن عُبَيد (ت ١٣٩). ولعلّ في هذا التحقيق ما يُزيل تردُّدَ الحافظ في "مقدمة الفتح" (ص ٤٠٥): "لم يتحرّر لي أمرُه إلى الآن؛ هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ ! ". وبذلك يسقط تعجُّب المعلِّق على "تهذيب الكمال" (١٠/ ٣٤٢) من إخراج الشيخين لسعيد هذا، جازمًا بأنَّه ممن سمع من (الجريري) بعد الاختلاط! وهذا باطلٌ لأنَّه لم يقل به أحدٌ من الحفّاظ، وهو وَهَمٌ محضٌ، وحَسْبُك -دليلًا- تردُّدُ الحافظ المذكور، بِغَضِّ النظر عن التحقيق المزبور هذا هو الجوابُ عن إعلال (الهدَّام) للحديثِ بالاختلاط، وقد تبيَّن أنَّه سالِمٌ منه، والحمدُ للَّه.

стр. 215

وأمّا قولُهُ: "وهب بن بقيّة: ثقةٌ، لا يحتمل التفرّد. . . "؛ فمن شقاشقِه التي يتشبَّثُ بها في سبيل ردِّ رواية حديث الثقةِ المتفق على صحَّة حديثه! ثم؛ ما هو السببُ -عند هذا الظالم- في ربط هذه الدعوى الباطلةِ به، دون مَن فوقَه مِن الثقات؟ وما الفرقُ -عنده- في ردّ أي حديث من أحاديث الثقات بمثل هذه الدعوى الكاذبة؟ ! أليس هذا من الأدِلَّة الكثيرة على أنَّ هذا الرجل هو -كما قيل: - (يَهْرِف بما لا يَعْرِف)؟ ! ثم ماذا يقول الظالمُ -يا تُرى! - في ثقةٍ آخر قد تابع الأوّل؟ وهو عَمْرو ابن عَوْن الواسطي: ثنا خالد بن عبد اللَّه. . . به، أخرجه أَبُو عَوَانة في "صحيحه" (٤/ ٤٦٠). وماذا يقولُ -أيضًا- في بقيَّة الطرقِ والشواهدِ التي يطولُ الكلام بذكرها، وقد ذكرتُ الكثيرَ الطيِّبَ منها في "الصحيحة" (٣٠٨٩)، ومنها حديث عَرْفَجة ﵁، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتَكم: فاقتلوه". أخرجه مسلم، وأبو عَوَانة، وابن حِبّان في "صِحاحهم"، وهو مخرّج في "الإرواء" (٨/ ١٠٥). ومثلُه قولُه ﷺ حديث ابن عَمْرٍو -الطويل-: ". . . وَمَن بايع إمامًا، فأعطاه صفقةَ يدِه، وثمرةَ قلبِه؛ فَلْيُطعْه ما استطاع؛ فَإنْ جاء آخرُ يُنازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر". ونحوهُ حديثُ أسامةَ بنِ شَرِيك، رواه أبو عَوَانةَ -وغيره-، وهو مخرّج في

стр. 216

"ظلال الجنّة" (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦). وإذا عرفتَ هذا؛ تبيّن بطلانُ وسقوطُ تمامِ كلامه في تخريج الحديث: "قلت: وشواهده كلها لا تصحُّ. . . " إلخ، ولا سيّما وهو كلامٌ مُضَلَّلٌ مُعَمًّى، فما هي الشواهدُ التي يعنيها؟ ! إنَّه -كعادتهِ- يُعَمِّي ولا يُبَيِّن، وهو شأن المُضلِّل -المُضَلَّل - دَوْمًا-! ! ١٠٨ - حديث "أطعموها الأُسارى": قال (الهدَّام) (١/ ٥١٤): "أخرجه أبو داود (٣٣٣٢) بإسناد حسن". كذا قال! ولم يُبَيّن لماذا هو حسن فقط، وليس بصحيح؟ ! كما هي عادتُهُ في كلّ ما حَسَّنَه -فيما تقدم-، ولو أنَّه فعل لانكشفَ أنَّه لا ضوابطَ عنده ولا قواعد؛ إلَّا أن تكون من وضعِه هو -بهواهُ-؛ مخالفًا لعلماء المسلمين تأصيلًا وتفريعًا؛ يدلُّ على ذلك كثرةُ مخالفالِّه لهم -فيما تقدم ويأتي-؛ ومِن ذلك هذا الحديثُ؛ فقد صحّحه الإِمام النووي، والحافظ العسقلاني، وهو قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داود وغيره، وهو مخرّج في "أحكام الجنائز" (ص ١٨٢). ١٠٩ - "وقال الزُّهْري، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أمّه أُم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط -وكانت من المهاجرات الأول-: لم أسمع رسولَ اللَّه ﷺ يرخِّص في شيء مما يقول الناس: إنَّه كَذِبٌ؛ إلَّا فى ثلاث: الرجل يُصلح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب": قال (الهدَّام) (١/ ٥٢٤): "أخرجه مسلم (٢٦٠٥)، والصواب أنَّه من كلام الزهري، كما في وواية يونُس، عن الزهري؛ ويونُس من أوثق الناس في الزهري .. . . ". إلخ.

стр. 217

وأقولُ: بل الصوابُ أنَّه مرفوعٌ من كلام رسول اللَّه ﷺ ، رواه أربعةٌ من الثقات عن الزهري بسنده الصحيح -الذي ساقه ابن القيم ﵀ محتجًّا به-. ويُونس الذي اتَّكَأَ عليه (المضعِّف) في وَقْفِه على الزهري؛ قد رواه بعضُهم عنه عن الزهري. . . مرفوعًا. وبيانُ ذلك من وجوه: الأَوَّل: أنَّ (الأوثقّيةَ) التي ذكرها؛ مما اختلف الحُفَّاظ فيها، فهو -كعادتِه- يأخذ من أقوالهم ما يشاءُ؛ ممّا يوافق هواه: فقد قال الحافظُ ابنُ رَجب في "شرح علل الترمذي" -وهو من مراجع المضعِّف! - بعد أن حكى بعضَ الأقوالِ في (الأوثقيّة) -المذكورة (ص ٣٤٢) -: "وكان الإِمام أحمد سيِّئَ الرأي في يونُس بن يزيد. . . ". وفي "التهذيب": "وقال الميموني: سئل أحمد: مَنْ أثبتُ في الزُّهري؟ قال: مَعْمَر، قيل: فيونُس؟ قال: روى أحاديث منكرة". وقال في روايةٍ أخرى: "هو كثيرُ الخطإ عن الزهري"! الثاني: سَلّمنا (بالأوثقيَّة) المدَّعاة، ولكنْ ليس على إطلاقها، وإنَّما في كتابهِ، فقد قيَّدَه بذلك بعضُ الحفّاظ كابن المبارك -وغيره-؛ فقالوا: "كتابه صحيح". ولما ذكره عليُّ بن المَدِيني في "أثبت الناس"؛ قَدّم عليه جماعةً، وقال بعدهم: "ويونُس من كتابه". وروى ابنُ أبي حاتم بِسندٍ صحيح عن وَكِيعٌ، قال: "لقيت يونُس بن يزيدَ الأيْلي، وذاكرتُه بأحاديث الزهري المعروفةِ، وجهدتُ أن يُقيم لي حديثًا، فما أقامه".

стр. 218

وهذا الحديثُ لم يذكر أَحَدٌ -فيما علمتُ- بأنَّه حدَّث به من كتابهِ، فسقط التصويبُ القائمُ عليها. الثالث: سَلَّمنا (بالأوثقيّة) المزعومة على إطلاقها، ولكنّ ذلك لا يعني أكثرَ من ترجيحِ روايته على رواية مَنْ هو دونه في (الأوثقيّة)؛ كأن يخالفه ابنُ جُريج -مثلًا-، والأمرُ ليس حصذلك هنا! فقد خالفه أيضًا عبدُ الوهّاب بن أبي بكر، وصالح بن كَيْسان، ورواياتهم مخرَّجة بالأسانيد الصحيحة عنهم في "الصحيحة" برقم (٥٤٥). ثم وجدتُ لهم متابعًا رابعًا؛ هو أوثقُ منهم ومن يونُس جميعًا، ألا وهو (الزُّبَيدي: محمد بن الوليد): أخرج حديثَه النسائي في "السنن الكبرى" (٥/ ٣٥١/ ٩١٢٣): أخبرنا كَثِير بن عُبيد الحِمْصي، قال: ثنا محمد بن حرب، عنه، عن الزُّهري. . . به. وقال الحافظ في (الزُّبيدي): "ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري". وفضّله الجُوزَجاني على يونُس؛ كما في "شرح العلل" (٣٤٠). وَلعِلْمِ (الهدَّام) بهذا -واللَّه أعلم! - كابرَ -كعادته-، وأجاب عنه بجواب تضحك منه الثَّكلى؛ فقال (ص ٤٠٦ - "رياضه"): "لم يتعيَّن القائلُ في رواية الزُّبيدي عند النسائي"! وليتَ شِعري؛ هل يقولُ مثلَ هذا الكلامِ عاقلٌ يدري ما يخرج من رَأْسهِ؛ في حديث كهذا، صحَّ إسناده -كما تقدّم- إلى الزبيدي، وليس بينه وبين النسائي غيرُ ثقتين، كَثير بن عُبيد ومحمد بن حرب؟ ! نعم، قد يقولُ -هذا- المجادلُ بالباطل فيغمزُ من أحدهما، ويزعم أنَّه أخطأ على الزبيدي، ولكنّه لم يتعَيَّن!

стр. 219

فإن كان يريدُ هذا! ! فهو من أباطيلهِ الكثيرِة التي لا تحصي، والتي لا يعجزُ عنها أجهلُ الناس، وأشَدُّ الناس عِداءً للسنة، ولأنَّها مبنيّة ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، ألا وهي تخطئةُ الثقات بغير حُجّةٍ أو قاعدةٍ علميةٍ. ويا تُرى! ما الفرقُ بينه وبين ما لو عارضه معارضٌ مثله، فقال: أخطأ يونُس في إيقافه لهذا الحديث على الزهري، كما أخطأتَ أنت في تصويبك لوقفه، أو خَطّأك في كل تصحيحاتك وتحسيناتك، التي تُطلقها -دون بيانٍ-، مخالفًا أسلوب العلماء في تخريجاتهم وتضعيفاتهم؟ ! يَرِدُ ذلك عليه دون أيِّ بحثٍ أو تحقيق، اليس هذا هو الهَدْمَ للسنّة -الذي يقومُ به هذا (الهدَّام) -؟ ! وإنَّ من دعاويه الباطلةِ والكاذبةِ في تعليقه المشار إليه في "الرياض"؛ قولَه في الثقات الثلاثة الذين سبق ذكرُهُم -ابن جُريج، وعبد الوهّاب، وصالح-، قال: "ليسوا بالأثبات في حديث الزُّهري -كما في "شرح علل الترمذي"-". فأقولُ: هذا الكلام -على قلَّته- فيه كذبٌ وتدليسٌ: أمّا الكذبُ؛ فقد ذكر الحافظُ ابنُ رَجَب في الشرح المذكور بحثًا علميًّا رائعًا، تحت عنوان: (أصحاب الزهري)، وطبقاتهم، ومراتبهم في الرّواية عنهم، تُساعد الباحثَ العالم على ترجيح رواية على أُخرى عند التعارض - (ص ٣٣٨ - ٣٤٤) -؛ جاوز عددُهم العشرةَ، ليس فيهم عبد الوهاب! وأمّا التدليسُ، فهو أنَّه أوهم قُرّاءه أنَّ الحافظ ابن رجب نفى أن يكونَ صالحٌ من الأثبات، والواقع أنَّه لم يفعل ذلك، وإنَّما ذكر عن ابن مَعِين أنَّه قال: "مَعْمَرٌ أحبُّ إليَّ من صالح بن كَيْسان"؛ وهذا لا يعني -بأيِّ وجهٍ من الوجوه- ما نسبه إلى ابن رجب في "شرحه"! ألا تَرَى أنَّه ذكر (ص ٣٣٩) عن يحيى بن سَعِيد أنَّه قال: "ابن عُيَينة أحبُّ إلي في الزهري من مَعْمَر".

стр. 220

فهل يقولُ (الهدَّام) في (مَعْمَر) ما قاله في (صالح)؟ ! وهل الذي قاله -أو نَسَبه- إلى الحافظ ابن رجب، هو من جهلهِ، أو سوءِ فهمه، حتى وقع في مثل هذا التناقض؟ ! أحلاهما مرٌّ! والوجه الرّابع: ما رواه البخاريُّ في "الأدب المفرد" (رقم ٣٨٥): حدّثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني يونُس، عن ابن شِهَاب. . . به، مثل حديث الأربعة. وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، غير (عبد اللَّه بن صالح) -وهو كاتب الليث-، والخلافُ فيه معروفٌ، وقد أورده الحافظ في "مقدمة الفتح" (ص ٤١٤)، وذكر فيه طائفةً من أقوال الأئمة، ما بين موثّق ومضعِّف، ثم عقّب على ذلك بقوله: "قلتُ: ظاهرُ كلامِ هؤلاء الأئمة؛ أنَّ حديثَه في الأوّل كان مستقيمًا، ثم طَرَأَ عليه فيه تخليطٌ، فمقتضى ذلك: أنّ ما يجيءُ من روايته عن أهل الحِذْق -كيحيى بن معين، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم-، فهو من صحيحِ حديثهِ، وما يجيءُ من رواية الشيوخ عنه، فَيُتَوَقَّفُ فيه". قلتُ: وعلى هذا التفصيلِ يكونُ حديثُ عبد اللَّه بن صالح -هنا- عن الليث من صحيح حديثه، لرواية البخاري، وإن مما يؤكّد ذلك أنَّه قد تابعه أَبُو بكرٍ وهو ثقةٌ محتجٌّ به في "الصحيحين"-: فقال أَبُو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ٨٨): حدثنا يونُس، قال: أخبرنا يحيى بن عبد اللَّه بن بُكَير. وحدثنا محمد بن خُزَيمة، وفَهْدٌ، قالا: ثنا عبد اللَّه بن صالح -قال كلٌّ منهما-. حدّثني الليث. . . به. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٤٩٠ - ٤٩١) من طريق أخرى عن ابنِ بُكَير .. به.

стр. 221

قلتُ: فإِذا صحَّ هذا، فيكون الليث متابعًا خامسًا، وهو ثقةٌ حجّةٌ في كل شيوخه، ومنهم يزيدُ بن الْهَاد، فقد رواه عنه، عن عبد الوهّاب، عن ابن شِهَاب -عند أحمد وغيرهِ-، وهو مخرّجٌ في "الصحيحة" -كما سبقت الإشارةُ إلى ذلك-. وجملةُ القولِ: فهذه خمسةُ طرقٍ عامّتها صحيحةٌ عن الزُّهْري، لا تَدَعُ أيَّ شكٍّ أو ريبٍ في ثبوت رفع الحديث إلى النبي ﷺ عند كل مسلم مُنْصِف يغارُ على حديث رسول اللَّه ﷺ أن يُنتقصَ منه، ويُنسب إلى غيره، كما يغار أن يُنسب إليه ما لم يقُلْه من حديثِ غيره؛ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. وبعد هذ! كله؛ فإِنِّي أقول: إنَّه لا تلازُمَ -عند أهل الحق والعلم- بين كون حديثٍ -ما- ضعيفَ الإسنادِ، وبين أن لا يكونَ له -أو لبعضهِ- أسانيدُ أُخرى تُقَوِّيه، فالباحثُ الناصحُ -حقًا- لا يقفُ عند هذا الإسناد، بل إنَّه يتوسّع في بحثه، ويوسّع أُفُقَ نظرهِ لعلّه يجدُ ما يقوِّيه أو يقوِّي بعضَه على الأقل، وهذا مما لا يفعلُه (الهدَّام) - وقد تقدّمت له أمثلةٌ كثيرةٌ، ومنها هذا الحديثُ؛ فقد كنت ذكرتُ له بعضَ الشواهد في "الصحيحة"، فَأَعْرَضَ عنها -قصدًا وكتمانًا للحق! -. بل إنَّه تعامى عمّا هو أصحُّ منها، وهو قولُه ﷺ : "الحرب خدعة"؛ الذي أخرجه الشيخانِ -وغيرهما- عن جمعٍ من الصحابة، حتى بلغ -أو كادَ يبلُغُ- التواتر، وهو مخرّج في "الروض النضير" (٧٧٠)، و"صحيح أبي داود" (٢٣٦٩) -وغيرهما-. فيا تُرى! ألم يكن من الواجبِ على هذا (الهدَّام) -لو كان بنَّاءً ناصِحًا- أن يُنبَّهَ قُرّاءه بأنَّ تضعيفه لهذا الحديث لا يشملُ هذه الفِقرةَ منه؛ لصحّتها

стр. 222

عنده أيضًا؛ فقد أثبتها في "رياضه" رقم (١٠٢٩)؟ ! وبهذه المناسبةِ أقولُ -مذكِّرًا بتخريبِ هذا (الهدَّام) -: إنَّ رقم هذا الحديث في "رياض الصالحين" (١٣٥٩) -الأصل-؛ فليتأمّل القراء الكرام الفرقَ الشاسعَ بين "رياضه"، و"رياض الصالحين"! ثم إنَّ حديثَ -"الحرب خدعة"- ذكره ابن القيِّم بعد صفحات (٥٣٠)، فلم يُخَرِّجه (الهدَّام)، وإنَّما أحال به على حديث الزُّهري -الذي أعلّه بالوقف-، فقال: "تقدّم تخريجه"؛ فهل كان هذا عن غفلةٍ أو تغافُل؟ ! الثاني هو الأقربُ إلى هدمهِ! ولابُدّ لي بهذه المناسبةِ من التنبيه على ما يأتي: أوّلًا: لقد كان يكفي هذا (الهدَّامَ) -رادعًا له عن إصراره على تضعيفِ الحديث هنا وهنا-؛ علمُهُ بِجَرَيان عملِ العلماء عليه، واحتجاجِهم في كتبهم، مع اطِّلاعِهم على العلّة المزعومة، كالإمام النووي في "الرياض"، و"شرح مسلم" -وغيرهما-، والشيخين: ابن القيِّم هنا، وشيخه في "الفتاوى" (٢٨/ ٢٤٤)، والحافظ العراقي في مواطن من كتابه "تخريج الإحياء"، وابنه أبي زُرعة في "طرح التثريب" (٧/ ٢١٥)، والحافظ ابن كثير في "التفسير"؛ وغيرهم كثير وكثير -مما لا يمكن إحصاؤه-. ثانيًا: بمناسبة ذكر ابن كثير؛ لقد قال في تخريج هذا الحديث - مِن "تفسيره" (١/ ٥٥٤) -بعد أن مماقه بإسناد أحمد، من طريق صالح بن كَيْسان-: "رواه الجماعةُ سوى ابن ماجة من طُرُق عن الزهري. . . به". قلت: فيه تساهُلٌ؛ لأنَّ البخاري والترمذي ليس عندهما إلَّا قولُهُ -قبل هذا الحديث-: "ليس الكذّابُ الذي يُصلح بين الناس، فَيَنْمي خيرًا أو يقول

стр. 223

خيرًا"، وزاد مسلم -وغيره- عَقِبَ هذا حديثَ الترجمةِ. ثالثًا: لقد وهم الحافظُ ﵀ في جزمه -في "الفتح" (٥/ ٣٥٠) - بأنَّ هذه الزيادةَ مُدْرَجَةٌ، وفرح بها (الهدَّام)؛ فاتَّخذها تُكَأَة لتضعيفِ الحديثِ! وهو غيرُ معذورٍ -لما تقدم-، بخلاف الحافظِ؛ فإنَّه لم يقف -واللَّه أعلم- على أكثر المتابعات السابقة، وبخاصَّة منها متابعة (عبد الوهاب بن أبي بكر). وقد قال فيه ابنُ أبي حاتم (٣/ ١/ ٧١) عن أبيه: "هوِ ثقة، ما به بَأْسٌ، هو من قدماء أصحاب الزُّهري، صحيح الحديث، كان وكيلًا للزهري بـ (بَداء شَغْب)؛ وأقرّه الحافظ في "التهذيب". ولخّص كلامه -في "التقريب"- بقوله: "وكيل الزهري؛ ثقة". ولم يتنبّه لوهم الحافظ -هذا- المعلِّقُ على "الإحسان"، فنقله (١٣/ ٤١ - ٤٢) وأقرّه! والمعصوم من عصمه اللَّه -تعالى-. ١١٠ - "دُعي أبو هريرة ﵁ إلى طعام، فقال: إني صائمٌ، ثم رأوه يأكلُ، فقالوا: ألم تقل: إنّي صائم؟ ! فقال: ألم يقُلْ رسىولُ اللَّه ﷺ : "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدّهر"؟ ! ": قال (الهدَّام): "أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٤ و ٥١٣)؛ ورجاله ثقاتٌ؛ وهو من حديث عبد اللَّه بن عمرو، عند البخاري. . ومسلم. . . ". قلت: يعني بحديث ابن عمرو المرفوعَ -فقط- من حديث أبي هُريرة، وهذا من عِيِّهِ -أو جهْلِهِ- بفنِّ التخريج، لكنْ في تخريجه لحديث أبي هُريرة مؤاخذتان:

стр. 224

الأولى: اقتصاره في عزوه على أحمد، وقد رواه أبو يعلى، وابن حبان! ولعله عن عمْدٍ فعل ذلك؛ تعميةً لصحّته عن القراء، وإن كان هو لا يُؤمِن بتصحيح ابن حِبان، ولا يعتدُّ به مطلقًا! وهو من جَنَفِه وظلمِه؛ والحقُّ التفصيلُ -كما هو معروفٌ-. والأخرى: اقتصارهُ على قولُه: "ورجاله ثقات"؛ وحقه أن يقول: "إسناده صحيح"، بدلَ: "ورجاله ثقات"، أو يجمع بينهما؛ فإنَّه من رواية حمّاد ابن سَلَمَة، عن ثابت، عن أبي عُثمان النَّهْدي، عن أبي هريرة. وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم، كما كنتُ ذكرت ذلك في "الإرواء" (٤/ ٩٩)، وذلك لأنَّ أبا عُثمان النَّهْدي -واسمه: عبد الرحمن بن مُلٍّ- أخرج له الشيخان عن أبي هُريرة؛ وحمّاد بن سَلَمَة احتجّ به مسلمٌ في روايته عن ثابت، وهو فيها ثقةٌ اتفاقًا، فلا أدري -إذن- لِمَ لَمْ يُصَحِّحه؟ ! أهو المشاكسةُ والمعاندةُ التي جرى عليها في تضعيفاتهِ؟ ! أُم هي المعاداةُ لأئمة السنة الذين منهم حمّادُ بن سَلَمة؟ القائلُ: "من طلب الحديث لغير اللَّه -تعالى- مُكِرَ به"، والذي قال فيه إمامُ السنة -أحمدُ ابن حنبلٍ-: "إِذَا رأيتَ الرجلَ يغمِزُ حمّاد بن سَلَمَة فاتّهمه على الإسلام، فإِنَّه كان شديدًا على المبتدعة"، ولذلك أعلن تضعيفَه بعضُ المبتدعة وأعداء السنة في هذا العصر، فأخشى أن يكون (الهدَّام) منهم؛ فإِني أراه منحرفًا عنه! وضعّف له حديثًا من روايته عن ثابت، تقدم برقم (٦)! ! ١١١ - حديث: "هَلُمَّ إلى الغداء المبارك": عزاه (الهدَّام) (١/ ٥٢٨) لرواية جمع -منهم ابن خُزيمة، وابن حبّان- عن العِرْباض، وقال: "وفي إسناده ضعف"، وإلى النسائي عن المِقْدام، وابن حِبّان عن أبي الدّرداء، وقال: "وفيهما كلامٌ أيضًا".

стр. 225

قلتُ: هذا التضعيفُ المبهم إمّا أن يعني أنَّ متنَ الحديثِ ضعيفٌ لا يتقوّى بمجموع هذه الطرق؛ فهذا باطلٌ، لأنَّها ليست شديدةَ الضعفِ -كما يشير إلى ذلك إخراجُ ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحهما" للحديثِ-؛ فهو صحيحٌ لغيره. وإن كان يعني أنَّه صحيحٌ أو حسنٌ على الأقلّ؛ فلماذا كتمه، وما بيّنه؟ ! على أنَّ له شواهدَ أخري، لا أستبعد أنَّه تَعَمَّد كتمانَها: منها حديا عائشة عند أبي يعلى (٤٦٧٩)، وحديث ابن عباس في "أوسط الطبراني"، وعنه الخطيب (١/ ٣٨٧) (١) وكلُّها مخرّجةٌ عندي في "صحيح أبي داود" (٢٠٣٠)، ولذلك أشار المنذري في "الترغيب" (١/ ٩٢/ ٥ و ٦) إلى تقويته، وكذلك عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الصغرى" (١/ ٣٨٢). وإنّ مما يؤكّد كتمانَه المذكورَ: أنَّ من طرقه -عند النسائي- ما رواه من طريق ثَوْر، عن خالد بن مَعْدان -مرسلًا-، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لرجلٍ. . . فذكره. وإنّما كتمه لصحّة سنده! ولأنَّ الحديث يتقوّى به وبموصولٍ واحدٍ من تلك المسندات؛ كما هي القاعدةُ عند العلماء؛ ونصّ على مثل ذلك الإِمام الشافعي ﵀؛ فكيف لا يُقَوّى بها كلِّها؟ ! وكتم -أيضًا- شاهدًا قويًا عند النسائي -أيضًا-؛ من طريق عبد اللَّه بن الحارث، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال:

стр. 226

دخلتُ على النبي ﷺ وهو يتَسَحّر، فقال: "إنَّها برَكَةٌ أعطاكم اللَّه إياها؛ فلا تَدَعُوه". وإسنادهُ صحيحٌ، وصحّحه عبد الحق الإشبيلي. انتهى الرَّد على حسّان عبد المنّان - (الهدَّام) - في تعليقاته الظالمة، والمضعِّفة للأحاديث الصحيحة في الجزء الأول مِن "إغاثة اللهفان". ويتلوه الردُّ على تعليقاتهِ في الجزء الثاني -منه-:

стр. 227

١١٢ - "وصحّ عن ابن عُمر ﵄: أنَّه قد سُئل عن الرجل يكون له الدَّيْنُ على رجلٍ إلى أجل، فيضع عنه صاحبُه، ويُعَجّل له الآخر؟ فكره ذلك ابن عمر، ونهى عنه": قال (الهدَّام) (٢/ ١٥) مشاكسًا معاكسًا: "أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨)، وفيه عثمان بن حفص بن خَلْدَة، قال البخاري: لا يتابع في حديثه: "اللسان" (٤/ ١٣٣) ". قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ؛ فإنَّ البخاري لم يقل ذلك في عثمان هذا، وإنَّما في (عثمان بن حَفْص) -غير منسوب إلى (ابن خلدة) -، ثم تشكّك في كونه هو هذا، أو هو (عثمان بن عبد الرحمن الوَقّاصي)؟ ! قلتُ: وذلك لأنَّ الوَقَّاصي متروكٌ، والحديث الذي عَقّب عليه البخاري بقوله: "لا يتابع عليه" هو به أشبهُ؛ لنكارته، (وابن خَلْدة) لا يَحتملُ مثله، كيف وقد وثّقه ابن حبان (٥/ ١٥٥)، وابن عبد البر، وروى عنه ثقتان أحدُهما مالكٌ، وشيوخه ثقات -كما هو مذكورٌ في ترجمته-؟ ! ولذلك صحّحه ابن القيم، فعاكسه (الهدَّام)! وانظر تعليقي على (ابن خَلْدة) في "تيسير الانتفاع". ١١٣ - "وصحّ عن أبي المِنْهال، أنَّه سأل ابن عمر ﵄، فقال: لرجل عليَّ دَيْنٌ، فقال لي: عجِّل لي لأضع عنك؟ قال: فنهاني عنه، وقال: نهى أمير المؤمنين -يعني: عمر- أن يبيع العين بالدّين": قال (الهدَّام) معاكسًا -أيضًا-: "أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨)، ورجاله ثقات".

стр. 228

كذا قال؛ مشاكسةً للمؤلِّف؛ فإسنادهُ صحيحٌ لا غبار عليه، ولو كان وجد علّة لبادَرَ لبيانها (١). ١١٤ - "وقال أبو صالحٍ -مولى السَّفَّاح - واسمه عبيد-؛ بعتُ بُرًّا من أهل السوق إلى أَجَلٍ، ثم أردتُ الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضعَ عنهم وينقُدوني، فسألت عن ذلك زَيْدِ بن ثابت؟ فقال: لا آمرك أن تأكل هذا، ولا تُوكِله؛ رواه مالك في "الموطإ": قال (الهدَّام) (٢/ ١٦): أخرجه مالك (٢/ ٦٧٢)؛ وأبو صالح هذا في عداد المجاهيل، لم يوثقه غير ابن حبان". وأقول: هذا النفيُ جهلٌ أو تجاهلٌ؛ فقد وثّقه ابن معين -كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ٦٩) -. ١١٥ - "صحَّ عن ابن عباس ﵄: أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يقول: أُعجِّلُ لك وتضع عني": قال (الهدَّام) معاكسًا -كعادته-: "أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨) بإسناد ضعيف". قلت: بل إسنادهُ صحيحٌ، وهو نفس إسناد الأثر المتقدم برقم (١١٣)، الذي وتّق (الهدَّام) إسناده هناك، وضعّفه هنا، وهما في صفحةٍ واحدةٍ عند البيهقي -كما يشير إلى ذلك الجزء والصفحة! -. فيا للَّه! ما أشدَّ تلاعُبَه وتناقُضَه ومشاكسَتَه! ولولا ذلك لبيّن هنا علّة ضعفِه، وهناك سببَ عدمِ صحّته، مع أنَّ المؤلّف قد صحَّحهما! ! إنَّه يريد أن يرفع ثقةَ القراءِ بالإمام ابن القيِّم -وغيره من أئمة الحديث-،

стр. 229

الذين يُعاكِسُهم في التصحيح، وأن يتّخذوه هو إمامَ ضلالةٍ، وأن يُطيعوه طاعةً عمياءَ، وحاشاهم من ذلك! ويشهد له حديثُه الذي أورده المؤلّفُ -عَقِبَهُ-، وفيه قولُه ﷺ : "ضعوا وتعجّلوا"؛ وهو وإن كان فيه مسلمُ بن خالد الزَّنْجي، فإِنَّه يشهدُ له حديثُ كعب بن مالك، وقولُه ﷺ له-: "ضع من دَيْنِك الشطرَ"، قال: قد فَعَلتَ يا رسول اللَّه! فقال ﷺ لابن أبي حَدْرَد -المَدِين-: "قم فاقْضهِ"؛ رواه الشيخان -وغيرهما-، وهو مخرج في "الإرواء" (٣/ ٢٥١ - ٢٥٢). ١١٦ - وقال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطِهِم": صحّحه المؤلّف -بجزمهِ برفعه إلى النبي ﷺ ، وصرّح بذلك في كتابه "الفروسية" (ص ١٦٤ - تحقيق الأخ مشهور حَسَن)، تَبَعًا لجمع من الأئمة، وعلى رأسهم الإمامُ البخاريُّ. وكتم ذلك (الهدَّام) -على عادته-، فقال (٢/ ٢١): "حديثٌ ضعيفٌ، علّقه البخاري في "صحيحه" (٤/ ٤٥١): "الفتح"؛ وهو بعضٌ من حديثٍ تمامُه: "الصلحُ جائزٌ بين المسلمين". قلت: فيه خيانةٌ علميةٌ؛ فإن من المعروف عند العلماء أن تعليقات البخاري المجزومة صحيحةٌ، وهو ﵀ قد علّقه بصيغة الجزم، فقال: "وقال النبي ﷺ : "المسلمون. . .! ! فكتم (الهدّامُ) هذا الجزمَ المصحِّحَ للحديثِ من إمام المحدثين؛ تضليلًا لقُرّائه، وترجيحًا لتضعيفه الأَفِين! ثم خرّجه من حديث عمرو بن عَوْف، وأبي هريرة، وضعّف راويه (كثير بن زيد الأسْلَمي)؛ وهو -عند الحافِظَين الذهبي والعسقلاني- صدوقٌ، ثم أشار إلى الأحاديث الأُخرى عن عائشة، وأنس، ورافع بن خَدِيج، وابن عُمر، ومرسل عطاء، قال: "وجميعُها أضعفُ مما ذكرت"!

стр. 230

قلت: وهذه كذبةٌ أُخرى لترويج تضعيفه، فمرسلُ عطاء صحيح الإسناد، كما كنت بَيَّنْتُهُ في "الإرواء" (٥/ ١٤٢ - ١٤٦)، في آخر تخريج الأحاديث التي أشار إليها، ولكنه تجاهَلَ ذلك كلَّه، كما تجاهل تقويةَ الأئمةِ الآخرين للحديث، كابن عبد البر في "التمهيد"، وابن دقيق العيد في "الإلمام"، والشوكاني في "نيل الأوطار"، وراجع للرد عليه: "الصحيحة" (٢٩١٥). ١١٧ - "حديث أبي هُريرة، عن النبي ﷺ : "ثلاث جِدُّهن جدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة": احتجَّ به المؤلف، وضعّفه (الهدَّام) بعبد الرحمن بن حَبِيب -بعد ما عزاه لجماعة، منهم: الترمذي-، وختمه بقوله: "وللحديث شواهد، فيها ضعف شديد لا تصلح لتقوية الحديث، وإن شئت فانظرها في "الإرواء" (١٨٢٦) ". قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ، فإنَّه يوهم القراء -بهذه الإحالة على "الإرواء"- ما زعمه من الضعف الشديد، وهو كذبٌ عَلَيَّ، فإِني انتهيتُ فيه إلى تحسين الحديث بمجموع حديث أبي هريرة هذا، وصحيح مرسل الحسن البصري، وآثار عن علي وعمر تدلُّ على أنَّ الحديث كان معروفًا عندهم، وقد كتم هذا كلَّه عن القراء، كما كتم تحسين التِّرمذي! ! والحديثُ مُخَرَّجٌ في أربع صفحات من "الإرواء" (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٨)؛ ولخّصها (الهدَّام) في رُبع صفحةٍ على هواه! ١١٨ - "في "المسند"، و"السنن" عن رُوَيفع بن ثابت، قال: إنْ كان أحدنا في زمن رسول اللَّه ﷺ ليأخذ نِضْوَ أخيه (١)؛ على أنَّ له النصف مما يَغْنَمُ، ولنا النّصف، وإن كان أحدُنا لَيَطِيرُ له النَّصْلُ والرِّيشُ، والآخَر القِدْحُ".

стр. 231

أعلّه (الهدَّام) بجهالة (شيبان بن أُميّة القِتْباني)، وقد خرّجه في (٢/ ٤٩ - ٥٠)؛ برواية جمع منهم أبو داود برقم (٣٦)، ولكنّه تجاهل الشاهدَ الذي أخرجه أبو داود -عَقِبَه- برقم (٣٧) من طريق شِيَيْم بن بَيْتان -بهذا الحديث - أيضًا-، عن أبي سالم الجَيْشَاني، عن عبد اللَّه بن عمرو. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، كما كنت نبّهت على ذلك في "تخريج المشكاة" (٣٥١)، ولذلك أوردتُه في "صحيح أبي داود" (٢٧ و ٢٨). (تنبيهٌ): مِن إساءة زهير الشاويش -صاحب المكتب الإسلامي- إلى مشاريعي العلمية، واعتداءاته المتكرِّرة على كتب السنة: أنَّه لما طَبع "صحيح أبي داود باختصار السند" حَذف من مَتْنِ هذا الحديثِ ما ذكره ابنُ القيِّم هنا، واقتصر منه على قولُه ﷺ : "يا رُويفع. . . "؛ وعلّق عليه بكلامٍ مُحرَّفٍ، يمكن أن يُفهم منه أنَّه حذفه لأنَّه ليس له علاقة بـ (الطهارة)! وهذا عذرٌ أقبحُ من ذنب -كما لا يخفى على القارئ اللبيب-؛ فانظر "صحيح أبي داود باختصار السند" (١/ ١١)! ١١٩ - "وجعل ﷺ المرأة عانيةً عند الزوج": قلت: يشير إلى حديث عَمْرو بن الأحْوَص في خُطبة النبي ﷺ في حَجّة الوداع: "ألا واستوصوا بالنِّساء خيرًا؛ فإِنَّما هنَّ عَوَانٍ عندكم. . . "، وهو حديثٌ حسن بشاهده من حديث عَمِّ أبي حَرَّةَ الرَّقَاشي، وقد خرّجتهما في "آداب الزفاف" (٢٧٠ - ٢٧١)، و"الإرواء" (٧/ ٩٦ - ٩٧) مقوِّيًا أحدَهما بالآخر، وصحّحه المؤلِّف في "الزاد". وأمّا (الهدَّام) فعاكس -كعادتِه-؛ فلم يُفصح عن مرتبته؛ بل ضعّف الاثنين، إلَّا أنَّه قال (٢/ ٦٩): "ويشهد له حديثُ جابر عند مسلم (١٢١٨) "!

стр. 232

يشير إلى قولُه ﷺ في حديث جابر -الطويل- في (الحجِّ): "واتقوا اللَّه في النساء؛ فإنَّكم أخذتموهن بأمان اللَّه. . . ". قلت: واستشهادُهُ به من الأدلّة الكثيرة على حداثتهِ وجهلهِ بهذا العلم، فإِنَّه ليس فيه أكثرُ الجُمَلِ التي في المشهور له، وبخاصةٍ منها قولُه ﷺ : "فإِنَّما هن عَوَانٍ عندكم"، وهي التي استدل بها المؤلف، وانصبّ التّخريج عليها. فهل بلغ به الجهلُ والغفلةُ إلى هذا الحضيض؟ ! أُم هو التشبُّعُ والاستكثار بالدعوى الكاذبةِ استعلاءً على (الألباني) -الذي لم ينتبه لهذا الشاهد - زعموا-؟ ! إن كان كذلك؛ فحسبه وعيدًا قولُه ﷺ : "من ادّعى دعوى كاذبة لِيَتَكَثَّرَ بها؛ لم يزده اللَّه إلّا قلّة". وقد عزاه لمسلمٍ قبل صفحات (٢/ ٦٤)! ثم إنْ كان صادقًا -وهذا لا ينافي أن يكون جاهلًا كما لا يخفى! -، فلِمَ لَمْ يُصرّح بصحة الحديث كما يفعلُ أحيانًا؟ ! ١٢٠ - "وقد قال المبعوثُ بالحنيفية السمحة ﷺ : "ما تركتُ من شيء يُقَرِّبُكُم إلى الجنّة إلّا وقد حدَّثتكم به، ولا تركتُ من شيء يُبعدكم عن النّار إلّا وقد حدَّثتكم به": خرَّجه (الهدَّام) (٢/ ٨٢) من رواية عبد الرزّاق، وضعَّفه بالإرسال، ومن رواية الطبراني عن أبي ذَرّ، وقال: "وفيه نَظَرٌ"! هكذا قال؛ ولم يُبَيِّن وجهة النظر! وذلك جمعًا منه بين الهدم والستر على الجهل؛ لأنَّ إسناده صحيح؛ كما هو مبين في "الصحيحة" (١٨٠٣). ١٢١ - "تركتُكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلّا هالك":

стр. 233

قلت: ضعَّفه (الهدَّام) هنا - (٢/ ٨٢) -، وفيما تقدّم؛ وقد رددتُ عليه -هناك- مفصلًا برقم (٢)؛ فلا داعي للإعادة، غير أني أقول هنا شيئين: الأوّل: أنَّ هذه الفِقرة من حديمق العِرباض بن سارية -المتقدم هناك-؛ خرّجتها في "ظلال الجنّة" (٤٨ - ٤٩) من طريقين عنه، حسّن أحدَهما المنذريُّ في "الترغيب" (١/ ٤٦/ ١٧)؛ فهو بهما صحيح، ويزداد صحَّةً بالشاهد الآتي. والآخر قال (الهدَّام) هنا -عَقِبَ تضعيفه إيّاه-: "وفي الباب حديث أبي الدرداء بهذه القطعةِ، وإسنادهُ ضعيفٌ أيضًا"! كذا قال هنا؛ عامله اللَّه بما يستحق. وقال في رُسَيِّلته "حوار. . . " (ص ١٥٦) -بعدما عزاه لابن ماجه وابن أبي عاصم-: "ورجال هذا الإسناد ثقاتٌ؛ غير هشام بن عَمّار؛ ففيه ضعفٌ". فتأمَّلْ -أيُّها القارئ! - تناقُضَه بين جزمِه بأنه ضعيف، وقوله: "فيه ضعف"؛ وهذا يعني أنَّه حسن الحديث والإسناد، لأنَّه طبيعةُ (الحسن) -كما ذكرت مرارًا-؛ فإنْ أبى ذلك واستكبر وعاند -كما هي عادتُه-؛ فلا أقلّ من أنْ يكون صالحًا للاستشهاد به؛ فَيُعطي للطريقين المذكورين قوةً على قوة، ولكن صدق اللَّه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾! وانظر إسرافَ الرجلِ في تضعيف حديث العِرْباض هذا، ومخالفتَه لأئمة المسلمين -فيما تقدّمت الإشارة إليه-، وله ولغيره من الأحاديث الصحيحة -في أول المجلد السابع من "الصحيحة" (٣٠٠٧) -، مجموعًا في مكان وأحد؛ فضلًا عن الأمثلة المتقدّمة بالأعداد الهائلة، واللَّه المستعان! ١٢٢ - "وفي "المسند" من حديث المِقْدام أبي كريمة، أنَّه سمع النبي

стр. 234

- ﷺ يقول: "من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يقروه" فله أن يُعْقِبَهم (١) بمثل قِرَاه": قال (الهدَّام) (٢/ ٨٧): "أخرجه أحمد (٤/ ١٣١) وبنحوه أبو داود (٣٧٥١) ". قلت: هذا تخريجٌ هزيلٌ يستطيعه أيُّ مُبْتَدئٍ في هذا العلم! وفيه جَوْرٌ وحَيْدٌ عن التحقيق الذي يدّعيه؛ فالحديثُ عند أحمد بإسنادين، أحدهما صحيحٌ بلفظ الكتاب -في آخر حديثٍ فيه طُولٌ-، ولعله لم يصحّحه -إن عرف صحّته- لأنَّه لم يُوافق هواه! ثم رواه أحمدُ بالإسناد الآخر، وكذا أبو داود، وفيه مجهولٌ، وفي متنه نكارةٌ، كما هو مُبَيَّنٌ في "المشكاة" (٤٢٤٧/ التحقيق الثاني)، والأول مخرَّجٌ في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٨٦٩)؛ ولو أنَّه كان تحت يد (الهدَّام) لَتغيَّر تخريجُ (الهدَّام) الهزيلُ -يقينًا! -؛ ليأخذ منه ما يشاء؛ ويدع منه ما يشاء -حسبما يتطلّبه هواه-، نسأل اللَّه السلامة! -. ١٢٣ - "وفي "المسند" عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أيّما ضيفٍ نزل بقومٍ فأصبح الضيفُ محرومًا؛ فله أن يأخُذَ بقدر قِرَاه، ولا حَرَجَ عليه": قال (٢/ ٨٧): "أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠) بإسناد حسن -إن شاء اللَّه-؛ ويشهد له ما قبله". قلت: إنَّما شكَّ في تحسينه؛ لأنَّ في إسناده معاويةَ بن صالح، ومن عادة (الهدَّام) أنَّه يَضَعُ ديه ضعفًا في بعض الأحاديث التي لا يهوى صِحَّتَها!

стр. 235

كما قال في حديث تحريم الملاهي المتقدم (٧٩): "ومعاوية عنده غرائبُ"، بل وقد يضعّف بعضها، ولو كان له فيه متابعٌ أو أكثرُ؛ كما فعل في الحديث (٨٦) من "ضعيفته"، التي جعلها ذيلًا لـ "رياضه"، فقد خرّجه فيه (٥٤٤ - ٥٤٣) بثلاثةِ أسانيدَ، في أولها معاوية بن صالح؛ فقال فيه: "ليس بالمتين"! فَهَلّا قال فيه -هناك- كما قال هنا: "إسناده حسن -إن شاء اللَّه-"؛ ويشهدُ له الإسنادان بعده؟ ! أُم هو الهوى؟ ! والحديثُ مُخَرَّجٌ في "الصحيحة" (٦٤٠) برواية الطحاوي -أيضًا-، وقد عزاه المنذري في "الترغيب" (٣/ ٢٤٢) والسيُّوطي في "الجامع" للحاكم، وقد سقط من "المستدرك" المطبوع، وبقي في "تلخيص الذهبي" -الذي في الحاشية (٤/ ١٣١) - مُصَحَّحًا؛ فاقتضى التنبيه! ١٢٤ - "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن ما خانك": ذكره المؤلّف ﵀ هنا- من حديث أبي هريرة، وقَوَّاه بمتابعة قيس لِشَرِيك وَفْقًا لما تقدّم مني عند الكلام عليه برقم (١٠٥)، وخلافًا للهدَّام، وبشواهده من حديث أنس، وأبي أُمامة، وبمرسل الحسن -وهو البصري-، وقد خرّجها (الهدَّام) وضعّف مفرداتِها، وقد سبق الرّد عليه -هناك- مُفَصّلًا، فلا داعيَ للإعادةِ، إلّا أنَّه قال كلمةً كَذَبَ فيها على الإِمام الشافعي؛ فلا بُدّ من ذكرها، والردِّ عليه فيها؛ قال (٢/ ٨٩): "فأحاديثُ الباب كلُّها ضعيفة؛ كما نبّه على ذلك الشافعي وابن الجوزي وغيرهما". قلت: لم يَنْقُل عن الإِمام الشافعي هذه الكُلِّيَّةَ أَحدٌ قبل هذا الأَفين -وإنّما هي من تصرُّفاته الكثيرةِ المضلّلةِ-؛ لما في "التلخيص الحبير"

стр. 236

(٣/ ٩٧): "قال الشافعي: هذا الحديثُ ليس بثابت، وقال ابن الجوزي: لا يصحُّ من جميع طرقه". فأنت ترى أنَّه حَمَلَ قولَ الشافعي على قول ابن الجوزي، وشَتّان ما بينهما! على أنَّ قول ابن الجوزي مردودٌ، وهو من تشدُّده ومبالغاته المعروفة، كما كنتُ بيَّنتُه في "الصحيحة" في آخر تخريجي لهذا الحديث رقم (٤٢٣). فيا سُبحان اللَّه! فقديمًا قالوا: (إنَّ الطيور على أشكالها تقعُ)! كلا؛ لقد ظلمتُ ابنَ الجوزي إذن؛ إذا أنا شبَّهتُ هذا (الهدَّام) به، فإِني أستغفرُ اللَّه! هذا جاهلٌ متعالمٌ، لا يدري إلّا الكتابةَ على غير هدي، وعلى ظلمٍ وهوي، لا يشهدُ له عالمٌ بعلم، وابنُ الجوزي عالمٌ مشهودٌ له من كبارِ العلماء -على مرِّ العصور- بالعلم والفضل ﵀. وقبلَ الانتقالِ إلى الحديث الآتي؛ لا بُدَّ لي من أنْ أكشفَ للقراء عن شيءٍ جديد من بَطَرِهِ ومكابرتهِ في هذا الحديث؛ فقد ذكر ابنُ القيِّم له شاهدًا مرسلًا من رواية يحيى بن أَيُّوب، عن ابن جُريج، عن الحسن. . . به؛ فَبَدَلَ أن يُعَلِّق عليه ويقول: رجال إسناده ثقات، ويعترف بأنَّه لم يعرف المصدرَ الذي نَقَلَ المؤلف منه؛ تجاهل ذلك كلَّه، وأعرض عنه واستكبر؛ فقال: "ذكره البيهقي ولم يسنده، وقال: وهو منقطع"! قلت: فأوهم (الهدَّام) قُرَّاءه أنَّه لا إسناد له، والإسناد بين يديه وهو الذي لم يعلِّق عليه! ! على أنَّ له إسنادًا آخر عند الطبري، من طريق قتادةَ، عن الحسن، وهو صحيحٌ عنه، كما تقدّم في (ص ١٧١)، فيا للَّه! ما أكثرَ بَطَرَهُ وجحدَه، وأبعدَه عن خشيةِ اللَّه، والحياءِ من عباد اللَّه! !

стр. 237

وقولُ البيهقي: "وهو منقطعٌ"، يعني: أنَّه مرسل، هذا اصطلاحٌ له معروفٌ عند أهل العلم. ١٢٥ - "وله شاهدٌ آخر، وهو ما رواه التِّرمذي من حديث مالك بن نَضْلَة، قال: قلت: يا رسول اللَّه! الرجل أمرُّ به فلا يَقْريني ولا يُضَيّفني؛ فيمرّ بي أَفَأَجزيه؟ قال: "لا؛ أقْرِهِ"، قال التِّرمذي: حسنٌ صحيحٌ": قلت: صحَّح إسناده (الهدَّام) (١٢/ ٨٩) -بعد ما عزاه للترمذي وأحمد-، ولم يُبَيِّن السبب، -كعادته-، وعلى الناس أن يُسلِّموا لفضيلته (! )، مع أنَّ إسناد التِّرمذي معلولٌ بعنعنة أبي إسحاق السَّبيعي، لكنْ قد صرّح عند أحمد وغيره بالسماع، ولذلك صحّحت إسناده عندما خرّجت طرفًا من حديث أبي نَضْلَة -هذا- في "غاية المرام" (٦٣/ ٧٥)، وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرج ابن حبان -أيضًا- (١٤٣٤)، وهو عند هؤلاء الثلاثةِ الطرفُ الأخيرُ منه، ومنه يتبيّن تقصير (الهدَّام) في تخريجه! على أنَّه لم يَستفِدْ شيئًا من تصحيحِه إياه من الناحية الفقهية، فإنَّ المؤلِّفَ ﵀ ذكره شاهدًا للحديث -يعني من حيث المعنى-، وذلك باشتراكِهما في عدم مقابلة السيئة بالسيئة، فكما أمر بأداءِ الأمانة، وعَدَمِ مقابلة الخيانة بالخيانة، كذلك أمر ﷺ بالضيافةِ وعدم مقابلة تاركها بالتَّرك؛ كما هو ظاهرٌ، فهو شاهدٌ قويٌّ بهذا الاعتبار، ولكنّ الرجلَ كما أنَّه لا علمَ عنده بالحديث، فكذلك لا فقهَ عنده! على ذلك ترى كلَّ كتاباته، ولبيان هذا مجالٌ آخر، وانظر (ص ١٧١). ١٢٦ - "وله شاهدٌ آخر، وهو ما رواه أبو داود من حديث بشير ابن الخصاصِيَة، قال: قلت: يا رسول اللَّه! إنَّ أهلَ الصدقةِ يعتَدُون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدُون علينا؛ فقال: "لا".

стр. 238

قال (الهدَّام): "أخرجه أبو داود (. . .)، وفي إسناده مجهول". قلت: نعم؛ ولكنّه تابعي -كما تقدم بيانه منّي في آخر الحديث (١٠٥) (ص ١٧٣) -؛ فهو شاهدٌ جيد في المعنى -أيضًا-. ١٢٧ - "وله شاهد آخر من حديث بشير هذا -أيضًا-: قلت: يا رسول اللَّه! إنَّ لنا جيرانًا لا يَدَعُون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلّا أخذوها، فإِذا قَدَرْنا لهم على شيء؛ أنأخذه؛ فقال: " [لا] (١). . . أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك"، ذكره شيخُنا في كتاب "إبطال التحليل"". قلت: قال (الهدَّام) (٢/ ٨٩): "تقدّم في معناه"! كذا قال وهو -في الحقيقة- يدري أنَّه ما تقدم! بدليل أنَّه في فهرس الكتاب (٢/ ٤٣٢) لم يُشِر إلّا إلى هذا المكان! وإنَّما قال ذلك تخلُّصًا من تخريجه، لأنَّ الحديث لا أصلَ له بهذا التمام في كتابٍ من كتب السنة التي وقفتُ عليها، وإنَّما هو مُرَكّبٌ من حديثين؛ أحدُهما: حديث بشير هذا، وهو في "المسند" وغيره، والآخر حديث أبي هريرة: "أَدِّ الأمانة. . . "، فاختلط الأمرُ على بعضهم فجعلَهما حديثًا واحدًا، كما حقّقُته في آخر الحديث المتقدم (١٠٥)، وانطلى الأمرُ على (الهدَّام) فلم يَدْر ماذا يفعل؟ ! فقال ما قال! وكذلك لم يتنبّه لسقوط حرف (لا) آخر حديث بَشِير، وهذا هو تَحقيقُهُ! ١٢٨ - "احتجّ أحمد بما رواه عن أبي أُمامة بن سهل، عن سَعِيد بن سعد بن عُبادة، قال: كان بين أبياتِنا رُوَيْجِلٌ ضعيفٌ مُخْدَجٌ، فلم يَرُعِ الحيّ إلّا وهو على أَمَةٍ من إمائهم؛ يخبث بها. . . فقال ﷺ : "خذوا له عِثكالًا فيه مئة شِمْراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة"، ففعلوا":

стр. 239

قلت: في إسناد أحمد عنعنةُ محمد بن إسحاقَ، وهو مدلّسٌ، ومع ذلك حسّن إسناده الحافظُ في "بُلُوغ المرام"، وهو صحيحٌ لغيره كما يأتي بيانه. وأمّا (الهدَّام) فخرّجه في أربعة أسطر؛ ثلاثة منها في ذكر مُخَرّجيه! وعقّب عليها بقوله: ". . . بأسانيد وطرق مختلفة، عن أبي أُمامة بن سهل، يُرسله ويُوصله إلى غير واحد، ويغلب عليه الصحة، انظر "التلخيص الحبير" (٤/ ٥٩) ". كذا قال! وفيه مؤاخذاتٌ هامّة: منها: أنَّه لم يُبَين وجهَ الصحةِ في عبارته الشاذة هذه، التي لا يعجز عنها أجهلُ الناس! (شِنْشِنة. . .). ومنها: أنَّه أحال فيها على "التلخيص"؛ موهمًا القراء أنَّ الحافظ رجَّح فيه الموصول، والواقعُ خلافهُ؛ كما بيّنته مفصلًا في آخر المجلد السادس من "الصحيحة" (٢٩٨٦)، في نحو سبع صفحات، جمعتُ فيه من الطرق ما لا تراه مجموعًا -مع المراجحة بينها- في مكان آخر، توصّلت منه إلى تحقيقِ أن الحديثَ -وإن صح مرسلًا عن أبي أُمامة بن سهل، ورجّحه الدّارقطني والبيهقي والحافظ-، فقد صحّ مسندًا من رواية ثقتين عن أبي حاتم، عن سهل ابن سعد. . . مرفوعًا، لم يقف الحافظُ على رواية أوثقِهما، وهي في "سُنن النسائي الكبرى"، ويشهد لها إحدى الروايات عن أبي أُمامة؛ أنَّه أخبره بعضُ أصحاب رسول اللَّه ﷺ من الأنصار -وهو سهل بن سعد هذا-، واللَّه أعلم. وانظر بقيةَ المؤاخذاتِ على (الهدَّام) في المكان المشار إليه من "الصحيحة". ١٢٩ - "قولُه ﷺ : "إنّا حاملوك على ولدِ الناقّةِ":

стр. 240

قلت: خَرَّجه (الهدَّام) من رواية جَمْعٍ -منهم التِّرمذي والبَغوي-، من طُرُق عن خالد بن عبد اللَّه، عن حُميد الطويل، عن أنس؛ وقال: "وهم ثقات". فلم يُصَحِّحْه! وهو صحيحٌ على شرط الشيخين، معاكسةً منه للمذكورَين، فقد صحَّحاه، وهو الذي لا يسع كلَّ عارفٍ بهذا العلم غيرُه؛ إِذَا خلا من الهوى والغَرَض، وانظر "المشكاة" رقم (٤٨٨٦)، و"مختصر الشمائل" (٢٠٣). ١٣٠ - "وقال: "لا يدخل الجنةَ عجوزٌ": قلت: جزم (الهدَّام) بضعفه، وخرَّجه بسندٍ ضعيف عن الحسن مرسلًا، وعن عائشةَ بسند فيه متهم بالكذب. قلت: فمثلُه لا يُستشهد به، لكن (الهدَّام) كتم طريقًا أُخرى -عن عائشة- سالمة من هذا المتهم، وهي صالحةٌ للاستشهاد بها، أخرجه البيهقي في "البعث" (١)؛ كما كتم شاهدًا آخر من حديث أنس؛ ذكره العراقي في "تخريج الإحياء"، وضعَّفه، كما يشهد له -في الجملة- قولُه ﷺ : "يدخل أهلُ الجنةِ الجنّةَ جُردًا مُردًا مكحّلين، بني ثلاث وثلاثين"، حسَّنه التِّرمذي، وهو صحيحٌ بمجموع طرقه -كما هو مبيّن في بعض تعليقاتي-، وتجد الكلام المفصّل على حديث الترجمة في "الصحيحة" (٢٩٨٧). ١٣١ - "أوثق عرى الإيمان الحبُّ في اللَّه والبغض في اللَّه": ضعّفه (الهدَّام) على ما جرى عليه من عدم تقويته الحديثَ بمجموع طرقه؛ خلافًا لما عليه العُلماء علمًا وعملًا، ولذلك أشار الحافظُ في "الفتح" (١/ ٤٧) إلى تقويته، وكذا المنذري في "ترغيبه" (٤/ ٤٩).

стр. 241

و (الهدَّام) حين خرَّجه وتكلّم على طرقه، إنَّما (أخذ) ذلك من كتابي "الصحيحة"! ولم يأت بزيادة تُذكر سوى المعاكسة، بل اضطرَّ أخيرًا إلى أن يُثبت أنَّه عالَةٌ عليه، فقال: (٢/ ١٥٠): "وذكر في "الصحيحة" (٩٩٨) إسنادًا آخر عند الطبراني عن ابن مسعود، وهو ضعيفٌ"! قلت: وَوَجْهُ المعاكسة: إيهامُ القراء أنني القائل: "وهو ضعيفٌ"! وهذا كَذِبٌ؛ فقد قلتُ عَقِبَ عزوهِ للطبراني: "قلت: وهذا إسنادٌ حسنٌ في الشواهد والمتابعات، ورجالُه ثقاتٌ، وفي بعضهم كلام؛ ولا يضرّ فيها". ١٣٢ - "مَنْ أحبَّ للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه؛ ومنع للَّه؛ فقد استكمل الإيمان": ضعَّفه (الهدَّام) أيضًا (٢/ ١٥٠)، وأطال النَّفسَ -سُدًى- في تخريجه والكلام على بعض رواته! خالِطًا بين من هو حَسَنُ الحديث، ومن يصلُحُ للاستشهاد به!! مع اختياره أقوالَ المتشدِّدين في التجريح؛ مما يطولُ الكلام جدًا في بيان ذلك والرّد عليه، وقد كنت صحّحت الحديث بمجموع طريقين حسنين؛ خرّجتهما في "الصحيحة" (٣٨٥): أحدهما: من طريق يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أُمامة. والآخر: من طريق عبد الرحيم بن مَيْمُون، عن سهل بن مُعاذ بن أَنَس الجُهَني، عن أبيه. فماذا فعل (الهدَّام) حتى ضعَّفهما؟! لقد قال في كُلٍّ من (القاسم) في

стр. 242

الطريق الأولي، و (عبد الرحيم) و (سهل) في الطريق الآخرى: "فيه ضعف"! قلت: وهذا من مكرهِ وخباثتهِ التي جرى عليها في تضعيف الأحاديث الصحيحة، فقد ذكرنا مرارًا وتكرارًا أنَّ كل حديثٍ حسنِ الإسناد؛ لم يكُن حسنًا إلّا لأنَّ فيه ضعفًا، وإلّا لكان صحيحًا، وهذه طبيعةُ الأحاديث التي يُحسِّنها (الهدَّام) -على قِلَّتها- فإِذن؛ هو بقوله في كلِّ واحد من هؤلاء الرواة: "فيه ضعفٌ"؛ إنَّما يفيد أنَّه حسنُ الحديث! لو كان يدري ما يقول!! ثم هو لا يدري الفرقَ بين رواية عبد الرحيم عن سهل، ورواية زَبَّان عنه، وقد قال الحافظُ في "التقريب" في ترجمة (سهل بن مُعاذ): "لا بأس به" إلّا في رواية زَبّان عنه". و (الهدَّام) خَلَطَ بين الروايتين عن سهل، ولم يُفَرّق بينهما؛ لجهله بأحوال الرواة، واختصاص أحدهم بالشيخ دون الآخرين! ثم إنَّ (الهدَّام) لم يكتفي بقوله المتقدّم في (القاسم بن عبد الرحمن)، بل زاد، فقال: "وبعضُهم لا يُثبت له سماعًا من أبي أمامة"! قلت: وهذا (البعضُ) لا وجودَ له إلّا في ذهن (الهدَّام)، ولعلّه يعني نفسَه، وليس ذلك ببعيد عن جاهِلٍ مَغْرُورٍ اعتاد المكابرةَ وجحدَ الحقائق؛ فإِنَّ الأئمة قد أجمعوا على إثبات سماعه منه، ومنهم البخاري في "التاريخ". بل قال الذهبي في "الكاشف" -بعد أن ذكر روايتَه عن معاوية، وعمرو ابن عَبَسة-: "وقيل: لم يسمع من صحابيٍّ سوى أبي أُمامة". وقد جزم بسماعه منه كلُّ من ترجم له؛ كالمِزي والعسقلاني -وغيرهم-؛ وله في "المسند" (٥/ ٢٦٤) و"الرُّوياني" (ق ٢٠٠/ ٢)، و"كبير الطبراني"

стр. 243

(٨/ ٢٢٣ و ٢٢٧ و ٢٨٢ و ٢٩٧) أحاديثُ صرّح فيها بسماعه منه، ولذلك أشار الحافظُ -أَيضًا- إلى تقوية الحديث في الموضع الذي سبقت الإشارة إليه، وكذلك المنذري. ١٣٣ - "قول النبي ﷺ : "لا تَحِلُّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ": قلت: خرَّجه برواية جماعةٍ من حديث أبي هريرة، وقال: "وهو حديثٌ صحيحٌ لشواهده، انظر "الإحسان" (٣٢٩٠) ". قلت: لقد جمع -بهذه الإحالةِ علي "الإحسان"- بين الزُّور والظُّلم! أمّا الزورُ، فإِنَّه أوهم القراء أنَّ تصحيحَه المذكور هو في "الإحسان"؛ والواقعُ خلافُهُ، فإِنَّه قوّى إسناد أبي هريرة عند الجماعة لذاته، وصحَّح إسنادًا آخر عنه، وقوّى -أيضًا- إسناد شاهده من حديث ابن عمرو! وفي كلِّ ذلك نَظَرٌ عندي، قد بيّنته في "الإرواء" (٣/ ٣٨١ - ٣٨٥)، وقد خَرَّجْتُهُما -بأبسطَ مما في "الإحسان"-، مع شاهدين آخرين لم يُخَرَّجا فيه، أحدهما عن رجلٍ من بني بلال سمعه من النبي ﷺ ، وسنده جيّد. وأمّا الظُّلمُ، فهو أنَّه ما استفاد الصحةَ التي ذكرها إلّا من مجموع هذه الأحاديث الأربعة، فكان العدلُ والإنصافُ يوجب عليه أن يُحيلَ إلى "الإرواء"، لكي لا يقعَ في مخالفة قولُه -تعالى-: ﴿ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. ١٣٤ - ذكر ابنُ القيِّم ﵀ الملائكةَ، فقال: "قد أطَّت بهم السماء، وحُقّ لها أن تَئطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلّا ومَلَكٌ قائم، أو راكع، أو ساجد". و"يدخل البيتَ المعمورَ كَلَّ يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم".

стр. 244

قال (الهدَّام) (٢/ ١٥٧) واضعًا رقم التعليق على آخِر حديث البيت المعمور: "حديثٌ ضعيفٌ، أشرنا إليه في "رياض الصالحين"، من منشورات المكتبة الإسلامية"! قلت: لقد تورَّط صاحبُ المكتبة الإسلامية -أصلحني اللَّه وإياه-، فطبع له كتاب "الرياض" الذي عُلِم ما فيه من التغير والتبديل لأصلهِ! والتضعيفِ لعشراتِ الأحاديثِ الصحيحة! وظنِّي أنَّ ذلك كان قبلَ أن يتبيَّن له جهلُهُ بهذا العلم الشريف، وانتصابُه لمعاداة علماء الحديث وأئمّتهم، ومعارضتُه إياهم في أحكامِهم؛ فهو في صفّ، وهم في صفّ! ! وفيما تقدم -ويأتي- أكبرُ دليل على ذلك، بحيث لا يَدَعُ أيَّ شك أو ريب في قلب من (قد) لا يزال يُحَسّن الظن به -لحذلقتِه- أنَّه منحرفٌ عن سبيل العلماء، وها هو الآن يقدّم مثالًا جديدًا على ما ذكرنا؛ وإليك البيان: أولًا لقد توهّم -لجهله بالسنّة- أنَّ حديثَ الأَطيط وحديثَ البيت المعمور حديثٌ واحد؛ ولذلك وضع رقمَ التعليقِ على آخر حديث البيت، وضعَّفه، وحديثُ البيتِ صحيحٌ متّفقٌ عليه بين الشيخين -كما يأتي-، وله نحُو هذا التخليط الشيءُ الكَثيرُ، ولعلّه تقدم -أو يأتي- بعضُه، وما لنا نذهب بعيدًا؟ ! فيها هو المثال فيما أحال إليه من "رياضه"، وهو يُشير إلى الحديث الذي أورده في "ذيله" (ص ٥١٢): "١٤ - حديث أبي ذَرّ: إني أرى ما لا تَرَوْن، وأسمعُ ما لا تسمعون، أَطَّت السماء. . . "؛ فذكره بتمامه -كما هو في "الصحيحة" (١٧٢٢) -، وهو يحتوي على أربعِ فِقْرات، أرى من النُّصح تفصيلَها، وبيان موقف (الهدَّام) تُجاهَها، ومبلغ جنايتهِ على أغلبها؛ من أجلِ واحدةٍ منها! الأولى: حديث الأطيط -الذي هنا-.

стр. 245

الثانية: "واللَّه لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا". والثالثة: "وما تلذَّذتم بالنساء على الفُرُش". والرابعة: "ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى اللَّه -تعالى-". قلت: فقال (الهدَّام) -هناك- بعد تخريجه: "وفيه إبراهيم بن مُهاجِر، وهو ضعيفٌ، ولبعضه شواهد، ولا يصحُّ بطوله"! قلت: فأنت ترى أنَّه عمَّى الأَمْرَ على القُرّاء! فخصّ التضعيفَ بطوله، ومفهومُه أنَّ بعضَه صحيحٌ، وأيّده بقوله: "ولبعضِه شواهدُ"، ولكنّه كتمها ولم يبيّن ما هي! ! وبذلك يبقى القارئُ حيرانَ؛ لأنَّ (الهدَّام) قصد ذلك بعدم تمييز ما يصحُّ منه مما لا يصحُّ! فكأنّه لا يصحُّ عنده قولُه ﷺ : "الدين النصيحة. . . "، وإلّا لما كتم الحقَّ، ولَسارع إلى بيانه، وبخاصّة أن جُلَّ الحديثِ صحيحٌ -إن لم أقلّ: كله - كما يأتي-، وحينئذٍ، فما فائدةُ التضعيف المذكور إلّا الهدم؟ ! أمّا الجملةُ الأولى: فهي صحيحةٌ بشواهدها، التي منها حديث حَكِيم بن حِزَام بسند صحيح، كما بيّنته في "الصحيحة" (٨٥٢ و ١٠٦٠). ومن تمام إخلال (الهدَّام) بالأمانة العلمية؛ أنّه أشار في آخر تخريجه -المشار إليه- إلى هذا الشاهد، ولكنّه صَمَتَ صَمْتَ الحجرِ الأصَمّ، فلا هو أشار إلى صِحّته! ولا إلى ضَعْفِهِ! وفاقدُ الشيء لا يُعطيه! ! وأمّا الجملةُ الثانيةُ؛ فهي في "الصحيحين" من حديث أنس، وفي "البخاري" -أيضًا- من حديث أبي هريرة، وهما مخرّجان في "الصحيحة" (٣١٩٤)، و"فِقه السِّيرة" (٤٧٩). فتأمّلوا مبلغَ جنايةِ هذا (الهدَّام) على السنّة الصحيحة، بعدم استثنائه هذه الجملةَ على الأقل من الضعف الذي ذكره، واللَّه المستعان!

стр. 246

وأمَّا الثالثةُ: فلم أجد حتى الآن ما أُقوِّيها به. والجملةُ الرابعةُ: لها بعضُ الشواهدِ، ولذلك كنت أوردتُها مع الجملة الأولى في "صحيح الجامع الصغير" محسِّنًا، وعازيًا إلى الضعيفة (٤٣٥٤). (تنبيهٌ): كنت أوردتُ حديثَ أبي ذَرٍّ في "الصحيحة" برقم (١٧٢٢)، وفاتني -حينئذٍ- أن أذكر الشواهد المقوّية له، ولا أدري -واللَّه- كيف كان ذلك؟ ! فإِنه خلافُ مشربي ومنهجي، كما أنني كنت أوردتُه في "الضعيفة" -أيضًا- (١٧٨٠)؛ والسببُ واضحٌ، وهو بيان إدراج الجملة التي جاءت في آخره بلفظ: "ولوددتُ أَنّي كنت شجرةً تُعْضَد"، وأنَّها موقوفة على أبي ذرّ؛ ولذلك بادرتُ إلى القول في آخر التخريج تمشّيًا مع المنهج: "ولكنّ جلّ الحديث قد صحَّ من طُرُق أخرى. . . " ولقد كان ينبغي أن يكونَ هذا -أو نحوه- في "الصحيحة" -أيضًا-، بل هو به أَوْلى، ولكنْ هكذا قدّر اللَّه؛ فجَلَّ من لا يسهو ولا ينسي، ومعذرةً إلى القراء، ولْتُنقل الشواهد المشار إليها إلى هناك. ١٣٥ - "في "صحيح ابن حِبان" - عنه ﷺ : "أفضل الذكر لا إله إلّا اللَّه". خرَّجه (الهدَّام) عن جَمْع -منهم التِّرمذي، وابن حبان، والحاكم، والبَغَوي- من طرق، عن موسى بن إبراهيم بن كَثِير الأنصاري، عن طَلحة بن خِرَاش، عن جابر؛ وأعلّه بقوله: "وموسى هذا لم يُوَثِّقه غير ابن حبان، وزاد: وكان يُخطئ، والذي يظهر أن [في] روايته عن طلحة مناكير، وأشار الأزديُّ أنَّ النكارة في حديث طَلْحَةَ، عن جابر".

стр. 247

قلت: عليه مؤاخذاتٌ بعضُها أنكرُ من بعضٍ: أَوّلًا: قولُه: ". . . غير ابن حَبان" كَذِبٌ متعمَّد! فقد رأى في "تهذيب المزي": "قال ابن عبد البر موسى وطلحة؛ كلاهما مدنيٌّ ثقة". فقد تعمّد تجاهلَ توثيق ابن عبد البر إياه؛ بدليل أنَّ الأحاديث الثلاثة التي سيذكرها لموسى -كما يأتي-؛ إنَّما وقف عليها في "التهذيب"! بل إنَّ في "تهذيب ابن حَجَر" عن النَّسائيِّ -فيه- قولَه: "صالحٌ". ثانيًا: تجاهل -أيضًا- تصحيح ابن حِبان، والحاكم، والذهبي، كما تجاهل تحسينَ التِّرمذي والبَغَوي، فلم يذكره عنهما -كما هي عادته-! ثالثًا: اعتمد على قول ابن حبان في (موسى): "وكان يخطئ"؛ موهمًا أنَّ ذلك تضعيفٌ من ابن حبان لموسى، وليس كذلك، كما هو معروفٌ عند الدّارسين لقول ابن حبان هذا، فهو إنَّما يعني أنَّه وَسَطٌ حسن الحديث، فهناك مئات المترجَمين عنده قال فيهم هذا -أو نحوه-، ومع ذلك يخرّج لهم في "صحيحه"، وهذا من هذا، فهل جهل (الهدَّام) هذا أم تجاهَلَهُ؟ ! أحلاهما مرّ! ! ونحوُهُ قولُ الحافظ في "التقريىب" -فيه-: "صدوق يخطئ". ومع ذلك أقرّ في "الفتح" (١١٨٢٠٧) تصحيحَ ابنِ حبّان والحاكم إياه. رابعًا: لم يَحْصُر قولَ ابن حبان -المذكور- بين هلالين مزدوجين كما هو المصطلح اليوم: " "؛ بل أتبعه بة ولهِ: "والذي يظهرُ. . . "، فأفهم -وأوهم- أنَّه من تمام كلام ابن حبان! وليس كذلك! ! خامسًا: ويمكن أن يكون ذلك من جهلهِ وسوء تعبيره، وأنَّ الاستظهار المذكور هو من عنده! وحينئذٍ نقول له: (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)! فما قيمةُ

стр. 248

استنكارِك لروايته عن طلحة؛ أمام أولئك المُصَحِّحينَ والمحسِّنين، والموثِّقين؟ ! سادسًا: قولُه: "وأشار الأزدي أنَّ النكارة في حديث طلحة، عن جابر": هو من سوءِ تعبيره -أيضًا-، فالأزديُّ قد صرَّح بذلك، فقال: "طلحة روى عن جابر مناكير"؛ لكن الأزدي مجروحٌ؛ فلا يُلتفتُ إلى تجريحه، ولا سيّما إِذَا خالف! ثم قال (الهدَّام): "ولموسى ثلاثةُ أحاديثَ. . . ظاهرةُ النكارة"، ثم ذكرها! كذا قال! وعليك أن تُسَلِّم تسليمًا لمحدِّث آخر الزمان! ! أمّا الحديثُ الأوّل فهو هذا، وقد عرفتَ عدوانَه بتضعيفهِ إيّاه، ومخالفتِه للعلماء. والحديثُ الثاني: "لا تمسُّ النارَ مسلمًا رآني، أو رأى من رآني". والثالث: "ما كلَّم اللَّه أحدًا قطُّ [إلّا] من وراء حِجاب، وكلّم أباك كِفاحًا". قلت: وثلاثَتُها عند التِّرمذي، وقال في كُلِّ واحدٍ منها: "حديث حسن غريب"، وأقرَّه على ذلك عددٌ من العلماء؛ المزّي في "التهذيب" (١٣/ ٣٩٣ - ٣٩٥)؛ وقد تقدم ذكر من صحّحه وحسّنه قبله. وأمّا الحديث الثاني: فمع تحسين التِّرمذي والمزّي إيّاه -كما ذكرت آنفًا-، فإنَّ له شاهدًا من حديث عُقبة أبي عبد الرحمن الجُهَني -عند ابن أبي عاصم في "السنة" (٢/ ٦٣٠/ ١٤٨٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٥٧/ ٩٨٣)، و"الأوسط" (١/ ٥٧/ ١٠١١) من طريق عبد الرحمن بن عُقبة، عن أبيه. . . مرفوعًا -نحوه-، لكن عبد الرحمن هذا لم أجد له ترجمةً، وكذلك الراوي عنه نافع بن صَيْفيٍّ، وإليهما أشار الهيثمي بقوله (١٠/ ٢١) بعدما عزاه

стр. 249

"للمعجمين": "وفيه من لم أعرفهم". وسكت عنه الحافظُ في ترجمة (عُقبة) -هذا- من "الإصابة"، وعزاه لابن السكَن -أيضًا-، والحاكم في "تاريخ نيسابور" من هذا الوجه. ووقع في "السنة": (عُقبة بن عامر)؛ وأظنّه خطأً من النّاسخ، واللَّه أعلم. وأمّا الحديث الثالث: فأخرجه الحاكم (٣/ ٢٠٤) -وصحّحه أيضًا-، وحسّن إسنادَه المنذريُّ في "الترغيب" (٢/ ١٩١)، وله شاهدٌ مرسلٌ في "الجهاد" لابن أبي عاصم (ق ٢/ ٩٠)، وشاهدٌ من حديث جابرٍ مختصرًا، أخرجه أحمد (٣/ ٣٦١) بسندٍ حسن صحيح، وهو مخرّج في "الصحيحة" فقم (٣٢٩٠)، وسكت عنه الحافظُ في "الإصابة" (٢/ ٣٥٠)، وأشار ابن عبد البر في ترجمة (عبد اللَّه) والد (جابر) -من "الاستيعاب"- إلى تقويتهِ بتصريحه بتوثيق (طلحة بن خِرَاش)، والراوي عنه (موسى بن إبراهيم). ١٣٦ - "دعوة ذي النُّون؛ الّتي، ما دعا بها مكروبٌ إلّا فرَّج اللَّه كربَه: لا إله إلّا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين": جزم به المؤلِّف فأصابَ. وعاكسه (الهدَّام) -كعادته-، فَضَعَّفه! وخرَّجه (٢/ ١٦٢) من رواية التِّرمذي، والنَّسائي، وأحمد، والحاكم؛ قال: "من طرق، عن يونُس بن أبي إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن سَعْد، عن أبيه، عن سَعْد. . . مرفوعًا، وسندُه قابل للتحسين؛ لولا ما ذَكر التِّرمذي عَقِبَه: "وقد روى غيرُ واحد هذا الحديثَ عن يونس. . . ولم يذكروا فيه: عن أبيه". . .؛ وعليه يكون الحديث منقطعًا. . . "! قلت: ويعني التِّرمذيُّ بقوله: "عن أبيه" (محمد بن سعد) والد (إبراهيم)، وفي كلام (الهدّام) جهالاتٌ:

стр. 250

أَوّلًا: قولُه "من طرق"؛ لم يبيّنها، ولم يذكر عَدَدَها! تضليلًا للقراء -كما يأتي بيانه-. ثانيًا: قولُه: "قابلٌ للتحسين"؛ فهو من جَنَفِه وجنايتِه على الرواة الثقات، تمهيدًا لتضعيف الحديث؛ فإِنَّ رجالَ السندِ المذكور كلُّهم ثقاتٌ، ولذلك صحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكتم ذلك (الهدَّام) -كعادته-، وليس فيهم من تُكُلّم فيه إلّا يونس بن أبي إسحاقَ، ففيه كلامٌ يسيرٌ لا يضرُّ، ولذلك احتجَّ به مسلم، وصحّح له ابن حِبان غيرَ ما حديث، وذكره الذهبي في "من تُكُلِّم فيه وهو موثق"، وقال في "الميزان": "صدوق ما به بأسٌ، ما هو في قوة مِسْعَر ولا شُعبة". فمثله يكونُ حسنَ الحديثِ -على الأقلّ-، وهو ما صرّح به الحافظُ -كما يأتي-، ولذلك سكت عن الحديث في "الفتح"، وأقرّ الحاكمَ على تصحيحِه (١١/ ١٤٧). ثالثًا: لم يقنع (الهدَّام) حتى بالقابليّة التي زعمها، فقد رفضها بقولِهِ: "لولا ما ذَكر التِّرمذي عقبه. . . " إلخ، فأعلّه بالانقطاع، مقلِّدًا للترمذي في قولِه: أنَّ غيرَ واحدٍ روى الحديث عن يونُس منقطعًا، دون ذِكر: "عن أبيه"! فاكتفى بالتقليد هنا؛ لأنَّه وافق هوىً في نفسهِ، وهو تضعيفُ الحديثِ بغير حقّ، وإلّا فلِمَ لمْ ينظر فيمن أشار إليه التِّرمذي بقوله: "غير واحد"؛ مَن هم؟ ! وما عددُهم؟ ! وما حالُهم؟ ! وهل يصلُحُ -أو يصلُحون- لمعارضة الطرق التي وصلت الحديثَ، والتي أشار إليها -كما تقدّم-؟ ! ولم يبيّنها ليضربَها بقولِ التِّرمذي هذا! ! لقد ذكر التِّرمذيُّ أنَّه وصله محمد بن يُوسف وأبو أحمد الزّبيري (١)، ثمّ
следующие страницы →