النصيحة
بالتحذير من تخريب (ابن عبد المنان) لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة
بقلم
محمد ناصر الدين الألباني
دار ابن عفان
للنشر والتوزيع
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
دار ابن عفان
للنشر والتوزيع
الجيزة - ت: ٣٢٥٥٨٢٠ - ص. ب: ٨ بين السرايات
هاتف محمول: ٠١٠١٥٨٣٦٢٦
جمهورية مصر العربية
E.mail: ebnaffan@hotmail.com
مُقَدِّمة
إِنَّ الحمدَ لله؛ نحمدُهُ ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إِله إلا الله - وحده لا شريكَ له -. وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.
أمّا بعد:
فبين يَدَيكَ - أيها القارئُ الكريم - كتابي "النّصيحة ... "؛ وهو بحوثٌ علميَّةٌ نقديَّةٌ حديثيةٌ؛ مبنيّةٌ على القواعد الصحيحة، ومُؤسَّسةٌ على الأُصول الصَّريحة؛ سَيْرَاً على ما خَلَّفَهُ أئمّةُ الإسلام - حُفَّاظُ السُّنَّةِ الأعلام - لِمَن بَعْدَهم مِن أَتباعهم؛ السائرين - بحقِّ - على مَنْهَجِهم، والسَّالكينَ - بصدقٍ - دَرْبَهم وطريقَهم.
وأصلُ هذه البُحُوثِ ردودٌ على (غُمْرٍ) من أَغمار الشباب (١)؛ تصدّى لِمَا
стр. 6
لا يُحْسِن، و (فَسْلٍ) من جَهَلةِ المُتعالمين؛ تطاول برأْسهِ بين الكُبَراءِ - وعليهم -؛ فحقّق (! ) كُتُباً! وخرّج (! ) أحاديثَ! وسوّد تعليقاتٍ! وتكلّم - بجرأة بالِغَةٍ - فيما لا قِبَلَ له به من دقائق علم المصطلح، وأُصول الجرح والتعديل! ! !
فجاءَ منه فسادٌ كبيرٌ عريض، وَصَدَرَ عنه قولٌ كثيرٌ مريض؛ لا يعلمُ حقيقةَ مُنتهاه إلا ربُّه ومولاه - جلّ في عُلاه -.
ولقد كنتُ رَدَدْتُ عليه - قَبْلُ - في مواضعَ متعدّدةٍ من كُتُبي - وبخاصّة "سلسلة الأحاديث الصحيحة"- لمناسباتٍ تَعْرِضُ؛ كشفتُ فيها جهلَه، وَأَبَنْتُ بها عن حقيقتهِ؛ حيث ظهر لي - بكُلِّ وضوحٍ - أنّه للسُّنَّة (هدّام)، ومُتَعَدٍّ على الحق هجّام.
فهو يتعدّى على الأحاديث الصحيحة بالظَّنِّ والجهلِ والإفسادِ والتخريب؛ بما يُوافقُ هواه، ويلتقي ما يراه - بدعوى التحقيق والتخريج! - ...
ولقد رأيتُ له - منذ مدّةٍ - تحقيقاً - بل تَخْريباً - لكتاب "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" للإمام ابن قَيِّم الجوزيّة، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة
стр. 7
- رحمهما الله تعالى -؛ ظهر فيه - بجلاءٍ بَيِّنٍ - جهلُهُ الواضح، وتعالُمُه الفاضح؛ فرأيتُ أداءً لواجب النَّصيحةِ، وحِرْصاً على مكانة العلم، ومُحافظةً على السُّنَّة النبوية: أنْ أُفردَ بهِ هذا الكتاب؛ ردّاً على جهالاتِه، وكشفاً لسوءِ حالاتِه ... ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
وإنّي لأعلمُ أنَّ بعضاً من إخواننا دُعاة السُّنَّةِ - أو الحريصين عليها - (قد) يقولون في أنفسهم: أليس في هذا الردِّ إشهارٌ لهذا الجاهل، وتعريفٌ بهذا (الهدَّام)؟ ! !
فأقولُ: فكان مَاذَا؟ ! أَلَيْسَ واجباً كشفُ جهلِ الجاهل للتحذير منه؟ ! أليس هذا - نفسُهُ - طريقَ عُلماءِ الإسلام - منذ قديم الزمان - لنقضِ كُلِّ منحرفٍ هَجّام، ونقدِ كُلِّ متطاولٍ هَدّام؟ !
ثم، أليس السكوتُ عن مثلِهِ سبيلاً يُغَرَّرُ بهِ العامّةُ والدَّهْماء، والهَمَجُ الرَّعَاع؟ ! فَلْيَكُن - إذاً - ما كان؛ فالنّصيحةُ أُسُّ الدين، وكشفُ المُبْطِلِ صيانةٌ للحقِّ المُبين؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ... ﴾؛ ولو بعد حِين ...
وما حالُ سَلَفِ هذا (الهدّام) - ذاك (السَّقَّاف) - وما آلَ إليهِ - والحمدُ لله - عن عارفي الحقِّ ودُعاتهِ ببعيدٍ ...
وختاماً؛ فلو كان عند هذا (الهَدّام) شيءٌ من الإنصاف: لكانَ منه - ولو قليلاً - تطبيقٌ وامتثالٌ لِمَا قاله بعضُ كبار أهل العلمِ - نصحاً وتوجيهاً -: "لا ينبغي لرجلٍ أن يرى نفسَه أهلاً لشيءٍ؛ حتّى يَسأل مَن كان أعلمَ منه (١) "!
ولكن؛ هيهات، هيهات؛ فالغُرورُ قتّالٌ، وحُبُّ الظهور يقصمُ الظهور ... وَمعَ هذا كُلِّه؛ فإنِّي أسألُ الله - سُبحانه - له الهدايةَ إلى الحقِّ، والرجوعَ
стр. 8
الصوابِ، والاستقامةَ على نهج السّنّةِ وأهلِها ... وَبَعْدُ:
فإنّ هذا الكتاب قد مضى عليه - اليومَ - مخطوطاً - أكثرُ من خمس سنوات؛ ولقد رأيتُ - بعدَ مُشاورةٍ مع بعض إخواننا مِن طلاّب العلم - لُزومَ نشرهِ على الناس؛ إحقاقاً للحقِّ، ونُصرةً لِحُمَاتِهِ، وردّاً للباطلِ، وكَبْتاً لِدُعاتِهِ.
وجزى الله خيراً كُلَّ مَن كان له يَدٌ في إخراج هذا الكتابِ؛ وبخاصّةٍ ناشِرَهُ (دار ابن عفّان/ القاهرة)، داعِياً الله - سُبحانَه - لهم بمزيدٍ من التوفيقِ.
فالحمدُ لله على نَعْمائِه، وأسألُهُ - سُبحانَه - المزيدَ من عَطائِه. وسُبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
عمان
١٨/ محرّم/ ١٤٢٠ هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
أبو عبد الرحمن
стр. 9
مَدْخلٌ
النَّاظِر في تَسْويدات هذا الجاهل (الهَدَّام) يلحظُ قضايا كلِّيةً جامعةً؛ ينكشفُ له - بها - (منهجُهُ) الّذي هو في حقيقتهِ ومآلهِ: لا منهج؛ إلاّ الجهلُ! والهَدْمُ والتطاوُلُ بغير علمٍ! !
* فأوّل هذه القضايا الكلية: أنّ تخريجاته - بل تخريباته - في الغالب مختصرةٌ لا تروي؛ وذلك لأنها على ثلاثة أقسام: الأول: ما يَعْزوهُ للشيخين أو أحدهما، فإنَّه لا يلزمُ أَنَّهُ صحيح عنْدَه، فَإِنَّهُ معروفٌ بأَنَّه لا يُقيمُ وَزْناً لهما ولا لغيرهما من عَشَرات الحفاظ؛ إذا خالفوا رأيه! فَكَم من حديثٍ صحيحٍ أخرَجاهُ وصَحَّحاه، ضَعَّفَه هو من عنده بجهلٍ بالغٍ في هذا التخريج، وفي تعليقه على طبعَتِه لِكِتابِ "رياضِ الصَّالِحين"! - وبِخاصةٍ فيما ذَيَّلَهُ عليهِ - أمثلةٌ عِدّةٌ، وقد بينت شيئاً منها في آخرِ المُجَلَّدِ الثَّاني من "الصَّحيحَة" الطَّبْعَةِ الجديدة، فانظر مثلاً: الاستدراك (٦).
فإِذا أَطلق العزو إِليْهِما أو إلى أحَدِهِما، فليسَ يَعني بالضَروةِ أنَّهُ صَحيح عنده، فينبغي أَنْ لا يُغتَرَّ به، وقدْ رأَيْته في تعليقه على "مجموعة رسائلِ الشيخ محمد نَسيب الرفاعي ﵀" (ص ١٢٥) قد عزا حديثاً لمُسْلم مقيَّداً بقوله: "بإِسنادٍ قوي"! وهذا يُلْزِمُهُ أن يُبَيِّن للقراء ما هو الأصل عنده فيما رواه الشيخان أو أحدهما!
الثاني: ما يعزوه لغيرهما من أصحاب "السُّنن" و"المسانيد" وغيرها، فهو
стр. 10
يسكت عنها، ونادراً ما يُصَرِّح بصِحَّةِ شيءٍ منها أو تحسينها، وأحياناً يتقَصَّد تعميَةَ صحَّتها؛ إِما بكتمان بيان من صَحَّحها من الأئمة أو الحفّاظ - وقد يكونون ممَّن خرَّجوا الحديث -، وإما بقوله: "رجاله ثقات"، وهذا ليس نصّاً في التصحيح - كما هو معروف عند العلماء -.
الثالث: ما يُضَعِّفه منها؛ فهنا يختلف أسلوبه من الاختصار المُخِلِّ، إلى البَسْطِ المُضِرِّ، فتجدُهُ يصولُ ويجولُ (! )، ويَتَوَسَّع في الكلام على طرق الحديثا، والطعن في الرّواة، ويطيل النّفَس في ذلك جداً - في عدَّةِ صفحات، وبالحرف الصغير! - متظاهراً بأَنَّهُ بحَّاثٌ محقِّق، وهو في أكثر الأحيان يكون مُبطلاً ومتجنِّياً على العلم، ومضعِّفاً لحديث رسول الله ﷺ بغير حُجَّةٍ، ومخالفاً لجَمَاهير الحُفَّاظ والأَئِمَّةِ المتَقَدِّمين، والعلماء المحقِّقين، حتى ليَغلب على الظَّن أنَّه ما قام بالتَّخريج على هذه الصورة - المختصرة من جهة، والمبسوطة من جهة أخرى! - إلا لهدم السُّنَّةِ، وتضعيف أحاديثها، وبخاصَّةٍ ما كان منها في الحضِّ على التَّمسك بالسُّنّة، وما كان عليه السلف الصالح ﵃.
وهو في هذا - كُلِّه - إمّا متَّبعٌ لهواه، أو مقَلِّدٌ لأَمثالِه من أهل الأَهواءِ الَّذينَ لا يتبعون أصولَ العُلَماءِ وقَواعِدَهم الحديثيَّة والفِقهِيَّة، كما كنت أظنّ به هذا في أوَّل اطِّلاعي على بعض تخريجاته، ثم عند مناقشتي إياه في داري - في رمضان سنة (١٤١٢) - تضعيفَه لحديث العِرْباض بن سارِيَةَ - المرفوع -: "عليكم بسُنّتي وسُنّة الخُلفاء ... "، مع كثرة طرُقه، وتصحيح الجَمِّ الغفير من الحفَّاظ والعلماء - له -.
ثم تأَكَّدت من ذلك بعد أن وقفت على تضعيفات أخرى كثيرة - له -
стр. 11
لأحاديثَ صحيحةٍ بطرق ملتوية غير عليية، وبآراء شخصيَّة هزيلة، لا يعجز عنها كلّ مثقف ثقافة عامّة، جاهل بهذا العلم، مغرور! !
* أمّا ثاني قضاياه؛ فإنّه - مع قِلَّةِ في يُصَحِّح أو يحسِّن - فهو يُجمِل الكلام ولا يُفَصِّلُ ولا يبيِّن سبب ذلك؛ بلِ يقول: "صحيح"، أو: "حسن"، ثم يمشي! وعلى القراء أن يُسَلِّموا له تسليماً، لأنَّه (حَذَامِ)!
ولا يخفى أن بيان الحقِّ في ذلك يكون إمّا بالنَّقلِ عن العلماء - إذا كان ليس منهم - كما هو واقِعُهُ -، أو بِبَيانه هو - إذا كان أَهلاً لذلك - كما يدَّعي هذا المغرورُ بنفسهِ لنفسه -.
وآكد ما ينبغي بيانه إذا حسَّنه ولم يُصحِّحهُ؛ لأنَّ التَّحسين يعني أن في بعض رواتِه ضعفاً، فينبغي الكَشفُ عنه، وعن سبب الضَّعف، حتّى يكون القارئ على بصيرةٍ من أمره.
وأوجب من ذلك كلّه بيان ما إذا كان صحيحاً لغيره، أو حسناً لغيره، وهذا يستوجب من الباحِث - إِذا كان عالماً حقاً ومخلصاً صدقاً - أن يتتبَّع الطرق والشواهد التي ترفع الحديث إلى درجة الصحَّهِ إذا كثرت، أو الحسن إِذا قلّت، وكلّ هذا مما لا يعرِّجُ عليه الرَّجل!
ولا أجدُ لذلك وجهاً إلاّ أحد أمرين:
أحدهما: أنَّه لا يتبنى - حقيقةً - ما عليه العلماء في علم المصطلح من تقسيم الحديث الثابت إلى قسمين: صحيح وحسن، أي: لذاته، ثم تقسيمهما إلى صحيح وحسن - لغيره -.
والآخر: أنَّه يتبنى ذلك، ولكنّه لا يستطيع القيام به، أو لا يريد القيام به، لأنَّه تخصَّص في تضعيفِ الأحاديحا الصحيحة بأوهى الحُجَجِ، ولا يهتمُّ
стр. 12
لتقوية الأحاديث الضعيفة بالمتابعات والشواهد، التي من ثمارها الحديث الصحيح لغيره والحسن لغيره عند العلماء، - كما سبق -.
وهذا الأخير هو الذي تدُلّ عليه بعض تخريجاته، أي: أَنَّهُ لا يريد تتبّع الأحاديث الصحيحة أو الحسنة لغيرها - كما ذكرت -. يضاف إلى ذلك؛ أن تحقيق ذلك يتطلّب بحثاً وجهداً مُضْنِياً في كثير من الأحاديث، كيف وهو يضِنُّ ويبخل أحياناً بأن يصرِّح بصحَّةِ إِسناد بعض الأحاديث التي لا تُوافِقُ هواه، ويكتفي فيها بقوله: "رجال إِسناده ثقات"! وحقُّهُ أن يقول: "إسناده صحيح، رجاله ثقات ".
أمّا التقسيم الأول: صحيح وحسن، فهو يستعمله في بعض الأحاديث، على قلَّةٍ - كما تقدَّم -، وبدون بيان، لكنَّه يشَكِّكُ في بعضها أحياناً بقرنه ذلك بقوله: "إن شاء الله تعالى"! - كما سترى -؛ فلا تدري أذلك منه تحقيقاً أم تعليقاً؟ ! وهذا الآخر هو الأظهر! !
ويعود سبب عدم بيانه لما ذكرنا - من التصحيح والتحسين - فيما تبيّن لي من تتبُّعي لتخريجاته -؛ أن لا يكشف عن منهجه في ذلك، وأنَّه لو فعل لكان (كالباحث عن حتفه بظِلْفِهِ) كما يقال ...
وَلْنُقَرِّبْ ذلك للقراء بمثال: ما صَحَّحَه من الأحاديث أو حسَّنه، لو أنَّه بيَّن السبب للزمه تصحيح أو تحسين أحاديث ضعَّفها هو! فقد تقدَّم أن الحديث الحسن إنما نزل من مرتبة الصِّحَّةِ؛ لأن في بعض رواته ضعفاً، فلو أنَه بيَّن الرّاوي الذي يرميه بالضعف للزمه أن يُحَسِّنَ أحاديثه الأخرى، فهو من أجل ذلك يكتم ولا يبيِّن، ولا سيَّما وهو في كثير من الأحاديث التي يضعِّفها لا يزيد في بيان سبب الضعف على قوله: "فيه فلان وفيه ضعف" - وقد لا
стр. 13
يُسَمِّيه! -، فقوله: "فيه ضعف" - وهذا إذا كان يعني ما يقول - يساوي قول القائل: "وإِسناده حسن؛ لأن فلاناً فيه ضعف"، فلو أنَّه سَمّى الراوي الذي حسّن حديثه لانفضح، وتبيَّن أنَّه لا يلتزم القواعد العلميّة الحديثيّة، وهذا عندي يقين؛ ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾!
وكذلك يقال إذا بيّن أن الحديثَ صحيح لغيره، أو حسن لغيره، فإِنَّه يُلْزَمُ بتصحيح أو تحسين كثير من الأحاديث التي ضعَّفها بعد أن ساق طرقها الكثيرة، وأقرب مثال على ذلك حديث العِرباض، ومع ذلك؛ فإِنَّه لمٍ يتوَرَّع من تضعيفه - كما لمشرى في ردّي عليه رقم (٢) -، وتجد تحته مثالا آخر؛ وهو تضعيفه لحديثْ "اقتدوا باللَّذين بعدي ... "، مع أنَّه خَرَّجَهُ من أربعة طرق، وقد قَوّاه جمع، فلم يلتفت إلى ذلك كلّه! الأمر الذي يُشعر الباحثَ أنَّه لا يعتَدّ بقاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق المعتبرة عند العلماء كافّةً - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀؛ وله بحث عظيم في تأييدها وشرحها، نقلته في رسالتي في "الرّد على ابن حزم في إباحته لآلات الطرب وعلى مقلديه" (١) - ومنهم (الهدّام) هذا، كما سترى تحت الحديث (٧٩) -.
ولذلك لا تكاد تجد له حديثاً يقوّيه اعتماداً على هذه القاعدةِ، ومثله في هذا بعض الناشئين الجهلة، ولعلَّ منهم مؤلف رسالة: "بذل الجهد في تحقيق حديثي السوق والزهد"؛ فإنَّه ضعّف حديث السوق - وقد خرّجه من سبعة طرق، وأكثرها ليس فيها متّهم -، وقد رددت عليه في بعضِها مِمّا حسن إسناده الحافظ في "الصحيحة" (٣١٣٩).
* وأمّا ثالثُ فواقِرِ هذا (الهدَّام): فإنَّهُ حين يتتبَّعُ طُردا الحديث الذي خطَّط لتضعيفه، ويُخَرِّجها - عازياً إلى المصادر بأرقام أجزائها وصفحاتها -:
стр. 14
يتظاهرُ أن ذلك من كدِّه واستخراجِه منها! وإِنَّما هو - حقيقةً - ممن تقدَّمه من المُخَرِّجين من السابقين أو اللاحقين، وقد يضيف شيئاً جديداً - مصدراً، أو رَقْماً - ستراً لسرقته، ولكن الأمر كما قيل: "من أسَرَّ سريرةً أَلبَسَهُ الله رداءها"، وكما قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإنْ خالها تخفى على الناسِ تُعلمِ
وأَكثرُ تخاريجه المُطَوَّلة من هذا القَبيل - في هذا الكتاب وغيره -، ثم هو يسلِّط عليها آراءه الخاصّة في نقدها، مخالفاً في ذلك قواعد أهل الحديث والعلم - كما تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك -، وترى تفصيل ذلك فيما يأْتي.
وإِن مما يؤكِّد ما ذكرت أمرينِ:
أَحدهما: أَنَّه من النادر جداً أن يستدرك على من أشرنا إليه من المخرِّجين طريقاً أو متابعاً أو شاهداً لم يذكروه، لأنَّ ذلك ينافي تخطيط (الهدَّام) المذكورِ! بل قد يكتم بعض ما ذكروا من الطرق، وبخاصَّةٍ إذا كانت من تخريج الألباني، وبصورةٍ أخصَّ ما كان منها معزوّاً لبعض المخطوطات التي لم ترها عينه، والأمثلة أمامك.
والآخر: أَنَّه قد يقع في نفس الخطإ الذي كنت وقعت أنا فيه - قديماً - سواءً ما كان منه حديثيّاً أو مطبعيّاً - "ركوناً منه إلى السرقةِ، أو التقليد، وتماشياً مع الهدم الذي نذر نفسه له.
والأمثلة في ذلك كثيرة، ويحضرني الآن مثالان:
أ - حديث: "إن كنت تحبني فأَعِدَّ للفقر تِجفافاً ... "؛ فقد كنت قديماً ضَعَّفته في مُقَدِّمَة تخريجي لأحاديث "رياض الصالحين" (ص: هـ طبعة
стр. 15
المكتب الإِسلامي الأولى سنة (١٣٩٩ هـ) (١)، وأَحَلْتُ في بيانه على "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١٦٨١) - وقد طُبع في مكتبة المعارف سنة (١٤٠٨) -، فوجدها (الهدَّام) لقمة سائغة، فتلقّفها، ولخّص كلامي فيه في سطرين - فقط -، وأودع ذلك في "ضعيفته" التي جعلها في آخر طبعته لى "الرياض "! متفاخراً بقوله: "وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب"، ودون أن يقول: وسبقنا إلى ذلك الشيخ ناصر! فهل يقول: ولَخّصته من كتاب الشيخ ناصر؟ !
ولكني أحمد الله - تعالى - وأشكره على أن هداني ووفّقني للرجوع عن خَطإِي، وذلك بعد أن يسَّر لي الوقوفَ على بعض الشواهد الصحيحة له، فبادرت، فخرّجته، وأودعته في المجلّد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٨٢٧)، وهو مطبوعٌ - بحمد الله تعالى -.
ب- حديث: "اللهم اكْفِني بحلالك عن حرامك ... " الحديث، كنت قد خرّجته في "الصحيحة" برقم (٢٦٦) وعزوته للترمذي والحاكم وأحمد (١/ ١٥٣)، فأَخذها لقمة جاهزة - أيضاً -، ويشاء الله - تعالى - أن يفضحه ويكشف سِتْرَه، وسرقته، فقدَّر - سبحانه - علي أن أُخطئ في عزوي إياه
стр. 16
لأحمد، والصواب (عبد الله بن أحمد) ...
وهذا قُلٌّ من جُلّ من سرقاته وتشبّعه بما لم يُعْطَ، يعرف ذلك كل من له مشاركة في هذا العلم، ومعرفة بطريقة تخريجه للأحاديث - وبخاصَةٍ في "ضعيفته"-.
ومن جنايته على هذا الحديث، وخيانته للعلم، أنَّه ضَعَّفَهُ بادِّعاء أنَّ راويَه (عبد الرحمن بن إسحاق) هو (الواسطي) - المجمع على ضعفه -، والواقع أنَّه (القرشي) - كما وقع في رواية (عبد الله بن أحمد)؛ خلافاً لرواية التِّرمذي فليس فيها هذه النِّسبةُ -، فظنَّ بعض شراحه أنَّه (الواسطي)، وبيَّنت سبب ذلك في "الصحيحة"؛ فتجاهل (الهدَّام) ذلك كلَّه - مشاكسةً ومعاندةً للحق -، كما تجاهل تحسين التِّرمذي للحديث، وتصحيح الحاكم والذهبي إيَّاه.
ثم رأَيت نسبة (القرشي) قد وقعت في رواية البيهقي- أيضاً- في "الدعوات الكبير" (١٣٤/ ١٧٧)، كما رأيت إقرار الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٣٢٤) التِّرمذي على تحسينه، والحاكم على تصحيحه.
وقد شرحت الرَّد عليه وعلى من سبقه إلى هذا التضعيفِ والتوهّم - كالشيخ شعيب وتلامذته - في الاستدراك (٨) في ذيل المجلّد الأوّل من "الصحيحة" (ص ٩٢٧ - ٩٣٢).
* أمّا ملحظُنا الرابعُ؛ فإنَّ الرجل لا يحمل العِلْمَ ولا يدريه، ولا أدَلَّ على ذلك من عزوه بعض الأحاديث إلى غير مصادرها من الأمهات المعروفة، وقد يكون في "الصحيحين" أو أحدهما، بل قد يعتمد في العزو على بعض المتأخرين؛ كصاحب "كنز العمال" والأمثلة كثيرة، تأتي، فانظُر مثالين برقم (١٨)، وانظر (رقم ٢١ و ٣٢ و, و ٥٦ و ٥٨ و ٥٩).
стр. 17
* وأمّا خامسُ طامّاتهِ؛ فإنّه يتبنى بعض الأقوال التي يظن هو أنَّها (قاعدة) - أو يتظاهر بذلك -؛ لأنَّها تساعده في المخالفة لسبيل المؤمنين، وتضعيف الأحاديث الصحيحة، وهي في الواقع تُنافي القاعدة الحقيقيَّة التي عليها استقر قول العلماء، وجرى العمل بها، وهي: الاكتفاء بالمعاصرة في إثبات الاتصال من غير المدلّس:
قال الرجل في رسالته "الحوار" (ص ٦٦):
"وقاعدة جمهور المتقدمين من النقَّاد أن الرّواية تقتضي الاتصال وتدلُّ عليه، إِذا ثبت اللقاء بين المعنعِن والمعنعَن عنه، ولو مرَّة واحدة، وكان الرّاوي بريئاً من تهمة التدليس، وهذا هو الذي عليه رأي الحذَّاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة".
والرَّد عليه من وجوه:
الأول: قوله: "قاعدة"، و"أكثر الأئمة"! من مبالغاته وتدليساته التي لا تنفكُّ عنه - أو لا ينفكُّ هو عنها -! فليس هناك (قاعدة) بالمعنى المعروف، وإنما هو (رأي) - كما قال أخيراً - لبعض من ذكر، خولف فيه - كما يأتي -، ومن أكثر الأئمة، - خلافاً لزعمه! -، فقد استقر رأي جماهيرهم - كما سيأتي في نص الإمام النووي - على ما قدّمت من الاكتفاءِ بالمعاصَرةِ بالشرط المذكور.
وكانت الأقوال قبل الاستقرار أربعة:
١ - المعاصرة.
٢ - اللقاء.
٣ - السماع.
٤ - طول الصحبة.
стр. 18
وهي مذكورةٌ في كتب المصطلح، وبخاصة الشروح منها، وقد بَسط الكلامَ عليها الحافظُ السيوطيُّ في "تدريب الراوي" (١/ ٢١٦)، فمن شاء التفصيل رجع إليه.
ولكنْ؛ لا بُدّ من ذكر نص الإمام النووي؛ لأهميّتهِ وكثرة فائدته؛ ليكون القرَّاء على بيّنة من الأمر: قال ﵀ في "التقريب" (١/ ٢١٤ - ٢١٥ - بشرح "التدريب")، وأصلِهِ "إرشاد طلاب الحقائق" (١/ ١٨٥ - ١٨٦):
"الإسناد المعنعن - وهو فلان عن فلان -، قيل: إِنه مرسل؛ والصحيح الذي عليه العمل - وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول -: أنَّه متصل بشرط أن لايكون المعنعِن مدلِّساً، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً.
وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف؛ منهم من لم يشترط شيئاً من ذلك - وهو مذهب مسلم بن الحجاج؛ وادّعى الإجماع فيه -".
وفي هذا النصِّ من الإمام النووي ما يُشعر أنَّه كان هناك اختلاف شديد بين العلماء في شرط الاتصال بين الراويين، ثم استقرَّ رأيهم وعملهم على الاكتفاء بالمعاصرة، وأنَّه شرط أساس، وأنَّ ما سوى ذلك شرط كمال، فإِن وجد فالحمد لله، وإلاّ ففي (المعاصرة) بشرطها خيرٌ وبركةٌ؛ وعلى هذا أصحاب "الصحاح" و"السنن" وغيرهم.
وهذا التفصيل هو الذي قال به الحفاظ من بعدهم؛ فهذا الإمام الذهبي يقوِّي مذهب مسلم حين تعرّض لذكر الخلاف بينَه وبين البخاري بقوله في "السير" (١٢/ ٥٧٣): "وقول الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني؛ هو الأصوب الأقوى".
стр. 19
فهذا - منه - كالنِّصِّ على مذهب مسلم صواب وقوي، كما لا يخفى. ونحوه قول خاتمة الحفاظ الإمام ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - في "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٢٨٩):
"لأنَّا وإن سلّمنا بما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال؛ فلا يخفى أنَّ شرط للبخاري أوضح في الاتصال".
ونحوه في كتبه الأخرى، مثل "مقدِّمة الفتح" و"نزهة النظر"، وعلى ذلك كتب التخريج قاطبةً، لايكاد الباحث يجد فيها حافظاً إلاّ مكتفياً في التصحيح بالمعاصرة؛ كما سترى فيما يأتي من الأحاديث التي صَحَّحُوها، وعاكسهم (الهدَّام) فضعَّفها - بناءً على قاعدته التي ادَّعاها! -.
على أنني كنت وقفت على قولٍ لبعضهم في شروح المصطلح: أنَّ شرط اللقاء عند البخاري إنَّما هو في "صحيحه" فقط، وكنت متوقِّفاً عنه بُرهةً من الزمن؛ حتى رأيت التِّرمذي قد نقل عنه في "سُنَنِه" (١٢٨) تحسينَ سند حديثٍ؛ فيه مَنْ لا يمكن إثبات لقائه للراوي عنه.
تم رأيتُهُ في "العِلَل الكبير" (١/ ١٨٨ - بترتيب القاضي)؛ وفيه قوله: "هو حديثٌ حسنٌ، إلا أنّ إبرأهيم بن محمد بن طلحة هو قديمٌ، ولا أدري: سمع منه عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أم لا؟ ! وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديثٌ صحيحٌ".
وفي ظنِّي أنَّه من الممكن أن يجد الباحث فيه أمثلةً أخرى عند التتبُّع، لكثرة الأحاديث التي يذكر فيه عنه تحسينها أو تصحيحها؛ فَقَوِيَ الظنّ. عندي أنَّه شرط كمال عنده، وليس شرط صِحَّةٍ.
وازداد ظنِّي قوَّةً حين رأيت (أبا حاتم الرّازي) في "العلل" يحسِّن إسناد
стр. 20
حديث تابعيٍّ عن صحابي بحجَّةِ أنَّه أدركه ولم يَلْقَهُ، ولذلك لم يُصَحِّحْهُ، فكان هذا منبِّهاً قويّاً على أنَّ إعلاله - هو وأمثاله - لبعض الأحاديثِ لعدم اللقاء؛ إنَّما هو لنفي الصِّحَّةِ، لا الحُسْنِ، فثبت بذلك عندي أن (اللقاء) شرط كمال، في بحثٍ أودعتُهُ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٦٥٤٦).
ولهذا؛ فإِني أسأل (الهدَّام): لِمَ تَبنَّيْتَ شرط (اللقاء) كشرط أساس تُضَعِّفُ به الأحاديث؛ لجهلك بتحقُّقِه فيها؟ !
فإِن قال: لأنَّه أحوط وأقوى!
قلنا: هذا قد يُسَلَّم، ولكن ذلك لا ينفي قوَّة شرط (المعاصرة) - كما تقدّم بيانه من نصوص الحفّاظ - هذا أوّلاً -.
وثانياً: يلزمك أن تتبَنّى - أيضاً - الشرطين الآخرين: (السماع) و (طول الصحبة)، فإِنَّهما - بلا شك - "أحوط وأقوى"! !
أما نحن: فنلتزم هذه الشروط كُلَّها، مع التفريق بين ما هو شرط صِحَّةٍ - وهو (المعاصرة) -، وما سواه - وهو شرطُ كمالٍ -، ممّا قد تفيد ملاحظتها عند التعارض والترجيح.
ومن حُجَّتنا على هذا (الهدَّام) أمران هامّان جداً:
أحدهما: أن من المتفق عليه بين علماء المسلمين كافّةً لثبوت الحديث
- شرطيّة (المعاصرة وإمكان اللقاء) مع السلامة من التدليس - كما تقدم -؛ فمن
زاد على هذا شرطاً آخر؛ قيل له: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
و(الهدَّام) حين تبنّى شرط اللقاء، وضعّف به حديث: "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين" - الذي اتَّفق العلماء قاطبةً على صحَّته، مع تعدُّد طرقه - ضعَّفها هو كُلّها بأساليبه الملتوية؛ منها زعمه أنَّه لم يتَحقَّق فيه شرط
стр. 21
اللقاء! مع أنَّ في بعض طرقه تصريحَ الرّواي بالتحديث؛ فكابر وأعلّه به -.
والمقصود أنَّه حين تبنَّى (اللقاء) لم يذكر أي دليل على أنَّه شرط صِحَّةٍ، إلاّ تقليده لبعض الأقوال، ثُمَّ هو يتّهم غيرَه بالتقليد!
والأمثلة الكثيرة التي ذكرها في رُسيِّلته "حوار ... " (ص ٦٦ - ٧٥)، كان أكثرها مُعَلاًّ بالإرسال والانقطاع؛ لأسباب أخرى غير عدم الاعتداد بشرط (المعاصرة) - كالتدليس في (حبيب بن أبي ثابت) (ص ٦٧)، و (الحسن البصري) (٦٨، ٥)، و (زيد بن أسلم) (٦٩/ ٧) و (قتادة) (٦٩/ ١١)، و (أبي قلابة) (٧٠/ ١٤) -، فهؤلاء إنَّما أُعلّت رواياتهم بسبب التدليس، وليس لعدم الاعتداد بالمعاصرة؛ فتنبّه.
فهكذا الرجل يتشبَّع بما لم يُعْطَ، ويدلِّس على القراء، ويقلِبُ عليهم الحقائق.
ومن هذا القبيل مثاله (٨): "أبو حاتم قال في خالد بن مَعدان: أدرك أبا هريرة، ولا يُذكر له سماع"؛ فهذا لا يدُلّ على شرط اللقاء، وإنَّما على عدم إمكان اللقاء، وذلك لاختلاف البلد، فأبو هريرة مدني، وخالد حمصي.
ومثله المثال (٦)؛ فإنَّه من رواية كوفي عن شامي.
وقد أفصح الإمام أحمد ﵀ عن هذا السبب في بعض التراجم؛ فقال - كما في "مراسيل العلائي" (٢١٣/ ١٩٦) -: "ما أحسب لقي (زُرارة) (تميماً)، تميم كان بالشام، وزرارة بصريٌّ كان قاضياً".
وإذا كان أحمد يحتجُّ بالمرسَل في بعض الروايات عنه، موافقاً في ذلك لمالك وغيره - كما في "جامع التحصيل"-؛ فكيف لا يحتجّ بالمسند من
стр. 22
معاصر لصحابي، والمعاصر غير مُدَلس؟ (١) فما نسبه (الهدَّام) لأحمد في المثال (٥) هو من تدليسه وتضليله للقراء! لأنّه في المدلِّس! ومثل قول أحمد - المتقدم - قول أبي حاتم في (ابن سيرين): "ما أظنّهُ سمع من أبي الدرداء، ذاك بالشام وهذا بالبصرة" (٢).
ولم يكتف (الهدَّام) بهذه الأمثلة المضلِّلة التي لا علاقة لها بدعواه، بل ذكر أمثلَةً أخرى تدور على بعض التابعين المجهولين - كما في رقم (٦) -؛ فعبدُ الحميد بن سالم، عن أبي هريرة؛ فهذا مجهولٌ، - ومثله: (١٢) - وفيه عن بعضهم: "لا يعرف سماع سلامة الكِندي عن علي، والحديث مرسل".
قلت: فسلامة هذا مجهول، وله حديث ضعيفط خَرَّجته في "الضعيفة" تحت الحديث (٦٥٤٥).
ولم يقف عند هذا التضليل؛ بل ذكر في المثال (٣) عن الواقدي؛ قال: "عبد الرحمن بن صبيحة التميمي، لم يُذكر له سماع ولا صحبة".
والواقدي متروك متّهم؛ وليس من أئمَّة الجرح والتعديل، ولكن المضلِّل يتعلَّقُ - كالغريق - ولو بخيوط القمر، ولو كان الواقديُّ ثقةً ومن الأئمة؛ فهو كتلك الأمثلة المتقدمة؛ ليس لها علاقةٌ مطلقاً بموضوع اللقاء والمعاصرة، وإنَّما بـ (المراسيل).
стр. 23
ولهذا لا يجوز نسبة القول إلى هؤلاء الحفّاظ أنَّهم يشترطون اللقاء ولا يكتفون بالمعاصرة، ولو لم يوجد سببٌ مانعٌ من ذلك من تلك الأسباب ونحوها، فإن لهم - لسعة حفظهم وقوّة إدراكهم - ملاحظاتٍ وتعليلاتٍ قد تخفى على الكثيرين؛ وبخاصّةٍ المتأخِّرين من أمثالنا، فتكون ملاحظاتهم سبباً مانعاً من الاحتجاج بالمعاصرة أحياناً، كما هو الشأن عند القائلين بها، الذين اشترطوا إمكان اللقاء مع السلامة من التدليس، فإِذا انتفى سببٌ من الأسباب المانعة، احتجَّ المحققون بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وإليك بعضَ الأمثلة:
١ - مجاهد عن عائشة: أنكر غير واحد سماعه منها، كما رواه ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص ١٢٥)، وأجاب العلائي (٣٣٦/ ٧٣٦) بقولِهِ: "قلت: وحديثه عنها في "الصحيحين"، وقد صرَّح في غير حديث بسماعه منها" (١).
وأقول: أحدها في "الصحيحّين" (١٧٧٦ - خ)، (٤/ ٦١ - م)، وليس هذا هو اليقصودَ هنا، وإِنَّما هو قول ابن حبّان عَقِبَ حديثما مجاهد عن عائشة مرفوعاً: "لا تسبّوا الأموات، فإِنَّهم أفضَوا إلى ما قدَّموا" - ورواه البخاري (١٣٩٣ و ٦٥١٦) -، قال ابن حبان (٧/ ٢٩١):
"ماتت عائشة سنة سبع وخمسين، وولد مجاهد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فَدَلّك هذا على أنَّ من زعم أنَّ مجاهداً لم يسمع من عائشة؛ كان واهياً في قوله ذلك".
٢ - يعقوب مولى الحُرَقة، قال: قال عمر بن الخطاب ... فذكر أثراً له أخرجه التِّرمذي، وقالما (٤٨٧):
"حسن غريب ... ، ويعقوب - جد العلاء -؛ من كبار التابعين، قد أدرك عمر بن الخطاب، وروى عنه".
стр. 24
٣ - سعيد بن المسيَّب، قال: قال أنس ... فذكر حديثاً مرفوعاً، أخرجه التِّرمذي (٢٦٨٥)، وقال:
"حديث حسن غريب من هذا الوجه (١)، قال شعبة: "ولا نعرف لسعيد عن أنس إلاّ هذا"، ومات أنس سنة (٩٣)، وسعيد (٩٥) " (٢).
قلت: وهذا اعتدادٌ صريحٌ بالمعاصرة، خلافاً لما يُعزى لشيخه البخاري، وليس كذلك إذا تذكَّرت التفصيل - المتقدم - في شرط البخاري، وأنَّه خاصٌّ بـ"صحيحه"، وأنَّه شيخه في مثل هذا التحسين، فتذكّر.
٤ - حُميد بن عبد الرحمن، قال أبو زُرعة: "عن علي وأبي بكر: مرسل". ذكره ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٣٧)، وَالعلائي (٢٠٢/ ١٤٥)، إِلاّ أن هذا تعقّبه بقوله:
"قلت: قد سمع من أبيه وعثمان ﵄؛ فكيف يكون عن علي مرسلاً وهو معه في المدينة؟ ! نعم، روى عن عمر ﵁، وكأنَّه مرسل".
وأقول: ليت أبا زُرعة وغيره من حُفَّاظنا كانوا يتحفَّظون في نفيهم السماع والجزم بالإرسال كما تحفّظ العلائي بقوله: "كأنَّه مرسل"؛ فإِنَّ النفي في الغالب يكون مساوياً لقوله: "لا أعلم"؛ فيكون هذا التعبيرُ أقربَ إلى الصواب
стр. 25
من الجزم المذكور؛ لما يترتَّب عليه من إعلال الأحاديث بغير حُجَّةٍ بيِّنة، ثم
استغلال ذلك من أهل الأهواء والجهلة.
لقد أعجبني تحفّظ العلائي؛ لأنَّه ثبت أنه لقي عمر أيضاً، فقد روى ابن سعد (٥/ ١٥٤) بسنده الصحيح عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: رأيت عمر وعثمان يُصَلِّيان المغرب في رمضان إِذانظرا إلى الليل الأسود، ثم يُفطران بعد.
ولذلك ذكرهما الحافظ المزي في جملة من روى عنهم حميد، وإن كان يحتمل أن يكون يومئذٍ صغيراً، ويقوِّي هذا الاحتمالَ - إن صَحَّ - ما ذكروه في تاريخ وفاته، وعلى كلّ حال فليس المقصودُ الآن تحقيقَ سماعه عن الخليفتين، وإِنَّما بيان اعتماد العلائي على (المعاصرة) في ردّه على أبي زرعة؛ فتنبَّه.
ومن هذا القَبيلِ المثالُ الآتي:
٥ - قيس بن أبي حاتم، ذكر العلائي أنَّه سمع من العشرة المبشَّرين بالجنَّة، إلَّا عبد الرحمن بن عوف، ولم يعز الاستثناء لأحد، وهو لأبي داود وغيره، وذكر عن ابن المديني أنه: "لم يسمع من أبي الدرداء وسلمان، وروى عن بلال ولم يلقه ... "، ثم تعقَّبه بقوله:
"في هذا القول نظر، فإِن قيساً لم يكن مدلِّساً، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي ﷺ والصحابة فيها مجتمعون، فإِذا روى عن أحدٍ [منهم، فـ] الظاهر سماعه منه"
وإن في هذه الأمثلة لَغايةَ البيان على أنَّ عمل حفّاظ الأُمَّة قد جرى على الاحتجاج بالمعاصرة - إذا لم يكن هناك مانعٌ من تدليس، أو عدم إمكان اللقاء -، على أنَّ هذا غير مُطَّرِد، فقد تكون الرواية أحياناً مراسلةً ومكاتبةً بين
стр. 26
اثنين لم يلتقيا، ومع ذلك فهي حُجَّةٌ محمولةٌ على الاتصال عند العلماء كافّةً، فانظر "مراسيل العلائي" (ص ١٩٩ و ٢١٨ و ٣٢٠ و ٣٧٢).
وبهذا ينتهي بنا الكلام في حُجَّتنا الأولى على ذاك (الهدَّام).
وأمَّا الحُجّة الأخرى عليه، فهي:
أنَّ أهل الأهواء وأعداء السنَّة قد يتَّخذون اشتراط اللقاء سُلَّماً للطعن في الأحاديث الصحيحة، حتى ما كان منها متَّفَقاً عليه بين الشيخين وغيرهما، وبخاصَّةٍ إِذا كان هناك (قِيلٌ) بعدم السماع من الرّاوي عن المروي عنه - كما تقدم في المثال الأوّل -، ولذلك؛ فإِنَّه يجب تبنّي قول جماهير العلماء بالاكتفاء بالمعاصرة؛ من باب (سدِّ الذريعة) - أيضاً -؛ الذي هو من القواعد الهامّة في الشريعة.
وما لنا نذهب بعيداً، فهذا هو (الهدَّام) قد استغلَّ هذا الشرط استغلالاً سيِّئاً جداً وتوسَّع فيه؛ حتى فيما ثبت فيه اللقاء، ولم يصرِّح الرّاوي بالسماع وليس مُدَلِّساً، فضعَّف في "ضعيفته - "رياض الصالحين"" حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً: "صدقك وهو كذوب"، فقد خرّجه من طريق ابن سيرين عنه، وأعلَّه بقوله: "لعلَّ البخاري ... ولعلّ البخاري ... "! ! بما لا مجال الآن للرّد عليه، ثم عزَاه للنسائي من طريق أبي المتوكّل الناجي، عن أبي هريرة، بقوله في "ضعيفتِه" (ص ٥٣٥):
"أرى أن أبا المتوكِّل لم يسمع من أبي هريرة"!
وهذا ممّا لم يقله عالمٌ من قبل؛ كما يشير هو إلى ذلك بقوله: "أرى" دونما أي خجل! وقد رددت عليه في "الصحيحة" تحت الحديث (٣١٦٢). وكذلك ضَعَّف - فيها - (ص ٥٥٩ - ٥٦٠) حديثين من رواية عبد الله بن
стр. 27
بريدة، عن أبيه - مرفوعاً -، أعلَّهما أيضاً بالانقطاع بين عبد الله وأبيه، مع أنَّ سماعه عنه ثابت في عِدَّةِ أحاديث، واحتجَّ الشيخان أيضاً بروايَته عن أبيه! ! والحديث الأوّل مخرَّج في "الصحيحة" (٩٤)، والآخر في "الإرواء" (٢٥٧٦)، وصحَّحهما جَمْعٌ من العلماء، فراجعهما إن شئت.
وعلى هذا النَّمَط من الاستغلال السيِّئ والانحراف عن الحق؛ جرى (الهدَّام) في تخرِيجه لأحاديثَ كثيرةٍ في الكتب التي سوّد عليها تعليقاتهِ! ! وحسبك الآن مثالاً الحديثُ الآتي برقم (٣٠)؛ فإِنَّه ضعَّف إسناده بقوله: " ... فإِنَّ سالماً لم يصرح بالسماع منه".
وانظر الرَّدَّ عليه هناك.
وإنَّ من لوازم هذا عدمَ الاعتماد على الأسانيد الصحيحة المعنعنة مطلقاً، حتى التي يصحِّحُها الذين اشترطوا اللقاء مع السلامة من التدليس، فإِنَّهم لم يشترطوا السماع.
ولعلَّه مِن أجلِ هذا: لَمّا ذَكَرَ المحقق ابن دقيق العيد شرطَ السلامة من التدليس استصعبه جداً؛ حيثُ قال في كتابه القيم "الاقتراح" (ص ٢٠٨) معقباً عليه:
"إلاّ إن الجَرْيَ عليه في تصرُّفات المحدِّثين وتخريجاتهم صعب عسير، يوجب اطِّراح كثير من الأحاديث التي صحَّحوها؛ إذ يتعَذَّر علينا إثبات سماع المدَلِّس فيها من شيخه، اللهم إلاّ أن يَدَّعيَ مُدَّعٍ أن الأوَّلين اطَّلعوا على ذلك ولم نطَّلِع نحن عليه! وفي ذلك نَظَرُ".
قلت: ولعلَّه من أجل تفادي الطرح المذكور؛ جعلوا المدَلِّسين طبقات، منهم من يُعْتفَرُ تدليسه لِقِلَّتِهِ، وتُقبل عنعنتهم كالثقات الذين في حفظهم
стр. 28
ضعف؛ فهؤلاء يُقبل حديثهم، على تفصيلٍ ذكره الحافظ العلائي في "مراسيله" (١٢٩ - ١٣١)، ولبيان ذلك أَلَّفَ الحافظ ابنُ حَجَرٍ كتابه "طبقات المدَلِّسين"؛ وهو معروفٌ.
إذا عُرف هذا؛ فما عسى أن تكون نسبة الأحاديث الصحيحة التي سيطرحها هذا الأفينُ إِذا التزم إعلالها بعدم السماع؛ فضلاً عن غيره من العلل التي يختلقها، ويتجاهل موقف العلماء منها، وتصحيحهم للأحاديث التي يضعِّفها هو بها؟ !
عامله الله بما يستحقُّ.
* وأمّا سادسُ جهالاتهِ؛ فإنّك تراه كثيراً ما يضعّف بعض الأحاديث الصحيحة بناءً على الطرق الضعيفة التي وجدها مخرَّجة عند غيره وبخاصةٍ الألباني، ثم يعمل فيها هدماً، مُعْرِضاً عن قاعدةِ تقويةِ الحديث بكثرةِ الطرق - كما تقدم -، ولا يبحث مطلقاً عن طريق آخر له، أو شاهدٍ يقوّيه به، قد يكون فات من قبله لسبب أو آخر، وهذا أمثلته كثيرة.
* سابعاً: يتجاهل بعض الطرق والشواهد الصحيحة، ويتشبَّث بالطريق المرسل، وهي بين يديه! كما سترى في الحديث (٤٩) - وغيره -.
* ثامناً: يعمّي على القراء صِحَّةَ إسناد الحديث الذي لا غبار عليه بقوله. "رجاله ثقات"! مكان قوله: "إِسناده صحيح"؛ معاكسةً منه للألباني!
وقد يذكر أحياناً عن بعض الحفّاظ تقويته، بعد أن يكون هو أعلَّه بما لا يقدح، وفي الغالب يكتم التقوية!
وقد يصحِّح متن الحديث دون السند، ولايبيّن السبب! ! وكثيراً ما يضَعِّف ولا يبيِّن السبب، ويُحيل به إلى موضع لا يسمِّيه! !
стр. 29
* تاسعاً: تعميته على القراء كونَ الراوي ثقةً عند الأئمة بقوله فيه: "وليس بالمشهور" ونحوه؛ انظر الحديث (٨٩ و ٨١ و ٨٣ و ٩٦ و ١٠٠).
* عاشراً: تجاوزه تخريج جملة من الأحاديث الصحيحة الّتي يذكرها - أو يُشير إليها - مصنِّفو الكتب التي يسوّد عليها تعليقاتهِ؛ كمثل ما أورده الإمام ابن القيم ﵀ في كتابهِ "إغاثة اللهفان" من أحاديثِ النهي عن التشبُّهِ بالكفار، وخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇؛ ولا وجه لإعراضه عنها، إلاّ أنَّه قد لا يؤمن بها! أو أنَّه - على الأقلّ - بشكِّكُ في
صحَّتها! ! فانظر الحديث (٠١٠٣ و ١٥٣).
وقد يتجاوز الحديث لجهله به أنَّه في حكم المرفوع - إِذا أحسنَّا الظَّن به -؛ وإلاّ فالظاهر أنَّه لا يعرفه مطلقاً، مع أنَّه في "صحيح البخاري"! لأنّه قد خرَّج بعض الأحاديث الموقوفة، كحديث ابن مسعود الآتي عنده (١/ ٣٠)، وحديث عثمان (١/ ٧٩)، وهما خارج "الكتب السِّتَّة"، فما باله لا يخَرِّج حديث البخاري الآتي برقم (٥٩) وهو في أم "الستة": "البخاري"، لولا الجهل بما فيه من الكنوز؟ !
وله أمثلةٌ أخرى تدُلُّ على جهله بما في "الصحيحين"، تقدّم الإشارة إِلى بعضها في (المقدِّمة) فقرة (٤)، بل إنَّه عزا حديث علي الموقوف - الآتي برقم (١٨) - للدِّينَوَرِيِّ وغيره بواسطة "الكنز"! وفي هذا العزو بلايا تدلّ على جهله - كما سترى -؛ منها ضعف سنده، وإهماله عزوه للبخاري!
* حادي عَشَرَ: وله أساليب عجيبة غريبة في التمويه وتضليل القرّاء عن الاستفادة مما يعزوه لـ"للصحيحين" أو أحدهما، فمثلاً الحديث (١٥٤)؛ فإِنَّه عزا طرفه الأول للشيخين، وبيَّض للأخير منه! وعزا ما بينهما للطبري وضعّفه، والحديث بتمامه عند الشيخين؛ وقد صوّرت الصَّفحة التي فيها هذا
стр. 30
الخلط؛ ليكون القرّاء على بيِّنةٍ مما فعل، لأنَّه - لغرابته - لا يكاد يُصَدَّق.
وكذلك فعل بالحديث الذي بعده - (١٥٥) -؛ فإِنَّه عزَاه للطبري - أيضاً -، وتَعَمَّدَ تحريف اسم أحد رواته؛ ليتوصَّل منه إلى ادِّعاء أنَّهُ لا يُعرف، وبالتالي إلى تضعيف الحديث، وهو نفس الحديث الذي قبله، وروايةٌ لمسلم فيه، ولم يَكْتَفِ بهذا التضليل، بل زاد في الطين بِلَّة؛ فأوهم القرّاء أنَّ الطبري روى من طريق الرّاوي الذي حرَّف اسمه رواية مسلم هذه الصحيحة؛ والواقع أنَّه إنَّما روى من طريقه حديثاً آخر موقوفاً - كما ستراه مصوَّراً أيضاً -.
وله أُمورٌ أُخرى - كثيرةٌ - لا يخفى بلاؤهُ - فيها - على الفَطِنِ من القُرَّاءِ، ولا يَغِيبُ جهلُهُ - بها - عن الألِبَّاء ...
فإلى نَقْدِنا المُفَصّلِ على تعليقهِ وتخريجهِ؛ بل إفسادهِ وتخريبهِ؛ فأقولُ - وبالله التوفيقُ -:
стр. 31
١ - قال ابنُ القَيِّم ﵀ في كتابه "إغاثة اللهفان" (١/ ١٧): "صَحَّ عن حذيفة بن الييان: "القلوب أربعة ... "": قلت: أعلَّه (الهدَّام) - المعَلِّق عليه - بالانقطاع بين أبي البَختري وحذيفة، وهو كما قال، ولكنَّه أخطأ في نسبة الانقطاع إلى أبي حاتم، فإِنَّه لم يقله! كما أخطأ في تفسير قولي في تعليقي على كتاب "الإِيمان" (١٧/ ٤٦): "حديث موقوف صحيح" بأَنَّه: "سبق قلم"! فأقول: ليس كذلك؛ بل هو بقصدٍ مني كما فعل ابن القيِّم من قبلي، وبيان هذا وذاك في "الأحاديث الضعيفة" (٥١٥٨).
٢ - قال ابن القيِّم (١/ ٢١): "ووصف الرسول ﷺ خلفاءه بضدِّها
(يعني: الجهل والغَيَّ)، فقال:
"عليكم بسنتي وسنَّةِ الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي":
قلت: جزم ﵀ بنسبته إلى النبي ﷺ ؛ وهو الحق الذي أجمع عليه علماء المسلمين سلفاً وخلفاً، دون خلاف معروف بينهم، حتى جاء هذا (الهدَّام) المغرور، فخالفهم جميعاً، متشبِّثاً بتجهيل ابن القطان الفاسي لأحد رواته، فيما علَّقه على طبعته لـ"رياض الصالحين" (ص ٧٩/ ١٠٥) (١)، ونسب إليه أنَّه ضعّف الحديث! وهذا من جهالاته أو مغالطاته؛ إذ لا يلزم منه أنَّه ضعَّف الحديث من جميع طرقه، كما فعل (الهدَّام) هنا وقي غيره، وهذا يقال على فرض
стр. 32
التسليم بالجهالة، وهو مرفوض - كما كنت بيّنته في "الصحيحة" (٩٣٧) -.
ثم نشر رسالة صغيرة سنة (١٤١٣) ينتصر فيها لعدم قناعته مني بصحة الحديث في اللقاء والمناقشة التي سبقت الإشارة إليها في المقطع (الثالث) من المقدمة؛ تتبّع فيها طرق الحديث الئي أوصلها إلى سبعة عشر طريقاً! وأعلَّها كلها وأرجعها - بقدرة قادر - كما يقال! - إلى طريق واحدة! هي طريق ذلك الرّاوي المجهول عنده! مع أنَّ في بعضها تصريحَ غيرِه من الثقات بسماعه للحديث من العرباض، وقد كنت خرَّجت في "الإِرواء" - وغيره - كثيراً من طرقه الأخرى، ولخَّصت الكلام عليها في الاستدراك رقم (١٣) الذي ألحقته بالطبعة الجديدة للمجلد الثاني من كتابي "الأحاديث الصحيحة"؛ وفي بعضها التصريح المشار إليه، فلا داعي للإعادة، فإِنَّه منشورٌ مشهورٌ - بحمد الله تعالى -.
ولكن لا بُدّ من استرعاءِ النظر إلى شيء من تدليساته وتناقضاته وكتمانه للحقائق في كلامه على هذا الحديث فضلاً عن غيره، فأَقول:
يرى القارئ الكريم أنَّ الرجل ختم بحثه هذا بقوله (١/ ٢٣).
"وجميع هذه الطوق مدارها على عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي؛ كما فصَّلت هذا في رسالةٍ مستقلَّةٍ "مع الألباني في مناقشة لحديث العرباض بن سارية"؛ فانظرها إن أردت تَوَسُّعاً".
قلت: فهو يؤكِّد بذلك تضعيف الحديث لجهالة السُّلَمي عنده، وقد سبق ردّه آنفاً.
والمقصود؛ أنَّ القارئ إذا رجع إلى تلك الرسالة، وجد أنَّه ختمها بأمرين هامَّين جداً، يقضيان على رسالته ويجتثَّانها من أصلها، ويكشفان عن بَطَرِه للحق، ومعاندته، واستعلائه على أئِمَّة المسلمين، ونسبتهم إلى التقليد
стр. 33
والجهل، وإعجابه برأيه المُرْدي المهلك:
الأمر الأوَّل: ذكر (ص ١٢٠ - ١٣٣) عشرة من كبار الحفّاظ والعلماء - من المتقدِّمين والمتأخرين - من الذي صَحَّحوا هذا الحديث، ثم طعن فيهم واحداً بعد واحد، نابزاً إيَّاهم بالتساهل أو التقليد، وهم على ترتيبه إياهم:
"التِّرمذي، ابن حِبّان، البزّار، الحاكم، ابن عبد البر، أبو نُعيم الأصبهاني، أبوالعباس الدَّغُوليّ، البغَوي، ابن العَرَبي، الضياء المقدسي".
ويعلق تحت اسم كل واحدٍ منهم بما أملاه عليه هواه من المطاعن، ثم شملهم جميعاً بقوله:
"وهذا منهم تقليد"! !
وتحفَّظ الرجل بالنسبة للحافظ الذهبي، فإجلالاً منه له (! ) لم يُلحقه بأولئك المقلِّدين! ! فأفرده عنهم مع كونه معهم في تصحيح الحديث في موافقته للحاكم، وذلك لأنه شك في نسبة موافقاته للحاكم، وإن كان من جهة أخرى قد مال (١) في الحاشية إلى قول من قال من المعاصرين: إن تلك الموافقات كانت في مقتبل عُمُرِ الذهبي! وهذا من تناقضاته الكثيرة، وسواء استقر رأيه على هذا أو ذاك، فإِنّا نضعه أمام نص الذّهبي، ونصوص أخرى عن غيره من الأئمّة، مِمَّا لا يمكنه الشَّكُّ في ثبوتها، أو اللفّ والدوران عليها - إلاّ أن يخرج عن عقله أو دينه -:
стр. 34
الأوّل: قال الذهبي في كتابه العظيم "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٤٨٣): "هذا حديث عالٍ صالح الإسناد".
الثاني: وقال أيضاً (١٨/ ١٩٥):
"وصَحَّ عنه أنَّه قال. "عليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء ... " الحديث".
الثالث: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في فتوى له (٤/ ٣٩٩ - "الفتاوى"):
"وفي "السنن" - عنه - أنَّه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر"؛ ولم يجعل هذا لغيرهما، بل ثبت عنه أنَّه قال: "عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ... " الحديث بتمامه. والرابع: الحافظ ابن الملقِّن في "تذكرة المحتاج"؛ فإِنَّه بعد أن أقرَّ تصحيحَ مَن صححه ردَّ على ابن القطان تجهيله لراويه، فقال (٦٦/ ٦٧): "وأمّا ابن القطان فأعلّه بجهالةِ بعض رواته، وقد بأن توثيقه".
ويُلْحَقُ بهؤلاء كلّ الذين احتجّوا به أو شرحوه، وهم جَمٌّ غفير لا يمكن حصرهم، ومنهم الخطيب البغدادي، والإمام الشاطبي، والمحقق ابن القيم في "إغاثة اللهفان" - وغيره -، وأبو حامد، والماوردي، والحافظ ابن حجر الذي حكاه عنهما في "الفتح" (١٠/ ٣٣٩) وأقره، وهو ظاهر كلامه في "التلخيص" (٤/ ١٩٠)، فإنَّه أقَرَّ الذين صحَّحوه، ولم يتعقَّبهم بشيء البتّة.
فيا أيها القراء الكرام! هل يدخل في عقل عاقل مسلم أنَّ هؤلاء العلماء الأجلاَّء كلّهم متساهلون، أو مقلدون، أو على الأقل مخطئون، وذاك (الهدَّام - الفَسْل) هو الإمام المجتهد المصيب؟ ! وهو - والله - لا يصلح أن يكون تلميذاً لأحد تلامذتهم ... ووالله إننا لفي زمانِ تَكَلُّمِ (الرُّويبضة) - كما أخبر الصادق
стр. 35
المصدوق ﷺ (١) -.
والأمر الآخر أنَّ الرجل هدم - والحمد لله - جُلَّ رسالته - بقلمه -، في فصل أخير عقده فيها بعنوان: "هل لحديث العرباض شواهد؟ "، ثم أفاض في ذكر الشواهد الصحيحة لأكثر فقرات الحديث (ص ١٤٠ - ١٥٧)، وانتهى إلى التسليم بصحة الحديث؟ إلاّ فقرتين، إِحداهما: "فعليكم بسنتي"، والأُخرى: "عَضُّوا عليها بالنواجذ"؛ وهي التي احتجَّ بها ابن القيم، وعلّق عليها (الهدَّام) هذا التعليق الأسود، واحتجَّ بها - أيضاً - بعض العلماء على حجيّة إجماع الخلفاء، كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيميّة، وأيَّده بهذا الحديث، فقال في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٤٩٣):
"وهذا حديث صحيح في "السنن" ... ".
وإِنَّ من جَنَفِ هذا (الهدّام)، وَبَغْيهِ على السُّنَّة المطهّرة: أنَّه لما رأى أنَّه يشهد لها قولُه ﷺ : "اقتدوا باللَّذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر" ضعَّفه أيضاً، مع أنَّه خرَجه (ص ١٤٧ - ١٥٣) عن أربعة من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأنس ﵃، وضَعَّفها كلّها بأسلوبه (الفذّ)! ولو أنَّه كان على علم بالسنّةِ وانتصار لَهَا؛ لعلم أنَّه لو سُلِّم له بضعْف مفرداتها، فإِنَّ مجموعها يدل على أنَّ للحديث أصلاً أصيلاً، فكيف وبعضها قويٌّ لذاته - كما بينته في "الصحيحة" (١٢٣٣) -، ومنه استفاد أحاديثهم، ولكنه كعادته قد نصب نفسه للمعاكسة والمعاندة، فضعَّفه.
ثم زاد - ضِغثاً على إبّالة - فنقل (ص ١٥٣) عن الحافظ ابن حجر أنَّه ذكر في "التلخيص" (٤/ ١٩٠) للحديث عِلَة أخرى، وهي أن رِبعياً لم يسمع
стр. 36
هذا الحديث من حذيفة!
وفي هذا النقل تدليس خبيث نعرفه عنه كثيراً، فإِنَّه يوهم أنَّ الحافظ ذكره وأقرَّه؛ وهو خلاف الواقع، فقد تعقَّبَه بقوله:
"قلت: أمَّا مولى رِبعي فاسمه (هلال)، وقد وُثِّق، وقد صرَّح رِبعي بسماعه من حذيفة في رواية، وأخرج له الحاكم شاهداً من حديث ابن مسعود ... ".
ولم يقتصر كتمانُه لهذه الفقرة من كلام الحافظ، بل كتم ما هو أبلغُ في الرَّد عليه، وبيان خطإِه في التضعيف، وعدم اعتداده بأقوال الحفّاظ، فقال الحافظ:
"وقال العقيلي - بعد أن أخرجه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر: لا أصل له من حديث مالك، وهو يُروى عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت" (١).
بل إن خيانته للعلم لَتزداد وضوحاً حينما يَعلم القراء أنَّه هو نفسَه قد ذكر الحديث (ص ١٤٨) من رواية العقيلي (٤/ ٩٤ - ٩٥)، ونقل الشطر الأوَّل من قول العقيلي، ولم ينقل الشطر الآخر الصريح في تقويته للحديث!
فماذا يقال عمن يفعل هذا؟ ! وبخاصةٍ أنَّه يتكرّر ذلك منه كثيراً، فقد كتم - أيضاً - تحسين التِّرمذي لحديث حذيفة هذا، وقد حَسَّنه في ثلاثة مواضع من "السُّنن"، وهذه أرقامها (٣٦٦٣ و ٣٨٠١ و ٣٨٠٧).
وله من مثل هذا الشيء الكثير والكثير جداً، مما سيأتي التنبيه عليه - إن شاء الله وأعانني عليه -، الأمر الذي أرجو أن يكون سبباً لهدايته إن كان مخلصاً، أو قطعاً لدابره إن كان مغرضاً، كما قطع دابر من قبله من ذوي
стр. 37
الأهواء من الأموات، أو الأحياء الأموات!
ولعلّ من ذلك القبيل - أيضاً - كتمانَه تصريح ابن تيميّة بثبوت حديث حذيفة في "الفتاوى" (٣٥/ ٤٨)، فضلاً عن احتجاجه به - كما تقدّم نقله عنه (ص ٢١) - وانظر - أيضاً - (٣٥/ ٢٣) -، وكذلك احتجَّ به الحافظ ابن كثير في "التفسير" (١/ ١٧١)، وصرح بتحسينه الحافظ ابن حجر في "تخريج المختصر" (ق ٣٢/ ٢).
وإنَّما قلت: "ولعله ... "؛ لأنَّه لا جزم عندي بذلك - أولاً -، ولعلمي أنَّه لا يبحث إلاّ عن الهدم - ثانياً -! فيحتمل الأمر هذا وذاك.
ومن الشواهد الصحيحة التي وقف عليها ولم يتجرأ على الطعن في إسنادها - خلافاً لعادته -: ما رواه البخاري (١١/ ١٩٨) أن عبد الرحمن بن عوف بايع عثمان على خلافته، فقال:
"أبايعك على سنّة الله، وسنّة رسوله والخليفتين من بعده".
ولكنه ردَّ دلالته وشهادته بقوله (ص ١٥٣):
"هذا من قبيل التأكيد على سنة النبي ﷺ ، لا التغاير، ثم إنَّه موقوف"!
وهذا من بالغ جهله، وقلّة فقهه، فإِن كونه موقوفاً مما لايفسح المجال لمسلم أن لا يأخذَه - كما هو الشأن في كثير من الموقوفات -؛ لأنَّه قيل في حضرة كبار الصحابة من العشرة المبشرين بالجنّة، وغيرهم.
ثم إن قوله: "لا التغاير" قد كشف النقاب عن السبب الذي حمل هذا (الهدَّام) على تضعيف الحديث ككلٍّ - أولاً -، ثم انحطَّ إلى تضعيف فقرة: "سنة الخلفاء الراشدين" منه - ثانياً -، وهو فهمه (التغاير) بينها وبين سنة النبي ﷺ ! وهو فهم سقيم بمرّة.
стр. 38
والحقيقة، أنَّ هذا الحديث الصحيح يلتقي - تمام اللقاء - قولَه - تعالى -: ﴿ ... سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فهل ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هو غير سبيل الرسول وما دعا إليه؟ ! كلاّ ثمّ كلاّ، فإن المعنى: "ويسلك منهاجاً غير منهاجهم" كما قال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٧٨).
وكذلك قوله ﷺ : "وسنَّة الخلفاء الراشدين" أي: طريقتهم ومنهاجهم الذي تلقَّوه من رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، وتقريراً، وما ذلك إلا لأنهم أعلم أصحابه بسنته ﷺ ، فسنَتهم من سنَّته ﷺ ، ولذلك احتجَّ من سبقت الإشارة إليهم بهذا الحديث على حجيَّة إجماعهم؛ كما احتجَّ الإمام الشافعي بالآية المتقدِّمة على حجيَّة إجماع المسلمين - على ما هو مبيَّنٌ في "رسالته"، وكتب الأصول والتفسير -.
وإنَّ مِن المؤيِّدات للحديث قوله ﷺ : "إن يطع الناس أبا بكَر وعمرَ يرشُدوا" رواه أبو عَوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٢)، وأصله في "مسلم" (٢/ ١٣٩ - ١٤٠)، وإليه عزَاه ابن تيميَّة (٤/ ٤٠٠)، وفيه بحثٌ لا مجال لذكره الآن، وصحَّحه ابن المنذر - كما في "الفتح" (١/ ٣٠٩) -، وهو من حديث أبي قتادة الأنصاري.
وجملة القول في هذه الفقرة - مع صحَّتها في ذاتها عند العلماء - أنَّه يشهد لها قوله ﷺ : "اقتدوا ... "، وما ذُكر بعده من الموقوف والمرفوع - لاشتراكها كلها في الحضّ على الاقتداء بالخليفتين وإطاعتهم - فمِن باب أولى أن يحضّ على الاقتداء بأربعتهم واتباع سنَّتهم، كما هو ظاهرٌ لا يخفى.
стр. 39
وخلاصةُ ما تقدّم من البيان حول هذا الحديث الصحيح:
أوَّلاً: أن (الهدَّام) بتضعيفه إِيَّاه قد خالف ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثانياً: لقد هدم بحثَهُ - هذا - الَّذي لَخَّصَه من رسالته، كما هَدَمها هي - أيضاً - بتراجعه عن تضعيف أكثره، وقد يتراجع - فيما بعد - تحت مطارق الحق عن باقيه، ولكن بمكرٍ ودهاءٍ لا يُحمد عليه.
ثالثاً: لقد كتم هنا تراجعَه المذكور هناك، فأوهم القراء أنَّه لا يزال مُصِرّاً على تضعيفه إيّاه - تضعيفاً مطلقاً - وذلك بما كان علَّقهُ على طبعته لـ"رياض الصالحين" (١)؛ هداه الله! ولا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله!
٣ - "قال النبي ﷺ في الَّذين أفتَوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ ! فإِنَّما شفاء العِيِّ السؤال"":
صَدَّره المضعِّف بقوله: "ضعيف"! ثم خَرَّجَه (١/ ٢٨) من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس وضعّف إسناديهما، وقد استفاد ذلك من "الإرواء" (١/ ١٤٢/ ١٤٢) وغيره، لكنَّه عاكسني في تقويتي للحديث بمجموع الطريقين في بعض كتاباتي - مثل "المشكاة" (١/ ١٦٦) -، فحسَّنته هناك، وفي "صحيح أبي داود" (٣٦٤ - ٣٦٥).
أقول: عاكسني؛ لأنَّه لا يأخذ بقاعدة التقوية بكثرة الطرق، كما تقدم بيانه في المقدمة (المؤاخذة/ ٢)؛ وذلك من أسباب خروجه عن ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكثرة مخالفته لعلمائهم - كما رأيتَ ويأتي -، ومن ذلك هذا الحديث، فقد رأيت جَزْمَ ابن القيم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وسبقه إلى ذلك
стр. 40
جَمْعٌ منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مواضع من كتبه وفتاويه، فانظر مثلاً "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٥٨) و (٢٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
ووقع هنا - أيضاً - في كتمانه العلمَ الذي هو حُجَّةٌ عليه، فإنَّ من المصادر - التي عزا الإسنادين المشار إليهما -: الحاكم (١/ ١٧٨) والبيهقي (١/ ٢٢٧)، ومع ذلك؛ فإِنَّه كتم الطريق الأخرى السالمة من الانقطاع، فأخرجه الحاكم (١/ ١٦٥) والبيهقي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) من طريق الوليد بن عبيد الله ابن أبي رباح، أنَّ عطاءً حَدَّثهُ، عن ابن عباسٍ ... به، ببعض اختصارٍ، وقال البيهقي: "هذا حديث موصول"، وصحَّحه الحاكم والذهبي.
كما كتم - أيضاً - تصحيح ابن خزيمة، وابن حبّان، وابن الجارود، وقد رأى ذلك - على الأقل - بواسطة "الإحسان" (٤ / ١٤٠ - ١٤٢)؛ الذي كثيراً ما يُحيل إليه إذا كان تعليق شيخه شُعيب عليه موافقاً لهواه! ولمّا كان الشيخ وفِّق - والحمد لله - للصواب؛ فقوّى الحديث لطرقه، لم يُحِلْ عليه! فهو شيخه عند الموافقة! وأمّا عند المخالفة فلا هو ولا أحدٌ من الأئِمّة والحفّاظ المعروفين! ! ولسان حاله يقول عن شخصه وعلمه: (لا هو إلَّا هو)! نعوذ بالله من العُجْبِ والغرور! !
٤ - "وفي "المسند" و"الترمذي" من حديث عَدي بن حاتم، عن النبي ﷺ ، قال: "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالّون"": أقول: لم يكشف (الهدَّام) عن حكمه عليه بصحَّةٍ أو ضعفٍ، ولكنَّه أعلَّه بالجهالة والإرسال، وترك الحكم عليه معلَّقاً، لا يهمُّهُ: أَفَهِمَ القراءُ منه صحته أو ضعفه؟ ! وهو مما يؤكِّد أنَّه لا يغار على حديث رسول الله ﷺ ، ولو أنَّه كان على ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأفصح - أوّلاً عن صحة إسناد المرسل، ولقوّاه بالمتَّصل الذي فيه الجهالة - ثانياً -، ولكنَّ الأمر أخطر من سكوته هذا،