← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 150846

النصيحة بالتحذير من تخريب «ابن عبد المنان» لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا الحديث من حذيفة! وفي هذا النقل تدليس خبيث نعرفه عنه كثيراً، فإِنَّه يوهم أنَّ الحافظ ذكره وأقرَّه؛ وهو خلاف الواقع، فقد تعقَّبَه بقوله: "قلت: أمَّا مولى رِبعي فاسمه (هلال)، وقد وُثِّق، وقد صرَّح رِبعي بسماعه من حذيفة في رواية، وأخرج له الحاكم شاهداً من حديث ابن مسعود ... ". ولم يقتصر كتمانُه لهذه الفقرة من كلام الحافظ، بل كتم ما هو أبلغُ في الرَّد عليه، وبيان خطإِه في التضعيف، وعدم اعتداده بأقوال الحفّاظ، فقال الحافظ: "وقال العقيلي - بعد أن أخرجه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر: لا أصل له من حديث مالك، وهو يُروى عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت" (١). بل إن خيانته للعلم لَتزداد وضوحاً حينما يَعلم القراء أنَّه هو نفسَه قد ذكر الحديث (ص ١٤٨) من رواية العقيلي (٤/ ٩٤ - ٩٥)، ونقل الشطر الأوَّل من قول العقيلي، ولم ينقل الشطر الآخر الصريح في تقويته للحديث! فماذا يقال عمن يفعل هذا؟ ! وبخاصةٍ أنَّه يتكرّر ذلك منه كثيراً، فقد كتم - أيضاً - تحسين التِّرمذي لحديث حذيفة هذا، وقد حَسَّنه في ثلاثة مواضع من "السُّنن"، وهذه أرقامها (٣٦٦٣ و ٣٨٠١ و ٣٨٠٧). وله من مثل هذا الشيء الكثير والكثير جداً، مما سيأتي التنبيه عليه - إن شاء الله وأعانني عليه -، الأمر الذي أرجو أن يكون سبباً لهدايته إن كان مخلصاً، أو قطعاً لدابره إن كان مغرضاً، كما قطع دابر من قبله من ذوي

стр. 37

الأهواء من الأموات، أو الأحياء الأموات! ولعلّ من ذلك القبيل - أيضاً - كتمانَه تصريح ابن تيميّة بثبوت حديث حذيفة في "الفتاوى" (٣٥/ ٤٨)، فضلاً عن احتجاجه به - كما تقدّم نقله عنه (ص ٢١) - وانظر - أيضاً - (٣٥/ ٢٣) -، وكذلك احتجَّ به الحافظ ابن كثير في "التفسير" (١/ ١٧١)، وصرح بتحسينه الحافظ ابن حجر في "تخريج المختصر" (ق ٣٢/ ٢). وإنَّما قلت: "ولعله ... "؛ لأنَّه لا جزم عندي بذلك - أولاً -، ولعلمي أنَّه لا يبحث إلاّ عن الهدم - ثانياً -! فيحتمل الأمر هذا وذاك. ومن الشواهد الصحيحة التي وقف عليها ولم يتجرأ على الطعن في إسنادها - خلافاً لعادته -: ما رواه البخاري (١١/ ١٩٨) أن عبد الرحمن بن عوف بايع عثمان على خلافته، فقال: "أبايعك على سنّة الله، وسنّة رسوله والخليفتين من بعده". ولكنه ردَّ دلالته وشهادته بقوله (ص ١٥٣): "هذا من قبيل التأكيد على سنة النبي ﷺ ، لا التغاير، ثم إنَّه موقوف"! وهذا من بالغ جهله، وقلّة فقهه، فإِن كونه موقوفاً مما لايفسح المجال لمسلم أن لا يأخذَه - كما هو الشأن في كثير من الموقوفات -؛ لأنَّه قيل في حضرة كبار الصحابة من العشرة المبشرين بالجنّة، وغيرهم. ثم إن قوله: "لا التغاير" قد كشف النقاب عن السبب الذي حمل هذا (الهدَّام) على تضعيف الحديث ككلٍّ - أولاً -، ثم انحطَّ إلى تضعيف فقرة: "سنة الخلفاء الراشدين" منه - ثانياً -، وهو فهمه (التغاير) بينها وبين سنة النبي ﷺ ! وهو فهم سقيم بمرّة.

стр. 38

والحقيقة، أنَّ هذا الحديث الصحيح يلتقي - تمام اللقاء - قولَه - تعالى -: ﴿ ... سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فهل ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هو غير سبيل الرسول وما دعا إليه؟ ! كلاّ ثمّ كلاّ، فإن المعنى: "ويسلك منهاجاً غير منهاجهم" كما قال إمام المفسرين أبو جعفر الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٧٨). وكذلك قوله ﷺ : "وسنَّة الخلفاء الراشدين" أي: طريقتهم ومنهاجهم الذي تلقَّوه من رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، وتقريراً، وما ذلك إلا لأنهم أعلم أصحابه بسنته ﷺ ، فسنَتهم من سنَّته ﷺ ، ولذلك احتجَّ من سبقت الإشارة إليهم بهذا الحديث على حجيَّة إجماعهم؛ كما احتجَّ الإمام الشافعي بالآية المتقدِّمة على حجيَّة إجماع المسلمين - على ما هو مبيَّنٌ في "رسالته"، وكتب الأصول والتفسير -. وإنَّ مِن المؤيِّدات للحديث قوله ﷺ : "إن يطع الناس أبا بكَر وعمرَ يرشُدوا" رواه أبو عَوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٢)، وأصله في "مسلم" (٢/ ١٣٩ - ١٤٠)، وإليه عزَاه ابن تيميَّة (٤/ ٤٠٠)، وفيه بحثٌ لا مجال لذكره الآن، وصحَّحه ابن المنذر - كما في "الفتح" (١/ ٣٠٩) -، وهو من حديث أبي قتادة الأنصاري. وجملة القول في هذه الفقرة - مع صحَّتها في ذاتها عند العلماء - أنَّه يشهد لها قوله ﷺ : "اقتدوا ... "، وما ذُكر بعده من الموقوف والمرفوع - لاشتراكها كلها في الحضّ على الاقتداء بالخليفتين وإطاعتهم - فمِن باب أولى أن يحضّ على الاقتداء بأربعتهم واتباع سنَّتهم، كما هو ظاهرٌ لا يخفى.

стр. 39

وخلاصةُ ما تقدّم من البيان حول هذا الحديث الصحيح: أوَّلاً: أن (الهدَّام) بتضعيفه إِيَّاه قد خالف ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثانياً: لقد هدم بحثَهُ - هذا - الَّذي لَخَّصَه من رسالته، كما هَدَمها هي - أيضاً - بتراجعه عن تضعيف أكثره، وقد يتراجع - فيما بعد - تحت مطارق الحق عن باقيه، ولكن بمكرٍ ودهاءٍ لا يُحمد عليه. ثالثاً: لقد كتم هنا تراجعَه المذكور هناك، فأوهم القراء أنَّه لا يزال مُصِرّاً على تضعيفه إيّاه - تضعيفاً مطلقاً - وذلك بما كان علَّقهُ على طبعته لـ"رياض الصالحين" (١)؛ هداه الله! ولا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله! ٣ - "قال النبي ﷺ في الَّذين أفتَوا بالجهل، فهلك المستفتي بفتواهم: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ ! فإِنَّما شفاء العِيِّ السؤال"": صَدَّره المضعِّف بقوله: "ضعيف"! ثم خَرَّجَه (١/ ٢٨) من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس وضعّف إسناديهما، وقد استفاد ذلك من "الإرواء" (١/ ١٤٢/ ١٤٢) وغيره، لكنَّه عاكسني في تقويتي للحديث بمجموع الطريقين في بعض كتاباتي - مثل "المشكاة" (١/ ١٦٦) -، فحسَّنته هناك، وفي "صحيح أبي داود" (٣٦٤ - ٣٦٥). أقول: عاكسني؛ لأنَّه لا يأخذ بقاعدة التقوية بكثرة الطرق، كما تقدم بيانه في المقدمة (المؤاخذة/ ٢)؛ وذلك من أسباب خروجه عن ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكثرة مخالفته لعلمائهم - كما رأيتَ ويأتي -، ومن ذلك هذا الحديث، فقد رأيت جَزْمَ ابن القيم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وسبقه إلى ذلك

стр. 40

جَمْعٌ منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مواضع من كتبه وفتاويه، فانظر مثلاً "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٣٥٨) و (٢٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠). ووقع هنا - أيضاً - في كتمانه العلمَ الذي هو حُجَّةٌ عليه، فإنَّ من المصادر - التي عزا الإسنادين المشار إليهما -: الحاكم (١/ ١٧٨) والبيهقي (١/ ٢٢٧)، ومع ذلك؛ فإِنَّه كتم الطريق الأخرى السالمة من الانقطاع، فأخرجه الحاكم (١/ ١٦٥) والبيهقي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) من طريق الوليد بن عبيد الله ابن أبي رباح، أنَّ عطاءً حَدَّثهُ، عن ابن عباسٍ ... به، ببعض اختصارٍ، وقال البيهقي: "هذا حديث موصول"، وصحَّحه الحاكم والذهبي. كما كتم - أيضاً - تصحيح ابن خزيمة، وابن حبّان، وابن الجارود، وقد رأى ذلك - على الأقل - بواسطة "الإحسان" (٤ / ١٤٠ - ١٤٢)؛ الذي كثيراً ما يُحيل إليه إذا كان تعليق شيخه شُعيب عليه موافقاً لهواه! ولمّا كان الشيخ وفِّق - والحمد لله - للصواب؛ فقوّى الحديث لطرقه، لم يُحِلْ عليه! فهو شيخه عند الموافقة! وأمّا عند المخالفة فلا هو ولا أحدٌ من الأئِمّة والحفّاظ المعروفين! ! ولسان حاله يقول عن شخصه وعلمه: (لا هو إلَّا هو)! نعوذ بالله من العُجْبِ والغرور! ! ٤ - "وفي "المسند" و"الترمذي" من حديث عَدي بن حاتم، عن النبي ﷺ ، قال: "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالّون"": أقول: لم يكشف (الهدَّام) عن حكمه عليه بصحَّةٍ أو ضعفٍ، ولكنَّه أعلَّه بالجهالة والإرسال، وترك الحكم عليه معلَّقاً، لا يهمُّهُ: أَفَهِمَ القراءُ منه صحته أو ضعفه؟ ! وهو مما يؤكِّد أنَّه لا يغار على حديث رسول الله ﷺ ، ولو أنَّه كان على ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأفصح - أوّلاً عن صحة إسناد المرسل، ولقوّاه بالمتَّصل الذي فيه الجهالة - ثانياً -، ولكنَّ الأمر أخطر من سكوته هذا،

стр. 41

وهو كتمانه لحقائق علمية هامّة تؤكد أن الحديث صحيحٌ يقيناً؛ وهاك البيان: أولاً: كتم تحسين التِّرمذي إياه، وقد عزاه إليه! وتصحيح ابن حبّان إيّاه، ولم يعزه إليه! ثانياً: كتم توثيق ابن معين لـ"مُرَيِّ بن قَطَرِيٍّ" (١)؛ الذي قد يساعد على الاستشهاد بحديثه، وهو مسند متصل. ثالثاً: طريق آخرى كتمها، ولم يتعَرَّض لذكرها مع أنَّه رآها عند الطبري الذي عزا ما خرَّجه إليه! وهو من رواية الشعبي عن عدي ﵁، وإسناده صحيح؛ كما قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ١٨ ٥) . رابعاً: جهل أو تجاهل شاهداً قويّاً له من حديث أبي ذرٍّ، حسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/ ١٧٩). خامساً: جهل - أو تجاهل - تتابعَ العُلماءِ على تصحيحه أو الاحتجاج به، فهذا شيخ الإسلام ابن تيميّة يحتج به في "الفتاوى" (٣/ ١٢٧)، وفي مكان آخر منه (١/ ٦٤) يُصَحِّحُهُ، وصرَّح ابن أبي العزّ الحنفي بثبوته في آخر "شرحه على العقيدة الطحاوية". والحديث قد خرَّجته في "الصحيحة" برقم (٣٢٦٣). ٥ - "قال النبي ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمّام"": جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي ﷺ ، وعاكسه (الهدَّام) على عادته! فقال بعد ما ساقه من حديث أبي وهب الجُشَمي مسنداً، ومن حديث تابعيَّيْنِ ثقتين - أحدهما شامي والآخر مكي - مرسلاً: "ولست أراه يصح بهما"!

стр. 42

وهذا - منه - على ما جرى عليه في كل تخريجاته من إعراضه عن تقوية الضعيف بكثرة طرقه - كما نبَّهت عليه في المقدِّمة -؛ ولذلك سكت عنه الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٥٧٨)، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيميّة، وجزم - أيضاً - بنسبته إلى النبي ﷺ في "الفتاوى" (٢٠/ ١٢٢) و (٢٨/ ١٣٥)، وأورده عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الشرعية الصغرى" (٢/ ٨١٨) التي خصها بالأحاديث الصحيحة. والحديث مخرّج في "الصحيحة" (١٠٤٠)، و"الإرواء" (١١٧٨). ٦ - "في "صحيح مسلم" عن صُهيب ﵁ عن النبي ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنّة، نادى منادٍ: يا أهل الجنّة! إنَّ لكم موعداً ... فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه"": قلت: هو من رواية حماد بن سلمة: ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب. وقد قال ابن المديني وغيره: "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة"؛ كما في "السير" للذهبي، وقال (٧/ ٤٤٦): "ومسلم روى له في الأصول عن ثابت وحميد، لكونه خبيراً بهما". ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت". قلت: من أجل ذلك كنت صحَّحته في "الظلال" (٤٧٢) وغيره، ولا سيّما تَتَابَعَ حفاظُ الأمّة، وأئمَّةُ الإسلام على تخريج حديثه هذا - مع الإمام مسلم - في كتب الصحاح، والاحتجاج به في كتب السّنة وأصولها، منهم أبو عَوانة، وابن خُزيمة، وابن حِبان في "صِحاحهم"، وصحَّحه البغوي في "شرح السنة"، واحتج به ابن خزيمة في "التوحيد"، واللالَكائي في "أصول الاعتقاد"،

стр. 43

والبيهقي في "الأسماء والصفات"، و"الاعتقاد"، وابن تيميّة في "الفتاوى" (٨/ ٣٥٦)، وابن القيم - كما ترى -، وابن أبي العزّ في "شرح العقيدة الطّحاوية"، والحافظ ابن حَجَر في "الفتح" (١٣/ ٤٣٢) - وغيرهم مِمّن يصعب استقصاؤهم، دون أي خلاف سالف من غيرهم -. ورغم هذا تطاول هذا (الفَسْل القميء) عليهم، وخالف سبيلَهم، زاعماً أنَّ: "إسناد هذا الحديث إلى صهيب غلط، مَنْشَأُهُ من حماد بن سلمة، فقد خالف جمعاً من الثقات بزيادته صحابيَّ الحديث صهيباً، ورفعِه، ولا تحتمل زيادته الصحة". ثم خرّجه من رواية الطبري من طريق حماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، ومَعْمَر، عن ثابت ... به دون ذكر صهيب؛ موقوفاً على ابن أبي ليلى، وقال. "وهو الصواب". فأقول: هذا مُنتهى الصَّفَاقةِ من هذا الأفِين، فإِنَّه - فوق تجرُّئه على تخطئته لأولئك الفحول - يستدل على ذلك برواية الثلاثة الذي خالفوا حماد ابن سلمة، فأوقفوه على ابن أبي ليلى - وهم دون ابن سلمة في ثابت خاصة - كما تقدم عن ابن المديني وغيره -، ومنهم الإمام أحمد. وإن مما لا شك فيه أنّ الحفاظ الذين جاؤوا من بعد مسلم - والذين أخرجوا الحديث وصحّحوه أو احتجّوا به - قد وقفوا على رواية هؤلاء المخالفين، فلم يرفعوا إليها رأساً؛ لعلمهم بأرجحيَّه رواية ابن سلمة عن ثابت على روايتهم، ومنهم الإمام الطبري نفسه، فإنَّه أَتبع روايتهم برواية ابن سلمة؛ مشيراً بذلك إلى أنَّها هي الصحيحة المعتمدة؛ ولعله - لذلك - كَتَمَ هذا (الهدَّام) ذِكْرَ الطبريِّ عن القراء؛ فلم يذكره في جملة المخرِّجين لها، كما كتم عزوَها إلى هؤلاء الحفّاظ الذين أخرجوه في "صِحاحهم": أبي عَوانة، وابن

стр. 44

خزيمة، وابن حبان، والبغوي - كما تقدم -. وهناك حقيقةٌ أخرى كتمها - مدلِّساً بذلك على القُرّاءِ -؛ وهي أن رواية الثلاثة، وإن كانت متفقة وقفاً، فهي مختلفةٌ اختلافاً ظاهراً متناً، فلو أنَّه ساقها: لتبيّن للقراء جهلُه بهذا العلم الشريف، وأنَّه فارغ منه كالطبل، وهاك البيان: أولاً: رواية مَعْمَر وسليمان بن المغيرة، أخرجها الطبري من رواية ابن المبارك عنهما، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى - مختصرة جداً -، بلفظ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: النظر إلى وجه ربهم". ثانياً: رواية حماد بن زيد عنه، روايتان: إحداهما: كهذه، رواها عنه عبد الرحمن - وهو ابن مهدي -، قال: ثنا حمّاد بن زيد ... به، مختصراً. والأخرى: يرويها ثقتان عنه - مطولاً -، نحو رواية ابن سلمة. وإذا عُرف هذا؛ فما هو الراجح من هذا الاختلاف؟ إن من الواضح أن ما اتفق ثقتان عليه أرجحُ مما رواه ثقة واحد، ولا سيّما إذا كانت روايته أنقصَ متناً من روايتهما، فرواية عبد الرحمن بن مهدي مرجوحة من هذه الحيثيّة، لكننا نرى أنَّه قد تابعه الثقتان الآخران: مَعْمَر وسُلَيمان بن المغيرة، فهي بهذا الاعتبار راجحة، ورواية الثقتين مرجوحة؛ هذا إذا جرينا - لا قدَّر الله! - على ما جرى عليه (الهدَّام) من الترجيح بالكثرة! وههنا حقيقةٌ أخرى يجهلها من لم يمارس هذا العلم ممارسة طويلة، ولم يتفقّه بأساليب الحفاظ النقادين في معالجة الاختلاف بين الروايات، وهي أنَّهم يلاحظون - أحياناً - أن الخلاف إنَّما سببه الاختصار - لسبب أو آخر -؛ فقد يقتطع الثقة من الحديث قطعة تناسب المقام، وقد لا يرفعه لاعتقاده أنَّه

стр. 45

معروف عند الحاضرين، إلى غير ذلك من الأسباب التي تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالرواة، وإنَّ مما يؤيِّد هذا هنا ما رواه الإمام الطبري بالسند الصحيح - جداً - عن عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ , قال: "إذا دخل أهل الجنّة الجنة ... " الحديث، نحو حديث حمّاد بن سلمة، وفيه: " ... فوالله ما أعطاهم شيئاً أحَبَّ إليهم من النظر إليه". فهل يقولُ عالمٌ: أخطأ ابن مهدي في رفعه - وبهذا التمام - مخالفاً لروايته المتقدمة المختصرة الموقوفة؟ ! ومن هذا القبيل ما رواه البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٠٧) من طريق قَبِيصة بن عُقبة أبي عامر: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب - مرفوعاً - في قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: "النظر إلى وجه ربّنا ". فهذا - كما ترى - قطعة من حديث حمّاد بن سلمة المرفوع، فهل يقال: أخطأ قَبيصة على حمّاد؟ أو: أخطأ حماد على ثابت؟ ! كلاّ ثم كلاّ، وقد عرفتَ السبب فيما قدّمنا. وإذا عرفتَ هذا؛ فالحقُّ أنَّ كل هذه الروايات - من أولئك الثقات - الدائرةِ على ثابت، كلّها ثابتة صحيحة عنه، فالاختلاف الذي بينها ليسَ اختلافَ تعارضٍ، وإنّما اختلاف تنوعّ، وقد يكون ذلك من ثابت نفسه، فحفظ كلٌّ منهم ما سمع منه، وقد يكون منهم أنفسهم، وهذا أرجحُ عندي؛ لما تقدم بيانه. وسواء كان هذا أو ذاك؛ فرواية حمّاد بن سلمة عنه صحيحة؛ لما معه من الزيادة سنداً ومتناً، ولأنَّه أثبتهم عن ثابت - كما تقدم عن الحفّاظ -.

стр. 46

فهذا الحقّ ليس به خفاءُ ... فَدَعْني مِنْ بُنَيَّات الطريق ٧ - "وفي "الترمذي" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "يقول الله ﵎: ابنَ آدم! تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ... ": ضعفَّه (الهدَّام) بقوله - بعد أن عزاه للترمذي وابن ماجه -: "وفيه زائدة بن نَشِيط، وهو مجهول الحال". قلت: أخذ هذا الإعلال مِن "الصحيحة" (١٣٥٩)، وكتم - كعادته - تلبيساً على قرائه - الحقائق التالية: أوّلاً: قول التِّرمذي - عقبه -: "حديث حسن غريب". ثانياً. تصحيح ابن حبّان إيَّاه - وهو على علم به، فقد عزوته إليه في "الصحيحة" -. ثالثاً: تصحيح الحاكم والذّهبي إياه. رابعاً: شاهداً قوياً له من حديث مَعْقِل بن يسار - مرفوعاً -، صحّحه الحاكم والذّهبي - أيضاً -. وهو على علم بذلك كله، لوروده في "الصحيحة"، ولكنّه الكبر والحسد وحب الظهور، ولو على حساب هدم السّنة - عامله الله بما يستحق! -. يضاف إلى ذلك أنَّ الحافظ المنذري أورد الحديثين في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٨ ١) مشيراً إلى ثُبُوتهما، ومقرّاً للحاكم على تصحيحهما. ٨ - "قال النبي ﷺ في حديث التِّرمذي وغيره: "الدّنيا ملعونة، ملعون ما فيها؛ إلاّ ذكر الله وما والاه"":

стр. 47

قلت: كذا جزم ابنُ القَيِّم ﵀ بنسبته إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب، وعاكسه (الهدَّام)، فقال (١/ ٥٦): "حديث ضعيف، ولعلّه قولٌ لبعض السلف"! فأقول: اجعل (لعلّ) عند ذاك الكوكب، فإِنَّه قولٌ مبتدَعٌ لم يقل به أحدٌ ممن سلف، ولو كان من الخلف، فحريٌّ بمثله أن يُرمى به أرضاً. ثم خرَّجه من رواية التِّرمذي وابن ماجه - فقط -، فأَعلّه بـ (عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان)، قال. "وهو ضعيف"، وبعطاء بن مُرَّة (كذا؛ والصواب: قره! )، قال: "ولم يعرفه ابن المديني". ومن حديث ابن مسعود، وأبي الدرداء، وجابر، ونقل عن أبي حاتم أنَّه قال: "وهذا خطأ، وإنَّما هو محمد بن المنكدر، أن النبي ... مرسلاً"، ثم قال: "وبهِ قال الدارقطني وابن الجوزي". وفي الرّد عليه أقول: أَحْصُرُ الكلامَ على حديث أبي هريرة، وحديث جابر: أمّا حديث أبي هريرة؛ فنقول: إِنه حسن الإسناد، رغم أنفط (الهدَّام)؛ وذلك لأنَّ عبد الرّحمن بن ثابت ليس ضعيفاً كما زعم، بل هو وسطٌ، ولذلك قال المنذري والذهبي فيه: "صدوق". وسيأتي بيان ذلك مفصلاً تحت الحديث (١٠٣)، ولذلك صحّح له كثير من الحفّاظ المتقدمين والمتأخرين، كالترمذي، وابن حِبّان، والحاكم، والمنذري، والذهبي، والعراقي، وغيرهم. وأمَّا تشبُّثُهُ بقول ابن المديني في عطاء بن قُرّة: "لا أعرفه"! فهو من أسلوبه في هدم السنّة، فإِنَّه يقدِّم النّفي على الإثبات - خلافاً لقاعدة الفقهاء - بل العقَلاء جميعاً: (من علم حُجَّة على من لم يعلم) -، فإِذا هو لم يعرفه،

стр. 48

فلا ندفع به علم من عرفه، فقد قال فيه أبو زرعة الدِّمشقي: "كان من خيار عباد الله"، وذكره ابن حبّان في "الثِّقات" (٧/ ٢٢٢) وروى عنه جمع من الأئمة الثقات الحفّاظ كالثوري، والأوزاعي وغيرهم، ولذلك قال الذهبي في "المغني": "صدوق". ونحوه في "التقريب". وقد صحّح له ابن حِبّان غيرَ ما حديث، والحاكم، فانظر "الصحيحة" (٦٥٣)، وحسّن له التِّرمذي هذا الحديث، وأقرّه الحافظ المزّي، والحافظ العسقلاني في "تهذيبَيهما"، ومن قبلهما الحافظ المنذري في "الترغيب" (١/ ٥٦)، والإمام النووي في كتابه "رياض الصالحين" (رقم ١٣٩١). وكل هذا مما كتمه (الهدَّام) عن قرائه، ليحملَهم على تقليد جهله، ويصرفهم عن اتّباع أهل العلم والبصيرة من علمائهم. وهذا الحديثُ من الأحاديث الكثيرة التي حذفها (الهدَّام) من "رياض" النووي، ولم يوردها في "رياضه"- هو - (ص ٣٥٩ - ٣٦١) - وقد أضلّه الله عنه - والحمد لله -، فلم يورده في ذيله الخاص بما ضعَّفه من أحاديث "رياض" النووي! وقد قارب عددها الخمسين بعد المئة، ويتفاخر بذلك في مقدِّمةِ "الذيل"! ! وكذلك أقرَّه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ١٠) و (٣/ ٢٠٢). وأمَّا حديث جابر فَرَدُّنا على (الهدَّام) - فيه - من وجهين: الأوّل: أنَّه ساقه متصلاً من طريق سفيان الثوري، عن ابن المنكدر عنه، وهذا - في الظاهر - إسناد صحيح، ومع ذلك أعلّه بالإرسال - تقليداً لأبي

стр. 49

حاتم وابن الجوزي -؛ مع أنّ الأوّل ساق إسناده من طريق عبد الله بن الجرّاح القُهُسْتَاني، عن أبي عامر العَقَدِي، عن سفيان ... به؛ وهذا إسناد جيد، وهو الذي رواه أبو نُعَيْمٍ في "الحلية"، وإليه فقط عزاه (الهدَّام) (١)، وسكت عنه - تقليداً منه لأبي حاتم الذي لم يذكر الثقة الذي أرسله -؛ وأبو عامر هذا، هو: عبد الملك بن عمرو القيسي؛ ثقة من رجال الشيخين، فَمَن هو الذي خالفه من الثقات ممّن هو أوثق منه؛ حتَّى يثبُتَ خطأ ذلك الوصل المدعى؟ ! وإن كان المقصود بالخطإ هو عبد الله بن الجرّاح (٢): فهو محتملٌ؛ لأن فيه بعض الضعف - كما بيّنته في المكان المشار إليه - آنفاً -، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد حفظه، ولذلك جزم بنسبته إلى النبي ﷺ ابن عبدالبر - حافظ المغرب - في "التمهيد" (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، فالسؤال المذكور - عن الثقة اليرسل: من هو؟ - لا يزال قائماً. وأمّا ابن الجوزي الذي آثر (الهدَّام) تقليدَه على التحقيق العلمي - اتِّباعاً لهوى هَدْمِه -؛ فقد ذكر المخالف الذي لا يجوز الأخذ بحديثه؛ ولو لم يخالف غيره لضعفه - من جهة -، وشدة ضعف الراوي عنه - من جهة أخرى -؛ فقد ساق (٢/ ٣١٦/ ١٣٣١) بإسناده عن محمد بن حُميد - وعنه ابن أبي الدّنيا في "ذم الدنيا" (١٤/ ٧) -: ثنا مِهران بن أبي عمر: نا سفيان الثوري، عن محمد؛ المنكدر، عن أبيه - مرفوعاً - به. قلت: مِهران - هذا - قال الذهبي في "المغني":

стр. 50

"وثّقه ابن معين، وقال البخاري: في حديثه اضطراب". وقال الحافظ: "صدوق له أوهام، سيِّئ الحفظ". والرّاوي عنه أسوأ منه - كما ذكرت - آنفاً - وهو الرّازي، قال الحافظ: "ضعيف". وتركه الذهبي في "الكاشف". وقال في "المغني": "ضعيف لا من قبل الحفظ! "، ثم حكى عن غير واحد تكذيبه. وابن الجوزي - عفا الله عنا وعنه - طالما ضعّف أحاديثه في غير ما كتاب من كتبه، وهنا يحتجُّ بإعلال حديث الثقة الذي لا غمز فيه، وهو أبو عامر العَقَدي، فإِنَّه قال عَقِبَ حديث ابن حُميد: "هذا الحديث مرسل، كذلك رواه مِهران، وقد رواه أبو عامر العَقَدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر"! فتأمل كيف يجزم بأن عامراً قد رواه عن الثوري بسنده الصحيح - كما قدَّمت - عن جابر؛ ومع ذلك يُعِلُّه بمن عرفت أنّه ليس في العِير ولا في النفير! ثم قال: "وكلا الطريقين غير محفوظ". يعني: طريق جابر هذه، والأخرى ذكرها ابن الجوزي قبل هذه: من طريق خالد بن يزيد: نا سفيان الثوري، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة.

стр. 51

وأقول: خالد - هذا - كذَّبه أبو حاتم، ويحيى (١)، وقد خالف - مع هذا الضعف الشديد - أبا عامر العَقَدي - كما رأيت آنفاً -، وإنَّما المحفوظ عن أبي هريرة من رواية عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة ... به؛ وهذا إسناد حسن - كما تقدم -. وقد رواه بعض المجهولين، عن ابن ثوبان، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن شَقِيق، عن عبد الله بن مسعود، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٤٤ / ١/ ٤٢٢٨ - بترقيمي)، وقال: "لم يروه عن ابن ثوبان إلاّ أبو المُطَرِّف المغيرة بن المُطَرِّف، ورواه غيره عن ابن توبان، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة". قلت: وذكر هذا الاختلافَ على ابن ثوبان: الدّارقطنيُّ في "العلل" (٥/ ٨٩/ ٧٣٥)، وقال في حديث المغيرة بن المطرِّف: "وهذا إسناد مقلوب"، وقال في حديث أبي هريرة: "وهو الصحيح". قلتْ وجهل (الهدَّام) هذه الحقيقة - أو تجاهلها -، وهي أن العلّة في الإسناد المقلوب؛ إنّما هو المغيرة، فعاكس هو - كعادته -، فحطّها على ابن ثوبان؛ توهيناً منه لحديثه الصحيح عن أبي هريرة - كما قال الدّارقطني -، مع أنَّه ذكر أنَّ فيه المغيرة المجهول! ! وخلاصة الكلام في هذا الوجه: أنّ حديث جابر لم يقم دليل على أنَّه مرسل؛ وأنَّ إسناده الموصول حسنٌ؛ خلافاً لما خطّط له (الهدَّام). والوجه الآخر: أنَّه لو فرضنا أنَّه ترجّح الإرسال، فلا يضرُّ؛ لأنَّه مرسل صحيح الإسناد، فيكون شاهداً قويّاً لحديث أبي هريرة ﵁ كما

стр. 52

هو معلوم في علم المصطلح-، مع أنَّ بعض الأئمَّة يحتجون بالمرسل، ولو لم يكن له شاهدٌ موصول، كما هو معروفٌ في علم الأصول. ثم رأيت حديث سفيان المرسل في "زهد الإمام أحمد"، قال (ص ٢٨): حدثنا يحيى، عن سفيان ... به، كما ذكره أبو حاتم ﵀، ويحيى هو ابن سعيد القطان، الإمام الثقة الثبت، وهذا يرجِّح أنَّه من مرسل محمد بن المنكدر، وليس من مرسل أبيه المنكدر -كما وقع لابن الجوزي-، وخلط بينهما (الهدَّام) فجعلهما واحدًا، والمعصوم من عصمه الله؛ وهو -سبحانه- ولي التوفيق. ثم رأيت في "فتاوى النووي" أنَّه سئل عن الحديث؟ فأجاب (ص ١٣): "حديث حسن، رواه التِّرمذي وغيره". ٩ - قال ابن القيِّم ﵀: "وجماع هذا أن تعلم: "أنَّ الخلق كلّهم، لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا كلّهم ... ": قال (الهدَّام) (١/ ٦٠): "حديث حسن، أخرجه التِّرمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) من حديث ابن عبّاس". قلت: أخرجاه من طرق، عن ليث بن سعد: حدّثني قيس بن الحجّاج، عن حَنَش الصنعاني، عنه ... في حديث طويل، أوَّله: "يا غلام! إنّي أُعَلِّمك كلمات؛ احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْه تجاهك ... " الحديث، وفيه: "واعلم أنَّ الأمّة لو اجتمعت ... " الحديث، وهو مخرَّج في "الظلال" (١٣٨/ ٣١٦ - ٣١٨). إِذا عُرف هذا، فلي على التخريج المذكور مؤاخذاتٌ:

стр. 53

الأولى: كتمانه -كعادته - تصحيح التِّرمذي إيّاه، فقد قال عَقِبه: "حديث حسن صحيح" (١). والسبب في ذلك: أنَّه يريد أن يُظهر رأيه -وليته كان عن علم! - علىِ أحكام الأئمة السابقين، وما رأيته في هذا الكتاب أباح بتصحيح التِّرمذي، إلاَّ مرةً واحدةً، حين وافق ما عنده؛ فانظره -إن شئت- في المجلد الثاني -منه- (ص ١٢١). الثانية: قوله: "حديث حسن"؛ فإِنَّه لم يبيِّن هل يعني: أنَّه حسن لذاته؟ ! وحينئذٍ ينبغي أن يفصح عن ذلك ولايتكتَّم، فيقول كما قال في غيره: "إسناد حسن"، وإن كان يعني أنَّه حسن لغيره، فحينئذٍ يجب أن يذكر علَّته، والمتابعات أو الشواهد التي من أجلها حَسَّنَه، وهذا ما لم يفعله هنا ولا في أمثاله! فمن المشاهد فيما يحسِّنه أنَّه يعبِّر عنه بتعبيراتٍ مختلفة: الأوَّل: "حديث حسن" -كما هنا -. الثاني: مثله، إلاّ أنَّه يشكِّك فيه، فيقول (٧٠، ١٣٠): "إن شاء الله تعالى". الثالث: "إِسناده حسن" (ص ٧٧، ٢١٢، ٢٢٤، ٢٧٢، ٥١٤). الرّابع: مثله، إلاّ أنَّه يشكِّك فيه أيضًا، فقال مَرَّةً (١/ ٢٢٤): "أرجو أن يكون حسن الإسناد"! ومرَّةً قال (٢/ ٢٧٥): "هذا إسنادٌ حسن -إن شاء الله تعالى-"! فما هو السبب -يا ترى- في هذه التعابير الأربعة التي أحدثها هذا (الهدَّام)؟ ! والتي لا يعرف الفرق بينها مبتدِعُها نفسه، فضلًا عن القرّاء، وإنَّما

стр. 54

هي من باب التكلُّف والتنطُّع المنهيِّ عنه؛ كما في قوله ﷺ : "هلك المتنطعون" رواه مسلم. ولماذا أعرض عن الاصطلاح العامِّ المعروف عند علماء الإسلام؛ أنَّ الحديث الحسن: حسن لذاته وحسن لغيره؟ ! لا لشيء سوى حبِّ المخالفةِ والمشاكسة الذي حَادَ به عن سبيلهم غايةً وأسلوبًا! لقد زعم هذا (الهدَّام) في آخر مقدِّمته لهذا الكتاب (ص ٥) -الذي أفسده بتعليقاته وتخريجاته -أنَّه قام بخدمة الكتاب: "ليتيَسَّر لقارئه فهمه"! وأنا مع اعتقادي الجازم بأنَّه لم يفعل شيئًا من ذلك، فهو على العكس من ذلك تمامًا، فقد عسَّر عليهم فَهْمَ كثير من بحوثه وفصوله؛ بما ضعّف من أحاديثه الصحيحة التي أقام المؤلف عليها بحوثه وفصوله، ولو أنَّه كان صادقًا في التيسير المذكور، ليَسَّر لهم فهم ما يقول هو ويكتب! وكم له من مثل هذه (المُعَمَّيَات)! التي سيأتي بيانها في مواضعها -إن شاء الله تعالى-. ولا أدَلّ على أنَّه يقول ما لايفعل: من تلك الإحالات العجيبة في التخريج، فهو كثيرًا ما يقول في بعض الأحاديث المتكرِّرة: "تقدَّمَ تخريجه"! فيبخل على قرّائِه أن يعيِّن لهم المكان بالجزء والصفحة تيسيرًا للمراجعة! حتى إنَّه ليفعل ذلك في المجلّد الثاني؛ قال (ص ٣٧٤): "تقدم تخريجه"؛ الأمر الذي يكلِّف القرّاء أن يقلِّبوا مئات الصفحات بحثًا عن تخريج الحديث الذي أحال إليه، وقد يكون في أوَّله أو في آخره وما بينهما، وقد يكون قريبًا جدًا، كمثل إحالته في المجلد الثاني (ص ١٦٣) والتخريج في الصفحة التي قبلها! وإنَّ من طرائفِهِ (! ) أنَّه في بعض المواضع تفضّل على القرّاء فعَيَّن لهم الصفحة، لأنَّه لم يكلِّفه ذلك شيئًا من البحث والوقت، لأنَّ بينها وبين

стр. 55

الصفحة التي فيها التخريج: تخريجًا لحديثين فقط! فانظر (ص ٣١)، ومَرَّة أخرى كان الفاصل تخريجَ حديثٍ واحد! (ص ٥١). وأغرب من كلِّ ذلك أنَّه علَّق على حديث: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ... " بقوله (ص ١٧١): "حديث منكر، وقد تقدّم"! والواقع أنَّه لم يتقدّم له ذكرٌ في الكتاب، ولا منه في التعليق، وإنَّما ذلك من أوهامِه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ إن لم يكن ذلك من باب: (وراء الأكَمَة ما وراءها)! وإِنَّ مما يؤكد ما قلت؛ أنَّه لما ذكره في فهرس الأحاديث (ص ٤٣٧) لم يعزهُ إلاّ إلى المكان الذي أشرت إليه! وهكذا فليكن التحقيق والتيسير ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَاتَفْعَلُونَ﴾. المؤاخذة الثالثة: أنَّه مهما كان قصدُه من قوله: "حديث حسن"، فذلك من جَنَفِهِ على السنة، وجنايته على الأحاديث الصحيحة ورواتها، فإِن حقَّ إسناده المتقدِّم -مني- أن يقول فيه: "إسناده صحيح"، أو على الأقل: "حديث صحيح" أي: لغيره، وذلك لأنَّ رجاله ثقات، رجال مسلم، غير (قيس ابن الحجاج)، فقد ذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جمع كثيرٌ من الثقات (١)، وحسبك منهم: الليث بن سعد -راويه هنا -، وإنْ قال فيه أبو حاتم: "صالح"، فإِنَّه -على تشدُّدِه المعروف - إِنَّما يعني أنَّه حسن الحديث، وأَظنّ أنَّه مقلَّد (الهدَّام) هنا، فلا أقلَّ من تصحيحه لغيره؛ لأنَّ له طرقًا كثيرة أشار إليها الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين" (ص ١٣٣)، وكنت خرَّجت بعضها في "الظلال".

стр. 56

وقال الحافظ: "وأَصَحُّ الطرق كلها طريق حَنَش الصنعاني التي خَرَّجها التِّرمذي -كما قال ابن منده وغيره-". هذا؛ وسيأتي -بإِذن الله-تعالى- الكلامُ على الأحاديث التي حَسَّنها- أو على الأقل على بعضها-، والحديث التالي أحدُها. ١٠ - قال ابن القيِّم: "من أطاع الله -تعالى-؛ فقد والاه، ولا يذلُّ من والاه رَبُّه؛ كما في حديث القنوت: "إنَّه لا يذل من واليت ولا يَعِزّ من عاديت": قال (الهدَّام) (١/ ٧٠): "وهو حديث حسن - إن شاء الله تعالى-". ثم خرًّجه برواية جمع، منهم التِّرمذي؛ وَيَرِدُ عليه المؤاخذات الثلاث التي أوردتها عليه في الحديث الذي قبله، إلاّ أنَّ قول التِّرمذي عقب الحديث -هكذا-: "هذا حديث حسن، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء، واسمه (ربيعة بن شيبان)، ولانعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا". قلت: فأبو الحوراء ثقةٌ مشهورٌ، والرّاوي عنه (بريد بن أبي مريم) قد وثَّقه ابن معين، وأبو زُرعة، والنسائي، وغيرهم -كالدّارقطني -، حتى إنَّه ألزم الشيخين بالتخريج له، وشذّ أبو حاتم -لتشدُّدِه - فقال: "صالح"؛ أي: حسن الحديث -كما تقدم في الذي قبله -، وأظن أنَّ (الهدَّام) قلَّده حين اقتصر على تحسينه، فهو في هذا كهو في الذي قبله! بل هو هنا أسوأُ؛ لأنَّه خالف بالتقليد الجمهورَ الذين وثقّوه، كما خالف الدْين صحّحوا حديثه كابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجاورد، والحاكم، والذهبي، وغيرهم -كعبد الحق الإشبيلي-، وما يمنعه من اتِّباعهم -والحق معهم- إلاّ ما ابْتُلِيَ به من حب

стр. 57

الشذوذ والنشوز، نسأل الله السلامة. فإِن قيل: لعله اتبع الإمام التِّرمذي في التحسين؟ فأقول: هذا بعيدٌ جدًا، لأسبابٍ أذكرها: أولاً: هو -مع الأسف- لا يُقيم وزنًا لجميعِ الحفّاظ إذا خالفهم؛ فضلًا عن التِّرمذي؛ لأنَّه متساهلٌ. ثانيًا: هو مخالف للترمذي -أيضًا- من ناحيتين: إحداهما: أنَّه شكَّك في تحسينه إيّاه. والأخرى: أنَّه لم يُفصح عن نهع تحسينه، كما بيَّنت في الذي قبله؛ بخلاف التِّرمذي، فإِنَّه جزم بأنَّه حسن لذاته. ثالثًا: من المحتمل أنَّ التِّرمذي لم يصحِّحه، لأنَّه من رواية أبي إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله السَّبيعي -وفيه كلامٌ معروفٌ-، رواه عن بُريد، أمَّا (الهدَّام) فقد وقف عليه من رواية شعبة عن بُريد، فما الذي منعه من تصحيح إسناده، بله تحسينه؟ ! ما هو إلا حُبّ المخالفة للعلماء، والعياذ بالله -تعالى-. وقد يخطر في البال أنَّ من المحتمل أنَّه رأى ابن حزم ضعَّف الحديث في "المحلّى" (٤/ ١٤٧ - ١٤٨) -وقد رواه من طريق أبي إسحاق -، فتوسّط هو بينه وبين الجمهور، فحَسَّنَهُ! ومع أنَّ هذا ليس من العلم في شيء، فابن حزم معذور، لأنَّه لم يقف على رواية شعبة الصحيحة، فما عذر (الهدَّام) وقد اطلّع عليها؟ ! وانظر تخريج الحديث في "الإرواء" (٢/ ١٧٢ - ١٧٥)، وتصحيح الشيخ أحمد شاكر للحديث وردّه على ابن حزم في تعليقه على "المحلى"، وفي تعليقه على "سنن الترمذي" (٢/ ٣٢٩).

стр. 58

١١ - قال ابن القيم: "حُرِّم لبس جلود النمور، والسباع؟ بنهي النبي ﷺ عن ذلك في عدة أحاديث صِحاح لامعارض لها": قلت: هذا هو الحق الذي لاريب فيه عند أهل العلم، أمّا (الهدَّام)؛ فقد عاكسه في ذلك، وصال وجال (! ) في التعليق عليه، مضعّفًا له من جميع طرقه! وقد كنت خرجته في "الصحيحة" (١٠١١) من حديث المِقدام، ومن حديث أسامة، مجوِّدًا إسناد الأول، ومصحِّحًا إسناد الآخر، وختمت التخريج بقولي: "وأخرجه الطحاوي من حديث علي، وابن عمر، ومعاوية نحوه"؛ مشيرًا بذلك إلى أنَّ هذه الأحاديث تعطي الحديث قوة على قوة؛ فجاء (الهدَّام) فانتصب لمخالفتي، وأعلّ الحديثين بما ليس بعلّة، وأشار إلى تضعيف الأحاديث الأخرى، وهو في ذلك غير صادقٍ ولا مُصيبٍ. وقبل الشروع في بيان هذا الكلام المجمل، لابد لي من أن أَسترعيَ نظر القراء إلى جهل هذا (الهَدّام) بفن التخريج، وبالفرق بين لفظ حديث وحديث -من حيث اختلافُهما في الدلالة-؛ فقد رأينا أن ابن القيم ذكر نهيه ﷺ عن لبس جلود النمور والسباع؛ فلم يذكر (الهدَّام) في نقده وتخريجه للحديثين هذا اللفظ، وإنَّما ذكره بلفظ: "نهى عن جلود السباع"! وهذا لفظ حديث أسامة. ومن تمام مخالفته ومشاكسته إياي، وسوء تخريجه: أنَّه بدأ تخريجه قبل تخريج حديث المقدام، ولفظه هو الموافق لما ذكر ابن القيم؛ فلم يذكره، تعميةً لمعناه إلى ما قد يدلُّ عليه معنى اللفظ الذي ذكره؛ مما لايتفق مع صريح معنى حديث المقدام؛ فقد تأَوّله بعضهم بأن النهيَ عن جلود السباع مُقَيَّدٌ بما إذا لم يدبغ، كما جاء في "التمهيد" (١/ ١٦٣)، و"الجوهر النقي" (١/ ١٨). فلو أنَّ (الهدَّام) كان مخلصًا في تخريجه، وعلى شيء من العلم والفقه

стр. 59

والفهم لِلفرق بين دلالة الحديثين لبدأ بالأول منهما، وإن كان قد ضعّفهما كليهما معًا؛ وهذا من جَنَفِه وظلمه للسنة؛ وهاك البيان: أولًا: لقد أعلّ حديث المقدام بأمرين يتعلّقان بشخص (بقية بن الوليد): أحدهما: التشكيك في ثبوت تصريح بقية بالتحديث. فأقول: هكذا يُلقي الكلام على عواهنه، ولا يذكر أيَّ سبب للتشكيك؛ مما لا يعجز عنه أجهلُ الناسِ وأخبثُ الناسِ؛ وذلك قوله: "إنْ صحَّ التصريح بالتحديث عند أحمد"! وحكاية هذا يغنينا عن تكلُّف الرد عليه، لوضوح تفاهته ولممقوطه، ولكني -مع ذلك - أضع التصريح بين أيدي القراء، ليصفعوا به وجه كل مكابر عنيد: قال الإمام أحمد (٤/ ١٣١ - ١٣٢): حدثنا حَيوة بن شُريح، وأحمد بن عبد الملك، قالا: ثنا بقية: ثنا بَحِير بن سعد ... (فساق إسناده الصحيح). قلت: فهذان ثقتان قد حدَّثا عن بقية مصرِّحًا بالتحديث، نحن لا ندَّعي العصمة لأحد من الرواة، ولو كان من الأئمة الثقات، ولكننا لا نرضى -بالمقابل- التشكيكَ في حفظهم، والطعنَ في رواياتهم بمجرد الدعوى، وإلا بطلت العلوم كلها، إلاما شاء الله؛ ومثل هذا قد يتعدى إلى الشك في أصولنا كلها، كما فعل بعض مُتَعَصِّبة الحنفية في الهند أو الباكستان، فَشَكَّكَ في نسبة "المسند" للإمام أحمد، فرددت عليه في كتاب "الذب الأحمد" -وهو تحت الطبع-. هذأ ما يتعلّق بالأمر الأول. أمّا الأمر الآخر، فهو قوله: " ... وإنْ صرَّح بقية بالتحديث؛ فالمشكلة في بقيّةَ نفسهِ".

стр. 60

فأقول. هكذا -أيضًا- يشكّك في شخص (بقية)، ثم يولِّي الأدبار، ولا يبين ما حالُه، وما موقفُه منه، فهو في ريبه يتردّد! والحقيقة أن (بقية) فيه كلام كثير يحار فيه الجهلة الذين لا علم عندهم بهذا الفن، وعلم الجرح والتعديل؛ فَمَن كان يدّعي العلم والمعرفة؛ فعليه أن يبين وجهة نظره فيما قيل فيه، على أساس ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، لا مجرد الدعوى التي لا يعجِزُ عنها أحد، وما قيل فيه يدور بين مُوَثِّق توثيقًا مطلقًا، وُمَضِّعف تضعيفًا مطلقًا، ومن قائل: "له مناكير"، ومتوسط فيه يفرق بين عنعنته وتحديثه. وهذا الأخير هو الذي تطمئنُّ إليه النفس، وينشرح له الصدر، واستقرَّ عليه رأيُ الحُفّاظ المُطَّلعين على تلك الأقوال الصادرة فيه من أئمة الجرح والتعديل، وقامت عليه كتبُ التخريج؛ فهذا هو الإمام الذهبي النَّقّاد -مع ذكره الخلافَ المشارَ إليه في كتابه "المغني"- فقد بالغ في الثناء عليه، ويشير إلى أنَّ تلك المناكير مغتفرةٌ بالنسبة لكثرة حديثه، فقال فيه: "أحد الأئمة الحفاظ، يروي عمّن دبَّ ودرج، وله غرائب تستنكر -أيضًا- عن الثقات؛ لكثرة حديثه ... "؛ ثم ذكر الأقوال فيه، وختمها بقولا النسائي: "إذا قال: (ثنا)، و (أبنا) فهو ثقة"، واعتمده في "الكاشف"، فقال: "وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات، وقال (س): إذا قال: (ثنا) و (نا) فهو ثقة" (١)؛ ولذلك أورده في كتابهِ "الرواة المتكَّلم فيهم بما لا يوجب الرّد" (ص ٧٦)، وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير التدليس عن الضعفاء". قلت: يعني تدليس الإسناد؛ ففيه إشارة إلى عدم اتهامه بتدليس التسوية

стр. 61

الذي رماه به بعض المتقدمين، وتبنّاه بعض المؤلفين في "مصطلح الحديث"، وقلده بعض الأغرار من الناشئين، فضعّفوا بعض الأحاديث التي صرّح فيها بالتحديث لعنعنة شيخه! ولا أستبعد أن يكون منهم هذا (الهدَّام)، ولكنّه يتكتم ولا يُفصِح؛ بحيث (يلسع ثم يختبئ)! وقد حقّقت القول في براءة (بقية) من تدليسى التسوية في تخريج حديثٍ له في (العقل)؛ العلة فيه من شيخه، وذلك في "الضعيفة" (٥٥٥٧)، وعلى ما ذكرت من التبرئة؛ مذهب الجمهور -فيما سمعه من شيوخه الثقات - كما تقدم عن الحافظ الذهبي -؛ فتنبه! وبهذا يتم الجواب عمّا أعل به (الهدَّام) حديث المقدام. ثانيًا: أعلَّ الحديث الآخر بالإرسال بعد أن خرّجه من رواية أصحاب "السنن" -وغيرهم - وهم ستة كما هم في "الصحيحة"! - عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه -مرفوعًا-؛ وقال عَقِبَه: "انفرد سعيد بن أبي عَروبة بزيادة: "عن أبيه"، كما قال التِّرمذي، وإن المرسل أصح". قلت: لم يذكر (الهدَّام) نص عبارة الترمذي؛ لأنَّها تُبَيِّنُ سببَ ترجيحه للمرسل؛ فإِنَّه قال عقب الحديث: "لا نعلم أحدًا قال: "عن أبي المليح عن أبيه" غير سعيد بن أبي عَروبة"، ثم ساق بسنده الصحيح عن شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن أبي المليح، عن النبي ﷺ ... ، ثم قال: "وهذا أصح". قلت: فأَنت ترى أنَّ سبب ترجيحه المرسل يعود إلى أمرين: أحدهما: إرسال يزيد الرِّشْك إياه، خلافًا لقتادة، والخطب في هذا سهلٌ - بقاعدة: "زيادة الثقة مقبولة"؛ لا سيما وقتادة أوثق من يزيد، كما يُعلم ذلك

стр. 62

من ترجمتيهما؛ زد على ذلك أنَّه قد اختُلف عليه في إسناده، كما اختُلف فيه على شعبة: فأخرجه البيهقي (١/ ٢١)، من طريق أخرى، عن شعبة، عن يزيد -بسنده-، فذكر فيه: "عن أبيه". وتابعه على وصله مَعْمَرٌ، عن يزيد الرِّشْك ... به، أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ١٥٩/ ٥١٠). ورجاله ثقات غير شيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي؛ فلم أجد له ترجمة. وأخرجه عبد الرزّاق (١/ ٦٦/ ٢١٥) عن معمر .. به؛ إلاّ أنَّه لم يذكر: "عن أبيه" فأرسله! لكن الراوي عنه -الدَّبَرِيُّ -؛ وفيه ضعف معروف. وعلى كل حال؛ فهذا الاختلاف على يزيد الرِّشْك في وصله وإرساله، لا يصلح أن يكون مرجِّحًا لروايته المرسلة على رواية قتادة المتصلة -كما هو ظاهر-. وهذا على افتراض تفرُّد قتادة به، وليس كذلك؛ فقد روى إسحاق بن إدريس: ثنا أَبَان بن يزيد، عن مطر الورّاق، عن أبي المليح، عن أبيه ... به. أخرجه الطبراني أيضًا (٥١١). لكن إسحاق بن إدريس -وهو الأسواري - متروك؛ فلا يُستشهد به؛ ولا كرامة. والأمر الآخر - الذي من أجله رجّح التِّرمذي المرسل -؛ قوله المتقدم: "لانعلم أحدًا قال: " ... عن أبيه" غير سعيد".

стр. 63

وجوابي على هذا النفي، وردّي على (الهدَّام) الذي زعم انفراد سعيد بوصله -تقليدًا منه للترمذي؛ الذي لا يثق به إلاّ إذا وافق هواه، والذي يمنعه من أن يحكي مخالفته إيّاه! - من ناحيتين اثنتين: الأولى. القاعدة المعروفة عند العقلاء فضلًا عن العلماء: "عدم العلم بالشيء لايستلزم العلم بعدمه"، فقد يكون الشيء موجودًا ويعلمه بعضٌ دون بعض، وهذا أمر بَدَهِيٌّ لا يحتاج إلى برهان، وأعتقد أنَّه لا يجادل فيه إلا سُفُسْطائي مرتاب، أو (هدَّامٌ) معادٍ للصواب! وإذ الأمر كذلك، فلازمه أنّ الثقة إذا أثبت شيئًا، ولم يثبت ما ينفيه فهو حُجَّة، والأمر هنا كذلك، لأنَّ رواية يزيد الرِّشك المرسله قد ثبت أنَّها مرجوحة -لاضطراب الرواة عليه وصلًا وإرسالًا-؛ فلا يصلح دليلًا لنفي الرواية المثبتة، بل الأقرب أن رواية الوصل تكون أرجح؛ لموافقتها لرواية سعيد المثبتة، وعليه تكون شاهدًا لها، وآخذةً بعضدها، فتأمَّل هذا؛ فإِنَّه من دقائق هذا العلم الذي استفدناه من تخريجاتهم وتحقيقاتهم العلمية، جزاهم الله خيرًا. وأمّا قول (الهدَّام): "وخولف سعيد ... " -ثم ذكر رواية هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، عن أبي المليح؛ أنَّه كره جلود السباع-: فهذا من جهله وعدوانه، إذ لا مخالفة بين قول الرّاوي بمقتضى حديثه، بل هذا هو الواجب على كل مسلم أن يعمل بحديث النبي وأن يفتي به، والراوي له أولى بذلك -كما لا يخفى-. ثم إنَّ هذا (الهدَّام) يذكر دائمًا ما له -فيما يظنُّ- ويكتم كل ما عليه -فيما يعتقد-، ومما كتم هنا رواية شعبة عن قتادة ... به، مثل رواية سعيد؛ أخرجها الطبراني (٥٠٩) عَقِبَ رواية سعيد، فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد: ثنا أبو كُرَيب: ثنا ابن المبارك، عن شعبة ... به. وهذا إسناد صحيح غاية؛ رجاله كلهم رجال الشيخين، غير عبد الله

стр. 64

- واسمه (عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي) -، وهو حافظ ثقة، مترجم في "تذكرة الحفاظ" وغيره. ويأتي له أمثلة أخرى من جُحوده. من أجل ما تقدم؛ رأينا الحفَّاظ صحّحوا الحديث، ولم يلتفتوا إلى رواية الإرسال؛ مثل الحاكم، والذهبي، ومن قبله ابن عبد البر، وقبله عبد الحق الإشبيلي، فأورده في "الأحكام الصغرى" (٢/ ٨٠٥) التي خصَّها بالأحاديث الصحيحة، وزاد على ذلك أن أشار إلى رفض الرواية المرسلة، ردًا على من قد يكون جاهلًا مثل (الهدَّام): "يُروى عن أبي المليح مرسلاً"! والناحية الأخرى في الرَّد على (الهدَّام) -في تضعيفه لهذا الحديث الصحيح- أن نقول: لنفترض أنَّ الصواب في حديث أسامة -والد أبي المَلِيح - الإرسال، ولكنّه صحيح الإسناد، وحينئدٍ فهو شاهد قويٌّ لحديث المقدام الجيد الإسناد -في نقدي -، ولْنفترض أنَّه ضعيف الإسناد -كما يزعم (الهدَّام) - فذلك لا يضرُّ الحديث؛ بل يقوِّيه عند الإمام الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو مبسوط في "علم المصطلح"، وإن خالفهم (الهدَّام) على الدوام، نسأل الله السلامة وحسن الختام. ثالثًا: لو فرضنا أنَّ الحديث لايتقوى بمجموع الحديثين، فهو -بلا شك ولا ريب- صحيحٌ بمجموع الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها (ص ٦٢) من حديث علي، وابن عمر، ومعاوية؛ فإنَّه لا يمكن لطالب علمٍ مسلم وقف على أسانيدها مع أسانيد الحديثين أن يستمرَّ على القول بضعفه، إلاّ من كان مثل هذا (الهدَّام)؛ فقد أصرَّ على تضعيفه؛ فإِنَّه -بلا شك- كان وقف عليها،

стр. 65

ولذلك فإنَّه عاكسني وعارضني، فكما أشرت أنا في ختام تخريجي للحديث إلى تقويتي بها، عارضني فأشار إليها في ختام تخريجه، وَأَمَرَ القارئ (! ) بالنظر إليها في "مشكل الآثار"، و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"مصنف عبد الرزاق"، وقال: "وفي جميع أحاديثها كلام، ولا أظنُّها بمجموعها ترقى إلى درجة الصحيح"! وردّي على هذا الهُراء من وجهين: الأوّل: أنَّ التعميم الذي ذكره في أوّله؛ كذبٌ وزورٌ، فإِنَّ في المصدر الأوَّل من المصادر الثلاثة، قول ابن أبي شيبة (٨/ ٤٩٤/ ٥٢٩٦): حدثنا وكيع، عن أبي المعتمر، عن ابن سيرين، عن معاوية، أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن ثوب الخَزِّ والنُّمور. قال ابن سيرين: وكان معاوية لا يُتَّهَم في الحديث عن رسول الله ﷺ . ومن طريق ابن أبي شيبة: أخرجه ابن ماجه (٣٦٥٦)، ورواه أبو داود (٤١٢٩) من طريق آخر عن وكيع، بلفظ: "لا تركبوا الخزَّ ولا النِّمار"؛ وذكر قول ابن سيرين في معاوية ﵁. وهكذا أخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٩٣): ثنا وكيع ... به. وقال أبو داود -عَقِبَه -: "أبو المعتمر اسمه: يزيد بن طَهْمان، كان ينزل الحِيرة". قلت: وثّقه أبو حاتم، وابن معين، وابن حبان، وأبو نُعيم، والذهبي، والعسقلاني، وسائر رجاله ثقات من رجال الشيخين، فالسند صحيح لا عِلَّة فيه، وصحَّحه عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الصغرى" (٢/ ٨٠٥)، فسقط

стр. 66

حَشرُ (الهدَّام) إياه في عموم كلامه المذكور ولكنّي لا أستبعد أن يختلق له عِلَّةً من عنده يضعِّفه بها، فإِنَّه فريد زمانه (! )، كما فعل في (إسماعيل بن أميّة) الثقة الثبت، فإِنَّه رماه بالتدليس في حديثٍ له في "صحيح مسلم"، فقال فيه: "لم يصرِّح بالتحديث في جميع طرق الحديث"! (ص ٥٦٦ - ذيل "رياضه")، مع أنَّ أحدًا لم يتهمه بالتدليس. وله من مثل هذا الاختلاق الشيءُ الكثيرُ -كما سيأتي التنبيه على ذلك -إن شاء الله-. وقد يتساءَل بعض القراء عن سبب إحالة (الهدَّام) إلى المصادر الثلاثة فقط، دون "السنن" و"مسند أحمد" الذين أخرجوا الحديمث بهذا السند الصحيح؟ ! فأقول: الجواب عند كلِّ من عرف الرجل وأساليبه في هدم السنة وتضعيف الأحاديت الصحيحة، هو: طَمْسُ الحقائق العلمية، وتصعيبُ الطرق على القراء الذي يحبون الوصول والتعرف إليها، فإِنَّ مراجعة هذه المصادر -التي طوى ذكرَها هنا - أيسرُ على القراء من تلك، ولست أشكُّ أنَّه على علم بوجود الحديث فيها، وأنَّ له في "المسند" أربعة طرق أخرى (٤/ ٩٢، ٩٣، ٦٥، ٩٦، ٩٩، ١٠١) عن معاوية -غير الطريق الصحيحة المتقدمة-، هي وحدها كافيةٌ -على ما فيها من ضعف- لتقوية حديث معاوية، فكيف إذا ضُمَّ إليها الطريق الصحيحة؟ ! وكيف إذا ضُمَّ إليها طرق أحاديث الصحابة الآخرين؟ ! نسألك اللهم أن لاتضلَّنا بعد إذ هديتنا، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ...

стр. 67

وإنَّ من معاكساته للعُلَماءِ، أن ابن القيِّم ﵀ وجّه الحديث بقوله: "لما تُكْسِب القلب من الهيئة المشابِهة لتلك الحيوانات، فإنَّ الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن ... ". فعارضه (الفَسْلُ) بقوله: "وإِذا صَحَّت الأحاديث آنفًا فإِنَّ المعنى ينصرف إلى النهي (! ) عنها؛ حتى لاتشابه العجم في ركوبهم عليها"! وختامًا: ليتأمل القراء معي في قوله: "وإِذا صحت ... "؛ هل ربط الصِّحة بـ (إِذا) عن تلبيس ومكر؟ ! أم عن غفله وجهل بالفردتى بين (إِذا) التي تقابل (عسى) في قوة الرجاء، و (إن) التي تقابل (لعل) في ضعف الرجاء -غالبًا-؟ ! فإِنَّ بحثه وهدمه يقتضي أن يكون التعبير: "إن صحّت ... "، هكذا أملت عليَّ عُجْمَتي! فمعذرةً إنْ شَرَدْتُ عن الفهم الصحيح لعبارة الرجل العربي (الهدَّام)؛ متذكرًا أن العرق دسَّاس! ١٢ - قال ابن القيّم ﵀: "حُرم لبس الحرير والذهب على الذكور": قلت: هو من حديث أبي موسى، وتمامه: "وأُحِلَّ لإناثهم"، رواه التِّرمذي، وقال: "حديث حسن صحيح". أمّا (الهدَّأم) فَخَرَّجَهُ (١/ ٧٨ - ٧٩) من حديث علي بلفظ آخر! وأعلّه بالجهالة، ومن حديث أبي موسى وأعلّه بالانقطاع، ولم يسق لفظه المطابق للفظ ابن القيم معاكسةً له! وعاكسني أنا لتصحيحي إيّاه بطرقه الكثيرة، فقد خرَّجته في "الإرواء" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٨) من حديث جمع آخر من الصحابة، منهم: ابن عمرو، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر؛ فكتم كل هذه الشواهد موهمًا القراء أنَّه لم يُرْوَ إلاّ عن علي، وأبي موسى، وكتم أيضًا

стр. 68

تصحيح التِّرمذي إيّاه! كما كتم تقوية الشوكاني له بمجموع طرقه! هذا كله كتمه (الهدَّام) وقد رآه في "الإرواء"، وما ليس فيه مما يقويه فهو له أكتم! لأنَّه لا يسعى ولايبحث إلاّ للهدم، فهل ينقل -مثلًا- عن الحافظ عبد الحق الإشبيلي أنَّه صحّحه في "الأحكام الشرعية الصغرى" (٢/ ٨٠٤ - ٨٠٥)، وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني تصحيحه في "الفتح" (١٠/ ٢٩٦ و ٣١٧)؟ ! وهل يقول -كما قال الحافظ أيضًا-: "صححه ابن حبان"، ويذكر الجزء والصفحة (١٢/ ٢٥٠) من "الإحسان" الذي يزعم -حين يكون العزو والإحالة إليه موافقًا لهواه- أنَّه عمل فيه مع شيخهِ شعيب! وإن كان لا يسمي الجزء أوالمجلدات التي عمل فيها؛ تشبُّعًا منه بما لم يفعل، أو مكرًا منه كي لايظهر انحرافه بعد ما انفصل عنه، وإن كان لايزال يقولُ عنه في بعض المناسبات: "شيخنا وأستاذنا"! وما ذاك في تقديري إلاّ لمصلحة شخصيَّة للتخريج واصطياد الموافقات، مع كثرة مخالفته له فيما يُصَحِّحُه -كهذا الحديث-؛ فقد صحَّحه في تعليقه عليه، وإن كان غفل أو تغافل -لا أدري! - عن خطأين وقعا في إسناد ابن حبان؛ مَرّ عليهما دون تنبيه، وقد نبَّهت عليهما في كتابي "تيسير الانتفاع ... "، يسر الله لي نشره على الناس. ١٣ - قال ابن القيم: "شُرع للمتوضئ أن يقول عَقِيبَ وضوئه: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمدًا عَبْده ورسولُه، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين": قلت: جزم ابن القيم بشرعيّته، وما ذاك إلاّ لصحّته عنده، وصرّح بثبوته في "زاد المعاد"، وهو الصواب الذي عليه كثير من الحفاظ، وخالفهم (الهدَّام) -كعادته-؛ فأعلّه بالاضطراب -تقليدًا منه للترمذي-، ولم يكلَّف نفسه أن يبحث في أسانيد الحديث وطرقه ليتبيَّن له صوابه من خطإِه، أو -على الأقل-

стр. 69

أن يرى موقف الحفاظ من الاضطراب المزعوم، ولكن لم يفعل ذلك؛ لأنَّ هذا ينافي مخطَّطه: وهو (الهَدْم)! وعلى قاعدة: (خالف تُعرف)! والحقيقة أنَّ الاضطراب الذي تشبَّث به مرجوحٌ- كما كنت قلت في "الإرواء" (١/ ١٣٥)، وشرحت ذلك في "صحيح أبي داود" (١٦٢) -، وخلاصة ذلك أنَّ الاضطراب نسبي غير كُلِّي، أي: بالنسبة لرواية التِّرمذي فقط، ولهذا قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٥٤) مستدركًا على الترمذي: "لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاضطراب". وبيَّن ذلك أحسن البيان في كتابه الآخر "نتائج الأفكار" (١/ ٢٣٩ - ٢٤١)؛ فلْيراجعه من شاء التوسّع. وأما (الهدَّام) فلم يفرِّق بين رواية مسلم المحفوظة، ورواية التِّرمذي المضطربة، فإنَّه بعد أن عزَاه لمسلم، وبيّن أنَّه ليس في روايته زيادة: "اللهمّ اجعلني ... "؛ عقَّب عليها بإعلال التِّرمذي بالاضطراب. ومن تدليسه وخيانته للعلم؛ أنَّه قال عقبه: "وانظم تحقيق الشيخ أحمد شاكر له في تحقيقه لـ "سنن الترمذي""! وتحقيق الشيخ ﵀ إنما فيه الرد على التِّرمذي في بحث له قيِّم، افتتحه بقوله: "وقد أخطأ التِّرمذي فيما زعم من اضطراب الإسناد ... "، فانظره، فإِنَّه نفيس. فماذا عسى أن يقولَ القراءُ في هذا (الهدَّام المدلِّس) القلاب للحقائق؟ ! عامله الله بما يستحق! وأمَّا الزيادة المشار إليها، فهي قويةٌ بما لها من الشواهد، وقد ذكرتُها

стр. 70

وخرَّجتُها في "صحيح أبي داود"، وكذلك خرَّجها الحافظ في "النتائج"، وقد ذكرها برواية التِّرمذي في "بلوغ المرام"، وسبقه إلى ذلك النووي في "الأذكار"، وفي "رياض الصالحين"؛ وقد أعمى الله بصرَ (الهدَّام) عن الإعلال المذكور -والحمد لله- في مختصره لـ "الرياض"؛ فأبقاه فيه (٢٩٢/ ٧٩١) مع الزيادة! ولم يورده في "ضعيفته "! وقد صحّحها عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الصغرى" (١/ ١٢٣). ثم إنَّ (الهدَّام) حين أعلّ الحديث بما تقدم إنَّما تَستَّر بالترمذي، والحقيقة أنَّ العِلَّة عنده (معاوية بن صالح)، فإِنَّه وضع فيه ضعفًا في بعض الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك قوله في بعض طرق الحديث الآتي برقم (٥٠): "عنده غرائب"! وإنَّ من الأدلة الكثيرة الدالّة على عدم وفائه بما تعهّد به في مقدِّمته للكتاب من التحقيق له- في غير المجال الحديثي طبعًا! فقد أبان فيه عن عورته -: هذا الحديتُ؟ فإِنَّه سقط منه قوله -بعد شهادة التوحيد-: "وحده لا شريك له"، وهي ثابتةٌ في كل طرق الحديث في "مسلم" و"الترمذي"، وغيرهما، وكذلك هي في "زاد المعاد" وغيره من كتب ابن القيِّم، فكان عليه أن ينبِّه على ذلك، ولكن أنّى له ذلك؟ ! وكلُّ نشاطهِ وهَمِّهِ متوجِّهٌ إلى معاكسة حفاظ الأمّة على حساب تضعيفه للأحاديث الصحيحة، نسأل الله السلامة. على أنَّه من الممكن أن يقال -إضافةً إلى ما سبق -: إِنَّه لم ينتبه للسقط لعدم اهتمامه بالسنة والمحافظة عليها عملًا وتطبيقًا، فهو لا يحفظ هذا الوِرد، وفاقد الشيء لا يعطيه، والله أعلم. ١٤ - "كان ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "غفرانك"":

стр. 71

قلت. جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-؛ وهو مما لا خلاف فيه بين الحُفَّاظ، وأمّا (الهدَّام) فقد أعلّه لجهله بهذا العلم وتجاهله لعلمائه، فقد خَرَّجه من رواية ثلاثة عشر حافظًا، وما ضعّفه أحدٌ منهم، بل منهم جماعة من ملتزمي الصحة؛ كابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، ومنهم من صَرَّح بتقويته -كالترمذي؛ فإنَّه حَسَّنَه-، وأقَرَّه النووي في "الأذكار"، والحافظ المزي في "التهذيب"، وصححه الحاكم، والذهبي، والنووي في "شرح المهذب"، والحافظ العسقلاني في "نتايح الأفكار" (١/ ٢١٦)، ونقل في "بلوغ المرام" تصحيحه عن أبي حاتم الرازي، وأخيرًا: أحمد شاكر في "التعليق على سنن الترمذي" (١/ ١٢/ ٧)، وغيرهم. أقول: مع كُلِّ هذه الجمهرةْ من المصحِّحين؛ فقد خالفهم (الهدَّام)؛ قائلًا عقب التخريج: "وهذا إسناد فيه ضعف، فإِنَّ يوسف بن أبي بُردة مجهول الحال، وتوثيق ابن حبّان والعجلي له ليس بشيء، لأنَّ ذلك من قاعدتهما المعروفة" (١). والجواب من وجوه: الأوّل: أنَّ التعليل المذكور ليس على إطلاقه، فكثيرًا ما رأينا الحُفَّاظ النُّقَّاد من المتأخرين يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان؛ كالإمام الذهبي، والحافظ العسقلاني، وما أظن أنَّ الغرور وصل بك إلى أن تدَّعي أنَّك أعلم منهم! أو أنْ تحشرهم في زمرة المتساهلين! !

стр. 72

وقد ضربتُ على ما ذكر أمثلةً كثيرةً في بعض مؤلفاتي، ويحضرني الآن -منها- المجلد السادس من "الصحيحة"، وهو مطبوعٌ -بحمد الله-تعالى-. الثاني: أنَّه جهل -أو تجاهل- تصريح الحاكم بتوثيقه، فقال عَقِبَ الحديث: "هذا حديث صحيح، فإِنَّ يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى"، ووافقه الذهبي. الثالث: ومن ذلك أنَّ توثيقهَ مقبولٌ إذا وافقه أحدٌ من الحفاظ النقاد الموثوق بتوثيقهم، كالحافظ المزي، والذهبي، والعسقلاني، وأمثالهم، وهذا قد وثَّقه الذهبي، فقال في "الكاشف": "يوسف بن أبي بُردة؛ سمع أباه، وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق، ثقة". رابعًا: تصحيح حديثه من الجمع المذكور، يدل على أنَّه ثقة عندهم، وبخاصّةٍ أنَّه لا مخالفَ لهم، فيا أيها (الوَبْر)! هل هؤلاء الأئمة الفضلاء -وفيهم من لم تلد مثلَهم النساءُ- متساهلون عندك! وأنت وحدك المتوسط غير المتشدِّد؟ ! أم أنت (الهدَّام) المخرِّب؟ ! فـ (يا عجبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى علينا مِن قَدُومِ ضَأْنِ! ) (١)، والله المستعان. والحديث مخرَّج في "الإرواء" (١/ ٩١)، و"صحيح أبي داود" (٢٣). ١٥ - قال (الهدَّام) (١/ ٩٠) في حديث: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفَّيه فَطَهُورُهما التراب" - بعد أن خَرَّجهُ من رواية أبي داود وابن حبان من حديث أبي هريرة -: "وله شواهد يتقوّى بها"!

стр. 73

فأقول: يؤخذ عليه: أولاً: أنَّه لم يبيِّن حالَ إسناد حديث أبي هريرة، ولا الشواهد التي أشار إليها؛ وما حال أسانيدها؟ ثانيًا: لم يُحِل -كما هي عادته أحيانًا- إلى مصدر فيه بيانٌ لما أهمله؛ وذلك لأنَّ مرجعه في ذلك تعليقي على "المشكاة" (٥٠٣)، وقد استفاده -أيضًا- المعلِّق على "الإحسان" (٤/ ٢٥٠)! ثالثًا: لم يبيِّن السبب في تقويته للحديث هنا بالشواهد، وإعراضه عن تقويته لأحاديث أخرى بشواهدها -وما أكثرَها -! أقربُها حديث: "حرّم لباس الحرير والذهب على الرجال ... " رقم (١٢)؛ وهكذا فهو (لَعَّاب على الحبلين)، ليس له منهج معروف يستقرُّ عليه، ولئن وجد فهو من اختلاقه، وهل يستقيم الظلُّ والعود أعوج؟ ! ١٦ - أشار ابن القيِّم إلى سبب نزولِ آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ فخرّجه (الهدَّام) (١/ ٩٣) من رواية أصحاب "السنن" الثلاثة، وقال: "وقال التِّرمذي: "حسن غريب"، وهو كما قال". فأقول: هُنا -لأول مَرّة - نراه يوافق التِّرمذي على التحسين؛ ولذلك فإِني آخذ عليه ما يأتي: أولًا: لماذا لم يبين سبب الموافقة المذكورة، والمعروف عنه أنَّه يصرح في مناسبات كثيرة أنَّه متساهل في التحسين، فضلًا عن التصحيح! ولذلك فهو يخالفه في عشرات الأحاديث؛ كما هو شأنه مع كل علماء الحديث -لا فرق بين متساهلٍ منهم ومتشدد ومتوسط -، وأقرب مثالٍ على ذلك حديث عائشة المتقدم آنفًا رقم (١٤)؛ فما هو الضابط في الموافقة والمخالفة؟ !

стр. 74

إنَّه الهوى الذي لا ضابط له! ثانيًا: ذاك موقفه العام بالنسبة لتحسين التِّرمذي، ونحوُه موقفُه بالنسبة لرواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ فإِنَّه -أيضًا- متناقض؛ فها هو هنا يوافقه على التحسين لإسناده، وفي حديث آخر يأتي (١/ ١٨١) يقول: "أميل إلى تضعيف روايته"! وفي ثالث يقول (١/ ٤٦٣): "فيه ضعف"! ! وهذا لا ينافي التحسين إن كان يُحْسِن التعبير، ويعرف ما يقول! فإِنَّه لو لم يكن فيه ضعف لكان صحيحًا؛ لما لايخفى على العارفين بالفرق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن في علم المصطلح، وكذا قال أيضًا في حديثين آخرين لعمرو ابن شعيب، وذلك في تعليقه على "رياضه" (ص ١٢٦ و ٤٣١)، ولم يوردهما في "ضعيفته" الذي ذيَّل به عليه، مُشْعِرًا بذلك أنهما من قسم الحسن، ولكنه لايفصح بذلك، ولايتكلَّم، سترًا على اضطرابه في حديث عمرو! فإنّه أورد فيها حديثًا آخر (ص ٥٣٢/ ٦٤)! وقد أعلّه هناك بالراوي عنه عبد الرحمن بن حرملة -أيضًا- وهو من رجال مسلم! -، وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وحسّنه التِّرمذي -كما في "الصحيحة" (٦٤) -، وحسّنه البغوي -أيضًا- (٢٦٧٥). ثالثًا: ومع اضطرابه المذكور وكتمانه لسبب الموافقة، فهناك كتمان آخر لطريق أخرى أقلُّ ما يقال فيها: إنَّها شاهد قوي، أخرجه الحاكم وغيره من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عَمرو: أنَّ رجلًا من المسلمين استأذن نبي الله ﷺ في امرأةٍ - يقال لها: أم مهزول - كانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه، وأنَّه استأذن فيها نبي الله ﷺ ، وذكر له أمرها، فقرأ نبي الله ﷺ : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .... ﴾ الآية. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو مخرَّج من الطريق

стр. 75

الأولى في "صحيح أبي داود" (١٧ ٩٠). ١٧ - "قال ﵇ لعبد الله بن عُمر: "كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وَعُدَّ نفسك من أهل القبور"": قلت: جزم ابن القيِّم ﵀ بنسبته إلى النبي -صلي الله عليه وسلم-كما ترى-، وهو الصواب -بإِذن الله - تعالى -، أمّا (الهدَّام) فجزم بضعف جملة: "وَعُدَّ نفسك ... "، معاكسًا بذلك -كعادته- تحقيقي الذي أجريته عليها في "الصحيحة"، وقوَّيته بالشواهد، فقال: "ما أُورد شواهدَ لهذه الزيادة، فلا يصح"! ثم أحال على "الصحيحة" (٤٧٤ أو ١٤٧٥)! لقد ذكرت هناك لهذه الزيادة في حديث ابن عمر ﵁ أربعة شواهد من طرق مختلفة: عن أبي هريرة، وزيد بن أرقم، ومعاذ بن جبل، ورجل من النَّخَع، وهي سالمة من الضعف الشديد، فهي بمجموعها صالحة لتقوية الزيادة؛ حسب قاعدة العلماء التي هي من القواعد التي أعرض عنها؛ وتفرَعّ منها تضعيفُهُ لعشراتِ الأحاديث الصحيحة التي قوّاها العلماء؛ كما تقدم التنبيهُ على ذلك في المقدمة؛ فلا داعي للإعادة. ١٨ - "وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنَّ الدنيا قد ترحّلت مُدبرَةً، وإنَّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ... فإنَّ اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل": قال الجاهل في تخريجه (١/ ١٠٠): "ذكره السيوطي في "جامعه الكبير"، ونسبه للدِّينَوَرِيِّ، وابن عساكر، وانظر "كنز العمال" (٣/ ٧١٩) ".
следующие страницы →