← Фикх малики

Фикх малики · id 150934

اصطلاح المذهب عند المالكية

محمد إبراهيم علي

Полный текст (626 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

اصطلاح المذهب عند المالكية د/ محمد إبراهيم علي أستاذ الفقه والفقه المقارن (سابقاً) بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى - مكة المكرمة دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث الإمارات العربية المتحدة - دبي هاتف ٣٤٥٦٨٠٨ - فاكس: ٣٤٥٣٢٩٩ - ص ب: ٢٥١٧١

стр. 3

اصطلاح المذهب عند المالكية

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ افتتاحية نستفتح بالذي هو خير، حمداً لله، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد: فنقدم إلى القراء الكرام، في سلسلة "الدراسات الأصولية" هذا البحث القيم الذي تناول مراحل نشأة مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ وتطوره ثم أخيراً مرحلة استقراره، والجهود العظيمة التي بذلها علماء هذا المذهب على مختلف العصور من عهد تأسيسه ووضع أصوله وقواعده من قبل مؤسسه إلى وقتنا الحاضر. وهذا البحث ليس مجرد تاريخ وتدوين لحركة مذهب من المذاهب الفقهية في فترة من فترات التاريخ، بل هو دليل مادي على ما قام به علماء الأمة من جهود لبسط مبادئ الشريعة، وفهم أحكامها لحل القضايا والمشكلات التي حدثت في عهودهم. وكان كل مجتهد منهم يمثل مدرسة في صقعه. ولم يقتصر دورهم على طرح الحلول للقضايا المعاصرة لهم، بل كانوا يستشرفون أزمنة غير زمانهم، فيتصورون ما قد يحدث من قضايا، ثم يعالجونها بروح العصر الذي تحدث فيه. وهذا التقديم مقرون بالشكر والعرفان لأسرة "آل مكتوم" حفظها الله، التي ترعى العلم، وتشيّد نهضته، وتحيي تراثه، وتؤازر قضايا العروبة والإسلام، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ مكتوب بن راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، ومنبر حق على درب العلم والمعرفة، تجدد ما اندثر من تراث هذه الأمة، وتبرز محاسن الإسلام، فيما سطره الأوائل وفيما يمتد من ثماره، مما تجود به القرائح، في شتى مجالات

стр. 6

البحوث الإسلامية، والدراسات الجادة، التي تعالج قضايا العصر، وتؤصل أسس المعرفة، على مفاهيم الإسلامي السمحة عقيدة وشريعة، وآداباً وأخلاقاً، ومناهج حياة، مستلهمة الأدب القرآني، في الدعوى إلى الله على بصيرة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وكذلك مؤازرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع. سائلين الله العون والسداد، والهداية والتوفيق. ولا يفوت الدار أن تشكر من أسهم في خدمة هذا العمل العلمي، من العاملين بالدار: ١ - مساعد باحث: الشيخ/ سيد أحمد سيد جمال نورائي الذي شارك في تصحيح تجارب الطبع والتدقيق على الجوانب الفنية للصف. ٢ - مساعد باحث: الشيخ/ صفاء الدين عبد الرحمن توفيق الذي قام بتصحيح تجارب الطبع والتدقيق على الجوانب الفنية للصف. ٣ - فني الكمبيوتر: السيد/ إيهاب حسني عكيلة، الذي شارك بالتنضيد والإخراج الفني للكتاب. ونرجو من الله أن يعين على السير في هذا الدرب، وأن يتواصل هذا العطاء من حسن إلى حسن. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. ، * * * دار البحوث

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، والصلاة والسلام على المعلم الأول الذي جاء بشرع الله بشيراً ونذيراً وعلى آله وصحبه وسلم. علم الخلاف، أو اختلاف العلماء، قديم تضرب جذوره في القرن الأول الهجري، حين كانت حلقات العلم في المساجد تزخر بالمناقشات العلمية الفقهية للآراء المختلفة. "هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية، كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافاً لابد من وقوعه ... ، واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيماً" (١). كان المجتهدون من علماء الأمة يناقشون الأوجه المتعددة للقضية، قصدهم من ذلك الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح المبني على المصادر التشريعية من: كتاب، وسنة، وقياس. "اجتمع الأوزاعي بأبي حنيفة بمكة، فقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لم يصح عن رسول الله في صلك شيء. فقال الأوزاعي: كيف وقد حدثني

стр. 8

الزهري، عن سالم، عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود لشيء من ذلك؟ فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وتقول: حدثني حماد، عن إبراهيم؟ ! فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر، إن كان لابن عمر صحبة، أو له فضل صحبة، فالأسود له فضل كثير، وعبد الله هو عبد الله. فكست الأوزاعي" (١)، مناقشة هادئة هادفة بين إمامين، للوصول إلى الحق، واحترام كل لرأي الآخر، ودليله. أما الإمام محمد بن حسن الشيباني فيؤلف كتابه: "الحجة على أهل المدينة"، يناقش فيه آراء المالكية مؤيداً مذهب شيخه الإمام أبي حنيفة، ولا يتردد في ترجيح رأي الإمام مالك إذا تبين له - بعد المناقشة - صحة دليله، وقوته. في مسألة إمامة المصلي جالساً يقول: "قول أهل المدينة في هذا

стр. 9

أحب إليّ من قول أبي حنيفة، وإن كنت احتججت لأبي حنيفة بحجة ثابتة لم تر أهل المدينة بمخرج منها، لكن بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَؤُمَّنَّ الناس أحدٌ بعدي جالساً" ... فأخذنا بهذا لأنه أوثق، وليس الصلاة في فضلها خلف رسول الله ﷺ كالصلاة خلف غيره" (١). "كتاب الأم، وإن كان يمثل فقه الشافعي بخاصة، واجتهاده الجديد بعامة، فإنه مدونة في علم الخلاف (الفقه المقارن) ... وهو في كافة مسائل الخلاف ملتزم بموضوعية البحث، يحاول إقناع المخالف بما يتوافر لديه من نصوص الكتاب، والسنة، والمعقول، فينقض أدلته تارة، ويصحح مذهبه أخرى، ويلزمه بمبادئه، وقواعده التي يسلم بها، ويتنزل معه تارة في سبيل إقناعه، كل هذا في حوار هادئ، ومناقشة علمية رصينة. يكاد (باب الخلاف) في كتاب الأم، يكون من العناوين الثابتة ... لا استخرجت هذه الأبواب من كتاب الأم لكان كتاباً مستقلاً مهماً في الفقه المقارن، بكل أصوله، ومعاييره، يقدم

стр. 10

للباحثين أنموذجاً رفيعاً في هذا الفن من فنون الفقه عرضاً، وتقريراً، وحواراً، استدلالاً" (١). وإذا قدم لنا الإمام الشافعي أنموذجاً مثالثاً لعلم الخلاف، (الفقه المقارن)، بحثاً، وتطبيقاً، فقد قدم الإمام أبو حنيفة أنموذجاً آخر لهذا العلم، ولكنه في مجال تدريس الطلاب وتمرينهم لتكوين ملكاتهم في هذا الفن. "وطريقة أبي حنيفة في تفقيه أصحابه أنه كان عند مدارسته المسائل مع أصحابه يذكر احتمالاً في المسألة، فيؤيده بكل ما له من حول، وطول، ثم يسائل أصحابه أعندهم ما يعارضونه به؟ فإذا وجدهم مشوا على التسليم، بدأ هو بنفسه ينقض ما قاله أولاً، بحيث يقتنع السامعون بصواب رأيه الثاني، فيسألهم عن ما عندهم في الرأي الجديد، فإذا رأى أنه لا شيء عندهم أخذ يصور وجهاً ثالثاً، فيصرف الجميع إلى هذا الرأي الثالث، وفي آخر الأمر يحكم لأحدها بأنه هو الصواب بأدلة ناهضة" (٢).

стр. 11

هذا هو منهج الأئمة المجتهدين في علم الخلاف بحثاً، وتطبيقاً، ومدارسة، وتعليماً. "ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم، ومنعوا من تقليد سواهم؛ لذهاب الاجتهاد؛ لصعوبته، وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان، وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة" (١). أصبحت المناقشات بين أتباع هذه المذاهب، كل يؤيد مذهب إمامه، ويدافع عنه بالأدلة والبرهان، متمسكاً في ذلك بأصول مذهبه، معتمداً الراجح من أقواله، ولا يتجاوزه إلى رأي مذهب آخر، واضعاً نصب عينيه أن لا ينسب إلى مذهب قولاً إلا إذا كان قد اعتمده، ورجحه علماء ذلك المذهب، وذكر في كتاب معتمد، موثوق به شأنه في ذلك شأن المفتي: "لا يجوز لمن كانت فتياه نقلاً لمذهب إمامه، إذا اعتمد في نقله على الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته" (٢).

стр. 12

قويت الدعوة في العصر الحديث إلى تجديد الفقه الإسلامي، تجديداً مؤسساً على فتح باب الاجتهاد، استنباطاً لرأي جديد، أو ترجيحاً لقول مذهب من المذاهب، أو عالم من العلماء. لا شك أن هذا الاتجاه إحياء لعلم الخلاف، وعودة إلى ازدهار الفقه المقارن واعتماده، ليكون المسلك الأساس للدراسات الفقهية، يعود فيها الباحث إلى كتب المذاهب، يستطلع آراء كل مذهب، وما يعتمده ناظراً في أدلته، ومنهج استدلاله، مرجحاً ما قوي دليله من الآراء، مذهبية كانت أم فردية. كان التلقي المباشر من العلماء المحققين هو النبع الأساسي لمعرفة المعتمد من الآراء في مذهب ما، أما وقد اختفى التلقي - أو كاد - وأصبح الاعتماد الكلي في ذلك على الكتب، وفي خضم المؤلفات الفقهية المذهبية، واختلاف تقويمها: مؤلفاً، وتأليفاً، يجد المتصدي لمقارنة المذاهب، باحثاً كان، أو معلماً، الكثير من الصعوبات في معرفة القول الراجح المعتمد مذهباً في المدارس الفقهية المختلفة، فالوصول إلى معرفة الكتب المتضمنة للآراء المعتمدة مشكلة يواجهها الكثير من الباحثين في مقارنة المذاهب. أحسست بهذه المشكلة دارساً، وباحثاً، ومدرساً، مما دفعني إلى القيام بمحاولة متواضعة للتعرف على الكتب المتضمنة للآراء

стр. 13

الفقهية المعتمدة مذهباً في ثلاثة من المذاهب السنية، معتمداً في ذلك على آراء العلماء المشهورين، وتقويمهم للكتب المذهبية، ومدى اعتماد ما تضمنته من آراء وترجيحات. رغبة في أن يستفيد الدارسون والباحثون في مقارنة المذاهب، دونت ما وفقت إليه من بحوث كان باكورتها "المذهب عند الشافعية" (١)، أعقبه "المذهب عند الحنفية" (٢). الكتاب الذي بين يدي القارئ "اصطلاح المذهب عند المالكية" هو ثالث البحوث، آخرها صدوراً، وأولها محاولة وتفكيراً، ولعله آخر المطاف، استغرق إنجازه وقتاً طويلاً لعوامل مختلفة أهمها وأكثرها تأثيراً: طبيعة البحث: مادةً، ومراجعاً، وتحليلاً. " ... ليس هذا البحث - كما نرى - مجرد تاريخ وتدوين لحركة مذهب من المذاهب الفقهية في فترة من فترات التاريخ، بل هو دليل مادي على ما قام به بعض علماء الأمة من جهود لبسط مبادئ الشريعة، وفهم أحكامها لحل القضايا والمشكلات التي

стр. 14

حدثت في عهودهم، فكان كل مجتهد منهم يمثل مدرسة جامعة: في الأندلس، وفي المغرب العربي، وفي عدد من أصقاع الأمة، ولم يقتصر دورهم على طرح الحلول للقضايا المعاصرة لهم، بل كانوا يستشرفون أزمنة غير زمانهم، فيتصورون ما قد يحدث من قضايا، ثم يعالجونها بروح العصر الذي تحدث فيه. ورغم ما حدث في الأندلس من حوادث، ورغم ما تعرضت له بلاد المغرب العربي في السنين الغابرة من غزو وأزمات، فقد بقيت "ظلال" هذه المدارس بمثابة القلاع المنيعة ضد تلك الأزمات، فكان موطأ الإمام مالك، ومؤلات فقهاء المذهب المالكي أركان هذه القلاع" (١). اقتضى منهج هذا البحث "اصطلاح المذهب عند المالكية " تقسيمه إلى أقسام ثلاثة، يمثل كل قسم دوراً من الأدوار التي مر بها اصطلاح المذهب، وكل دور يتميز بخصائصه العلمية؛ آراءً وتأليفاً؛ هذه الأقسام هي: ١ - دور النشوء: مرحلة تأسيس المذهب ووضع أصوله وقواعده من قبل مؤسسه، ثم تلاميذه الذين تابعوا السير قدماً على خطوات

стр. 15

شيخهم إمام المذهب الإمام مالك بن أنس. ٢ - دور التطور: على يد علماء نبغوا في تمحيص وتنقيح الروايات، والأقوال التي ورثوها عن من سبقهم من العلماء. ٣ - دور الاستقرار: فيه استقر المذهب استقراراً استمر إلى العصر الحاضر، ولا يعني هذا الاستقرار ركوداً في آراء علمائه وتخريجاتهم، بل ظلت آراء المذهب موضوع دراسة وتمحيط لا يخرج عن نطاق ما قدمه علماء دور التطور إلا بقدر ما يقتضيه العرف والعمل، ومقتضيات تغير الزمن، وما يستجد من قضايا. أدين بالشكر لمجلة البحوث الفقهية المعاصرة لاهتمامها بنشر هذا البحث بأجزائه (أدواره) الثلاثة في أعداد متفرقة (١)، وإذ أقدمها للقارئ مجموعة في كتاب، يهمني التنبيه على ما يأتي: ١ - ألحقت بكل (دور) من أدوار البحث قائمة بالمصادر الخاصة به، وأكتفي بذكر المصادر المشتركة بين أكثر من (دور) في قائمة مصادر الدور الذي ذكرت فيه لأول مرة فقط.

стр. 16

٢ - وضعت منظومة (الطليحة) للنابغة القلاوي ملحقاً للكتاب؛ نظراً لأهميتها، حيث تجمع في أبياتها أكثر الكتب المعتمدة وغير المعتمدة في المذهب المالكي، آملاً أن تتوفر الظروف المناسبة لنشر كتاب "نور البصر" للهلالي"، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه صاحب الطليحة. حق واجب عليّ أن أسطر هنا بيد الشكر والعرفان بالفضل والجميل لكل أولئك الذين قدموا إليّ يد المساعدة والتشجيع، وأخص بالذكر الأخ والزميل فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، أستاذ الفقه المقارن بجامعة أم القرى، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، الذي ضحى بالكثير من وقته وجهده في مراجعة هذا البحث والسفر معي طلباً لمادته العلمية. كما أذكر بالثناء والشكر فضيلة العلامة الدكتور عبد الحي العمروي، خليفة رئيس فرع رابطة العلماء (بفاس)، ومفتش اللغة العربية بوزارة التربية الوطنية - المغرب، الذي تفضل علي بإهدائي مصورة من كتاب نور البصر، عز عليّ الحصول عليها، فكانت خير مساعدة يهديها إليّ. ولا يمكن أن أنسى معالي الدكتور عبد الرحمن النفيسة، رئيس تحرير مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، فقد أخجلني بما أبداه من

стр. 17

اهتمام بهذه البحوث، اهتماماً كان خير معين على السير قدماً. وختاماً: الشكر لسعادة الأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف، المدير العام لدار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث (بدبي) إذ تبنى طبع الكتاب حرصاً على انتفاع الدارسين والباحثين. جزى الله الجميع عني أحسن الجزاء، وأثابهم خير الثواب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين. محمد إبراهيم أحمد علي مكة المكرمة - العزيزية

стр. 18

مقدمة مذهب المالكية: مذهب أهل المدينة، و"مذهب أهل المدينة النبوية دار السنة، ودار الهجرة، ودار النصرة .... مذهبهم في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، أصح مذهب أهل المدائن الإسلامية شرقاً وغرباً، في الأصول والفروع" (١). ورث الإمام مالك بن أنس (ت. ١٧٩ هـ) (٢)، إمام دار الهجرة ومؤسس مدرسة المالكية، علم أهل المدينة "فلا ريب عند أحد أن مالكاً ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية،

стр. 19

ورأياً" (١)، ضربت إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض بل ومن أقصى المغرب. انتشر المذهب المالكي في أنحاء المعمورة؛ بل أصبح في حياة مؤسسه - المذهب الرسمي للدولة الإسلامية في الأندلس، "فقد أخذ هشام بن عبد الرحمن بن معاوية - أمير الأندلس (٢) حينئذ - جميع الناس بإلزامهم مذهب مالك، وصير القضاء والفتيا عليه، وذلك في عشرة السبعين ومائة من الهجرة في حياة مالك وقريب من موته" (٣)، وتلك سمة لم تتحقق لأن من المذاهب الإسلامية الأخرى كما هو معروف في التاريخ.

стр. 20

وفي أفريقيا وطد سحنون (١) مذهب مالك فكان لا يقضى إلا به، وفي مصر أثمرت جهود ابن القاسم (٢) ونظرائه في نشر المذهب، كما أينعت جهود تلاميذ مالك في العراق ...

стр. 21

"ولا يزال هذا المذهب غالباً على أهل المغرب الأقصى، والجزائر، وتونس، وطرابلس الغرب، وكذلك انتشر المذهب في صعيد مصر، والسودان، والبحرين، والكويت ... " (١)، والإمارات العربية المتحدة، وقطر علماً بأن المذهب الرسم في قطر هو المذهب الحنبلي. المذهب: المذهب في اصطلاح الفقهاء: "حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية" (٢). وبهذا التعريف يكون مذهب مالك: "ما ذهب إليه الإمام من الأحكام معتمدة كانت أو لا" (٣)، وبتعبير أوضح: "ما اختص به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتماعية، وما اختص به من أسباب الأحكام، والشروط، والموانع، والحجاج المثبتة لها" (٤)، وهذا التفسير يضيق

стр. 22

دائرة الأقوال والآراء الفقهية التي تندرج تحت "مظلة" المذهب؛ غذ تخرج به الآراء الفقهية المعزوة إلى تلاميذ مالك، ومن جاء بعدهم من أئمة المذهب، ومن ثم فقد حرر المتأخرون من العلماء تعريف المذهب بأن "المراد بمذهبه: ما قاله هو وأصحابه على طريقته، ونسب إليه مذهباً؛ لكونه يجري على قواعده وأصله الذي بنى عليه مذهبه، وليس المراد ما ذهب إليه وحده دون غيره من أهل مذهبه" (١)، فمن المسلم به أن أصحاب مالك ﵁ كابن القاسم وغيره "قيدوا ما أطلق، وخصصوا ما عمم من الآثار" (٢). وقد نقل أن ابن القاسم خالف مالكاً في أكثر من مسألة؛ وإن كان بعض العلماء حصرها في أربعة مسائل (٣)، كما اختار يحيى بن يحيى الليثي (٤)، أحد كبار تلاميذ مالك، وناشر مذهبه في

стр. 23

الأندلس، وصاحب الرواية المشهورة في الموطأ، رأياً مخالفاً لمذهب مالك في مسائل معينة تابعه أهل الأندلس في أكثرها (١). وحينما سئل أحد علماء المالكية المتأخرين "عن اختيارات أصحابنا المتأخرين من الفقهاء كاللخمي (٢)، وابن بشير (٣)،

стр. 24

وغيرهما، هل تحكي أقوالاً عن المذهب؟ .... فقال: نعم يحكى قول اللخمي وغيره قولاً في المذهب، كما يحكى قول من تقدم من الفقهاء قولاً في المذهب" (١)، وهذا الرأي "مبني على سبيل النظر؛ لأنه رأى أن كل جواب بني على أصول مذهب مالك وطريقته فإن من مذهبه، والمفتي به إنما أفتى على مذهبه، فيصح أن تضاف هذه الأقوال إلى المذهب، وتعد منه" (٢). وإذا كان هذا التعريف يجعل المذهب "خضماً" من آراء أئمة المالكية وعلمائهم؛ فإن المتأخرين من أئمة المذهب حصروا المذهب على "ما به الفتوى، من إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كالحج عرفه؛ لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد" (٣). وبهذا الحضر "للمذهب" ينبثق سؤال: ما هي الكتب التي يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى "المذهب"؟

стр. 25

منهج المالكية في تمحيص الكتب المذهبية: نبغ العلماء في مذهب مالك، وكثرت مؤلفاتهم، واختلفت ترجيحاتهم، وتفريعاتهم، وتخريجاتهم، وانطبعت بطابع البيئة العلمية التي نشأوا بين أحضانها، والمجتمع الذي عاشوا فيه، فألف علماء العراق، ومصر، والمغرب، والأندلس، وفرَّعوا، ورجحوا، فكان أن زخر المذهب بكثير من المؤلفات المستوعبة للترجيحات، والتفريعات، منها الصحيح المقبول، والضعيف المتروك. "كان الأصل يقتضي أن لا تجوز الفتيا إلا بما يروه العدل عن العدل عن المجتهد الذي يقلده المفتي؛ حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد؛ لأنه نقل لدين الله في الوصفين، وغير هذا كان ينبغي أن يحرم، غير أن الناس توسعوا في هذا العصر فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية، وهو خطر عظيم في الدين، وخروج عن القواعد" (١). وقف علماء المالكية موقفاً صارماً من هذا التساهل في اعتماد الآراء والكتب التي يؤخذ منها "مذهب" وصرحوا بأنه "ينبغي أن

стр. 26

يحذر بما وقع في زماننا من تشاغل بعض الفقهاء بالفتوى من الكتب الغريبة التي ليست فيها رواية المفتي عن المجتهد بالسند الصحيح، ولا قام مقام ذلك شهرة عظيمة تمنع من التصحيف، والتحريف، وبلغ بعضهم في التساهل حتى صار إذا وجد حاشية في كتاب أفتى بها، وهذا عدم دين، وبعد شديد عن القواعد" (١). هذا هو المنهج المالكي في تمحيص الكتب واعتمادها، أما الكتب التي بعدت عن هذا المنهج فيصرح المالكية فيها بأنه: "تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر، ويعلم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثة التصنيف إذا لم يشتهر عزو ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يعلم أن مصنفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته" (٢). وباختيار: لا تنهل الآراء الفقهية إلا من الكتب المعتمدة عند علماء المذهب صحة ووثوقاً بمؤلفيها، وبنسبتها إلى ذلك المؤلف. بلغ من حرص علماء المالكية على الاعتماد على الكتب الصحيحة الموثوق بها أن الإمام الشاطبي (٣) "كان لا يأخذ الفقه إلا

стр. 27

من كتب الأقدمين، ولا يرى لأحد أن ينظر في الكتب المتأخرة. وقد قرر هذا في مقدمة كتابه الموافقات" (١)، بل لقد صرح في إجابته حينما سئل عن ذلك قائلاً: "ما ذكرت لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فلم يكن ذلك مني بحمد الله محض رأيي، ولكني اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير، وابن شاس (٢)،

стр. 28

وابن الحاجب (١)، ومن بعدهم؛ ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين" (٢). في ضوء هذا المنهج وهذه الضوابط تتأكد الحاجة للإجابة على السؤال: ما هي الكتب التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة المذهب؟ سيحاول الكتاب في هذا البحث الإجابة على السؤال متتبعاً في ذلك التسلسل التاريخي لتطور المدرسة المالكية منذ تأسيسها وحتى العصر الحاضر. ولا يسع الباحث هنا إلا أن يردد مع الباجي (٣) ما قاله في مقدمة

стр. 29

منتقاه: " .... فلا يعتقد الناظر في كتابي أن ما أوردته من الشرح وتأويل، والقياس والتنظير، طريقه القطع عندي حتى أعيب من خالفها، وأذم من رأى غيره، وإنما هو مبلغ اجتهادي، وما أدى إليه نظري" (١). * * *

стр. 30

مراحل تطور المذهب: تعرّض "المذهب" عند المالكية لمراحل مختلفة من التطور الاصطلاحي والعلمي منذ أن وضع أسسه الإمام مالكن ولكل مرحلة من تلك المراحل العلمية خصائصها، وميزاتها، ظهرت واضحة في المؤلفات الفقهية التي تعبر عن تلك المراحل: منهجاً، وآراءً. ولا يجد الباحث في كتب المؤرخين للمذهب وتطوره خطوطاً صريحة واضحة المعالم لمراحل التطور في المذهب، إلا ما كان من القول بان "أول طبقة المتأخرين [في اصطلاح المذهب] ابن أبي زيد (١)، وأما من قبله فمتقدمون" (٢)، وهو اصطلاح يفرز تقسيماً لعلماء المذهب على طبقتين: كل طبقة - لا شك - تمثل مرحلة من

стр. 31

المراحل، إلا أن الفاحص لتاريخ تطور المذهب يجد إيجازاً شديداً في هذا التقسيم يؤدي إلى تداخل المراحل الحقيقية للتطور الواقعي. وإذا استعرصنا آراء المعاصرين من أفذاذ المالكية: نجد أن فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (١) يتصدر أولئك الذين تصدوا للتدوين للتطور المذهبي ومراحل نموه، ويرى أنه "من منتصف القرن الثاني .. ، بدأ استقرار المذاهب بوضع الأصول، وتمييز العام منها ... وتتابع تولد المذاهب إلى منتصف القرن الرابع، فكلما قطع واحد منها دور التأصيل على يد مؤسسه ومتخذ أصوله دخل في دور التفريع، وهو دور الاجتهاد المقيد ... ، فتلاحقت المذاهب على دور التفريع إلى استهلال القرن الخامس، وهناك تمخض الفقه لعمل جديد هو عمل التطبيق بتحقيق الصور، وضبط المحامل،

стр. 32

فكان اجتهاد جديد هو الاجتهاد في المسائل، ثم دخل الفقه في أوائل القرن السادس دور الترجيح، وهو دور اجتهاد نظري، يعتمد درس الأقوال وتمحيصها، والاختيار فيها بالترجيح، والتشهير، حتى انتهى ذلك الاختيار إلى تصفية: برز في دور التقنين بتآليف مختصرات محررة، على طريقة الاكتفاء بأقوال تثبت، هي الراجحة المشهورة، وأقوال تلغي هي التي ضعفها النظر من الدور الماضي باعتبار أسانيدها، أو باعتبار مداركها، أو باعتبار قلة وفائها بالمصلحة التي تستدعيها مقتضيات الأحوال ... " (١). هذا القتسيم لمراحل التطور الفقهي تصور أصيل يغطي تطور المدارس الفقهية بعامة، والمالكية بخاصة، تغطية تفصيلية، توضح طبيعة الإبداع في المنحى الفكري الفقهي في المراحل المختلفة لتطور المذهب وحتى العصر الحاضر. ويرى الباحث لتحقيق الغرض من هذا البحث: أن هذا التقسيم الخمسي يمكن أن يندرج في ثلاثة أدوار رئيسية: ١ - دور النشوء: وهو مرحلة التأصيل والتأسيس، الفترة التي تبدأ من نشوء المذهب على يد مؤسسه، وتنتهي بنهاية القرن الثالث التي تُوِّجت

стр. 33

بنبوغ عالم العراق القاضي إسماعيل بن إسحاق (١) (ت. ٢٨٢ هـ) مؤلف المبسوط، آخر الدواوين ظهوراً، وهي مرحلة تميزت بوضع أسس المذهب، وجمع سماعات الإمام والروايات عنه، وتدوينها، وتنظيمها، في مؤلفات معتمدة. ٢ - دور التطور: والتطور هنا بمعناه الشامل يندرج تحته مراحل التفريع، والتطبيق، والترجيح. وتبدأ هذه المرحلة تقريباً ببداية القرن الرابع الهجري، وتتسم بظهور نوابغ المالكية الذين فرعوا، وطبقوا، ومن ثم رجحوا، وشهروا. وتنتهي هذه المرحلة بنهاية القرن السادس

стр. 34

الهجري وبداية القرن السابع، أو بوفاة ابن شاس (٦١٠/ ٦١٦ هـ)، رابع أربع اعتمد خليل بن إسحاق (١) مؤلف أشهر مختصر في الفقه المالكي. ٣ - دور الاستقرار: ويبدأ ببداية القرن السابع الهجري تقريباً، أو بظهور مختصر ابن الحاجب الفرعي المعروف بـ (جامع الأمهات)، ويستمر إلى العصر الحاضر. هذه المرحلة عرفت الشروح، والاختصار، والحواشي، والتعليلات، وهي سمة تظهر غالباً بوضوح، حين يصل علماء المذهب إلى قناعة فكرية بأن اجتهادات علماء المذهب السابقين لم تترك مجالاً لمزيد من الاجتهاد إلا أن يكون اختياراً، أو اختصاراً، أو شرحاً.

стр. 35

١ - دور النشوء: التأسيس والتأصيل

стр. 36

١ - دور النشوء: التأسيس والتأصيل المدينة المنورة، مولد المدرسة المالكية، فيها نشأت، وبين أحضانها ترعرعت. والمجتمع المدني آنذاك كان أقرب المجتمعات الإسلامية إلى المجتمع النبوي، وكان المجتمع العلمي فيها أكثر المجتمعات صفاءً، ونقاءً، وبعداً عن التأثيرات العقدية، والنزاعات الخارجية الفاسدة (١)، والاتجاهات السياسية التي سادت أنحاء أخرى من المجتمع الإسلامي، "ولم يكن الوضاعون، والمدلسون بالذين تنفق بالمدينة خزعبلاتهم، ولا تروج ترهاتهم؛ إذ كانت المدينة مكتظة بأهل العلم والأثر، هجيراهم الرواية والتحديث، ودراسة العلم، ودينهم التمسك بالحق الصريح، فلو رمى أحد الوضاعين بين ظهرانيهم بحصاة لنفوه، فإن المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها" (٢). هذا هو المجتمع العلمي الذي عاشه مالك، ودرس فيه، فكان ولابد أن يؤثر فيه، ويخلق منه شخصية فريدة علماً، وسلوكاً، ومنهجاً. "وقد خلص علم فقهاء المدينة إلى مالك بن أنس ﵀ وكانت زكانة رأيه، وصلابة دينه، وقوة نقده قد هيأت له بتوفيق الله تعالى ذلك المقام الجليل: مقام الضبط، والتصحيح، والتحرير" (٣).

стр. 37

كان لهذه السمات الشخصية العلمية أثرها الملموس في المدرسة المالكية في النشوء بخاصة، وفي الأدوار التالية بعامة. شخصية مالك العلمية: شخصية مزدوجة التخصص، انعقد له لواء علم الحديث، كما انعقد له لواء علم الفقه، ومن ثم فمالك مؤسس لمدرستين: مدرسة حديث، ومدرسة فقه، هاتان المدرستان منفصلتان ومرتبطتان علمياً في آن واحد. منفصلتان في التخصص الدقيق، ومرتبطتان في اعتماد الثانية على الأولى استنباطاً، واستدلالاً. "واعلم أن هناك فرقاً بين المحدث والفقه: أولاً: فوظيفة المحدث هي رواية الحديث، وتمييز التحريف من غيره، وشرح الغريب، وبيان معنى العبارة حسب ما تقتضيه اللغة العربية، ومعرفة أسماء الرجال جرحاً وتعديلاً، وضبطاً لمشكله، والحكم بصحة الحديث أو ضعفه، والاعتبار بالشواهد والمتابعات، والحكم عليه بالاستفاضة والغرابة، وتسمية المبهم وما يشابه ذلك، وإذا بلغ المحدِّث هذه المرتبة فقد ارتقى إلى ذروة الحفظ، والضبط، والاتقان. ثانياً: ووظيفة المجتهد [الفقيه] تحديد الألفاظ الواردة التي يقع فيها الاشتباه، وتعيين الأركان، والشروط، والآداب من كل شيء، وتعيين الندب أو الوجوب من الصيغ الدالة على الأمر، وتعيين

стр. 38

الكراهة أو الحرمة من الصيغ الدالة على المنع، ومعرفة علل الأحكام مع أدلتها، وإطلاق الحكم وتقييده حسب العلل، ومعرفة القيود الاحترازية والاتفاقية منها، واستخراج قاعدة جامعة مانعة بالنظر إلى ذلك الإطلاق والتقييد، والاحتراز والاتفاق، واستخراج الأقوال المخرجة، ونقلها من باب إلى باب، وتفريع المسائل الحادثة على الأحكام المذكورة بدرج في العموم بالاقتضاء، والإيماء، والقياس، والالتزام، وأمثاله، وإذا تخالفت الأدلة فيفصل بينها بالتطبيق، والجمع، أو بنسخ أحدهما وترجيح أحدهما" (١). هاتان الشخصيتان العلميتان - شخصية المحدث، وشخصية الفقيه - اجتمعتا في مالك اجتماعاً شهد له علماء عصره ومن جاء بعدهم بالنبوغ فيهما، وتظل مؤلفاته الحديثية، وفتاواه، والسماعات عنه آثاراً خالدة، وأدلة حية. وكان لشخصيته العلمية المزدوجة آثارها في دروسه وتلاميذه، فقد كانت مجالسه تلتزم التخصص بمعناه المحرر: فمجلس للفقه والفتاوى، ومجلس للحديث، ولكل مجلس حديثه، ورجاله، ومنهجه، ولذا فقد كان القادمون لمجالسه يُسألون عن العلم الذي

стр. 39

يطلبونه: علم الحديث أو علم الفقه. وأثر هذين التخصصين ظاهر في القاصدين له: فمنهم من جاء يطلب الفقه، ومنهم من تخصص للحديث، وآخرون جمعوا بين التخصصين، وقلة يحضرون للاستفتاء فقط (١)، ومن ثم كان أغلب تلاميذه محدثين وفقهاء؛ وإن غلب على بعضهم جانب أحد التخصصين فاشتهر به ولم يشتهر بالتخصص الآخر. فمحمد بن الحسن الإمام الحنفي (٢) يروي الموطأ عن مالك، و"رأس المال لفقه الإمام محمد في المبسوط وغيره هو الموطأ، وإلا فالآثار التي يرويها عن الإمام أبي حنيفة لا تكفي جميع مسائل الفقه، وكثيراً ما يقول محمد في موطئه: وبه أقول، وبه كان يقول أب وحنيفة" (٣) (٤).

стр. 40

والإمام الشافعي: محمد بن إدريس (١) يتخذ من روايته عن مالك أساساً لفقهه واستنباطاته في كتابه الأم، فـ "أصل مذهب الشافعي ومادة اجتهاده هو الموطأ، إنما تعقبه في بعض المواضع، وخالفه في ترجيح الروايات" (٢). وكلا الإمامين: ابن الحسن، والشافعي لم يشتهرا بالحديث اشتهارهما بالفقه والنبوغ فيه. منهجه في التدريس: أما الحديث: فقد كان يعقد له مجلساً خاصاً مهيباً، وقد كانت طريقته في تدريس الحديث طريقة أساتذته، يخالف بها طريقة العراقيين، فقد كان يأبى أن يقرأ هو على أحد؛ بل كان له في حلقته
следующие страницы →