← Общие книги

Общие книги · id 150935

الفكر العربي في عصر النهضة

ألبرت حوراني

Полный текст (470 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لكن مع الاكتفاء يدب الانحلال، فيفقد الحاكم استقلاله في الرأي ويحل الوهن في عصبية الموالي والجنود (وهي لم تكن قط بقوة رابطة الدم)، ويؤدي التبذير إلى زيادة الضرائب. وقد تنقسم الأسرة المالكة على نفسها، أو تخسر الدولة أقاليمها الخارجية. نعم، قد يستمر العمران المدني زمنًا بعد أفول السلطة الملكية، بفضل عصبية سكان المدن وسلطان عائلاتها، إلا أنه لا يلبث أن يزول في آخر الأمر، فتتسلم السلطة أسرة حاكمة جديدة تستمد قوتها من فريق جديد. هذه هي «أعمار الدول» أو المجرى الطبيعي لحياة الأسر المالكة (٢٤). لكنه من الممكن وقف هذا المجرى في أي وقت من الأوقات بإدخال عامل آخر فيه، هو الشريعة الدينية التي أتى بها الأنبياء. إن هذا العامل لا يستطيع بحد ذاته أن ينشئ الدولة، إلا أن من شأنه أن يقويها إذا ما أضيف إلى عصبية موجودة من قبل، إذ يمدها بالقوة الضرورية لتأسيس دولة مستقرة وثابتة. فالعرب، مثلًا، «ما عظم ملكهم وقوي سلطانهم» إلا بعد «أن قيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها» (٢٥). كذلك فإنه من الممكن، في العهود المتأخرة من مجرى الحياة الطبيعي، إذ تضعف العصبية الأولى وتضعف معها الرابطة بين الحاكم والمحكومين، أن ينشئ الدين صلة وحدة جديدة، وأن يبني قاعدة جديدة للفضائل التي بها تدوم الدول. إن أمر الفضيلة السياسية والاستقرار والعمران مرتبط بعضه ببعض، ومرتكز إلى علاقة معينة قائمة ليس بين عناصر المجتمع المختلفة فحسب، بل بين عناصر النفس البشرية المختلفة أيضًا. لذلك يجب أن لا نقمع الميول والصلات الطبيعية، بل علينا أن نوجهها بالتبصر العقلي والديني. إن هذا التجانس قائم في جميع الدول التي تدوم؛ لكن هذا لا يعني أن جميعها متساوية في الفضيلة. إن السلم الخلقي واضح في ذهن ابن خلدون. فالدولة المهتدية

стр. 37

بالشريعة المنزلة هي لا شك على أرفع المراتب. لكن الخلافة ليست «من عقائد الإيمان»، إنما هي، على الحد الأقصى، شأن من شؤون المصلحة العامة والتنظيم الاجتماعي (٢٦). لقد وجدت لحماية الدين وتولي القيادة السياسية. وأي ملك يقوم بهذين الأمرين له مثل ما لها من السلطة. وهي، كالملك، قائمة على آصرة الدم الطبيعية، آصرة نسب قريش (٢٧). وهي قابلة للتغير، لا بل أنها، بالواقع، قد زالت. إن عصبية العرب، التي أنشأت أولًا الدولة الأموية ثم الدولة العباسية. أدت مع الزمن إلى إنشاء ملك كانت غايته مصلحة الإسلام في بادئ الأمر، ثم أصبحت فيما بعد المصلحة الذاتية. وهذا الملك أدى بدوره إلى تلاشي العصبية العربية (٢٨). ورأى ابن خلدون أيضًا أن الخلافة إنما كانت في حقيقتها من نتاج العهد العربي للإسلام، وأن نشوء أنواع أخرى من العصبية قد أدى إلى أنواع أخرى من الملك، وأنه لا بد أن تكون السلطة السياسية في يد الذين تجمعهم العصبية السائدة، لأنهم هم وحدهم قادرون على القيام بوظائف الحكم. ولما كانت العصبية الجديدة تركية في القسم الشرقي من العالم الإسلامي وبربرية في غربه، وكان العلماء من أصل عربي بنوع خاص، فليس بإمكانهم أن يشتركوا في عملية الحكم (٢٩).

стр. 38

الفصل الثاني الإمبراطورية العثمانية الدولة الإسلامية (١)، في نظر ابن خلدون، ككل الدول المستقرة الفاضلة، مزيج من «الملك والشريعة». وإن صح هذا في سلطنات زمانه، فهو يصح أيضًا في الإمبراطورية العثمانية التي كانت، بمعنى من المعاني، وريثة التطور الإسلامي السياسي بمجموعه، فقد كانت، قبل كل شيء، ملكية عائلية بولائها المقتصر على شخص، أو بالأحرى على مجموعة من الأشخاص، أي على أسرة. إن أحدًا لم يقل بعدم شرعية خلع السلطان حين يعتبره ويعلنه حراس الشريعة غير أهل للحكم، لكن الذين كانوا يحملون لواء العصيان لم ينكروا قط على آل عثمان، إلا في حالات شاذة نادرة، حقهم في الحكم. كانت دعامة هذا الحق فئة عسكرية تشد فيما بينها وتشحذ ولاءها عصبية طبيعية أو ما يعادلها. إلا أن كيان هذه الفئة قد تغير (كما لا بد لمثل هذه الفئات من أن تتغير وفقًا لنظرية ابن خلدون)، بعد أن استوت الأسرة الحاكمة ثابتة على عرشها. كانت في الأصل مؤلفة من أتراك أحرار المولد ومن مسلمين متحدرين من سلالات أخرى استتركوا. وكان هؤلاء، في البدء، خيالة السلاطين الأول وعلى يدهم تمت فتوحاهم. لكنهم، مع توسع الإمبراطورية، اتخذوا لأنفسهم مركز الطبقة المهيمنة، بعد أن منح السلطان زعماءهم حق استيفاء الخراج من أقاليم معينة والاحتفاظ به لقاء الخدمة العسكرية. وهكذا تحولوا من محاربين إلى ملاكين. لقد كان هناك، في البدء، وبقي مبدئيًا فيما بعد،

стр. 39

تمييز حاد بين «العسكر» و «الرعايا»، أي بين الفئة العسكرية التي كانت منها تملأ مراكز الحكام، وبين أفراد الرعية الذين كانوا، مسلمين أو مسيحيين، يدفعون المكوس وهم محرومون من الاشتراك الفعلي في الحكم. بيد أن هذا التمييز أخذ يتضاءل مع الزمن. فالخيالة الإقطاعية تلاشت كقوة عسكرية. وإذ كانت الإقطاعات تنهار دون أن يخلف أصحابها أحد، اكتسب ملتزمو الأراضي حق استيفاء الخراج عوضًا عنهم، وغدوا بدورهم طبقة وراثية من الملاكين، وإن على نفوذ أضعف. وعلى أنقاض الخيالة التركية الحرة، قامت، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، طبقة عسكرية جديدة، مؤلفة من فيالق العبيد التي كانت جزءًا من الجيش منذ أقدم الأزمان. إن هؤلاء العبيد، المتحدرين من أصل بلقاني، مسيحي أو قوقازي، كانوا قد وقعوا في حوزة الأتراك، إما بالمشتري أو بالتجنيد الدوري. ثم أخذوا يتدربون في المدارس العسكرية ومدارس القصر ويتخرجون منها، حسب مؤهلاتهم، جنودًا في الإنكشارية أو في فيالق أخرى، أو خدامًا في القصر، أو موظفين كبارًا في حكومة السلطان. وكانت هذه النخبة من العبيد، في أيام عزها، منعتقة من أواصر القرابة الدموية، إذ كانت قد فقدت روابطها الأصلية بالانخراط في الجندية أو باعتناق الإسلام أو بالتربية، ولم يكن بوسعها اكتساب روابط جديدة، لأن العبيد لم يكن يؤذن لهم بالزواج ما داموا جنودًا، وإذا تزوجوا، لم يكن لأولادهم الحق في أن ينخرطوا في سلك الجندية. إنما كانت قد نمت فيهم، عوضًا عن العصبية الطبيعية، عصبية جديدة، هي روح الجماعة المهنية مع ولائها لعرش السلطان. إلا أن الولاء الديني كان يدعم، منذ البدء، الولاء الناشئ عن الأواصر الدموية أو الروابط المهنية. فقد برزت الإمبراطورية إلى حيز الوجود كدولة محاربة تخوض غمار الجهاد على الحدود البيزنطية. وقد تمت فتوحاتها الأولى على حساب الإمبراطورية المسيحية. نعم،

стр. 40

لم يكن الدين المحرك الوحيد لسياستها الخارجية، إذ أنها تحالفت كما تحاربت مع دول مسيحية؛ إلا أن الصراع مع المسيحية هو ما حرك لنجدتها أولئك المتطوعين من الشعوب الإسلامية الأخرى الذين ذابوا مع الزمن، في جسم الفئة العسكرية التركية. وكان دين السلاطين وجنودهم في البدء مشوبًا بتصوف الحروفيين والبكتاصيين المنحرف الذي استمر يطبع إسلام عامة الشعب التركي بطابعه الخاص. لكن تمسك هؤلاء بالسنة برز بروزًا أشد، بعد أن اتسعت الإمبراطورية، وخاصة بعد أن استولت على مراكز الدين السني في مصر وسوريا، وجابهها عداء الشيعة المتمركزين في دولة الصفويين في بلاد فارس. لكن تمسكها هذا إنما كان بالسنة كما وصلت إليها نتيجة لتطور الأمة الطويل بكامله، ولم يكن، بأي معنى من المعاني، محاولة للعودة بالدين إلى بساطته الأولى على عهد الخلفاء الأولين. وكانت الدولة ترعى المدارس الخاصة بتلقين العقائد السنية، وتنشئ مدارس جديدة في إسطنبول، كما كانت تختار عددًا وافرًا من الموظفين من بين المتخرجين منها. وكانت، إذ تراقب الطرق الصوفية، تشملها أيضًا بحمايتها، فتمد قادتها بمعونة مالية، وتحيط أقطابها الروحيين بإجلال خاص. فقد بقي قبر جلال الدين الرومي في قونيا محجًا للزائرين، وأقيم لابن العربي في دمشق قبر رائع. إنما يجب القول هنا بأن عقائد المذاهب الرسمية وعقائد الصوفية كانت قد تصالحت في ذلك الحين، بالرغم من الفروقات بينها، وأن عددًا من العلماء كانوا ينتسبون إذ ذاك إلى بعض هذه الطرق. ومع أن السلطان كان، على غرار إمبراطور المغول في الهند، أعظم حكام السنة والمدافع عنها ضد شاه الفرس، فلم تقم أية محاولة (حتى أواخر القرن الثامن عشر) ترمي إلى اعتباره خليفة بالمعنى الذي عرف به خلفاء محمد المباشرين. فالعلامة سيد مرتضى الزابدي (١٧٣٢ - ١٨٩١)، الذي وضع شرحه لكتاب الغزالي «إحياء علوم الدين» في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن يشك

стр. 41

قط، وإن ساوره شيء من الأسف، في أن الخلافة قد زالت من الوجود. فهو يقول إن الخلافة إنما تنال بالاستحقاق، أما السلطنة فبالقوة. وإذا كان للخليفة، فضلًا عن الاستحقاق، قوة وعصبية تدعمانه، كان له أن يحكم، وإلا وجب أن يحكم السلاطين والأمراء باسمه. والواقع أن الخلافة لم تستمر، بعد فتح المغول لبغداد، إلا بالاسم، ثم «احتل أصحاب السلطان الأرض واختفى اسم الخلافة». وقد أضاف الزابدي، بعد إيراد قول الغزالي «إن السلطة الآن إنما تتبع القوة»، بقوله: «والعصبية أيضًا»، منوهًا بأن الحال كانت هكذا حتى قبل زمن الغزالي، بل هكذا كانت منذ الأزل، وفقًا لما ذهب إليه ابن خلدون في «مقدمته». ثم تمثل الزابدي على ذلك بفوز معاوية على علي (٢). ومع أن السلطان لم يكن خليفة، فإن الزابدي لم يلمح ولو تلميحًا إلى أنه ليس على المسلمين واجب الولاء والإخلاص الديني له. نعم، لم يكن حقه في الحكم متحدرًا بالتسلسل من خلافة الرسول، إلا أنه كان مرتكزًا إلى الحق الإلهي الذي يملكه أولئك الذين برهنوا عن شوكتهم الفعلية واستخدموها لرعاية مصالح الإسلام. فقد كان السلطان يدافع عن التخوم ضد النصارى والشيعة، ويحمي الأماكن المقدسة، وينظم الحج بعناية، ويجل الشريعة وحراسها، ويخضع في جميع أعماله وأحكامه خضوعًا مبدئيًا للشريعة. وكان المذهب الحنفي، من بين مذاهب الشرع الرئيسية الأربعة المقبولة، المذهب الوحيد المعترف به رسميًا من جانب الدولة. وكان المفتي الأكبر للمذهب الحنفي، شيخ الإسلام، رئيسًا للجهاز الديني، وكان له، بهذه الصفة، الحق في الاعتراض على أعمال الحكومة المخالفة للشرع. نعم، كان السلاطين، في الواقع، يسنون القوانين بالفرمانات، غير أن مجموعة قوانينهم كانت تعتبر، مبدئيًا، إما واقعة ضمن نطاق الشريعة أو سليمة في نظرها. وكان السلطان يصدرها، لا بحكم سلطته السياسية المستقلة، بل بحكم صلاحية

стр. 42

الاجتهاد التي أسندتها الشريعة للحاكم المدني. لكن من الأكيد أن سلطة الرقابة لم تكن كلها من جانب واحد. فقد وضع أكبر الفقهاء العثمانيين هذه القاعدة: على قضاة الشريعة أن يذعنوا لتوجيهات السلطان في قضاء العدل (٣). ومع أنه كان للسلطان ولكبير وزرائه وحكامه في الولايات دواوينهم لقضاء العدل، فالقضاة الوحيدون المعترف بهم رسميًا إنما كانوا قضاة الشرع. وبالواقع، كان العثمانيون أول من أعطى المحاكم الشرعية شكلها النظامي، وأخضع موظفيها لتنظيم رسمي. فالقضاة الذين يقضون بالشرع، والمفتون الذين يفسرونه، والأساتذة الذين يدرسونه في المدارس، وحتى موظفو الجوامع، كانوا كلهم منتظمين في هيئة رسمية لها رتبها المعروفة ونظامها التدرجي. وكانت هذه الهيئة تشكل بالفعل جزءًا جوهريًا من جهاز الحكم، إلى جانب الهيئتين العسكرية والإدارية. وكان أفرادها يقومون بالواقع بدور ضروري، كصلة معنوية، وإلى حد ما، كصلة إدارية، بين السلطان ورعاياه، خاصة في الولايات الإسلامية العربية. فبواسطتهم كان السلطان يعلن أعماله وأحكامه على الشعب، كما كان بواسطتهم وحدهم يؤثر في «الرأي العام» المسلم. إلا أن هؤلاء كانوا، هم بدورهم، الناطقين باسم الرأي العام، لا يبلغون السلطان شكاوى مختلف فئات الأهالي فحسب، بل يسمعونه أيضًا صوت ضمير أهل السنة والجماعة. وكانوا يشتركون في النشاط السياسي في العاصمة وفي عواصم الولايات، كأن يفتوا مثلًا بما يبرر خلع الحكام، إلا أنهم لم يكونوا ليسهموا في الحركات الشعبية ضد السلطان، بل كانوا موالين له، يستدرون له ولاء الشعب. أما الطرق الصوفية، فقد لعبت أحيانًا، في الولايات التركية على الأقل، دور الأقنية التي يجرى فيها الاستياء الشعبي. وسواء كان ذلك اختيارًا أو نتيجة للقيود الضرورية التي يفرضها حكم إمبراطورية شاسعة ومتنوعة، فقد كانت وظائف السلطان

стр. 43

عبارة عن تلك التي رسمها للحكام أصحاب النظريات السياسية المتأخرون لا المتقدمون. فالسلطان لم يفرض على الإمبراطورية حكمًا واحدًا، بل رتب مختلف الطبقات والعناصر فيها ونظمها بشكل يضمن لها العيش بسلام، ويسمح لكل منها بالإسهام كما ينبغي في استقرار المجموع وازدهاره. كان الحكم قد وضع إطار النظام، بينما أقامت الشريعة جهاز الحقوق والواجبات. فكانت كل جماعة حرة، ضمن ذلك الإطار، أن تعيش وفقًا لمعتقداتها وعاداتها الخاصة بها. وما كانت الغاية، بالواقع، من القوانين الصادرة عن سلاطين العهد الذهبي (قانون نامه)، غير المحافظة على تلك العادات أو إحيائها عند الاقتضاء، وغير استبقائها ضمن حدود الشريعة. لم تكن الإمبراطورية إذن جماعة واحدة بقدر ما كانت مجموعة من الجماعات، تفرض كل منها على أعضائها واجب الولاء المباشر لها. وكانت هذه الجماعات إقليمية أو دينية أو مهنية أو، إلى حد ما، خليطًا من الثلاث. غير أن الانقسام السياسي، وقد يجوز القول، الانقسام الكياني، في ما بينها، إنما كان انقسامًا بين العسكر والرعايا، أي انقسامًا بين الحكام والمحكومين، كما كان انقسامًا بين المسلم وغير المسلم. كانت الدولة، قبل كل شيء، دولة إسلامية سنية. وكان جميع المسلمين السنيين، دون سواهم، ينتمون انتماءً تامًا ومتساويًا إلى جسم الجماعة السياسي، وذلك بصرف النظر عن العرق أو اللغة. نعم، كانت هناك جماعات إسلامية أخرى، كالشيعة التي كانت تقطن ما هو الآن تركيا والعراق ولبنان واليمن. إلا أنه كان ينظر إليها شزرًا، نتيجة قرون طويلة من الحقد المذهبي، ونتيجة تجانسها الديني مع بلاد الفرس الشيعية. وقد كان السلطان العثماني، في حروبه مع شاه الفرس، يخشى أن يتحالف شيعة العراق القريبين جدًا من تخوم فارس مع هذه الدولة. أضف إلى ذلك أن شرعهم لم يكن معترفًا به. إلا أن إقامتهم في أماكن بعيدة

стр. 44

في الجبال والوديان وعلى حافة الصحراء، كانت تؤمن لهم بعض التساهل. فكانوا يعيشون جماعة مقفلة، تلتف حول مدنها المقدسة، وتأتمر بأمر الأعيان من علمائها. وكان في سوريا ولبنان وشمالي العراق فرق تفرعت عن الشيعة واقتبست مزيجًا من العناصر الغريبة عن الإسلام، كالدروز والنصيرية والإسماعيلية وغيرهم. فكانت هذه الفرق، على عدم الاعتراف بها كجماعات مستقلة، تأمل في التساهل معها أيضًا، ما دامت تعيش بعيدة عن مراكز الحكم وتدفع الضرائب المفروضة عليها. أما الطوائف المسيحية واليهودية، فقد تمتعت، منذ سقوط القسطنطينية، بالاعتراف بها اعترافًا رسميًا أبرز. فقد أقرت السلطنة العثمانية، في ذلك الحين، للبطاركة الأرثوذكس والأرمن ولحاخام العاصمة الأعظم بأنهم ليسوا رؤساء طوائفهم الروحيين فحسب، بل رؤساؤها السياسيون أيضًا. أما الطوائف الأخرى، كالأقباط في مصر، والموارنة والنساطرة والسريان والأرثوذكس في لبنان وسوريا والعراق، فكانت على اتصال أقل بالحكام لإقامتها بعيدًا عن العاصمة. ومع ذلك فقد كان بطاركتها ينالون اعتراف السلطات بهم من وقت إلى آخر. وكان السلطان يقوم بتنصيب البطاركة والحاخامين رسميًا. وكان هؤلاء يتعاملون مع حكومته في جميع الشؤون العائدة لأبناء طوائفهم. وكان للقرارات والأحكام الصادرة عنهم في نطاق الطائفة صفة القانون النافذ. وكانوا مسؤولين عن استيفاء الضرائب. وكانت الحكومة نادرًا ما تتدخل في شؤون المسيحيين واليهود ما داموا يؤدون الضرائب بانتظام، وما داموا أيضًا لا يشكلون خطرًا بتحالفهم مع دول أجنبية. وكانت تسري عليهم، في الأحوال الشخصية والدعاوى المدنية، أحكام قانونهم الديني وعرفهم. إلا أنهم كانوا خاضعين في تصرفاتهم العامة لأحكام الشريعة الأخلاقية، مع العلم أن درجة تطبيق هذه الأنظمة بحقهم كانت تختلف من بلد إلى آخر، حسب مشيئة الحاكم أو حالة الشعور الشعبي. فكانت تطبق مثلًا في

стр. 45

دمشق بصورة أدق منها في حلب. وكان معظمهم يعيشون في أحياء خاصة من المدن والقرى. وبينما كان بعض المسيحيين يتعاطون الزراعة في بعض الأمكنة، كان معظم المسيحيين واليهود يقيمون في المدن ويختصون فيها ببعض التجارات والحرف والمهن. وكان بعضهم يحتل بالفعل مراكز نافذة، ويلعب دورًا جوهريًا في حياة الدولة، كصرافي القسطنطينية الأرمن، وصرافي بغداد اليهود، وعائلات حي الفنار اليونانية التي كانت تقوم بأعمال الترجمة في المفاوضات الأجنبية أو تحكم ولايات رومانيا. أما في حقل التنظيم المهني، فكانت أهم المؤسسات نقابات التجار وأصحاب الحرف. ويرقى تاريخ هذه النقابات إلى ما قبل عهد العثمانيين بزمن طويل. ولما كانت، فيما يبدو، تتحدر من أصل إسماعيلي وعلى اتصال طويل بفرق الإسلام المنحرفة وبأصحاب الطرق الصوفية، فقد خشي من أن تشكل خطرًا على الدولة الحريصة على سنيتها. لذلك وضعت تحت مراقبة الحكومة الشديدة. وكان رئيس النقابة المحلي ينصب رسميًا ويعتبر مسؤولًا عن الحفاظ على ولاء أعضائها. إلا أن هذه النقابات كانت، ضمن هذه الحدود، تتمتع بالتساهل معها وتحتل بالفعل مركزًا اجتماعيًا محترمًا. وعلى هذا الغرار، كانت القرية تشكل وحدة اجتماعية مسؤولة بمجموعها عن تأدية الضرائب وعن جرائم أعضائها. وكان يعترف رسميًا بشيخ القرية. كذلك كان يعترف رسميًا أيضًا برؤساء القبائل البدوية، أو على الأقل برؤساء تلك القبائل التي كانت على قرب كافٍ من الأماكن الحضرية يجعل من الممكن فرض رقابة ما عليها، مهما خفت. وكان الشيوخ ينصبون رسميًا أيضًا، ويقلدون ألبسة شرفية، ويمدون بالمساعدات المالية ليتركوا قوافل الحجاج أو التجار تمر بأمان. لكن الدولة كانت تقوم، عند الاقتضاء، بغارات تأديبية عليهم أو تحرض فئة أو قبيلة ضد أخرى. لقد كانت الإمبراطورية، قبل كل شيء، إمبراطورية مدن، ورثت

стр. 46

عن مجموع ماضيها الإسلامي العداء الحضري للبدو، معرقلي التجارة والزراعة، وأعداء العمران، والمرتع الأخير لعادات عصر الجاهلية الوثنية. كانت الإمبراطورية تتسع، وباتساعها تضم، بشكل مبعثر وبلا انتظام، ولايات جديدة، كبرى وصغرى. وما حل القرن السادس عشر حتى تم الاعتراف بنظام الولايات واستقر على الشكل الذي استمر قائمًا في جوهره حتى القرن التاسع عشر. وقد قسمت الإمبراطورية إلى ولايات، يحكم كلًا منها حاكم أو باشا من رتب متفاوتة، مسؤول مباشرة أمام الحكومة المركزية. وكان هناك، مع بعض التغييرات من وقت إلى آخر، أربع ولايات في ما هو الآن العراق: البصرة وبغداد والموصل وشهرزور؛ وأربع في سوريا الجغرافية: حلب ودمشق وطرابلس وصيدا؛ واثنتان في غربي الجزيرة العربية: الحجاز واليمن؛ وأربع في شمالي إفريقية: مصر وطرابلس الغرب وتونس والجزائر. وكان الحاكم والموظفون المكلفون بإدارة الأقضية وجباة الضرائب وقضاة الشرع يوفدون من القسطنطينية لسنة واحدة مبدئيًا، لمنعهم من إلقاء جذور محلية لهم أو اكتساب أتباع محليين. إلا أن قادة الرأي المحلى كانوا أيضًا متشاركين مع الحكومة. فديوان الولاية كان يضم على العموم، فضلًا عن الموظفين والقواد العسكريين، كبار العلماء المحليين الذين كانوا يشغلون عادة معظم المراكز الدينية ما عدا منصب القاضي، كما قد يضم أيضًا ممثلين عن الأعيان (أي الوجهاء المحليين الذين اكتسبوا نفوذًا بواسطة الالتزام الزراعي أو بوسائل أخرى وحصلوا تدريجًا على اعتراف رسمي من الحكومة كممثلين محليين (٤)، وعن التجار والنقابات والطرق الصوفية). أما في الولايات البعيدة، فلم يمض زمن طويل حتى مالت كفة الميزان إلى ترجيح العناصر المحلية على العناصر المركزية. ففي بلدان شمالي أفريقيا، تحررت الفيالق العسكرية المحلية من رقابة الدولة

стр. 47

الفعلية وحكمت بنفسها المقاطعات التي كانت في حوزتها، شريطة دفع الجزية للسلطان. ففي مصر، بقي الباشا الموفد من القسطنطينية الحاكم الشكلي، بينما كان المماليك قد استعادوا نفوذهم وأصبح زعماؤهم الحاكمين الفعليين. وأبعد من ذلك غربًا، نشأت، بفضل نفوذ الميليشيا، أسر حاكمة محلية اعترفت بها الحكومة المركزية. وقد أدى هذا التغير، بصورة غير مباشرة، إلى ازدياد نفوذ العلماء المحليين الناطقين بلسان أبناء البلاد الأصليين، خاصة في القاهرة وتونس، حيث لعب جامعا وجامعتا الأزهر والزيتونة دور مراكز التجمع. أما في الحجاز واليمن، فقد كان التغير أبعد شأنًا، إذ تجمع النفوذ، خارج المدن الساحلية التي كانت مركز الحكم التركي، في أيدي عائلات محلية استمدت نفوذها من الحرمة التي كان الأتقياء يحيطونها بها، كعائلات أشراف مكة في الحجاز، حراس الأماكن الحرام المنتسبين إلى عائلة النبي، وأئمة الشيعة الزيدية في اليمن. أما الولايات السورية والعراقية، فقد جعل ارتباطها بالحكومة المركزية أوثق، على الأقل في أوج المجد العثماني، إذ كان لها من الأهمية ما لم يسمح لها بالتفلت: فدمشق كانت مركز تنظيم الحج، أعظم مظهر من مظاهر السنة العثمانية، وحلب مركز التجارة الدولية، وبغداد قاعدة الدفاع عن حدود الإمبراطورية ضد الفرس. إنما لم يكن بالفعل واقعًا تحت سلطة الدولة إلا المدن الكبرى والساحل ووديان الأنهار والسهول المجاورة للمدن. أما في جبل لبنان وشمالي فلسطين وفي الكردستان شمالي العراق، فقد تركت دفة الأمور في أيدي أسر محلية، كان بعضها قد اكتسب ولاء سكان الوديان قبل الفتح العثماني. غير أن حريتها لم تكن خالية تمامًا من القيود. فقد كان عليها أن تدفع الجزية، وأن لا تتخطى حدودها إلى السهول. وكان حكام الولايات المحيطة بها يراقبونها بصورة خفية. إلا أن سلطتها كانت، ضمن هذه الحدود، مقبولة لا بل معترفًا بها. أما في كردستان، التي كانت قد وقعت في أيدي العثمانيين في القرن السادس عشر، فقد عقدت الحكومة

стр. 48

العثمانية يومذاك اتفاقًا مع الأمراء المحليين تعهد به هؤلاء بحراسة الحدود الفارسية مقابل الاعتراف لهم بمركزهم الوراثي. فانتظموا في نظام الولايات وفي نظام «إقطاعية» الملاكين، كما انتظم أمراء لبنان وفلسطين في الترتيب الهرمي للملتزمين الذي نشأ فيما بعد، واعتبروا جباة للضرائب في أقضيتهم مع حق ضمني لهم في الحكم. لم تعترف الحكومة العثمانية، ولا أي دولة إسلامية، بالتفرقة العنصرية، بعد تلاشي التمييز الأول بين العرب وبين معتنقي الإسلام من غير العرب، وقبل نشوء القومية الحديثة. إلا أنه كان هناك بعض التمييز في وظائف اللغات، وإلى حد ما بين الفئات اللغوية: فقد كانت اللغة التركية لغة الحكومة والجيش، واللغة العربية لغة الدراسة والشريعة، واللغة الفارسية لغة الآداب. وكان دور العرب الخاص معترفًا به حقًا إلى حد ما. فكان الأشراف المتحدرون من سلالة النبي يشكلون هيئة مستقلة تتمتع بامتيازات مالية وشرعية، وكانوا منتظمين في كل ولاية تحت قيادة النقيب، وكان نقيب القسطنطينية يعتبر من أكابر الإمبراطورية. حيثما حل الإسلام حل معه الشعور بدور العرب الخاص في التاريخ. فالنبي كان عربيًا، والقرآن نزل باللغة العربية، والبدو الأعراب كانوا «مادة الإسلام»، أي وسائله البشرية لفتح العالم. وقد استمر وعي العرب «القومي» هذا، لا بل ازداد، بفضل العناية التي كان السلاطين العثمانيون يحيطون بها المدارس السنية والشرع. لكن هذا الوعي لم يتجل في النزعة نحو وجود سياسي منفصل، بل ظهر في الاعتزاز باللغة والثقافة والأجداد وفي الشعور بالمسؤولية نحو الإسلام. وعلى هذا الشكل تزعمه ونطق باسمه العلماء المحليون، وبوجه أعم، العائلات الكبرى في مدن الولايات، تلك العائلات التي صانت تقاليد الدراسة الدينية، واللغة العربية وعلومها، وذكريات ما قام به العرب في سبيل الإسلام.

стр. 49

الفصل الثالث الانطباع الأول عن أوروبا كان لا بد للسلطان، كي يصون وحدة الجماعات المختلفة في إمبراطورية بهذا الاتساع وهذا التنوع، أن يستخدم سلطته التنظيمية بصورة مستمرة وبكثير من المهارة. فالأصوات لم تنقطع، حتى في أوج المنعة العثمانية على عهد سليمان القانوني، عن تذكير السلطان ووزرائه بأن بنيان الدولة سريع العطب. وبالواقع، لم يدخل القرن السابع عشر حتى أخذت معالم التصدع تظهر بوضوح (١). وقد تنبه لهذا فعلًا بعض كتاب العصر وأدركوا أسبابه. أما حقيقة العلاقة بين هذه الأسباب، والتمييز الدقيق بين ما كان منها بالفعل سببًا وما كان مجرد عرض من أعراضها، فهي مسائل لا يمكن طبعًا الإجابة عليها. إلا أنه باستطاعتنا، على الأقل، أن نلاحظ سلسلة من الأمور «المتعاقبة» المرتبط الواحد منها بالآخر ارتباطًا محكمًا. كان جهاز الحكم آخذًا بالتفكك. فالسلطان كان محور الدولة، ولم يكن بإمكان الدولة أن تسير سيرًا سليمًا ما لم تكن قيادتها فعالة. والواقع أنه، ابتداءً من القرن السابع عشر، كانت السلسلة الطويلة من السلاطين الأذكياء والأقوياء قد انتهت، وتلاها عهد ضعفاء الخلق والذكاء من السلاطين الذين لم يكونوا قد أعدوا إعدادًا صالحًا للقيام بمهامهم. فكانت النتيجة أن نشأ صراع على النفوذ بين فئات الموظفين وقواد الجيش المتحالفين مع العلماء ومع نساء القصر وعبيده. وفي أواخر القرن السابع عشر، أوقف التيار المنحدر وزراء أسرة كوبرولو، بنقل محور السلطة من السلطان إلى

стр. 50

كبير الوزراء، أو الصدر الأعظم. فأصبحت داره، الباب العالي، مركز القرارات، بدلًا من الغرفة ذات القباب في القصر حيث كان ينعقد مجلس السلطان؛ كما أصبح رئيس كتاب الصدر الأعظم بمثابة وزير الخارجية. لكن مركز الصدر الأعظم نفسه كان ضعيفًا بطبيعته، إذ كان تعيين الصدر الأعظم وإقالته متوقفين على مشيئة السلطان، فضلًا عن افتقاره إلى جهاز فعال يحكم به. فقد كانت الإدارة، في عهد الاضطراب والتشويش، قد أصابها الخلل، وفقد نظام جباية الضرائب فاعليته ونزاهته، وانهار نظام تملك الأراضي «الإقطاعي» القديم، كما أخذ الجيش يفقد انضباطه تدريجًا. كان من الممكن تقويم هذا الاتجاه، لو لم يكن أساس النظام الخلقي قد زال أيضًا. فقد ضعفت العصبية المهنية لدى نخبة العبيد، ولدى العلماء، وانحل الانضباط الصارم والولاء الخالص لدى الإنكشارية، فسمح لأولادهم بأن ينضموا إلى فرقها، كما سمح أيضًا للمسلمين الأحرار المولد بأن يدخلوا الجيش الذي غدا الالتحاق به يشترى ويباع ويورث. وأخذ هؤلاء يتقلدون، أكثر فأكثر، المناصب العليا في خدمة السلطان، فصار منهم الوزراء وحكام الولايات وقواد الجيش. وقد استمرت الخرافة القائلة بأن هؤلاء كانوا عبيد السلطان، مع أنهم كانوا، بالواقع، ينتقون بتزايد من الأتراك بين الرعايا المسلمين إذ كانت اللغة التركية لغة الحكام المشتركة، وكان من لم يكن منهم تركيًا بالعرق تركيًا بالتبني. وعلى هذا النمط أيضًا اشتدت نزعة كبار العلماء إلى أن يصبحوا فئة خاصة وممتازة. فقد كان هؤلاء مرتبطين بعضهم ببعض أصلًا برابطة التربية المشتركة، وكانوا يرسلون أولادهم إلى مدارس إسطنبول الكبرى التي كانت المناصب العليا تملأ من بين متخرجيها. وكانوا حراس الأوقاف ومستغليها، وذوي نفوذ اجتماعي وسياسي، كما كانوا ينعمون بفرص خاصة للحصول على الالتزامات وتملك الأراضي. ولما كانوا، كهيئة دينية، في مأمن نسبيًا من تدابير المصادرة فقد ادخروا ما كسبوه. وأملوا بتوريثه أولادهم من بعدهم.

стр. 51

وفيما كان هذا التغير السياسي آخذًا مجراه، كانت الإمبراطورية تجتاز أزمة اقتصادية تجمعت عناصرها منذ زمن طويل. لا شك أن الإدارة الفاسدة قد زادتها خطرًا، إلا أن سببها الحقيقي كان خارجيًا، يعود إلى توسع أوروبا الجغرافي شرقًا وغربًا. فالمراكز التجارية الأوروبية المنشأة في الأقيانوس الهندي كانت قد فككت الخطوط التجارية التقليدية بين الإمبراطورية والعالم الخارجي في آسيا وأوروبا معًا. وكان لاكتشاف أميركا تأثير أشد من ذلك أيضًا، إذ أدى إلى تحول الذهب والفضة إلى بلدان البحر المتوسط، وبالتالي إلى ارتفاع الأسعار، مما زعزع مالية الدولة وأنزل الضرر بالطبقات المنتجة. وكانت النتيجة أن ازدادت الضرائب وتقهقرت الزراعة والحرف وجلا السكان عن الأرياف. وفيما كان هذان التطوران، السياسي والاقتصادي، مستمرين، كانت سلطة الحكومة المركزية في الولايات تضعف رويدًا رويدًا، مما ترك للقوى المحلية حرية أوسع للعمل. فبعد أن كان جيش الإنكشارية عماد النظام في عواصم الولايات، أصبح الآن الخطر المهدد له، إذ غدا بالواقع حزبًا سياسيًا يستمد تأييده من الجماهير التي طغى عليها الفلاحون النازحون من الأرياف، وأصبح بوسعه حقًا أن يقاوم السلطة، كما أنه انشق في بعض الأماكن إلى أحزاب متنافرة، أو راح يتناحر مع فئات ممتازة أخرى، فخلق بذلك حالة توتر دائمة. أما في الأرياف، فضعف المخافر العسكرية وجلاء الفلاحين عن القرى مكن البدو من النزوح إلى الأراضي المأهولة وإخضاع المزارعين فيها أو ترحيلهم عنها. وكان القرن السابع عشر عصر تحركات في قلب الجزيرة العربية. فكانت قبائل جديدة تنزح إلى صحراء سوريا والعراق، متحدية سيطرة القبائل القديمة فيها، كقبائل الموالي التي توصلت إلى نوع من التعايش مع حكومة السلطان، إلا أنها كانت تقطع طرق التجارة وتسلب الحجاج أحيانًا وتطارد القبائل الأضعف منها حربيًا إلى حافة الأماكن الحضرية. وأمام

стр. 52

هذا التحدي الصادر عن الإنكشارية وعن البدو، تبدلت طبيعة الحكم في الولاية العثمانية. فبينما بقيت السلطة المركزية محتفظة بسيطرتها على الولايات الأوروبية، نشأت في كل من آسيا وأفريقيا فئات حاكمة شبه مستقلة، كـ «أسياد الوادي» في آسيا الصغرى، الذين كانوا موظفين محليين من أعيان الملاكين، فتوصلوا إلى جعل سلطتهم دائمة ووراثية؛ وكفئات المماليك في القاهرة وبغداد وصيدا، الذين كانوا أصلًا من جنود القوقاز المغامرين، فاشتراهم ودربهم وأعتقهم أولئك الذين سبقوهم إلى تلك الديار؛ وكأفراد تلك العائلات المحلية في دمشق والموصل الذين كانت الحكومة المركزية قد قبلت إدراجهم في عداد حكامها. وقد تمكنت هذه الفئات الحاكمة من إيقاف الإنكشارية عند حدها، وأحيانًا من رد البدو على أعقابهم، كما استطاعت أن تؤمن إدارة فعالة للسكان الحضر، وأن تستوفي الضرائب وتدافع عن الحدود، وأن تجعل ولاياتها تحافظ، وإن على درجات متفاوتة، على ولائها الأخير للسلطان. لكنه لم يتسن لها كل ذلك بدون ثمن. فقد كان عليها، للحفاظ على النظام، أن تنشئ جيوشًا خاصة بها، مما اقتضى زيادة في الضرائب، كما أنها اضطرت لأن تمنح نفوذًا أشد ومجالًا أوسع لتلك القوى المحلية التي كانت قوة السلطان التنظيمية، في أوج الإمبراطورية، قد أقامت توازنًا موقتًا في ما بينها. فأصبح للأعيان والعلماء تأثير أشد على الحكومة المحلية منه على الحكومة المركزية. كما أن العائلات الكبرى في الجبال استطاعت أن تخضع من حولها السهول، أمثال آل معن وشهاب وأبي اللمع وجنبلاط في لبنان، وظاهر العمري في الجليل، وبابان في كردستان. وقد أثرت كل هذه الحركات الداخلية، ولا شك، في طبيعة الإمبراطورية، إلا أنها لم تؤثر، إلا على المدى الطويل، في وجودها. أما في القرن الثامن عشر، فقد جابهت الإمبراطورية تحديًا لوجودها نفسه من جهات أخرى. فعلى حدود الإمبراطورية الصحراوية،

стр. 53

وفي قلب الجزيرة العربية، نشأت حركة إصلاحية، استلهمت تفكيرها من المذهب الحنبلي. فأعلن صاحبها، محمد بن عبد الوهاب (١٧٠٣ - ٨٧)، أن الإسلام ليس مجرد أقوال أو ترديدًا لأقوال، فلن يكفينا يوم الحساب أن نتوسل بالقول: سمعت الناس يقولون بهذا فقلت به (٢)، بل علينا أن نعرف ما هو الإسلام الحقيقي: إنه قبل كل شيء رفض جميع الآلهة إلا الله، ورفض إشراك سواه في التعبد الذي لا يجوز إلا له. فالشرك شر مهما كان موضوعه، أكان ملكًا أم نبيًا أم وليًا أم شجرة أم قبرًا (٣). والتعبد للأتقياء شر كعبادة الأوثان. ولا يقتصر الشرك على الأقوال والأفكار، بل يشمل أيضًا جميع الأعمال المنطوية عليه ضمنًا: فإتيان أعمال هذه الدنيا نوع من الشرك (٤). هذا الإسلام الحقيقي كان، في نظر ابن عبد الوهاب، دين الجيل الأول، دين السلف الصالح. فهو، باسم هذا السلف، يعترض على تلك البدع اللاحقة التي أدخلت في الإسلام آلهة جديدة: تطور الفكر الصوفي الأخير وعقيدته في وحدة الوجود، وإعراضه الزهدي عن خيرات هذه الدنيا وانتظامه في الطرق، وطقوسه الغريبة عما رسمه القرآن. وهو يعترض على الغلو في إكرام محمد على أنه إنسان كامل وشفيع بين الناس والله (مع أنه يحيطه بالإجلال العظيم كنبي)؛ وعلى التعبد للأولياء وتكريم قبورهم؛ وعلى انبعاث تقاليد الجاهلية وعاداتها في الإسلام. طبعًا، لم تكن تعاليم ابن عبد الوهاب جديدة. فقد تأثر بابن تيمية، عن طريق عائلته التي كان أعضاؤها من علماء الحنبلة، بفضل دروسه في المدينة وغيرها (٥). إلا أنه فسر الإسلام تفسيرًا لم يكن لمعلمه عهد به. إذ لم تقتصر تعاليمه، في ظروف زمانه، على الدعوة إلى التوبة، بل غدت تحديًا للقوى الاجتماعية السائدة- تحديًا، من جهة، للقوة المتجددة لدى القبائل العربية التي كانت لا تزال تعيش على جهل بالدين والشريعة، وتحديًا، من جهة أخرى، للسلطنة العثمانية التي كانت تدعم السنة

стр. 54

الإسلامية، لا كما كان يفهمها السلف، بل كما كانت قد تطورت إليه خلال العصور. إن حقيقة ما كان يقوله ابن عبد الوهاب هو أن ذلك الإسلام الذي كان السلطان يحميه ليس بالإسلام الحقيقي، وهذا يعني ضمنًا أن السلطان ليس الإمام الحقيقي للأمة. وقد تجسدت حركته هذه، كمثيلاتها في الإسلام، في دولة، وغدا تحديه للعقيدة تحديًا للسلطة أيضًا. فقد تحالف مع أسرة حاكمة صغيرة في أواسط الجزيرة، أي أسرة ابن سعود، على إقامة دولة يمكن للمسلمين أن يحيوا فيها الحياة الصالحة وفقًا للشريعة كما يفهمانها. في هذه الدولة كانت الشريعة تطبق بكل تفاصيلها، ولم يكن لأي قوانين أو عادات أخرى أي مفعول. وكانت السلطة في يد الإمام، وهو الزعيم المدني وإمام الصلاة، يمارسها بمشورة العلماء والجماعة. وكانت الدولة أيضًا، بحكم الجغرافيا من جهة، وبتشديدها على العودة إلى عهد الإسلام الأول من جهة أخرى، عربية في روحها. فقد قال أحد الأئمة الوهابيين بفخر، في معرض حديثه عن الإمامة، إنه إذا كان نوالها بالاختيار، فالعرب أحق بها من الأتراك (٦). غير أن هذه الدولة كانت تدعو، لا إلى تضامن عربي، بل إلى تضامن إسلامي، وتذهب جوهريًا إلى أنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي يمكن للجميع الانتماء إليها. كان في هذا تحد ضمني لسلطة العثمانيين السياسية، بل تحد خطير، لأن سياستها في الجزيرة كانت ترمي إلى إحلال الشريعة محل عادات الجاهلية، وروح التضامن الإسلامي محل العصبية القبلية، ومن ثم توجيه قوى البدو الحربية نحو جهاد دائم. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان الوهابيون قد سيطروا على أواسط الجزيرة والخليج الفارسي، ثم ما لبثوا أن دمروا كربلاء في أطراف العراق، واحتلوا الحجاز، وأخذوا يهددون دمشق. وفي الوقت نفسه تكونت، ما وراء حدود الإسلام، حركة كان لا بد أن يكون لها تأثير أشد على الإمبراطورية: هي الثورة العلمية

стр. 55

في أوروبا الغربية وما انبثق عنها من قوة عسكرية واقتصادية. وكان العثمانيون، في القرن السادس عشر، قد أوشكوا على تنصيب أنفسهم أسيادًا على أوروبا. وبعد ذلك بقرن واحد كانوا ما يزالون من القوة بحيث استولوا على جزيرة كريت وهددوا فيينا وحاربوا الدول الأوروبية محاربة الند للند. إلا أنهم لم يتمكنوا من استيعاب الاكتشافات الجديدة في فنون الحرب، كما فعلوا في عهد سابق. لذلك لم يكن بوسعهم، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، محاربة الدول محاربة الند للند. فكانت النتيجة أن ازداد نفوذ الدول الدبلوماسي في القسطنطينية. ولكن لما كانت الدول على خلاف فيما بينها، وكانت تنظر إلى تأثيرها على السلطان كوسيلة من وسائل التنافس، فقد أدى ازدياد هذا التأثير إلى ازدياد الصراع أيضًا. وقد تمكنت الحكومة العثمانية من استغلال هذا التنافس للاحتفاظ بشيء من الاستقلال في العمل، غير مضمون. لكن هذا التوازن الذي كان قائمًا في قلب الإمبراطورية اختل في أطرافها. ففي حرب ١٧٦٨ - ١٧٧٤، أنزلت البواخر الروسية جيوشًا في اليونان وفي بيروت، بينما توغلت الجيوش الروسية في البلقان والقوقاز. وفي نهاية الحرب، فرض على السلطان التخلي عن القرم التي كانت إذ ذاك منطقة إسلامية في معظمها، فكانت أول مقاطعة إسلامية تنسلخ عن الإمبراطورية. كما أن البواخر الفرنسية والإنكليزية مخرت بحرية أيضًا عباب ما كان يعرف إذ ذاك بالمياه العثمانية في شرقي البحر المتوسط. وقبل نهاية القرن جرت فرنسا وإنكلترا ولاية عثمانية إلى حومة النزاع بينهما، فاحتل الفرنسيون مصر، في ١٧٩٨، ولم يتمكن الأتراك من طردهم منها إلا بمساعدة الإنكليز. كان لتأثير الدول مفعوله حتى على الولايات التي لم تكن معرضة للخطر العسكري. فكانت كل قنصلية أوروبية مركز نفوذ تلتف حوله فئة من الرعايا المحميين، المسيحيين منهم واليهود العثمانيين، الذين منحوا بعض امتيازات الأجانب. ولم تقتصر الحماية الأوروبية

стр. 56

على الأفراد، بل تعدتهم إلى جماعات بكاملها. فمنذ القرن السادس عشر، كانت «الامتيازات» قد منحت فرنسا حق حماية الكاثوليك الأوروبيين بكنائسهم وكهنتهم في الأراضي العثمانية. ثم وسعت فرنسا تلك الحماية تدريجًا حتى أصبحت تشمل الكاثوليك العثمانيين والإرساليات الأوروبية العاملة بينهم. وكانت أكبر طائفة كاثوليكية وأهمها طائفة الموارنة، التي كانت تعيش خصوصًا في لبنان، والتي كانت قد اعترفت بالسلطة البابوية في أثناء الحروب الصليبية وأقامت لها علاقات مباشرة ومستمرة مع الفاتيكان منذ القرن السادس عشر، وعلاقات مباشرة مع ملك فرنسا في ١٦٤٩، بحيث أصبح النفوذ الفرنسي فيها كبيرًا. وعندما نمت الطوائف الكاثوليكية الأخرى، شملتها أيضًا حماية فرنسا، وإلى حد أقل، حماية النمسا. ولم يقبل السلطان قط بهذا رسميًا، إلا أنه رضخ له إلى حد ما، خصوصًا كلما شعر بالحاجة إلى دعم فرنسا له ضد روسيا. أما المسيحيون الأرثوذكس، وخاصة اليونانيون منهم، فقد كانوا مرتبطين بعلاقات مع روسيا. وقد جعلت روسيا لنفسها، في معاهدة كوتشوك كاينرجي عام ١٧٧٤، أساسًا حقوقيًا لتلك العلاقات، أصبح له فيما بعد مضاعفات سياسية هامة، إذ كان الأرثوذكس يشكلون أكبر طائفة مسيحية في الإمبراطورية. كانت الطوائف الأرثوذكسية وغيرها من الطوائف المسيحية تزداد ثروة وثقافة ونفوذًا طوال القرن الثامن عشر. فالحماية الأجنبية لم تمنحها امتيازات سياسية فحسب، بل وفرت لأبنائها أيضًا، وهم عملاء التجارة مع أوروبا في ذلك الحين. منافع تجارية ومالية. وقد اغتنى، بنوع خاص، اليونانيون والأرمن والمسيحيون السوريون الناطقون بالضاد، فارتفع مع هذا الغنى مستواهم الثقافي واشتد شعورهم الطائفي. وقد تجلى ذلك، في الأكثر، لدى اليونانيين الذين كانت عظمة البيزنطيين لا تزال ماثلة في ذاكرتهم، فاستعادوا، بطريقة أخرى، تلك السلطة السياسة التي كان محمد،

стр. 57

فاتح القسطنطينية، قد جردهم منها. فكان بطريرك القسطنطينية، اليوناني أبدًا، الرئيس المدني أيضًا «للأمة» الأرثوذكسية بكاملها. وقد توصل في القرن الثامن عشر إلى جمعها تحت سلطته، وذلك وإخضاع البطريركيات الأخرى أو بترئيس مرشحيه عليها. وكانت أيضًا أسرة الفنار اليونانية الكبيرة تحتل، في تلك الحقبة، وبلا انقطاع تقريبًا، وظائف معينة ذات نفوذ في الدولة: فكان منها تراجمة الباب العالي، وتراجمة البحرية، وحكام ولايات فالاشيا ومولدافيا. وفي نهاية القرن، أصبحت قلوب اليونانيين مشبعة بروح الثقة بالنفس كشعب يحكم الآخرين ويشعر بقوته آخذة في الازدياد. كما أنهم بدأوا يتحسسون وجود عالم جديد من الأفكار والثروات في أوروبا، وإمكانية العثور هناك على أصدقاء وحلفاء. وكان يحمل إليهم أفكار عصر التنور الفرنسي أبناؤهم الطلاب الذين كانوا يتلقونها في جامعة بادوا. وفي ذلك الحين أنشئت المدارس الوطنية الأولى، وأسست الجمعيات، وأخذت العلاقات مع روسيا تزداد تقاربًا. وكان قد مضى زمن أقبل فيه العثمانيون على التعلم من أوروبا بدافع من مصلحتهم. فعرفوا، في أيام الفتح العظيمة، كيف يستفيدون من مهارة بعض المسيحيين المرتدين من سكان أوروبا الوسطى، وكيف يقتبسون منهم ثمار التقدم الأوروبي في فن الحرب. وقد سهل عليهم استخدام البارود والأسلحة النارية امتداد سلطتهم إلى مصر وسوريا في أوائل القرن السادس عشر. وكانت بحريتهم تستخدم، على أوسع نطاق، الأساليب الفنية الجديدة في الملاحة وفي التخطيط الحربي، بعد أن كانت القسطنطينية قد اطلعت بسرعة على الاكتشافات الجغرافية التي تمت في عصر النهضة. وكان محمد الفاتح، إلى حد ما، على اهتمام عام بالمدنية الغربية. فدعا بعض الرسامين ورجال الأدب الإيطاليين إلى بلاطه، وأمر بترجمة مؤلفات بطليموس وبلوطارخوس إلى اللغة التركية. ولعل اهتمامه هذا قد نشأ عن الحاجة العسكرية، إذ كان الرسامون الإيطاليون خبراء

стр. 58

أيضًا في فن التحصين، ناهيك بقيمة المعلومات الواردة في كتب بطليموس. على أن ذلك، كما يبدو، قد أثار فيه رغبة مجردة في المعرفة، وحبًا في الاستطلاع. وهو أمر أصبح نادرًا فيما بعد، حين فقدت الدولة حيويتها بعد انصرام عهد العظمة الأول الطويل، كما فقدت مهارتها السياسية، ولم يعد بوسعها التكيف وفقًا للتغير، في وقت أصبح التغير فيه سريعًا وواسعًا. فلم يكن للاكتشافات العلمية أي صدى لديها، حتى إن الإشارة الواحدة إلى كوبرنيكوس في الأدب العثماني، قبل آخر القرن السابع عشر، لم تكن إلا إشارة عابرة (٧). كما أن الجيش والبحرية لم يقتبسا شيئًا من التحسينات الفنية الجديدة. وقد برز الانحطاط في أواسط القرن الثامن عشر بروزًا لم يعد من الممكن تجاهله. لا بل يبدو أن الشعور بالانحطاط كان قد بدأ منذ أوائل القرن السابع عشر، كما يدل على ذلك، ابتداءً من كوسى بك وصاعدًا، سلسلة الكتب التي عينت بوضوح تام أسباب هذا الانحطاط. وقد يكون من الدلائل عليه أيضًا الاهتمام بابن خلدون، الذي ترجمت «مقدمته» إلى اللغة التركية في القرن الثامن عشر، وكان انتشارها واسعًا على ما يبدو. إلا أنه، مع تصرم القرن، تبدلت النظرة إلى العلة وإلى الدواء. فقد كان المفكرون والأدباء يحثون السلاطين على إعادة بناء مؤسسات الماضي العظيم. أما الآن فقد وجدت الإمبراطورية نفسها بحاجة إلى أكثر من ذلك. إذ كان عليها، للدفاع عن نفسها، أن تجد حلفاء أوروبيين ضد أعداء أوروبيين، وأن تفتح صدرها لفنون الحرب الجديدة في العالم الحديث. وقد أدت هذه الحاجات إلى قيام الرعيل الأول من السياسيين الغربي التفكير في الشرق الأدنى. ففي عهد باكر، أي منذ ١٧٢٠، عاد من فرنسا مبعوث خاص بتقرير مشبع بالإعجاب بها. وحاولت الحكومة العثمانية مرارًا، ابتداءً من ثلاثينيات القرن الثامن عشر، إنشاء جيش على أسس أوروبية. وفي حقبة السنوات العشر تلك، طلب السلطان من مرتد

стр. 59

فرنسي، اسمه دي بونفال، أن يفتح مدرسة للهندسة العسكرية، فلم تعمر طويلًا بسبب مقاومة الإنكشارية لها. إلا أنه أنشأ بعد جيل، أي في سبعينيات ذلك القرن، مدرسة الرياضيات لضباط البحرية، كان أول أستاذ فيها جزائري يعرف لغات أوروبا، كما كانت الكتب المدرسية فيها أوروبية مترجمة إلى اللغة التركية (٨). وفي عام ١٧٨٩، تسنم العرش سلطان ذو أفكار إصلاحية، هو سليم الثالث، فبدأ بإصلاح الجيش على نطاق واسع، وفتح مدارس كان معظم أساتذتها من الفرنسيين، باستثناء السنوات التي تلت غزو مصر، إذ انفصمت موقتًا عرى الصداقة الفرنسية التركية. وكانت هذه المدارس تلقن اللغتين الفرنسية والإيطالية وكان في بعضها مكتبة فرنسية تحتوي مؤلفات معظمها تقنية إن لم يكن كلها. وفضلًا عن ذلك، فقد ترجمت في هذه الفترة إلى اللغة التركية كتب في الرياضيات والملاحة والجغرافيا والتاريخ، وطبعت على أول مطبعة تركية تأسست في العشرينيات من القرن الثامن عشر تحت رعاية الحكومة. وهكذا نشهد في ذلك الحين فورانًا فكريًا، جاءت الثورة الفرنسية تحره وتغذيه. وكانت هذه الثورة أول حدث في السياسة الأوروبية راقبه الأتراك عن كثب، فأثر فيهم تأثيرًا عميقًا وأدى، فيما أدى إليه، إلى احتكاك الدبلوماسيين الفرنسيين، أكثر من ذي قبل، بالموظفين وبرجال الدولة العثمانيين (٩). هذه كانت الأفكار والدوافع الأولى التي حاول سليم الثالث تنسيقها. ففي ١٧٩٢، طلب من كبار الشخصيات في الإمبراطورية أن يضعوا له تقارير عن حاجات الإمبراطورية. فاتفق معظمهم على ضرورة الإصلاح العسكري بمساعدة ضباط واختصاصيين أوروبيين، على أن يتم ذلك الإصلاح دون مساس بالشريعة أو إثارة عداء المحافظين (١٠). وقد حاول السلطان سليم، طيلة العشرين سنة اللاحقة، أن يطبق هذه الآراء، غير أن محاولته إنشاء جيش مثالي جديد أثارت عليه نقمة الإنكشارية الذين ما أن شعروا بمركزهم مهددًا حتى هبوا ثائرين، يؤيدهم

стр. 60

العلماء والجماهير، فخلعوا السلطان سليم عن عرشه. وبعد حقبة من البلبلة، ارتقى العرش محمد الثاني، الذي شارك سليم الثالث سجنه، كما شاركه آراءه. إلا أنه رأى، وقد اعتبر بإخفاق سلفه، أن ينتظر عشرين عامًا بروز العاملين اللذين مكناه من التغلب على الإنكشارية: الأول نشوء فريق من دعاة الإصلاح ظهروا تدريجًا وكانوا مطلعين اطلاعًا واسعًا على العالم الحديث ومقتنعين بأن الإمبراطورية إما أن تنتمي إلى ذلك العالم أو تفنى. كان منهم ضباط في الجيش تخرجوا من المدارس الجديدة وأتقنوا لغات أوروبية وألموا بالتقنية العلمية الحديثة، كما كان منهم من نشأ نشأة أخرى مختلفة أكسبتهم، في تلك الظروف، نفوذًا أكبر: نعني بهم فئة الدبلوماسيين والتراجمة الدبلوماسيين الشباب. كانت الإمبراطورية تعتمد، في عهودها الأولى، على اليهود والمرتدين الأوروبيين في جمع الأخبار الخارجية وفي المهارة الدبلوماسية. وإذ أخذ معين المرتدين ينضب، بدأت تلتفت أكثر فأكثر إلى رعاياها اليونانيين، وبنوع خاص، إلى بعض أسر الفنار الكبرى التي كانت على معرفة ومهارة سياسية موروثة وعلى فهم دقيق للسياسات الأوروبية استمدته من صلاتها الواسعة ومن دراساتها في إيطاليا. إلا أن ولاء هؤلاء لم يكن دومًا فوق الشبهات. وإذ أخذت العلاقات بين العثمانيين والأوروبيين تتوثق وتعمق بشكل لم يعد يسمح بتركها بين أيدي وسطاء مغرضين، أخذ الباب العالي، ابتداءً من القرن الثامن عشر، ينشئ سفارات له في أوروبا ويرسل إليها موظفين شبابًا لدرس لغات أوروبا وسياساتها. فضلًا عن أنه أنشأ له فيما بعد، مكتبًا للترجمة. كان هناك، إذن، في العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر، رعيل من العثمانيين أصبح دون أن تقتلع جذوره، جزءًا من المجتمع الأوروبي، مشبعًا بأفكاره. نذكر من هذا الرعيل أحمد وفيق باشا، الذي كان جده أول المترجمين الأتراك الجدد، وأبوه من العاملين في السفارة في باريس، حيث تلقى هو علومه، فأصبح، في جيل لاحق، كبير الوزراء. وبحكم هذا المنصب نشأت علاقة

стр. 61

حميمة بينه وبين السفير البريطاني، السر هنري ليارد، الذي كان قد عرفه شابًا. وقد ترك لنا ليارد صورة عنه وعن أبيه. كان الأب «سيدًا تركيًا وافر النبل، مرهف الأدب، مهيب الطلعة، تزينه الحية بيضاء كالثلج وعمامة وجبة». لكن شتان ما بينه وبين ابنه، «الذي كان اطلاعه على المؤلفين الإنكليز والفرنسيين مدهشًا يثير الإعجاب ... كنا نقرأ معًا أفضل الكلاسيكيين الإنكليز، بمن فيهم غيبون وروبرتسون وهيوم، وندرس علم الاقتصاد السياسي في كتب آدم سمث وريكاردو. وقد حملناه أيضًا على قراءة روايات شكسبير، فاستوعبها وقدرها، وعلى قصص ديكنس فتفهم روحها تمامًا ... وقد استمتع بقراءة «بيكويك» ومؤلفات ديكنس الأخرى التي صدرت آنذاك، وبالغ من اطلاعه عليها أنه اعتاد فيما بعد على الاستشهاد بها» (١١). ومن هذا الرعيل أيضًا مصطفى رشيد باشا الذي تلقى تربيته الأولى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، عندما كان دبلوماسيًا في باريس، حيث تعلم «اللغة الفرنسية وبواسطتها درس الكثير من أدب أوروبا السياسي» (١٢). ومن هذه الدراسة استمد الآراء التي كانت ستوجه، بواسطته وبواسطة أمثاله، سياسة الإمبراطورية لنصف قرن. وتتلخص هذه الآراء في أن على الإمبراطورية أن تتحول إلى دولة مركزية حديثة، وأنه لا بد، لتحقيق ذلك، من توفير شروط عدة: إنشاء جيش حديث، مما يقتضي إنشاء صف من الضباط المثقفين، واستخدام هذا الجيش لاستعادة السيطرة المركزية على الولايات المتمتعة بحكم شبه ذاتي وباستقلال عملي، ومن ثم لإبعاد خطر الثورة والتدخل الأجنبي؛ وأخيرًا إنشاء نظام تشريعي وإداري حديث في جميع أنحاء هذه الإمبراطورية الموحدة من جديد يكون قائمًا على مبدأ المساواة بين جميع المواطنين. أما العامل الثاني، الذي مكن محمد الثاني من مقاومة الإنكشارية، فهو تلك القوة الجديدة التي ظهرت، في ١٨٢١، على مسرح الحياة العثمانية، والتي كان من شأنها أن تلعب دورًا في تاريخ الإمبراطورية

стр. 62

اللاحق لا يقل أهمية عن دور فكرة الإصلاح «الغربي» التي لم تكن تلك القوة إلا تعبيرًا عنها. فقد ثار اليونانيون في روسيا واليونان، وكانت ثورتهم، من جهة، محاولة لقلب الميزان الديني، بل السياسي أيضًا، في شرقي البحر المتوسط، وإحلال السيطرة الأرثوذكسية اليونانية محل السيطرة الإسلامية التركية. لكنها كانت أيضًا، من جهة أخرى، ثورة قومية تستمد وحيها لا من بيزنطية، بل من ذكريات اليونان القديمة، وتستهدف إنشاء دولة حرة في وطن الهلنيين القديم. وقد عجز الجيش عن قمع الثورة فانتهت، بعد التدخل الأوروبي، بالاعتراف باستقلال اليونان، فكان ذلك حدثًا حاسمًا في تاريخ الإمبراطورية. إذ أخذت الشعوب المسيحية الأخرى، من ذلك الحين، تفكر أكثر فأكثر بالثورة القومية وباجتذاب قوى أوروبا الليبرالية. أما الذين كانوا يرغبون في استمرار الإمبراطورية، فقد قويت لديهم فكرة الإصلاح، على اعتبار أنه لا يمكن كسب ولاء الشعوب الحكومة وتأييد أوروبا الغربية إلا بالإصلاح. وفي ١٨٢٦ آنس السلطان محمود في نفسه القوة الكافية للإقدام على خطوة الإصلاح الأولى التي كان لا بد منها، فحل فرق الإنكشارية وأبادها، دون أن يرتفع صوت واحد للدفاع عنها حتى بين المحافظين المتدينين. فلعل عجزها عن قمع الثورة اليونانية كان قد انتزع سيطرتها من مخيلة الشعب. وقد فتح هذا الحدث الباب لنصف قرن من الإصلاحات التي عرفت «بالتنظيمات»، فغدا من الممكن إنشاء جيش جديد بمساعدة المدربين الفرنسيين والبروسين، واستخدامه لإنهاء الحكم الذاتي الذي كان يستأثر به «أسياد الوادي» في الأناضول، وبعض الأمراء في الكردستان، والمماليك في بغداد. وقد تمت أيضًا إصلاحات أخرى: ففتحت مدارس لتخريج الضباط والأطباء والموظفين، وأرسلت بعثات تربوية إلى أوروبا، وأنشئت جريدة رسمية، وألغيت الإقطاعات المتبقية، وأصلحت إدارة الأوقاف، وأعيد تنظيم الحكومة المركزية، واعتمد اللباس الحديث، كعمل

стр. 63

رمزي، في المناسبات الرسمية. إلا أن كل هذا لم يكن سوى إصلاحات مبعثرة، لم تتعرض للقضية الجوهرية، أي قضية الأساس المعنوي والحقوقي للإمبراطورية ومركز الرعايا المسيحيين فيها. وبقيت الحال على هذا المنوال حتى ١٨٣٩، أي إلى ما بعد وفاة السلطان محمود بقليل، إذ عمد خلفه السلطان عبد الحميد، بتأثير من رشيد باشا، على إصدار أول بيان عام لمبادئ الإصلاح، عرف بقرا ر «جلهانه» الذي يستهله بهذه المقدمة: «من المعلوم لدى الجميع أن تعاليم القرآن المجيدة وشرائع السلطنة كانت أبدًا محترمة على عهد الدولة العثمانية الأولى، فازدادت من جراء ذلك قوة السلطنة وعظمتها، وبلغ كافة الرعايا بلا استثناء أعلى مراتب البحبوحة والازدهار. لكن حدثت، خلال المائة وخمسين سنة الفائتة، سلسلة من الأحداث والأسباب المختلفة أدت إلى تجاهل الشرائع المقدسة والأنظمة المستمدة منها. فانقلبت القوة والازدهار السابقين إلى ضعف وفقر. والواقع أن الدول تفقد استقرارها حالما تتوقف عن التقيد بشرائعها ... لذلك، رأينا مناسبًا، ونحن على ثقة بمعونة العلي وعلى يقين بتأييد نبينا، أن نزود الولايات التي تتألف منها السلطنة بإدارة صالحة» (١٣). إن نقطة الانطلاق في هذا الاستهلال إنما هي النظرية الإسلامية التقليدية في الدولة، القائلة بأن الدول تكون فاضلة إذا ما أطاعت الشريعة، ومستقرة إذا ما كانت فاضلة. أما الجديد فيه، فهو الاستنتاج المستخلص من هذه المقدمة، وهو أنه عندما تشح الفضيلة وتهن القوة تصبح الحاجة ماسة، لا إلى الإصلاح الخلقي فحسب، بل إلى تغيير في المؤسسات. ثم يمضي القرار، فيتساءل عما ينبغي للمؤسسات الجديدة أن تكون عليه، فيقول: «يجب أن تقوم على الأسس الثلاثة الآتية: ١ - ضمانات تومن لرعايانا تأمينًا تامًا الحياة والشرف والرزق.

стр. 64

٢ - نظام قانوني لتحديد الضرائب وجبايتها. ٣ - نظام قانوني للتجنيد ومدة الخدمة. ثم يضيف قائلًا: «أليست الحياة والشرف أثمن ما وهبه الله للجنس البشري؟ وأي إنسان لا يلجأ إلى العنف، مهما كان طبعه مخالفًا له. ويلحق الضرر بالحكومة وبالبلاد، إذا ما هددت حياته أو شرفه، أما إذا اطمأن، بالعكس، اطمئنانًا تامًا عليهما، فإنه لا ينحرف عن طرق الاستقامة والولاء، بل تساهم جميع أعماله في خير الحكومة وخير إخوانه». «وإذا فقد المرء شعوره بالأمن على رزقه، فلن يصغي إلى صوت الحاكم أو البلاد ... أما إذا كان بالعكس آمنًا على ما يقتنيه، فإنه يشعر بإخلاصه نحو بلده ينمو ويتضاعف كل يوم، ويصبح شعوره هذا مصدرًا لأنبل الأعمال». ثم يقدم القرار عدة خطوات عملية، منها إلغاء نظام الامتيازات، وإنفاق مبالغ معينة ومحدودة على الجيش والبحرية، والتجنيد النظامي، والعدالة العامة والنظامية، وضمان حقوق الملكية وعدم الحجز الكيفي، ودفع معاشات الموظفين بصورة منتظمة، وسن قوانين دقيقة ضد الرشوة. ويقضي القرار بأن تطبق هذه التدابير على جميع رعايا السلطان بالتساوي مهما كان دينهم أو طائفتهم. ويشير أيضًا إلى عزم السلطان على أداء القسم أمام العلماء وعظماء الدولة بأنه سيضع هذه التدابير موضع التنفيذ، كما يشير أيضًا إلى أن هؤلاء سيقسمون بدورهم على ذلك، وأن القرار سيبلغ إلى سفراء الدول الصديقة ليكونوا شهودًا على تكريس هذا التعهد بإجراء هذه الإصلاحات. من نص هذا القرار يتضح طابعه العام. فهو إعلان صادر، من طرف واحد، لنوايا السلطان، العاهل المطلق، الذي أراد، من تلقاء نفسه، أن يضفي على إعلانه طابع العقد بينه وبين رعاياه

стр. 65

وبينه وبين الدول الأوروبية. إن هذا البيان لا يمس، رسميًا، جهاز الشرع الإسلامي. أما في الواقع، فهو يستهدف تحويل الدولة من سلطنة إسلامية إلى سلطنة يكون فيها أتباع جميع الأديان أعضاء متساوين في جسم الجماعة السياسي ومشتركين معًا في شعور الولاء الوطني. وقد تجسدت هذه النوايا جزئيًا في القوانين التي صدرت خلال العشرين أو الثلاثين سنة اللاحقة: فقد أعيد تنظيم الحكومة المركزية والمحلية على نطاق أوسع، وأقر التجنيد، وأنشئت محاكم مدنية وجزائية وتجارية، وسن قانون جزائي وقانون تجاري جديدان. وفي ١٨٥٦، أي أثناء حرب القرم، أصدر السلطان بيانًا إضافيًا عن ذلك، عرف «بخط هامايون»، يؤكد فيه السلطان أن مبتغاه إنما هو سعادة جميع رعاياه على السواء. ويثبت جميع الضمانات الممنوحة بموجب القرارات السابقة وجميع الامتيازات الروحية للطوائف غير المسلمة التي لم تكن قد منحت لهم من قبل، ويصرح بأنه من الآن وصاعدًا لن يكون ثمة أي تمييز قائم على الدين أو اللغة أو العرق في توزيع وظائف الدولة، أو الدخول إلى المدارس الحكومية، أو دفع الضرائب، أو الخدمة العسكرية (١٤). وفي معاهدة باريس التي أنهت حرب القرم في السنة نفسها، أخذت الدول المتعاقدة علمًا بهذا القرار الذي كان السلطان قد أبلغها إياه، معلنًا أنه أصدره عفويًا عن إرادته السنية؛ إلا أنها صرحت بأن هذا التبليغ لا يمنحها الحق في التدخل، لا جماعيًا ولا فرديًا، في علاقات السلطان مع رعاياه، أو في إدارة شؤون إمبراطوريته (١٥). إن الاعتناء في انتقاء العبارات وتركيبها في نص هذه المعاهدة ينم عن الضعف الذي كان ملازمًا لطريقة الإصلاح. فكل شيء فيه كان وقفًا على إرادة السلطان. نعم، لقد عقدت في ١٨٤٥، جمعية من أعيان الولايات، لمناقشة شؤون الإمبراطورية. إلا أن ذلك لم يحدث أي تغيير، وبقي الحكم في قبضة السلطان، لا بل أخذت سلطته تزداد إذ جاءت المؤسسات الجديدة الصادرة عن إرادته تحل محل المؤسسات

стр. 66

القديمة التي كانت تحد منها، كما أخذت القوانين الجديدة تنمو إلى جانب الشريعة السائدة منذ زمن بعيد. كان عبد المجيد وخلفه عبد العزيز، راغبين على العموم، في التعاون مع رجال الدين المصلحين، إلا أنهما كانا ضعيفين، ومتقلبين، وواقعين تحت تأثير مستشاريهما. ولم يتمكن رشيد باشا وتلميذاه فؤاد وعلي (والاثنان دبلوماسيان سابقان)، إلا بصورة متقطعة، وبمساعدة سفيري بريطانيا وفرنسا، من جعل السلطان يصغي إليهم ويحقق الإصلاحات التي كانوا يعتقدونها ضرورية. كان يقاومهم في مهمتهم تلك أولًا المحافظون المتدينون، الذين كانوا يحرصون على الاحتفاظ بأساس الدولة العثمانية التقليدي، وذلك إما لارتباط مصالحهم به، وإما لاعتقادهم بأنه موافق لإرادة الله، وبأنه الضمانة الوحيدة للاستقرار. وقد نجحوا مثلًا في تأخير تطبيق القانون التجاري الجديد، مدعين أنه يتناول دائرة من الحياة قد عالجتها الشريعة بتفصيل ودقة. وأتت المقاومة أيضًا من الذين لم يعترضوا مبدئيًا على الإصلاحات، إلا أنهم كانوا يعتقدون أن تطبيقها يستحيل في دولة كالسلطنة العثمانية. فالتصريحات، كبيان ١٨٣٩ وبيان ١٨٥٦، كان من شأنها بالواقع أن تعطي الدول الأخرى فرصة جديدة للتدخل، بالرغم مما ورد في معاهدة باريس. كما كان من شأنها، فضلًا عن ذلك، أن تمنح حرية جديدة للشعوب المحكومة، تتيح لها أن تقوي نفسها وتثور. فالشعوب المسيحية في البلقان كانت تشعر بشعور وطني خاص، وكانت ترغب في الاستقلال، بينما كان الشعور الوطني العثماني يكاد لا يكون موجودًا. وعلى هذا، فقد كان المعترضون يقولون بأن هذه الإصلاحات، إذ كانت مبنية على مبدأ لم يمتحن بعد ولم يكن يؤمن به حقيقة أحد، لا بد أن تهدم تلك المبادئ التي كانت قوة الإمبراطورية، لا بل كيانها، قائمًا عليها: أي سلطة الشرع الإسلامي وسيطرة العنصر التركي المسلم. فمن الأفضل، إذن، الاحتفاظ بالنظام القديم،

стр. 67

على أن يطهر من الفساد والجمود، ريثما يتم التغير البطيء في المشاعر، الذي يجعل من الممكن إحداث مؤسسات جديدة بأمان. وهذا كان رأي أحمد وفيق، فهو يقول: «إن محاولة إدخال مؤسسات أوروبية بالجملة إلى تركيا وتلقيح النظام التركي السياسي التقليدي القديم بالمدنية الأوروبية، قبل أن يكون مهيئً لمثل هذا التجديد الحاسم، لا يمكن أن تنجح، بل لا بد لها من أن تضعف السلطنة العثمانية أضعافًا يفقدها القوة الضئيلة والاستقلال الذين تبقيا لها». وقد توصل أحمد وفيق، في أواخر أيامه، إلى تحقيق مبادئه. فبعد صدور الدستور العثماني، في ١٨٧٦، أصبح رئيسًا لأول مجلس منتخب. وقد أظهرت إدارته الصلبة للمناقشات أنه لم يفقد شيئًا من حذره القديم من المؤسسات التي كان يعتبرها غير ملائمة، لا بل خطرة. كانت القضية التي بقيت بالواقع قضية الإمبراطورية، طيلة القرن الأخير من وجودها، ما يلي: كيف يمكنها أن تدخل جسم الدولة السياسي تلك الإصلاحات في المؤسسات وفي الخلقية السياسية التي تشكل مصادر القوة في العالم الحديث. على أنه كان في الإمبراطورية ولايات بعيدة، تتمتع بالحكم الذاتي وذات شعوب متجانسة، لم يثر فيها الإصلاح مثل هذه المشاكل، بل لاقى لديها نجاحًا أوفر. من هذه الولايات مصر، التي كانت أفكار الثورة الفرنسية قد أتتها متجسدة في جيش أوروبي. كان آخر كبار المؤرخين من المدرسة القديمة، الجبرتي (١٧٥٦ - ١٨٢٥)، عائشًا في مصر عندما نزلها جيش بونابرت، فجاء وصفه لوصول الفرنسيين يعكس قوى التجاذب والتنافر التي كانت تتنازع ضمنًا مصر الحديثة في علاقتها بأوروبا الحديثة. فهو يقول: «حضر إلى الثغر مراكب من مراكب الإنكليز ... فانتظر أهل الثغر ما يريدون. وإذا بقارب صغير واصل من عندهم وفيه عشرة أنفار. فوصلوا البر واجتمعوا بكبار البلدة ... فاستخبروهم عن غرضهم فأخبروا ... إنهم

стр. 68

حضروا للتفتيش عن الفرنسيين لأنهم خرجوا بعمارة عظيمة ... فربما دهموكم فلا تقدروا على دفعهم ولا تتمكنوا من منعهم ... فجاوبوهم بكلام خشن ... فقالت رسل الإنكليز: نحن نقف بمراكبنا في البحر محافظين على الثغر، لا نحتاج منكم إلا الإمداد بالماء والزاد بثمنه. فلم يجيبوهم إلى ذلك وقالوا: هذه بلاد السلطان وليس للفرنسيين ولا لغيرهم عليها سبيل، فاذهبوا عنا». وقد ردد صدى هذه الروح المتحدية صوت أمراء المماليك في القاهرة الذين، إذ سمعوا بالخبر: «لم يهتموا بشيء من ذلك، ولم يكترثوا به»، بل هتفوا: «إذا جاءت جميع الإفرنج فلا يقفون في مقابلتنا وإننا سندوسهم بخيولنا» (١٧). أصدر بونابرت، في اليوم الثاني لاحتلاله الإسكندرية، بيانًا باللغة العربية، افتتحه بالدعاء الإسلامي التقليدي: «باسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، ولا ولد له ولا شريك له في ملكه». غير أن الحملة التالية جاءت بمبدأ جديد، إذ ذكرت أن البيان صادر عن الحكومة الفرنسية «المبنية على أساس الحرية والمساواة». ثم يمضي البيان في تطبيق هذه المبادئ على مصر، فيقول: «إن جميع الناس متساوون أمام الله، وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط. وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب. فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء حسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة؟ » ... لقد أفسدوا هذا الإقليم الحسن الأحسن ... «وهدموا فيه المدن العظيمة والخلجان الواسعة» ... التي بها اشتهر. لقد زال حكمهم الآن ... «ومن الآن فصاعدًا لا ييأس أحد من أهالي مصر من الدخول في المناصب السامية وعن اكتساب المراتب العالية. فالعلماء الفضلاء بينهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها». ثم يختم البيان بهذه الكلمات: «لعن الله المماليك وأصلح حالة الأمة المصرية» (١٨).

стр. 69

وقد أعيدت هذه الأمثولة في بيان آخر صدر، بعد مدة وجيزة، بمناسبة إنشاء الديوان الأعظم: لقد خرب الأتراك مصر بجشعهم. أما الآن، «فالطائفة الفرنسوية ... اشتاقت أنفسهم لاستخلاص مصر مما هي فيه وإراحة أهلها من تغلب هذه الدولة» (١٩). ثم نصل إلى النداء الرئيسي الموجه إلى الشعور القومي والممتزج أيضًا بنداء موجه إلى الشعور الديني: «يا أيها المصريون! لقد قيل لكم إني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم. فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم ... أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجبربجية، وأعيان البلد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون؛ وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام. ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا أمتها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين. ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه» (٢٠). لم يكن هذا مجرد «دعاية»، على حد تعبير عالمنا المعاصر. فلعل بونابرت رأى، وهو ابن عصر التنور الفرنسي، أن الإسلام دين أقرب إلى العقل من المسيحية. وقد حافظ، حتى آخر أيامه، على اهتمام حي بالإسلام. أضف إلى ذلك أنه، بمهاجمته المماليك وبإظهار احترامه «لرجال الفضل والعلم»، كان يرسم فعلًا السياسة التي كان ينوي إتباعها: وهي نقل السلطة المحلية من أمراء المماليك إلى العلماء، زعماء مصر الشعبيين، والطبقة الحاكمة الوحيدة التي يمكن استبدال المماليك بها. إلا أنه كان من المستبعد، حتى لو استمرت إقامته في مصر مدة أطول، أن ينجح في الحكم بالمشاركة مع العلماء، لأنهم كانوا يعتقدون أن أي نفع يمكنه جلبه لمصر لا

стр. 70

يوازي كونه غير مسلم يحكم بلدًا مسلمًا، بدون إرادة السلطان. كما كان من المستبعد أيضًا أن تنطلي تأكيداته هذه على أحد من المسلمين. فالجبرتي نفسه، وكان من مشايخ الأزهر، يبدأ روايته للاحتلال الفرنسي بقوله: إن هذا كان بدء «انعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وحصول التدمير وعموم الخراب» (٢١). نعم، لم يتردد الجبرتي في الاعتراف بفضل الفرنسيين في الأمور التي كان يستحسنها، كالمعهد العلمي بصوره وخرائطه وكتبه ومجموعاته واختباراته العلمية، وكالعلماء الفرنسيين بشغفهم بالمعرفة وحرارة استقبالهم للزوار المسلمين الذين كانوا على رغبة خالصة في العلم. إلا أنه كان يشعر دومًا بالخطر على الدين والأخلاق الملازم لكل حكم غير مسلم: كتسليح الجنود المسيحيين وتدريبهم، والصلاحيات الممنوحة لجباة الضرائب من الأقباط، والتجديدات الخبيثة التي أدخلت على النظام الشرعي، وفساد المرأة. وهنا يذكر أن ابنة أكبر أعيان الدين، الشيخ البكري، كانت تخالط الفرنسيين وتلبس لباس السيدة الفرنسية، ولذلك أعدمت بعد عودة الأتراك (٢٢). لعل شيئًا من ذكرى البيان والمعهد قد علق في أذهان شيوخ الأزهر، أو لعل الإدارة الفرنسية المنظمة التي كان الجبرتي معجبًا بها قد تركت أثرها في ذهن محمد علي، الذي تسلم السلطة، في ١٨٠٥، وسط البلبلة التي أحدثها رحيل الفرنسيين. فسعى إلى جعل مصر دولة حديثة على نمط ما فعله السلطانان سليم ومحمود. ولتحقيق ذلك، أزال العقبة الرئيسية أمام سلطته وأمام الإصلاح بإبادة المماليك واستملاك أراضيهم. وقد أنشأ جيشًا وبحرية حديثين، تدربا على أيدي الضباط الفرنسيين، كما أقام نظامًا مركزيًا للإدارة والضرائب كان على درجة لا بأس بها من الفعالية. غير أن إصلاحاته لم تكن منبثقة عن عقيدة ما، شأنها في ذلك شأن إصلاحات سليم ومحمود. فقد قام بها، قبل كل شيء، لتدعيم مركزه الخاص تجاه مولاه ورعاياه والدول الأوروبية. ثم إنه كان، وهو الذي لم يتلق

стр. 71

أي دراسة ولم يتعلم القراءة إلا في الأربعين من عمره (٢٣)، أقل استجابة من سلاطين زمانه للأفكار السياسية المنطلقة من أوروبا الحديثة. نعم، كان على شيء من الاهتمام بالكتب، لكن اهتمامه هذا لم يكن إلا بمقدار ما كانت تنفعه في إتقان فن الحكم. لقد ترجمت وقرئت عليه كتب عن نابليون، كما استنسخت، بناءً لطلبه، مقدمة ابن خلدون عن مخطوطات في شمالي إفريقية وترجمت إلى اللغة التركية (٢٤). لكنه أصغى بإعجاب أقل إلى مؤلفات مكيافالي التي كان وزيره أرتين يترجمها له بمعدل عشر صفحات باليوم. وفي هذا يقول المترجم: «أما في اليوم الرابع، فاستوقفني قائلًا: لقد قرأت كل ما أعطيني إياه من مكيافالي، فلم أعثر على شيء جديد يذكر في صفحاتك العشر الأولى. إلا أنني كنت آمل أن تتحسن الحال. لكن الصفحات العشر الأخرى لم تكن أفضل. أما الأخيرة، فليست سوى مجرد عموميات. إني أرى بوضوح أنه ليس لدى مكيافالي ما يمكنني أن أتعلمه منه. فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف ... فلا داع للاستمرار في ترجمته» (٢٥). لم يصدر محمد علي أي بيان في الحقوق، ولم يقم بأية محاولة لإصلاح مؤسسات البلد السياسية. بل كان يحكم حسب النمط التقليدي، باستثناء دعوته لمجلس استشاري واسع في ١٨٢٩. كان يتخذ القرارات شخصيًا، بعد مناقشة تامة ووجيزة مع مستشاريه. أما العلماء، فلم يكونوا في عداد مستشاريه الأقربين. لقد ساعدوه، وهم لسان حال شعب القاهرة وزعماؤه، على الوصول إلى الحكم؛ غير أن الدرس القائل بأن على الحاكم تحطيم أولئك الذين رفعوه إلى الحكم كان من الدروس التي تعلمها بدون قراءة مكيافالي. فجاء إلغاؤه لنظام الالتزامات وتدخله في شؤون الأوقاف، بقصد منه أم بلا قصد، ضربة معول في أساسات مركز هؤلاء العلماء السياسي ونظام المدارس الإسلامية. وقد أقام مكانهم ومكان المماليك فئة حاكمة تضم جنودًا من الأتراك والأكراد والألبانيين

стр. 72

والشراكسة، كما تضم أيضًا عددًا من الأوروبيين والأرمن وغيرهم من الملمين بسياسات أوروبا وشؤونها المالية. كذلك لم يشجع الاهتمام الشعبي بالسياسة. فقد قال له أحد الطلبة يومًا أنه درس علوم الإدارة المدنية في باريس، فأجابه بحدة: «أنا الحاكم، فأذهب إلى القاهرة وترجم المؤلفات العسكرية» (٢٦). إلا أنه كان ذا نظرة خاصة إلى أوروبا الحديثة، كمجتمع نشيط، يستثمر موارده ويدير شؤونه استنادًا إلى العقل، ويتخذ له من القوة الوطنية معيارًا للقانون والسياسة. ومع أنه كان يتصرف أحيانًا كبطل من أبطال الإسلام العثماني، كما تصرف عندما قضى على السلطة الوهابية في الجزيرة العربية بطلب من السلطان، إلا أن سياسته على العموم كانت قائمة على المساواة الدينية. فكان المسيحيون واليهود من مختلف البلدان يدخلون مصر بالترحاب، فتضمن حقوقهم ويؤيد نشاطهم التجاري. وكان هناك أرمن بين معاونيه المقربين. وكان متيقظًا أكثر من معاصريه الأتراك إلى الأساس الحقيقي للقوة الغربية، أعني التنظيم العلمي للإنتاج. فبنى دعامة اقتصاد مصر الحديث، حين أمر بزراعة القطن زراعة كثيفة في الأراضي التي ترويها المياه. كما باشر بإنشاء جهاز جديد للنقليات وللتسويق. وحاول إنشاء صناعات حديثة، لكن نجاحه هنا كان أقل، لفقدان اليد العاملة الماهرة والسوق الداخلية. ولعله تأثر في كل هذا بأفكار أتباع سان سيمون الذين صرفوا بعض الوقت في مصر، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، يعملون في الطب والهندسة والتعليم. وقد ساعدوه في تخطيط أول عملية كبيرة حديثة من عمليات الري في مصر وفي تنفيذها: إقامة السدود على النيل. غير أنه من المستبعد أن تكون قد استهوته نظرة سان سيمون إلى المجتمع الأمثل الذي تقوده رهبنة من العلماء والذي يحل فيه نظام الحقيقة العلمية محل الأنظمة الدينية المنهارة. لكن من المؤكد أن اطراد النمو الصناعي والاقتصاد المخطط كان يلائم مصالحه الخاصة. كما كان في صالح سياسته العسكرية

стр. 73

إنشاؤه المدارس المهنية، وإيفاده طلابًا إلى أوروبا، وحمله إياهم على ترجمة المؤلفات التقنية بعد عودتهم، وتأسيسه مطبعة لطبع الترجمات، وإصداره جريدة رسمية لنشر نصوص المراسيم والقرارات. لكنه لم يرغب في أن يكتسب الطلاب من المهارة فوق ما هو ضروري، فكان يضعهم تحت مراقبة دقيقة. من ذلك أنه رفض مرة السماح لفريق من الطلاب بالتجول في فرنسا للتعرف عن كثب إلى الحياة الفرنسية (٢٧). إنما كان لا بد للأفكار الجديدة من أن تدخل مع المهارات الجديدة. وهكذا كان للمدارس والبعثات العلمية تأثير أبعد مما كان يشتهي. فقد استعان، أول الأمر، بمدرسين من الطليان، إذ كانت اللغة الطليانية، لغة المشرق العامة يومذاك، أول لغة أوروبية للتدريس. إلا أن محمد علي ما لبث أن استعاض عنها باللغة الفرنسية التي حملت معها أفكار فولتير وروسو ومونتسكيو. فمنذ ١٨١٦، دخلت مؤلفاتهم مكتبة إحدى المدارس (٢٨). وابتداءً من ١٨٢٦ أخذت البعثات ترسل إلى فرنسا بانتظام، فكان أعضاؤها يقرأون الكتب الفرنسية ويشاهدون الحياة الفرنسية في تلك الفترة من فترات الثورة التي تحول فيها النزاع بين الأفكار العامة إلى صراع بين القوى الحضارية. وكان معظم تلاميذ المدارس والبعثات الأولى من المسيحيين الأتراك أو المشرقيين. إلا أن العنصر المصري ازداد فيما بعد، وكان هو العنصر الذي تألفت منه الطبقة المثقفة الأولى لمصر الحديثة، هذه الطبقة التي أخذت، منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تلعب دورًا في شؤون البلاد. فكان أعضاؤها يترجمون وينشرون، إلى جانب الكتب التقنية الصرف، كتبًا أخرى. وكانوا يتعاونون تعاونًا وثيقًا مع أتباع سان سيمون في إعادة تنظيم المدارس (٢٩). وقد تخرج من بين صفوفهم أول المفكرين السياسيين العظام في مصر الحديثة، أعني به رفعت الطهطاوي. أما المسلمون العرب في سوريا، فكان وصول المعرفة والآراء الجديدة إليهم أكثر بطءً. ومع أن العائلات الكبيرة في المدن كانت

стр. 74

تلعب دورها في السياسات المحلية، فإنها لم تكن تشترك مباشرة في حكم الإمبراطورية، ككل، إلا نادرًا. وهي لم تبدأ بتوظيف أبنائها في الإدارة المدنية عن طريق التخرج من المدارس المهنية إلا في آخر القرن التاسع عشر. وكانت علاقاتها في مطلع القرن مقتصرة على الهيئات الدينية التي كانت لا تزال مغلقة في وجه أفكار الإصلاح، إن لم نقل معادية لها. كما أنها لم تشعر، كما شعرت الطبقة المماثلة لها في مصر، بالهزة الفكرية والاجتماعية التي أحدثها الاحتلال الأوروبي. لقد حاول نابوليون أن يحتل سوريا، إلا أنه أخفق. ولو قدر له النجاح في محاولته هذه، فليس من الأكيد أنه كان يحاول تطبيق السياسة التي حاول تطبيقها في مصر، أي الاعتماد على أعيان الدين كممثلين للرأي الوطني. ففي البيان الذي وجهه إلى أهالي البلد، لم يخاطب الشعب «العربي» أو «السوري»، بل أكد مرة أخرى أنه إنما ينوي طرد المماليك (وبالمماليك كان يعني الطغمة العسكرية التي أنشأها الجزار حاكم صيدا)، واعدًا بأنه لن يلحق الضرر بالشعب أو بدينه. وهو لم يخاطب «الأمة» كما خاطب الأمة المصرية، بل خاطب فقط «سكان أقضية غزة والرملة ويافا» (٣٠). أما سكان سوريا المسيحيون، فقد كانوا متأثرين ببعض نواحي الفكر الأوروبي. فمنذ القرن السادس عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية قد أقامت أولى علاقاتها النظامية بالطوائف المسيحية الشرقية. وكان المرسلون اليسوعيون وغيرهم يرسلون إلى الشرق الأدنى، لا لضم الكنائس المنشقة إلى الحظيرة الرومانية وحسب، بل لإصلاح العقيدة والنظام لدى الموارنة وأمثالهم من العناصر التي كانت تعترف بسلطة روما. وقد عقد الموارنة اتفاقية كنسية (كونكوردا) مع روما في ١٧٣٦. ومنذ ذلك الحين أقيمت معهم علاقات نظامية، كانت تضمن لهم سلطتهم الكهنوتية وطقوسهم وحقهم الكنسي وعاداتهم، كما كانت تحافظ على استقامتهم العقائدية واعترافهم

стр. 75

بسلطة البابا. وكان من نتيجة عمل الإرساليات أن نشأت، تدريجًا، طوائف متحدة مع روما من داخل الكنائس الشرقية الأخرى، كالأرثوذكسية الأرمنية والقبطية والسريانية الأرثوذكسية والنسطورية. وقد برزت هذه الطوائف، بعد صراع على السلطة في البطريركيات والمطرانيات في أوائل القرن الثامن عشر، كنائس مستقلة عمليًا، يرأس كلا منها بطريرك، مع أنها لم تحصل على اعتراف مدني من الحكومة العثمانية حتى القرن التاسع عشر. وبفضل الإرساليات وحماية فرنسا، نشأت شبكة من المدارس الكاثوليكية في كل مكان تقطنه طوائف كاثوليكية أو قابلة لأن تصبح كاثوليكية، وبنوع خاص في لبنان وحلب. وفي قلب الكنيسة الكاثوليكية في روما تأسس عدد من المعاهد لتنشئة اكليروس كاثوليكي مثقف ومستقيم العقيدة، كالمعهد الماروني والمعهد اليوناني ومعهد جمعية نشر الإيمان. وقد برز من الطوائف المسيحية التي أنشأتها أو عززتها الإرساليات فريق من المثقفين، وعوا عالم أوروبا الجديدة بل اعتبروا أنفسهم، بمعنى من المعاني، جزءًا منه. وقد كان الإكليروس في أواخر القرن السادس عشر مثقفًا، خصوصًا بين الموارنة والروم الكاثوليك، ذا حياة ونظام مثاليين، ذا معرفة باللغتين اللاتينية والإيطالية وبالثقافة التي كانتا مفتاحًا لها. كما كان أفراد هذا الإكليروس على معرفة أعمق من ذي قبل بلغاتهم الشرقية وآثارهم وتاريخ طوائفهم وعاداتها. وكان بعضهم، كالعلماء المشهورين من عائلة السمعاني في روما، وكالكهنة الموارنة الذين كانوا يدرسون اللغة العربية في السربون، قد أسهم إسهامًا كبيرًا في تعريف أوروبا بالشرق الأدنى. كما قام بعضهم بتوسيع آفاق طوائفهم بترجمة مؤلفات اللاهوت الكاثوليكي الغربي أو باقتباسها. فقد ترجمت «الخلاصة اللاهوتية» للقديس توما الأكويني بكاملها في مطلع القرن الثامن عشر.
следующие страницы →