Полный текст (470 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أي دراسة ولم يتعلم القراءة إلا في الأربعين من عمره (٢٣)، أقل استجابة من سلاطين زمانه للأفكار السياسية المنطلقة من أوروبا الحديثة. نعم، كان على شيء من الاهتمام بالكتب، لكن اهتمامه هذا لم يكن إلا بمقدار ما كانت تنفعه في إتقان فن الحكم. لقد ترجمت وقرئت عليه كتب عن نابليون، كما استنسخت، بناءً لطلبه، مقدمة ابن خلدون عن مخطوطات في شمالي إفريقية وترجمت إلى اللغة التركية (٢٤). لكنه أصغى بإعجاب أقل إلى مؤلفات مكيافالي التي كان وزيره أرتين يترجمها له بمعدل عشر صفحات باليوم. وفي هذا يقول المترجم: «أما في اليوم الرابع، فاستوقفني قائلًا: لقد قرأت كل ما أعطيني إياه من مكيافالي، فلم أعثر على شيء جديد يذكر في صفحاتك العشر الأولى. إلا أنني كنت آمل أن تتحسن الحال. لكن الصفحات العشر الأخرى لم تكن أفضل. أما الأخيرة، فليست سوى مجرد عموميات. إني أرى بوضوح أنه ليس لدى مكيافالي ما يمكنني أن أتعلمه منه. فأنا أعرف من الحيل فوق ما يعرف ... فلا داع للاستمرار في ترجمته» (٢٥).
لم يصدر محمد علي أي بيان في الحقوق، ولم يقم بأية محاولة لإصلاح مؤسسات البلد السياسية. بل كان يحكم حسب النمط التقليدي، باستثناء دعوته لمجلس استشاري واسع في ١٨٢٩. كان يتخذ القرارات شخصيًا، بعد مناقشة تامة ووجيزة مع مستشاريه. أما العلماء، فلم يكونوا في عداد مستشاريه الأقربين. لقد ساعدوه، وهم لسان حال شعب القاهرة وزعماؤه، على الوصول إلى الحكم؛ غير أن الدرس القائل بأن على الحاكم تحطيم أولئك الذين رفعوه إلى الحكم كان من الدروس التي تعلمها بدون قراءة مكيافالي. فجاء إلغاؤه لنظام الالتزامات وتدخله في شؤون الأوقاف، بقصد منه أم بلا قصد، ضربة معول في أساسات مركز هؤلاء العلماء السياسي ونظام المدارس الإسلامية. وقد أقام مكانهم ومكان المماليك فئة حاكمة تضم جنودًا من الأتراك والأكراد والألبانيين
стр. 72
والشراكسة، كما تضم أيضًا عددًا من الأوروبيين والأرمن وغيرهم من الملمين بسياسات أوروبا وشؤونها المالية. كذلك لم يشجع الاهتمام الشعبي بالسياسة. فقد قال له أحد الطلبة يومًا أنه درس علوم الإدارة المدنية في باريس، فأجابه بحدة: «أنا الحاكم، فأذهب إلى القاهرة وترجم المؤلفات العسكرية» (٢٦).
إلا أنه كان ذا نظرة خاصة إلى أوروبا الحديثة، كمجتمع نشيط، يستثمر موارده ويدير شؤونه استنادًا إلى العقل، ويتخذ له من القوة الوطنية معيارًا للقانون والسياسة. ومع أنه كان يتصرف أحيانًا كبطل من أبطال الإسلام العثماني، كما تصرف عندما قضى على السلطة الوهابية في الجزيرة العربية بطلب من السلطان، إلا أن سياسته على العموم كانت قائمة على المساواة الدينية. فكان المسيحيون واليهود من مختلف البلدان يدخلون مصر بالترحاب، فتضمن حقوقهم ويؤيد نشاطهم التجاري. وكان هناك أرمن بين معاونيه المقربين. وكان متيقظًا أكثر من معاصريه الأتراك إلى الأساس الحقيقي للقوة الغربية، أعني التنظيم العلمي للإنتاج. فبنى دعامة اقتصاد مصر الحديث، حين أمر بزراعة القطن زراعة كثيفة في الأراضي التي ترويها المياه. كما باشر بإنشاء جهاز جديد للنقليات وللتسويق. وحاول إنشاء صناعات حديثة، لكن نجاحه هنا كان أقل، لفقدان اليد العاملة الماهرة والسوق الداخلية. ولعله تأثر في كل هذا بأفكار أتباع سان سيمون الذين صرفوا بعض الوقت في مصر، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، يعملون في الطب والهندسة والتعليم. وقد ساعدوه في تخطيط أول عملية كبيرة حديثة من عمليات الري في مصر وفي تنفيذها: إقامة السدود على النيل. غير أنه من المستبعد أن تكون قد استهوته نظرة سان سيمون إلى المجتمع الأمثل الذي تقوده رهبنة من العلماء والذي يحل فيه نظام الحقيقة العلمية محل الأنظمة الدينية المنهارة. لكن من المؤكد أن اطراد النمو الصناعي والاقتصاد المخطط كان يلائم مصالحه الخاصة. كما كان في صالح سياسته العسكرية
стр. 73
إنشاؤه المدارس المهنية، وإيفاده طلابًا إلى أوروبا، وحمله إياهم على ترجمة المؤلفات التقنية بعد عودتهم، وتأسيسه مطبعة لطبع الترجمات، وإصداره جريدة رسمية لنشر نصوص المراسيم والقرارات. لكنه لم يرغب في أن يكتسب الطلاب من المهارة فوق ما هو ضروري، فكان يضعهم تحت مراقبة دقيقة. من ذلك أنه رفض مرة السماح لفريق من الطلاب بالتجول في فرنسا للتعرف عن كثب إلى الحياة الفرنسية (٢٧). إنما كان لا بد للأفكار الجديدة من أن تدخل مع المهارات الجديدة. وهكذا كان للمدارس والبعثات العلمية تأثير أبعد مما كان يشتهي. فقد استعان، أول الأمر، بمدرسين من الطليان، إذ كانت اللغة الطليانية، لغة المشرق العامة يومذاك، أول لغة أوروبية للتدريس. إلا أن محمد علي ما لبث أن استعاض عنها باللغة الفرنسية التي حملت معها أفكار فولتير وروسو ومونتسكيو. فمنذ ١٨١٦، دخلت مؤلفاتهم مكتبة إحدى المدارس (٢٨). وابتداءً من ١٨٢٦ أخذت البعثات ترسل إلى فرنسا بانتظام، فكان أعضاؤها يقرأون الكتب الفرنسية ويشاهدون الحياة الفرنسية في تلك الفترة من فترات الثورة التي تحول فيها النزاع بين الأفكار العامة إلى صراع بين القوى الحضارية. وكان معظم تلاميذ المدارس والبعثات الأولى من المسيحيين الأتراك أو المشرقيين. إلا أن العنصر المصري ازداد فيما بعد، وكان هو العنصر الذي تألفت منه الطبقة المثقفة الأولى لمصر الحديثة، هذه الطبقة التي أخذت، منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، تلعب دورًا في شؤون البلاد. فكان أعضاؤها يترجمون وينشرون، إلى جانب الكتب التقنية الصرف، كتبًا أخرى. وكانوا يتعاونون تعاونًا وثيقًا مع أتباع سان سيمون في إعادة تنظيم المدارس (٢٩). وقد تخرج من بين صفوفهم أول المفكرين السياسيين العظام في مصر الحديثة، أعني به رفعت الطهطاوي.
أما المسلمون العرب في سوريا، فكان وصول المعرفة والآراء الجديدة إليهم أكثر بطءً. ومع أن العائلات الكبيرة في المدن كانت
стр. 74
تلعب دورها في السياسات المحلية، فإنها لم تكن تشترك مباشرة في حكم الإمبراطورية، ككل، إلا نادرًا. وهي لم تبدأ بتوظيف أبنائها في الإدارة المدنية عن طريق التخرج من المدارس المهنية إلا في آخر القرن التاسع عشر. وكانت علاقاتها في مطلع القرن مقتصرة على الهيئات الدينية التي كانت لا تزال مغلقة في وجه أفكار الإصلاح، إن لم نقل معادية لها. كما أنها لم تشعر، كما شعرت الطبقة المماثلة لها في مصر، بالهزة الفكرية والاجتماعية التي أحدثها الاحتلال الأوروبي. لقد حاول نابوليون أن يحتل سوريا، إلا أنه أخفق. ولو قدر له النجاح في محاولته هذه، فليس من الأكيد أنه كان يحاول تطبيق السياسة التي حاول تطبيقها في مصر، أي الاعتماد على أعيان الدين كممثلين للرأي الوطني. ففي البيان الذي وجهه إلى أهالي البلد، لم يخاطب الشعب «العربي» أو «السوري»، بل أكد مرة أخرى أنه إنما ينوي طرد المماليك (وبالمماليك كان يعني الطغمة العسكرية التي أنشأها الجزار حاكم صيدا)، واعدًا بأنه لن يلحق الضرر بالشعب أو بدينه. وهو لم يخاطب «الأمة» كما خاطب الأمة المصرية، بل خاطب فقط «سكان أقضية غزة والرملة ويافا» (٣٠).
أما سكان سوريا المسيحيون، فقد كانوا متأثرين ببعض نواحي الفكر الأوروبي. فمنذ القرن السادس عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية قد أقامت أولى علاقاتها النظامية بالطوائف المسيحية الشرقية. وكان المرسلون اليسوعيون وغيرهم يرسلون إلى الشرق الأدنى، لا لضم الكنائس المنشقة إلى الحظيرة الرومانية وحسب، بل لإصلاح العقيدة والنظام لدى الموارنة وأمثالهم من العناصر التي كانت تعترف بسلطة روما. وقد عقد الموارنة اتفاقية كنسية (كونكوردا) مع روما في ١٧٣٦. ومنذ ذلك الحين أقيمت معهم علاقات نظامية، كانت تضمن لهم سلطتهم الكهنوتية وطقوسهم وحقهم الكنسي وعاداتهم، كما كانت تحافظ على استقامتهم العقائدية واعترافهم
стр. 75
بسلطة البابا. وكان من نتيجة عمل الإرساليات أن نشأت، تدريجًا، طوائف متحدة مع روما من داخل الكنائس الشرقية الأخرى، كالأرثوذكسية الأرمنية والقبطية والسريانية الأرثوذكسية والنسطورية. وقد برزت هذه الطوائف، بعد صراع على السلطة في البطريركيات والمطرانيات في أوائل القرن الثامن عشر، كنائس مستقلة عمليًا، يرأس كلا منها بطريرك، مع أنها لم تحصل على اعتراف مدني من الحكومة العثمانية حتى القرن التاسع عشر.
وبفضل الإرساليات وحماية فرنسا، نشأت شبكة من المدارس الكاثوليكية في كل مكان تقطنه طوائف كاثوليكية أو قابلة لأن تصبح كاثوليكية، وبنوع خاص في لبنان وحلب. وفي قلب الكنيسة الكاثوليكية في روما تأسس عدد من المعاهد لتنشئة اكليروس كاثوليكي مثقف ومستقيم العقيدة، كالمعهد الماروني والمعهد اليوناني ومعهد جمعية نشر الإيمان.
وقد برز من الطوائف المسيحية التي أنشأتها أو عززتها الإرساليات فريق من المثقفين، وعوا عالم أوروبا الجديدة بل اعتبروا أنفسهم، بمعنى من المعاني، جزءًا منه. وقد كان الإكليروس في أواخر القرن السادس عشر مثقفًا، خصوصًا بين الموارنة والروم الكاثوليك، ذا حياة ونظام مثاليين، ذا معرفة باللغتين اللاتينية والإيطالية وبالثقافة التي كانتا مفتاحًا لها. كما كان أفراد هذا الإكليروس على معرفة أعمق من ذي قبل بلغاتهم الشرقية وآثارهم وتاريخ طوائفهم وعاداتها. وكان بعضهم، كالعلماء المشهورين من عائلة السمعاني في روما، وكالكهنة الموارنة الذين كانوا يدرسون اللغة العربية في السربون، قد أسهم إسهامًا كبيرًا في تعريف أوروبا بالشرق الأدنى. كما قام بعضهم بتوسيع آفاق طوائفهم بترجمة مؤلفات اللاهوت الكاثوليكي الغربي أو باقتباسها. فقد ترجمت «الخلاصة اللاهوتية» للقديس توما الأكويني بكاملها في مطلع القرن الثامن عشر.
стр. 76
وقامت أيضًا، بتأثير من المعاهد والإرساليات، في أواخر القرن السابع عشر، أديرة تتبع قواعد الترهب الغربي، وبنوع خاص في لبنان، في أودية تلك الجبال الحرة والمنعزلة، وتحت حماية العائلات الكبرى، درزية كانت كآل جنبلاط، أم مارونية كآل الخازن. ثم غدت هذه الأديرة نفسها مركزًا للعلم والتربية، إذ نشأت تحت جناحها معاهد للرهبان محلية ومدارس قروية. وكانت هذه المدارس تعلم الإكليريكيين والمدنيين على حد سواء. وهكذا نشأت، مع الزمن، طبقة من المدنيين المثقفين وجدوا مجالًا لمواهبهم في دواوين الحكام المحليين. ففي القرن السابع عشر، كان أمير الجبل، فخر الدين، قد أخذ يستخدم كهنة موارنة في مراسلاته الدقيقة مع بلاطات أوروبا، كما أخذ، فيما بعد، الحكام الأتراك على الشاطئ السوري، كحكام طرابلس وصيدا، يستخدمون في دوائرهم المالية مسيحيين على معرفة جيدة باللغة العربية. وقبل نهاية القرن الثامن عشر، كان المسيحيون السوريون قد تسلموا إدارة الجمارك في مصر، فاستعان بهم محمد علي، عندما خلف المماليك، في رقابته المالية وفي علاقاته مع حكام سوريا المحليين.
كان المدنيون المثقفون علماء وموظفين معًا. ففي أوائل القرن الثامن عشر، نهض عدد من المسيحيين في حلب للتعمق في علوم اللغة العربية على يد الفئة الوحيدة التي كانت تملك ناصيتها يومذاك. أعني مشايخ الدين الإسلامي. وقد كتب بعضهم الشعر والنثر الصحيحين بشغف، ومنهم امتدت شعلة الأدب العربي إلى لبنان. وكان الذين يرغبون في التوظف يدرسون اللغة العربية بحماس كجزء من إعدادهم المهني، وكانوا ينقلون إلى أولادهم ما قد تعلموه. وهكذا نشأت أسر بكاملها من رجال الأدب. وقد خرج من هذه الأسر، كآل اليازجي والشدياق والبستاني، مؤسسو نهضة العرب الأدبية في أوائل القرن التاسع عشر.
في القرن الثامن عشر، كانت طبيعة التجارة بين الشرق الأدنى
стр. 77
وأوروبا آخذة في التغير. فجاليات التجار الأوروبية في المدن العثمانية كانت على تقهقر، أولًا لصعوبة التجارة في المناطق غير الآمنة، وثانيًا لقدرتها على تحقيق أرباحًا أوفر في بلدان أخرى. وهكذا أخذت التجارة تنتقل إلى أيدي المسيحيين واليهود الشرقيين بفضل الحماية القنصلية لهم، كما بفضل معرفتهم اللغات والأساليب التجارية الأوروبية. فتمكن المسيحيون واليهود الناطقون بالضاد، في دمشق وحلب ومدن الساحل، من أن يبنوا، على غرار اليونان والأرمن، شبكة تجارية تربط مدنهم بمدن الإسكندرية وليفورنو وتريستا ومرسيليا. فنشأ عن ذلك فئة جديدة على معرفة مباشرة بالحياة الأوروبية، كانت أول فئة في الشرق الأدنى أتقنت الأساليب الحديثة للتجارة والشؤون المالية.
كانت الثقافة الغربية التي اقتبستها هذه الفئات، فئات الكهنة والتجار والكتاب، ثقافة لاهوتية، على الأخص. لقد وقفوا على آداب اللاهوت الكاثوليكي وعباداته وكانوا يطالعونها؛ لكن لا يبدو أن آداب أوروبا الرفيعة وأفكارها السياسية قد استرعت اهتمامهم قبل انقضاء شطر كبير من القرن التاسع عشر، بينما أحدث اهتمامهم الجديد باللغة العربية تأثيرًا عميقًا في حياتهم الفكرية. فأدى ذلك، قبل كل شيء، إلى إثارة وعيهم التاريخي، مما دفع بعض الكهنة المثقفين إلى دراسة آثار العرب، بالإضافة إلى دراسة تاريخ الكنائس الشرقية، وحمل غيرهم من الكهنة ومن المدنيين على الاهتمام بالتاريخ المدني أيضًا. فقامت في لبنان مدرسة من المؤرخين، كان محور عنايتها التاريخ الخاص بالجبل: نشوء طائفتيه الدينيتين، الموارنة في الشمال، والدروز في الجنوب، وترعرع الإمارة، وقيام جهاز من الأسر النبيلة تنتمي إلى الطائفتين معًا، وتطور الاستقلال العملي عن سلطة المماليك ثم عن سلطة الأتراك في البلدان المجاورة وكيفية المحافظة عليه.
كان أول مؤرخ جدير بالذكر من هذه المدرسة البطريرك
стр. 78
الماروني اسطفانوس الدويهي (١٦٠٣ - ١٧٠٤) الذي درس في المعهد الماروني في روما، وتعلم اللاتينية والإيطالية، كما تعلم العربية والسريانية، واعتمد وليم الصوري كما اعتمد المسعودي. وقد جاء مؤلفه الرئيسي، «تاريخ الأزمنة»، في شكله، تاريخًا للكنيسة المارونية وللموارنة وبطاركتهم ورؤسائهم المدنيين، ولصراعهم ضد الهرطقة اليعقوبية، ولتدخل الحكام المسلمين. إلا أنه، في جزئه الأخير، كان تاريخًا لنشوء لبنان كوحدة جغرافية وترعرع حكمه الذاتي ووحدته. وتابع كتابة التاريخ المحلي، التي شق الدويهي طريقها، سلسلة من المؤرخين من كهنة وعلمانيين، بلغت أوجها في كتابين شاملين، يختصران تاريخ لبنان السياسي، وينطويان على عقيدة في ما هو لبنان. أولهما للأمير حيدر الشهابي (١٧٦١ - ١٨٣٥) الذي كتب تاريخًا للبلاد جاء بالحقيقة تاريخًا للعائلة الشهابية. وقد عاونه في ذلك عدد من المؤرخين، أحدهم طنوس الشدياق (١٧٩٤ - ١٨٦١). وثانيهما لهذا الأخير نفسه، وهو تاريخ للأسر المارونية والدرزية والمسلمة البارزة في لبنان. وقد بدا لبنان فيه وكأنه جهاز هرمي من الأسر، تغلبت فيه المحالفات العائلية والمصلحة العامة على الفوارق الدينية للحؤول دون مدخلات العثمانيين (٣١).
لم يكن حيدر الشهابي غافلًا عن تاريخ أوروبا. فهو، بالعكس، يقطع روايته المحلية ليصف الثورة الفرنسية واحتلال بونابرت لمصر. وكانت الثورة، في نظره، كما كانت في نظر المؤرخين الأتراك في زمانه، عملًا هدامًا قبل كل شيء، إذ كانت عصيانًا على سلطة الملك الشرعية. إلا أننا نلمس لديه بعض الإحساس بالعقائد الإيجابية الكامنة وراء الثورة، ذلك الإحساس الذي دخل لبنان مع التجار اللبنانيين الذين كان لهم اتصال بالجيش الفرنسي في مصر، أو ممن تعاطوا أعمال الترجمة. كذلك نجد، لدى كاتب من الجيل اللاحق، سجلًا لفكر عصامي تنبه للأفكار العلمية والنظريات التي انبثقت عن عصر التنور الفرنسي. هذا الكاتب هو مخايل مشاقة
стр. 79
(١٨٠٠ - ١٨٨٨) الذي ولد من أصل يوناني في قرية لبنانية وتربى في مدينة دير القمر الجبلية الصغيرة. كانت عائلته على شيء من الثقافة، إذ كان أبوه مدرسًا للعلوم. إلا أنه تثقف خصوصًا على نفسه، مدفوعًا إلى ذلك بملكه حب الاستطلاع الذي استفاق لديه في وقت باكر من عمره وأطلق فكره بعيدًا إلى ما وراء حدود قريته. وهو يروي بشكل طريف كيف اهتدى، عن طريق خال له من مصر، إلى الرياضيات والعلوم الطبيعية، حين لم يكن في دير القمر أحد يعرف من علم الحساب أكثر من عملية الجمع (٣٢).
كان محمد علي، ككل حكام مصر الأقوياء، يريد على حدوده الشرقية نظام حكم مؤيد أو مطيع له. وقد تمكن من بلوغ مأربه هذا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. فبعد أن أنشأ جيشًا من القوة بحيث يقدر على قمع أي مقاومة من مولاه السلطان، وعلى تعزيز نفوذه في وجه حكام سوريا المحليين، بعث بجنوده في ١٨٣١ إلى سوريا، فاحتلها دون صعوبة تذكر. وحكم ابنه إبراهيم باشا سوريا طيلة عشر سنوات تقريبًا. وهنا، كما في مصر، سجل عهد محمد على مرحلة جديدة من مراحل التعرف إلى أوروبا. فغدت البلاد أكثر ترحيبًا بالأوروبيين من المسافرين والمستوطنين والتجار والمرسلين والمراقبين المستطلعين. وقد وضعت البلاد، لمدة عشر سنوات، تحت إدارة من نوع جديد، قائم على المبادئ التي بثتها حكومة فرنسا الثورية: المركزية، وجيش مدرب ومنضبط، والاستثمار العلمي للموارد الطبيعية، والمساواة بين أتباع جميع الأديان. ويبدو أن محمد علي أصر فعلًا على المساواة بين المسيحيين والمسلمين في سوريا أكثر مما فعل في مصر، فجلسوا جنبًا إلى جنب في المجالس المحلية التي أقامها، واستخدم جنودًا مسيحيين من لبنان لإخماد الثورات الدرزية والنصيرية. وكان لإبراهيم مستشاران رئيسيان هما المثري المسيحي حنا البحري، وأمير لبنان بشير الشهابي. وكانت معتقدات هذا الأخير غامضة، لكنه اعتمد على مؤازرة الموارنة ومات كاثوليكيًا.
стр. 80
ومن غرابة الأقدار أن يكون الطابع العصري لحكم محمد علي هو ما أثار عليه، في آخر الأمر، نقمة السوريين، وأن يتجلى ذلك الحس الحديد بالمساواة الدينية الذي حاول خلقه في تحالف الطوائف الدينية ضده. فقد حاول إبراهيم باشا، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أن يدخل إلى لبنان وإلى الأقضية الجبلية الأخرى المبادئ الحديثة في فرض الضرائب وجبايتها، وأن يجرد الأهالي من السلاح، وأن يفرض التجنيد العام، فكان الاستياء العام ثمرة ذلك. وفي الوقت نفسه، كان إبراهيم باشا، بعد أن دحر العثمانيين في نزيب، قد زحف بجيشه على آسيا الصغرى، فاعتبرت جميع الدول الأوروبية، عدا فرنسا، هذا الانتصار تهديدًا لوجود الإمبراطورية، وبالتالي لمصالحها هي أيضًا. فقام تحالف فيما بينها لإرغام محمد علي على سحب جيوشه، ليس من آسيا الصغرى فحسب، بل من سوريا أيضًا. وكانت أحد تدابير الضغط عليه إمداد العناصر المستاءة في لبنان بالسلاح والمعونات الأخرى. فقامت ضده وضد الأمير بشير، الذي ظل مواليًا له، ثورة تتكشف وثائقها عن اتجاه جديد، هو التعاون بين فئات من مختلف الأديان للدفاع عن المصالح الناجمة عن العيش في وطن مشترك. ففي ١٨٤٠ اجتمع زعماء الطوائف المختلفة في كنيسة مار إلياس في انطلياس، قرب بيروت، وأقسموا اليمين على العمل معًا بأمانة لمقاومة المحاولة التي كان يقوم بها الأمير بشير والمصريون لفرض نزع السلاح والتجنيد العام، فوقعوا وثيقة هذا نصها «إنه يوم تاريخه، حضرنا إلى مار إلياس انطلياس، نحن المذكورة أسماؤنا به بوجه العموم من دروز ونصارى ومتاولة وإسلام المعروفين بجبل لبنان من كافة القرى وقسمنا اليمين على مذبح القديس المرقوم بأننا لا نخون ولا نطابق بضر أحد منا كائنًا من يكون. القول واحد والرأي واحد» (٣٣).
لعب الأوروبيون دورًا كبيرًا في إعداد هذه الثورة وتنظيمها. فقد كان في لبنان عملاء بريطانيون، نخص بالذكر منهم ريتشارد وود
стр. 81
الموظف الشاب في السفارة البريطانية في القسطنطينية، والمتعمق في لغات الشرق الأدنى وسياساته. كان هذا الشاب قد قام بمهمة دقيقة في كردستان، ثم أرسل إلى لبنان للاتصال بالمستعدين لمقاومة الحكم المصري. وعاش فيه سنتين بحجة تعلم اللغة العربية. وكان هناك أيضًا في الوقت نفسه واحد أو اثنان من الفرنسيين الذين كانوا، على الرغم من سياسة دولتهم العامة، يناهضون إبراهيم باشا ويدعمون هذه الحركة. ويظهر تأثير أمثال هؤلاء الرجال في النداء الذي وجهه الثوار إلى مواطنيهم، والذي يقفز بنا قفزًا إلى العالم الحديث، عالم الحركات الشعبية والروح القومية. وهذا نصه:
«أيها المواطنون الأعزاء!
«في علم جميعكم المظالم التي أنزلتها الحكومة المصرية بنا والضرائب الباهظة والمعاناة وضروب الاستعباد التي رزحت تحتها سوريا بأسرها، وقد جرت الخراب على كثير من العيال. على أن سكان لبنان، رغمًا عما هم فيه من الأنفة وروح الاستقلال، احتملوا بصبر مظالم السلطة الجائرة مراعاة لخاطر الأمير بشير الشهابي، على أمل أن يضمن لهم صبرهم هذا حفظ شرفهم وحريتهم وكيانهم.
«وإذا كنا لم نلجأ قبل الآن إلى السلاح للتخلص من السلطة الجائرة، فلأننا كنا نبني كل آمالنا على أن توسط أميرنا الأمير بشير الصادر عن أريحية ووطنية يخفف من شقائنا. إنما لسوء الحظ هذه الحكومة المستمرة على غيها وظلمها لم تحفظ جميلًا لأميرنا على ما أدى لها من الخدم ...
«ولنكن على يقين تام أن الندامة المتأخرة لا تنقذنا إذا لا سمح الله افترقنا أو ترددنا لحظة طرف عن توحيد قوانا لاستعادة حريتنا.
«ولكي نسلك بحزم ... مطبقين عملنا على الحكمة والرزانة الجديرتين بشعب حر مثلنا، يجب أن نعقد اجتماعات من الرجال المعروفين بعلو المنزلة وسمو المدارك، ويكون قوام هذه الجمعية
стр. 82
خمسة رؤساء ينتخبون بأكثرية الأصوات في كل إقطاعه، ويعقدون كلهم أو بعضهم مجلسًا في مكان مناسب للاتفاق على وضع إدارة منظمة ... ويقتضي أن تكون روابط أعضاء هذا المجلس مع بعضهم متواصلة ليتسنى لنا اتخاذ التدابير العاجلة لحماية مواطنينا المحدق بهم الخطر وإنقاذًا لأنفسنا من العبودية والظلم وإخفاقًا لجميع مؤامرات وحيل سلطة مكروهة تقصر عن تفريقنا عن بعضنا. وقد سبق لليونان أن كانوا أحسن قدوة لنا فحصلوا على حريتهم وكان الله معينهم» (٣٤).
بالرغم من ذكر اليونان، لم يكن في هذا البيان دعوة إلى الاستقلال. فالثورة قامت بمساعدة الدول الكبرى التي كانت سياستها ترمي إلى إعادة نفوذ السلطان العثماني إلى سوريا. كما أن الثوار صرحوا عن طاعتهم وخضوعهم للسلطان عن طيبة خاطر (٣٥). إلا أن البيان نفسه كان ينطوي ضمنًا على فكرة الحرية، والذين أصدروه كانوا على علم من أين أتتهم هذه الفكرة. إذ أنهم وجهوا، في الوقت نفسه، نداء إلى السفير الفرنسي يطلبون منه أن يتخلى عن دعمه لمحمد علي يساعدهم على الانعتاق من جوره بقولهم: «إن فرنسا، الأمة العظيمة، المشهورة بكرم أخلاقها، الناشرة في كل مكان أعلام الحرية، المريقة الدماء في مدى قرون طويلة لتأييدها في حكومتها، تأبى علينا اليوم مدنا بنفوذها الفعال للتمتع بمثل هذه النعمة! » (٣٦).
وقد أسفر الأمر عن انسحاب إبراهيم باشا وجيشه إلى مصر، وعودة الحكم العثماني، وخلع الأمير بشير واستبداله بعضو ضعيف من عائلته. وبعد ذلك بقليل، خلع الأتراك الأمير الجديد، وأزالوا الإمارة، وقسموا لبنان إلى قائمقاميتين يحكم إحداها ماروني والأخرى درزي. ثم تبع ذلك أزمة استمرت عشرين عامًا، أضاف فيها تزايد النفوذ الأوروبي وانتشار الأفكار الغربية بعدًا جديدًا على أبعاد النزعات المحلية. فقد أدى زوال إطار الوحدة السياسية، والتدخل
стр. 83
البريطاني والفرنسي، ومحاولات الحكومة التركية فرض حكم مباشر على لبنان. بالإضافة إلى التدابير التي كان قد اتخذها الأمير بشير أثناء حكمه لإضعاف شوكة أعيان الدروز، إلى خلق توتر بين الطوائف لم يسبق له مثيل من قبل. إلا أن ذلك التوتر الطائفي كان ينطوي أيضًا على شيء آخر، حمل في طياته بذور تململ اجتماعي وفكري. ذلك أن التوازن الاجتماعي بين الدروز والموارنة كان على تحول، كما كان التوازن الداخلي في قلب الطائفة المارونية نفسها على تحول أيضًا. فقد رأت عائلات الجبل الإقطاعية أن سلطتها المحلية أخذت تنهار شيئًا فشيئًا بفعل تحديين: تحدي الإكليروس الذي كان يستعمل أحيانًا نفوذه المتزايد لدعم الفلاحين في نزاعهم مع أسيادهم؛ وتحدي تجار المرفأ الأوروبيين والشرقيين معًا الذين كانوا يستوردون البضائع المصنوعة ويصدرون الحرير ويستولون تدريجًا على وظائف الملاكين الاقتصادية. ثم إن الطبقة المسيحية المثقفة كانت تتكاثر بسرعة. فالإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية كانت في أيام المصريين تعمل بحرية أوسع من قبل، فتنشئ المدارس على نطاق أوسع وعلى مستوى أرفع، وتؤلف كتبًا مدرسية وتترجمها وتطبعها على مطابعها. فخرجت من المدارس طبقة جديدة من المثقفين اتقنت إلى جانب اللغة العربية لغة أو أكثر من اللغات الأوروبية، واطلعت، بقصد من أساتذتهم أم بغير قصد، على أفكار القرن التاسع عشر.
كان، إذن، لهذا التوتر وللأزمة التي أدى إليها وجهان: كفاح الدروز للاحتفاظ بسيطرتهم التقليدية، وكفاح أعيان الموارنة ضد قوى التغير. وكان قد سبق النزاع الديني في ١٨٦٠ نزاع اجتماعي. ففي ١٨٥٨، ثار فلاحو قضاء كسروان الماروني الصرف ضد أسيادهم من عائلة آل الخازن، فطردوهم، في أوائل ١٨٥٩، بقيادة البطل القروي طنوس شاهين، وأقاموا «حكومة جمهورية» بنظام بدائي للتمثيل الشعبي (٣٧). ثم نشبت الحرب بين الموارنة والدروز في ١٨٦٠، فأدت إلى انتصار الدروز،
стр. 84
وتذبيح المسيحيين في دمشق. إذ ذاك تدخلت الدول الكبرى، فرنسا بجيشها، والدول الأخرى بدبلوماسيتها. وبعد مناقشات جرت في بيروت والقسطنطينية، وضع نظام أساسي للبنان، أنهى النزاع الاجتماعي والديني معًا، إذ تم الاتفاق على أن يحكم لبنان متصرف مسيحي يعينه الباب العالي، على أن تعاونه مجالس مركزية ومحلية تمثل مختلف الطوائف وتنتخب انتخابًا بعد التشاور، وعلى أن تتمثل فيها الطوائف بالتساوي، وعلى أن يكون جميع الأفراد متساوين أمام القانون، وعلى أن تلغي جميع الامتيازات «الإقطاعية» (٣٨).
أما في الغرب، فكانت ولاية تونس تابعة للسلطان منذ القرن السادس عشر، إلا أنها سرعان ما أصبحت مستقلة فعلًا، تدفع الجزية، لكنها تدير بنفسها شؤونها الخاصة، وإلى حد بعيد، علاقاتها الخارجية. وقد مارس السلطة، منذ القرن السابع عشر، فريق عسكري محلي، ومنذ القرن الثامن عشر، عائلة آل الحسيني، التي انبثقت من هذا الفريق وشغلت منصب الباي. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، واجه الباي انحطاطًا في النظام والأمن واتساعًا في النفوذ التجاري الأوروبي، فسارع إلى استعادة سلطته بإنشاء جيش حديث، وبتغيير أساليب الإدارة، وبتشجيع التجار الأجانب على الإقامة في البلاد لتأمين المال الضروري للجيش وللإدارة. وقد نجم عن ذلك مشاكل جديدة، إذ أفسحت مصالح الأجانب والمرابين المتزايدة مجالًا لتدخل الدول، وأصبح ضباط الجيش الحديث حملة أفكار سياسية جديدة. فقام محمد باي، لإزالة الشكاوى المشروعة الصادرة عن الجماعات الأجنبية، ولاجتذاب تأييد أصحاب الأفكار الجديدة، ولتثبيت جذور الولاء للحكم لدى جميع فئات الشعب، بإعلان إصلاح من عنده على غرار الإصلاح التركي، دبج مبادئه في «عهد الأمان» الصادر في ١٨٥٧. وقد بدأ هذا الإعلان بالإشارة إلى المصلحة العامة كمبدأ من مبادئ تفسير الشرع: «الحمد لله ... الذي جعل العدل لحفظ نظام العالم كفيلًا، ونزل
стр. 85
الأحكام على قدر المصالح تنزيلًا» (٣٩). ثم يمضي في شرح القواعد التي عليها تنهض المصلحة العامة: أولًا الحرية، إذ أن الإنسان لا يستطيع بلوغ الفلاح إلا إذا كانت الحرية مضمونة له وكان العدل سياجًا له ضد العدوان. وثانيًا، الأمان التام. وثالثًا، وهذا متضمن في النقطة الثانية، المساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القانون، لأن هذا الحق إنما هو ملك لجميع الناس. ويجب أيضًا أن يكون للأجانب حقوق التونسيين، وأن يمارسوا الأعمال التجارية على أنواعها، وأن يكون لهم حق التملك. وبعد ثلاث سنوات من ذلك. أي في ١٧٦٠، صدر «القانون السياسي»، وهو نوع من الدستور، فكان أول دستور يصدره بلد مسلم في العصر الحديث. وليس من الواضح من كان وراء فكرة الدستور تلك. أيكون ريتشارد وود، القنصل البريطاني العام الذي تعرفنا إليه في بدء حياته في بلد آخر، هو الذي أوحى بها؟ لكن تونس، من جهة أخرى، لم تكن بعيدة عن إيطاليا. كذلك كان في بلاط الباي منفيون سياسيون إيطاليون، فضلًا عن موظفين تونسيين ممن أتقنوا اللغة الفرنسية وقاموا بزيارة فرنسا. فليس من الصعب، إذن، تعيين المصادر التي انبعثت عنها فكرة الدستور. إلا أن هذا الدستور كان، على كل حال، وثيقة متحفظة، تقبل بمبدأ التمثيل، لكن في نطاق حدود معينة، وتترك السلطة التنفيذية في يد الحاكم. نعم، لقد نصت أيضًا على أن يقسم الحاكم أنه لن يقوم بأي عمل مخالف «لعهد الأمان». وأنه مسؤول عن أفعاله أمام المجلس الأعلى؛ لكن كان من المقرر أيضًا أن يضم هذا المجلس وزراء أو موظفين بمعدل ثلث أعضائه، وأن يعين الباي فيه الثلثين الآخرين في بادئ الأمر، ثم يصار إلى ضم أعضاء جدد في فترات دورية.
لم يعمر اختبار الحكم الدستوري طويلًا، بل انهار بعد بضع سنوات، بسبب أزمة مالية، وهيجان بين القبائل، وضغط إنكلترا وفرنسا وتنافسهما، ورغبة الباي في الاحتفاظ بسلطته اللامقيدة.
стр. 86
إلا أن هذه الحقبة تركت وراءها أثرًا. فقد ساعدت على خلق وعي سياسي جديد في تونس، وعلى إبراز فئة من رجال الدولة المصلحين والموظفين والكتاب الذين قدر لهم أن يلعبوا دورًا ضخمًا في مجابهة الصعوبات، حتى مجيء الاحتلال الفرنسي الذي بعثرهم في ١٨٨١ (٤١). وقد نهلت هذه الفئة من معينين: الأول، مسجد الزيتونة، مركز التعليم الإسلامي التقليدي حيث كان تأثير الأستاذ محمد عبده ملموسًا؛ والثاني، المدرسة الجديدة للعلوم العسكرية التي أنشأها أحمد باي بمديرها الطلياني وأساتذتها البريطانيين والفرنسيين والطليان، والتي كان الشيخ محمد عبده نفسه أستاذًا للغة العربية والعلوم الدينية فيها (٤٢).
كان لخريجي هاتين المدرستين مكانتهم: فكان لهم نفوذ في الجيش، كما كان لهم نفوذ كوزراء وكأساتذة رسميين. وكان خير الدين، المشرف الأول على المدرسة العسكرية، زعيمهم المطاع. وهو من أصل مملوكي بدأ حياته في خدمة الباي، ثم أصبح فيما بعد، وفي فترة دقيقة، رئيسًا للوزراء، ومؤلفًا لكتاب سنعود إليه فيما بعد.
стр. 87
الفصل الرابع
الجيل الأول (الطهطاوي- خيرالدين- البستاني)
في ١٨٦٠ كانت قد نشأت نخبة من الموظفين والضباط والأساتذة ممن أدركوا إدراكًا حادًا أهمية إصلاح الإمبراطورية واقتنعوا بأن هذا الإصلاح لن يتم إلا بتبني بعض صيغ المجتمع الأوروبي على الأقل. لم يكن بين هؤلاء، في إسطنبول آنذاك، سوى بعض العرب. بيد أن تأثير بيانات الإصلاح العظمى والقوانين التي نجمت عنها كان قد عم جميع أنحاء الإمبراطورية، كما أنه كان بين الموظفين العثمانيين من هذه المدرسة الفكرية نفر شغلوا مناصب في الولايات العربية وغيرها. ففي مصر، احتل بعض المناصب رجال على شيء من التربية الفرنسية، منهم إسماعيل باشا الذي تسنم العرش في ١٨٦١. وفي تونس، كان خير الدين، زعيم دعاة إصلاح الشباب، آخذًا في احتلال مكانة مرموقة في شؤون الدولة. أما طلاب مدارس الإرساليات المسيحية في لبنان وسوريا، فلم يكن بوسعهم، بعد، الاشتراك المباشر في حكم بلاد كانت لا تزال تعتبر دولة إسلامية. إلا أنه كان لهم بعض التأثير المباشر، كتراجمة في الحكومات المحلية والقنصليات الأجنبية، كما أنه قيض لهم، في ستينيات القرن التاسع عشر، أن يكتسبوا، بوصفهم أول صحفيي العالم العربي، قوة جديدة. كانت فكرة الإصلاح قد غرست جذورها بين جميع هذه الفئات التي تعرضت بشكل أو آخر لرياح التغير، فنمت هذه الفكرة وتجسدت، في الستينيات، في حركة فكرية انكبت، قبل كل شيء، على معالجة
стр. 88
مشاكل الشرق الأدنى الخاصة. إلا أنها أثارت استطرادًا، مرة أخرى، المسائل العامة في التفكير السياسي: ما هو المجتمع الفاضل؟ وما هي القاعدة التي يجب أن تهيمن على عملية الإصلاح؟ وهل من الممكن استنباط هذه القاعدة من مبادئ الشريعة الإسلامية، أم أنه من الضروري الالتجاء إلى تعاليم أوروبا الحديثة وسلوكها؟ وهل هناك، بالواقع، تناقض بين الاثنين؟ وأخذت هذه الأسئلة تبرز في عقول بعض كتاب ذلك العصر الذين، وإن كانوا قد التزموا نوعًا ما بحركة الإصلاح، إلا أنهم كانوا، بالوقت نفسه، من أنصار التراث الإسلامي الراغبين في أن يثبتوا أن الإصلاح الحديث إنما تجيزه تعاليم الإسلام الاجتماعية، لا بل تستوجبه.
تناول هذه المواضيع في إسطنبول كتاب النصف الأول من القرن التاسع عشر، أمثال صادق رفعت باشا. لكنها لم تعالج معالجة وافية إلا على يد جيل فتي من الكتاب، احتل مكانة مرموقة في العقد السادس من ذلك القرن، أمثال شيناري، وضياء باشا، ونامق كمال، الذين اطلعوا على أدب أوروبا ووقفوا على أفكارها وأعجبوا بقوتها ورقيها. غير أنهم لم يكونوا بعد، بملء قلوبهم، من دعاة الحضارة الغربية. نعم، لقد شعروا بانتمائهم إلى مجتمع عثماني يضم أيضًا فئات غير تركية وغير مسلمة، وودوا أن تلج الإمبراطورية باب العالم الحديث، إلا أنهم كانوا يتحسسون أيضًا بالوطن الإسلامي المتأصلة جذورهم فيه، ويقدرون خلقية الإسلام قدرًا جمًا، فحاولوا، بمفاهيم إسلامية، تبرير تبني المؤسسات الغربية، معتبرين ذلك التبني عودة إلى روح الإسلام الحقيقية، لا إدخال شيء جديد عليه. أما في الشؤون السياسية، فكانوا ديمقراطي النزعة، يعتقدون أن النظام البرلماني الحديث ليس سوى بعث لنظام الشورى الذي كان قائمًا في فجر الإسلام، وأنه الضمانة الوحيدة للحرية. وهذا ما أدى بهم إلى الاصطدام بالحكومة التي، على تأييدهم إصلاحاتها، انتقدوا طابعها الأوتوقراطي. وقد وجدوا
стр. 89
مجالًا للتعبير عن أفكارهم وانتقاداتهم في الصحف التركية التي أخذت تظهر في الإمبراطورية وفي غربي أوروبا معًا منذ ١٨٦٠. وفي منتصف الستينيات أقدموا على خطوة أشد جرأة، وهي القيام بأول محاولة لتنظيم حزب سياسي، فأسسوا، برعاية عضو من الأسرة الخديوية في مصر، مصطفى فاضل باشا وعضوية ضياء باشا، ونامق كامل، حزب «الشباب العثماني» في إسطنبول أولًا، ثم نقلوا مركزه إلى باريس. وكان للجريدة التي أنشأوها بعض التأثير، لكن الحزب انحل بعد ١٨٧١، عندما سمح لزعمائه بالعودة من المنفى.
كان «الشباب العثمانيون» ليبراليين، لكنهم كانوا أيضًا مسلمين أتراكًا يحبون وطنهم. وقد اعترى تفكير هم توتر خفي لم يكن ليظهر جليًا إلا لدى الجيل اللاحق. وفي القاهرة، نشأ فريق آخر على نهج من التفكير مماثل، امتزجت فيه الليبرالية الإسلامية العثمانية بشيء آخر، إلا أن هذا الشيء الآخر كان هنا محبة الوطن المصري. وكان أول كاتب حلل فكرة الأمة المصرية وحاول شرحها وتبريرها، استنادًا إلى اعتبارات إسلامية، رفعت بدوي رافع الطهطاوي (١٨٠١ - ١٨٧٣) (١). كان الطهطاوي من عائلة قديمة، توارثت العلوم الدينية، وأقامت في مدينة طهطا في مصر العليا، فإذا بالظروف تخرجه من العالم القديم لتزجه في العالم الجديد. فقد أدت تدابير محمد علي، القاضية بالحجز على الالتزامات، إلى تجريد عائلته من ثروتها، دون أن تتمكن من سلبها ذوقها العلمي، فذهب الطهطاوي الشاب في ١٨١٧، أسوة بأجداده، إلى الأزهر للدراسة. وهناك تابع الدراسات المعروفة في المنهاج القديم، إلا أنه ربما استشف للمرة الأولى هناك صورة العالم الجديد. فالأستاذ الذي أثر فيه أشد التأثير كان الشيخ حسن العطار، أحد علماء العصر الكبار، وأحد المصريين الذين، لعشرين سنة خلت، زاروا معهد بونابرت المصري وتعرفوا فيه إلى شيء من علوم أوروبا الجديدة. ولعل الطهطاوي قد تعلم من أستاذه العطار شيئًا عنها،
стр. 90
إلا أن فضل أستاذه هذا عليه كان أعظم وأوسع مدى. فهو الذي سعى بتعيينه إمامًا لفرقة من فرق الجيش المصري الجديد، ثم إمامًا لأول بعثة رئيسية أرسلها محمد علي للدراسة في باريس. وقد ترك كل من هذين الاختبارين أثره في نفسه. فالجيش الجديد كان نواة مصر الجديدة. وقد بقي الطهطاوي، طيلة عمره، معجبًا بالفضائل العسكرية وبمنجزات جنود محمد علي. لكن تأثير باريس فيه كان أبلغ. فالأعوام الخمسة، من ١٨٢٦ إلى ١٨٣١، التي قضاها هناك كانت أهم أعوام حياته. ومع أنه جاءها كإمام لا كطالب، فقد ألقى بنفسه في خضم الدراسة بحماس ونجاح. فاكتسب معرفة دقيقة باللغة الفرنسية وبمشاكل ترجمتها إلى العربية. وطالع كتبًا في التاريخ القديمة والفلسفة الإغريقية والميثولوجيا والجغرافيا والرياضيات والمنطق، كما قرأ سيرة نابليون وبعض الشعر الفرنسي بما في ذلك راسين، ورسائل اللورد تشسترفيلد إلى ابنه. وكان أهم من هذا كله أنه تعرف إلى شيء من الفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر باطلاعه على فولتير وكوندياك و «العقد الاجتماعي» لروسو وأهم مؤلفات مونتسكيو.
وهكذا ترك عصر التنور الفرنسي أثرًا دائمًا في تفكيره وفي التفكير المصري بواسطته. نعم، لم تكن بعض أفكار هذا العصر الرئيسية غريبة على من تربى على تراث الفكر السياسي الإسلامي، كالقول بأن الإنسان يحقق نفسه كعضو في المجتمع، وبأن المجتمع الصالح هو الذي يهيمن عليه مبدأ العدل، وبأن غاية الحكم خير المحكومين. أضف إلى ذلك أن نظرة روسو نفسها إلى المشترع، ذلك الإنسان الذي يستنبط بمهارته العقلية الشرائع الصالحة والذي يستطيع التعبير عنها برموز دينية بوسع عامة الشعب فهمها والإقرار بصحتها، لم تخل من بعض التجانس مع أفكار الفلاسفة المسلمين حول طبيعة النبي ورسالته ووظيفته. لكن هناك أيضًا أفكارًا جديدة يمكن تلمس أثرها في كتابات الطهطاوي: كالقول بأن الشعب
стр. 91
يمكنه، بل يجب عليه، أن يشترك في عملية الحكم، وبأن من الواجب تهذيبه من أجل هذه الغاية، وبأن الشرائع يجب أن تتغير بتغير الظروف، وبأن ما كان منها صالحًا في زمان أو مكان قد لا يصلح لزمان أو مكان آخر، هذا فضلًا عن فكرة الأمة التي لعله استقاها من مونتسكيو الذي ألح على أهمية الظروف الجغرافية في تكوين الشرائع، مما يستلزم القول بحقيقة الجماعة المحدودة جغرافيًا، أي المجتمع الناشئ عن العيش في مكان واحد، والذي ذهب أيضًا إلى أن قيام الدول وانهيارها يخضعان لأسباب معينة، وأن هذه الأسباب تكمن في «روح الأمة»، وأن محبة الوطن أساس الفضائل السياسية. وفي ذلك قوله: «إن محبة الوطن تؤدي إلى دماثة الأخلاق» (٢)، والعكس بالعكس. لم تكن هذه الأفكار بالنسبة للطهطاوي مجرد أفكار نظرية. إذ بينما تعرف إليها نظريًا، أوحى إليه اختباره العملي في باريس بالوجه الذي يمكن لأمته أن تنتفع به منها. وقد التقى ببعض مستشرقي ذلك العهد، كسلفستر دي ساسي، الذي، بفضله ولا شك، تنبه إلى اكتشافات علماء الآثار المصرية في العهد الأول الكبير لهذا العلم. وقد ملأت فكرة مصر القديمة ذهنه، فأضافت عنصرًا هامًا إلى تفكيره.
لم يرغب محمد علي في أن يتعرف طلابه إلى الحياة في فرنسا أكثر مما ينبغي. لكن الطهطاوي استطاع أن يقوم بمشاهدات دقيقة للعالم الحديث والقديم معًا، ويقتبس معرفة واسعة عن المؤسسات والعادات السائدة في ذلك المجتمع الأعظم والأكثر ازدهارًا في زمانه. وقد نشر، بعد عودته إلى مصر بقليل، وصفًا لإقامته في باريس بعنوان «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، اشتهر شهرة واسعة، وترجم إلى اللغة التركية. وهو ينطوي على عدة ملاحظات طريفة وصادقة عن آداب الفرنسي الحديث وعاداته. على أن إعجاب الطهطاوي بفرنسا لم يكن إعجابًا أعمى. فهو يرى أن الفرنسيين «أقرب للبخل من الكرم»، وأن «الرجال عندهم عبيد للنساء».
стр. 92
لكنه وجد فيهم الكثير مما يستحق الثناء: كالنظافة، وتربية الأولاد بعناية وعلى مدة طويلة، وحب العمل ورذل الكسل، وحب المعرفة (فهم يحبون دائمًا معرفة أصل الشيء) (٣) والمروءة والإنسانية. كما وجد أن «من طباعهم حب التغيير والتبديل في سائر الأمور الخارجية غير المهمة، وثباتهم على آرائهم في الأمور المهمة، ثم وفاؤهم بالوعد، وعدم الغدر، وقلة الخيانة».
عاد الطهطاوي إلى مصر، فعمل، لمدة، كمترجم في مدارس التخصص الجديدة. وفي ١٨٣٦ عين رئيسًا لمدرسة اللغات الجديدة، وكلف بإعداد الطلاب لدخول المدارس المهنية وبتدريب الموظفين والتراجمة. وكان في الوقت نفسه يعمل مفتشًا للمدارس وفاحصًا، وعضوًا في لجان تربوية، ورئيسًا لتحرير الجريدة الرسمية «الوقائع المصرية». لكن عمله الأهم كان في الترجمة. ففي ١٨٤١ ألحق بالمدرسة مكتب للترجمة عهدت إليه إدارته. وقد ضم هذا المكتب عددًا من التراجمة، تحت إشرافه ومراقبته. وفي هذه الفترة، استطاع أن يضع حوالي عشرين ترجمة، معظمها لكتب في الجغرافيا والتاريخ والعلوم العسكرية. أما الترجمات التي اقترحها أو أشرف عليها، فكان عددها أكبر بكثير. منها تواريخ للعالم القديم، وللقرون الوسطى، ولملوك فرنسا. ومنها سيرة بطرس الكبير، وسيرة شارل الثاني عشر الأسوجي لفولتير، وتاريخ الإمبراطور شارل الخامس لروبرتسون. ومنها أيضًا كتاب عن الفلاسفة الإغريق، وكتاب «تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم» لمونتسكيو. وتدل هذه القائمة على اتجاه اهتماماته، كما تدل على اهتمام سيده بترجمة سير حياة العظماء من الحكام والقواد الذين قد تكون سيرتهم شبيهة بسيرته أو مثلهم جديرًا بالاقتداء.
غير أن اختيار مونتسكيو كان، ولا شك، من فعل الطهطاوي نفسه. فهو يكشف، بهذا الاختيار عن مدى اهتمامه، طيلة عمره، بمسألة عظمة
стр. 93
الدول وانحطاطها وبالحل الذي كان يبتغيه لها: «فالفضيلة السياسية في الجمهورية»، حسب مونتسكيو، إنما هي «حب الوطن» (٤). وقد تميز الرومان بهذا، إلا أن محبتهم لوطنهم شابها «بعض الشعور الديني» (٥).
بوفاة محمد علي فقد الطهطاوي العطف الذي حظي به في عهده. وكان ابنه إبراهيم باشا، خلفه المختار، قد مات قبله، فخلفه حفيده عباس. فأرسل الطهطاوي، في ١٨٥٠، إلى الخرطوم ليفتح مدرسة فيها. وفي السنة التالية أقفلت مدرسة اللغات التي كان قد رأسها من قبل. واعتبر الطهطاوي أن سنواته الأربع في الخرطوم كانت سنوات نفي، صرفها في ترجمة تلماك فنلون. غير أن تبديل الحاكم أدى إلى تحول في طالعه. فبعد أن خلف سعيد عباسًا في ١٨٥٤، سمح للطهطاوي بالعودة إلى مصر، حيث عين مجددًا رئيسًا لمدرسة ألحق بها مكتب للترجمة. وعندما خلف إسماعيل سعيدًا، بقي الطهطاوي في حظوة، لا بل كان أحد أعضاء الفريق الذي خطط لنظام التربية الجديدة، كما كان عضوًا في عدة لجان. وقد وجد، بالرغم من ذلك، الوقت الكافي لمتابعة عمله العلمي. فشجع مطبعة الحكومة في بولاق على نشر الروائع العربية، بما فيها مقدمة ابن خلدون، مما يظهر أيضًا اتجاه تفكيره. كذلك استمر في إدارة مكتب الترجمة الذي أصبحت مهمته الرئيسية ترجمة مجموعة القوانين الفرنسية إلى العربية. وأصدر، منذ ١٨٧٠ حتى وفاته، مجلة لوزارة التربية وكتب فيها عددًا من المقالات المبتكرة. ووضع أيضًا عدة مؤلفات على نطاق أوسع: المجلدان الأولان من المؤلف الذي كان ينوي وضعه عن تاريخ مصر الكامل، وكتاب في التربية عنوانه «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وكتاب عام عن المجتمع المصري عنوانه «مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية».
والكتاب الأخير هو الذي يعنينا بنوع خاص، لأنه يشتمل على أكمل شرح لأفكار الطهطاوي عن الطريق التي ينبغي لمصر أن تسير
стр. 94
فيها. كان هذا الكتاب، من حيث الشكل، دراسة عن النشاط المصري الاقتصادي (المنافع العمومية): ما هي، كيف اكتسبتها مصر في الماضي، وكيف فقدتها فيما بعد، وكيف يمكنها أن تستعيدها؟ إلا أنه كان، من حيث الجوهر، أكثر من هذا، بالرغم من أن الطهطاوي قد وضع هذا الكتاب، ككل الكتب التي ألفها في هذه الفترة، لتثقيف الطلاب في المدارس الجديدة عن طريق المطالعة، أي بأسلوب خطابي تقليدي، تتخلله استطرادات وحكايات طويلة لإثبات النقاط الواردة فيه. فمنه نستطيع أن نستخلص نظرية الطهطاوي في السياسة، وفي طبيعة مصر ومصيرها. وهي نظرية جديرة بالاهتمام، لأنها توضح، بدقة، الأفكار الشائعة بين الفئة الجديدة الحاكمة في مصر والتي على أساسها أجريت الإصلاحات في عهد إسماعيل.
لم تكن أفكار الطهطاوي في المجتمع وفي الدولة مجرد عرض جديد للنظرة التقليدية، ولا مجرد انعكاس للأفكار التي تلقنها في باريس. ومع أنه يتبع إجمالًا، في إخراج هذه الأفكار، الطريقة التقليدية، مستشهدًا في إثبات كل مسألة بالنبي والصحابة، وينظر إلى السلطة السياسية نظرة التفكير الإسلامي التقليدي إليها، فقد توسع في بعض النواحي توسعًا جديدًا وهامًا.
لم تكن فكرته عن الدولة، بالرغم من مشاهد في باريس، فكرة ليبرالي القرن التاسع عشر، بل كانت الفكرة الإسلامية المأثورة. فللحاكم السلطة التنفيذية المطلقة، إلا أن ممارسته إياها يجب أن يحد منها احترامه للشريعة ولحراسها. أما الفكرة القائلة بأن الحكم يجب أن يكون في يد «الشعب»، فلم تكن، بحكم قراءاته واختباراته في باريس، غائبة عن ذهنه. لقد شاهد ثورة ١٨٣٠، ووصفها وصفًا مطولًا في كتابه عن باريس. غير أن الفكرة كانت، في نظره، لا تتلاءم مع مشاكل مصر. فقد كان يحكم بلاده أوتوقراطي مسلم. ولم يكن من أمل، والحالة هذه، في أي إصلاح
стр. 95
فعال إلا بأن يستخدم الأوتوقراطي سلطته كما يجب. ثم إنه وجد في خبرته الشخصية، بما رافق حياته من نعم ومن محن، الدليل على ما يترتب على أخلاق الحاكم ونواياه من نتائج. كان يحمل كثيرًا من عرفان الجميل لمحمد علي الذي أرسله إلى باريس وتتبع أعماله، بعد عودته منها، باهتمام شخصي لا ينكر، كما كان شديد الإعجاب بهذا الرجل الذي حرر مصر من قبضة المماليك وقادها في طريق التقدم (٦) فلقبه بالمقدوني الثاني، إذ كان محمد علي نفسه يشعر بالشبه بينه وبين الإسكندر، كما كان يقرأ حياته بلذة (٧).
وكتب الطهطاوي فيما بعد عن سعيد وإسماعيل بتعابير الممالقة التقليدية المألوفة، إلا أنه كان فيها على شيء من التحفظ. أما موقفه من عباس، فكان غير ودي بطبيعة الحال. وقد لا يكون مجرد جمال لغة «فنلون» أو طرافة قصته، هو ما حمله على صرف أعوام منفاه في ترجمة «تلماك». فالكتاب الذي وضعه فنلون لتثقيف تلميذه الدوق دي بورغون تثقيفًا خلقيًا، ينطوي على نقد لطغيان لويس الرابع عشر الجامح، وعلى درس خلقي للأوتوقراطيين يمكن بسهولة تطبيقه على عباس. كما كان تذكيره بسعادة مصر وجمالها على عهد ساسوتريس من شأنه أن يستهوي، بطبيعة الحال، من كان يحمل لوطنه المحبة التي كان يحملها الطهطاوي لمصر، لكنه كان من شأنه أيضًا تذكير عباس بما كانت عليه مصر في عهد سلفه، «هذه الأرض الخصبة، الشبيهة بجنة عذبة تسقيها أقنية لا تحصي ... هذه المدن المترفة ... هذه الأراضي التي كان يكسوها كل سنة وبدون انقطاع حصاد مذهب. هذه الحقول المليئة قطعانًا ... هؤلاء الرعيان الذين كانت جميع أصداء الأمكنة المجاورة تردد الأنغام العذبة المنطلقة من نايهم ... سعيد ... هو الشعب الذي يقوده ملاك حكيم! .. أحبوا شعوبكم كأولادكم. إن الملوك الذين لا يهمهم سوى أن يرهبهم الناس، فيستعبدون رعاياهم لجعلها أكثر خضوعًا. إنما هم وباء الجنس البشري، يرهبهم الناس ولا ريب، إلا أنهم
стр. 96
يكرهونهم ويمقتونهم» (٨).
وقد نجد في تحذيره، حتى الحكام الصالحين، من اختيار المستشارين الفاسدين والممالقين الذين لا يتورعون عن الخيانة، ومن حجب الثقة عن «الحكماء والأفاضل الذين إنما بفضيلتهم يرهبون» (٩)، صدى لمؤامرة شخصية ربما كانت السبب في نفي الطهطاوي. ومن جهة أخرى، كان لا بد لنصائح «فنلون» في طريقة الحكم أن تبدو للطهطاوي قابلة للتطبيق على مصر في أيامه: فالحكام يجب أن يكونوا على معرفة تامة ومباشرة ببلادهم، وأن يشجعوا التجارة والزراعة، وأن يعنوا العناية اللازمة بالتربية، وأن ينتجوا المعدات الضرورية للدفاع، وفوق كل ذلك، أن يحترموا مبادئ الاعتدال والعدل (١٠).
لقد قبل الطهطاوي بسلطة الحاكم، لكنه ألح أيضًا على الحد الذي تضعه لها القواعد الخلقية. ولكي يشرح الفكرة الإسلامية القائلة بأن الشريعة هي فوق الحاكم، يلجأ إلى تفريق مونتسكيو بين «السلطات الثلاث» (١١). ومما لا شك فيه أن ما شاهده في فرنسا قد عزز لديه فكرة فرض القيود على سلطة العاهل المطلقة. فهو، إذ يكتب عن ثورة ١٨٣٠، يعرف تعريفًا واضحًا الملكية المقيدة والجمهورية. غير أنه، في كتاب «مناهج الألباب»، يستمد البرهان على وجوب الحد من ممارسة السلطة من الفكرة التقليدية القائلة بانقسام المجتمع إلى «مراتب» أو «طبقات»، لكل منها وظيفة معينة ووضع حقوقي خاص. فهو يميز، وفقًا لمبدأ ثابت منذ القدم، بين أربع طبقات: الحاكم، ورجال الدين والشرع، والجنود، وأهل الإنتاج الاقتصادي (١٢). وهو يعير أهمية خاصة للطبقة الثانية ولدورها في الدولة، فيقول إن على الحاكم أن يحترم ويكرم العلماء وأن يعتبرهم معاونين له في مهمة الحكم. اعتاد الفقهاء المسلمون على ترديدها وهذه نغمة. فلربما كان لها عنده، كما كان عندهم، رنين «قومي». فقد كان الحكم،
стр. 97
في عهد أيام علي والمماليك والعثمانيين، في يد الأتراك والشركس، بينما كانت هيئة العلماء المؤسسة الوحيدة التي أتيح بها للأهالي في مصر الاشتراك الفعلي في تسيير الشؤون العامة. وإذ بدأت تنشأ، في تلك الحقبة عينها، فئة جديدة من المثقفين، أخذ الطهطاوي هذا الأمر بعين الاعتبار، مضيفًا على مفهوم «العلماء» معنى جديدًا، ينفي كونهم مجرد حراس لتقليد قائم وجامد. لقد كان هو نفسه ضليعًا في علم الشرع ومن أتباع المذهب الشافعي، إلا أنه رأى من الضروري أن تتكيف الشريعة وفقًا للظروف الجديدة، معتبرًا ذلك التكيف أمرًا مشروعًا. نعم، لقد كان باب الاجتهاد مقفلًا، حسب القول المأثور، ولم يحاول فتحه إلا جيل لاحق؛ غير أن الطهطاوي كان أول من خطا خطوة في هذا السبيل، مؤكدًا أن لا فرق كبير بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ «القانون الطبيعي» التي ترتكز إليها قوانين أوروبا الحديثة. وهذا يتضمن القول بإمكان تفسير الشريعة الإسلامية تفسيرًا يتفق مع حاجات العصر. وقد اقترح بالفعل مبدأ يمكن اعتماده لتبرير ذلك، وهو إنه يجوز للمؤمن في ظروف معينة أن يقبل بتفسير للشريعة مستمد من مذهب شرعي غير مذهبه (١٤). وقد اعتمد هذا المبدأ كتاب لاحقون لإنشاء نظام حديث وموحد للشريعة الإسلامية في مصر وغيرها.
يستنتج الطهطاوي من واجب العلماء في تفسير الشريعة على ضوء الحاجات الحديثة أن عليهم أن يتعرفوا إلى العالم الحديث، وبالتالي أن يدرسوا العلوم التي ولدها العقل البشري. وهو يستشهد بسيرة أحد المشايخ الفكرية ليثبت أن دراسة الفلسفة والعلوم العقلية بقيت حية في العالم الإسلامي حتى فترة قصيرة خلت (١٥). لكنها توارت الآن، ولم يقبل الأزهر في العصر الحاضر بالعلوم الجديدة التي هي ضرورية لخير المجتمع. ويخرج من هذا إلى القول بأن من واجب العلماء اليوم أن يتصالحوا مع العلوم الجديدة، وبأن من الواجب أيضًا أن يكون للمختصين في هذه العلوم ما لعلماء الشرع من مكانة
стр. 98
اجتماعية، وبأن على الحاكم أن يستشير ويكرم الأطباء والمهندسين وجميع من امتلكوا ناصية العلوم النافعة للدولة (١٦). وبتعبير آخر، لقد بعث جديد الفكرة التقليدية القائلة بشراكة الحاكم والعلماء، وفسر كلمة «العلماء» على ضوء ما قصده سان سيمون بـ «رهبنة العلماء».
لكن وراء الحكام والعلماء جميعًا شيء آخر، هو الأمة بأسرها. كان الطهطاوي وغيره من المفكرين المسلمين يميزون تمييزًا حادًا بين وظيفة الحكم ووظيفة الطاعة. فالحاكم هو ممثل الله، وهو مسؤول أمامه وليس له من دون الله ديان سوى ضميره. أما رعاياه فعليهم واجب الطاعة المطلقة له (١٧). لكنه كان يرى، بالرغم من هذا التمييز الحاد بين الحاكم والمحكومين، أن الفريقين يرتبطان، بعضهما ببعض، ارتباطًا وثيقًا بالواجبات والحقوق. فواجب المحكوم أن يطيع، لكن واجب الحاكم أن يحاول إرضاءه ضمن الحدود التي تفرضها عليه طاعته لله. فخوف الله من شأنه أن يحمل الجامع الحاكم على الصالحات، وكذلك أيضًا خوف الرأي العام (١٨)، الذي يلعب في العالم الحديث دورًا فعالًا في حياة الدولة. لقد كان الحكم في الماضي نشاطًا سريًا يقوم به الحاكم، أما في العهد الحديث، فيجب أن يقوم على «علاقات حسنة بين الحكام والمحكومين» (١٩). وعلى الموظفين أن يتثقفوا كما ينبغي. فحتى شيخ القرية يجب أن يكون مثقفًا (٢٠)، كما أن على المواطن العادي، الذي لا يعمل مباشرة في خدمة الدولة، أن يفهم قوانينها وأن يعرف حقوقه وواجباته.
عندما يلح الطهطاوي على واجب العلماء في أن يتثقفوا ثقافة حديثة، وعلى واجب المواطنين في أن يتثقفوا ثقافة سياسية، فإنما يفعل ذلك تعبيرًا عن اعتقاده أن طبيعة المجتمع ووظيفة الحكم يختلفان الآن عما كانا عليه في الماضي. كان بإمكانه أن يقبل مبدئيًا بالنظرة الإسلامية إلى الاستقرار السياسي ووظيفة الحكومة في تنظيم
стр. 99
مختلف الطبقات الاجتماعية وإبقائها ضمن حدود الشريعة، لو لم تلمع في ذهنه فكرة جديدة، هي فكرة التغير، كمبدأ للحياة الاجتماعية، وفكرة الحكم، كوسيلة ضرورية للتغير. فهو يذكر، في كتابه عن باريس، إحدى النواحي الغريبة من الطبع الفرنسي، وهي الرغبة في السير أبعد مما سار الأجداد، فيقول: «وكل صاحب فن من الفنون يحب أن يبتدع في فنه شيئًا لم يسبق به أو يكمل ما ابتدعه غيره» (٢١). كذلك يقوم كتاب «المناهج» على القول بأن للمجتمع غايتين: العمل بمشيئة الله، وتحقيق الرفاهية في هذا العالم. لم يكن هذا القول، بحد ذاته، جديدًا. إنما الحديد فيه هو المعنى الذي يفهم الطهطاوي به الرفاهية. فليس من فرق، في نظره، بين الرفاهية وبين التقدم كما فهمته أوروبا القرن التاسع عشر. وهو يرى أن للتقدم بهذا المعنى أساسين: الأول، تهذيب الخلق على الفضائل الدينية والإنسانية، والثاني: النشاط الاقتصادي الذي يؤدي إلى الثروة وتحسين الأوضاع وإلى بحبوحة الشعب بكامله (٢٢). ويعني الطهطاوي، في كتاب «المناهج»، بالأساس الثاني بنوع خاص. إلا أنه، إذ يكتب عن مصر، يرمي في حديثه عن التغير الاقتصادي إلى التقدم في الزراعة، قبل كل شيء. كان يعلم أن طبيعة الحياة الاقتصادية في مصر، وبالتالي حالة الخير العام فيها، تتوقف على طبيعة الحكم. فحكام مصر الصالحون كانوا دومًا يهتمون بالري. وهو يأتي على وصف مفصل لسياسة محمد علي، كما يحلل، استنادًا إلى كاتب أوروبي، إمكانات مصر الاقتصادية العظيمة والقابلة لأن تستثمر كليًا وفي وقت قصير (٢٣).
ومن ميزات تفكيره إلحاحه على أن الثروة الوطنية إنما هي نتاج الفضيلة، إذ عندما كانت الفضائل الاجتماعية قوية كانت مصر مزدهرة. وأما مفتاح الفضيلة فهو التربية. لقد صرف معظم حياته معلمًا ومنظمًا للمدارس، لذلك رأى بوضوح ما ينبغي أن يعمل. وقد بسط أفكاره هذه في كتابه عن التربية، حيث يقول إن التعليم
стр. 100
يجب أن يكون متصلًا بطبيعة المجتمع ومشاكله، وأن يستهدف تغذية قلوب الصغار بالمشاعر والمبادئ الشائعة في بلدهم (٢٤)، وأن التعليم الابتدائي يجب أن يكون واحدًا وشاملًا للجميع، وأن يكون التعليم الثانوي على مستوى رفيع، وأن يشجع الطلاب عليه، وأن تتعلم البنات كالصبيان، وعلى قدم المساواة. وهو في هذا القول، يعكس الاهتمامات والاتجاهات الجديدة التي تميز بها عصر الخديوي إسماعيل. لقد وضع هذا الكتاب بأمر من وزارة التربية التي طلبت منه أن يكتب شيئًا يصلح لتعليم الصبيان والبنات على حد سواء. وكان الطهطاوي يعتقد أن تعليم البنات ضروري لتحقيق ثلاثة أهداف: الزواج المتجانس، وتربية الأولاد تربية صالحة، وتمكين المرأة من تعاطي العمل أسوة بالرجل، كل في نطاق مؤهلاته، وتجنيب النساء فراغ حياة النميمة في الحريم. ويبدو أن الطهطاوي لم يدع إلى خروج النساء من الخدر والاشتراك في الحياة العامة، مع أنه خصص فصلًا ذا مغزى عن الحاكمات الشهيرات، بمن فيهن كليوباترا. لكنه كان يرغب في أن يعاملن معاملة أحسن ضمن العائلة. أما تعدد الزوجات، فهو لا يعتبره ممنوعًا، غير أنه يقيده بالقول إن الإسلام لم يسمح به إلا شرط أن يعدل الزوج بين زوجاته. وقد أخذ كتاب لاحقون هذه الفكرة وقلبوها إلى تحريم عملي للزواج بأكثر من امرأة (٢٥).
ويرى الطهطاوي أن غاية التربية تكوين الشخصية لا مجرد حشد عقل الطالب بكمية من المعارف، وأنها يجب أن تحمل التلاميذ على تقدير أهمية الصحة الجسدية، والعائلة وواجباتها، والصداقة، وفوق كل ذلك، حب الوطن الذي هو الدافع الأكبر للناس على محاولة بناء مجتمع متمدن. ويكرر الطهطاوي كلمات «الوطن» و «حب الوطن» في «مناهج الألباب» وفي كتابه في التربية. وهو يعدد حقوق المواطنين، وعلى رأسها الحرية، إذ من شأن الحرية وحدها أن تخلق مجتمعًا حقيقيًا وحبًا للوطن قويًا (٢٦). ويبدو أن الطهطاوي
стр. 101
أحيانًا، عندما يستعمل هذه العبارة، كأنه يستعملها في معرض بحث عام عن حقوق أي مجتمع من المجتمعات وواجباته. فيصبح معنى حب الوطن لديه، أحيانًا، كمعنى العصبية في عقيدة ابن خلدون، أي شعور التضامن الذي يجمع بين أبناء المجتمع الواحد ويشكل أساس القوة الاجتماعية. غير أنه يستعملها، أحيانًا أخرى، بمعنى أضيق وجديد، فيلح، في ضوئه، لا على واجب المواطن السلبي في الخضوع للسلطة، بل على دوره الإيجابي في بناء مجتمع متمدن حقًا، ولا على الواجبات المتبادلة بين أبناء الأمة الإسلامية وحدهم، بل أيضًا على الواجبات المتبادلة بين الذين يعيشون في البلد الواحد. وهكذا يتخذ لديه حب الوطن معنى خاصًا هو الوطنية الإقليمية بالمعنى الحديث، ويصبح الوطن الأم قطب تلك الواجبات التي تجمع، في نظر الفقهاء، ما بين أعضاء الأمة، ومحور ذلك الشعور الطبيعي الذي اعتبره ابن خلدون العنصر الموحد بين الناس الذين تربطهم روابط الدم.
ويمكن ملاحظة الانتقال إلى هذا النوع من التفكير في مقطع من «مناهج الألباب»، حيث يتحدث الطهطاوي عن الأخوة في الدين، فيروي الحديث: «المسلم أخ للمسلم»، ثم يضيف:
«المؤمن أخ المؤمن ... فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الأخوة الوطنية فضلًا عن الأخوة الدينية. فيجب أدبًا أن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغنائه وثروته» (٢٧).
ما هي هذه الجماعة الطبيعية، هذا الوطن الذي يشير إليه الطهطاوي؟ إنه الوطن المصري، لا الوطن العربي. نعم، إن ظل فكرة العروبة، لا زال يلوح في ذهنه، لكن ذلك لم يكن إلا من رواسب تفكيره القديم لا الجديد. فهو يثني على الدور الذي لعبه العرب في تاريخ الإسلام ويدافع عنه (٢٨)، غير أنه يرمي، عندما يتحدث عن حب الوطن، لا إلى ذلك الشعور المشترك بين
стр. 102
جميع الناطقين بالضاد، بل إلى الشعور المشترك بين القاطنين أرض مصر. فمصر، في نظره، شيء مميز، لكنها شيء مستمر تاريخيًا أيضًا. فمصر الحديثة هي الحفيدة الشرعية لأرض الفراعنة. كانت مخيلته تزخر بأمجاد مصر القديمة التي رآها، للمرة الأولى، بضرب من المفارقة، خلال إقامته في فرنسا، حتى إنه كتب قصائد في مدح الفراعنة. ومن ميزات أسلوب تفكيره أنه، عندما يكتب مثلًا عن رذيلة الكسل، يبدأ بالاستشهاد بالحديث وبنصوص إسلامية أخرى، ثم ينصرف إلى التحدث عن كيفية تصوير الكسالى في الفن المصري القديم (٢٩). وكانت مصر القديمة له مدعاة للاعتزاز. فهي تجمع بين عنصري التمدن الأساسيين: الخلقية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي (٣٠). وكما كانت عليه مصر القديمة في الماضي، يمكن لمصر الحديثة أن تستعيده اليوم. «لأن بنية أجسام أهل هذه الأزمان هي عين بنية أهل الزمان الذي مضى وفات والقرائح واحدة» (٣١).
لكن إذا صح ذلك، فكيف نفسر فقدان مصر للفضيلة وللازدهار اللذين كانت عليهما في الأزمان القديمة؟ في هذا يذهب الطهطاوي إلى أن علة ذلك إنما هو حدث تاريخي عرضي: الحكم الأجنبي، حكم المماليك في القرون الوسطى المتأخرة، ثم، بعد انتعاش قصير في عهد السلاطين العثمانيين الأول، حكم الشراكسة الفاسد الطويل الأمد. وكان، في قوله هذا، إنما يردد صدى بيانات بونابرت ويرسم نهجًا في التفكير تبناه في ما بعد كتاب مصر اللاحقون. وقد طبق هذا النهج، إجمالًا، في آخر الأمر، على الأسرة الحاكمة التي كان الطهطاوي من خدامها.
ذكرنا من مؤلفات سنواته الأخيرة مجلدين في تاريخ مصر نوى أن يكونا المجلدين الأولين من سلسلة كاملة أرادها أن تكون مساهمة في التربية الوطنية وملخصًا لما ينبغي للمصري الحديث أن يلم به من أمر وطنه. وقد أنجزها ابنه بعد وفاته. في هذين المجلدين
стр. 103
يعطي الطهطاوي فكرة عن امتزاج العناصر في تفكيره. فبينما يروي المجلد الأول تاريخ مصر القديمة، استنادًا إلى مصادر أوروبية حديثة، يسرد الثاني حياة النبي، استنادًا إلى مصادر إسلامية تقليدية، استخدمها بذكاء وبشيء من الروح النقدية. ويقسم الطهطاوي التاريخ، وفقًا للطريقة الغربية الحديثة، إلى قسمين رئيسيين: قديم وحديث. إنما لم يكن الخط الفاصل بينهما، بالنسبة إليه كمسلم، سقوط الإمبراطورية الرومانية، بل ظهور الإسلام. وهو يعتبر هذا الحدث أهم أحداث التاريخ. على أنه يعتقد، برغم ذلك، أن تاريخ ما قبل الإسلام جدير بالدراسة. فمصر جزء من الأمة الإسلامية، لكنها كانت قبلًا، في العصور القديمة والحديثة معًا، أمة منفصلة، تشكل موضوعًا مستقلًا للتفكير التاريخي (٣٢). وهي، على كونها مسلمة، ليست مسلمة على سبيل الحصر، إذ أن جميع من يعيشون في مصر جزء من الجماعة الوطنية. وهنا أيضًا نرى كيف يأتي الاستنتاج عصريًا، بينما تبقى طريقة التفكير تقليدية: فهو يبدأ بالمفهوم الإسلامي للنصارى واليهود «كشعوب محمية» (أهل الذمة)، ثم يدافع عن الموقف الأكثر تساهلًا معهم، ويقول بوجوب منحهم الحرية الدينية الكاملة وبجواز معاشرة المسلمين لهم (٣٣).
كانت وطنية الطهطاوي شعورًا شخصيًا حارًا، لا مجرد استنتاج من مبادئ الفلسفة السياسية. فهو يعتز بعظمة مصر الغابرة ويهتم بمستقبلها. وقد كتب عددًا من القصائد الوطنية، مدح فيها الأسرة الحاكمة. إلا أنه كان مدحًا ممزوجًا بمدح مصر القديمة والجيش المصري. ويقال أيضًا، وهذا له مغزاه، إنه ترجم المرسيلياز. فهو إذ كان يستعمل كلمة وطن، كان لا شك يستعملها كمرادف لكلمة «الوطن» الفرنسية، غير أن «وطن» الثورة الفرنسية لم يكن الأمة المتكبرة التي تعبد نفسها، أمة الأيديولوجيات الحديثة، بل الأمة خادم الإنسانية. وهو يعتقد أن مصر الحديثة مؤهلة
стр. 104
هي أيضًا لأن تخدم شيئًا أوسع منها، أي العلوم الحديثة التي كانت آخذة في خلق عهد جديد وفي تغيير حياة شعوب الشرق.
عاش الطهطاوي وعمل في فترة انتقالية سعيدة من التاريخ، خف فيها التوتر بين المسيحية والإسلام، ولم يكن قد حل التوتر السياسي الجديد بين الشرق والغرب. كان يقيم في فرنسا إبان احتلال الجزائر، فكتب عن هذا الحدث في كتابه عن باريس. غير أنه لم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسي. ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا، في نظره، وراء القوة السياسية والتوسع، بل وراء العلم والتقدم المادي. كان عهده عهد اختراعات عظيمة، فكتب عنها بإعجاب: قناة السويس، ومشروع قناة الباناما، والخط الحديدي القاري في أميركا. ويبدو أن تطور المواصلات أدهشه حقًا، فخص القطار البخاري بقصيدة مدح عامرة (٣٤). كان يعتقد أن هذه المبتكرات إنما تسجل بدء تطور سيستمر ويؤدي، في آخر الأمر، إلى التقاء الشعوب بعضها ببعض وإلى العيش معًا بسلام. لذلك توجب على مصر أن تتبنى العلوم الحديثة والمبتكرات المنبثقة عنها، دون أن تخشى من ذلك خطرًا على دينها. إذ كانت العلوم المنتشرة في أوروبا حديثًا علومًا إسلامية في الماضي، أخذتها أوروبا عن العرب. فإذا ما استعادتها مصر اليوم، فإنما تسترد ما هو لها. وأفضل سبيل إلى ذلك هو تسهيل التعاطي مع الأجانب وحسن معاملتهم. فيجب أن يشجعوا على الاستيطان في مصر وعلى تعليم المصريين ما باستطاعتهم تعليمهم إياه. ويلجأ الطهطاوي، مرة أخرى، إلى التشبه بمصر القديمة فيقول: ألم يشجع بسامتيك الأول الإغريق على الإقامة في مصر ويعاملهم كما لو كانوا مصريين (٣٥)؟ . ثم يخلص من ذلك إلى أنه يرى في محمد علي وخلفائه الورثة الشرعيين للفراعنة في محاولتهم إحياء أمجاد مصر وإتباع المبادئ نفسها، وذلك بمنحهم المساواة للجميع، الرعايا منهم والأجانب.
стр. 105
غير أنه علينا أن نتذكر أن للمدنية أساسين اثنين لا أساسًا واحدًا، وأن الفضيلة الخلقية هي أهم من الرفاهية المادية. فهذه ليست، على المدى الطويل، سوى ثمرة للفضائل. قلنا إن أوروبا لم تبد للطهطاوي خطرًا سياسيًا، لكنه كان يشعر بأنها خطر خلقي: فالفرنسيون لا يعتقدون إلا بالعقل البشري. نعم، يشتمل دستورهم على مبدأ العدل، إلا أن هذا المبدأ يختلف كثيرًا عن أحكام الشريعة الإلهية (٣٦). هم مسيحيون بالاسم فقط، أما دينهم الحقيقي فهو شيء يختلف تمامًا عن ذلك. وفي هذا يقول: «إن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح من شأن العقل. وأقول هنا إنهم ينكرون خوارق العادات ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلًا، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير واجتناب ضده وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان ... وأن عقول حكامهم ... أعظم من عقول الأنبياء» (٣٧).
كانت نظرة الفكر الأوروبي الوضعية هذه، هي الاتجاه الذي سيعنى به الجيل اللاحق من الكتاب عناية خاصة، ويعمل على إثبات عدم منافاته لمبادئ الإسلام إذا ما فهمت فهمًا صحيحًا. أما الطهطاوي فكان لا يزال مشدودًا بجذوره إلى المعتقدات الموروثة، فلم ير بوضوح سوى التناقض بين الاثنين، لا إمكانية التوفيق بينهما.
تنطوي كتابات الطهطاوي على أفكار جديدة أصبحت مألوفة فيما بعد في الفكر العربي والإسلامي: كالقول بأن هناك، داخل الأمة الجامعة، جماعات قومية تنادي بولاء أبنائها لها، وبأن الغرض من الحكم رفاهية البشر في هذا العالم وفي الآخرة على حد سواء، وبأن الرفاهية الإنسانية تتحقق بإنشاء المدنية التي هي الغاية الزمنية النهائية للحكم، وبأن أوروبا الحديثة، وخصوصًا فرنسا، هي مثال التمدن، وبأن سر تقدم أوروبا وعظمتها يكمن في تعاطي العلوم العقلية، وبأن المسلمين أنفسهم الذين تعاطوا العلوم العقلية
стр. 106
في الماضي قد أهملوها فتخلفوا عن ركب التقدم بسبب سيطرة الأتراك والمماليك، وبأن المسلمين قادرون، بل ملزمون بدخول تيار المدنية الحديثة، وذلك بتبني العلوم الأوروبية وثمارها. ولقد أصبحت جميع هذه الأفكار من المسلمات لدى المفكرين اللاحقين؛ غير أن بعض هؤلاء فقط تنبهوا إلى ما تنطوي عليه من مشاكل قد لا يكون حلها مستحيلًا، وإنما هي بحاجة إلى المعالجة على الأقل. فكيف التوفيق مثلًا بين ما أتي به الوحي الإلهي وبين ما يدعيه العقل البشري من أنه هو الطريق الوحيدة الصالحة للمعرفة؟ أو بين الشريعة وبين مجموعة القوانين الحديثة المستمدة من مبادئ مختلفة كل الاختلاف عنها؟ أو بين الفكرة القائلة بأن السيادة للشريعة وبين ادعاء الحكومات بأنها صاحبة السيادة وبأن لها الحق في التقرير الحر على ضوء الاستنساب والخير العام؟ أو بين الولاء للجماعة الدينية والولاء للأمة؟
لقد أثار إحدى هذه المسائل، على الأقل، مفكر آخر من معاصري الطهطاوي، اطلع الطهطاوي على كتابه في هذا الموضوع (٣٨)، وهي مسألة الشريعة الإلهية والشريعة البشرية. لم تكن هذه المسألة غائبة عن ذهن الطهطاوي، إلا أنها لم تكن محور اهتمامه. فالشريعة كانت في نظره، كما كانت في نظر المفكرين المسلمين في القرون الوسطى المتأخرة، عاملًا سلبيًا مقيدًا، يضع الحدود التي من ضمنها يجب على الحاكم أن يعمل، لا المبادئ التي بمقتضاها يجب أن يعمل. ولم يتجاوز محمد علي وإسماعيل هذه الحدود إذ كانا من طراز الأوتوقراطيين الطيبين الذين ألفهم الفكر الإسلامي. ثم أنهما لم يثيرا مشاكل جديدة، إذ حرصا على عدم إصدار بيانات جديدة بالمبادئ التي من شأنها أن تتعارض مع مبادئ الشريعة. بل اكتفيا، في الغالب، من الإصلاح والتجديد بما يقع في دائرة الحياة الاقتصادية والإدارية التي لم تتصد لها الشريعة إلا قليلًا، كما تحاشيا التعرض لمؤسسات المجتمع الأساسية أو لمسائل الأحوال الشخصية، وهو ما
стр. 107
تتناوله الشريعة بإسهاب. وفضلًا عن ذلك، فقد حكما دولة كانت فيها السلطة الفعلية، من مدة طويلة، في يد زمرة عسكرية عجز العلماء عن أن يحولوا عمليًا دون ممارستها هذه السلطة، حتى لو أرادوا ذلك، ولم يكن، بالواقع، من داع لإثارة مسألة التوافق بين تلك التجديدات وبين الشريعة. غير أن هذه المسألة كانت مطروحة فعلًا في أراضي الإمبراطورية الرئيسية وبعض المناطق التابعة لها. إذ أن «التنظيمات» لم ترم إلى تغيير نظام الإمبراطورية العسكري والإداري فحسب، بل رمت أيضًا إلى إقامتها على أساس شرعي وخلقي جديد. لذلك اصطدمت بمقاومة عنيدة من قبل المعارضين لها مبدئيًا، ومن قبل أولئك الذين رأوا فيها خطرًا على احتكارهم للجهاز الشرعي وعلى نفوذهم السياسي والاجتماعي. لذلك كان محور اهتمام المدافعين عن «التنظيمات» مسألة شرعيتها. فكان عليهم أن يثبتوا أن الإصلاحات لم تتعارض والشريعة، لا بل أن الشريعة توجبها حقًا. لقد جرى هذا الصراع في إسطنبول باللغة التركية، ويبدو أن اللغة العربية لم تردد له سوى أصوات خافتة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكن هناك ولاية في الإمبراطورية جرت فيها إصلاحات مماثلة أثارت اعتراضات مماثلة. فقد كان «عهد الأمان» في تونس إعلانًا لمبادئ قانونية وسياسية جديدة، ولذلك طرح على بساط البحث مسألة الشرعية. وكانت هذه المسألة نقطة الانطلاق لدى مفكر سنتناوله الآن، هو خير الدين باشا.
ولد خير الدين عام ١٨١٠ في القوقاز، من عائلة شركسية، ثم جيء به وهو فنى إلى إسطنبول، أسوة بالكثيرين من أبناء منطقته، طلبًا لمهنة عسكرية أو سياسية، كخادم أو مملوك عند أحد الزعماء (٣٩). فدخل في خدمة أحمد، باي تونس، وتلقى تربية دينية وعصرية معًا، وتعلم اللغة الفرنسية، فضلًا عن العربية. وعندما أنهى دروسه، دخل الجيش حيث أكسبته مواهبه عطف الباي. فعهد إليه بإدارة المدرسة العسكرية ردحًا من الزمن. وفي ١٨٥٢،
стр. 108
أرسله إلى باريس لمعالجة قضية صعبة تتعلق بدعوى أقامها وزير سابق على الحكومة. وبقي هناك أربع سنوات، كانت له، كما كانت للطهطاوي، حقبة تثقيفية. فكان يراقب حياة مجتمع سياسي كبير، ويطبق ذهنيًا على عالمه ما كان يتعلمه هناك. وبعد عودته إلى تونس عين وزيرًا للبحرية، وقضى ست سنوات في صميم حركة الإصلاح الدستوري. فكان عضوًا في اللجنة التي وضعت نص دستور ١٨٦٠، ورئيسًا لمجلس الشورى، مع الاحتفاظ بمركزه كوزير، مما يدل على ثقة الباي به. وكان الباي قد أظهر هذه الثقة في مناسبة أخرى. ففي ١٩٥٩، بعد ارتقائه العرش بقليل، بعث بخير الدين إلى إسطنبول ليعلن خلافته ويلتمس وثيقة التنصيب التقليدية. كانت هذه مهمته العلنية. إنما كان له مهمة أخرى سرية. فقد كانت مطامع فرنسا في تونس قد أصبحت واضحة وخطرة، فبدا مناسبًا، لإقفال الباب في وجهها، تثبيت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية متمتع بالحكم الذاتي، وذلك لحمل السلطان والدول الحريصة على دوام وحدة الإمبراطورية على الصمود أمام نفوذ فرنسا. فكانت مهمة خير الدين السرية، إذن، إقناع الباب العالي بالاعتراف بالحكم الذاتي لتونس وبحق الأسرة الحسينية الوراثي، مقابل اعتراف الباي بسيادة السلطان ودفع الجزية له.
لم يكن السلطان في وضع يسمح له بإغاظة فرنسا، فأخفقت المهمة، كما أخفقت أيضًا تجربة الحياة الدستورية. لكن سياسة خير الدين بقيت طوال العشرين سنة اللاحقة ذات شقين: محاولة صد النفوذ الأوروبي بالنفوذ التركي، وإقامة بعض الرقابة الدستورية على سلطة الباي. وكان هذا الشق الثاني من سياسته هو ما أفقده ثقة الباي. فاستقال من منصبه الوزاري، في ١٨٦٢، على أثر خلاف حول مسألة المرجع الذي يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمامه، أهو الباي أم هو مجلس الشورى. غير أن الباي لم يستغن
стр. 109
عن مهارة خير الدين الدبلوماسية، فبعث به مرة أخرى إلى إسطنبول، في ١٨٦٤، بالمهمة ذاتها. ولما أخفق للمرة الثانية، كما أخفق في الإصلاحات الدستورية، انسحب مؤقتًا من الحياة السياسية. وقد وضع، في هذه الفترة الانعزالية، دراسة في الحكم، نشرت في ١٨٦٧.
وفي ١٨٦٩، أدى تردي الأوضاع المالية في تونس إلى إنشاء لجنة دولية لإدارة الواردات، وتعيين خير الدين رئيسًا لفرعها التنفيذي. وفي ١٨٧١ بعث مجددًا إلى إسطنبول، لكن مهمته هذه المرة تكللت بالنجاح. فقد كانت الحرب مع ألمانيا قد أضعفت فرنسا، فلم تقو على إبداء مقاومة فعالة ضد صدور فرمان يثبت وضع تونس كجزء من الإمبراطورية العثمانية متمتع بالحكم الذاتي. إلا أن فرنسا لم تعترف بهذا الوضع قط. وفي هذه الأثناء، كان خير الدين قد عين وزيرًا للداخلية والمالية والخارجية، ثم أصبح، في ١٨٧٣، رئيسًا للوزراء، واحتفظ بهذا المركز لمدة أربع سنوات مستخدمًا إياه لإجراء إصلاحات عدة: تحسين الأساليب الإجرائية في الإدارة وإعادة تنظيم الأوقاف والقواعد الإجرائية في المحاكم الشرعية، وتحسين المدن، وإصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وتعزيز مطبعة الحكومة وتوسيعها، وإنشاء مكتبة وطنية، وتأسيس مدرسة «الصادقية» الحديثة لتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلًا عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي (٤٠). غير أن العراقيل ذاتها التي كانت قد اعترضته في الماضي، اعترضته الآن أيضًا: مطامع الدول وتنافسها، ورغبة الباي في الاحتفاظ بسلطته. فانتهج خير الدين سياسة الإبقاء على التوازن بين الدول الثلاث التي كانت لها مصالح في تونس: إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وذلك بمحاولة عدم التنازل إلى أي منها أكثر مما ينبغي، من جهة، وعدم إغضاب أي منها كليًا، من جهة أخرى. إلا أن انتهاج سياسة التوازن هذه، من قبل دولة ليس لها قوة من ذاتها، هو أمر خطر
стр. 110
ودقيق. لذلك خسر خير الدين في آخر الأمر تأييد الجميع. فقد شجع بادئ الأمر المشاريع البريطانية، ثم الفرنسية. وعندما وقعت الحرب الروسية التركية، وجد نفسه في مأزق حرج. فقد كان القنصل البريطاني يريد من تونس أن تدعم سيدها السلطان، بينما كانت الدول الأخرى لا تريد ذلك. فمال خير الدين نحو الإنكليز ميلًا كان كافيًا لإغضاب الفرنسيين، إلا أنه لم يكن كافيًا لإرضاء القنصل وود. فخسر بذلك الدعم الأجنبي، وأصبح عاجزًا عن الوقوف في وجه الباي، الذي كان قد نقم عليه لسعية في سبيل الحد من السلطة الملكية، والذي شعر، في ١٨٧٧، بقدرة كافية للاستغناء عنه.
بذلك انتهت حياة خير الدين السياسية في تونس، فبدأ حياة سياسية جديدة في القسطنطينية، إذ دعاه إليها السلطان الشاب عبد الحميد، الذي كان قد اطلع على كتابه (٤١). ولم يمر عليه وقت طويل هناك حتى اكتسب بعض النفوذ لدى عبد الحميد. ولا عجب، فقد كان ذا كفاءة يدعمها تدينه واقتناعه بأن استقلال الإمبراطورية ضروري لخير الإسلام. أضف إلى ذلك أنه كان غريبًا عن البلاد، كما كان لا يجيد اللغة التركية، مما جعله يعتمد كليًا على نعمة السلطان، فيتجنب الاشتراك في المؤامرات الخطرة ضده. وهكذا، ففي كانون الأول ١٨٧٨ عينه كبيرًا للوزراء، أو صدرًا أعظم. وقد اقترنت ولايته بحدث هام: خلع الخديوي إسماعيل عن عرش مصر. وكان خير الدين هو المسؤول رسميًا عن هذا الحدث، إذ كان إسماعيل قد خالف أحد المبادئ الأساسية لسياسته، وهو أنه فتح الباب للتدخل الأوروبي بفصمه الروابط التي كانت قائمة بين مصر والسلطان. غير أن الصعوبات ما عتمت أن واجهت خير الدين كصدر أعظم. إلا أن بعضها على الأقل كان ناجمًا عن شخصيته التي لم تكن لتشجع على تسهيل التعامل بينه وبين زملائه. وقد وصفه السفير البريطاني، لايارد، الذي كان يتعامل معه تعاملًا وثيقًا ووديًا، وصفًا تبرز فيه صفات العنفوان والتعالي والخشونة التي
следующие страницы →