← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

هصرت بفودى رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل وهذا الوصف له رنة في قوله: «له أيطلا ظبي وساقا نعامة» ولعل الموصوف هنا بقوله: «فلما أجزنا ساحة الحي إلخ» هو بعينه يوم الكثيب الذي تمنعته لقوله: فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي والغواية بفتح الغين ضلال العشق ولا تزال كلمات من أصلها تستعمل في دارجتنا يقال هو غاوي فلانة أي عاشقها والغي أي العشق. وزعم بعضهم أن قوله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أي محبو الشعر وعاشقوه وهذا وجه ضعيف لا يجيزه السياق والاستثناء من بعد، والله أعلم، نعوذ به أن نقول في كتابه بما لا نعلم. ثامنًا: وهو طرفٌ مما تقدم، مناغاته فاطمة بقوله: أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل قوله: «أفاطم مهلًا» التفات من قوله: «على ظهر الكثيب تمنعت» فكأنه قال مهلًا عن هذا التمنع، والتمتع يعود على قوله من قبل: «عقرت بعيري يا امرأ القبيس فانزل» كما فيه رنة معنًى وإيقاع تتصل بقوله: «وما إن أرى عنك الغواية تنجلي» وتأمل النون وتأمل السين في ساءتك ... سلي ... تنسل بضم السين وكسرها ولا أستبعد الفتح وتخفيف اللام سلي ثيابي تنسلي من ثيابك، خفف اللام ثم حركها بالكسرة وهو وجهٌ في المشدد والجزم يقويه هنا وليس بأبعد من قراءة من قرأ: ﴿وَمِنَ

стр. 1717

النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ في سورة فاطر، وقف عنده ابن جني في المحتسب. وهذه الأبيات من أرق الشعر ولا أعلم ما قول أصحاب مادية غزل العرب فيها وهو قولٌ ضحل قال به العنصريون خنزوانةً وجهلًا وأخذ به بعض المعاصرين أما عن غفلة وإما عن جهل وإما عن بعض الطلب الضال للتحرر مما يظن أنه قيد من المحافظة والدين، والعجب من مذهب أحمد أمين في هذا الباب. وفي قول امرئ القيس: «أغرك مني» انظر كيف جاء بالراء في القسيم الأول ثم في أوائل القسيم الثاني: «وأنك مهما تأمري القلب بفعل»، وقوله: «وما ذرفت عيناك» يقابل قوله: «ففاضت دموع العين» وقد فاضت على محمل سيفه وليس له من غناء وقد فاضت عيناها وهما بذلك سهمان يخترقان القلب، وهما أيضًا قدحًا ميسرٍ يلعبان تدللًا بالعاشق- وههنا طيف وظلٌّ من المطية التي عقرها والمطية رمز للشاعر نفسه وقد ذبحت وجعلت أعشارًا وضربت عنيزة بسهميها تلعب بهذه الأعشار المقطعة. تاسعًا: مغامرة الغرام من عند قوله: وبيضة خدرٍ لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهوٍ بها غير معجل وهذا صدًى من قوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة» ومن قوله: «فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ» وكأنه استمرار ورجعة إلى ذلك بعد الرقة التي رقها في قوله: «أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل». وهذه المغامرة التي ذكرها امرؤ القيس كانت أمثالٌ لها مذهبًا عند الشعراء ولعله هو حاكي مذهبًا وقد نبهنا إلى ما نرجحه من قدم قصة العاشقين من أمثال عروة والمرقش في معرض الحديث عن الحسن بن هانئ.

стр. 1718

وفي شعر المهلهل والمرقش الذي بأيدينا لها مشابه، وقد تقدم منا بعض الحديث عن: ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا والمغامرة كما يعلم القارئ أصلحه الله في بائية سحيم: «عميرة ودع إن تجهزت غاديًّا» وشيء منها في ميمية عنترة: يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلمي قالت رأيت من الأعادي غرةً ... والشاة ممكنةٌ لمن هو مرتمي فنسبة ابتداء هذا المذهب إلى المخزومي موضع نظر عندنا ولنا إلى هذا عودة في بابه إن شاء الله، نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن إذا وعد وفى. وقوله: «تمتعت من لهو بها غير معجل» له صدًى إيقاعيٌ معنويٌّ يجاوبه في قوله: «صفيف شواءٍ أو قدير معجل» ولا يخفى أن هذا يقابل شواء يوم دارة جلجل وفيه صاحبة الخدر المخاطبة بهذا الافتخار الغزلي من امرئ القيس إذا تمنعت وإذ قال لها: «فمثلك حبلى» وقوله: «وبيضة خدرٍ لا يرام خباؤها» عدلٌ وموازنٌ ومقابلٌ لقوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة» وقوله: تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي من تتمة المغامرة وتتمة حديثه عن الخباء الذي لا يرام، وفيه رنة معنى ونغم نجد ظلالها في قوله من بعد: وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهلٍ مني ذلولٍ مرحل وهذه صفة حال تصعلكه وهو هنا مع الأقوام لم يتجاوزهم، فهذا مكان

стр. 1719

المقابلة. وهو هنا منحنٍ تحت عبء القربة. وقوله: «على كاهلٍ مني ذلولٍ مرحل» فيه رنة قوله: فسرت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل وشتان ما سيره هنا وسيره هناك، ومرحل «هنا» و «مرحل» هناك، والذيل المجرور لتعفيه الأثرين، وعصام القربة الذي على الكاهل الذلول ولا يعبأ أحدٌ بالآثار وستعفو إصباح الرياح، وتأمل قوله: ذيل، ذلول. عاشرًا: قوله: إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل وهذا من فواصل القصيدة النغمية الإيقاعية والمعنوية الإيحائية، وفيه توقيت تجاوزه الأحراس ودخوله الخباء الممنع، فهذا يربطه بما قبله. وفيه ذكر هذا النجم وهذا يوطئ لأبيات الليل التي ستجيء ... وصداه. فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتانٍ إلى صم جندل ويذبل في آخر القصيدة في قوله: على قطن بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل وكذلك جندل في قوله: «ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل» فهذا ثابت كثبات الثريا في مصامها. و «أمراس كتان» فيها رنة وطيف من «الدمقس المفتل» وقد مر قوله «بكل مغار الفتل شدت بيذبل» والثريا مشبهةٌ بصاحبة الوشاح المفصل.

стр. 1720

حادي عشر: تتمة الخبر عن المغامرة مع التوطئة للوصف: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل وهذا يقابل قوله: وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل والمقابلة توقيت وذكر بأية حالٍ وأواخرها. وقوله: «وقد نضت لنوم ثيابها» له جرس وإيقاعٌ ومعنًى منسجم مع قوله من قبل «فسلي ثيابي من ثيابك تنسل» و «لدى الستر» فيه معنى «ويوم دخلت الخدر» إذ الخدر ستر، وهو المتجاوز له في كلتا الحالتين، ويدلك على أن هذا تكرار وإعادة إيقاع وترجيع لقوله: «ويوم دخلت الخدر» تشابه الترتيب وسياق القصة: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل فقالت يمين الله مالك حيلةٌ ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي وهذا كقولها: «تقول لك الويلات إنك مرجلي». ثاني عشر: قصة اللقاء والوصال: خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل وهذا البيت فاصلة معانٍ وإيقاع، وبداية نعت التمثال الذي تحدثنا عنه من قبل. وقوله: «فلما أجزنا ساحة الحي» فيه عودة رنةٍ إلى: «تجاوزت أحراسًا» وفي قوله: «بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل» نوع مقابلةٍ مع قوله من قبل: «ويوم دخلت الخدر» يعني الغبيط على ظهر البعير، وقوله «هصرت» يقابل «ولا تبعدينبي

стр. 1721

من جناك المعلل» وقوله: «تمايلت» يقابل ميل الغبيط. ويعجبني قول أبي العلاء: أين امرؤ القيس والعذارى ... إذ مال من تحته الغبيط له كميتان ذات كأسٍ ... تزبد والسابح الربيط استنبط العرب في الموامي ... بعدك واستعرب النبيط ولا تفوتنا المقابلة الخفية بين نشوة امرئ القيس من كميته حيث اغتدى والطير في وكناتها ونشوة الطير إذا انتشين من كميت الحياة والحيوية: كأن مكاكي الجواء غديةً ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل قوله هصرت بفودي رأسها بعد مما يجاوبه ويحكي صداه شيءٌ كبيرٌ، مثلًا: كأن ذرا رأس المجيمر غدوةً ... من السيل والغثاء فلكة مغزل وقوله: «أثيث كقنو النخلة المتعثكل» وقوله: «وكشح لطيف كالجديل مخصر» وقوله: غدائره مستشزراتٌ إلى العلى ... تضل العقاص في مثنًّى ومرسل وعاب بعضهم مستشزرات وهي من معنى المفتل ومن مجرى المتعثكل في دلالتها. ثالث عشر: صفة المحبوبة وقد فصلنا من ذلك في حديثنا عن التمثال، وتأمل رنة الضاد في «مهفهفة بيضاء غير مفاضة» وكذلك الفاء، ورنة جيمي السجنجل مع النون والغين في «غير مفاضة غذاها نمير الماء غير المحلل». نعت التمثال قوله: مهفهفة بيضاء غير مفاضةٍ ... ترائبها مصقولة كالسجنجل كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتقي ... بناظرةٍ من وحش وجرة مطفل

стр. 1722

وجيدٍ كجيد الرئم ليس بفاحشٍ ... إذا هي نصته ولا بمعطل وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل العقاص في مثنى ومرسل وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساقٍ كأنبوب السقي المذلل وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل كل هذا نعت التمثال: وهو الذي يقال له نعت ماديٌ. والذين ينحتون التماثيل عاريات ويرسمون الصور كذلك مفصلات، كل ذلك لا يتهمون فيه بمادية بل يسمى ما يصنعونه فنًّا راقيًّا. والعجب كل العجب لمن يرى الشعرة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، أو كما قال أبو الهندي الشاعر، ونتحرج من روايته فتكتفى بالإشارة إليه. وقد فصلنا الحديث في هذا المعنى من قبل، ومرت بك أيها القارئ الكريم ضروبٌ من أصداءٍ وأطيافٍ تتصل بهذه الأبيات مما قبلها ومما بعدها. والشبه مثلًا بين إيقاع: «أساريع ظبي أو مساويك إسحل» - «مداك عروسٍ أو صلاية حنظل» - «وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل» - «بأمراس كتانٍ إلى صم جندل» مما لا يخفى إن شاء الله. وأمرٌ عسى أن يكون بعض تفصيله مناسبًا ههنا هو ضروب تجاوب الإيقاع منن جناس وتكرار وما أشبه مما فصلنا القول فيه في الجزء الثاني من هذا الكتاب مثل الكافين في قوله: كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير المحلل

стр. 1723

والشين في: «من وحش وجرة» وبعدها قوله: وجيدٍ كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل وتأمل جيمات وجرة وجيد كجيد الرئم والفاء والنون في: «وفرع يزين المتن أسود فاحم» والثاء والنون في: «أثيث كقنو النخلة المتعثكل» «والقنو» تجاوب المقاناة كما ترى والضاد في: «تضحى- الضحى- تفضل» - والطاء في «تنتطق- تعطو» وهلم جرا. وتأمل صيغة الفعل: «تصد وتبدي» كلاهما مسند إلى المرأة ثم جاءت أسماء ثلاثية سواكن الوسط: «وجيدٍ- وفرعٍ- وكشحٍ- وساقٍ» ... ثم مرة أخرى الفعل المسند إليها وتضحى وتعطو: وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساوك إسحل ورخص وشثن كلاهما ساكن الوسط وهما صفتان توازنان الأسماء التي مضت وظبي بعدهما مثلهما في الوزن، ثم أساريع ومساويك متوازنتان. ولو تأملت القصيدة كلها ألفيت عجبًا. في روى امرئ القيس وقافيته أمثال اسم الفاعل والمفعول من الرباعي المضعف مما يتوقع تكراره وما قارب من الرباعي، أمثال مخول معلل معطل مرسل مزيل مرجل وما أشبه من الأفعال مثل فأنزل، لم تحلل، لم يحول، وقد افتن في قوافيه التي من هذا الضرب. غير المتوقع تكراره أمثال حومل ومثلها هيكل وغير بعيد منها حنظل وعنصل وجندل إذ النون من أخوات المصوتات، ذكر نحوًا، من هذا صاحب الكتاب لصيرورتها ألفًا في النون التوكيدية الخفيفة وفي التنوين المنصوب وفي أمثال أدعوا للاثنين وأدعون وأرمين. وغير بعيد منه أيضًا في الإيقاع: «لما تمول» لتكرار الواو فيها و «مجول» امكان الواو وكمثل «مجول»، موازنة لها «مغزل».

стр. 1724

ومن الصيغ المتكررات تكرارًا ملحوظًا متجاوبةً أصداؤها: عقنقل، سجنجل، كنهبل، متعثكل، متنزل، متأمل، متبتل، مفلفل، مخلخل، تتفل، يذبل. رابع عشر: تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتل هذا البيت من فواصل القصيدة المعنوية الإيحائية الكبرى- قوله: وتعطو برخصٍ غير شثن كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل هو آخر الوصف ونعت التمثال وفيه تحريك له بقوله: «وتعطو». البيت الذي قبل هذا: «وتضحى فتيت المسك البيت» رجعة إلى قوله: فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل والحركة التي حرك بها التمثال في «وتعطو برخص» فيها عودة إلى منظر الحركة في قوله: خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل ثم في: «وتعطو برخص» توطئة لما سيجيئ، بعد من قوله: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيٍ مكلل ووازن بين «مرحل» وهي للذيل الذي يجر على الأرض، وبين «مكلل» ومكان الإكليل الرأس، ثم قوله: «حبي» مع أنه صفة السحاب مأخوذ من حبو الطفل على الأرض، و «لمع اليدين» مما سبق التنبيه على مكانه. «والرخص» بنانها، و «الشثن» من صفته هو لفروسيته وهو شاب ومعاناته الحروب والكروب وهو كبير. وقوله: «تعطو» بعد قوله: «تضحى» مجيء قوله: «تضيء الظلام إلخ» بعده منسجم منساق انسياقًا لا تكلف فيه.

стр. 1725

وقوله «تضيء الظلام بالعشاء» وتشبيه ذلك بالمنارة في قوله: «كأنها منارة ممسي راهب متبتل» ينم بالبعد وبأن الظلام محيط بالشاعر وهي، المحبوبة، بذكراها منارة في هذا الظلام. تبدو الصفة كأنها نعت مباشر لجسم الفتاة المهفهف ووجهها الحسن المشرق، ولكنها في نفس الوقت إشعار ببعد ذلك الوجه حتى كأنه منارة تهدي المسافر في الظلام. هذا معنى قولنا إن هذا البيت من الفواصل الكبرى. بعده أخذ الشاعر تذوق الذكرى والتمسك بها واستعادة زمانها وهو في لجة ظلام الحاضر المحيط به. خامس عشر: التمسك بالذكر قبيل تحسرها مع تلذذ بذلك وشعور بارتياح نفس وشفاء: تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتل إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما أسكرت بين درعٍ ومجول تسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس فؤادي عن هواك بمنسل إلا رب خصمٍ فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتلي تأمل قوله: «الظلام» «بالعشاء» «ممسى» وأنت تذكر قوله في صفة شيمه البرق مع صحبه: يضيء سناه أو مصابيح راهبٍ ... أمال السليط بالذبال المفتل انظر كيف يتجاوب هذا مع قوله: «تضيء الظلام بالعشاء» ولا يفتك إيحاء الجرس الخفي في «أمال السليط» «مال الغبيط» «الذبال المفتل» «الدمقس المفتل» يضيء البرق كأنه المحبوبة لأنها هي منارة الراهب. والحليم هو الشاعر. والراهب لا شك حليم فاجعل الراهب نفسه رمزًا. النابغة وكثيرٌ نظرا إلى راهب

стр. 1726

امرئ القيس وحليمه في نحو: لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورةٍ متعبد لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدًا وإن لم يرشد ونحو: عشية سعدى لو تبدت لراهبٍ ... بدومة تجرٌ دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها ... على الشوق إخوان العزاء هيوج وقال الشنفري: فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسانٌ من الحسن جنت ونظر الشنفري كما لا يخفى إلى قول امرئ القيس: إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرت بين درعٍ ومجول وعجيب قوله: «تسلت عمايات الرجال» لأن فيه «عمايات» وهي ظلام يناسب الممسى والعشاء والظلام قبلها وموازنة للغواية من قولها له: «وما إن أرى عنك الغواية تنجلي» ورواه بعضهم «العماية» ووروده هنا يقويه ولعله كلتيهما قال. ثم هذه العماية التي هي ظلام هي نفسها تضيء له الظلام لأن قلبه بها مفعم. وهي تثير الدموع والشفاء بالذكرى ورؤيا المنارة التي تزيل الظلام. و «الصبا» بلا ريب ضياء لأنه يرنو إلى «مثلها» «صبابة» «إذا ما اسبكرت بين درع ومجول» هذا الذي عبر عنه الشنفري بأنه فوق حال البشر: «فلو جن إنسانٌ من الحسن جنت». ولا يخفى ما في «تسلت» و «منسل» من رجع أصداء: «فسلى ثيابي من ثيابك تنسل» وقد قلنا قبل أن «ألا رب خصم فيك ألوى رددته» فيها مجاوبة ومقابلة لقوله «تجاوزت أحراسًا» وكان ذلك ليلًا.

стр. 1727

ليل العماية التي كان عليها يعذل أفضل من هذا الليل الكئيب المحيط به الآن. سادس عشر: صفة الليل وخطابه ورمزيته وإحاؤه: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل فيا لك من ليلٍ كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل وقد مهد لصفة الليل ما تقدم من قوله: «تضيء الظلام- البيت» كما قدمنا ذكره. وفي «أرخى سدوله» رجع صدى من صفة الخدر والغبيط إلا أنه ههنا غبيط من هموم وموج البحر هنا في صفة السيل من بعد مناظرةٌ له ومشابه منه في قوله: فأضحى يسح الماء حول كتيفةٍ ... يكب على الأذقان دوح الكنهيل وفي قوله: كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل فهذا بحر طام- والبحر للماء الكثير سواءٌ أمان عذبًا أم ملحًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. وفي قوله: كأن السباع فيه غرقى عشيةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل

стр. 1728

وانظر كيف جعل أضرار السيل بالسباع عشية كإرخاء الهموم مع الليل سدولها عليه وكيف اتساع السيل فهو بحرٌ له أرجاؤه القصوى. وفي قوله: والقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المحمل فملأ صحراء الغبيط، وقيل سميت بالغبيط لشبهها بقتب البعير وهي في ديار بني يربوع من تميم. وفي بني تميم كان مبدأ نشأة امرئ القيس. وخبر يوم دارة جلجل من رواية الفرزدق وهو تميمي -وقد سبق قولنا إنه أسطوري ولنا رجعة إلى هذا إن شاء الله تعالى، لا نعني أن نفس اليوم أسطوري ولكن القصة التي رويت كما رويت. وقوله «صحراء الغبيط» يدل أيضًا على موضع الذكرى حيث عقر الناقة ومال به الغبيط. وقد صار ما كان موضع أنسٍ قفارًا به بعر الآرام وطمي على ذكراه السيل. وقوله: «نزول اليماني ذي العياب» ويروي: «كصرع اليماني» أي سقوطه أو طرحه أمتعته- هذا له مشابه من شعره كقوله في البائية: فرحنا كأنا من خؤاثي عشيةً ... نعالي النعاج بين عدلٍ ومحقب فعلى هذا يجوز أن يكون البحر المذكور هنا في: «وليل كموج البحر» بحرًا ملحًا إذا كانت جؤاثي من أسواق البحرين، ولا شيء يمنع أن يكون المراد موج البحرين العذب والملح معًا. واليماني المذكور هو الوافد على السوق بعيابه بين عدلٍ ومحقب والمعاني مما تتداعى في الشعر ويرد بعضها على بعض. وقوله: «لما تمطى بصلبه» فيه من صفة البعير ما لا يخفى وقد مر الحديث عنه. وقوله: «ألا أيها الليل الطويل ألا انجل» فيه رنة «وما إن أرى عنك الغواية

стр. 1729

تنجلي» ورواية الأصمعي: «وما إن أرى عنك العماية تنجلي» وقد مرت الإشارة إلى قرب ما بين «الغواية» و «العماية// و «عمايات الرجال» وقوله: «ألا أيها الليل الطويل» ههنا. هذا وقوله: «وما الإصباح منك بأمثل» يمهد لقوله: «وقد أغتدى والطير في وكناتها» ذلك صباحٌ أمثل من ليله الآن الطويل الذي صباحه استمرار له. ونجوم الليل راكدات. وهذا يذبل راسٍ مكانه وهن فوقه لا يتحركن. أين هذا من زمان انتظاره الغيث والصيد وصوب الغيث قد غمر الآفاق ما بين الستار إلى يذبل: على قطن بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل وهذه الثريا أيضًا راكدة. أين زمان إذ هي تتعرض تعرض أثناء الوشاح المفصل؟ لا بل أين زمان ليلٍ أفضل من هذا الليل إذ هو مغامر بين ذؤبان العرب ضليل خليع؟ وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلولٍ مرحل وقد حمل الزوزني هذا على المجاز إذ تمدح بحمل أثقال الحقوق. وقال ابن الأنباري يصف نفسه بأنه يخدم أصحابه. وهذا أقرب والأول ليس ببعيد. وينبغي أن يحمل البيت على الحقيقة ثم تفرع من ذلك على وجه الرمز هذه المعاني الأخرى، أي أنه شارك الصعاليك في الجهد واخشوشن بمثل خشونتهم. وإنكار الأصمعي على فضله هذا البيت وما بعده قول منه بالظن، وكما كان ذكرنا من قبل نديم ملوك بني العباس ووزرائهم من بني يرمك، فلعله أنف بخدمته الملوك لامرئ القيس الذي كان ملكًا من أن يعمل عمل ضربٍ كأنه من شرار السوقة. وقال المعري يذكر الذئب في قصيدة يتبدى بها في ديوانه سقط الزند:

стр. 1730

وأطلس مخلق السر بال يبغي ... نوافلنا صلاحًا أو فسادا كأني إذا نبذت له عصامًا ... وهبت له المطية والمزادا فذكر «عصامًا» وما أرى أنه ذكره إلا وهو يريد إشارة إلى عصام امرئ القيس والبيت في رواية التبريزي لشرح العشر وعن أبي العلاء أخذ التبريزي وخلاف المعري للأصمعي في أمور قد ألمعنا إليه ولا شك أنه ما خلا من غمز حيث قال: «والأصمعي ينشدهم من الشعر ما أحسن قائله كل الإحسان» والله أعلم. سابع عشر: حديث الصعلكة: وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلولٍ مرحل ووادٍ كجوف العير قفرٍ قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي حرثك يهزل وإنما جئنا ببيت القربة من قبل لنبين صلته بما قبله من حيث المعنى. وقوله: وواد ٍ كجوف العير قفرٍ قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل فيه إيقاع: «وليل كموج البحر أرخى سدوله» سواء بسواء. ولعمرك هذا مما يصححه لامرئ القيس ومع الإيقاع ظلال المعاني والإيحاء إذ بين «أرخى سدوله» و «قفر قطعته»، نوع من طباق ومقابلة وموازنة، ثم كلمة «العير» مفردة كما كلمة «البحر» مفردة. وجوف العير مكان خالٍ مخيف والوجه في تفسيره ما ذهب إليه ابن الكلبي أنه واد سلط الله عليه نارًا فخلا، والجوف من كلمات اليمن يقولونها للواد، وأشياء البراكين مما تقع في جزيرة العرب وما بمجراها من كوارث الطبيعة. قال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ وقال

стр. 1731

تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي احترقت واسودت كأنها الليل. وقال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وجميع هذا ما بين سينا وسائر جزيرة العرب. و «الذئب» على إفرادها من قوله «لما عوى» وذكره السباع من بعد ما يعود عليه، ويكون مجرى «جوف العير» في الإيقاع والمعنى كمجرى ما مر وما سيجيئ من أسماء المواضع مثل كتيفة وحومل، وله ما يشابهه في التركيب في «وألقى بصحراء الغبيط بعاعه». قوله «صحراء الغبيط» فيه مشابهة لجوف العير من حيث الإضافة كما ترى ولا يخلو المعنى من شبه. وقوله: «به الذئب يعوي كالخليع المعيل» يجوز أن يكون معنى الخليع فيه القمير أي الذي غلب في الميسر أو القمار فخسر والمعيل بصيغة اسم المفعول من عاله الأمر يعيله ضعف الفعل وهو قياس متلئب أي المغلوب على أمره، وقالوا أي الكثير العيال، وما أحرى أن تكون «المعيل» على صيغة اسم الفاعل المضعف وعلى هذا تفسير الزوزني وهو الصواب إن شاء الله. وخبر لعب امرئ القيس النرد وأنه قمر أو كان مقارب أن يقمره صاحبه لما بلغه خبر مقتل أبيه مذكور كما تعلم. والخليع المخلوع من قومه وقد خلعه أبوه وأطرده كما تعلم. وما أشبه «المعيل» أن تكون بمعنى يناسب الذئب والخليع، وهو الذهاب في الأرض والتماس الفريسة من عال يعيل إذا افتقر والتضعيف في فعل المفتوح العين في الماضي قياسٌ متلئب، قال صاحب الكتاب في باب دخول فعلت (بالتضعيف) على فعلت لا يشركه في ذلك أفعلت وقالوا ظل يفرسها السبع ويؤكلها إذا أكثر ذلك فيها وقالوا موتت وقومت إذا أردت جماعة الإبل وغيرها إلى آخر ما قاله. وقول امرئ القيس: فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول

стр. 1732

حكاية لحديث الصعاليك، أي أنا فقير وأنت فقير إن كنت لما تجد المال بعد، ثم فيه رقةٌ للذئب وتشبيه حال نفسه بحال الذئب، أي مثلي ومثلك لا يقتني، أما أنا فقد أصبت الغنى ولم يمكث عندي لطبيعتي المتمردة، وأما أنت فحالك كحالي فأعلم ذلك إن كنت لما تصب الغنى لأنك ستفيته ولا يمكث عندك. كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل يهزل بالبناء للمجهول ماضيه مثله هزل بضم الهاء وكسر الزاي، أي يكن مهزولًا أو بالبناء للمعلوم ماضيه هزل بفتح ويجوز ضم الزاي على صيغة كرم وشرف ويجوز جعله رباعيًّا بضم الياء وكسر الزاي أي يكن ما عنده من المال مهزولًا من أهزل القوم إذا هزلت أموالهم من إبل وبقر وغنم ونحو ذلك. أما امرؤ القيس فكانت شيمته شيمة الملوك وأهل النبل، يشارك في الاخشيسان ويبذل ما يجد أو كما قال عنترة من بعد وهو كما تعلم سماه القصاص أبا الفوارس. قال: هلا سألت الخيل يابنة مالكٍ ... إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي يخبرك من شهد الوقيعة إنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم ولعل من صحبهم من الصعاليك لم يجد عندهم من المروءة إلا كما يوجد عند سائر الناس، قال عروة بن الورد: ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... كما الناس لما أخصبوا وتمولوا وقد ذكرنا خبره من قبل، هذا، والخبر الذي يذكر في لعبه النرد (أي امرئ القيس) وإعطائه ملاعبه الفرصة لينتصر يقوي ما نذهب إليه ههنا. فلم يجد امرؤ

стр. 1733

القيس بين ذؤبان العرب من يشبهه حقًّا إلا الذئب الذي يعوي لأنه إذا وجد أفنى ما يجده ولم يدخر. وهذا فيه تمهيد وإشارة إلى ما ضيعه الشاعر من فرص مضين ... وقد كان له ما كان إذ هو يغتدي والطير في وكناتها إلى الصيد، وأبوه الملك المطاع، وبنو اسد رهط عبيد بن الأبرص، عبيد العصا. ثامن عشر: وصف الصباح الذي كان أمثل، وهو صباح الاغتداء إلى الصيد، وهو إشراقٌ بعد الظلام الذي كان قبل، وعودٌ إلى التي كانت تضيء الظلام وهي نئوم الضحى، وهو كما قال: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل مكرٍّ مفرٍّ مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وهنا تمهيد لوصف السيل وفيه صدى «خرجت بها أمشي تجر وراءنا» البيت: كميتٍ يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل تأمل قوله «كميت» بعد ذكره السيل، وقد تعلم حديثه عن نشوة الطير بعد مجيء الغيث والسيل كأنما صبحن سلافًا وهي الكميت. على الذبل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل والسيل قد مر نفيانه على القنان فأنزل العصم، اجعل حمى الجواد هنا كنفيان السبل. مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل

стр. 1734

تأمل الكاف ومن قبل «يزل اللبد عن حال» تأمل لامها وراء مكر مفر وهلم جرا. يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل هل -كما تسالنا من قبل- هل الغلام الخف هو امرؤ القيس والعنيف المثقل أبوه؟ لقد كان شابًا في «وقد أغتدي والطير في وكناتها» وانتقل به خياله إلى عهد كان غلامًا ثم إلى عهد أن كان أصغر من ذلك، وليدًا يلعب بالخذروف: دريرٍ كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيطٍ موصل مما يجري مثل هذا المجرى من تذكره أيام صباه الأول قوله الذي روى أبو الفرج أنه أول غزلٍ له: عهدتني ناشئًا ذا غرةٍ ... رجل الجمة ذا بطنٍ أقب أتبع الولدان أرخى مئزري ... ابن عشر ذا قريطٍ من ذهب وهي إذ ذاك عليها مئزرٌ ... ولها بيت جوارٍ من لعب هذا من جيد الشعر وعزيزه. ثم ماذا: ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل كان على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروسٍ أو صلاية حنظل كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناءٍ بسيبٍ مرجل انتقل من ذكريات الغلام والوليد إلى نعت الجواد، واجعل هذا النعت من أوله في موازنة مع ما مر من نعته الحسناء، وقد سبق التنبيه منا إلى هذا المعنى. وتأمل قوله: «كأن على المتنين منه البيت» وذكره مداك العروس وصلاية الحنظل وصلاية موازنة لعماية وغواية. وقوله: «كأن دماء الهاديات» من الفواصل، إذ به مهد لنعت سرب

стр. 1735

الوحش، وفيه ذكر الحناء والشيب وما يتصل بذلك من طيوف معانٍ وإيحاء. تاسع عشر: وصف سرب الوحش من عند ظهوره إلى أن صيد وأكل. هذا فيه نوع رمزٍ لأم الحويرث وأم الرباب ودارة جلجل وليلة إذ نضت لنوم ثيابها والغبيط، جميع أولئك. فعن لنا سربٌ كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاءٍ مذيل فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معمٍّ في العشيرة مخول فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرةٍ لم تزيل فعادى عداءً بين ثور ونعجةٍ ... دراكًا ولم ينضح بماء فيغسل فظل طهاة اللحم ما بين منضخ ... صفيف شواءٍ أو قديرٍ معجل وقد سبق الحديث عن هذه الأبيات، وأن الحصان رمز للشاعر، وأن طهاة اللحم هنا بإزاء المتراميات بلحم وشحم كهداب الدمقس في ذلك اليوم الذي كان له صالحها منهن. مكمل عشرين: وهو من الفواصل المعنوية الإيقاعية الإيحائية، البيتان اللذان أتم بهما نعت الجواد بعد أن صنع ما صنع من الصيد. ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائمًا غير مرسل قولنا فاصلة لأنه يشبه ما ختم به نعت الفتاة وذلك قوله: إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول فههنا نظر إعجاب ومحبة للجواد كما هناك نظر صبوة وعشق. وقبل هذا البيت «تضيء الظلام بالعشاء» ... وهذا الجواد يرد الطرف حسيرًا بشعاع جماله،

стр. 1736

والرواح يكون بالعشية فهذا قريب من معنى إضاءتها بالعشاء، وقوله «فبات عليه سرجه ولجامه» أي بات رفيقًا له، وهذا يقابل صاحبة «بطن خبت ذي حقافٍ عقنقل». ههنا ضوء سببه قوة إشعاع الذكرى، ذكرى الشباب والصيد والجواد الجميل وذلك الوجه الحبيب الجميل. وذكر الجواد وإفراده بالوصف يمهد لذكر شيم الشاعر البرق ودعوته أصحابه ليشيموا ليروا أين يصوب، وثم يرودون بالجياد ويصيدون الهاديات وينعطفون إلى ود الغانيات. الحادي والعشرين: صفة البرق وعموم ضوء البرق: أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمح اليدين في حبي مكلل يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين العذيب بعدما متامل هنا امرؤ القيس وأصحابه قعود من أجل البرق الذي هو ضوء الماضي بشبابه وأحبابه وذكرياته الحسان. وفي أول القصيدة قد وقف واستوقف وبكى واستبكى. الثاني والعشرين: تتابع تفاصيل صور الذكريات مع وصف السيل -جذع النخل- الآطام الشيخ ذو البجاد -فلكة المغزل- اليماني ذو العياب. الرابع والعشرين: الكير تصدح والسباع غرقى كأنها بقايا عروق من خشاش الأرض ودارت القصيدة من حيث بدأت، موقف عند مكان قفر كانت فيه ذكريات، بكاء وشفاء بالدموع والتذكر، قفر شاسع الأرجاء، وبحر سيل غمر كل شيء. كأن السباع فيه غرقى عشيةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل غير أن الطير تصدح. هذا الغناء الثمل هو سر الشعر. بكى الشاعر ثم غنى.

стр. 1737

زعم بعض أهل العصر، وشارك في شيء من ذلك الدكتور طه حسين رحمة الله عليه، أن هذه القصيدة منحولة. بل أغرب الدكتور طه فزعم في بعض ما زعم أن امرأ القيس نفسه انتحلته العصبية اليمانية وساق الخبر عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث ارتد ثم أسلم وفتح الفتوح وأبلى البلاء الحسن يوم الشريعة ثم خبره مع امير المؤمنين كرم الله وجهه معروف. والأشعث وامرؤ القيس يلتقيان في سلسلة النسب وكان الملك في آل امرئ القيس ثم بعد يوم الكلاب وزوال ملك بني آكل المرار انتقل إلى بيت قيس بن معدي كرب، ذلك ذكره الجاحظ إما في البيان وإما في الحيوان، وكان الجاحظ من أخبر الناس بالمنتحل وأوقفهم عند تزييفه، وما كان الفرزدق وهو راوي أخبار امرئ القيس وذو العصبية في مضر ولهم إلى المدى البعيد الذي عرف به حتى لقد أنشد لا يبالي أمام خالد القسري: يختلف الناس حتى لا اجتماع لهم ... ولا اختلاف إذا ما أجمعت مضر ومن يمل يمل المأثور هامته ... حيث التقى من حفافي رأسه الشعر بالذي ينصر عصبية اليمن، وإنما ساق خبر امرئ القيس لمعرفة بني دارم به وقد نشأ أول أمره فيهم وقد تقدم خبر هجاء امرئ القيس بني دارم ومدحه عويرًا، فما كان ليعين على انتحال فضل لليمانية ليس له وجود وأصل. وقد رأى الفرزدق الحطيئة عند سعيد وأثنى هذا على شعره، وخبر الحطيئة مع الزبرقان وهو تميمي وبني قريع وهم تميميون معروف، وق رأى الحطيئة الجاهليين الذين رأوا امرأ القيس وغيره من الفحول ورووا لهم ورأى الفرزدق جماعةٌ من العلماء وأهل النحو والرواية وأخباره مع ابن ابي إسحاق معروفة وهو القائل في أبي عمرو: ما زلت أفتح أبوابًا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار وأبو عمرو أستاذ الأصمعي صحبه هذا ثماني سنين والأصمعي أستاذ الجاحظ

стр. 1738

وقد اتخذ عنه وعن أبي عبيدة وغيرهما وذكر ذلك وقد رأى الناس لبيد بن ربيعة ورووا عنه تقديمه الملك الضليل، وقال الفرزدق: وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول وجرول هو الحطيئة وذو القروح امرؤ القيس وأبو يزيد هو المخبل السعدي. والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملك كلامه لا ينحل وعلقمة كالمخبل كلاهما من تميم. وأخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول فقول ابن سلام والنقاد إذ نسبوا إلى مهلهل أول هلهلة الشعر أصله من هنا. والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل وأخو بني أسدٍ عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنحل وابنا أبي سلمى زهيرٌ وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول والجعفري وكان بشرٌ قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل والجعفري هو لبيد -ولا أزعم أن الفرزدق أصاب كلامه مكتوبًا وإن كان ذلك يجوز إذ عاصر لبيد دهرًا فشت فيه الكتابة وجاءته صحيفة من الوليد بن عقبة وأجاب عنها. ولكن «الكتاب» هنا قد يراد بها الضبط والحوز والرواية التامة، وقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي ذلك كتبه الله عليكم وأمر به: ولقد ورثت لآل أوسٍ منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظل والحارثي أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعول

стр. 1739

يصد عن ضاحية الصفا عن متنها ... ولهن من جبلى عماية أثقل دفعوا إلي كتابهن وصيةً ... فورثتهن كأنهن الجندل فيهن شاركني المساور بعدهم ... وأخو هوازن والشآمي الأخطل وبنو غدانة يحلبون ولم يكن ... خيلي يقوم لها اللئيم الأعزل ثم أخذ في الهجاء. وأخو بني قيس هو طرفة وابن الفريعة هو حسام ﵁ وبشر هو ابن أبي خازم الأسدي من فحول الجاهلية وعبيد هو ابن الأبرص والحارثي هو النجاشي الذي قال: إذا سقى الله أرضًا صوب غاديةٍ ... فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا وكان مع أمير المؤمنين حتى أقام عليه حد الخمر وزاده جلدات. وأخو قضاعة هو أبو الطمحان القيني وقوله في الحارثي «أخو الحماس» فحماس بكسر الحاء ورد في الحديث وكان لرسول الله ﷺ صديقًا ولا أرى إلا أنه ههنا بفتح الحاء أي الحماسة لنصره عليا وتحمسه في ذلك والعرب مما تحذف التاء وتزيدها فمن حذفها قول الآخر: «وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا» وإقام الصلاة أي إقامتها ومن زيادتها ما روى الطبري في الحديث عن لات في تفسير سورة صاد: العاطفونة حين لا من عاطف ... والمطعمونة حين أين المطعم فعلى هذا فإن قول المعاصرين «حماس» بلا تاء صحيح لا غبار عليه يشهد له قول الفرزدق هذا، وقد نبه ليال المستشرق الدقيق البارع إلى غلو مرغليوث وإلى أن الشعر إنما روى عن رواة العرب وعلمائهم قبل أن يصل إلى خلف وحماد وفي مقدمته لشرح المفضليات تفصيل حسن في هذا الباب. لم يخترع الفرزدق خبر يوم دارة جلجل ولكن رواه وروى ذلك عنه ومن شك في أصل الخبر عنده لزمه أن يشك أيضًا في الرواية عنه.

стр. 1740

يجوز أن يكون الفرزدق اخترع أو زاد في خبر الفتيات الذي نسبه إلى نفسه حين فاجأهن يسبحن وجمع ملابسهن ليضطرهن أو يخرجن عاريات فيراهن عاريات وتمثل بيوم دارة جلجل وقص عليهن قصته في لونها الأسطوري، أنهن كلهن خرجن لما ضم امرؤ القيس ثيابهن إليه فرآهن عاريات. خبر يوم دارة جلجل كما رواه امرؤ القيس لا كما روته الأسطورة التي سمعها الفرزدق فرواها. ولو أن امرأ القيس كان قد رأى عنيزة عارية عند الغدير لكان له في ذلك شعر ولتغنى به. نظرة إليها لدى الستر إلا لبسة المتفضل جعلته يتغنى بما هو منها مخصر كالجديل وبما هو كأنبوب السقي المذلل وقنو النخلة المتعثكل ومصقولات كالسجنجل وكذلك نظرة إليها في اسبكرارها وحواره معها إذ مال بهما الغبيط. لم ير امرؤ القيس العذارى عاريات يوم دارة جلجل. ولكنه رأى عذارى الدوار وما ندري كيف كان كساء التي كن يطفن بها ووصفها في قوله: وبيت عذارى يوم دجنٍ ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال ولكن الطائفات عليهن الملاء المذيل. وقوله «بجباء المرافق» كان فيه معنى من معاني تماثيل الحسناء المقطوعة الذراع عند العضد -هكذا كانت بعض تماثيل أفروديت اليونانية- (فينوس عند الروم وهي الزهرة وأناهيد وعشتروت عند العرب وفارس وكنعان على التتالي ومثلها العزى عند قريش). عرى العذارى في خبر دارة جلجل أسطوري لم يخترعه الفرزدق ولكن رواه وروى عنه كما قدمنا. أسطوري كقصة ملابس الريش ولا نباعد إن زعمنا أن بعض هذا المعنى الأسطوري نلمحه في خبر الرميكية والمعتمد. والطين المسكي أنه ينظر إلى الطين الذي لطخت به الفتيات الفرزدق واختراع الفرزدق -في خبر يرويه عن نفسه- لا يقدح في رواية ما يخبر به عن رواية قديمة لم يكن غيره من معاصريه أو من

стр. 1741

هم أسن منه بها حقًّا جاهلين. كان الفرزدق فيما ذكروا معنا مفنًّا. فاجعل هذا من باب اعتنانه وافتنانه. ولو قد كان لخبره مع فتيات الطين أدنى نفسٍ من أصل لكان لجرير فيه مجال ومنطق قذع من قرى قوله: تدليت تزني من ثمانين قامة ... وقصرت عن باع العلى والمكارم وكقوله: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم وكقوله يذكر هربه من زياد: خرجت من العراق وأنت رجس ... تلبس في الظلام ثياب غول وما يخفى عليك شراب حدٍّ ... ولا ورهاء غائبة الحليل إذا دخل المدينة فارجموه ... ولا تدنوه من جدث الرسول وذكر الفرزدق قصته ضلال العنبري ومصافنة الماء وقد أشرنا إلى ذلك في معرض الحديث عن البحر الطويل، فعيره جرير قائلًا: ولو كنت ذا رأي لما لمت عاصمًا ... وما كان كفؤًا ما لقيت من الفضل ولما دعوت العنبري ببلدةٍ ... إلى غير ماءٍ لا قريب ولا أهل ضللت ضلال السامري وقومه ... دعاهم فظلوا عاكفين على عجل وجرير كثير الاستشهاد والإشارة إلى الآي. وكذلك يفعل الفرزدق كثيرًا إلا أنه لم يجمع القرآن كجمع جرير، بآية ما رووه أنه قيد نفسه ليحفظ القرآن، ثم نزع القيد ليفرغ إلى الهجاء، واستفزه قول جرير: ولما اتقى القين العراقي باسته ... فرغت إلى القين المقيد في الحجل القين العراقي البعيث والمقيد في الحجل هو الفرزدق.

стр. 1742

والعجب لبعض ملاحدة العصر يزعمون أن كتاب الله صنع على عهد بني أمية ليدعم مجتمعًا كان يقوم على الرق. «ويا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام» إذ خفي عنهم للجهل أمثال هذا من خبر جرير والفرزدق. والشيء بالشيء يذكر، فمما قاله الفرزدق من قرآنياته قوله في نوار: وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين لج به الضرار وقال في الحجاج: وكان كما قال ابن نوح سأرتقي ... إلى جبلٍ من خشية الماء عاصم وذكر خبر ابن نوح هذا وهو الوارد في سورة هود مع خبر ناقة ثمود في هجائه إبليس حيث قال يخاطب إبليس: فقلت لها هلا أخيك أخرجت ... يمينك من خضر البحور طوامي فلما تلاقى فوقه الموج طاميًّا ... نكصت ولم تحتل له بمرام ألم تأت أهل الحجر والحجر أهله ... بأنعم عيشٍ في بيوت رخام فقلت اعقروا هذي اللقوح فإنها ... لكم أو تنيخوها لقوح غرام أي إلا أن تعقروها هذا معنى أو تنيخوها -أو هنا هي التي تضمر بعدها إن ناصبة وقال في الحجاج بعد البيت الذي تقدم وهو من قصيدته في مقتل قتيبة بن مسلم التي أولها «تحن بزوراء المدينة ناقتي»: رمى الله في جثمانه مثل ما رمى ... عن القبلة البيضاء ذات المحارم جنودًا تسوق الفيل حتى أعادها ... هباءً وكانوا مطرخمي الطراخم والإشارة هنا إلى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ سورة الفيل.

стр. 1743

وقال جرير يمدح الحجاج: دعا الحجاج مثل دعاء نوح ... فاسمع ذا المعارج فاستجابا وأشار إلى سورتين ههنا كما ترى. وقال يهجو الفرزدق والبعيث: إن البعيث وعبد آل مقاعس ... لا يقرءان بسورة الأحبار وهي المائدة، وذلك أن فيها النهي عن الخمر والميسر -ويجوز أن يكون يشير إلى خبر الفرزدق إذ طالب معاوية بميراث الحتات بلا دليل وفي المائدة آية وصية الميت ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. وقال في ابنة الحتات وهي من عمات الفرزدق، وهذا مما يقوي عندنا الوجه الذي تقدم: قامت سكينة للفحول ولم تقم ... بنت الحتات لسورة الأنفال لأن فيها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية. والفرزدق وجرير قد اشتهرا بقول الشعر منذ زمان معاوية أول خلفاء بني أمية هذا، ولا يخفى ان أصحاب الغلو في قضية انتحال الشعر بلا هدًى ولا برهان، إنما أربهم أن يلقوا بظلل الريبة على نور الحضارة الإسلامية بأسره، متخذين من الشعر ذريعة وسلمًا فتأمل. والغافلون منا هم الذين يفردون لهذا الأمر بابًا، مع العلم بأن العلماء الأقدمين قد نظروا ومحصوا ووقفوا عند كل قصيدة فشكوا في القصيدة وفي القطعة وفي البيت والبيتين وصححوا ما صح عندهم بعد التمحيص، وأدنى نظر في سيرة ابن

стр. 1744

هشام يرينا من ذلك مثلًا صالحًا من مثل مقالته «وأكثر أهل العلم ينكرها له» وقد كانوا لقرب عهدهم بفصاحة العرب يقدرون على تمييز الجزل واللين والمصنوع وغير المصنوع وهذا باب قد قتلوه خبرة وعلمًا فمن الخير أن نقف حيث وقفوا. وهذا الجاحظ كان من أدق أهل الفضل نظرًا وأجمعهم لخبر وقد لقي العلماء الذين أخذوا بدراية عن رواية، وقد أثبتت في حيوانه هذه الأبيات لعمرو بن أحمر الباهلي: إن امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان بناه حجر بنت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناةٌ وطرف طمر يلهو بهندٍ فوق أنماطها ... وفرتني تسعى عليه وهر قال ابن الأنباري الكبير واستشهد بالبيت الثاني مما تقدم في شرحه للامية المزرد عند البيت (في صفة الحصان). يرى طامح العينين يرنو كأنه ... مؤانس ذعرٍ فهو بالأذن خاتل قال «والرنو إدامة النظر» ثم قال: وكأسٌ رنوناة دائمةً مقيمة قال ابن أحمر: بنت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناةٌ وطرف طمر قال الشيخ أبو بكر بن الجراح قال ابن العرابي أنت الملك لأنه جعلها الكأس. أ. هـ. ورنوناة وبابوس للصغير من الإبل وما نوسة للنار من الكلمات التي حفظها رواة اللغة إنها وردت في شعر ابن أحمر وكان مخضرمًا عاش إلى زمان سيدنا عثمان وأخذ عنه العلماء والشعراء، وها هو ذا كما ترى يذكر امرأ القيس كما ذكره الجاهليون من قبل مثل قول الحارث: ثم حجرًا أعني ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء

стр. 1745

أسد في اللقاء ورد هموس ... وربيع إن شمرت غبراء وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حبسه والعناء وقول عبيد يذكر حجرًا أبا امرئ القيس: هلا على حجر ابن أم قطام تبكي لا علينا أفنجعل ابن أحمر مخترعًا لخبر امرئ القيس وحجر، كما جعل الفرزدق مخترعًا لخبر دارة جلجل؟ فهذا لعمرك الشطط والغلو. هذا ورأى من رأى أن أبيات الفرزدق اللامية تدل على أن الشعر القديم كان مكتوبًا لا نقطع به ولا ندفعه لأن بعض الشعر كان مكتوبًا لورد الأخبار بذلك كخبر ديوان ملوك الحيرة الذي فيه ما مدحوا به من الشعر، وكخبر المعلقات، ومن سماها السموط، فقد سماها المعلقات لأن السمط هو العقد الذي يعلق على العنق. وفي السيرة أن ابن الزبعري اتهم بأنه كتب على جدار الكعبة: إلهي قصيًّا عن المجد الأساطير ... ورشوة مثلها ترشى السفاسير وأكلها اللحم صرفًا لا مزاج له ... وقولها ذهبت عير أتت عير لما أصبحت قريش فوجدت هذين البيتين مكتوبين ثم. وابن الزبعري صاحب هذا الخبر من بني سهم من قريش وكانت سهم ومخزوم وجمح تنافس قصيًّا في السيادة وخبر ذلك معروف. هذا وقول الفرزدق في اللامية: أوصي عشية حين فارق رهطه ... عند الشهادة والصحيفة دغفل أن ابن ضبة كان خيرًا والدًا ... وأتم في حسب الكريم وأفضل ممن يكون بنو كليبٍ رهطه ... أو من يكون إليهم يتخول

стр. 1746

يقوي ما نميل إليه من عدم القطع بأن مثل هذا يدل على الكتابة، وإنما هو ضربٌ من التأكيد، وذلك أن هذا الذي زعمه الفرزدق هنا مما لا يوصي بمثله مكتوبًا وإنما قصد الفرزدق إلى الفكاهة والسخرية. وهذه الأبيات تقوي أيضًا ما ذهبنا إليه آنفًا من الإشارة إلى سورة المائدة، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية (١٠٦) من المائدة والتي بعدها بمعرض بيت جرير: إن البعيث وعبد آل مقاعسٍ ... لا يقرءان بسورة الأحبار وكأن جريرًا ههنا يرد على الفرزدق سخريته التي سخر بها حيث نسب إلى دغفل ما نسب من الوصية والشهادة- وكأن هذا الوجه أقوى، مع ما في سورة الأحبار من معاني النهي والتحريم التي تقدم ذكرها. وقال الصاوي في حاشية تحقيقه على ديوان جرير (تصوير بيروت عن طبعة مصطفى محمد ٣٥٣ أ. هـ. القاهرة): سورة الأحبار هي سورة المائدة لقوله تعالى فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أ. هـ. (راجع ص ٣١٩). وأحسب أنه أوقعه في هذا الوهم ظنه أن الفرزدق إنما سماه جرير عبد آل مقاعس لأن مقاعسًا تقاعسوا عن الحلف -فكأنهم، هذا استنباطه المتضمن، لم يوفوا- وإنما سماه عبد آل مقاعس لأنه عنده في النبز الذي نبزه به أن جده جبير القين. هذا، وإنما أطلنا الوقفة، على ما اختصرناه فيها حتى لا تتجاوز القدر المعتدل لقوة دلالتها على ما زعمناه من أسلوب التأليف الموسيقي في القصيدة مع تأليفها البياني، وقد فسرنا مرادنا من قولنا الموسيقي. ومهما نزل فيه فلن يخلو هذا الذي قدمناه من عرض وتحليل من توضيح للمراد الذي فسرناه والزعم الذي زعمناه من

стр. 1747

إن للقصيدة بنية من أصوات وأنغام ومعان كالأنغام في تجاوبها وتوارد أطيافها وأصدائها حينًا بعد حين. وكان يصاحب جميع هذا من أمر القصيدة أنه كان يتغنى بها الركبان. فكان الراوي كما يروي الألفاظ يروي نغم التغني وذلك يعينه على تثبيت رواية الحفظ. وقد ذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة في تفسير القصيد إنه كان الذي يتغنى به الركبان من بحور الشعر المحكمات وقد ذكر بعض المتفق عليه والمختلف فيه من هذه البحور كالطويل التام والبسيط التام والمديد التام والوافر التام والكامل التام والرجز التام وذكر بعضهم الخفيف ولعمري إنه لأحرى أن يذكر من الرجز التام لأن أكثره المشطور وإنما رويت من التام أبيات، غير أنه يجوز أن المروي منه قد كان كثيرًا، ولم يذكروا شيئًا من المديد التام وإنما ذكروا المجزوء كقول المهلهل: يا لبكر أنشروا لي كليبًا ... يا لبكر أين أين الفرار فعل هذا هو المراد. وقال سلامة بن جندل (فيما نسب إليه): دع ذا وقل لبني سعد لفضلهم ... مدحًا يسير به غادي الأراكيب وقال المسيب بن علس: فلأبعثن مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع ترد المياه فلا تزال غريبةً ... في القوم بين تمثلٍ وسماع وقد كانت لقرى العرب، ولا سيما الحجازية منها ومكة والمدينة خاصة، معرفة بالغناء منذ لجاهلية، يشهد بذلك خبر النابغة في قصة الإقواء وخبر شراب عروة بن الورد وسماعه عند بني النضير وجواري المدينة حين استقبلن الرسول ﵊ بغنائهن: طلع البر علينا ... من ثنيات الوداع

стр. 1748

وخبر جواري الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵄ وخبر جارية سيدنا حسان ﵁ حيث تغنت: هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج ويستشهد به العروضيون على المقتضب ويمهدون له بقرين مصنوع: غنيا على الدرج ... بالخفيف والهزج هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج وربما ذكروا أنه سمعت إحدى جواري المدينة تتغنى به من بعض درج الآطام وما تقدم أثبت وقد لا يتنافيان. وخبر جرادتي عبد الله بن جدعان وغنائهما بالأبيات الفائية: أقفر من أهله المصيف ... فبطن نخلة فالغريف وقال الأعشى: إذا ترجع فيه القينة الفضل وقال طرقة: نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد وقال لبيد: بصبوح صافية وجذب كرينةٍ ... بموتر تأتا له إبهامها وقال ابن أحمر يذكر وفد عاد واشتغالهم بالسماع في أبيات ذكرها المعري في رسالة الغفران ونص على استحسانه لها وذلك قوله على لسان ابن قارحة يخاطب ابن أحمر: «ولقد يعجبني قولك»: ولقد غدون وما يفزعني ... خوفٌ أحاذره ولا ذعر

стр. 1749

رؤد الشباب كأنني غصن ... بحرام مكة ناعم نضر كشراب قيلٍ عن مطيته ... ولكل أمرٍ واقع قدر مد النهار له وطال عليـ ... ـه الليل واستنعت به الخمر استنعت به الخمر أي كأن قد أهلكته بتهالكه عليها فسكر حتى كأنه قد نعاه الناعون، وفي هامش الدكتورة ابنة الشاطئ (ص ٢٤١) استنعى به حب الخمر تمادى وهكذا في اللسان واستشرى وفي القاموس واستنعت الناقة تقدمت أو تراجعت نافرة أو عدت بصاحبها أو تفرقت وانتشرت أ. هـ. ويجوز التفسير بهذا على تشبيه الخمر بالناقة النافرة والرجوع إلى أصل الاشتقاق يفيد المعنى الذي بدأنا به استنعت به أي طلبت أن تنعي أحد الناس به أي بأن تنعاه لتهالكه عليها وشدة سكره بها حتى كأنه ميت وليست هذه المعاني كلها ببعيد بعضهن عن بعض: ومسفة دهماء داجنة ... ركدت وأسبل دونها الستر عني باطية الخمر: وجرادتان تغنيانهم ... وتلألأ المرجان والشذر ومجلجلٌ دان زبرجده ... حدبٌ كما يتحدب الدبر عني به العود وجعله مجلجلًا كالسحاب ذي الرعد ليوازن بهذه الصورة ما تقدم من وصفه الباطية بأنها مسفة وذلك من صفة الحساب، كما في قول الشاعر: دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يلمسه من قام بالراح والدبر ذو دوي وهو أكبر من النحل، دان زبرجده أي مقترب إلى الأرض بزبرجه أي بأطرافه الرقيقة وهي الهيدب كما في بيت أوس (أو عبيد فيمن رواه لعبيد) وعني هنا أطراف صوت العود وحواشيه على التشبيه وحدب أي راكب بعضه

стр. 1750

بعضًا من تحدب الموج بعضه على بعض وقد وضح هذا المعنى الكميت في قوله: همو رئموها غير ظأر وأشبلوا ... عليها بأطراف القنا وتحدبوا أي تعطفوا وحفوا بها يحمونها بأطراف القنا. وقال حبيب: لما رأى الحرب رأي العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب عذا يصرف بالأموال جريتها ... فعزه البحر ذو التيار والحدب أي ذو الموج المتراكب. شبه ابن أحمر العود بالرعد والسحاب وإنما اختار الرعد والسحاب لأن وفد عاد جاءوا للاستسقاء فشغلوا باللهو ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة الأحقاف]. ثم للعود في صوته جلجلة وهدير ومعنى التحدب والعطف في صفة ابن الرومي للعود والقيان: وقيان كأنها مرضعات ... مطفلات على بنيها حوان وقال ابن أحمر بعدما تقدم ودلالته على معنى التعطف والتحنن واضحة: ونان حنانان بينهما ... وترٌ أجش غناؤه زمر جعله كالزمر تشبيها له بالناي وصوته أجش. وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُون﴾ فسروا سامدون ههنا بالغناء. وكان فقهاء الحجاز يجيزون الغناء. وكانت للموسيقا نهضة عظيمة على أيام بني أمية، فمن زعم أن العرب إنما تعلموا الغناء من فارس لزمه أن يتقدم بأثر مدنية

стр. 1751

الفرس على العرب من أيام بني العباس إلى أيام بني أمية، فتضطرب النظريات الشعوبية بذلك أيما اضطراب. وما كانت صلة العرب بمدينة الفرس ومن جاورهم من الأمم بضعيفة على أيام الجاهلية وهذا باب واسع. والأصوات المائة المختارة التي عليها مدار كتاب أبي الفرج إنما كانت أكثرها مما تغنى به معبد والغريض وابن سريج ومشاهير العصر الأموي من أشعار الأولين وكان اختيارها أيام دولة الرشيد. وإسحق الموصلي والإبراهيمان إنما كانوا هم ونظراؤهم من معاصريهم جبلًا مقتديًّا بجبل الغناء الأموي الأول. وذكر الأستاذ المستشرق فارمر في محاضرة له ألقاها بمعهد اللغات الشرقية من جامعة لندن في أواخر الأربعين أن إسحاق الموصلي كان يتقن ما يسمى عند الموسيقيين بالتأليف المحكم في تفاصيل له بعد عهد الذاكرة بها. وعسى أن يفسر بعض هذا من قوله شيئًا من قول أبي نصر الفارابي في الموسيقا الكبير: «وقد بينا في كتاب المدخل وصناعة الموسيقى أن الصناعة الشعرية هي رئيسة الهيئة الموسيقية، وكانت غاية هذه أن تطلب لغاية تلك، فلذلك ينبغي أن تقرن بالألحان المؤلفة فقط أقاويل، وتقرن بالأقاويل ألحان مؤلفة، حتى تصير الحروف التي ركبت منها تلك الأقاويل فصولًا لنغم الألحان. ولا فرق بين أن يتقدم فيعمل لحنٌ من نغم إنسانية ثم يقرن بها بعد ذلك حروف كتبت منها أقاويل وبين أن تعمل أقاويل ثم تجعل حروفها فصولًا في نغم». قال محقق كتاب الموسيقا الكبير في حواشيه الجيدة المنبئة عن علم وفضل غزير في الهامش ١ من ص ١٠٩٣: «المؤلفة من النغم فقط أي التي تؤخذ من التصويتات الإنسانية دون ان تقرن بالأقاويل أو التي تؤخذ عن نغم الآلات مما يمكن أن تقرن بها أقاويل دالة على معان». أ. هـ.

стр. 1752

معلقة امرئ القيس مثلًا بما فيها من أصدائها المتجاوبة معنى وإيقاعًا قد تجعل كلها مادة لقطعة أو قطع موسيقية وتكون حروفها وأقاويلها فصولًا لألحان تلك الموسيقا. ثم هذه الموسيقا من شاء قرن بها بعد ذلك حروفًا ركبت منها أقاويل غير التي قالها امرؤ القيس. ظاهر قول كلام أبي نصر يدل على أن مثل هذا جائز. هل بعيد إذن أن تكون لكثير من تأليف الموسيقا الغربية أصول من موسيقا عربية نشأت من أقاويل عربية، ثم ركبت على حذوها بعد ذلك أقاويل غير عربية؟ الذي لا ريب فيه أن من أوائل ما ترجمه الإفرنج عن العرب الموسيقا والطب في القرن الحادي عشر الميلادي ومن بعد، فبداية نهضة أوروبا من حينئذ. وربما أرخوا لها بسقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح ﵀ سنة ١٤٥٣ م فيقال عن علماء بيزنطة فروا بالمخطوطات اليونانية إلى الغرب فنهض نتيجة الاطلاع عليها والانتفاع بعلومها وفنونها. وههنا موضع تساؤل، وهو أن الإفرنج قد استولوا على القسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة ومكثوا على السيادة والسيطرة عليها من ١٢٠٤ م إلى ١٢٦١ م، فلماذا لم ينتفعوا بمخطوطاتها في هذه الفترة؟ أغلب الظن أن علم يونان لم يصل إلى أوروبا إلا من طريق العرب، طبًّا وموسيقا وغير ذلك. وقد ذكر الأستاذ فؤاد سوزكين في محاضرة له سمعناها بفاس إذ قدمها أستاذًا زائرًا في خريف سنة ١٩٨٠ م أنهم كانوا ربما ترجموا الكتاب وانتحلوه لأنفسهم من بعد أو نسبوه إلى عالم يوناني قديم افتراء عليه ومثل لذلك بمترجم كان يقال له قسطنطين الإفريقي. وما استبعد أن تكون موسيقا الكنائس، وهي أصل في الذي يسمونه التأليف العالي (الكلاسيكي) من صنوف الموسيقا، قد اقتبست من موسيقا المسلمين عن طريق الترجمة والأخذ المباشر شيئًا كثيرًا وفي شعر المعري في كلمة يزري بها على

стр. 1753

رجل من أهل المعرة يقال له طارق كان يقرأ القرآن ثم ارتد وتنصر، قوله: مخاريق تبدو في الكنيسة منهم ... بلحنٍ لهم يحكي غناء مخارق ومخارق هذا من الموسيقيين على زمان المائة الأولى من خلافة بني العباس، وإياه عني دعبل في هجائه لإبراهيم المهدي إذ قال: إن كان إبراهيم مضطلعًا بها (يعني الخلافة ... ) ... فلتصلحن من بعده لمخارق وقد ينسب إليه الغناء الماخوري وهو ضرب دون ما كان عليه شأن الموسيقا الأول من الاتقان. ويجوز أن يكون أبو العلاء المعري ما أراد إلا التشبيه والتمثيل فقط. غير أن الغالب على طريقته الدقة وبعد الغور. فلن نباعد أنفسنا من الصواب أن اخذنا بظاهر معنى كلامه أن لحون أناشيد الكنيسة على زمانه كانت فيها محاكاة للحون مخارق. وفي تأريخ فرنسا القديم أنه قد كان لنصارى الشام نصيب كبير في تعليم أهلها ضروبًا كثيرة من أساليب الحضارة والصناعة. وأول الأبيات القافية التي منها البيت المقدم ذكره قوله: الأهل أتى قبر الفقيرة طارقٌ ... يخبرها بالغيب عن فعل طارق وهي في ديوانه لزوم ما لا يلزم. ذهبت موسيقا العرب والمسلمين مع ذهاب الخلافة والذي أصابته دولة الأتراك من بقاياها ظل باهت قالص. والذي احتفظ به أهل الطرق والأذكار والمدائح شيء تعمدوا فيه أنه تعبديٌّ مغلب فيه جانب وضوح اللفظ والمعنى. وقد كان يصاحب التعبد قصد إلى التثقيف الديني والابتعاد عن طرب اللهو الدنيوي ونغمات أناشيد الصوفية تتشابه في بلاد الإسلام فيما بين مشارقها ومغاربها على الرغم مما قد يكون بين ضروب موسيقاها الدنيوية من اختلاف.

стр. 1754

ولئن صح -وهو إن شاء الله صحيح- أن موسيقا أوروبا المحكمة العالية لها أصول -من طريق أصولها في أغاني الكنيسة- في موسيقا الخلافة التي درست، فلا بد من القول أن تلك الأصول تمت إلى طبيعة تأليف القصيدة العربية القديمة بسبب عظيم. بين امرئ القيس وابن الباقلاني: قال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن (طبعة دار المعارف بتحقيق السيد أحمد صقر- القاهرة سنة ١٣٧٤ هـ- ١١٩٥٤ م) يذكر من فضائل القرآن وإعجازه وينبه على نقص سائر أصناف بلاغة العرب عن تلك المنزلة: (انظر ص ٦٩): «ومعنى عاشر، وهو أنه سهل سبيله فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر وعن الصنعة المتكلفة. وجعله قريبًا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المعنى عبارته إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع من قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به. فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع، أو يوضع فيه الإعجاز ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف، لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر أو يعيب ويقرع. ولكنه أوضح مناره وقرب منهاجه، وسهل سبيله، وجعله في ذلك متشابهًا متماثلًا، وبين مع ذلك إعجازهم فيه. وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك في غريب مستنكر، أو وحشي مستكره ومعان مستبعدة، ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الأمرين،

стр. 1755

متصرف بين المنزلتين. فمن شاء نظر في قصيدة امرئ القيس: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تنصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها، على وجه يؤخذ باليد ويتناول من كثب ويتصور في النفس كتصور الأشكال، ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن» أ. هـ. والعجب كل العجب من ابن الباقلاني ﵀ ينسب امر تفوق القرآن وإعجازه إلى دعوى وحجة من عند نفسه كما يتبادر إلى الذهن من قوله: «ليتبين ما ادعيناه» وإنما مراده -أو ما ينبغي ان يكون هو مراده- أن يقول «ليتبين صحة ما نعتقده، ونؤمن به». ذلك بأن حجة القرآن في أنه معجز مذكورة في آياته المحكمات، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس] وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود]. وقد أقر الكفرة من صناديد ملأ قريش بإعجازه، وحكى المولى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر] وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام] وكون القرآن معجزًا بنظمه متضمن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. النظم يدخل في مدلول التفصيل، ولفظ النظم نفسه غير وارد في القرآن. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف]
следующие страницы →