وتظل تنصفنا بها قروية ... أبريقنا بختامه ملثوم
وإذا تعاورت الأكف زجاجها ... نفحت فنال رياحها المزكوم
وقال علقمة في صفة أبريق الخمر:
كأن أبريقهم ظبي على شرفٍ ... مفدم بسبا الكتان مرثوم
والمرثوم هو الدامي الأنف وإنما جعل الأبريق دامي الأنف للون الخمر والغزال هو المحبوبة لقوله: «كأنها رشأٌ في البيت ملزوم»، وقوله (على شرف) ههنا مقابل ومناوح لقوله (في البيت) هناك. والفدام للخمر كما لا يخفى. والمرثوم من صفة الحسناء لأنها تضع نقطة العطر الحمراء على أنفها. وفي وصف الخمر لعلقمة قبل هذا البيت قوله:
ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مفدوم
فمفدوم فيها صوت مفدم وصداها، ووليد أعجم أعطاه الشاعر ههنا صفة الأبريق الذي عليه سبائب الكتان، وفي صفة الأبريق أيضًا قوله:
أبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفغوم
وهذا البيت صدًى من قوله:
يحملن أترجةً نضخ العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
لمكان تفشي أريج العطر الطبيعي فيها، هناك الريحان وهناك الأترج- وقد مر التنبيه على مكان طيب الأنف وشفاء الزكان ونقطة الحسناء. وهذا وفي آخر القصيدة نعت الجمال بكسر الجيم:
تتبع جونًا إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفًّا على العلياء مهزوم
стр. 1682
وهذا المعنى في تشبيه حنين الإبل بصوت الدف والناي متكرر في الشعر الجاهلي، وعليه قول عنترة:
بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصبٍ أجش مهزم
والعجب للزوني يقول كأنما بركت هذه الناقة على قصب متكسر له صوت زعم بعضهم فيما روى أن عنترة شبه تكسر الطين اليابس الذي نضب عنه الماء بصوت تكسر القصب (راجع شرح المعلقات للزوني طبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٧٩ هـ- الهامش ٣ ص ١٥٥).
وقال جابر بن حني التغلبي صاحب امرئ القيس إن كأنه:
وصدت عن الماء الرواء لجوفها ... دويٌ كدف القينة المتهزم
وقال علقمة وهو من موضوعات الرنة والترنيم والتهزم المتكررة في ميميته، وهو البيت التالي لما تقدم في صفة الإبل في آخر القصيدة:
إذ تزغم من حافاتها ربعٌ ... حنت شغاميم في حافاتها كوم
والربع هو الصغير من الإبل، وبكاؤه ههنا وبكاء الشغاميم وهي الحسان الطوال من الإبل، له صدًى وصوت يجاوب قوله في أول القصيدة:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم
الباكي ههنا صغير في بكائه، كبير في لوعته ونضج سنه وتجاربه، يبكي على أثر الذاهبين من الأحبة. والمتزغم صغير تجاوبه كبار. وتأمل قوله حافاتها في صدر البيت وعجزه.
وقد مرت الحافة مفردة يصف الناقة الدهماء التي يستقي عليها فتسقى مذانب قد زالت عصيفتها:
فالعين مني كأن غربٌ تحط به ... دهماء حاركها بالقتب محزوم
قد عريت زمنًا حتى استلطف لها ... كترٌ كحافة كير القين ملموم
стр. 1683
وقد عادت كلمة (استطف) كما مر في قوله يصف الظليم (وما استطف من التنوم مخدوم) والكتر عني به سنامها، فهي كوماء- وقد جاء وصف الكوم في بيت (حافاتها) كما رأيت. وتأمل الكافات، في حاركها، كتر، كير. ثم لنا عودة يسيرة إلى كير القين وناره المتأججة إن شاء الله.
هذه الدهماء التي في أول القصيدة، وهي كأنها رمز للشاعر في عنائه وألمه ودمعه، يقول: فالعين مني كأن غربٌ البيت وغرب الماء كأنما هو جزء من هذه الناقة لأنه منوطٌ إليها إلى قتبها وحزامها وحاركها- هذه الدهماء يقابلها فحل الإبل الشغاميم وهو أكلف الخدين. كلفة الخدين هذه التي نعت بها الفحل، تقابل خضرة التلغيم التي على خد الناقة النشيطة التي تمناها ليلحق بها الظعائن، ولحييها- الناقة النشيطة التي يريدها للحاق رمز السعادة والجد بكسر الجيم (١) والجد بفتحها والتشمير، وشارتها الخصب والخضرة، كالمحبوبة المشبهة بالأترجة وبالروضة، وكالظليم الخاضب، الذي يظلله الغيم، وحتى الحنظل الذي ينقفه خطبان، أي ذو ألوان من الخضرة، وحتى مشقة السفر لها لونٌ من الخضرة، لحم فيه الخضرة -التنشيم- ومزادات تعلوها خضرة:
وقد أصاحب فتيانًا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
والفرس السهلبة أي الطويلة على ظهر الأرض شبهها الشاعر بالسلاءة بضم السين وتشديد اللام وهي شوكة النخل ولونها شديد الخضرة. والدهماء المذكورة قبل إنما كانت تسقي بستانًا من النخل والأعناب- يدلك على ذلك وصف القرآن لبساتين أهل البساتين. قال تعالى في الإسراء: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾. وقال تعالى في الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.
стр. 1684
الفرس رمز للحسناء، لطولها وحسنها وتشبيهها بشوكة النخل، قال ابن الأنباري «وشبهها» يعني الفرس «بشوكة النخلة لإرهاف صدرها وتمام عجزها وكذلك خلقة الشوكة وقد يستحب في الإناث» أ. هـ. ثم الفرس قرينة الشباب والمرح كقول امرئ القيس:
وقد اعتدى والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خالي
بعجلزةٍ قد أترز الجرى لحمها ... كميتٍ كأنها هراوة منوال
وقد عاد بوصفه الفرس ههنا إلى ما تقدم من صفته الناقة التي يتمناها ليلحق بالظعينة وذلك قوله:
هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جلذيةٌ كأتان الضحل علكوم
وأتان الضحل صخرة تكون في الماء ملساء صلبة.
وفي قوله:
وقد أقوم أمام الحي سلهبةً ... يهدي بها نسبٌ في الحي معلوم
لا في شظاها ولا أرساغها عتبٌ ... ولا السنابك أفناهن تقليم
سلاءة كعصا النهدي غل لها ... ذو فيئةٍ من نوى قران معجوم
ذو فيئة أي يتطاير حين يرضخ بالمرضاخ وعني بذلك العظام التي في حافر الفرس. قوله هل تلحقني يقابله قوله تتبع جونًا.
وقوله كعصا النهدي- فقد مر تكرار العصا في صفة الظليم فوه كشق العصا- وضاعة كعصى الشرع.
ونوى قران فيه معنى من أتان الضحل، كلا الأمرين حجرٌ أملس. وعصا النهدي لصلابتها مما يرضخ بمثلها النوى وقران بضم القاف قرية باليمامة كثيرة النخل.
стр. 1685
وكير القين فيه معنى من الفيئة لأنه يتطاير منه الشرر وللقين كما لا يخفى سندانٌ (بفتح السين). وتقليم السنابك إنما يصنعه القين. والسنابك فيها من معاني الصلابة والقوة.
وقال علقمة يصف سفره أيام الفخر والقوة:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم
والأكلف في خديه حمرة وسواد وتلك هي السفعة، فهذا يقوي ما ذهبنا إليه من أن الأكلف كناية عنه. وقتود الرحل فيه عودة إلى قتب الدهماء وحزامها. وقد قدمنا أن في جعل الأكلف في أخريات القصيدة كالعودة إلى معنى الدهماء العاملة التي في أولها والأكلف فحل هادٍ مقرمٌ مكرم.
والسفعة والحر والسموم كل ذلك يقابل الرذاذ والغيم والبستان والعصيفة والأترجة ذات الطيب والرشأ الملزوم في الدار.
حام كأن أوار النار شاملة ... دون الثياب ورأس المرء معموم
هذا الحامي الذي كأن أوار النار شاملة فيه عودة إلى معنى القين وكيره الملموم:
كتر كحافة كير القين ملموم
لفظ الحامي فيه عودة إلى هذا. وقوله «كأن أوار الناس شاملة» فيه عودة إلى قوله:
قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف تدسيم
(أدبر العر عنها) تقابلها (زالت عصيفتها) والتدسيم كالتدميم في قوله:
كأنه من دم الأجواف مدموم
إذ هو طلاء، والدسم والدم معنويًّا بينهما صلة كما في رنة اللفظ مشابه.
стр. 1686
والقطران الذي يداوي به الجرب له حرٌّ واشتعال- قال الفرزدق:
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
وقال تعالى في صفة أهل النار: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.
وفي البيت بعد بعض الصدى من بيت العقل والرقم والطير التي تكاد تخطفه. وقد فسروا التدسيم بأثر الجرب.
والصرف تقوية للنصوع- أي الخالص، فخلوص نصوع اللون هو المشعر بمعنى العودة إلى معنى الرقم والعقل لخلوص لون الحمرة فيهما حتى تكاد الطير تسقط عليه لتخطفه.
وقال علقمة:
من ذكر سلمى وما ذكرى الأوان بها ... إلا السفاه وظن الغيب ترجيم
تأمل قوله «وظن الغيب ترجيم» فهو يعود به إلى قوله:
أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
نعم مصروم، وظن الغيب ترجيم.
وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
وقد كان هو عزيزًا كثيرًا- شاهد العزة قوله:
كأس عزيز من الأعناب عتقها ... لبعض أوقاتها حانيةٌ حوم
وشاهد الكثرة أنه يقود السلهبة أمام الحي، الذين ظعن ظاعنهم ويتمنى أن تلحقه ناقة جلذية الآن بأخراهم.
والتذكر مما يتكرر في القصيدة معنى ولفظًا- حتى الظليم يتذكر:
стр. 1687
حتى تذكر بيضاتٍ وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم
الريح والغيم لها صدى مقابل من السموم وأوار النار من بعد
وتأمل شبه الرنين والوزن وأصداء المعاني في:
ذو فيئة من نوى قران معجوم
معقب من قداح النبع مقروم
من الجمال كثير اللحم عيثوم
ذو فيئة تقابلها معقب. ثم من نوى قران تقابلها من قداح النبع. ومعجوم تقابلها مقروم- ثم (من الجمال كثير اللحم عيثوم) فيها وقفات ثلاث مع اختلاف الصيغ إلا أن (من الجمال) فيها نفس (من قداح ... ) (من نوى قران ... ) وعيثوم موازنة عروضًا لا صيغة لمقروم ومعجوم.
وحسبنا هذا القدر من التنبيه على ما في هذه الميمية من أصداء وعودات ونعني بالعودة معنى منظورًا فيه إلى الدلالة النغمية الموسيقية لهذا اللفظ.
ولعل القارئ الكريم قد فطن إلى ترابط أقسام هذه الميمية الثلاثة وقوة اتصالهن مع ما يبدو من فواصل الأوصاف وضروب التشبيه.
هل ما علمت وما استودعت مكتوم.
يصير بنا بيان الشاعر عما فيه، وبعده، من معاني اللوعة والبكاء والحب ووصف الرحيل والهوادج والحسناء التي كالأترجة والدهماء والجداول والبستان، إلى تذكر جمال سلمى وبهجتها.
صفر الوشاحين ملء الدرع خرعبة ... كأنها رشأٌ في البيت ملزوم
وإلى أن يتمنى اللحاق بها:
стр. 1688
هل تلحقني بأخرى الحي ...
ووصف الناقة التي يتمنى أن يلحق أخرى الحي بها ... التي تقطع الموماة عن عرض إذا تبغم البوم في الظلماء، التي كالظليم المظلم المسرع كأنه خائف للنحس ومعه هقلة تجيبه بترنيم وزمار ... هل تلحقني بها ناقة هذه صفتها ...
ظن الغيب ترجيم
بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
والحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما يضن به الأقوام معلوم
كالفرس التي لها نسب في الحي معلوم وقد زعم أن القوم لو يسروا بخيل ليسر بها- وكل ما يسر الأقوام مغروم.
والجود نافيةٌ للمال مهلكة ... والبخل باقٍ لأهليه ومذموم
والمال صوف قرار يلعبون به ... على نقادته وافٍ ومجلوم
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه وللمحروم محروم
وهنا لنا أن نتذكر قوله: «أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم».
والجهل ذو عرض لا يستراد له ... والحلم آونة في الناس معدوم
والحلم نقيضه السفاه- وقد مر بك قوله: «من ذكر سلمى وما ذكرى الأوان لها إلا السفاه، البيت) - ولا أحسب أنه غاب عنك موضع الأوان مع السفاه والآونة مع الحلم، وهذا من مجرى أساليب العودة التي قدمنا طرفًا منها.
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم
وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بد مهدوم
قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم
стр. 1689
هنا القسم الثالث وهو تذكر- كان ذهاب السعادة عنه بفراق من فارقوه هو المستقاة منه هذه الحكم الحزينةٌ- فإن تك الحال الآن قد ساءت فقد يذكر حالًا كانت أرفه وأطيب:
هل انت كاتم ما علمت وما استودعت؟
هل من سبيل إلى اللحاق بهم؟
لا بل لا سبيل وكل حصن وإن طالت سلامته مهدوم؟
لقد كان من العيش الطيب كذا وكذا ... هذا من بعض ما علمت
ثم البكاء ... هذا ما استودعت
صدقت قريش أنها سمط ادهر هذه الميمية. وهي والبائية سمطا الدهر. وعل في بعض هذا الذي كنا فيه ما يوضح مقصدنا من أنه كان للشاعر العربي القديم مذهب من التأليف الموسيقي يساير ويباري تأليفه المبين بعبارات الألفاظ وأوزان العروض. هذا التأليف الذي قوامه على موضوعات ذوات أصداء وعودات تنتظم القصيدة من عند أولها إلى آخرها. وقد نظر ذو الرمة إلى الميمية علقمة هذه نظرا حديدًا كما ذكرنا في ميميته الطويلة التي مطلعها:
أأن توسمت من خرقاء منزلةً ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم
وهي من الكلمات الجياد. وكأنه أخذ الشغاميم من علقمة، ثم جعلها إحدى قوافيه حيث قال:
إذ قعقع القرب البصباص ألحيها ... واسترجفت هامها الهيم الشغاميم
ولذي الرمة في الألفاظ صناعة مهد بها لأصحاب البديع كل تمهيد.
وليس وزن الأفاعيل والمفاعيل في أبيات علقمة ومن ذلك أمثلة عددٌ في طويلة
стр. 1690
غيلان كالأناعيم والأكاميم والأصاريم والياديم والدياميم والمقاديم والبراعيم- وتأمل الضاد في قوله:
كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير في بعض الأضاميم
ميم خبر كأن.
وتأمل محاكاة علقمة في قوله:
هل حبل خرقاء بعد الهجر مرموم ... أم هل لها آخر الأيام تكليم
أم نازح الوصل مخلافٌ لشيمته ... لونان منقطعٌ منه فمصروم
ثم لم يرد أن يكون عريفًا مرجومًا بأثافي الشر فقال:
لا غير أنا كأنا من تذكرها ... وطول ما هجرتنا نزع هيم
تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنفض منهن الحيازيم
وهذا كأنما هو شرح لقول علقمة (أم هل كبير بكى) وقوله (فالعين مني كأن غرب) (من ذكر سلمى وما ذكرى الأوان لها).
وقال غيلان:
كأنني من هوى خرقاء مطرف ... دامي الأظل بعيد الشأو مهيوم
دانى له القيد في ديمومةٍ قذفٍ ... قينيه وانحسرت عنه الأناعيم
ومكان تكرار الدال هنا لا يخفى- وأحسب أن ذا الرمة سمى صاحبته خرقاء من قول علقمة:
بيت أطافت به خرقاء مهجوم
هذا،
ولامية امرئ القيس:
стр. 1691
قفا نبك من ذكرى حبيب منزل
نمط فذ من الاسترسال والعودات وتجاوب الأصداء والإحكام الموسيقي المعدن في تعاقب المعاني والصور والمعادلات والمقابلات التي بينها، وتنتظم التأليف من عند أوله إلى آخره.
وبينها وبين ميمية علقمة هذه شبهٌ كأنه خفي في طريقة الصياغة الكلية- وذلك أن قصيدة امرئ القيس مخصرة، وميمية علقمة مخصرةٌ.
وكذلك «بانت سعاد» وبائية عبيد بن الأبرص:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
ولنا إلى تفسير المخصرة والتخصير عودة في بابه إن شاء الله تعالى، حين نعرض لبعض عناصر الوحدة من بعد.
لقد غبرت دهرًا أعجب من شدة الشبه- أم ذلك أمر توهمته؟ بين تأليف روائع موسيقا الأوروبيين وتأليف روائع قصيد العرب. استهلال وتتابع إيحاء يثب أو ينساب على نوع من تجاوب المعاني وتداعي الخواطر وترجيع أطياف من الكلمات والصيغ والتركيب. والصور البيانية والأخيلة والأفكار. ولا تخلو قطعة موسيقا رائعة من رنة تتكرر هي بنفسها أو بنوع منها أو بألوان تحوير لأجزائها يقتربن ويبتعدن يتلاقين ويفترقن ولا سيما اللواتي فيهن أصوات الغناء بالحناجر مع الآلات.
في معلقة امرئ القيس أصداء تتجاوب من كلمات وعبارات ونغمات صيغ وصورٍ وأخيلة وأفكار على نحو هي من أجله بحق سيدة القصيد وصاحبها بيده لواء الشعراء:
مثلًا، قفا نبك في أول القصيدة، لذلك صدًى يجاوبه من قوله:
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيًّ مكلل
стр. 1692
الحبي هو السحاب المتراكم الداني من الأرض كأنه يحبو
يلفت الشاعر نظر صاحبه هنا كما استوقفه هناك. وقوله: كلمع اليدين، فيه نفس من قوله:
تصد وتبدى عن أسيلٍ وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
وتعطو برخصٍ غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبيٍ أو مساويك إسحل
إذ ها هنا حركة يديها، كما ها هنا مستكنٌّ وميض ثناياها، ولا يخفى ما بين حركة اليد ومساويك الإسحل ولمع الثنايا من صلة.
وقوله:
وقوفًا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
له صدى من قوله في أواخر القصيدة:
قعدت له وصحبتي بين ضارجٍ ... وبين العذيب بعدما متأمل
البرق مما يهيج الذكرى. ههنا هو وصحبته قعودٌ يتأملونه، وفي البداية كانوا وقوفًا والشاعر يبكي من اجل الحبيب الذي كان والمنزل الذي عفا، والعه الذي بان. ثم ذكر المواضع، العذيب، ضارج، قطن، الستار، يذبل ههنا مناسب ومجاوب لما كان ذكره من المواضع في أول القصيدة- سقط اللوى، الدخول، حومل، توضح، المقراة.
يضيء سناه أو مصابيح راهبٍ ... أمال السليط بالذبال المفتل
سبق ذكر الضوء ومصابيح الراهب في قوله يتذكر حسناءه:
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهبٍ متبتل
стр. 1693
ورنة قوله: «أمال السليط بالذبال المفتل» كرنة قوله «أثرن الغبار بالكديد المركل».
وفي قوله «المفتل»، صدى رنة من قوله في أوائل القصيدة «كهداب الدمقس المفتل»، والذبال شبيه بالهداب. وتكرار الفاء في قوله في أول القصيدة:
بين الدخول فحومل
فتوضع فالمقراة لم يعف رسمها ...
يشبه تكرارها في قوله ... على الستار فيذبل
فأضحى يسح الماء حول كتيفةٍ
واجعل صوب المطر من قوله:
على قطنٍ بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذيل
مقابلًا لنسج هذه الريح من جنوب وشمال في قوله:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
وقوله:
فأضحى يسح الماء حول كتيفةٍ ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
في قوله: «يسح الماء» صدى صفته للحصان حيث قال:
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل
وتأمل الكاف هنا وفي يكب والكنهبل، كلمع، مكلل.
ودوح الكنهبل يقابل سمرات الحي. والسمرة شجرة من العضاه ضئيلة شيئًا
стр. 1694
ما، والكنبهلة الطلحة الكبيرة وهي من العضاه أيضًا. العضاه هي الأشجار ذوات الشوك وأكثر ما تكون في بلاد الجفاف.
تأمل قوله:
كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
ههنا صورة فيها إكباب وشبه انكباب على الأذقان من رجلٍ كبيرٍ مثله ذي لحية ومسح ويسح الماء وصوبه وعرانين وبله، كل هذا له طيوف وأصداء تناظر وتتجاوب مع بكائه حيث قال:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ ... فهل عند رسم دارسٍ من معول
يهمي الدمع سحا على الرسم الدارس الذي لا معول عنده، ويحدو البرق السحاب والمطر والسيل فتصير المنازل بذلك رسومًا دارسات وهو المتأمل في كلتا الحالتين، متأمل على التوهم والتذكر بدليل تعداد المواضع وبدليل قوله: «بعد ما متأمل» يا لبعد ما أتأمله وكسرة اللام إن شئت مشبعة لترنم الروى وإن شئت ففيها ياء المتكلم، والمعنى واحد أو قريب من قريب.
وقوله:
ومر على القنان من نفيانه ... فأنزل منه العصم من كل منزل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ... ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل
كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناسٍ في بجادٍ مزمل
كأن ذرا رأس المجيمر غدوةً ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
قد تسمع منه وترى أصداء رناتٍ ومشابه صورٍ تقدمن، مثلًا قوله: «فأنزل منه العصم من كل منزل» - (العصم بضم العين وسكون الصاد من وحش الجبال والتلال ضربٌ
стр. 1695
من الوعول واحدها الأعصم) - فيه مشابه صوة من قوله:
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
ومكان الشبه أن الآرام والعصم كليهما من جنس الظباء، ومكان المقابلة أن الآرام من غنم الوحش والعصم من بقرها والآرام أناث والعصم فحول، قال سويد بن أبي كاهل:
ودعتني برقاها أنها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع
قال الشارح، الأعصم الوعل الذي في يديه بياض. والأنثى عصماء، ألا أنه أكثر ما يراد بالجمع (العصم) في الشعر الذكور لقوتها. قال المخبل السعدي:
ولئن بنيت لي المشقر في ... هضب تقصر دونه العصم
لتنقبن عني المنية أن ... الله ليس كحكمه حكم
فقال الشارح وهو ابن الأنباري الكبير «والعصم الوعول وأحدها أعصم»، أ. هـ. قلت وهو يعلم أن الواحدة عصماء فدل على أن المراد الفحول كما قدمنا. ولو ذهبنا مذهب الزمخشري ﵀ إذن لأنكرنا أن تكون للأعصم عصماء لكثرة الأعصم في الشعر لقوته وفحولته كما أنكر في الأساس وفي التفسير أن يكون للمفند، مفندة وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ - بدعوى أنه لم يكن لها عقل وهي شابة، أو كما قال.
قلنا إن مكان المقابلة هو أن الآرام من غنم الوحش والعصم من بقرها ثم الآرام إناث والعصم ذكور، والآرام مقيمات في المنازل التي خلت من الحبائب وهن مما يشبهن ببقر الوحش، والعصم أكرهها السيل على إخلاء منازل اعتصامها بالجبال.
وقوله «جذع نخلة» - من «وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ» يقابله قوله «قنو
стр. 1696
النخلة المتعثكل ومقابلة القنو المتعثكل» للجذع جلية، وصلة النخلة بالحبيبة لا تخفى، فالحبيبة مما يكنى عنها بالنخلة والظعائن تشبه النخل- قال المرقش الأكبر:
بل هل شجتك الظعن باكرةً ... كأنهن النخل من ملهم
وقد سبق منا تفصيل في هذا المعنى. وقوله: «غدائرها مستشزرات إلى العلى» قوي الدلالة على التشبيه بالنخلة يوحي به، وكونه ممثل قوله «كقنو النخلة المتعثكل» لا يخفى. وأحسب أنه إلى هذا النعت قد نظر المرار في نعته النخل حيث قال:
كأن فروعها في كل ريحٍ ... جوارٍ بالذوائب ينتصينا
والمحبوبة كالنخلة في قوله:
هصرت بفودى رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
وقد سبق منا التنبيه على هذا من قبل.
والشبه واضح بين معنى عفاء الديار وخلوها من أوانسها، ومعنى خلو تيماء من النخلات والآطام- الآطام رمز حراسة وحراس ومحروسات فيه رجع صدى من قوله:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي
الأطام جمع أطم بضمتين وهي الحصون، كانت أكثر ما تبنى من اللبن. وقد تبنى من الجندل أي الحجر. ولم يصف لنا امرؤ القيس شيئًا من أطم تيماء باقيًّا من الذي بناؤه من جندل إلا ما بنته الطبيعة من جندل، كثبير وذرا رأس المجيمر وثبير قد أحاط به السيل كأنه كبير أناس مزمل في بجاد، ووهم بعضهم فظن أن امرأ القيس قد أقوى ههنا لأن حق «كبير أناس في بجادٍ مزمل» أن ترفع «مزمل» فيها صفة لكبير وكبير مرفوعة- هكذا يبدو. وما جاءت الرواية بالإقواء، هذه واحدة، فمزعم الرفع
стр. 1697
ههنا لا أصل من رواية له، فيما نعلم، ثم مزمل مجرورة لأنها نعت للبجاد المجرورة، أي كبير أناس في بجاد مزمل فيه كبير أناس، فحذف جميع هذا لدلالة ما سبق عليه، وليس بأبعد من قوله الفرزدق:
إليك من نفن الدهنا ومعقلةٍ ... خاضت بنا الليل أمثال القراقير
أي من وسط الدهنا وهي رمال بنجد ومعلقة بضم القاف والقراقير هي السفن شبه الإبل بها.
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصبٍ كنديف القطن منثور
على عمائمنا يلقي وأرحلنا ... على زواحف تزجى مخها ريرم
أي ريرٍ مخها، وهذا محل استشهادنا وقد تعلم خبر الفرزدق أنه لما بلغه طعن ابن أبي إسحق عليه في هذا البيت قال أما أني لو أشاء لقلت «على زواحف نزجيها محاسير» ولكني والله لا أقوله. ورواية الديوان على هذا الذي زعموا أنه أقسم لا يقوله «وتزجي مخها رير» أجود من «نزجيها محاسير» لأن الفعل مبني للمجهول وكون المخ ريرًا أدل على الضعف من المحاسير.
ولا أحسبك تخطئ أن جعلت «مزمل» في بيت أمرئ القيس صفة لأناس من قوله:
«كبير أناس» لأن الأناس بمعنى الناس ويذكر فتقول هذا الناس وعليه قول لبيد: «وسؤال هذا الناس كيف لبيد». والاتباع- أي أن تجعل (مزملي) تابعًا للبجاد في الجر، واضح وهو الوجه. وكبير الأناس المزمل في البجاد فيه طيف من قوله:
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل
стр. 1698
فصورة الشيخ الذي يخضب بالحناء هنا ظاهرة وهل هذا الشيخ هو امرؤ القيس نفسه؟ ولا تخفى صلة ما بين الحناء والنساء ونفور النساء من الشيب. والبجاد هو الكساء المخطط فلهذا خصه الشاعر إذ شبه ثبيرًا والسيل مكتنفه من جانبيه كأنه كساء مخطط لما فيه من طرائق الماء والصخور.
ثم لا يخفى الصدى المتجاوب الكبير بين قوله: «يسح الماء» و «مر على القنان من نفيانه» و «عرانين وبله» وسائر صفة السيل حتى صرح بلفظه في قوله: «من السيل والغثاء» وبين قوله من قبل في صفة حصانه المسح الذي يسح العدو الشديد على وجه الكديد:
مكر مفرٍّ مقبل مدبرٍ معًا ... كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
هذا السيل الذي يكب على الأذقان دوح الكنهبل ولا يدع إلا ما كان مشيدًا بجندل، ولا مشيد بجندلٍ إلا الجبل والآكام التي تتدهدى وتنحدر فيه جلاميد صخراتها. ولكأن هذا البيت قد كان من الشاعر توطئة وتمهيدًا لما سيذكره من بعد من صفة السيل وما صنعه من خرابٍ وتدمير. ولا إقواء في هذا البيت إذ لا يلزم الشاعر بناء «عل» على الضم بل له أن يقول من عل من عل من علا، قال الراجز:
باتت تنوش الحوض نوشًا من علا ... نوشًا به تقطع إجواز الفلا
قال في القاموس وأتيته من عل بكسر اللام وضمها ومن على ومن عال أي من فوق. أ. هـ. وقوله: «كأن ذرا المجيمر البيت» فيه صدى ومشابه صورة من قوله:
دريرٍ كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيطٍ موصل
فلكة المغزل من قوله: «من السيل والغثاء فلكة مغزل» فيها شبه خذروف الوليد؛ لأن تحت فلكة المغزل القطعة المستديرة الفطحاء التي يكون تحتها الخيط
стр. 1699
المغزول وفلكة المغزل رؤيسه المستدير. وتشبه الخذروف الذي إنما هو قطعة مستديرة فطحاء فيها ثقب وخيطه طرفاه بالكفين، وقد يكون الخذروف شكله مخروطي مفعم القاعدة دقيق الأعلى، يناط به الخيط ثم يقذف ويستدير وأحسب الأول هو المراد، وإن يك الثاني هو المراد فشبه طرفه الدقيق الحاد بالفلكة المغزلية واضح. وكلا الخذروف الأفطح والمخروطي يسير المنال، الأول يمكن عمله من القرع والثاني من الدوم وكلاهما من نبات العرب معروف. وهل الوليد هنا هو امرؤ القيس؟ فالذكرى من معادن شعره، وهو القائل يذكر زحلوقة الأطفال:
لمن زحلوقة زل ... لها العينان تنهل
وهي الزحلوفة بالفاء أيضًا.
وثبير والشيخ الكبير والحناء والشيب جميع أولئك فيهن صدًى من العنيف المثقل وكذلك الوليد والغلام الخف في قوله:
يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل
فأثوابه بجاده كما ترى. والغلام الخف والعنيف المثقل كلاهما يجوز أن يكون المعنى بهما هو الشاعر نفسه. وصورة الغلام الخف والوليد اللاعب تستبان بلا ريب في قوله:
كميتٌ يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصوفاء بالمتنزل
وفي زليل اللبد أنفاسٌ من ميل الغبيط إذ قال:
تقول وقد مال الغبيط بنا معًا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
ولا يخفى صدى (فانزل) في (بالمتنزل).
стр. 1700
وقوله «وألقي بصحراء الغبيط» من البيت:
وألقي بصحراء الغبيط بعاعه نزول اليماني ذي العياب المحمل
فيه مجاوبة وتكرار للغبيط الذي مر في أوائل القصيدة، ونحن الآن، عند هذا البيت، في أواخرها كما يعلم القارئ الكريم، واليماني ذو العياب المحمل فيه رمزٌ لامرئ القيس، تأمل قوله:
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فواعجبا من كورها المتحمل
والقصة تذكر أنه فرق ما كان على مطيته بين العذارى. والتجاوب بين قوله: «عقرت للعذارى مطيتي»، وبين قوله «عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل» لا يخفى.
وإذا صرنا إلى آخر بيتين في رواية الزوزني- وقد تعلم إنا إنما بدأنا متابعة تجاوب أصداء القصيدة وتعاقب أطياف صورها من عند قوله:
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيًّ مكلل
والبيتان هما:
كأن مكاكي الجواء غديةً ... صبحن سلافًا من رحيقٍ مفلفل
كأن السباع فيه غرقين عشيةً ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
فقوله مفلفل فيه رجع صدى قوله:
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
وسلافًا من رحيق مفلفل مقابلة لقوله:
كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
стр. 1701
والحنظل حارٌّ في العينين كالفلفل. ومرٌّ شرابه، شتان ما بينه وبين الرحيق المفلفل الذي كأن هذه الطير من فرحها بالمطر قد سقيت منه فانتشت. الشاعر يحس نشوتها من الذكرى البعيدة، وهو من ألم البكاء على تحسر تلك الذكرى كناقف الحنظل. وقد تذكر حديثنا من قبل عن دموع علقمة ورمزية ظليمه الذي:
يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخذوم
والتنوم لشدة خضرته يشبه به سواد شعر الشباب والخطبان فيه خطوط خضر وصفر والشيب إذا خضب بالحناء ضرب لونه إلى الصفرة، وقبل بيت علقمة قوله:
كأنها خاضبٌ زعرٌ قوادمه ... أجنى له باللوى شريٌ وتنوم
والشرى هو الحنظل- وما في هذا البيت من دلالات الشباب والشيب غير قليل. هذا وقول امرئ القيس «عشية» يقابل «غديةً» والسباع الغرقى في مقابلة العصم التي قد أنزلت وفي مقابلة بعر الآرام ن ترود. وأنابيش العنصل في مقابلة حب الفلفل. وأنابيش النبات عروقه المنبوشة، شبه الشاعر السباع الغرقى غامرها الماء لا يبدو منها إلا الأذن مثلًا وبعض الذنب، بهذه الأنابيش من البصل البري. وجعلها هكذا إذ رآها على بعد، يدلك على ذلك قوله: «بأرجائه القصوى» وثم نوعٌ من مقابلة بين النظر البعيد ههنا والنظر القريب في قوله «ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعاتها البيت» وقوله:
فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائمًا غير مرسل
يذكرك بقوله «فواعجبا من كورها المتحمل» وقوله «وقوفًا بها صحبي علي مطيهم» لأن فيه مماثلة «بعيني قائمًا غير مرسل» وبات تقابل ظل في:
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
стр. 1702
وهذا البيت له مقابل من أبيات خقه الحصان والصيد وهو قوله:
فظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواءٍ أو قديرٍ معجل
الطهاة إما من صحب امرئ القيس وإما غلمانه، وقد سماهم على كلتا الحالتين أيتهما كانوا، طهاة، هذا عملهم، يعدون الصفيف والقدير له ولمن معه.
أما العذارى فهن أولًا عذارى حديثات السن كما ترى، وارتماؤهن باللحم والشحم لهوٌ، وعليهن الدمقس المفتل وهن كالدمقس المفتل. ويجوز أنه لم يرد بارتمائهن إلا ما كن فيه من حالة عمل، ولكنه عمل في أنسٍ ولهو ولعب. في بيت الطهاة توفر على الطعام نفسه وفي بيت العذارى خفة روح ومرح. وبعد هذا البيت وقبل بيت السرج واللجام:
ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل
إلا تجد هنا رنة من قوله:
إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرت بين درعٍ ومجول
الحصان من جماله أعاليه وأسافله، يكاد ينقلب الطرف دونه وهو حسير. والحسناء الشابة من جمالها وفتنتها تزدهي قلب الحليم حين تضطرب قناة جسمها وقوامها المسبكر في الدرع والمجول، فلا يملك نفسه إلا أن يرنو إليها ببصره الذي كان مراده أن يغضه لما يمليه عليه حزم الحليم وأناته.
وتأمل قوله:
كأن على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروسٍ أو صلاية حنظل
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة جناءٍ بشيب مرجل
فعن لنا سربٌ كأن نعاجه ... عذارى دوارٍ في ملاءٍ مذيل
стр. 1703
قوله: «كأن على المتنين» فيه صدًى لفظي من قوله:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل
وقنو النخلة المتعثكل فيه مقابلة لقوله من بعد:
وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
والمقابلة في كونه منجردًا تزين متنية ملاسة انجراد كأنها مداك عروس، وقنو النخلة كما ترى غير منجرد، والنخلة هي كالفتاة ذات الفرع الذي يزين المتن وهو أسود فاحم أثيث. فالمقابلة هنا تامة كما ترى.
وتأمل قوله: «وقد اغتدى والطير في وكناتها» مع قوله: «كأن مكاكي الجواء غدية» وقد تعلم أنه كما اعتدى إلى الصيد قبيل السحر والطير واكنات، كذلك نظر إلى البرق ليعلم أين يصوب والطير واكنات، ثم بقي يتأمل فعل الغيث حتى أصبح والطير صوادح وهو بعد القائل:
نشيم بروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يابنة عفزرا
وقوله «مداك عروس» فيه ظلال وأصداء من «خدر عنيزةٍ» وإنما الخدر للعروس وبما بمجراها. وقوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
لا يدل على أن عنيزة كانت حبلى أو مرضعًا ولكنها تمنعت عليه، فقال هذا على نوعٍ من التحدي والشغب والفحولة، ثم لما لم يجده رجع إلى اللين والانكسار في قوله:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
стр. 1704
وفي قوله «ممداك عروس»، أيضًا ظلٌّ من قوله:
ويضحى فتات المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
وقوله «نئوم الضحى» لا يخفى أنه يقابل: «وقد اغتدى إلخ ... » والمداك هو الحجر الذي يسحق عليه الطيب، وكان من طيبهم الذريرة من الخشب الزاكي كالصندل وضروب الروائح العطرة. قالت الفتاة (ديوان الحماسة):
سبي أبي سبك لن يضيره ... إن معي قوافيًّا كثيرة
يفوح منها المسك والذريرة
وقوله: «صلاية حنظل» مقابل لقوله «مداك عروس» والصلاية كالمداك مدق الطيب. قال ابن الأنباري: «ومداك عروس معناه صلاية عروس» وروايته: «كأن سراته لدى البيت قائمًا» والمعنى كأن على المتنين إذ أن المتنين هما السراة وسراته أعلاه. وفي صلاية الحنظل كالوحي والرمز إلى الشاعر نفسه لأن في صلاية الحنظل رجع معنًى من نقف الحنظل لدى سمرات الحي. وقوله:
فعن لنا سربٌ كأن نعاجه عذارى دوارٍ في ملاءٍ مذيل
عجز البيت يقابل في الإيقاع وظلال الصور وأصداء النغم قوله: «كبير أناسٍ في بجادٍ مزمل» والمقابلة المعنوية ظاهرة، الشيخ الكبير المزمل في عباءةٍ مخططة والعذارى المرحات يطفن حول الدوار بفتح الدال والواو هنا وهو صنم لهم في الجاهلية (وتشدد الواو وقد يضم الدال كلهن لغة). وسرب النعاج هنا مقابل لسرب عذارى دارة جلجل الذي في أوائل الأبيات. وتأمل رجع صدًى كالنغم في دوار ... ودارة جلجل. وقوله:
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... يجيد معمٍّ في العشيرة مخول
стр. 1705
يصف السرب حين التوين مدبراتٍ وفيهن ألوان سوادٍ وبياضٍ فشبههن بقلادةٍ من جزع ظفار وهو خرز كريم صافي البياض والسواد، هذه القلادة على جيد حسناء كريمة من أصولٍ كريمة. معم مخول بفتح العين والواو وكسرهما. وزعم ابن السكيت -في رواية ابن الأنباري- أنه يصف قلادة في جيد غلام معم مخول (راجع شرح السبع طبعة تحقيق عبد السلام محمد هرون ص ٩٤، ٥١، ٥٢)، والوجه ما ذهب إليه ابن حبيب: «في يجيد كريم الأبوين، أي شخصٍ كريم الأبوين» وهذا الشخص بلا ريب هو الفتاة الموصوفة. وأغرب الزوزني فقال: «وشرط كونه في جيد معم مخول لأن جواهر قلادة مثل هذا الصبي أعظم من جواهر غيره، وشرط كونه مفصلًا لتفرقهن عند رؤيته» أ. هـ. وإنما جاءه الوهم من صفة الوشاح في قوله: «تعرض اثناء الوشاح المفصل» - قال ابن الأنباري: «المفصل الذي فصل بالزبرجد» أ. هـ. ويجوز نحو هذا عند أهل الترف وزمانه، وإنما كانت العرب تفصل بالخرز والودع. والوجه الذي قدمناه أن المراد جيد الفتاة، لا ريب فيه، شاهد ذلك سوى السياق قول جرير:
فما مغزلٌ أدماء تحنو لشادنٍ ... كطوق الفتاة لم تشدد مفاصله
بأحسن منها يوم قالت أناظرٌ ... إلى الليل بعض النيل أم أنت عاجله
تأمل جمال قوله (إلى الليل بعض النيل)، جرير هنا ينظر إلى معاني امرئ القيس وصوره. وامرؤ القيس يقول وهو مما يتجاوب صداه مع بيته المتقدم الذكر:
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
فهو جيدٌ حالٍ عليه عقد من جزع ظفار. وفي السيرة إن السيدة خديجة ﵂ زفت السيدة زينب إلى زوجها أبي العاص وأهدت لها عقد ظفار، وأنه لما أسر أبو العاص ببدر (وذلك قبل إسلامه) أرسلت زينب بالعقد في فدائه فرق لها
стр. 1706
النبي ﷺ . وما زال عقد الجزع ونحوه من حلي العرس عندنا إلى عهد قريب، يتبركون فيما أحسب بخبر السيرة، أو عرفًا توارثوه إذ مادة عربنا من الحجاز أو أقدم والله أعلم.
جرير يصف جيدًا نصته صاحبته كجيد الرئم وشبه التواء الشادن وهي تحنو عليه بطوق الفتاة وهذه هي عين صورة التواء سرب الوحش مدبرات كأنهن فصوص الجزع ولكن بين ألوان خرزهن لون جيد حر كريم من حرة كريمة. وقول جرير: «كجيد الفتاة» نص واضح وشعر العرب يفسر بعضه بعضًا، وقال ذو الرمة يصف ولد الظبية ملتويًّا وأمه تحنو عليه:
كأنه دملجٌ من فضةٍ نبهٌ ... في ملعبٍ من عذارى الحي مفصوم
الدملج السوار والنبه بالتحريك المنسي، ولا يخفى بعد أن قوله:
فادبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معمٍ في العشيرة مخول
فيه أطياف قوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
والوشاح يفصل بالخرز والودع، وعاب بعضهم قول امرئ القيس «تعرضت» فقالوا الثريا لا تتعرض ولكنه تتعرض الجوزاء. ولله در أبي العباس المبرد إذ استحسن هذا البيت في معرض حديثه عن التشبيه في الكامل. وجليٌّ أن امرؤ القيس ههنا يوحي بصورة صاحبته التي قال فيها:
خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل
وقوله:
فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرةٍ لم تزيل
стр. 1707
وفي هذا البيت نباةٌ من قوله في أول القصيدة:
كدأبة من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرياب بمأسل
إذا قامتا دموع العين مني صبابةً ... على النحر حتى بل دمعي محملي
ألا رب يومٍ لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
وذلك بأن أم الحويرث وصويحباتها إلى عذارى دارة جلجل هن من نعاج الشاعر الأنسية هادياتٌ أي متقدمات لمجيء ذكرهن في أول القصيدة، والمرأة مما يقال لها النعجة، قال تعالى في خبر سيدنا داود ﵇: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ وفي قول امرئ القيس: «إذا قامتا تصوغ المسك منهما إلخ» أناة وبطء أنوثةٍ، وغزلٌ كما ترى وقوله: «جواحرها في صرة لم تزيل» فيه طيف وصدى من هذا؛ لأن الجواحر هن المتأخرات ولم يزلن في جماعتهن، تنهض النواهض منهن في أناة، وقوله «في صرة» يفيد معنى الجماعة المؤنثة، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (الذاريات). وقول امرئ القيس: «نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل» فيه عرفٌ زاكٍ من روح «صبحن سلافًا من رحيق مفلفل» وله صدًى أوضح في رواية الدواوين الستة:
إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وهذا تكرار وهو من مذاهبهم، وقوله:
فعادى عداءً بين ثورٍ ونعجةٍ ... دراكا ولم ينضح بماءٍ فيغسل
ولا ريب أن القارئ الكريم قد فطن إلى أنا متبعو أصداء هذه القصيدة من عند آخرها (بشيءٍ) من تفصيل وقد كنا أجملنا من ذلك في معرض الحديث عن
стр. 1708
الخمصانة في الجزء الثالث من قبل وانظر ص ١١٨١ من طبعة ١٩٧٠ م) هذا البيت متجاوب الصدى مع قوله: «كأن دماء الهاديات بنحره البيت» أي هو لم يعرق ولكن جرى دم الهاديات من الوحش على عنقه إذ لطخوها به. وعصارة الحناء هذه (في قوله عصارة حناء بشيب مرجل) قد سالت من لحية الشيخ الباكي الخاضب بالحناء ولعلك واجدٌ في قوله: «لم ينضح بماء فيغسل» لونًا وصدى من قوله:
ففاضت دموع العين مني صبابةً ... على النحر حتى بل دمعي محملي
وقال أبو الطيب في رثاء أبي شجاع:
بأبي الوحيد وجيشه متكاثرٌ ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع
فما أشك أنه نظر إلى دمع امرئ القيس الذي بل محمل سيفه.
والثور رجل والنعجة امرأة في مجاري الرمز والكناية. والنعجة المحبوبة. والثور إما الشاعر وإما عاذله الشديد العذل الناصح له مع ذلك:
ألا رب خصمٍ فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتلي
وههنا معنى مقابل لقوله:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي
إذ هؤلاء جماعة وذلك فردٌ، وهذا قد رده حجةً بحجةٍ وأولئك حذرهم وتجاوزهم وهذا الخصم واضح جهير غير مقصرٍ في النصح. وأولئك أعداء موغرو الصدور يسرون الكيد ويتربصون به الغوائل و «علي حراصًا لو يسرون مقتلي» قريب رنة النغم من «نصيح على تعذاله غير مؤتلي» وقوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل
стр. 1709
يشبه صدى صوت العجز فيه صدى إيقاع قوله: «وأردف أعجازًا وناء بكلكل» ومع هذا التجاوب والتحاذي في الإيقاع مقابلة في المعنى، بين خفة الإرخاء والتقريب وحال البطء وثقل الحركة في «أردف أعجازًا وناء بكلكل» وهنا أيضًا صدًى خفيٌ من «إذا قامتا» ومن «جواحرها في صرةٍ» البيتين. ثم بين «له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ» مشابهة في المعنى ولحن الإيقاع لقوله:
وكشح لطيفٍ كالجديل مخصرٍ ... وساقٍ كأنبوب السقي المذلل
ولعل القارئ الكريم قد أحس الجناس في «السقي» «وساق». (الجديل أي الزمام) وقوله: «أيطلا ظبي» يقابل الكشح اللطيف المخصر. وقوله: «ساقا نعامةٍ» بإزاء قوله «وساق كأنبوب السقي إلخ» والأنبوب ناعم ممتلئ طويل، وساق النعامة قصير شديد متماسك وبه وصف عنترة ساق أمه زبيبة:
وأنا ابن سوداء الجبين كأنها ... ضبعٌ ترعرع في رسوم المنزل
الساق منها مثل ساق نعامةٍ ... والشعر منها مثل حب الفلفل
وفي قوله -أي عنترة-: «ضبع ترعرع في رسوم المنزل» كالنظر الساخر إلى قول علقمة: «كأنها رشأٌ في البيت ملزوم».
وقوله يصف فرسه:
ضليع إذا استدبرته سد فرجه ... بضافٍ فويق الأرض لبس بأعزل
مقابلة مع قوله: «بمنجرد قيد الأوابد هيكل» إذ الانجراد قلة الشعر، ومشابهة لقوله:
وفرع يزين المتن أسود فاحمٍ ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
стр. 1710
وكثافة أغصان النخلة تزين أعلاها وذنب الفرس يزبين عجزه وأسفله كما ترى، ولا يفوتنا هنا صدًى من قوله:
فسرت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل
وتأمل قوله:
«ذيل مرطٍ مرحل» ورنة «مرطٍ مرحل». هذا وقوله:
على الذبل جياش كأنه اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل
فيه صوت المرجل المذكور هنا وفي قوله:
فظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل
(لأن القدير إناء طهيه المرجل) والمقدر في قوله من قبل:
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
ثم في قوله جياش واهتزامه وجاش حميه شيء من جيشان السيل وهزيم الرعد وكلا هذين مذكورٌ في آخر القصيدة حيث قال:
فأضحى يسح الماء حول كتيفةٍ ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيٍ مكلل
والحبي (مر تفسيره) مع بارقه رعدٌ وجيشان وهزيم.
ثم في ذلك استمرارٌ لصوت الحركة ومنظر الصورة في قوله:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا ... كجلمود صخرٍ حطة السيل من عل
وقوله مكر مفر موازنة لقوله:
تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتقي ... بناظرةٍ وحش وجرة مطفل
стр. 1711
إذ ههنا نتابع حركةٍ في رشاقةٍ وخفة وكذلك حال الفرس، والمرأة مما تشبه بالمهرة قال الأعشى:
عهدي بها في الحي إذ أبرزت ... هيفاء مثل المهرة الضامر
ولذلك ما زعمنا من قبل أن علقمة إذ قال:
وقد أقود أمام الحي سلهبة ... يهدي بها نسبٌ في الحي معلوم
كما افتخر بأنه فارس ذهب إلى معنى من الرمز بالسلهبة لسلمى.
وجلمود الصخر المحطوط من علٍ موازنٍ لذرا رأس المجيمر ولثبير وللأطم المشيد بجندل المقاوم للسيل، وقوله:
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
ظاهرة مقابلته لميل الغبيط.
ووصف الذئب والقربة وقد مر بك فغ معرض حديثنا عن الصعلكة والفروسية من الجزء الثالث إنكار صاحب الخزانة أن يكون هذا من شعر امرئ القيس وأصل إنكاره من الأصمعي وقد تعلم أن امرأ القيس مر عليه حين من الدهر وهو خليع وجاءه خبر مقتل أبيه وهو مع بعض ذؤبان العرب. فما أنكره منكر من أمر هذه الأبيات ليس بثبت، وقد كان الأصمعي نديم ملوك، فغلب جانب النديم البلاطي منه في هذا الذي عسى أن يكون قد توهمه من إنكار الصعلكة على امرئ القيس، ولأمر ما جعله المعري نديمًا بلاطيًّا في رسالة الغفران وأخر مكانه في الصفوة عن المبرد وابن دريد ويونس والأخفش الأوسط وأدرجه في أهل اللغة والنحو ممن عادوا في الجنة متآخين بعد أن كانوا في الدار الفانية أعداء، ولم يسلمه، على ذلك، من خصومه مع المازني وانتصار من هذا عليه، ثم جعله يتمثل بقول الشاعر:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
стр. 1712
وينهض كالمغضب ويفترق أهل المجلس وهم ناعمون- فجعل الأصمعي وحده غير ناعم كما ترى.
هذا ولعل ما قدمناه أن يفي ببعض ما نزعمه من تجاوب أصداء الإيقاع وأطياف الصور ومقابلاتها في معلقة امرئ القيس، مع الذي سبق من تناولنا له في باب الخمصانة. على أننا بعد أن عالجنا موضوع تجاوب الأصداء من عند وصف الفرس والبرق والسيل نبهنا إلى ما يعود من ذلك على النعوت وضروب الإيقاع المتقدمة من عند الوقوف والاستيقاف إلى موضع صفة الذئب والقربة، نريد أن نلفت النظر إلى طريقة توارد المعاني في هذه القصيدة من عند أولها، ومع علمنا بأن كثيرًا ذلك هو أدخل في باب الأغراض ونفس الشاعر، وذلك سيلي إن شاء الله، نرى أن هذا الموضع أجدر به لنستكمل بعض ما يحسن التنبيه عليه من تجاوب الرنات والمعاني والصور. أول شيء الوقوف والاستيقاف من أجل الحبيب والمنزل والبكاء، يجاوب هذا وصف السيل وبكاء الغمام وعفاء الديار في آخر القصيدة.
ثانيًّا: ذكرى تحمل الأحباب:
كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفًا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسًى وتجمل
هذا يقابله أمر غداة الصيد ومرح الأصحاب وجمال الفرس كما يقابله غداة غلب السيل على كل شيءٍ وتغنت الطيور. وقد سبق التنبيه على المقابلة بين ناقف الحنظل والمصبوح من السلاف ومداك العروس وصلابة الحنظل.
ثالثًا: عذل الصحاب له ورده عليهم، يقولون له لا تهلك أسى وتجمل ويقول لهم:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ ... فهل عند رسم دارس من معول
стр. 1713
وهذا صداه قوله: «ألا رب خصم فيك ألوى رددته» الخصم يعذله على الضلال في الحب، وهؤلاء يعذلونه على إهلاك نفسه بالأسى من أجل الذكرى والحبيب والمنزل الذي درس ولا غناء عنده.
رابعًا: شفاء الدمع له بانكشاف صور الذكرى أمامه. وقال ذو الرمة وإلى امرئ القيس نظر ومنه أخذ:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحةً ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل
شفاء الدمع في استعادة الذكرى وحياتها بالخيال حياةً أرفع في ذروة الفن، حياةً هي خلقٌ فنيٌّ جديد. عند كلردج أن الخيال الأول هو معدن الخلق والإبداع فإن لا يكن في قوله غموض أو غلو فعسى أن يكون مراده، وسنعرض هذا إن شاء الله لمقالته في موضع يلي. ومما يحسن ذكره ههنا على سبيل الاستطراد قول أبي الطيب:
فإن يكن المهدي من بان هديه ... فهذا وإلا فالهدى ذا فما المهدي
وإلا فالخيال والإبداع ذا، فما الخيال؟
خامسًا: أفضت بالشاعر راحة الدمع والبكاء إلى التلذذ بذكرى الحبائب، وخاصة يوم دارة جلجل، وحدث به الأصمعي عمن لم يسمه من رواية الفرزدق، وفيه ما يدل على أن عنيزة كانت من العذارى وأن قوله: «فمثلك حبلى إلخ» فخر منه وتبجح وجدل غضبةٍ من عاشق. (راجع شرح السبع ص ١٤) ولا يخلو سياق الخبر من خيال الأساطير، وقصة الحسن البصري وثياب الريش في ألف ليلة وليلة تنظر إلى خبر يوم دارة جلجل، ولا يخفى أن الفرزدق ورواته كانوا يترددون على مربد البصرة- قصة ملابس الريش في حكاية الحسن البصري والحسناء بدور بنت الملك الغيور ...
стр. 1714
سادسًا: حواره مع عنيزة وأمر الغبيط وقوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
له صدًى في قوله:
« ... كالجيد المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول»
لأن التميمة مما تكون كالطوق، وأحسب أن وهم ابن السكيت ﵀ أصله من ههنا ثم تشبيه الشادن في انحنائه وغفلته بالطوق والدملج مستكن ههنا؛ لأن المرضع كالظبية الحانية على ولدها، وذو التمائم كالصغير الساجي من ولد الظباء، وقد تعلم قول امرئ القيس: «وتتقي بناظرةٍ من وحش وجرة مطفل» فمجاوبة هذا ومناسبته لبيت المرضع كما ترى غير خافية. ومحول ومخول- (وأجود عندي صيغة اسم الفاعل) بينهما من شبه الرنة أمرٌ جلي. وقوله:
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
له صدى في بيته:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل
وهذا فيه مجاوبة أصداء وترجيع معانٍ وإيقاع مع قوله:
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
ورأيت في ١٩٦٧ م في نسخة بمكتبة السيد العباسي عبد القادر باش أعيان ﵀ بالبصرة بعد هذا البيت:
ذرى البكر لا ترثي له من ردافنا ... وهاتي أذيقينا جناة السفرجل
وفيه حلاوة ولعله جيء به تفسيرًا وتفريعًا عما قبله من راوٍ أو قاص قديم أو هل
стр. 1715
قاله امرؤ القيس ثم أضرب عنه واستغنى بقوله:
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
أستبعد هذا الوجه وإن بدا في البيت شيء من روح امرئ القيس ونفسه في «ردافنا» لملاءمتها ومجاوبتها فيما يبدو لقوله: «وأردف أعجازًا» ولقوله «جناة السفرجل» لما فيها من تكرار لفظ الجني ومعناه، ولموازنة السفرجل كلمات مثلها في القصيدة كالسجنجل والعقنقل، إذ هذه للمتأمل روح محاكاة وليست أصيلة ولعلها صناعة مسجدية كقول أبي عمروٍ في:
وسنٍّ كسنيقٍ سناءً وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض
ومما يدل على ما نرجحه من أنه مصنوع على ظاهر حلاوته وخفة روحه أن فيه شيئًا من تطويل زائد ليس من حاق جزالة امرئ القيس في شيء، مثلًا: «ذرى البكر لا ترثي له إلخ» فقد سبق قوله: «عقرت بعيري» وهو فوق الرثاء إذ هو زجر، وسبق قوله: «وقد مال الغبيط بنا معًا» وفيه عدم المبالاة وروح اللهو من الشاعر الذي الجهر به في «ذرى البكر إلخ» لا يزيده جودة ولا حاجة إليه. وقوله: «وهاتي أذيقينا جناة السفرجل» طويل، ولا يخلو من غلظة بعيدة كل البعد من لطف: «ولا تبعديني من جناك المعلل» وأجود ما في البيت السفرجل، ولعلها كان في بيتٍ أضاعته الرواة ولفق المسجديون هذا الحلو الظاهر الخاوي الباطن مكانه، وليس كما ترى بكبير شيء.
سابعًا: المضي في خبر عنيزة وتمنعها وذكر يوم ظهر الكثيب:
ويومًا على ظهر الكثيب تمنعت ... علي وآلت حلفة لم تحلل
وهذا يجاء به بعد قوله بعد:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل
стр. 1716
هصرت بفودى رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل
وهذا الوصف له رنة في قوله: «له أيطلا ظبي وساقا نعامة» ولعل الموصوف هنا بقوله: «فلما أجزنا ساحة الحي إلخ» هو بعينه يوم الكثيب الذي تمنعته لقوله:
فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي
والغواية بفتح الغين ضلال العشق ولا تزال كلمات من أصلها تستعمل في دارجتنا يقال هو غاوي فلانة أي عاشقها والغي أي العشق. وزعم بعضهم أن قوله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ أي محبو الشعر وعاشقوه وهذا وجه ضعيف لا يجيزه السياق والاستثناء من بعد، والله أعلم، نعوذ به أن نقول في كتابه بما لا نعلم.
ثامنًا: وهو طرفٌ مما تقدم، مناغاته فاطمة بقوله:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل
قوله: «أفاطم مهلًا» التفات من قوله: «على ظهر الكثيب تمنعت» فكأنه قال مهلًا عن هذا التمنع، والتمتع يعود على قوله من قبل: «عقرت بعيري يا امرأ القبيس فانزل» كما فيه رنة معنًى وإيقاع تتصل بقوله: «وما إن أرى عنك الغواية تنجلي» وتأمل النون وتأمل السين في ساءتك ... سلي ... تنسل بضم السين وكسرها ولا أستبعد الفتح وتخفيف اللام سلي ثيابي تنسلي من ثيابك، خفف اللام ثم حركها بالكسرة وهو وجهٌ في المشدد والجزم يقويه هنا وليس بأبعد من قراءة من قرأ: ﴿وَمِنَ
стр. 1717
النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ في سورة فاطر، وقف عنده ابن جني في المحتسب.
وهذه الأبيات من أرق الشعر ولا أعلم ما قول أصحاب مادية غزل العرب فيها وهو قولٌ ضحل قال به العنصريون خنزوانةً وجهلًا وأخذ به بعض المعاصرين أما عن غفلة وإما عن جهل وإما عن بعض الطلب الضال للتحرر مما يظن أنه قيد من المحافظة والدين، والعجب من مذهب أحمد أمين في هذا الباب.
وفي قول امرئ القيس: «أغرك مني» انظر كيف جاء بالراء في القسيم الأول ثم في أوائل القسيم الثاني: «وأنك مهما تأمري القلب بفعل»، وقوله: «وما ذرفت عيناك» يقابل قوله: «ففاضت دموع العين» وقد فاضت على محمل سيفه وليس له من غناء وقد فاضت عيناها وهما بذلك سهمان يخترقان القلب، وهما أيضًا قدحًا ميسرٍ يلعبان تدللًا بالعاشق- وههنا طيف وظلٌّ من المطية التي عقرها والمطية رمز للشاعر نفسه وقد ذبحت وجعلت أعشارًا وضربت عنيزة بسهميها تلعب بهذه الأعشار المقطعة.
تاسعًا: مغامرة الغرام من عند قوله:
وبيضة خدرٍ لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهوٍ بها غير معجل
وهذا صدًى من قوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة» ومن قوله: «فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ» وكأنه استمرار ورجعة إلى ذلك بعد الرقة التي رقها في قوله: «أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل». وهذه المغامرة التي ذكرها امرؤ القيس كانت أمثالٌ لها مذهبًا عند الشعراء ولعله هو حاكي مذهبًا وقد نبهنا إلى ما نرجحه من قدم قصة العاشقين من أمثال عروة والمرقش في معرض الحديث عن الحسن بن هانئ.
стр. 1718
وفي شعر المهلهل والمرقش الذي بأيدينا لها مشابه، وقد تقدم منا بعض الحديث عن:
ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائمًا
والمغامرة كما يعلم القارئ أصلحه الله في بائية سحيم: «عميرة ودع إن تجهزت غاديًّا» وشيء منها في ميمية عنترة:
يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلمي
قالت رأيت من الأعادي غرةً ... والشاة ممكنةٌ لمن هو مرتمي
فنسبة ابتداء هذا المذهب إلى المخزومي موضع نظر عندنا ولنا إلى هذا عودة في بابه إن شاء الله، نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن إذا وعد وفى.
وقوله: «تمتعت من لهو بها غير معجل» له صدًى إيقاعيٌ معنويٌّ يجاوبه في قوله: «صفيف شواءٍ أو قدير معجل» ولا يخفى أن هذا يقابل شواء يوم دارة جلجل وفيه صاحبة الخدر المخاطبة بهذا الافتخار الغزلي من امرئ القيس إذا تمنعت وإذ قال لها: «فمثلك حبلى» وقوله: «وبيضة خدرٍ لا يرام خباؤها» عدلٌ وموازنٌ ومقابلٌ لقوله: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة» وقوله:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي
من تتمة المغامرة وتتمة حديثه عن الخباء الذي لا يرام، وفيه رنة معنى ونغم نجد ظلالها في قوله من بعد:
وقربة أقوامٍ جعلت عصامها ... على كاهلٍ مني ذلولٍ مرحل
وهذه صفة حال تصعلكه وهو هنا مع الأقوام لم يتجاوزهم، فهذا مكان
стр. 1719
المقابلة. وهو هنا منحنٍ تحت عبء القربة. وقوله: «على كاهلٍ مني ذلولٍ مرحل» فيه رنة قوله:
فسرت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل
وشتان ما سيره هنا وسيره هناك، ومرحل «هنا» و «مرحل» هناك، والذيل المجرور لتعفيه الأثرين، وعصام القربة الذي على الكاهل الذلول ولا يعبأ أحدٌ بالآثار وستعفو إصباح الرياح، وتأمل قوله: ذيل، ذلول.
عاشرًا: قوله:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
وهذا من فواصل القصيدة النغمية الإيقاعية والمعنوية الإيحائية، وفيه توقيت تجاوزه الأحراس ودخوله الخباء الممنع، فهذا يربطه بما قبله. وفيه ذكر هذا النجم وهذا يوطئ لأبيات الليل التي ستجيء ... وصداه.
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتانٍ إلى صم جندل
ويذبل في آخر القصيدة في قوله:
على قطن بالشيم أيمن صوبه ... وأيسره على الستار فيذبل
وكذلك جندل في قوله: «ولا أطمًا إلا مشيدًا بجندل» فهذا ثابت كثبات الثريا في مصامها. و «أمراس كتان» فيها رنة وطيف من «الدمقس المفتل» وقد مر قوله «بكل مغار الفتل شدت بيذبل» والثريا مشبهةٌ بصاحبة الوشاح المفصل.
стр. 1720
حادي عشر: تتمة الخبر عن المغامرة مع التوطئة للوصف:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وهذا يقابل قوله:
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
والمقابلة توقيت وذكر بأية حالٍ وأواخرها.
وقوله: «وقد نضت لنوم ثيابها» له جرس وإيقاعٌ ومعنًى منسجم مع قوله من قبل «فسلي ثيابي من ثيابك تنسل» و «لدى الستر» فيه معنى «ويوم دخلت الخدر» إذ الخدر ستر، وهو المتجاوز له في كلتا الحالتين، ويدلك على أن هذا تكرار وإعادة إيقاع وترجيع لقوله: «ويوم دخلت الخدر» تشابه الترتيب وسياق القصة:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت يمين الله مالك حيلةٌ ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
وهذا كقولها: «تقول لك الويلات إنك مرجلي».
ثاني عشر: قصة اللقاء والوصال:
خرجت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل
وهذا البيت فاصلة معانٍ وإيقاع، وبداية نعت التمثال الذي تحدثنا عنه من قبل. وقوله: «فلما أجزنا ساحة الحي» فيه عودة رنةٍ إلى: «تجاوزت أحراسًا» وفي قوله: «بنا بطن خبتٍ ذي حقافٍ عقنقل» نوع مقابلةٍ مع قوله من قبل: «ويوم دخلت الخدر» يعني الغبيط على ظهر البعير، وقوله «هصرت» يقابل «ولا تبعدينبي