in it, as a necessary consequence, that a poem of any length neither can be, or ought to be, all poetry. Yet if a harmonious whole is to be produced, the remaining parts must be preserved IN KEEPING with the poetry; and this can be no otherwise effected than by such a studied selection and artificial arrangement as will partake of ONE, though not a PECULIAR property of poetry. And this again can be no other than the property of exciting a more continuous and equal attention than the language of prose aims at, whether colloquial or written.
ترجمة هذا على وجه التقريب لا الدقة الحرفية كما يلي:
باختصار أيما معنى ننوطه بكلمة الشعر (Poetry بمعنى الخلق والإبداع) سيوجد فيه داخلًا تبعًا لذلك بالضرورة أن المنظومة ذات أي طول (a Poem of any length) لا يستطاع لها بل لا ينبغي لها أن تكون كلها شعرًا (أي خلقًا وإبداعًا) ولكن لكيما ينشأ كل واحد ذو انسجام فإن على سائر الأجسام أن تكون ذات مناسبة والتئام مع الشعر الذي فيه، وهذا لا يمكن التأتي إلى أحد أحداثه إلا بنوع التخير المدروس والنظام المصنوع الآخذ بخاصة واحدة، من خواص الشعر (أي الخلق والإبداع) لا ينفرد هو بها كل الانفراد، وهذه الخاصة ليست هي إلا تلك التي تثير من الانتباه ما هو أكثر استمرارًا واستواء مما ترمي إليه لغة النثر الكلامي أو المكتوب. (الكلامي أي الشفهي والخطابي ونحو ذلك هذا مراد كلردج من Colloquial).
قلت كأن كلردج يعني بهذا تجويد الإيقاع والنظم الموزون مقفى أو غير مقفى ورصف الكلمات وصناعتها على ترتيب دقيق متماسك. ولا يخفى أن كل ذلك خاصة من خواص الإبداع والخلق (الشعري) غير أنه لا ينفرد بها كل الانفراد
стр. 1787
لإمكان وجودها فيما هو غيره من التأليف المحكم الذي ليس بشعر - (بمعنى الخلق والإبداع) - ولا يخفى ما ههنا من تعمل، إذ لا يعقل أن يكتمل انسجام شعر مع لا شعر كلٍ واحد لمجرد اتفاقها في خويصة واحدة غير جوهرية. ولو قد جرح من جسد الحية شيء لشل ذلك حركتها ولم ينفعها بعد ذلك أن سائرها مشترك في خاصة واحدة وهي قشرة الجلد مثلًا التي تنزع في إبان نزعها على فرض أن ذلك يجعلها غير جوهرية. أم ليت شعري هل مثل كلردج للخلق والإبداع باندفاع انسياب الحية بها إلى الأمام وللوزن والتجويد بحركة التواءة مفاصلها بجسدها إلى الخلف قبل الاندفاع؟ أم عني بالإبداع والخلق إصابة المعاني العالية الشريفة على النحو الذي نوه به لونغينس في رسالته (Longinus) ويشبه ذلك شيئًا حديث ابن قتيبة في مقدمته للشعر والشعراء عن حسن المعنى حيث استشهد بقول الشاعر:
يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ثم استشهد بالأبيات:
ولما قضينا من منًى كل حاجةٍ ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المطايا رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
فهذه لما نص عليه ابن قتيبة من حلاوتها ينطبق عليها تعريف كلردج أنها منظومة حقة. ولو فرضنا منها الطول لمنعها خلوها من شرف المعنى أن تكون شعرًا على الحد الذي حده ابن قتيبة. ولا ريب -وهذا نقوله على سبيل الاستطراد- أن جودة هذه الأبيات من حلاوتها لا من تصويرها كما ذهب إليه بعض من تعقبوه، إذ نحن لا تهتز أوتار قلوبنا لصورة سيرة الأباطح بأعناق المطي فقط ولكن لحلاوة القصص ورنة نغمه. ونزعم بعد أن هذه الحلاوة هي نفسها خلقٌ وإبداع من
стр. 1788
السهل الممتنع الذي مثله قل أن يستطاع، وهذا المراد قد وضحه ابن قتيبة كل توضيح بذكره أن الصورة الموصوفة نفسها ليس في معنى وصفها ذاته من كبير طائل، لكن الإمتاع والحلاوة ذلك هو سر جمالها الكنين.
هذا ونعود إلى ما ذكره كلردج بمعرض تعريفه للمنظومة أنها ما يكون الأرب الأول المقصود إليه فيه هو الإمتاع وأن ذلك ليبس أبدًا هو الأرب الأول المقصود إليه قصدًا مباشرًا في كل شعر حيث ذكر أن في كثير مما كتبه أفلاطن شعرًا وفي أكثر سفر اشعياء.
روعة أسلوب أفلاطن (وإنما نرى منها غيمًا لاطلاعنا على ترجمات منها بالعربية والإنجليزية) غير مدخلته في الشعر حقًّا ولا في الشعراء، وقد كان يعلم ما الشعر عند قومه. وقد ذكر أرسطو طاليس أن نظم امبدوكليس الفلسفي قد يطلق عليه اسم الشعر لأنه منظوم. وقد ذم أفلاطن الشعر وحذر من تأثيره إذ يضل القلوب ويزيغ بها عن سبل الرشد والعدل ونسبة أفلاطن إلى الشعر عند من نسبه إليه كأن ذلك ضرب من المجاز يعبر به عن الإعجاب ببلاغته أو ضرب من الكيد الذي تكاد به فلسفته، وقد كان لها أعداء من أقربهم عهدًا برتراندرسل.
فصول اشعياء ﵇ جارية على آأساليب الموازنة في العبرانية، وقد سبق الحديث عن ذلك في الجزء الثاني بمعرض الحديث عن التقسيم، وكلام النبوة عند بني إسرائيل مقابل للشعر عند العرب وليس بشعر ولكن ما صح منه هو حكمة ونبوة. وقد أنكرت صناديد قريش على رسول الله ﷺ النبوة ونسبوه إلى الشعر، كأنهم يزعمون بذلك أن النبوة أمر خصت به بنو إسرائيل ولا يكون من عربي إلا دعوى وافتراء. وإنما زحزحوه في زعمهم هذا إلى الشعر ليميتوا الدعوة، فأبى الله عليهم ذلك. وعلى تقدير التسليم أن أشعيا كله أو جله أو أوله شعر بكل تأكيد- أو كما قال كاردج ونص لفظه in the most emphatic sense
стр. 1789
(٢ - ص ١١) - فذلك إنما يكون على أن أسلوب الموازنة في العبرانية من أساليب النظم الموزون الذي يصح أن يطلق عليه اسم الشعر، وعلى هذا لا تكون لكلردج حجة لزعمه أنه غير موزون وزن الشعر وأن الوزن ليس بشرط يكون به الكلام في ما يكون به، لا بدونه، شعرًا. وعدم تقدير التسليم أنه شعر هو الوجه الصائب لأنه من كلام النبوة. وهذا ما جعل كلردج نفسه لا يجعله من قبيل المنظومة Poem (لأنه إنما اريد به الإبلاغ الحق لا الإمتاع أول من كل شيء وهذا عند كلردج شرط لما سما المنظومة الحقة Just Poem و Legitimate Poem أطلقنا عليه لمجرد قصد التقريب لا صحة الترجمة اسم القصيدة) ولا يخفى أن ههنا في كلام كلردج نوعًا من المغالطة وهذا دأب يعسر المحيد عنه كلما أقحمت الفلسفة وطريقة المتكلمين وأهل الجدل على تذوق أساليب لشعراء ونقدها. وقد نظر كلردج فيما ذكروا إلى الفلاسفة وإلى بعض تلاميذ «كانت» على الخصوص وعنده -ذكر ذلك في آخر الفصل الثالث عشر من ترجمته الأدبية في آخر المجلد في نص قصير في صفحة ٢٠٢ - أن الإبداع والخلق ينشأ من خيال الإدراك الثاني، أو قل الخيال الثاني على حد تعبيره هو The Secondary Imagination، وخيال الإدراك، أي الخيال والتصور الذي يكون به الإدراك، عنده ضربان. الضرب الأول The Primary Imagination أو كما قال:
The primary IMAGINATION I hold to be the living Power and prime Agent of all human Perception, and is a repetition in the finite mind, of the eternal act of creation in the infinite I AM. The secondary Imagination I consider as an echo of the former, co-existing with conscious will, yet still as identical with the primary in the KIND of its agency, and differing only in DEGREE and in the MODE of its operation. It dissolves, diffuses, dissipates, in order to recreate; where this process is rendered impossible, yet still at all
стр. 1790
events it struggles to idealize and unify. It is essentially VITAL even as all objects (as objects) are essentially fixed and dead.
Fancy, on the contrary, has no other, counters to play with, but fixities and definites. the Fancy is indeed no other than a mode of Memory emancipated from the order of time and space; while it is blended with, and modified by that empirical phenomenon of the will, which we express by the word CHOICE (١) .
وترجمة هذا على وجه التقريب كما يلي:
«الخيال الأول هو القوة الحية والوكيل في الإدراك البشري بأسره وكأنه تكرار في حدود العقل الآدمي لعمل الخلق السرمدي في الكلمة «أنا كائن» التي لا تحد. والخيال الثاني هو صدى من الذي سبق، يكون مع مساوقته للإرادة المتعمدة له، كأنه هو ذات الأول في نوع وكالته مختلف عنه فقط في الدرجة وفي نوع الأداء. أنه يذيب ويبث ويبدد من أجل أن يخلق من جديد. وإن لم يتيسر له هذا فإنه يعطو نحو الكمال والوحدة بجهده على كل حال. إنه بالضرورة وكيل حي، إذ سائر الأشياء من حيث هي مجرد أشياء إنما هي ثوابت وميتات، أما التوهم Fancy فليس له مما يتعلق به إلا الثوابت المحددات، إذ ليس هو إلا ضربًا من التذكر أطلق سراحه من ربقة الزمان والمكان، وخالطته وعدلت منه تلك الظاهرة التي نعلمها بالتجربة من الإرادة، ونعبر عنها مفصحين باختيار اللفظ. ومع التذكر المألوف سواء بسواء لا يقدر التوهم إلا على أن يوافيه كل شيءٍ يبغيه مجهزًا معتدًّا من طريق قانون تداعي المعاني».
стр. 1791
في نص كلردج غموض من اصطناعه منهج الفلاسفة ومن عادته في التطويل وتعبيره عن البسائط بالمعقدات، وقد ضرب هو مثلًا لنحو من ذلك بعيني السنور اللتين تبدوان في الظلمة كالنار المشتعلة وما هما إلا مجرد بريق من انعكاس الأضواء. وفحوى كلامه أن ابن آدم يحاكي عمل الله في الخلق والإبداع على مرحلتين، الأولى تلقائية وهذا التي يتم له بها إدراك نظام الكون حوله. ذلك بأن ما يشاهده ابن آدم من طريق الإدراك غامض غير منتظم. فالذي يعقد النظام بينه هو امتداد ذاته إليه من طريق الخيال الأول. امتداد ذاته هكذا تلقائي عفوي مستمد من روح الله، وتكرار لامتداد حقيقة ذات الله حين امتدت على الفوضى والظلمة فأبدعت منها خلقًا ونظامًا. ذات الله التي صنعت هذا هي «أنا كائن» اللامتناهية، التي وردت في مقال المسيح (إنجيل يوحنا ٨ - ٥٨) «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» «Before Abraham Was I am». وذات ابن آدم التي تدرك بخيال امتدادها التلقائي الذي ينشأ عنه نظام المدركات حولها، هي «أنا كائن» المتناهية أو قل «أنا المتناهية». و «أنا اللامتناهية» هي الأصل القدمي (قلت لا يخفى أن إبداع الخلق من الظلمة ومن هيولي ليس للمسلمين بمقال، ولكن مقال المسلمين أن الله قد أوجد الكون من العدم بإرادته على غير مثال سابق وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده).
المرحلة الثانية هي تسليط «أنا المتناهية» ذات الشاعر مثلًا -بمجهود إرادي متعمد. ههنا امتداد للذات من نوع الامتداد التلقائي الأول ومن معدنه. وهذا هو الخيال الخلاق، الذي يبدد ويذيب لكي يخلق من جديد. ذلك بأنه يمتد إلى ما أدركه من نظام ليصبغه بشعوره وانفعاله وينقل هذا المعنى إلى الآخرين فيخلقه خلقًا آخر. وإن لم يقدر على هذا الخلق، اجتهد ليصل بما يحاوله إلى نوع من السمو به إلى الكمال إلى إيجاد الوحدة في ما يجده منه متفرقًا.
стр. 1792
وقد سمى كلردج كلتا هاتين المرحلتين Imagination أي الخيال. وفرق بين هذا وبين ما سماه fancy أي التوهم، وجعله من قبيل التزيين والتحسين، وأصله من التذكر وتداعي المعاني، وعليه عنده مدار كثير من المجاز والتشبيه والمحسنات اللفظية. وغير خافٍ أن كلردج قد خلص إلى التفرقة بين الشعر والمنظومة الحقة، أنها لا تكون ولا ينبغي لها أن تكون كلها شعرًا، بسبب جعله الخلق والإبداع أساسًا في ماهية الشعر Poetry ثم لجعله الخلق والإبداع الصادر عن المقدرة البشرية أمرًا محدودًا متناهيًّا إذ اللامتناهي هو الكلمة، هو أنا اللامتناهية في مقال عيسى ﵇ حسب رواية إنجيل يوحنا «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». وانضاف إلى هذا الاعتقاد الديني من جانب كلردج عامل آخر هو طول المنظومات في أشعارهم، وقوله عن المنظومة (ذات أيما طول of any length) يدل على ذلك، غير أن جانب العقيدة الدينية هو العنصر الكبير الجوهري في الذي قال به من التفرقة بين المنظومة Poem والشعر Poetry.
هذا وعندي أن أصل مقالة كلردج في التفرقة بينهما من مقال المسلمين بأن القرآن معجزة رسولنا ﵊. وعند متكلمي أهل السنة أن إعجازه في أن نظمه في الذروة من البلاغة وأنه لا تفاوت فيه. قال ابن الباقلاني في ثالث المعاني العشرة التي فسر بها إعجاز القرآن (كتابه ص ٥٤: وفي ذلك معنى ثالث وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود المدح دون الهجو ومنهم من يبرز في الهجو دون
стр. 1793
المدح. ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ. ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام. ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره، ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم؛ لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم. فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه، استغنينا عن ذكر من هو دونهم. وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها. ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلًا، ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر تقصيرًا عجيبًا ويقع ذلك من رجزه موقعًا بعيدًا، ومنهم من يبلغ في القصيد الرتبة العالية ولا ينظم الرجز أو يقصر فيه مهما تكلفه أو تعلمه. ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانًا بينًا ومنهم من يوجد بضد ذلك. وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حدٍ واحد في حسن النظم وبديع التأليف والوصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا. وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدٍ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناها غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية
стр. 1794
البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر؛ لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن» أ. هـ.
فحوى حجة ابن الباقلاني أن القرآن معجز بنظمه الذي هو في ذروة بلاغة أساليب العربية وأنه مع ذلك لا تفاوت فيه. وقد جرت هذه الحجة ابن الباقلاني إلى أن يبرهن بكل وجه على وجود التفاوت لا بل التهافت والضعف الشنيع كما رأيت في شعر امرئ القيس وقد نبهنا على أن ابن الباقلاني قد غلب عليه في صنيعه هذا حب الغلبة ومراء الجدل وأوشك أن يحيد به عن قصده الأهم الذي من أجله وضع كتابه في الإعجاز، إذ لا يخفى أن أمر إقامة الحجة الدينية في إعجاز القرآن كان هو مطلوبه الأول لا الحجة الأدبية الذوقية وأنه هو المقصد الأهم.
أصل حجة ابن الباقلاني في عدم التفاوت -وهو عنده دليلٌ على الإعجاز- مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [سورة الملك] ولو أن ابن الباقلاني قد كان من شيوخ المعتزلة لاحتج لمقالته بهذه الآية. ولكن ابن الباقلاني كان من شيوخ أهل السنة ومتكلميهم معروفًا بذلك مشهودًا له فيه، وما كان أحد من أهل السنة ليقول بخلق القرآن إذ هو كلام الله المنزل القديم. وكأن ابن الباقلاني تنبه إلى أن مقالته بعدم التفاوت في أسلوب القرآن وإن المعجزة في استواء حال الحسن في وصف النظم القرآني نفسه ربما اشتم منها معنى القول بخلق القرآن فقال من بعد في آخر الفصل الذي أخذنا منه القطعة المتقدمة (ص ٧١) وهو الفصل الذي يتناول فيه الحديث عن جملة وجوه إعجاز القرآن (راجع من ص ٤٨ - ٧١): «فإن قيل فهل تزعمون أنه معجز لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه أو لأنه عبارة عنه أو لأنه قديم نفسه قيل لسنا نقول بأن الحروف قديمة فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضًا أن وجه الإعجاز في نظم
стр. 1795
القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله؛ لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله معجزات في النظم والتأليف وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك، وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها وقد ثبت خلاف ذلك». انتهى.
غاب عن ابن الباقلاني أن أهل الكتاب يعدونه في الذروة من البلاغة. وترجمة الكتاب المقدس التي قامت بها دار الكتاب المقدس في العالم العربي ما حاد الآن بأسلوبها عن منهج رصانة أساليب العربية وإشراق ديباجتها إلا نوع من الحرص على محاكاة أساليب الأصول التي رأى القائمون بالترجمة إنهم لو حادوا عنها إلى منهاج العربية لأضاعوا بذلك روح قداسة الأصول التي عنها ينقلون. تأمل مثلًا ما تقدم من حكاية قول المسيح ﵇ حسب رواية إنجيل يوحنا (٨٠ - ٨٥): «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (١)» وقول أشعيا (١ - ١١) «يقول الراب اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسره» (٢) وقول ابن داود الملك في أورشليم ١ و ٢: «باطل الأباطيل، قال الجامعة، باطل الأباطيل، الكل باطل، ما الفائدة للإنسان في كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس» (٣) وقول داود في رثائه طالوت وابنه (صمويل الثاني): «يا جبال جلبوع لا يكن طل ولا مطر عليكن ولا حقول تقدمات. هناك طرح مجن شاول بلا مسح بالدهن (٤)» فجميع هذه الأمثلة وعلى أسلوبها نهج الترجمة كلها غير
стр. 1796
مستقيمات على منهاج بلاغة الديباجة العربية وإشراقها لمراعاتهن نظم تراكيب أعجمية: تأمل «حقول تقدمات» مثلًا وقوة شبهها بالترجمة الإنجليزية nor fields of offerings وبعد ذلك من روح العربية ورصانتها ودلالة ألفاظها.
هذه النصوص التي تقدمت من الكتاب المقدس في ترجمته العربية الحديثة لو نظرت في ترجمتها الإنجليزية فإنها في الذروة من الروعة في الإنجليزية ونثبتها في الهامش إكمالًا للفائدة بحسب توالي الأرقام المذكورة في أواخرها.
ذلك أن زمان تلك الترجمة اتصلت فيه قوة عقيدة القائمين بها بقوة ملكتهم في لغتهم التي كانت حينذاك في أوج زمان نضجها ومرونتها. على أن ابن الباقلاني عنده أن الإعجاز بالنظم لا يتأتى في أية لغة كما يتأتى في العربية: (انظر ص ٤٤) قوله: «فإن قيل فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله معجز كالتوراة والإنجيل والصحف قيل ليس شيء، من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزًا كالقرآن فيما يتضمن من الخبار عن الغيوب. فإنما لم يكن معجزًا لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن، ولمعنى آخر وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز ولكنه يتقارب».
قلت هذا موضع استشهادنا. ويوضح ابن الباقلاني هذه الدقيقة من رأيه بقوله بعد: «وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة ويقولون ليس يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقدم العجيب. ويمكن بيان ذلك بانا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء ما نعرف من اللغة العربية، وكذلك لا نعرف الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة كما تناوله العربية وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات ووجوه الاستعمالات البديعية التي يجيء تفصيلها يعد هذا ويشهد لذلك من القرآن أن الله وصفه بأنه بلسان عربي مبين،
стр. 1797
وكرر ذلك في مواضع كثيرة وبين ان رفعه عن أن يجعله أعجميًّا. فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة. وإنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله إنه عربي مبين إنه مما يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم ولا يحتاجون في تفسيره إلى سواهم فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضًا كما أفاد بظاهره ما قدمناه. ويبين ذلك أن كثيرًا من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة وهم من اهل البراعة فيها وفي العربية، فقد وقعوا على أن ليس يقع فيها من التفاضل ما يقع في العربية. أ. هـ.» قال ابن الباقلاني بعد هذا: (ص ٤٦) «ومعنى آخر وهو أنا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادعوا الإعجاز لكتابهم ولا ادعى لهم المسلمون إلخ» وهذه الدعوى أولها غير صحيح كما قد تقدم من قولنا وقال بعد: (ص ٤٦): «ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة على ما قد اتفق في العربية» وهذا مأخوذ من قول الجاحظ في الحيوان (ح ١ - ص ٧٥ المصورة من طبعة تحقيق محمد عبد السلام هرون) «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب وعلى من تكلم بلسان العرب والشعر لا يستطاع أن يترجم إلخ».
هذا وقد مهد ابن الباقلاني لرأيه الذي ذكرناه آنفًا بقوله في آخر فاتحة كتابه الإعجاز (ص ٨): «ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه وأردنا شرحه وتفصيله لمن كان عن معرفة الأدب ذاهبًا وعن وجه اللسان غافلًا؛ لأن ذلك مما لا سبيل إليه، إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية، وقد وقف على جملٍ من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملةً من طرق المتكلمين، ونظر في شيء من أصول الدين. وإنما ضمن الله فيه البيان لمثل من وصفناه فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾» انتهى. قلت: هنا قد أثبت أبو بكر بن الباقلاني ﵀ جانب الكلام وحجة المعتقد الديني وذلك مقصده الأول ودافعه
стр. 1798
الذي حداه إلى تأليف كتابه وهو بذكر هذا الذي ذكره من التمهيد في فاتحته منصف.
على أنه معدن حجة ابن الباقلاني لمن تأمله من كلام المعتزلة. أهل السنة وهو منهم ينكرون القول بخلق القرآن كما ينكرون ما اشتهر من قول المعتزلة بالصرفة أي أن الناس صرفوا عن الإتيان بصارفٍ من الله ولو لم يصرفوا فربما قدروا على الإتيان بمثله. وهذا قول مغالطة ضعيف ولا يخلو من أنفاس زندقة والعجب لابن خلدون حيث أخذ بطرف منه في المقدمة في معرض الحديث عن تعليم الصبيان. كان الجاحظ يقول بإعجاز القرآن بنظمه وله كتاب في ذلك ذكرنا إشارة ابن الباقلاني إليه وأن الجاحظ ذكر منه موجزًا في الحيوان (الجزء السادس) وذكر الجاحظ مقالة في الصرفة كأنه قد احتفظ بها على أنها علامة من علامات اعتزاله، (ولعل الجاحظ والله أعلم بالسرائر) قد كان من أهل السنة في السر وكأنه منفردٌ بها بين القائلين بالصرفة وهي في الجزء الثالث من الحيوان وفحواها أن العرب لو لم يصرفوا بصارف من الله لكانوا قد شوشوا بتشويشات مفتريات ولكان ذلك قد أحدث فتنة ولكابر به مكابروهم. وهذا الوجه الذي قال به الجاحظ ضعيف ينقضه ما ورد في القرآن من وقوع تشويش المشركين بالفعل على النبي ﷺ وبالقول وقبولهم تحدي القرآن وانبرائهم لمباراتهم قال تعالى [سورة الأنعام]: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال تعالى [سورة فصلت]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ هذا عين المعنى الذي تمسك به أبو عثمان للدفاع عن صرفته، ولعل هذا القول الضعيف الذي مرض به الجاحظ لاعتزاله هو الذي وقع عند ابن خلدون موقعًا وغالط به حيث ذكره في المقدمة وهو من زلاته والكمال لله وحده علوًّا كبيرًا.
стр. 1799
ولد ابن الباقلاني حجته من كلام الجاحظ والبيانيين في النظم إذ لا نشك أن الجاحظ ﵀ قد سبق إلى ما قاله. وكلام البيانيين مضمن في كثير من شعر الشعراء وخاصة شعر أبي تمام وقد جمع ذلك البحتري في أجود صياغة في قصيدته التي مدح بها ابن الزيات ومطلعها:
بعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود
ولم يخل في الذي صنع من نظر إلى نعت أي تمام للقلم في كلمته التي أولها:
متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل
وأبيات البحتري هي قوله:
في نظام من البلاغة ما شك امرؤ القيس أنه نظام فريد
وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد
مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد
حجج تخرس الألد بالألفاظ فرادى كالجوهر المعدود
حزن مستعمل الكلام اختيارًا وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن به غاية المراد البعيد
وقد استشهد ابن الباقلاني بهذه الأبيات على أنها في وصف بلاغة الشعر وهو يعلم أنها في وصف بلاغة نثر ابن الزيات إذ مقدمتها:
لتفنت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
وعبد الحميد إنما كان كاتبًا وعمي عن اسم ابن الزيات بقوله وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب (ص ١٧٤) فتأمل، هذا مع استشهاده بأبيات من قصيدة أبي تمام اللامية وهي أيضًا في ابن الزيات (١٦٢) وفيها نعته للقلم الذي أشرنا إليه وأوله:
لك القلم الأعلى الذي بشبابه ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
стр. 1800
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجني اشتارته أيدٍ عواسل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل
وكأن أبا تمام هنا يصف قلمه هو لا قلم ابن الزيات.
ما من حجة ذكرها ابن الباقلاني في نظم القرآن إلا قد أخذها، مع علمه بأقوال البيانيين والجاحظ على الخصوص، أخذ انتزاع من أبيات البحتري هذه لمجيئها مرتبة الحجج منسوقتها نسقًا رشيقًا واضحًا. وقد جزاه على ما ذكر من استحسانه لديباجته وتفضيله فيها على ابن الرومي إن غض مع ذلك من قدره وزعم أن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصيره «مع جودة نظمه وحسن وصفه (أحسبها رصفه) في الخروج من النسيب إلى المديح» (ص ٥٦) وقال (ص ٤٦ (١)) «وهو غير بارع في هذا الباب وهذا مذموم معيب منه» وعندنا أن هذا مذهب من مذهبه له ما يبرره وسنعرض له في بابه إن شاء الله. وتتبع ابن الباقلاني لاميته التي مطلعها:
أهلًا بذلكم الخيال المقبل ... فعل الذي نهواه أم لم يفعل
وبعد أن وصفها بأنها أجود شعره- وقال (ص ٣٣٣) «فنتكلم عليها كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس ليزداد الناظر في كابتنا بصيرة» ومحقق الكتاب السيد أحمد صقر مع شدة إعجابه بالباقلاني وازدياد بصيرته بلا شك في كتابه لما أدمن عليه من درسه لم يعفه في الذي تناول به البحتري من تهمة التجني وأنه حاد عن الجادة. انظر المقدمة من ٩٢ - ٩٥. ومن أمثلة تتبع ابن الباقلاني للبحتري قوله: «البيت الأول في قوله ذلكم الخيال ثقل روح وتطويل وحشو وغيره أصلح
стр. 1801
له وأخف منه قول الصنوبري:
أهلًا بذاك الزور من زور ... شمس بدت في فلك الدور
وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف فيصير إلى الكزازة وتعود ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عيًّا وبراعته تكلفًا وسلاسته تعسفًا وسلاسته تلويًّا وتعقدًا فهذا فصل (ص ٣٣٥)».
قلت ومع كون هذا المطلع من البحتري ليس من روائع مطالعه (لا ولا هذه القصيدة كلها من درجاته الأولى التي هي في الذروة) ومع أن عجز البيت:
فعل الذي نهواه أو لم يفعل
ضعيف كما ذكر ابن الباقلاني، لا ريب بيت الصنوبري الذي أورده أضعف وآخره آبدة.
قال الأستاذ صقر (ص ٩٣ من المقدمة) «ولست أشك في أن الباقلاني قد حاد عن جادة الصواب عندما حكم بأن بيت الصنوبري أخف من بيت البحتري وغني عن البيان أن بيت الصنوبري ثقيل بالغ الثقل. وحسبه أن يجتمع في شطره الأول «الزور من زور» وأن يكون في شطره الثاني كلمة «الدور» ليأخذ سبيله إلى مستقره في حضيض الشعر الأوهد» أ. هـ. قلت ليس بيت الصنوبري في الحضيض الأوهد. ولكنه مولد من صدر بيت البحتري وعجز بيت لأبي تمام «بشمس لهم من جانب الخدر تطلع» -وهو ظريف بضم الظاء وتشديد الياء ولكن ليس بكبير شيٍء. وكذلك سائر شعر الصنوبري وكان مع ذلك محظوظًا لا يخلو شعره من أن يستشهد به في بعض المواضع- كاستشهاد المعري في رسالة الغفران مثلًا ببيته:
تخليه ساطعًا وهجه ... فتأبى الدنو إلى وهجه
стр. 1802
وعرض ابن الباقلاني لبيت البحتري التالي للمطلع:
برقٌ سرى في بطن وجرة فاهتدت ... بسناه أعناق الركاب الضلل
فقال: «فأما بيته الثاني فهو عظيم الموقع في البهجة وبديع المأخذ حسن الرواء أنيق المنظر والمسمع يملأ القلب والفهم ويفرح الخاطر وتسري بشاشته في العروق، وكان البحتري يسمى نحو هذه الأبيات عروق الذهب وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة وحذقه في البلاغة» قلت وبعد هذا الإطراء كله أضاف قوله: «ومع هذا كله فيها ما نشرحه من الخلل مع الديباجة الحسنة والرونق» وأخذ بعد في شرح الخلل من حشو وغلو ثم تكرم فأثنى على البحتري بأنه حدد البرق بموضع واحد وهو وجرة ولم يحدده بأربعة حدود كما فعل امرؤ القيس «الدخول فحومل فتوضح فالمقراة كأنه يريد بيع المنزل» (ص ٣٣٧) وهذه من ابن الباقلاني على طريقة أسلوبه في تناوله الشعراء عبارة سوقية وكأنه شعر بذلك فحاول أن يتلافى سوقيتها بضرب من التفقه فقال «فيخشى إن أخل بحد أن يكون بيعه فاسدًا وشرطه باطلًا، فهذا باب -وليس كما قال البحتري ألمًا فات تلاف-» الإشارة إلى قوله:
ألما فات من تلاقٍ تلاف ... أم لشاكٍ من الصبابة شافي
حسبنا هذا القدر من تجني ابن الباقلاني على البحتري وسوء جزائه له على أخذه منه. من أمثلة أخذه منه قوله (٦٣/ ٦٤) «ومعنى ثامن وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر الكلمة منه في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الأسماع وتتشوف إليها النفوس ويرى وجه رونقها باديًّا غامرًا سائر ما تقرن به كالدرة التي ترى في سلك من خرز أو كالياقوتة في واسطة العقد». هذا من قول البحتري: «نظام فريد» وقوله: «بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود» وقال ابن الباقلاني وقد مر ذكرنا له: «وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة القصة تفاوتًا بينًا ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا في القرآن فيما يعاد ذكره
стр. 1803
من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن»: هذا أصله من قول البحتري:
مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد
وقد غلا البحتري في صفته بلاغة ابن الزيات غير أنه احترس بأن جعل رسائله، وهي التي يصف فاقدة لنظام الشعر ولو وجدته لهجنت شعر الفحول:
ومعان لو ضمنتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
فكأنه دل بهذا أن بلاغتها دون بلاغة الشعر -واكتفى بجعلها في باب الرسائل قمة أو كقمة:
لتفننت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميد
أبيات البحتري فيها بعد -إلا هذا الذي احترس به من تفضيل الشعر من طرفٍ خفي- نعتٌ لما يكون من أعلى ذرا البلاغة ولذلك اعتمدها ابن الباقلاني وولد منها ما ولد من حجج في معاني الإعجاز -على أنه حرصًا على إخفائه الانتفاع بها والأخذ منها -والله أعلم- حذف مما استشهد به منها البيتين اللذين اعتمد عليهما أكبر الاعتماد وهما:
مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد
حجج تخرس الألد بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود
اللهم إلا أن يكون سقوطهما من كتابه من زلل النساخ وسهوهم.
قول ابن الباقلاني بإعجاز النظم يعارض به كما لا يخفى قول المعتزلة بالصرفة. وقوله بعدم التفاوت الذي جعله جزءًا من قوله بإعجاز النظم مولد من فكرة الخلق إذ مع اعتقاده أن كلام الله هو القديم المنزل وليس بمخلوق، قد قال كما
стр. 1804
مر بك من قوله: «لسنا نقول بأن الحروف قديمة». وما ليس بقديم فهو محدث مخلوق. وكما ليس في خلق السبع الطباق تفاوت ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ - كذلك ليس في حروف القرآن وائتلافها في كلم ونسق ونظامٍ من تفاوت. صلة هذا بقول المعتزلة لا تخفى على نفور ابن الباقلاني من هذا الأصل.
هذا وحجة ابن الباقلاني هي بعينها حجة كلردج حيث ذكر أنه أيما معنى ننوط بدلالة كلمة الشعر فإنها تتضمن بالضرورة أن المنظومة لا تكون كلها شعرًا ولا يجوز لها ذلك. ذلك بأن الشعر Poetry خلق وإبداع عنده. وأن أصله من محاكاة «أنا» المتناهية البشرية بواسطة الخيال الثاني لعمل الخيال الأول، وهذا بدوره تحاكي «أنا» البشرية المتناهية فيه «أنا» اللامتناهية القدسية التي في قول يسوع «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». الخيال الأول، كما تقدم، يتم به وعي المدركات من طريق امتداد الذات إليها بالترتيب والنظام التلقائي، والخيال الثاني يجدد خلق ما وعاه إلى تكرار عمل الخيال الأول، عمدًا إراديًّا يذيب به ويبث ويبدد لكي يخلق من جديد. جلي من هذا أن الخيالين الأول والثاني بحكم تناهيهما البشري الذي لن يبلغا مدى اللامتناهي. هذا ما نزعم أنه يشبه حجة التفاوت وعدم التفاوت بسبب دخول العامل الديني الذي يتجاوز كل حد ويرتفع عن كل عجز، وهو أن يكون الفعل منسوبًا إلى الخالق الأزلي القديم، إلى الله إذ أنزل الوحي على رسوله ﷺ في قولنا- وإلى يسوع والكلمة في قول النصارى لغلوهم في قدسية المسيح على نحو ننكره كما هو معلوم.
حجة كلردج في سنخها دينية وكان كلردج في أعماقه داعية دينيًّا. قال من رسالة كنب بها وأوردها ألان غرانت Allan Grant في ص ٣٣ من كتابه A preface to Coleridge, Longmans, London ١٩٧٢ - ٧٧ ما معناه على وجه التقريب «أحيانًا
стр. 1805
ربما أحس ضروب الجمال التي ذكرتها جميلة في ذاتها ومن أجل ذاتها. ولكن أكثر الحين تبدو لي جميع الأشياء الصغيرة حقيرة. كل العلم الذي يمكن أن نبلغه والمعرفة إن هو إلا لعب أطفال. الكون كله هل هو إلا كومةٌ ضخمةٌ مكومةٌ من أشياء صغيرة؟ لا أستطيع التفكر والتأمل إلا للأجزاء وكل الأجزاء فهي صغيرة. كأن عقلي يؤخذ بصداع إن كلف رؤية الشيء العظيم وعرفانه، الشيء الواحد الذي لا يتجزأ. وباعتقادي وجود هذا الواحد الذي لا يتجزأ أجد أن الصخور والشلالات والجبال والمغارات تنيلني شعوًا من الرفعة والجلال. ولكنني بهذا الاعتقاد أجد جميع الأشياء ما يبدو من لا نهائيتها إنما هو زور وباطل». قال ألان غرانت في أول ترجمته من كتابه المذكور آنفًا (مقدمة لكلردج) ص ٢٨: «صمويل تايلور كلردج الشاعر الناقد الأدبي والفيلسوف الديني ولد في ٢١ من أكتوبر سنة ١٧٧٢ م إلخ» وبمناسبة ذكر تاريخ مولده فإن وفاته كانت في ٢٥ يولية سنة ١٨٣٤ م وقال غرانت في معرض حديثه عن أصول رومنتيكية كلردج: «هذا وقد كان كلردج من قبل لقائه ورد زورث سنة ١٧٩٥ م يرى أن الشعر كالأداة للدعاية للعقيدة المسيحية دينًا، وللمبادئ الديمقراطية فيما يتعلق بالسياسة وحرية التعبير». (هذه ترجمة تقريبية وراجع الأصل ص ٣٣ و ٢٩ و ٢٨ و ١٥).
قرأ كلردج في كمبردج وفي جوتنجن وكان يعرف عدة لغات وسافر في أوروبا وزار إقليم البحر المتوسط وأقام في جزيرة مالطة زمنًا وكان له تعليق بالفلسفة والأديان ومما ذكر في رسالته التي تقدمت الإشارة إليها: «أحيانًا أميل إلى قول البراهمة أن العقود خير من القيام وأن أرقد خير من أن أقعد وأن أنام خير من أكون يقظًا وأن الموت أفضل الأحوال جميعًا» ورحم الله أبا الطيب حيث قال:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًّا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
стр. 1806
وذكر كلردج في رسالة أخرى أنه من قراءته في زمان مبكر الحكاية الخرافية وعن الجن Gennii وما أشبه قد اعتاد عقله إلف ما هو شاسع واسع ولم يعد يرى أن الحواس هي أساس لما يعتقده. وذكر أنه قرأ من قصص ألف ليلة وليلة كتابًا ملك عليه لبه ولا سيما قصة رجل كان عليه أن يجد عذراء بكرًا كاملة الإحصان، وأنه كلما أصابت الشمس نافذة الدار كان يمسك به ويقرأ وهو يتشرق وأن أباه فطن لكتبه هذه يومًا فأحرقها وأنه حينئذ صار أمرأ تغلب عليه أحلام الخيال ولا يميل إلى ما هو من باب الحركة ونشاط الأجسام.
هذا ومهما يكن من أمر ثقافة كلردج واطلاعه فلا تستبعدن أن تكون حجة ابن الباقلاني وأقوال متكلمي المسلمين في الإعجاز القرآني قد بلغته من طريق درسه وتجربته واتصاله بالأدباء والعلماء في شتى الأقطار ممن يكون قد ترحل وحذق أصناف اللغات وقرأ أصناف الكتب. وقد كان ما ترجم الأوروبيون من تصانيف الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام كثيرًا. «فمن ذلك ترجمة وليم بدويل William Bedwell (١٥٦١ - ١٦٣٢ م) لمعاني القرآن وكان مستشرقًا وذكره الزركلي في أعلامه، الطبعة الثالثة ٩ ص ٢٢٥». وقد كان القرن الثامن عشر الميلادي قوي الاتصال من رجالات الفكر الأوروبي بالشرق كثيرًا أخذهم من علومه وآدابه وقد تجد الإفرنج أميل لأن يذكروا في باب الدين البراهمة ونحوهم من أن يذكروا الإسلام، وكثيرًا ما يقع هذا ونحوه في كلامهم كموقع الرمز له والكناية عنه. من هذا، الذي نسبه كلردج إلى البراهمة، فبعضه كما لا يخفى من أقوال المتصوفة والزهاد في الفناء وما أشبه، وهؤلاء أقرب لأن يكون أخذ عنهم من أن يكون قد أخذ عن البراهمة، إذ عهد اتصال حضارة أوروبا بأسباب حضارة المسلمين أقرب من زمان قوة ارتباط بريطانية بالهند وإنما كانت أوائل ذلك في القرن الثامن عشر نفسه وكانت قوته من بعد.
وإنما جرنا إلى إطالة هذا الفصل ما نراه من فتنة بأمر التفرقة بين القصيدة
стр. 1807
Poem (وأجود أن يقال المنظومة) والشعر Poetry وأنا المتناهية وأنا اللامتناهية وما أشبه مما ينبغي أن يرد إلى أصوله. وعندنا أن قول المسيح ﵇ في الرواية التي رواها إنجيل يوحنا ينبغي أن نؤوله نحن على معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [سورة الأعراف] وهذا باب أخر ولكل مقام مقال وقبل أن ننهي حديثنا في مجال هذا الفصل ننبه في الاحتجاج لما قدمناه من أن أصول كلام كلردج يمكن ردها إلى مقالات المسلمين من أجل سعة اطلاعه وإلى إشارته إلى ابن رشد في السطر الخامس من ص ٣٥ من الجزء الأول من ترجمته الأدبية وجاء في الهامش في تعليق له هو على هذه الإشارة «وإذا أردنا أن نجعل المعنى الذي أراده العلامة المسلم Sacren عبارةً عصريةً» أو كما قال:
So to modernize the learned sacaren's meaning واصل كلمة Saracen كانت تطلق على المسلمين أيام القرون الوسطى الأوروبية وزعم قاموس أكسفورد أن أصل استعمالها روماني ويوناني. والله تعالى أعلم.
الأغراض:
اعلم أصلحنا الله وإياك أن أغراض الشعر أكثر من أن تحذ وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز يذكر الشعراء ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ فهذا مداه أكثر من أن يحد كما ترى.
وفي الشعر الكاذب والصادق وفي الشعراء الكاذب والصادق. وقد نعلم خبر لبيد قبل إسلامه إذ كان ينشد قوله:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ... وكل نعيمٍ لا محالة زائل
стр. 1808
وكان ذلك أيام أوائل دعوة الإسلام بمكة فذكروا ان عثمان بن مظعون ﵁ قال له: صدقت عند صدر البيت. وقال له كذبت عند عجز البيت، وذلك أن نعيم الجنة لا يزول. وقد يجيء الشاعر بالعبارة الصادقة، أو الكاذبة ولا يكون هو بالضرورة من حيث جانبه الخلقي صادقًا أو كاذبًا. فلبيد جاء بعبارة كذب من حيث تعميمه الزوال على كل نعيم، واعتقاده صحة ما قاله يدل على أنه لم يكن في نفسه كاذبًا ولذلك عظم إنكاره ما جبهه به الصحابي الجليل. ويجوز أن تجيء العبارة الصادقة من غير صادق بها. وقد أدخل المعري الحطيئة في جنة غفرانه بقوله:
أبت شفتاي اليوم ألا تكلما ... بهجرٍ فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهًا شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله
ولم يدخله بقوله:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
لأنه، كما زعم، سبقه إلى معناه الصالحون ونظمه هو ولم يعمل به. تفصح به تفصحًا من غير إخلاص.
قال تعالى جل من قائل [البقرة]: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وزعم ابن رشيق في أوائل العمدة أن من فضائل الشعر أن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسن فيه واحتج بقول كعب للنبي ﷺ :
مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة فلم ... أذنب وقد كثرت في الأقاويل
стр. 1809
قال (ص ٢٤ ح ١ من العمدة) «فلم ينكر عليه النبي ﷺ قوله، وما كان ليوعده على باطل» أ. هـ.
ويروى كما تعلم- مقالهم: «وأعذب الشعر أكذبه» ويقابله بيت زهير أو حسان:
وإن أحسن بيتٍ أنت قائله ... بيتٌ يقال إذا أنشدته صدقًا
واضطرب النقاد في أمر الصدق والكذب.
ومن الفلاسفة، قد تعلم أن أفلاطن تنقص الشعر والشعراء لبعده وبعدهم عن الحقيقة، وانتصر أرسطو طاليس للشعراء أصحاب الملاحم وقصص المأساة المسرحية وزعم أن ما يصنعه خيالهم فزعم أنه وقع ربما يكون أدنى إلى الحقيقة المحضة مما يكون قد وقع فعلًا من أحداث التاريخ من حيث مجرد احتمال وقوعه. (راجع كتاب دافيد ديتشز في حديثه عن أفلاطن وأرسطو من ص ٦ إلى ص ٣١ النص الإنجليزي طبع لنغمان وكتاب فن الشعر ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، الفصل ٩ ص ٢٦). وتناول عدد من نقادنا المحدثين أطرافًا من هذه القضية وننبه ههنا على الفصل الذي جعله الدكتور محمد غنيمي هلال، ﵀، عن التجربة الشعرية في ص ٣٨ من كتابه «النقد الأدبي الحديث» (دار النهضة، مصر، الطبعة الرابعة ١٩٦٩ م). ولا سيما حيث يقول (ص ٣٨٦ في السطر ٩): «ويجب التفريق بين شطري شخصية الشاعر، الشعري والعملي، فالشطر الأول مثالي، يحكي فيه ذات نفسه كما هي، ويصف مثله وأهدافه وآماله وآلامه، والثاني عملي يتقيد فيه بقيود الحياة كما هي من حوله، وليس معنى مثالية الجانب الأول أنه بعيد من الصدق بل هو أصدق وأسمى وأقرب إلى الدلالة على روح الشاعر من الجانب العملي» أ. هـ.
قلت وكأن هذا الجزء الأخير من كلمته ينظر فيه إلى نظرية الاحتمال
стр. 1810
الأرسطية ويذكر عن الناقد المجهول لنغينس Longinus أنه قال إنه لا شيء يرتفع بقدر الكلام إلى منازل الشرف كالعاطفة الصادقة حين توضع في موضعها، فإنها عندئذ تلهم الكلمات وتقذف فيها عاصفة من شدة الحماسة وتفعمها بسورة من الهياج المقدس.
فقد احترس بعدة أمور كما ترى، بالعاطفة وصدق العاطفة وبوضعها موضعًا صحيحًا. وما يكاد ناقد يجد مدخلًا إلى تبيين ما يستطيع به الشعر أن يكون صادرًا من القلب حتى يدخل إلى القلب، إلا كان مدخله نفسه كالمخرج له مما دخل فيه كهذا الذي تقدم من احتراس لنغينس لصدق العاطفة، وكالثنائية التي ذكرها الدكتور غنيمي هلال وكالحقيقة الاحتمالية التي زعمها أرسطو طاليس.
وقد فطن قدامة إلى أمر الصدق ولكنه آثر أن يتنكب جعله من الأسس التي يبنى عليها مقاله في الجودة. من ذلك دفعه أن يكون التناقض في كلام الشاعر -بأن يقول شيئًا في كلمة وينقضه في كلمة أخرى- عيبًا وضرب لهذا مثلًا قول امرئ القيس:
ولو إنما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
فزعم ههنا أنه لا يسعى لأدنى معيشة ولكن سعيه إلى المجد. ثم قال في كلمة أخرى:
إذا ما لم تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا أقطًا وسمنا ... وحسبك من غنًى شبعٌ وري
فزعم ههنا أن المعزى والأقط والسمن والشبع والري، ذلك حسبه، وهو أدنى معيشة- فقد ناقض نفسه كما ترى.
стр. 1811
وانتصر قدامه لامرئ القيس من جهتين، أولهما إنه لم يناقض نفسه حقًّا وثانيهما أنه لو فعل فإن ذلك ليس بعيب؛ لأنه جاء بالقولين في كلمتين له، لا في كلمة واحدة. فكأن قدامة ينكر التناقض في الكلمة الواحدة، لفساده في المنطق ولاشتماله على عنصر من الكذب. ثم مع هذا يشتم تجويزه الكذب لتجويزه التناقض في كلمتين فأكثر.
وقد نسب ابن رشيف كعبًا إلى الكذب في قوله «ولم أذنب» أو «فلم أذنب وقد كثرت في الأقاويل» بحجة أن النبي ﷺ ما كان ليوعده على باطل. وما أخاله قد خفي على ابن رشيق أن كعبًا في لاميته هذه ينطق عن لسان التوبة. وإن هذا الإنكار تبرؤ، ومذهبٌ من طريقة الشعراء صار لهم في إعلان التبرؤ عرفًا- وعليه قول النابغة:
ما قلت من سيءٍ مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلي يدي
والدليل على أن قول كعب ما كان إلا إعلانًا للتبرؤ قوله من بعد:
وقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل
فهذا هو مقام التوبة والبراءة الذي أقدم عليه وهو يعلم أنه القتل إن لم تقبل توبته.
ومن الدليل أيضًا قوله:
وقد أتيت رسول الله معتذرًا ... والعذر عند رسول الله مقبول
وصدق الإخلاص هو الذي ضمن له النجاة وأن يقبل عذره.
وبين الإخلاص والصدق تلاق، وهو أن الإخلاص منبعث من أعماق النفس ومن أغوار القلب، وبينهما بع افتراق، وهو أن الصدق مطابق للحقيقة المجردة،
стр. 1812
والإخلاص إنما يروم ذلك، الإخلاص انبعاث عن اعتقاد، والصدق حكم على الأمر أهو كذا أم ليس كذا. واستعمال اللغة قد يضع الصدق موضع الإخلاص أو معه، وقد يشرب هذا من معنى هذا.
هذا ومن المعاني الملابسة لأغراض الشعر حتى لقد توشك أن تكون جزءًا منها ما يصاحبه من قصد الترنم والغناء. وقد مر الحديث عن أمر الوزن والإيقاع والجرس والموسيقا. ونخص في هذا الموضع أن يكون الترنم والإيقاع الشعري مرادًا به الإمتاع واللذة.
عند الفلاسفة، على رأسهم أرسطو، إن الشعر يراد به اللذة؛ لأنه محاكاة ولأنه وسيلة للتعلم. والراجح أن مراد أرسطو بالمحاكاة طريقة شعراء اليونان في القصص والمسرح فأمر المحاكاة في هذين البابين واضح.
وليس كذلك الأمر في أشعار العربية وراجع التمهيد الذي مهدنا به في أول هذا الجزء. على أن الشاعر العربي ربما عمد إلى أن يفرح سامعه إفراحًا، كقول تأبط شرا:
وإني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌ ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك
اهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك
وكقول ربيعة بن مقروم في داليته «بانت سعاد فأمسى القلب معمودًا» من المفضليات:
هذا ثنائي بما أوليت من حسن ... لا زلت عوض قرير العين محسودًا
فالقصد إلى المسرة هنا متضمن. وكقول المسيب بن علس:
فلأهدين مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةٍ إلى القعقاع
ترد المياه فلا تزال غريبةً ... في القوم بين تمثل وسماع
стр. 1813
وليس الإفراح ضربة لازمٍ بالثناء. فالفخر قد يقع به الإفراح، وذلك بأن ينقل المفتخر فرح نفسه إليك، فتفرح لترنمه.
ومن أمثلة الشعر الصادر عن نشوة وفرح من نفس الشاعر والسامع معنيٌّ بالمشاركة فيه، ميمية لبيد:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأيد غولها فرجامها
وقد تحدثنا عنها في باب الكامل من البحور. ولا تحتاج إلى كبير تأمل لتحس ما يغمرها من نشوة فرح بالإيقاع وبالتعبير منبعثة من الشاعر إلى نفسه ومنه إليك أيها السامع وأحسب أنه من أجل هذا ما سجد الفرزدق عند قوله:
وجلا السيول عن الطلوع كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
وزعم أنه يعرف سجدة الشعر
وعينية الحادرة:
رحلت سمية بكرةً فتمتع ... وغدت غدو مفارق لم يربع
وعينية سويد:
بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها ما اتسع
مع ما فيها من روح أسى بحر الرمل فيها تلذذ من الشاعر بينه وبين نفسه وبينه وبينك أيضًا. وكأن نغمة الأسى الملابس لرثاء النفس فيها يسخر سخرية ما من فخرها، وقد نبهنا من قبل على نوع من هذا المعنى عند حديثنا عن هذه العينية في الجزء الثالث واستشهادنا بقوله في خاتمة أبياتها:
هل سويدٌ غير ليث خادرٍ ... ثئدت أرضٌ عليه فانتجع
وقافية تأبط شرا، مع ما خالطها من بعض الحكمة والتأمل، منزعها الأول
стр. 1814
إلى الإمتاع بالترنم ومع إمتاع الترنم أيضًا إمتاعٌ بشيء من باب خطابة تكاذيب الأعراب كقوله يصف سرعة جريه:
كأنما حثحثوا حصًّا قوادمه ... أو أم خشفٍ بذي شث وطباق
لا شيء أسرع مني ليس ذا عذرٍ ... وذا جناح يجنب الريد خفاقٍ
وقد زعم تأبط شرا لنفسه قتل السعلاة ونكاح الغيلان وله في الحماسة أبيات رائية يروي فيها أنه قد أحاط به عصبة من اعدائه الهذليين وكان جنى عسلًا في وعاءٍ له فخادعهم بأنه سيسلم نفسه إليهم ولكن يضن عليهم بعسله، فلن يمكنهم من عسله ونفسه معًا وبينما يجاذبهن هذا الأخذ والرد أراق العسل وإنما فعل ذلك ليسهل له الانزلاق على الصخرة الملساء الرهيبة الانحدار فينجو بذلك ولن يجسر أحد من أعدائه على أن يتبع سبيله في مثل هذه المجازفة:
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور
هما خطتا إما أسارٍ ومنةٍ ... وإما دمٍ والقتل بالحر أجدر
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
فرشت لها صدري فزل عن الحصي ... به جؤجؤ عبلٌ ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحةً والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهمٍ وما كدت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
والحكمة مذهبها أغلب على الشنفري، إلا أن له في لامية العرب المنسوبة إليه أشياء تجري مجرى تكاذيب الأعراب، كصفته الغارة التي أغارها حيث قال:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي ... سعارٌ وارزيزٌ ووجر وأفكل
فأيمت نسوانًا ويتمت إلدةً ... وعدت كما بدأت والليل اليل
стр. 1815
وأصبح عني بالغميصاء جالسًا ... فريقان مسئول وآخر يسأل
فقالوا لقد هرت بليلٍ كلابنا ... فقلنا أذئبٌ عس أم عس فرعل
فلم تك إلا نبأةٌ ثم هومت ... فقلنا قطاةٌ ريع أم ريع أجدل
فإن يك من جنٍّ لأبرح طارقًا ... وإن يك إنسًا ماكها الأنس تفعل
وكصفته مبادرته ومسابقته القطا حيث قال:
وتشرب آساري القطا الكدر بعدما ... سرت قربًا احشاؤها تتصلصل
هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارطٌ متمهل
فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقون وحوصل
كأن وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل نزل
وكصفته صحبته الذئاب ومنها:
فضج وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل
وأغضى وأغضت واتسى واتست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل
شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل
وكأن المعري في رسالة الغفران يصحح رواية هذا البيت للشنفري (١) وقد شك الأولون في هذه اللامية. وأبيات الفريقين المسئول والسائل كأنها مصنوعة لأن روعة القطاة والأجدل لا يناسب ما تقدم وذكر الذئب والفرعل أيضًا وكأن فيه صناعة من أهل اللغة، ومن أجل ذلك ما نسب الانتحال في هذه اللامية إلى خلف ولعل جملة الأبيات صحيحة وفي النفس شيء من بيت الجن، وربما كان سببًا ليصنع البيتان قبله، والكذب في أبيات القطاة صراح ولعل هذا مما يدنو بها إلى الصحة لما فيها من الفكاهة، ولكنها لا تشبه مذهب الشنفري الذي في التائية ولا في أبيات
стр. 1816
اللامية التي ربما كانت هي الأصل الخالص لها ونسج على منوالها سائر الأبيات بعد، وذلك ما جاء في أولها:
أقيموا بني أمي صور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطياتٍ مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
ولي دونكم أهلون سيدٌ عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
وكل أبيٌّ باسلٌ غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
فالروح التي في التائية أنفاسها ههنا وكذلك البيت الذي أجازه المعري. وعجب ليال من شك القدماء في هذه اللامية وعنده إنها تضمنت أجود الوصف للغازي المنفرد كما التائية تضمنت أجود الوصف للفتاة العربية. وعندنا أن شك القدماء في أيما بيت أو قصيدة ينبغي أن يحمل محمل الجد لقرب العهد منهم بأساليب الجوالة وفراستهم في المصنوع والمطبوع بأكثر مما نقوى نحن عليه الآن.
تأمل قول المعري في رسالة الغفران في حديثه مع تأبط شرا: «فيقول أسنى الله حظه من المغفرة تأبط شرا، أحق ما روي عنك من نكاح الغيلان فيقول لقد كنا في الجاهلية نتقول ونتخرص، فما جاءك عنا مما ينكره المعقول، فإنه من الأكاذيب، والزمن كله على سجية واحدة، فالذي شاهده معد بن عدنان كالذي شاهد نضاضة ولد آدم- والنضاضة آخر ولد الرجل. فيقول أجزل الله عطاءه من الغفران نقلت إلينا أبيات تنسب إليك:
أنا الذي نكح الغيلان في بلد ... ما طل فيه سماكي ولا جادا
في حيث لا يعمت الغادي عمايته ... ولا الظليم به يبغي تهبادا
стр. 1817
وقد لهوت بمصقولٍ عوارضها ... بكرٍ تنازعني كأسًا وعنقادا
ثم انقضى عصرها عني وأعقبه ... عصر المشيب فقل في صالح بادا
فاستدللت على أنها لك لما قلت تهبادا مصدر تهبد الظليم إذا أكل الهبيد فقلت هذا مثل قوله في القافية:
طيف ابنة الحر إذ كنا نواصلها ... ثم اجتننت بها بعد التفراق
مصدر تفرقوا تفراقًا وهذا مطرد في تفعل وإن كان قليلًا كما في قول أبي زبيد:
فثار الثائرون فزاد منهم ... تقرابًا وصادفه ضبيس
فلا يجيبه تأبط شرا بطائل» أ. هـ.
قلت وقد أجاب تأبط شرا بطائل من أمر الجن وتكاذيب الأعراب، فسكوته ههنا منبئٌ عن توقف المعري وشكه وفي نفسه شيء من مصدر التفعال بكسر التاء والفاء وتشديد العين أن يكون على اطراده في اللغة مما يحسن في الشعر مجيئه، والمعري من المائة الرابعة، ويعد بالنسبة إلى جيل العلماء الذين لقوا أهل الفصاحة متأخرًا الزمان جدًّا، فكيف بنا في هذا الزمان؟
وزعم الدكتور محمد بديع شريف في طبعته للامية العرب (بيروت- ١٩٦٤ م) في مقدمته إننا لا نعرف خبرًا عن انتحال هذه اللامية إلا ما رواه أبو علي القالي في الأمالي عن أبي بكر بن دريد وفرع من ذلك أن الرواية ضعيفة بقول يسنده إلى بروكلمان، والذي لا ريب فيه أن القالي أخذ عن ابن دريد وعليه تتلمذ ومنه أخذ أهل الأندلس ما أخذوا فلم ينسبوه إلى كذب عن شيخه أو في تلمذته، وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، أخو دوس كما كناه أبو العلاء في الغفران، كان تلميذ أخي ثمالة محمد بن يزيد المبرد، وهذا خاتمة مدرسة البصرة، وللمستشرقين أحيانًا كثيرة فرط ثقة بأنفسهم وإقدام ليس من حقيقة العلم على شيء، كالترتيب
стр. 1818
الذي جسر عليه ريدهوس J.W.Redhouce وهو ملحق بطبعة بيروت المشار إليها، وآخر القصيدة بلا شك هو الذي عليه رواية الأشياخ، حيث شبه الشاعر نفسه بفحل الوعال الأعصم:
ترود الأراوي الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل
هذا كلام امرئ القيس:
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحى الكيح أعقل
ومما ينبه عليه مما يكثر وقوعه مضبوطًا ضبطًا ليس بصواب في طبعات لامية العرب المختلفة كلمة أفكل بمعنى الرعدة فوزنها وضبطها «كأحمد» العلم سكون الفاء وفتح الكاف والجمع أفأكل وليست الكاف مضمومة.
هذا ومما يلفت النظر إليه، إذ قد جرى ذكر تأبط شرا وقرينه الشنفري أن عند بعض النقاد المعاصرين وطلاب الأدب والمشتغلين به، بعض الميل إلى تقديم تأبط شرا والشنفري ومن عسى أن يكون من صعاليك العرب بحجة لا تخلو من اشتمال على لونٍ سياسي معاصرٍ هما ومن أشبههما منه براء، إذ تقديمهما صادر عن توهمٍ لأن أكثر ما جاءنا من شعر القدماء قالته طبقةٌ أرستقراطيةٌ ظالمة، ومن عجب الأمر أن أكثر من يميل نحو هذا الميل عنده أن أكثر الشعر الجاهلي أو هو كله منتحل إلا شعر الصعاليك، مع أن الذي لا ريب فيه أن كلتا اللاميتين، لامية الثأر «إن بالشعب الذي دون سلع» وقد سبق الحديث عنها في الجزء الأول ولامية العرب، قد تكلم في صحة نسبتهما العلماء.
الطبقية امرٌ لا ينفك عن البشر بحال، أكثر المجتمعات حرصًا على المساواة فيها العلية من الرؤساء كما فيها من هو دونهم. وقديمًا قال الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
стр. 1819
ثم لا تكون الطبقية في المجتمعات البشرية على حالٍ واحدة، ولكن تختلف مع اختلاف أنواع العرف والتقاليد الموزونة والعادات. الهنود مثلًا لهم نظام من الطبقات كأنه ثابت أعلاه البراهمة وأسفلها المنبوذون. ونسأل بعد لماذا يرى القائلون بوجود «الطبقية» في المجتمع الجاهلي أنها كانت على ضرب مشابه لما كانت عليه الطبقات في أوروبا؟ لماذا لا يقولون بأنها كانت كطبقات الهنود؟ وقد نجد للهنود ذكرًا في شعر العرب الأقدمين- قال التغلبي:
لكيز لها البحران والسيف كله ... وإن يأتها بأسٌ من الهند كارب
تطاير عن إعجاز حوشٍ كأنها ... جهامٌ أراق ماءه فهو آئب
لكن عصرنا هذا عصر الدولة الأوروبية والغلبة الفرنجية الصقلية. لذلك النظر إلى أوروبا يمتد والتشبيه بأحوالها يحب لأن المغلوب كلف بمحاكاة الغالب. عندي إذ لا يستقيم حمل نظام الطبقات الهندوسية حملًا على المجتمع العربي الجاهلي حتى نحلله على طريقة نظامها وتكوينها، كذلك لا يستقيم حمل نظام طبقات المجتمع الأوروبي على المجتمع العربي الجاهلي فنحلل هذا على طريقة تكوين ذلك ونظامه، فكلاهما مجتمع مختلف. علينا أن نتقبل أوضاع المجتمع الجاهلي كما وصفها الجاهليون أنفسهم. لقد كان سادتهم وصعاليكهم لا يتمايزون في كثير من مادة العيش. الصعلوك قد يعنى به الفقير، أو الذي يضرب في الأرض يلتمس الرزق بالغارة والبسالة. قال أبو النشناش من شعراء الحماسة:
ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
وكان عروة بن الورد من سادة عبس وكان يصحب الصعاليك ويغير بهم وقد ذكرنا من خبره في هذا الباب. وكان فيما وصف به الصعاليك قوله:
لحي الله صعلوكًا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفًا كل مجزر
يعين نساء الحي ما يستعنه ... ويمسي طليحًا كالبعير المحسر
стр. 1820
فهذا ضرب ممن عده عروة من شرار أمثلة الصعلكة والضرب الآخر في قوله:
ولكن صعلوكًا صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
مطلًّا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
فذلك أن يلق المنية يلقها ... حميدًا وأن يستغن يومًا فأجدر
وكان امرؤ القيس صعلوكًا أيام أطرده أبوه وأتاه نعيه وهو يلعب النرد بدمون وقال طرفة:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد
رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد
فسروا بني غبراء بأنهم الصعاليك. وطرفة ههنا من الخلعاء كما ترى. وهو من أبناء القبائل مع ذلك ومن شعراء المعلقات ولم يكن من طبقة حقيرة مع هذا الذي ذكره من صعلكته، واعتزاه بنفسه وأصله جسره على هجاء ملوك الحيرة فقتلوه وإلى هذا أشار الفرزدق بقوله:
وأخو بني قيسٍ وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
هن يعني القوافي. وقال الأخنس بن شهاب:
وقد عشت دهرًا والغواة صحابتي ... أولئك خلصاني الذين أصاحب
رفيقًا لمن اعيا وقلد حبله ... وحاذر جراء الصديق الأقارب
فأديت عني ما استعرت من الصبا ... وللمال عندي الآن راعٍ وكاسب
فالصعلكة التي يصف بها الأخنس نفسه ههنا فيها مشابه من صعلكة الشنفري في قوله:
стр. 1821
طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها حم أول
وهي عند الأخنس حالٌ، كانت من أحوال طيش الصبا، لا طبقة من طبقيات المجتمع. ومن المستشرقين من خيل إليه أن لونًا عنصريًّا كان وراء الصعلكة. فجعل سليك من الصعاليك وهو يذكر في العدائين وكان له مع ذلك فرسٌ اسمه النحام وحفظ لنا الشعر رثاءه له وموضع موته بقرماء. وخيل إلى بعضهم أن الشنفري كانت أمه زنجية لما جاء في شرح لفظ الشنفري أنه العظيم الشفتين (انظر أعجب العجب للزمخشري) ورب غير زنجي تعظم شفته فلا يجعله ذلك زنجيًّا والذي في شرح المفضليات وفي أعجب العجب أنه من الأزد أمًا وأبًا وجاورت به أمه في فهم، وحسب الغرناطي صاحب المقصورة أنها فهمية من أجل ذلك فجعل تأبط شرا له بمنزلة الخال. وتأبط شرا وهو عند المعاصرين مثل في طبقة الصعلكة كان من قبيله فهم وبينها وبين هذيل عداوة ومر بك خبره مع قيس بن العيزارة. هذا ومما يقوى ما ذكرناه من أن سادة العرب وصعاليكهم كانوا لا يتمايزون في مادة العيش قول الشنفري:
ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وقوله:
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
فهذا من أدب النفس عند العرب، مطلوبًا أن يتحلى به الفرد، يزينه بفضيلته وليس من أدب طبقة عالية بعينها ولعله عند غير العرب ألا يكون إلا من باب أدب العلية من القوم فتامل.
стр. 1822
كلمة عن الأدب والآداب:
كما يطلق لفظ الأدب على حسن الخلق، وذلك قديم في العربية، يطلق على علوم الشعر والنثر والرسائل والنقد والخطابة. وهذا الاستعمال قديم أيضًا سببه أن هذه جميعًا كانت مادة يؤخذ به الناشئة فيؤدبون به. وكان يقال للتعليم تأديب وأدب وللمعلم مؤدب وذكر صاحب الوسيلة الأدبية أن مؤدبًا لأولاد عبد الملك بن مروان كان اسمه عبد الصمد في خبر ساقه. وكان يقال دابة أديب إذا كانت ذلولًا حسنًا أدبها. وقال الحجاج لأهل العراق لما لم يردوا السلام على كتاب أمير المؤمنين: «أهذا أدب ابن نهية؟ » قالوا وابن نهية هذا كان على الشرطة قبل زمانه. وقال زياد في خطبته البتراء يتحدث عن فضيلة المراء والولاة ويحث على طاعتهم: «فإنهم ساستكم المؤدبون» وقال معاوية لابنه يزيد -أحسب هذا الخبر في عيون الأخبار لابن قتيبة أو في العقد الفريد- يعاتبه حين رآه ضرب غلامًا له: «لا تفسد أدبك بأدبه» أي تأديب نفسك بتأديبه. وقال أحد الشعراء الأقدمين، أحسبه مخضرمًا:
لا يمنع الناس مني ما أريد ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
حسن بضم الحاء وسكون السين أو فتحها وسكون السين. الأولى اسم والثانية فعل. أي يا لحسن هذا من أدب، يتعجب ويسخر، هذا على ضم الحاء وسكون السين. وإذا فتحت الحاء فهو من باب تسكين المضموم أصله حسن فعل ماض من باب كرم وأدبا في كلتا الحالتين تمييز.
وقال الجميع بضم الجيم على صيغة المصغر، وهو جاهلي قديم، قتل يوم شعب جبلة:
يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يعطي الآن عن ضربٍ وتأديب
وقصيدة الجميع التي منها هذا البيت قد سبق عنها الحديث وهي الرابعة في
стр. 1823
المفضليات وترجم له ابن الأنباري في أول السابعة وهي أيضًا له. وقال في شرح هذا البيت: «يقول يأبى لي سني وتجربتي أن أنقاد لأمر أو أسمع لقائل والمعنى يأبى لي سني أن أعطي شيئًا على استكراه وتغلبٍ علي بل أعطي عن إرادةٍ مني ومحبة، يأبى لي سني أن أعطي عن ضربٍ وأدبٍ». أ. هـ.
ظلت كلمة الأدب بمعنى الخلق والسلوك دائرة في الاستعمال منذ زمان الجاهلية إلى زماننا هذا في الدارجة كما في الفصيحة. وقد تعلم، أكرمك الله، تسمية ابن المقفع رسالتين له «الدب الكبير» و «الأدب الصغير» وللبخاري ﵁ مجموعة «الأدب المفرد» ولفظ الأدب فيها راجع إلى هذا المعنى. وقول طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلي ... لا ترى الأدب فينا ينتقر
كأنه راجعٌ إلى هذا المعنى وهو حسن السلوك؛ لأن الدعوة إلى الطعام من المحامد والمدعوون يلتزمون حسن الأدب كما قال الشنفري في البيت الذي قاد إلى هذا الاستطراد وهو قوله:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
فعلى هذا يكون الأدب بالتحريك أصلًا والأدب بسكون الدال فرعٌ. أرى أن المأدبة سميت بذلك لأن الناس داعين ومدعوين مما كانوا يتأدبون عندها. وقول ابن منظور في اللسان أنه سمي الأدب «أدبًا لأنه يدعو الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح» أدخل في باب الدفاع عن الأدب والاعتذار له منه في باب تبيين أصل اشتقاقه في اول الأمر. واحسب أن الدكتور طه حسين ﵀ قد ذكر في بعض ما كتب أن «نيليئو» جعل أصل الأدب من الدأب. وحروف دأب وأدب وبدأ متقاربة تدل على متقارب في المدلول- هذا لا يخفى. ولكن كلمة الأدب والتأديب الدالة على السلوك قديمة وحسبك شاهدًا قول الجميع. ولغة الحديث في قوله ﷺ : «أدبني ربي
стр. 1824
فأحسن تأديبي» إنما خاطب قومًا معلومًا لديهم معنى الأدب والتأديب في هذا السياق. والغالب على كثير من أهل العصر الباحثين في باب الأدب الرجوع في معرفة أصول الكلمات إلى اللسان وبعض المعاجم وهم في هذا متبعون لمنهج المستشرقين وهؤلاء لهم عذرهم في هذا المنهج، لعجمتهم عن العربية وتعلم أكثر من تعلمها منهم على كبر. وأصول الكلمات أوثق فيها الشراح والمفسرون والعلماء الأولون من المعجمات الدائرة في الاستعمال الآن وأكثرها متأخر العهد.
لفظ الأدب بمعناه المعروف الآن الدال على الشعر والنثر وما أشبه وثيق الصلة بمعناه الدال على السلوك والتأديب كما قدمنا. ولذلك فهو قديم في الاستعمال وكانوا ربما قالوا للأديب نحوي كما في قوله رؤبة:
تنح للعجوز عن طريقها ... إذا أتت قادمةً من سوقها
دعها فما النحوي من صديقها
وقال أبو تمام:
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
وقال:
كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب
وقال:
نرمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
فهذا يدل على أن كلمة الأدب والأديب قد رسخت رسوخًا في زمانه.
وقال أبو الطيب:
فسرت نحوك لا ألوى على أحدٍ ... أحث راحلتي الفقر والأدبا
стр. 1825
ذلك بأنه قد شاع أن الفقر والأدب متلازمان. وقيل حرفة الأدب بكسر الحاء وضمها أي إفلاس أصحابه وإخفاقهم وشؤمه عليهم. وزعم الثعالبي أن ابن المعتز أصابته حرفة الأدب فلم تزد خلافته على يوم وليلة. ولو قد كان صادقًا في أبياته التي منها قوله:
ولا قائمًا كالعير في يوم لذة ... يناظر في تفضيل عثمان أو علي
ما طلبها «لكل أجل ٍكتاب». وقال المعري يشير إلى معنى دعوة الأدب إلى المكارم فزعم أنه يدعو إلى الباطل، فعكس المعنى كما ترى:
وما أدب الأقوام في كل بلدةٍ ... إلى المين إلا معشرٌ أدباء
وقال يتلاعب بلفظ الأدب بمعنى الآداب وحسن السلوك والأدب بمعنى الدعوة إلى الطعام:
وكلٌّ أديبٌ أي سيدعى إلى الردى ... من الأدب لا ان الفتى يتأدب
أي كل امرئ أديبٌ أي مأدوب لأنه سيحضر مأدبة الموت، سيدعى إلى الموت. ثم فسر كلامه فقال: «أديب» من «الأدب» بسكون الدال أي اسم مفعول على صيغة فعيل من الأدب بمعنى الدعوة إلى الطعام وليست مشتقة من الأدب بالتحريك. «أديب» بمعنى مثقف شاعر أو ناثر وما أشبه، فعيل بمعنى فاعل أي ذو أدب. وقال أبو الطيب فجمع بين معنى الأديب بمعنى المؤدب والحاذق والمثقف يصف ضاربًا أو ضاربة بالعود:
أديبٌ إذا ما جس أوتار مزهر ... بلا كل سمعٍ عن سواها بعائق
يخبر عما بين عادٍ وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق
يجوز أن يكون يكني بالغلام عن الجارية والله أعلم. في البيت الأول دليل على الحذق وفي البيت الثاني دليل على الثقافة.