← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها حم أول وهي عند الأخنس حالٌ، كانت من أحوال طيش الصبا، لا طبقة من طبقيات المجتمع. ومن المستشرقين من خيل إليه أن لونًا عنصريًّا كان وراء الصعلكة. فجعل سليك من الصعاليك وهو يذكر في العدائين وكان له مع ذلك فرسٌ اسمه النحام وحفظ لنا الشعر رثاءه له وموضع موته بقرماء. وخيل إلى بعضهم أن الشنفري كانت أمه زنجية لما جاء في شرح لفظ الشنفري أنه العظيم الشفتين (انظر أعجب العجب للزمخشري) ورب غير زنجي تعظم شفته فلا يجعله ذلك زنجيًّا والذي في شرح المفضليات وفي أعجب العجب أنه من الأزد أمًا وأبًا وجاورت به أمه في فهم، وحسب الغرناطي صاحب المقصورة أنها فهمية من أجل ذلك فجعل تأبط شرا له بمنزلة الخال. وتأبط شرا وهو عند المعاصرين مثل في طبقة الصعلكة كان من قبيله فهم وبينها وبين هذيل عداوة ومر بك خبره مع قيس بن العيزارة. هذا ومما يقوى ما ذكرناه من أن سادة العرب وصعاليكهم كانوا لا يتمايزون في مادة العيش قول الشنفري: ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لدي ومأكل وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وقوله: وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل فهذا من أدب النفس عند العرب، مطلوبًا أن يتحلى به الفرد، يزينه بفضيلته وليس من أدب طبقة عالية بعينها ولعله عند غير العرب ألا يكون إلا من باب أدب العلية من القوم فتامل.

стр. 1822

كلمة عن الأدب والآداب: كما يطلق لفظ الأدب على حسن الخلق، وذلك قديم في العربية، يطلق على علوم الشعر والنثر والرسائل والنقد والخطابة. وهذا الاستعمال قديم أيضًا سببه أن هذه جميعًا كانت مادة يؤخذ به الناشئة فيؤدبون به. وكان يقال للتعليم تأديب وأدب وللمعلم مؤدب وذكر صاحب الوسيلة الأدبية أن مؤدبًا لأولاد عبد الملك بن مروان كان اسمه عبد الصمد في خبر ساقه. وكان يقال دابة أديب إذا كانت ذلولًا حسنًا أدبها. وقال الحجاج لأهل العراق لما لم يردوا السلام على كتاب أمير المؤمنين: «أهذا أدب ابن نهية؟ » قالوا وابن نهية هذا كان على الشرطة قبل زمانه. وقال زياد في خطبته البتراء يتحدث عن فضيلة المراء والولاة ويحث على طاعتهم: «فإنهم ساستكم المؤدبون» وقال معاوية لابنه يزيد -أحسب هذا الخبر في عيون الأخبار لابن قتيبة أو في العقد الفريد- يعاتبه حين رآه ضرب غلامًا له: «لا تفسد أدبك بأدبه» أي تأديب نفسك بتأديبه. وقال أحد الشعراء الأقدمين، أحسبه مخضرمًا: لا يمنع الناس مني ما أريد ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا حسن بضم الحاء وسكون السين أو فتحها وسكون السين. الأولى اسم والثانية فعل. أي يا لحسن هذا من أدب، يتعجب ويسخر، هذا على ضم الحاء وسكون السين. وإذا فتحت الحاء فهو من باب تسكين المضموم أصله حسن فعل ماض من باب كرم وأدبا في كلتا الحالتين تمييز. وقال الجميع بضم الجيم على صيغة المصغر، وهو جاهلي قديم، قتل يوم شعب جبلة: يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يعطي الآن عن ضربٍ وتأديب وقصيدة الجميع التي منها هذا البيت قد سبق عنها الحديث وهي الرابعة في

стр. 1823

المفضليات وترجم له ابن الأنباري في أول السابعة وهي أيضًا له. وقال في شرح هذا البيت: «يقول يأبى لي سني وتجربتي أن أنقاد لأمر أو أسمع لقائل والمعنى يأبى لي سني أن أعطي شيئًا على استكراه وتغلبٍ علي بل أعطي عن إرادةٍ مني ومحبة، يأبى لي سني أن أعطي عن ضربٍ وأدبٍ». أ. هـ. ظلت كلمة الأدب بمعنى الخلق والسلوك دائرة في الاستعمال منذ زمان الجاهلية إلى زماننا هذا في الدارجة كما في الفصيحة. وقد تعلم، أكرمك الله، تسمية ابن المقفع رسالتين له «الدب الكبير» و «الأدب الصغير» وللبخاري ﵁ مجموعة «الأدب المفرد» ولفظ الأدب فيها راجع إلى هذا المعنى. وقول طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلي ... لا ترى الأدب فينا ينتقر كأنه راجعٌ إلى هذا المعنى وهو حسن السلوك؛ لأن الدعوة إلى الطعام من المحامد والمدعوون يلتزمون حسن الأدب كما قال الشنفري في البيت الذي قاد إلى هذا الاستطراد وهو قوله: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل فعلى هذا يكون الأدب بالتحريك أصلًا والأدب بسكون الدال فرعٌ. أرى أن المأدبة سميت بذلك لأن الناس داعين ومدعوين مما كانوا يتأدبون عندها. وقول ابن منظور في اللسان أنه سمي الأدب «أدبًا لأنه يدعو الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح» أدخل في باب الدفاع عن الأدب والاعتذار له منه في باب تبيين أصل اشتقاقه في اول الأمر. واحسب أن الدكتور طه حسين ﵀ قد ذكر في بعض ما كتب أن «نيليئو» جعل أصل الأدب من الدأب. وحروف دأب وأدب وبدأ متقاربة تدل على متقارب في المدلول- هذا لا يخفى. ولكن كلمة الأدب والتأديب الدالة على السلوك قديمة وحسبك شاهدًا قول الجميع. ولغة الحديث في قوله ﷺ : «أدبني ربي

стр. 1824

فأحسن تأديبي» إنما خاطب قومًا معلومًا لديهم معنى الأدب والتأديب في هذا السياق. والغالب على كثير من أهل العصر الباحثين في باب الأدب الرجوع في معرفة أصول الكلمات إلى اللسان وبعض المعاجم وهم في هذا متبعون لمنهج المستشرقين وهؤلاء لهم عذرهم في هذا المنهج، لعجمتهم عن العربية وتعلم أكثر من تعلمها منهم على كبر. وأصول الكلمات أوثق فيها الشراح والمفسرون والعلماء الأولون من المعجمات الدائرة في الاستعمال الآن وأكثرها متأخر العهد. لفظ الأدب بمعناه المعروف الآن الدال على الشعر والنثر وما أشبه وثيق الصلة بمعناه الدال على السلوك والتأديب كما قدمنا. ولذلك فهو قديم في الاستعمال وكانوا ربما قالوا للأديب نحوي كما في قوله رؤبة: تنح للعجوز عن طريقها ... إذا أتت قادمةً من سوقها دعها فما النحوي من صديقها وقال أبو تمام: أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد وقال: كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب وقال: نرمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه فهذا يدل على أن كلمة الأدب والأديب قد رسخت رسوخًا في زمانه. وقال أبو الطيب: فسرت نحوك لا ألوى على أحدٍ ... أحث راحلتي الفقر والأدبا

стр. 1825

ذلك بأنه قد شاع أن الفقر والأدب متلازمان. وقيل حرفة الأدب بكسر الحاء وضمها أي إفلاس أصحابه وإخفاقهم وشؤمه عليهم. وزعم الثعالبي أن ابن المعتز أصابته حرفة الأدب فلم تزد خلافته على يوم وليلة. ولو قد كان صادقًا في أبياته التي منها قوله: ولا قائمًا كالعير في يوم لذة ... يناظر في تفضيل عثمان أو علي ما طلبها «لكل أجل ٍكتاب». وقال المعري يشير إلى معنى دعوة الأدب إلى المكارم فزعم أنه يدعو إلى الباطل، فعكس المعنى كما ترى: وما أدب الأقوام في كل بلدةٍ ... إلى المين إلا معشرٌ أدباء وقال يتلاعب بلفظ الأدب بمعنى الآداب وحسن السلوك والأدب بمعنى الدعوة إلى الطعام: وكلٌّ أديبٌ أي سيدعى إلى الردى ... من الأدب لا ان الفتى يتأدب أي كل امرئ أديبٌ أي مأدوب لأنه سيحضر مأدبة الموت، سيدعى إلى الموت. ثم فسر كلامه فقال: «أديب» من «الأدب» بسكون الدال أي اسم مفعول على صيغة فعيل من الأدب بمعنى الدعوة إلى الطعام وليست مشتقة من الأدب بالتحريك. «أديب» بمعنى مثقف شاعر أو ناثر وما أشبه، فعيل بمعنى فاعل أي ذو أدب. وقال أبو الطيب فجمع بين معنى الأديب بمعنى المؤدب والحاذق والمثقف يصف ضاربًا أو ضاربة بالعود: أديبٌ إذا ما جس أوتار مزهر ... بلا كل سمعٍ عن سواها بعائق يخبر عما بين عادٍ وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق يجوز أن يكون يكني بالغلام عن الجارية والله أعلم. في البيت الأول دليل على الحذق وفي البيت الثاني دليل على الثقافة.

стр. 1826

كلمة عن «الأدب الجاهلي»: قولنا الأدب الجاهلي، الأدب الأموي، الأدب السياسي وتقسيم هذا إلى الأول والثاني والثالث أحسبه من أخطاء نقدنا الحديث. ذلك بأننا في الحقيقة بإزاء درس الأدب العربي كله وإنما تهمنا فيه القمم. وذكر أحد النقاد المعاصرين في كتاب له اسمه تشريح النقد (١) (بالإنجليزية) ما معناه أن من عيوب النقد أن يحصر نفسه بين التأريخ وبين الفلسفة يستعير طورًا من هذا وطورًا من تلك. ومن عيوب الناقد أن ينظر إلى الأدب من زاوية اجتماعية أو إحيائية أو فيزيائية أو مذهبية. وأحسن الخارجي لما سئل عن الفرزدق وجرير أيهما شعر، فمع كراهيته سؤالهم لم يمنعه من ذلك من ان يقول أشعرهما من يقول: وطوى الطراد مع القياد بطونها ... طي التجار بحضرموت برودًا ولو قدم ذلك الخارجي المذهبية على الموضوعية لقال أشعر منهما عمران بن حطان أو لرفض الحديث عنهما أو قال إنما الشاعر عمران بن حطان أو خارجي آخر. اللغات الأوروبية حديثة العهد. أطوار نمائها واضحة كما تكون أطوار نماء الصغير منا واضحة، حتى إذا استوى وبلغ الأشد أشبه أن يكون ملازمًا لحالة واحدة بطيئة أطوار التغيير. فالمقسم لآداب اللغات الأوروبية إلى عصور عنده من طبيعة حداثتها ما يبرر ذلك. لكن اللغة العربية لا نعلم من أمرها إلا من لدن هي ناضجة. فلا شيء يبرر تقسيمها إلى عصور إلا أن نكون نقلد طريقة الإفرنج في درسهم آداب لغاتهم. على أنهم حين يدرسون آداب اليونان واللاطين وهي عندهم أصول،

стр. 1827

ويسمونها «الأدب الكلاسيكي» لا يفعلون شيئًا من ذلك. هي لديهم كلٌّ واحد من أوميروس إلى سينكا. ولديهم نحوها نظرة تقديس. وكأن المستشرقين أول درسهم لآداب العربية أنفوا بتعصب ديني أو عنصري من أن يجعلوا للغة العربية منزلة كلغات الأدب الذي هو عندهم كلاسيكي وبهما جاءت النصوص الكنسية المعتمدة من الكتاب المقدس. وما تنبه المستشرقون حين شبهوا اللغة العربية بلغاتهم الدارجة، ليحظوا من منزلة قدسيتها المرتبطة بقداسة القرآن وإعجازه إلى أنهم قد شبهوها بلغاتهم الدارجة أيضًا من حيث الحيوية وقابلية البقاء. قولنا «الجاهلي» في نعت الأدب نعني النسبة إلى زمان الجاهلية وذلك قبل الإسلام بنحو مائتين أو أكثر أو أقل قليلًا من السنين، على النحو الذي قدره العلماء الأولون. وفي القرآن ذكر الجاهلية الأولى. وقيل هي زمن نوح ﵇. وما أشبه أن يكون المراد من الجاهلية الأولى -والله أعلم بمراده في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ أن يكون: أي تبرج الجاهلية الأولى التي كان عليها أمر الناس قبل مجيء الإسلام. الجاهلية لفظ ذم به الله تعالى زمان كان الشرك ضاربًا بجران. اشتقاقها من الجهل الذي هو نقيض العلم. ولا أدري لماذا يلتمس بعضنا لها اشتقاقًا من الجهل بمعنى الغضب كما في قول التغلبي: ألا لا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا إذ مرد الجهل بمعنى الغضب إلى معنى تجاهل المعرفة والاندفاع الذي لا يبالي. واستعمال الجهل بمعنى عدم العلم قديم في العربية. قال تعالى في خبر نوح ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي من الذين لا يعلمون بعد الذي جاءك من العلم من التزام ما يوحى إليك. وفي خبر موسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ - أي أن أكون أمرتكم بما ليس

стр. 1828

لي به علم وبما لن يوح إلى ربه أن آمركم به. ووصف الله أهل الجاهلية بعد الذي جاءهم من البينات فأبوه وإن كانوا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات] فوصفهم جل شأنه بأنهم لا يعلمون، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. «أي كفار قريش قالوا مثل قول اليهود والنصارى. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ﴾ وهؤلاء كفار قريش. ونفي العلم هو إثبات للجهل وقد وصف الله أممًا سابقة جاءتهم رسلهم بالبينات والحكمة فأبوا بأنهم أهل جهالة كما وصف قريشًا بذلك. قال تعالى: ﴿وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وخاطب لوط قومه قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. وقال: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ - والرشد علم كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. وفي حديث نوح ﵇ وخبره مع قومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ ثم يقول من بعد لقومه: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. أسلوب القرآن بليغ مؤثر، ينفي اللفظ إذا كان ذلك أبلغ وأقوى دلالة كما في قوله تعالى ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي سورة الروم: ﴿لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ﴾ وكما في سورة الطور: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ ويجيء اللفظ المقابل إذا كان ذلك أقوى وأدل وأبلغ مثل ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [سورة هود] ويقابله ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [سورة النمل]. و ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يقابله ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ الصبر يقابله الجزع. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ - ظن الجاهلية يقابل الحق، أي يظنون ظن أهل الجهالة من الكفار، الظن الذي هو باطل. وصفهم الله بأنهم جهلاء وجاهلية لأن العلم النافع هو معرفة الله

стр. 1829

والإيمان وما سوى ذلك كلا علم. أو كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. ما سقنا جميع هذه الأمثلة إلا من أجل الدلالة على أن الجهل بمعنى عدم المعرفة هو الأصل، والجهل الذي هو مقابل للحلم وركانة الرأي فرع. ومن قديم ما جاء في الجهل قول النابغة: هلا سألت بني ذيبان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما يخبرك ذو فضلهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما فجعل الجهل في مقابلة العلم كما ترى. وقال عنترة: هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي عنترة والنابغة كلاهما جاهلي قديم. وما أحسب أحدًا من القدماء كان يقول «الدب الجاهلي» ولكن كانوا يقولون شاعر جاهلي وشعر جاهلي وشاعر مخضرم وشاعر إسلامي وشاعر محدث- وهذا واضح وفيه بعدٌ من التناقض الذي في قولك أدبٌ وجاهلي تصفه به تشتقه من الجهل على أي وجه كان ذلك الجهل فتأمل هذا، ونعود من بعد إلى ما كنا في مضماره. رجعة إلى معنى الإمتاع بالشعر: كما من الشعر ما يعمد فيه الشاعر إلى إمتاع نفسه او إمتاعك بالنغمة والإيقاع والترنم، ويكون امر ذلك واضحًا كل الوضوح كما تمثلنا به من شعر لبيد والحادرة، من الشعر ما يكون فيه أمر الإمتاع بالترنم مخالطًا لغيره كما في كلمة المنخل اليشكري: إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري

стр. 1830

وهي التي يقول فيها: ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء ترفل في الدمقس وفي الحرير والأبيات معروفة وتلذذ الشاعر فيها بالغزل والفوز بالوصل وحكاية ذلك مخالط لتلذذه بالترنم. الإمتاعان متداخلان متقابلان، كأن كلًّا منهما مع مخالطته الآخر تحسه أنت متميزًا بنفسه على انفراج. ويشبه هذا، أو يمكن تشبيهه بما يسميه منشدو المديح النبوي عندنا بالتبطين، وهو أن يبدأ منشد بيتًا ويبدأ آخر نفس البيت بعد قليل، فيتساوق الصوتان متداخلين متمايزين مع انسجام فيهما. وقصيدة عنترة: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم شاعرنا جادٌ في الدفاع عن نفسه ليس قصده إلى إمتاعك وإمتاع نفسه بترنم صافٍ كل ما يقوله ذائب فيه كلبيد، ولكن إلى إراحة نفسه وتبرير مواقفها والدفاع عنها- فالترنم منه مساوقٌ للتعبير «مبطنٌ» له (على حد تعبير أهل النشيد) منسجم معه، وكأن فيه مدامع طربه وحزنه معًا، والصوت جهير- كقوله مثلًا: ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم في حومة الحرب التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئرٍ في لبان الأدهم ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرةٍ وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي

стр. 1831

زعم بعضهم أن عنترة كان ممن خام ثم أقدم محتجين بقوله «ولكني تضايق مقدمي». ولو كان عنترة ممن يخيم لم تكن الأقاصيص لتجعله أبا الفوارس والجلي الظاهر أنه أقدم على علم بالحرب، وأن هؤلاء الذين معه كانوا يعتمدون على إقدامه ويقتدون به ويحثونه عليه متحمسين معجبين- هناك فقط كانوا يعرفون مكان غنائه ولذلك قال: ولقد شفا نفسي وأذهب سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وقدم ابن الأنباري كلمة عنترة على لبيد وعمرو بن كلثوم. وذكر ابن رشيق أن أبا عبيدة والمفضل كانا يخرجانها هي وهمزية الحارث من السبع ويجعلان مكانهما الأعشى والنابغة والمشهور خلاف ذلك والكلمتان أفحل وأوفى من كلمتي النابغة والأعشى على جودة هذين. ومن الشعر ما يكون الترنم والفرح أو الطرب به فرعًا أو مقصودًا به إلى التسلي وإراحة الشاعر ضمير نفسه على نحو ما قاله ذو الرمة في طلب الشفاء من هذا الوجه حيث قال: خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انهمال الدمع يعقب راحةً ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل ولا أحسب أن القارئ الكريم سيلتبس عليه أمر هذا الذي نتحدث عنه هنا من الإمتاع والتسلي والاشتفاء بالنغم بأمر ما تحدثنا عنه من قبل من أمر التعبير الكنين «بالموسيقا» الذي هو أصلٌ مع التعبير بالبيان الذي هو أيضًا أصل. الترنم هنا نعني به الإنشاد الذي ينشده الشاعر لنفسه ولك بصوته الجهير- على أن هذا شيء مقدر، نقدره نحن على فرض أن الشاعر فعلًا ينشدنا وعلى فرض أننا نسمع وننشد معه فالترنم هنا تابعه للتعبيرين البياني والإيقاعي بعد أن تما واكتملا نابعٌ منهما.

стр. 1832

وكل شعر يكون منهم ترنمه عامدًا إلى إراحة النفس وشفائها، على حد تعبير ذي الرمة واصله قول امرئ القيس الذي تنقصه ابن الباقلاني ظلمًا وتجنيًّا: وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ .... فهل عند رسمٍ دارسٍ من معول فالأغلب عليه قصد الحكمة، وإن يك فيه الغزل والوصف، وعلى ذلك مجرى لامية امرئ القيس- والحكمة فيها أن الكلام مسوق على وجه الذكرى والعظة والتفكر في مأساة الحياة. ومما يدل على خطأ الذين قطعوا بأن القصيدة الحقة المراد بها أول من كل شيء الإمتاع -وهذا مذهب كلردج وبناه على مقالة أرسطو طاليس في شعر يونان في بعض ما بناه عليه- أن كثيرًا من جياد القصائد القصد الأول منها العظة ظاهرة أو مستكنة -كمعلقة زهير ودالية الأسود بن يعفر التي فيها يقول: ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد أرضًا تخيرها لدار أبيهم ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على مكان ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد ولقد رأيت كيف أخرج كلردج «أشعيا» من أن يكون مقصودًا به الإمتاع فجعله لقدسيته شعرًا لا منظومة -وهذه مغالطة، على ما ذكرناه من أن مراده من الشعر الإبداع دون الإيقاع والنظم. وكان الأولى به ألا يدخل كلام أشعيا في مدخل الأدب المراد به محض الإمتاع إذ هو من كلام أنبياء بني إسرائيل. وأيضًا مما يدخل في نطاق الخطأ القطع بأن النظم التعليمي لا يدخل في مدلول الشعر. وهذا بعضه من مذهب كلردج حيث جزم بأن ما لا يراد به الإمتاع أصلًا فليس بقصيدة (أو منظومة) حقة. وبعضه من مذهب أرسطو طاليس حيث

стр. 1833

شكا من أن يقرن امبدوكليس (انباذو قليس) مع هوميروس. على أن أرسطو طاليس ينص نصًّا صريحًا (إن صحت هذه التراجم عنه) على أن الموزون شعر. وعلى أن الشعر على هذا الوجه ليست المحاكاة فيه بشرط. وهذا مقارب جدًّا لتعريفنا الشعر في العربية. قال (انظر فن الشعر ترجمة د. عبد الرحمن بدوي ص ٦ - إلى ص ٧): «على أن الناس قد اعتادوا أن يقرنوا بين الأثر الشعري وبين الوزن فيسموا البعض شعراء إيليجيين والبعض شعراء ملاحم، فإطلاق لفظ الشعراء عليهم ليس لأنهم يحاكون بل لأنهم يستخدمون نفس الوزن». شعراء إيلجيين أي أصحاب مراث ونلفت النظر إلى قوله إن يقرنوا بين الأثر الشعري وبين الوزن وإلى قوله ليس لأنهم يحاكون لجعل المحاكاة غير لازمة كما ترى. ثم يقول بعد هذا مباشرة: «والواقع ان من ينظم نظرية في الطب أآو الطبيعة يسمى عادة شاعرًا، ورغم ذلك فلا وجه للمقارنة بين هوميروس وأنباذ وقليس إلا في الوزن. ولهذا أولى بنا أن نسمي أحدهما (هوميروس) شاعرًا والآخر طبيعيًّا أولى منه شاعرًا، وكذلك لو أن امرأً أنشأ عملًا من أعمال المحاكاة وخلط فيه بين الأوزان كما فعل خيريمون في منظومته قنطورس وهي رابسودية مؤلفة من أوزان شتى فيجب أن يسمى شاعرًا تلك هي الفروق التي يجب وضعها في هذه الأمور». أ. هـ. الرابسودية كما عرفها المترجم في هامشه مزيج من الأشعار المختلفة كان الشعراء الجوالون في يونان ينشدونه. وانباذ وقليس من فلاسفة يونان القدماء ترجم له برتراندرسل في تأريخه للفلسفة الغربية وزعم أنه قذف بنفسه في بركان اتنا فهلك وأنشد نظمًا غثًّا كالفكاهة من منظر هذه الفعلة الشنيعة. وذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في التعليق الهامشي (ص ٦ - هامش ٢) على كلام أرسطو ما نصه: «هنا مسألة خطيرة يثيرها أرسطو وهي مسألة ماذا نسمي شعرًا أهو كل قول موزون مقفى، أو الشعر له خصائص مستقلة عن الوزن؟ وهو يرى أن من الممكن أن يكون الإنسان شاعرًا

стр. 1834

وهو لا يكتب إلا نثرًا وأن يكون ناثرًا وهو لا يكتب إلا شعرًا أعني نظمًا كما هي الحال انباذ قليس إلخ» - والعجب لقوله مقفى فإن يونان لم تكن تعرف القوافي. ثم لم يجز أرسطو طاليس أن يقال لشيء شعر وهو غير موزون وهو نثر كما علق صاحب الهامش ولكن قوله (إذا خلط بين الأوزان) وذلك أن إشعار يونان كان لكل ضرب منها مخالطة لوزن خاص بها فالذي نبه أرسطو طاليس عليه هنا هو ليس غياب الوزن ولكن اختلاط أنواعه وشرحه الذي فيه قوله: «وهي رابسودية مؤلفة من أوزان شتى» يدل على ذلك. ثم قضية المحاكاة التي يذكرها أرسطو طاليس من أصول الضرب الخيالي الذي يهم هو أن يخص به الشعر وفي هذا تأثر من جانبه بأفلاطون، على ما عمد إليه من بعد من الاعتذار لهذه المحاكاة الخيالية بنظريته عن الواقعي والمحتمل ولم يخل الدكتور بدوي من إقحام بعض قضايا العصر وحملها على أرسطو في هذا المكان وهو من ذلك براء، وقد شكا من أن لغة يونان خالية من لفظ يستطاع به نعت فن المحاكاة باللغة -وذلك قوله: «أما الفن الذي يحاكى بواسطة اللغة وحدها نثرًا أو شعرًا، والشعر إما مركبًا من أنواع أو نوعًا واحدًا- فليس له اسم حتى يومنا هذا». أ. هـ. ونعود فنكرر أن المحاكاة ليست عندنا في باب الأدب أصلًا- حتى القصاص عندنا يوردون الأخبار لا على أنها من نسج الخيال ولكن على أنها حقائق وقعت، فتجاوزا نظرية أرسطو طاليس في الواقع والمحتمل إلى الجزم بان المحتمل الشعري أو الإخباري أو القصصي قد وقع بالفعل. ولقد كان كاتب هذه الأسطر في زمان الصبا الأول يقرأ قول أبي تمام: لم لو يقد جحفلًا يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب فيحسب أن المعتصم أشجع وأفرس من عنترة لأنه وحده جيش عرمرم،

стр. 1835

وعنترة أبدا معه ابنه الغضبان وأخوه شيبوب كالريح الهبوب وأجناد بني عبس وحصانه الأبجر. لم يزد أرسطو طاليس على أن رأى في انباد وقليس رأيًّا كان يعلم أن قول الناس على خلافه. والقضية إلى يومنا هذا قائمة في ما يتعلق بالنظم العلمي وعندي أن القول بإخراجه من باب الشعر ليس بصواب- بل يجعل فيه ثم تناط به من بعد الدرجة الملائمة له من الجودة وعدمها، ومن عنصر الطرب الشعري وعدمه. في آخر كتاب المثل السائر ذكر ابن الأثير (١) مطولات العجم الملحمية وعجب من أن ذللك في العربية مفقود، ويذكر أن شهنامة على طولها في الذروة من البلاغة عند فارس، وكأنها بالنسبة إليهم قرآن. والحق أن العربية ليست خالية من القصص، فقد تعلم ما أخذه ابن سلام على ابن إسحاق من روايته أشعار أخبار عاد وثمود، وزعمه أآن اعتذار ابن إسحاق بأن تلك الأشعار كانت تحمل إليه فيرويها ليس بعاذره. وعند المنصف هو عذر تام مقبول؛ لأن ابن إسحاق كان مؤرخًا ومحدثًا والصدق في الرواية والضبط لما هو المقدم عنده. ومن أجل ذلك وثقه صاحبا الصحيحين البخاري ومسلم رضوان الله عنهما، وقد جاء به البخاري في تعليقاته، وروى عنه مسلم بسند، وتوثيق البخاري له مذكور في التأريخ الكبير. في نظم القصص تكلف حين يطول. هذا التكلف يجحف برونق الإيقاع، ويذهب بجانب كبير من بهجة الترنم وتعبير موسيقا الوزن. ويجري بنظم القصة، ضربة لازم، مجرى التعليمي من الشعر، الذي تنحصر عناصر الإبهاج منه في ضربات الوزن ورنة القافية منفصلًا ذلك كل الانفصال عن تسلسل المعاني وإطراد الخبر بل مجحفًا به في كثير من الأحيان بما يحمله عليه من السير على غير وجهه. قصص الإفرنج المطول يشكو من هذه الخصلة شكوى لا تنكر وليس احتمال عرف

стр. 1836

نظم الإفرنج هذا الطول بمعفيه من أن يعاب ويؤخذ عليه الفتور والملال وما من منظومة إفرنجية طويلة مما نعلمه إلا وهذا العيب فيها ومن أجل ذلك ما نرى أن كلردج زعم زعمه حيث جزم بأن المنظومة ذات الطول لا تستطيع أن تكون لها شعرًا ولا ينبغي أن ينتظر ذلك منها أن تكونه. شعر التعليم يمتع بإيقاع الوزن ويكسر به من خشونة أمر التحصيل، فهذا يجعله ضربة لازم مختلفًا بما يجيء سرد العلوم فيه منثورًا. ولما كانت الصدور هي أوعية سطور العلوم. كان مكان فائدة النظم بالمنزلة الجلية الواضحة. وقول ابن مالك: وفعل أمر ومضي بنيا ... وأعربوا مضارعًا أن عريا من نون توكيد مباشر ومن ... نون إناث كيرعن من فتن ونحو قوله: وما للتوكيد كإما منا ... عامله يحذف حيث عنا ونحو قوله: ووصل أل بذا المضاف مغتفر ... إن وصلت بالثان كالجعد الشعر أو بالذي له أضيف الثاني ... كزيد الضارب رأس الجاني يتضمن حلاوة من إيقاع. وما أشك أن رنة ألفية ابن مالك هي التي رجحت بقدرها على كثير أمثالها وسوغت لصاحبها أن يقول: وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي وهو بسبق حائز تفضيلًا .... مستوجبٌ ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافرة ... لي وله في درجات الآخرة ومما يدلك على أن نظم القصص كان يجري في عرق بلاغة العرب مجرى ما

стр. 1837

يتكلف له من شعر التعليم، أو ما لا تناط به المنزلة السامية كما يقصد به التسلي من أغاني الحركة والنشاط وخرافات الجن وما ينظم على ألسن الحيوان ولتلهية الصغار وغيرهم ومن هذا النوع أمثال كثيرة جاء بها الجاحظ في حيوانه منها أبيات من رواية أبي زياد الكلابي (انظر الحيوان ج ٦ ص ٤٤٣) عن أعرابي أكلت الضبع شاة له، فقال: ما أنا يا جعار من خطابك أي لست بجنازة مقتول تركبينها يا خبيثة وجعار بكسر الراء من أسماء الضبع. علي دق العصل من أنيابك ... علي جذا جحرك لا أهابك ثم قال الأعرابي: ما صنعت شاتي التي أكلت ... ملأت منها البطن ثم جلت وخنتني وبئس ما فعلت ... قالت له لا زلت تلقي الهما وأرسل الله عليك الحمى ... لقد رأيت رجلًا معتمًا قال لها كذبت يا خباث ... قد طالما أمسيت في اكتراث أي في فعل الكوارث: أكلت شاة صبيةٍ غراث قالت له والقول ذو شجون ... أسهبت في قولك كالمجنون أما ورب المرسل الأمين ... لأفجعن بعيرك السمين أي لأكلن حمارك السمين: وأمه وجحشه القرين ... حتى تكون عقلة العيون قال لها ويحك حذريني ... واجتهدي الجهد وواعديني

стр. 1838

وبالأماني فعلليني ... لأطعنن ملتقى الوتين منك وأشفي الهم من دفيني ... فصدقيني أو فكذبيني أو اتركي حقي وما يليني ... إذن فشلت عندها يميني تعرفي ذلك باليقين ... قالت أبالقتل لنا تهدد وأنت شيخٌ مهترٌ مفند ... قولك بالجبن عليك يشهد منك وأنت كالذي قد أعهد ... قال لها فأبشري وأبشري إذا تجردت لشأني فاصبري ... أنت زعمت قد أمنت منكري أحلف بالله العلي الأكبر ... يمين ذي بر به لم يكفر لأخضبن منك ضب المنخر ... برمية من نازع مذكر أو تتركين أحمري وبقري النازع هو ذو النزع الشديد حين يجذب القوس ويرمي. فأقبلت للقدر المقدر ... فأصبحت في الشرك المزعفر مكبوبةً لوجهها والمنخر ... والشيخ قد مال بغرب مجزر ثم اشتوى من أحمرٍ وأصفر ... منها ومقدور وما لم يقدر وقد لاحظت الفكاهة أن الضبع والشيخ كليهما على ملة الإسلام، هي على خبثها تحلف بالمرسل الأمين ﵊ وهو على إسلامه وحلفه بالبر لا يبالي أن يشتوي منها وهي سبعه يفعل ذلك انتقامًا. وقد تعلم أن البحتري اشتوى ذئبه في الدالية التي تبدى بها. وإنما سقنا هذه الأبيات، وإن كان زمانها متأخرًا عن الجاهلية لما في أسلوبها من الدلالة على شعر القصص المنظوم للفكاهة والعبرة ونحو ذلك. وفي الجزء الأول من سيرة ابن هشام قصص منظوم كثير وكذلك في تاريخ الطبري.

стр. 1839

وقد أطال شعراء السيرة والأخبار النظم في موحدات القوافي ومزدوجاتها في الرجز وغيره. وقد فاخر الأستاذ عبد الحي الكتاني ﵀ بذلك في الجزء الأول من تراتيبة الإدارية الغرب، يجعله من باب الملاحم. وعندي أنه لا شيء يمنع من ذلك إلا ما دربنا نحن في العربية عليه من اشتراط الحرارة وحمي الروح وقوة الأداء في الشعر على نحو أن اتفق في القصيد الرصين المحكم فقل أن يتفق في المطولات جدًا مما يتجاوز المائة والمائتين. وقد أطال ابن دريد في مقصورته وتأتي له فيها اتقان ومتانة وحوكي في منهجه ولحازم القرطاجني من رجال المائة السابعة مقصورة بالغة الطول من الألفيات محكمة الصياغة غير أن الذي فيها نزر من جيد الشعر الرائع، وهذا باب نأمل إن شاء الله أن نفصل فيه بعض التفصيل في موضع يناسبه فيما يلي من الفصول، حين نعرض لتطويل شعراء المولدين ولا سيما أهل الأندلس منهم ممن جاءت أشعارهم في الذخيرة ونفح الطيب وغيرها من الكتب والدواوين وبالله التوفيق. وحسبنا هذا القدر من الحديث عن الإمتاع مقصودًا إليه أو غير مقصود من حيث دخوله في حيز الأغراض. ومن شاء جعله داخلًا في حيز نفس الشاعر، وهو الركن الرابع من عناصر الوحدة كما تقدم ذكره، والحديث عنه سيأتي إن شاء الله. تصنيف الأغراض: أقدم أغراض الشعر فيما نرجحه ما كان متصلًا بحياة الجماعة وعقيدتها وعرفها ووجوه نشاطها. وهو الذي يسميه الناس الآن بالأدب الشعبي وربما استعملوا العبارة الإنجليزية فولكلور وهي مركبة من كلمتين: فولك (FOLK) هي الناس والشعب وما إلى ذلك ولور (LORE) أي العلم- يعنون بذلك التقاليد

стр. 1840

والأخبار الموروثة والمعارف المأثورة، وهذا قد تنوسي كله إلا ما شذ وندر لا يغاله في القدم، وبقيت بعد أشياء حورت عنه، أو آسانٌ منه تدل عليه. ومن أعراقها وأقواها صلة به، ألعاب الأطفال، كالذي رواه أبو تمام من نحو قول الجارية: يا رب من عادى أبي فعاده ... وارم بسهمين على فؤاده واجعل حمام نفسه في زاده وترد علي صاحبتها: سبي أبي سبك لن يضيره ... إن معي قوافيا كثيرة ينفح منه االمسك والذريرة والذريرة طيب يصنع من مدقوق الصندل مسحوقه مع أخلاط أخر. وأجيال الأطفال يروون أناشيد ألعابهم جيلًا بعد جيل فلا تنقرض إلا حين تتغير أساليب حياة الناس كالذي شاهدناه من تغير أساليب الحياة من بساطة البداوة إلى تعقد حياة المدائن في مدى خمسين عامًا. واستمرار رواية الأطفال لما يروونه بلا تغيير ولا رجوع إلى نص مكتوب مما يصحح عندنا أمر رواية القدماء كأشعارهم، كما زعمنا من قبل في أوائل هذا الجزء. وفي حيوان الجاحظ مما يجري مجرى الأدب الشعبي أمثلة كثيرة نحو خبر علقمة والشق- والأبيات: علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول اضربهم بالهذلول ... ضرب غلام بهلول وفي الكامل مقال الضب للحسل حين كانت الحيوانات تتكلم: أهدموا بيتك لا أبالكا ... وأنا أمشي الدألي حوالكا وضرب تلبية العرب التي ذكروا وقد أورد أبو العلاء منها جملة صالحة في الغفران في قسمها الثاني وانظر ص ٥٣٤ - ٥٣٧ وضروب أناشيد سقياهم وقد

стр. 1841

أورد البلاذري من مفاخرات قبائل قريش في ما حفروا من بئارٍ نماذج عدة (١) وذكر ابن سلام أن من أقدم الشعر قول العنبر بن تميم: قد رابني من دلوي اضطرابها ... والنأي في بهراء واغترابها وقولهم: يأيها المائح دلوى دونك من قديم شعر السقيا الجاري مجرى الأدب الشعبي. ومن الأخبار الدالة في باب الأدب الشعبي تفسير عبارة حداء الإبل بهيد هيد أنها من حين انكسرت يد مضر فحملوه وهو يقول وايداه وايداه. وكان أحسن خلق الله جرسًا وصوتًا فأصغت الإبل إليه وجدت في السير فجعلت العرب مثالًا لقوله «هايدا هايدا» يحدون به الإبل حكى ذلك عبد الكريم في كتابه «(العمدة ٢/ ٣١٤) - قلت «وهايدا هايدا» ليست مما روي في زجر الإبل إلا أن يكون عبد الكريم توهم أن «وايداه» تحرفت إلى «هايدا» وهذه أقرب إلى ألفاظ الزجر وهي هيدٌ وهادٌ وهيد بكسير الهاء، والأولى فتحها، التي ذكرها الفيروز أبادي، وقد ذكر دي دي في باب الياء والواو وزعم أن أعرابيًّا ضرب غلامًا وعض إصبعه فمشى وهو يقول دي دي أراد يدي فسارت الإبل على صوته. وسمعنا في الدارجة من أهل الجمال هيد بالكسر وهاج وصيرورة الجيم دالًا في الدارجة كثير فهذا يسوغ عكسه. وقال ذو الرمة: إذا حدوهن بهيد هيد ... حتى استحلوا قسمة السجود والمسح بالأيدي من الصعيد

стр. 1842

ومر بك في أول الكتاب عن نسبة الرجز إلى نحو من هذا الخبر ومن روى إن كان مرويًّا «يدي يدي» فليس هذا رجز ضربة لازم لاشتراك غير الرجز في «مفاعلن». وعندي أن ما روي من خبر رئاء أبينا آدم لأمنا حواء، ورواه الطبري في تأريخه، وأشار إليه أبو العلاء في الغفران مع فكاهة ما وتهكم، وهو ما نسب إليه من قوله ﵇ يرثي ولده هابيل لما قتله قابيل: تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرٌ قبيح في أبيات، له أصلٌ في الأدب الشعبي. ومن قديم الشعر ما كان متصلًا بالموت، وهذا قريب النسب من الأدب الشعبي وقد ذكر ابن سلام من أوائل الشعر قول دويد: اليوم يبني لدويدٍ بيته والبيت ههنا إنما هو القبر وهذا ظاهر من سياق الأبيات، وفيها: يا رب نهب حسنٍ هويته ... ومعصم ذي برةٍ لويته يعني التمتع بالنساء: لو كان قرني واحدًا كفيته ... أوردته الموت وقد ذكيته ويذكر أن عبد الله بن الزبير ﵄ تمثل بهذا حين استقتل حتى استشهد وكأن البيتين الأخيرين من شعبيات القتال. وذكر ابن سلام شعرًا في الوصية لزهير بن جناب الكلبي منه قوله: من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية وصلة الوصية بالموت لا تخفى.

стр. 1843

ويروي ليزيد بن خذاق أو للممزق العبدي: هل للفتى من بنات الدهر من واق ... أم هل له من حمام الموت من راق قد رجلوني وما رجلت من شعثٍ ... وألبسوني ثيابًا غير أخلاق ورفعوني وقالوا أيما رجل ... وأدرجوني كأني طي مخراق وأرسلوا فتيةً من خيرهم حسبًا ... ليسندوا في ضريح الترب أطباقي هون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي كأنني قد رماني الدهر عن عرض ... بنافذات بلا ريش وأفواق والقطعة مفضلية روايتها البصرية لابن خذاق والكوفية للممزق وروى ابن الأنباري قال أبو العباس ثعلب الممزق أول من ذم الدنيا. والاضطراب في نسبتها يشهد بقدمها وموضوعها ديني المعدن وثيق الصلة بأمر الموت والدفن والقبر وحكمة القلوب الخالدة. وفي دالية طرفة مشابه من هذه الأبيات القافية وطرفة قديم ليس الممزق ولا ابن خذاق بأقدم منه وذلك قوله: كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدي أرى قبر نحام بخيل بمال ... كقبر غويٍّ في البطالة مفسد ترى جثوتين من ترابٍ عليهما ... صفائح صمٌ من صفيح منضد هنا موضع التشبيه بأبيات الممزق أو ابن خذاق وهو ههنا من تأمل نفس الصناعة الدفن وتنضيد الحجارة والذي ذكره الممزق أو يزيد أو من كان قال هذه الأبيات إعدادٌ للدفن من ترجيل وتكفين. ثم هذا الموت الذي ذكر جانبًا من أمره طرفة لم يباعده من نفسه، بل الذي دعا إلى قوله ما قال هو تمثله اقتراب الموت وحرصه على مبادرة اللذات قبل مجيئه بياتًا أو نهارًا أو كما قال: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقلية مال الفاحش المتشدد

стр. 1844

أرى العيش كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما ينقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد وقد خلص موضوع صفة الموت والإعداد للدفن من الجاهلية إلى عصور الإسلام من بعد- ومما يدلك على كثرته في الجاهلية ما نجد من الإشارة إلى موضوعه كما في قول الأسود بن يعفر: ولقد علمت سوى الذي نبأتني ... إن السبيل سبيل ذي الأعواد إن المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي عن أبي عبيدة أنه أراد بذي الأعواد جد أكثم بن صيفي وكان من أعز أهل زمانه، فيما روى ابن الأنباري وقال: «فيقول لو أغفل الموت أحدًا لأغفل ذا الأعواد وأنا ميت إذ مات مثله، ويقال أراد بذي الأعواد الميت لأنه يحمل على سرير أي إني ميت كما مات غيري» أ. هـ. قلت والوجهان متقاربان. وأشبه بالسياق أن يكون معنى سبيل ذي الأعواد أي سبيل هذه الأعواد، إذ كانوا يحملون الميت على أعواد، وهو قول كعب بن زهير: كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول وذكروا أن الحمل على النعش وهو سرير إنما تعلمه الناس من الحبشة وإن أول من حملت عليه زينب أم المؤمنين ﵂ في زمان عمر بن الخطاب ﵁ وهذا الخبر يدل على حداثة عهد العرب بالنعش، وفي شعر المهلهل: كأن الجدي جدي بنات نعشٍ ... يكب على اليدين بمستدير فهذا يدل على قدمه، أو أن كل ما يحمل عليه الميت يسمى نعشًا أو لعل أهل الحجاز استعملوا النعش الذي كالسرير بأخرة. والنعش ربما أطلق في اللغة على سرير

стр. 1845

الميت وعلى غيره وهو كذلك في شعر النابغة وذلك قوله: ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتيةٍ قد جاوز الحي سائرا فسر النعش ههنا بمحفة كان يحمل عليها الملك إذا مرض. (انظر شرح ابن عاشور ﵀ ص ١١٥ طبعة تونس ١٩٧٦ م). وقال عبدة بن الطبيب: ولقد علمت بأن قصري حفرةٌ ... غبراء يحملني إليها شرجع الشرجع هو الأعواد التي ذكرها الأسود بن يعفر وعبدة تميمي مثله، قال ابن الأنباري والشرجع خشب يشد بعضه إلى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى: فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والأقربون إلي ثم تصدعوا وتركت في غبراء يكره وردها ... تسفي علي الريح حين أودع وأبيات سلمى بن ربيعة التي ذكرها صاحب الحماسة ومر ذكرها في باب الحديث عن الأوزان وهي التي أولها: إن شواءً ونشوة ... وخبب البازل الأمون من هذا الباب الديني الوعطي إذ ذكر فيها هلاك الأمم الأولى. وقد خلص شعر الموت من الفصيحة إلى الدارجة في كثير من أقطار العربية مثل كلمة المادح عندنا التي أولها: زايلة الدنيا دي الـ ما بدوم لي خيرًا (أي خيرها) ولت وأدبرت بقيت عصيرا (تصغير وقت العصر) وللسيد محمد عثمان المرغني ﵀ كلمة مقاربة لوعظ العامة أولها: ليس الغريب غريب الشام واليمن ... إن الغريب غريب اللحد والكفن

стр. 1846

وصف فيها أمر الحنوط والإدراج والتكفين وقال فيها: وخلعوني قديمًا كنت لابسه ... وألبسوني جديدًا اسمه الكفن (١) صلوا علي صلاةً لا ركوع بها ... آخر صلاةٍ من الدنيا فيا حزني وشعر الرثاء من أقدم الشعر سبقًا لما فيه من عناصر الشعبية الجماعية والدين والحكمة والمواعظ الطبيعية المعدن البسيطة المسالك. فالعنصر الشعبي من الرثاء بمثله النوح ومنه قول ابنة أبي المسافع: وما ليث غريفٍ ذي أظافير وأقدام ... كحبي إذ تلاقوا ووجوه القوم أقران وقد وصف كعب بن زهير النائحة إذ وصف ناقته فقال: كأن اوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العسا قيل شد النهار ذراعًا عيطلٍ نصف ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول وكأن كعبًا وصف النائحة من أجل التلميح إلى ما خوفه به أعداؤه من أنه سيقتل فشبه ناقته بالنائحة التي ستنوح عليه- وذلك قوله: يسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول وقد كان من عادة الجاهلية أن يقيموا على فقبر المرء ناقته بعد أن يقطعوا مشافرها ويقيدوها فتموت عطشًا فيزعمون أنه يفعل هذا بها لتكون مهيئة له يركبها حين يبعث. وفي القرآن ما يدل على أن زنادقة قريش كانوا ينكرون البعث- قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا

стр. 1847

سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود] وقال لبيد بن ربيعة في معلقته يذكر هذه الناقة واسمها البلية: تأوي إلى الإطناب كل رذيةٍ ... مثل البلية قالصٍ أهدامها يصف المرأة البائسة يشبهها بالبلية: وفي معلقة طرفة وصف للناقة كأنه تشريح لها. وذلك أنه وصفها في حال مرعاها حين تربعت القفين وفي حال انخرطها في الصحراء ثم في حال انهيارها بعد الضمور والكلال. وقد وصف علقمة رذايا الإبل حيث قال: بها جيف الحسرة فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب وكأن طرفة في نحو قوله: وطي محالٍ كالحني خلوفه ... واجرنةٌ لزت بدأيٍ منضد الخلوف الضلوع والاجرنة جمع جران بكسير الجيم وهو العنق والدأي بسكون الهمزة جمع دأية وهي فقار الظهر والعنق. ومحو قوله: وجمجمة مثل العلاة كأنما ... وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد وعجز قوله: وعينان كالماويتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرةٍ قلت مورد كل هذا الوصف التشريحي بعد نعت السمن في المرعى والحركة والنشاط في الرحلة إنما عني به بليته التي ستوقف عند قبره- وهذا يناسب حديثه عن الموت الذي مر، كما يناسب عقره للناقة الكوماء في آخر القصيدة، وكأنها أيضًا هي المرادة لتكون بليته، ولكنه بحكم مبادرته لذاته قبل موته أو كما قال: كريمٌ يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدًا أينا الصدى

стр. 1848

قد بادر فعقرها لينعم بأكلها في زمان لذته، وعسى أن يقوي هذا المعنى أو ينبئ عن معنى مقارب له قوله: وقال ذروة إنما نفعها له ... وإلا تردوا قاصي البرك يزدد ومما يتصل بمعنى شعبية النوح ما كنا قدمناه من قول الربيع بن زياد في مقتل مالك ابن زهير: (وإنما ناحت نساؤه بعد أن أدرك ثأره): من كان مسرورًا بمقتل مالكٍ فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء سوافرًا يبكينه ... يلطمن أوجههن بالأسحار وقد تعلم قول لبيد لابنتيه: إذا حان يومًا أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجهًا ولا تحلقا شعر وقولا هو المرء الذي لا حريمة ... أضاع ولا خان الصديق ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن بيك حولًا كاملًا فقد اعتذر وتعداد مآثر الميت، وذلك تأبينه، كان فرعًا من النوح، ثم كأن الرثاء قد ظل منه النوح شعبيًّا، وتفرع ضرب آخر أقوى أسرًا وأشد أحكامًا فكانت منه قصائد تروى. كلمة عن الرثاء: وبعدما قدمناه وفي ضوئه يمكننا أن نقسم الرثاء أربعة أقسام أولها تفجيع أهل الميت والمناحة الشعبية طرفٌ منه وللإسراف في أمرها نهي عنها لبيد وأحسب أن نهيه كان في الجاهلية وكان من فضلائها وسادتها وقد زاد النهي عنه في الإسلام. على أن السيرة تخبرنا أن النساء بكين قتلى أحد ومن ذلك قول كعب بن مالك: صفية قومي ولا تعجزي ... وبكي النساء على حمزة

стр. 1849

وقد ناحت النساء موجعات على عثمان ﵁ وعلى الحسين ﵁ يدلك على ذلك قول مروان لما جاء نبأ قتله المدينة يتمثل به: عجت نساء بني زبيد عجةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب وقال جرير في أمر الزبير ﵁: إن الرزية من تضمن قبره ... وادي السباع لكل جنبٍ مصرع لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع وبكى الزبير بناته في مأتم ... ماذا يرد بكاء من لا يسمع قال النوائح من قريشٍ إنما ... غدر الحتات وغالبٌ والأقرع ويروى «لين» مكان غالب وهو لقب لأبي الفرزدق غالب ويقال إن لينًا أراد به الأحنف وهذا أصح. وقد حاكى ابن الرقيات طريقة نوح النساء في مراثيه وقد ذكرنا بعض ذلك في معرض الحديث عن القوافي. وفي السيرة أن مطرودًا الخزاعي لما جاء في مرثيته الأولى يرثي بها نوفلًا أو هاشم بن عبد مناف بقوله: يا ليلة هيجت ليلات ... إحدى ليالي القسيات قيل له لو كان أفحل لكان أحسن فجاء بمرثيته الثانية التي يقول فيها: يا عين فابكي أبا الشعث الشجيات ... يندبنه خسرًا مثل البليات فالمرثية الأولى كأنما أريد بها النوح والثانية إلى أن تكون تأبينًا بقصيدة فخمة تروى على الزمان. شعر الخنساء ﵂ فيه لوعة الفجيعة ورقة مناحة النساء مع ما في ذلك من تعداد المآثر ثم فيه مع اللوعة شدة الأسر وفحولة ما تستحب روايته من جياد القصيد. ثم يخالط مذهب تأبينها وبكائها استشعار فخر وعزاء بذكرى المجد

стр. 1850

والفضل الذي بلغه أخواها. كقولها في كلمتها الرائية التي مطلعها: قذًى بعينك أم بالعين عوار ... أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار وهو من فخمات المطالع التي تقرع السمع، قالت: وإن صخرًا لهادينا وسيدنا ... وإن صخرًا إذا نشتو لنحار وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نار مشى السبنتي إلى هيجاء معضلةٍ ... له سلاحان أنياب وأظفار فما عجولٌ على بوٍّ تطيف به ... لها حنينان إعلام وإسرار ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار يومًا بأوجع مني يوم فارقني ... صخرٌ وللدهر إحلاء وإمرار لم تره جارةٌ يسعى بساحتها ... لريبةٍ حين يخلى بيته الجار ومنها في أولها: كأن عيني لذكراه إذا خطرت ... فيضٌ يسيل على الخدين مدرار تبكي خناس على صخر وحق لها ... أزرى بها الدهر إن الدهر ضرار تبكي خناس فما تنفك ما عمرت ... لها عليه رنين وهي مفتار يا صخر وراد ماءٍ قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عار وقولها خناس فهو اسم تحبيب لعل أخاها كان يناديها به، فهذا مما يزيد موقعه في الشعر حرارة كما ترى. ومن رثائها وقد أورده صاحب الكامل من المختارات التي اختارها: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا طويل النجاد رفيع العماد ... ساد عشيرته أمردا

стр. 1851

إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم انثنى مصعدا يكلفهم الناس ما عالهم ... وإن كان أحدثهم مولدا ومنه وهي مما اختاره المبرد: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس ولم أر مثله رزءًا لجن ... ولم أر مثله رزءًا لإنس ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي ولها: أعيني هلا تبكيان على صخر ... بدمعٍ حثيث لابكئ ولا نزر ألا ثكلت أم الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر وقائلةٍ والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسي على صخر وهذه صورة حية تامة الحيوية ولعل الموصوفة ههنا أم صخر، وليست أم الخنساء لأن الخنساء كانت أخته لأبيه، وإياها عني صخر في أبياته النونية: أرى أم صخر ما تمل عيادتي ... وملت سليمي مضجعي ومكاني وسليمي زوجته- وبعد الأبيات الرائية التي تقدمت من الخنساء قولها: فمن يضمن المعروف في صلب ماله ... ضمانك أو يقرى الضيوف كما تقرى فشأن المنايا إذا أصابك ريبها ... لتغد على الفتيان بعدك أو تسرى ومذهب جنوب أخت عمرو ذي الكلب قريب من مذهب الخنساء في حرارة الدمعة وصلابة البيان وهي القائلة: أبلغ هذيلًا وأبلغ من يبلغها ... قولًا صريحًا وبعض القول مكذوب

стр. 1852

بأن ذات الكلب عمرًا خيرهم نسبًا ... ببطن شريان يعوي حوله الذيب المخرج الكاعب الحسناء مذعنةً ... في السبي ينفح من أرادانها الطيب والقائلة وقد بلغها أن أخاها عدا عليه نمران بجبل فاغتالاه: فأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذن نبها منك داءً عضالا إذن نبها ليث عريسةٍ ... مفيتًا مفيدًا نفوسًا ومالا وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرفٍ تشكي الكلالا فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا وقد ترى أنها لم تترك القائل من البديعين من مقال في قولها «مفيتًا» تريد به النفوس و «مفيدًا» تريد به المال مع ما ترى من صناعة الجناس وكذلك جعلها إياه شمس النهار وهلال الليل. وسمى ابن رشيق هذا من صناعتها التسهيم وذكر فيه اختلافًا وأنه الذي يسميه قدامة التوشيح (٢/ ٣٢ من العمدة) وأورد الأبيات الغرناطي في شرح المقصورة تفسيرًا للتوشيح والتسهيم قال: «قلت وقد شرح بعض المتأخرين معنى هذه القصيدة فقال التسهيم أن يكون صدر الفقرة أو البيت مقتضيًّا لعجزه ودالًا عليه بما يستدعي المجيء به ليكون الكلام في استواء أقسامه واعتدال أحكامه كالبرد المسهم في استواء خطوطه» (شرح مقصورة حازم الغرناطي طبع القاهرة سنة ١٣٤٤ - ج ١ - ص ٢٩). وقال الغرناطي عن الخنساء (نفسه ٢/ ١٢٨) «وأجمع أهل المعرفة بالشعر أنه لم تكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها» والحق أن رثاءها يتجاوز التفضيل على بنات جنسها فقط، وهي من مجموعة ما رثت به أشعر من جملة أصحاب المراثي وإنما يتقدم منهم عليها بالطويلة الواحدة، كقصيدة متمم في مالك وأعشى بأهله في المنتشر وكعب بن سعد في أخيه، على أن في تقديم هذه الطوال عدا عينية متمم،

стр. 1853

على طويلاتها نظر. وأحسب مما رفع قدر عينية متمم جسامة الحدث الذي قيلت فيه. وشتان ما بين أمر الردة وما كان بين بيوتات العرب من تغاور. الضرب الثاني من الرثاء فيه النفس الديني الذي مع إحساس الفجيعة يعمد إلى التفكر في الموت. منبع هذا الضرب أيضًا من أصول شعبية كما تقدم ذكره. ولكنه عندما اتلأبت به صناعة الشعراء، خالطه ضرب الأمثال وسوق الأخبار والتماس الموعظة في ذلك. وقد مر بك في أول الكتاب أبيات الهذلي: يا مي إن ترزئي قومًا فقدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس يا مي لن يعجز الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخر به الظيان والآس من فوقه أنسرٌ بيض وأغربة ... وتحته أعنزٌ كلفٌ وأتياس يا مي لن يعجز الأيام مبترك ... في حومه الموت رزام وفراس أحمى الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومجترئٌ بالليل هماس فهنا يضرب الشاعر الأمثال بما يرى أنه رمز للقوة من بقاء كأوابد الوعول وشهب النسور ومعمرات الغربان ومرهوبات الأسود. ونفسٌ من ضرب الأمثال هذا تجده في عينية متمم، وأحسب أن هذا الجمع فيها بين لوعة النائح وحكمة المتفكر الواعظ مع حسرات الموتور هو مما جعلهم يقدمونها. فمن ضربه المثل قوله: وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلةً معًا فغن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محمودًا أخي حين ودعا وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا أقول وقد طار السنا في ربابه ... وغيثٌ يسح الماء حتى تريعا سقى الله أرضًا حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا

стр. 1854

فوالله ما أسقى الديار لحبها ... ولكنني أسقي الحبيب المودعا تقول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك حديثًا ناعم البال أفرعا فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة حزنٍ تترك الوجه أسفعا وفقد بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم أن أستكين وأضرعا قعيدك ألا تسمعيني ملامةً ... ولا تنكئ قرح الفؤاد فييجعا وكلمة أبي ذؤيب العينية فيها مذهب الهذليين من ضرب الأمثال. وقد مر بك تناولنا لها في معرض الحديث عن البحر الكامل وذكرنا مقال عمر ﵁ لما أخذ أبو ذؤيب في أمثاله من عند قوله: والدهر لا يبقى على حدثانه ... جون السراة له جدائد أربع «سلا أبو ذؤيب» ونرجع ههنا عن كثير مما دفع إليه تطرف الشباب من الأخذ على أبي ذؤيب في بعض ما قلناه. من ذلك مثلًا بيته: قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالني فهي تثوخ فيها الإصبع إذ عابه الأصمعي وقال «هذا من أخبث ما نعت به الخيل» والحق أنه لا ينبغي أن يؤخذ على أبي ذؤيبٍ ههنا غير المبالغة حيث قال «فهي تثوخ فيها الإصبع» وله من نعت تربية الفرس بالسمن قبل التضمير نماذج حسنة في قول زهير: غزت سمانًا فآبت ضمرًا خدجا ... من بعدما جنبوها بدنا عققا وقال سلامة بن جندل وكان فارسًا عالمًا بالخيل: تظاهر الني فيه فهو محتفلٌ ... يعطي أساهي من جري وتقريب والذي ذكره سيدنا عمر من نقد أبي ذؤيب باق إلا أن الذي عرفه قدامة وابن رشيق والمفضل وأشياخه من قبل من جمال ما نعته ينبغي أن يعرف ولعلنا -إن وجدنا مجال ذلك- أن نورد منه عند الحديث عن الأوصاف. وقد نبهنا بالرغم مما

стр. 1855

كنا أخذناه من مآخذ على أبي ذؤيب، على جودة وصفة الفارسين المتبارزين في آخر القصيدة وهو قوله نورده ههنا وافيًّا: والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعرٌ حلق الحديد مقنع حميت عليه الدرع حتى وجهه ... من حرها يوم الكريهة أسفع تعد به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخوٌ تمزع فهذه حالها إذ هو يقاتل بها ثم وصف حالها قبل التضمير لينبه على حسن تربيته وصنعه لها: قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالني فهي تثوخ فيها الإصبع متفلق انساؤها عن قانيءٍ ... كالقرط صاوٍ غبره لا يرضع تأبى بدرتها إذا ما استغضبت ... إلا الحميم فإنه يتبضع قلت وقد سبق أن تابعنا في عيب هذا البيت مذهب أبي سعيد حيث قال «غلط أبو ذؤيب في هذا البيت لأنه لم يكن صاحب خيل» والذي ذكره أبو عبيدة أشبه وقد ذكرناه إلا إننا عبناه بأن فيه تكلفًا، وليس فيه إلا المبالغة وهي من القول مذهب فكان بنا أولى ألا نعيبه. بينا تعنقه الكماة وروغه ... يومًا أتيح له جريءٌ سلفع يعدو به نهش المشاش كأنه ... صدعٌ سليم رجعه لا يظلع الصدع الفحل من الوعول بفتح الصاد والدال والنهش بفتح فكسر الخفيف فتناديا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدع متحاميين المجد كل واثقٌ ... ببلائه واليوم يوم أشنع وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع وكلاهما في كفة يزنيةٌ ... فيها سنانٌ كالمنارة أصلع

стр. 1856

وكلاهما متوشحٌ ذا رونقٍ ... عضبًا إذا مس الضريبة يقطع فتخالسا نفسيهما بنوافذٍ ... كنوافذ العبط التي لا ترقع وكلاهما قد عاش عيشة ماجدٍ ... وجنى العلاء لو أن شيئًا ينفع والعظة والتأسي والحكمة غالبة على هذه الابيات، وراجعة بأنفاسها إلى حرارة مع التأمل المر الذي في أولها حيث قال: سبقوا هوي وأعنقوا لهواهمو ... فتخرموا ولكل جنبٍ مصرع فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنية أقبلت لا تدفع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ تنفع فالعين بعدهم كأن حداقها ... كحلت بشوكٍ فهي عورٌ لا تدمع حتى كأني للحوادث مرورةٌ ... بصفا المشرق كل يوم تقرع وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع والنفس راغبة إذ رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع فأبيات الفارسين فيها أصداء ومجاوبة لما ههنا- حتى قوله «والنفس راغبة إذا رغبتها» فيه مشابهة معنى ومماثلة لقوله: «وكلاهما ق عاش عيشة ماجد» ولا أباعد أن قلت أن كثيرًا مما صور المبارزة بين بطلين أحدهما أثقل مظهرًا من صاحبه كأنه مأخوذ مما ههنا أو له أصل واحد مع ما ههنا- صورة مبارزة سهراب الفارسي مع أبيه رستم وهي من قصص شهنامة وصاغها الشاعر الإنجليزي «ماثيو أرنولد» وما كان أمر أبي ذريب على زمانه مجهولًا. هذا ورثاء لبيد أخاه من هذا الضرب الذي يخالطه التأمل والتفكير وضرب الأمثال في أمر الموت والتماس العزاء من مظاهر الطبيعة وأحداث الدهر وهيمنة الفناء على جنس البشر وأصناف الحيوان. وقد قدم الدكتور طه حسين رحمه الله

стр. 1857

لبيدًا كل التقديم في باب الرثاء حتى أحسب أنه فضله على سائر الجاهليين. ومما استشهد به قصيدته العينية: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الديار بعدنا والمصانع وقد كنت في أكتاف جار مضنةٍ ... ففارقني جارٌ بأربد نافع فلا جزعٌ إن فرق الدهر بيننا ... وكل فتًى يومًا به الدهر فاجع فلا أنا يأتيني طريفٌ بفرحةٍ ... ولا أنا مما أحدث الدهر جازع وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوًا بلا قع وما للمرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع وما البر إلا مضمراتٌ من التقى ... وما المال إلا معمراتٌ ودائع وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بدٌ يومًا أن ترد الودائع ويمضون أرسالًا وتخلف بعدهم ... كما ضم أخرى التاليات المشايع وما الناس إلا عاملان فعامل ... يتبر ما يبني وآخر رافع فمنهم سعيدٌ آخذ بنصيبه ... ومنهم شقيٌّ بالمعيشة قانع أليس ورائي إن تراخت منيني ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع فأصبحت مثل السيف غير جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع فلا تبعدن إن المنية موعدٌ عليك فدانٍ للطلوع وطالع أعاذل ما يدريك إلا تظنيًّا ... إذا ارتحل الفتيان من هو راجع أحسبه ههنا لا ينكر البعث ولكن يشير إلى ما كان عليه مذهب حياتهم من الحل والترحال ولعمري إن نحو هذا لكثير حدوثه في زماننا الآن. وما أشبه الليلة بالبارحة. تبكي على إثر الشباب الذي مضى ... ألا إن أخدان الشباب الرعارع

стр. 1858

لأنهم مقبلون عليه أما من هم فيه أو تجاوزوه فقد استمر بهم سبيل الفناء. أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى ... وأي كريم لم تصبه القوارع وأثر الإسلام في هذه القصيدة لا يخفى. وأحسب أن فيها أبياتًا إما أصابها اضطراب في الرواية أو هن عليها مقحمات. ومكان الإيطاء في بيتي الودائع في النفس منه شيء- أسقطت بينهما أبيات؟ وقوله: وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع مما اشتهر وجرى على الألسن وفي التعازي مجرى المثل. وقد سلك الدكتور طه ﵀ في تقديمه لبيدًا مذهبه الذي سلك من قبل إذ قدم المعري في داليته: غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوح باكٍ ولا ترنم شادي وشبيه صوت النعي إذا قيس ... بصوت البشير في كل نادي أبكت تلكم الحمامة أم غنـ .... ـت على فرع غصنها المياد على أبي الطيب، وخاصة في عمق تأمله الفناء حيث قال: زحلٌ أشرف الكواكب دارًا ... من لقاء الردى على ميعاد ولنار المريخ من حدثان الدهـ ... ـر مطف وإن علت في اتقان والثريا رهينة بافتراق الشـ ... مل حتى تعد في الأفراد ولو كان هذا القول جاهليًّا لكان من قائله تأملًا عميقًا بل شاذًا إذ كانت النجوم عندهم معبودة. وقول لبيد «وما تبلى النجوم الطوالع» جار على مذهبهم وهذا قبل إسلامه. وقد نص القرآن على فناء كل شيء، السماء تتفطر، والكواكب تنتثر، والجبال تكون هباء، فالمسلم إذا ذكر فناء الكواكب ونحوها إنما يجيء بذلك على

стр. 1859

سبيل العظة. وما خلا أبو العلاء من القصد إلى السخرية بما كان شائعًا على زمانه من الولع بالكواكب وإعلاء شأن التنجيم والطوالع. والضرب الثالث من الرثاء هو ما غلب فيه عنصر الحكمة وكأن عينية لبيد أدخل فيه منها في الضرب الثاني لولا أن كل ذلك مسوق للتسلي والتعزي كما هو جلي من قوله: «ففارقني جارٌ بأربد نافع» ومن قوله «فلا تبعدن أن فرق الدهر بيننا» ومن قوله: فأصبحت مثل السيف غير جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع فلا تبعدن أن المنية موعد ... عليك فدانٍ للطلوع وطالع والحزن الشخصي الملابس للحكمة فيها جد عميق كقوله: وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع فهذا مضمن تشبيهًا لحال أخيه أربد، فقد كان من رجال الجاهلية شهابًا ثم قد أصابته الصواعق فصار رمادًا- لاشيء، وكان هو وعامر بن الطفيل هما بقتل النبي ﷺ حين وفدا عليه فصرفهما المولى سبحانه وتعالى عما هما به من غدرٍ وهلكا في طريق عودتهما- عامرٌ بالغدة وأربد بالصاعقة وفي التفسير أن آية الرعد نزلت فيه وهي قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. وكقوله: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وقوله: أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى ... وأي كريم لم يصبه القوارع فهذه الحكمة تتضمن الحزن وبيت الأهلين والودائع غاية في هذا المعنى.

стр. 1860

والفرق بين هذا الضرب الثالث من الرثاء الذي زعمنا أن عينية لبيد قريبة من الدخول فيه وبين الضرب الثاني الذي من صميمه أشعار هذيل وما سير به على منهاجها، إن الضرب الثاني قوامة لوعة الحزن على الميث ثم يكون التأمل وضرب الأمثال من أجل التعزي، أما هذا الضرب الثالث فقوامه عنصر العظة وتأمل الفنا نفسه، ولولا أن المعري قد أطال من التأبين ومعاني الحزن الذاتي في داليته لكانت كلها أدخل في هذا الباب الثالث- وعلى ما في عينية أبي الطيب التي رثى بها أبا شجاع وجارى بحر الهذلي وقافيته: الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصيٌّ طيع أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينًا ويدركها الفناء فتتبع من اندفاع النفس وحرارة الروح، فإنها عندي أدخل حقًّا في هذا الضرب الثالث؛ لأن عنصر محض التفكر أقوى فيها من حال الحزن الشخصي لموت أبي شجاع- فجع الدهر بأمثال أبي شجاع وإبقاؤه على كافور -حين غضب هو على كافور- ومن حوله من رخم وبوم، هذا موضع التأمل والعظة والاعتبار. أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع الشعر المنبئ بسيطرة الموت وأشعار الوصايا من هذا الضرب الثالث مثل كلمة عبد قيس البرجمي: أجبيل إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت لا المكارم فاعجل وكلمة ذي الأصبع: أأسيد إن مالًا ملكت فسر به سيرًا جميلًا
следующие страницы →