← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ودسوا فارسًا منهم عشاء ... فلم نغدر بفارسهم لدينا فجاءوا عارضًا بردًا وجئنا ... كمثل السيل نركب وازعينا وصفهم بالشجاعة إذ شبههم بالمطر ذي البرد كما وصف قومه بذلك وفي الصورة بعد جمال الأخذ من الطبيعة، أن تناسيت المشبه وتوفرت على تأمل المشبه به، عارض برد، ثم تسيل السيول، وهي الصورة التي فصلها امرؤ القيس ووازعا السيل هما شاطئاه لأنهما يزعانه أي يكفانه فإذا فاض وطمى ركبهما وعم وغمر ودمر. تنادوا يالبهثة إذ رأونا ... فقلنا أحسني ضربًا جهينا سمعنا دعوةً عن ظهر غيب ... فجلنا جولةً ثم ارعوينا أي تراجعنا، كأنا أحسسنا بصوت من ورائنا. ويجوز، وهو عندي أقوى، أنهم تراجعوا كلٌّ عن قرنه كلالًا أو تهيبًا أو رغبة في الفرار ثم ناداهم محرضوهم من ورائهم فعادوا إلى القتال. وقوله: «فجلنا جولةً» يشعر بمعنى الفرار. وفي أخبار حروب السيرة من التفصيل ما يقوي القياس عليه هذا المعنى، كخبر أحد: «إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخريكم» وكخبر حنين. فلما أن تواقفنا قليلًا ... أنخنا للكلا كل فار تمنيا فلما لم ندع قوسًا وسهمًا ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا تلالؤ مزنةٍ برقت لأخرى ... إذا حجلوا بأسياف ردينا إذا حجلوا أي مشوا كمشية الطير، مشية فيها خيلاء ونزوان وهي مشية الغراب وجعلها دريد مشية الطير عامة حين تلغ في الدماء وتنقر جثث القتلى وهو قوله: وعبد يغوث تحجل الطير حوله ... وعز المصاب حثو قبرٍ على قبر ويقال ردى الغراب بمعنى حجل وهي مشيته ذات النقزان وردى الفرس أي رجم الأرض بين المشي والعدو. ومن فسر حجلوا ههنا -بمعنى مشوا مشية المقيد، أضاع

стр. 1892

المعنى؛ لأن هذه القصيدة من المنصفات، ما من شيء وصف به العدو إلا وصف به قومه من الإقدام والجولة والثبات والقتل. شددنا شدة فقتلت منهم ... ثلاثة فتية وقتلت قينا وشدوا شدة أخرى فجروا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ ... وكان القتل للفتيان زينا هنا الرثاء كما ترى فآبوا بالرماح مكسراتٍ ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا فباتوا بالصعيد لهم أحاحٌ ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا والحكمة التي تستفاد من ههنا ما تصنعه الحرب من فساد، وقد أقبلوا غاضبين ثم زين لهم حب الحياة الفرار، ثم حملهم الحفاظ على الثبات، ثم ما كان بعد ذلك إلا القتلى والكلوم. وهذا الباب مما يتسع. ومما يقوي ما نذهب إليه من ارتباط الوصايا والعظة والحكمة وأمر الموت والرثاء وأمر الثأر كل ذلك بعضه ببعض أن أبا تمام وهدك من عالم ناقد خبير قد جعل أول أبواب اختياره في ديوان الحماسة للحماسة ثم جعل بعده المراثي ثم جعل بعده الأدب وفي باب الحماسة نفسه مراثٍ مما يجري مجرى ذكر الحرب والثأر ككلمة عبد الشارق الجهني هذه، وكلمة كبشة وكلمة قيس بن زهير: تعلم أن خير الناس ميتٌ ... عليه جفر الهباءة لا يريم ولولا ظلمه لظللت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم ولكن الفتى حمل بن بدرٍ ... بغى والبغي مرتعه وخيم وفي باب الأدب كلمة سلمي بن ربيعة «إن شواء ونشوة» وقد تقدم الحديث عنها

стр. 1893

إنها من باب العظة والتأسي بالماضين وكلمة عمرو بن قميئة: يا لهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما إذ أسحب الريط والمروط إلى ... أدنى تجاري وانفض اللمما لا تغبط المرء أن يقال له ... أمسى فلان لسنه حكما إن سره طول عمره فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما والحكمة أبدًا يخالطها إمتاع مقصود إليه أو مصاحب -ومما يحسن أن نختم به هذا الفصل قول متمم بن نويره- ومن أجل تناول كلمته أشتات معاني الرثاء وجمعها ونظمها نظمًا فريدًا مع لوعة ونفس رصين قدمها من قدمها في باب المراثي- وقوله هذا الذي نختم به داخل في معنى الضرب الرابع من ضروب الرثاء وهو المتعلق بطلب الثأر وإدراكه والتحريض عليه، ولا يخفى أن متممًا لم يستطع إلى إدراك ثأره سبيلًا إذ قتل أخوه مرتدًا، وكان خالد ﵁ بأمر الحرب عالمًا وفي دينه ذا بصيرة: فقصرك إني قد شهدت فلم أجد ... بكفي عنهم للمنية مدفعا فلا فرحا إن كنت يوما بغبطةٍ ... ولا جزعًا مما أصاب فأوجعا أي إن كنت في حال نعماء يغبطني عليها الناس. فلو أن ما ألقى يصيب متالعا ... أو الركن من سلمى إذًا لتضعضعا ألم تأت أخبار المحل سراتكم ... فيغضب منكم كل من كان موجعا بمشمته إذ صادف الحتف مالكا ... ومشهده ما قد رأى ثم ضيعا أي لم يلق على مالك ثوبا فيكفنه كما صنع الرجل المجهول الذي الهذلي في كلمته حيث قال: حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراشٌ وبعض الشر أهون من بعض ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... ولكنه قد سل عن ماجدٍ محض

стр. 1894

ثم يقول متمم: ءآثرت هدمًا باليًّا وسوية ... وجئت بها تعدو بريدًا مقزعا أي جئت تعدو بأخبار السوء كأنك بريد ملوك الروم- مقزعًا أي سريعًا. فلا تفرحن يومًا بنفسك إنني ... أرى الموت وقاعًا على من تشجعا لعلك يومًا أن تلم ملمة ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا نعيت امرأً لو كان لحمك عنده ... لآواه مجموعًا له أو ممزعا فلا يهنئ الواشين مقتل مالكٍ ... فقد آب شانيه إيابًا فودعا أي عاد عدوه الكاره له كهذا المحل وهو شامت فرح، أما هو فقد ودعنا وداع فراق الأبد. النسيب: مر عن النسيب من الحديث عنه كثير ونريد الإشارة ههنا إلى أهم ضروبه مما قد تصح عليه قسمته- وهذه الضروب تتداخل. فالضرب الأول ما يتعلق بالشوق المحض والحنين المحض وذكر المعاهد والديار وقد سبق في الجزء الثالث حديث عن رمزياته مما يغني عن إعادة ذلك ههنا. ومما يحسن إلحاقه ههنا بما سبق ذكره على سبيل الاستدراك (ولنا قدوة حسنة في ابن رشيق حيث قال في باب أغراض الشعر وصنوفه قبل استشهاده بأبيات الناشئ: «قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب») قول الفرزدق: تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا ... تذكر شوقًا ليس ناسيه عصرا وهو مطلع القصيدة التي ذكر فيها فراره من زياد. تذكر ظمياء التي ليس ناسيًّا ... وإن كان أدنى عهدها حججًا عشرًا

стр. 1895

ثم جعل يصف ظمياء هذه بما توصف به حسان النساء. وكان معروفًا للفرزدق ويعرف ذلك لنفسه أنه لم يكن يجيد تلك الإجادة في حرارة الغزل ومعاني النسيب. وما مغزلٌ بالغور غور تهامه ... ترعى أراكًا من مخارمها نضرا وغور تهامة ههنا من حيث طريقة النظم مثل خدر عنيزة. من العوج حواء المدامع ترعوي ... إلى رشأٍ طفلٍ تخال به فترا أي الأماكن التي يقال لها العوج في جبال طيء كل منها عوجاء وطفل أحسبه بفتح الطاء أي ناعم. بأحسن من ظمياء يوم لقيتها ... ولا مزنة راحت غمامتها قصرا أي عصرًا- ثم ما هو إلا أن يشعرنا أشعارًا لا غموض فيه أن ظمياء ما هي إلا كناية عمن سينتصر له من سادة بني أمية ويحميه مما أوعده به زياد- وهو سعيد بن العاص: إذا أوعدني عند ظمياء ساءها ... وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا فظمياء كناية عن قريش وعن هذا القرشي الذي أجاره. وقد زعموا أن زيادًا رق للفرزدق لما ذكر هذا خوفه منه وشبهه بالأسد فبعث إليه يعده العفو والعطاء فكان الفرزدق أحذر من غراب وقال هذه الأبيات- وقال مباشرة بعد هذا: وكم دونها من عاطف ذي صريمةٍ ... وأعداء قومٍ ينذرون دمي نذرا إذا أوعدني عند ظمياء ساءها ... وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا أي سوءا وهذا البيت نص في ما نزعمه. دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن ... لآتيه ما ساق ذو حسب وفرا وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجالٌ كثير قد يرى بهم فقرا

стр. 1896

قعود لدى الأبواب طلاب حاجةٍ ... عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا فلما خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهم سودًا أو محدرجة سمرا أي قيودًا أو سياطًا. فزعت إلى حرفٍ أضر بنيها ... سرى الليل واستعراضها البلد القفرا فذكر فراره من زياد ووصف الناقة، لا تخلو الناقة من رمز إلى همته هو نفسه ونشاطه في الفرار. وفي نعت ظمياء بعض الرمزية من نفسه إلا أن عظمها أراد به قريشًا وسعيدًا- كقوله في صفة ظمياء وتشبيهها بالظبية: أصابت بأعلى ولو لين حبالةً ... فما استمسكت حتى حسبت بها نفرا أي أصابت حبالة صائد ففزعت منها أن يقع فيها ولدها فما استمسكت تتأمل الحبالة حتى رأيت النفور في وجهها. وههنا نوعٌ من الوحي الخفي إلى حال خوفه هو من حبالة زياد وخوف ظمياء عليه أن يقع فيها وظمياء كما فسرنا. وقول كعب بن زهير في ناقته: تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول يقوي ما نقول به من الرمزية في مثل هذه المواضع. هذا والضرب الثاني من النسيب هو الوصف وقد ذكرنا أوصاف شعراء العرب للهيفاء والبادنة وما يلابس ذلك من عمدٍ إلى صناعة تماثيل ببيان الألفاظ وبلاغة الشعر. وقد بطل التمثال في شعر الإسلام إلا قليلًا، فصرت لا ترى جسم بادنة أو هيفاء، ولكن تسمع أصوات الأحاديث وحلاوة الغزل أو حرارة الصبابات وعلى ذلك مذهبا عمر وجميل، ثم جاء البديع بزخارفه. ونفر الناس بروح محافظة الدين عن

стр. 1897

التصريح بالغزل وصفاته، فاستبدل ذلك أول الأمر بنحو قول بشار: وتخال ما ضمت عليه ثيابها ذهبًا وعطرا وكأن تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا وقد سبقت الإشارة إلى هذا في أواخر الجزء الثالث. ولكأن الذوق المتنطس في المحافظة سار أميل إلى أن يسمع الوصف من الضرير دون البصير. وأحسن بشار إذ قال: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا وقال: لقد عشقت أذني كلامًا سمعته ... رخيمًا وقلبي للمليحة أعشق ولو عاينوها لم يلوموا على البكا ... كريمًا سقاه الخمر بدر مخلق أرى أن مخلقًا هنا معناها معطر عليه الخلوق وهو من عطورهم، والبيت جيد فيه خفيٌّ من السخرية، أي ماذا قصارى أن تريهم أعينهم إلا أن يقولوا شخص في خلقة بدر- واستعمل صنف البديع المسمى الاستخدام في قوله «مخلق» هو عند المبصرين بأعينهم من الخلقة وعنده من الخلوق لأنه كما يسمع يشم ثم الخلوق قرينة مانعة إرادة البدر السماوي: وكيف تناسي من كأن حديثه ... بأذني وإن غيبت قرطٌ معلق وكان لبشار قرط بأذنه فقيل له المرعث من أجل ذلك، فهو هنا لا يخلو من فكاهة إذ جعل حديث المحبوب قرطًا هو يغيبه فلا يرى.

стр. 1898

ويجري مجرى الوشي اللفظي الذي حل محل الأوصاف ذات الحيوية في نعت النساء، وشي الأفكار والمعاني كقول إبراهيم بن المهدي: إذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر فالحديث هنا قد اختفى والمعنى قديم ولكن تناوله ههنا حضاري المعدن. فلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر أقاتلي ظلمًا بأسهم لحظها ... أما حكم يقضي على طرف جائر فلو كان للعشاق قاضٍ على الهوى ... إذن لقضى بين الفؤاد وناظر والصناعة الفكرية واضحة في هذا. وقد جر فرط النفور من نعت النساء ذي الحيوية من أجل هذا التزمت والتنطس الحجابي المحافظ إلى استبداله بنعت الغلمان، وأحسبه كان أول الأمر كثير منه جاريًّا مجرى الكناية. وفي ترجمة ابن المعتز لأبي نواس ما يفيد في بعض هذا المعنى غير أنه قد اتلأب طريق الغزل بالغلمان، حتى صار مهيعًا مسلوكًا، نحو قول الفتح بن خاقان الأندلسي في قلائده في ترجمته للمعتمد بن عباد: «وله في غلام رآه يوم العروبة من ثنيات الوغى طالعًا، ولطلا الأبطال قارعًا، وفي الدماء والغًا، ولمستبشع كنؤس المنايا سائغًا، وهو ظبي قد فارق كناسه، وعاد أسدًا صارت القنا أخياسه، ومتكاثف العجاج قد مزقه إشراقه، وقلوب الدارعين قد شكتها أحداقه، فقال: أبصرت طرفك بين مشتجر القنا ... فبدا الطرفي أنه فلك أوليس وجهك فوقه قمرا ... يجلي بنير نوره الحلك وله فيه: ولما اقتحمت الوغى دارعا ... وقنعت وجهك بالمغفر حسبنا محياك شمس الضحا ... عليها سحابٌ من العنبر

стр. 1899

وكلا وصفي الفتح والمعتمد فيهما من الصناعة ما ترى. وتأمل هذه الصناعة العظيمة الافتنان في قول حازم القرطاجني من مقصورته: سمعي رماني ولساني قبله ... في لجج الأهواء فيما قد رمى لو كان الحظ دون لفظ لم يكن ... يصلى من الأشجان قلبي ما أصطلي أي إذا نظرت العين الحسن فعشقته فإن معاني ذلك عبارة عن ألفاظ يسمعها السمع وما سمعها السمع إلا بعد أن نطقها اللسان. وكأن ههنا دقيقة عقلية فحواها أن كل خطرات المرء وأفكاره تدور في نطاق اللغة، الإنسان تفكيره كله كلمات وحروف: فلم أخذت الطرف مني بالذي ... جر على القلب اللسان وجنى لا تظلمي إنسان عيني في الهوى ... فليس للإنسان إلا ما سعى ولو كان قال: أن ليس للإنسان ما سعى، لكان أقرب إلى صحة الاقتباس والمعنى بذلك مستقيم، وإنما يصح الاقتباس بالواو كما في الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. والضرب الثالث من النسيب هو المغامرة ذات المجازفة البطولية، وهي التي ذكرها امرؤ القيس حيث قال: تجاوزت أحراسًا إليها ومعشرًا ... علي حراصًا لو يسرون مقتلي وأغرب الدكتور رطه حسين ﵀ حين نسب أصل هذا النوع من الغزل إلى عمر بن أبي ربيعة. وهو قديم موغل في القدم. وقد استمر في الشعر مع استمرار عصوره ومذاهبه. وأخذ عناصر منه الإفرنج من طريق إسبانيا والأندلس، وهي التي في شعر الطروبدوريين. ومما يدلك على قدم هذا النوع من الشعر قول عنترة وقد ذكرناه من قبل ووعدنا أن نعود إليه وهو: يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم

стр. 1900

فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلمي قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمي وكأنما التفتت بجيد جداية ... رشأ من الغزلان حر أرثم تأمل عفاف عنترة وأدبه، إذ لم يقل كقول امرئ القيس، جئت وقد نضت لنوم ثيابها، ولكن اختصر الكلام وأشعرنا أنه صار إليها، ثم وصفها وهي تحدثه فذكر جيدًا كأنه جيد جداية، وأنفا عليه النقطة الحمراء. وإنما ذكر عنترة هذه الشاة -أي الغانية المحجوبة ههنا- وجاريته وهي رسول الغرام ههنا- ثم ارتماءه ومجازفته لما أمكنت الفرصة حسب ما خبرته المرسلة الجاسوسة؛ لأن هذا من مذهب الشعراء، وهذه الميمية قالها ليرى بها من تحدوه أن يقول الشعر أنه على قوله قادر. وليست ميمية عنترة مما أنكره المعاصرون ولا أنكرها الدكتور طه لأنه أثبت شعر مضر، فهذا من كلام عنترة سابق لكلام عمر بن أبي ربيعة. هذا الخبر المختصر في أبيات عنترة هو عينه الأسطوري في قصة فاطمة ابنة المنذر والمرقش وابنة عجلان التي هي جاسوسة كما هي مطية تحمل إليها الفتيان، وينبغي على هذا أنها كانت جلدة جسيمة من «أمزونيات» النساء. وقد سقنا الخبر بتمامه بمعرض الحديث عن ميمية المرقش. ومدار مجازفة الغرام كله على لقاءٍ محرمٍ وسولٍ ونجاة بعد متعة وإشعارٍ بالفتوة والفروسية. وقد صار هذا بأسره من أدب الفروسية الطروبدوري في ما بعد. ولم يتردد ستندال في سفره عن الغرام من نسبة سائر أدب الفروسية والعشق إلى العرب وأن أصوله في مواسم الحج إذ تلتقي الأفواج على صفاء العبادة وضبط عواطف القلوب عند الهوى والشهوات. ولعله لم يباعد، من حيث النظر إلى الأصول الجاهلية (١).

стр. 1901

وقد كانت أنكحة الجاهلية فيها كثير أبطله الإسلام كبغاء الشريفات وغيرهن. وفي سورة الواقعة ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي سورة النور ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. وكانت ربما طافت المرأة عارية وقالت من يعيرني تطوافًا بكسر التاء أي شيئًا تستتر به. هذا ولما أبطل الإسلام ما أبطله من أمر الجاهلية، تأدب الناس بأدبه فبنو عذرة كانوا سدنة ود واسم ود يدل على أنه كان من آلهة الحب والحنث. والعذرة من المرأة معروفة فلأمر ما صار بنو عذرة سدنة ود بفتح الواو أو ضمها وإلى بني عذرة ينسب الحب العذري، ومعناه الابتعاد عن مس العذرة عفافًا وصبرًا. ويبدو أن أصله الجاهلي الإشراكي القديم كان على خلاف ذلك. وبنو حن بن عذرة كانوا أهل بأس وشوكة وهم أعانوا قريشًا على خزاعة لأنهم كانوا خئولة قصي، وذلك مذكورٌ في السيرة في خبر رزاح بن ربيعة. وعبادة العزي كانت في قريش قالوا وكانت العزى أحب آلهتهم إليهم. وقول النابعة في الميمية وقد سبق الاستشهاد بها: حياك ربي فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما ينبئ أن حج الجاهلية كما كان موسمًا لضروب من الإباحة والحنث والفواحش التي كان يزعم لها أصحابها أن الله أمر بها، وجل أن يكون يأمر بالفحشاء، ولكن زين لهم الشيطان أعمالهم. ونحو قول عمر بن أبي ربيعة: وكم من قتيل لا يباء به دمٌ ... ومن غلقٍ رهنًا إذا ضمه مني

стр. 1902

ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى يسحبن أذيال المروط بأسواقٍ ... خدالٍ وأعجاز مآكمها روى تأمل ههنا تجد حيوية وحركة وخطوطًا لا تمثالًا يعرى ويكسى، وإن يك معنى من ذلك كنينًا في هذا الوصف كما ترى. أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوقٍ ويا حسن مجتلى مع الليل قصرًا رميها بأكفها ... ثلاث أسابيع تعد من الحصى أي مع إقبال الليل، قصرًا أي وقت العصر، ترمي بأكفها إحدى وعشرين حصاة عددنها حين الرمي. أسابيع هنا بمعنى سبعات الرمي. فلم أر كالتجمير منظر ناظرٍ ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى فههنا بقية من معاني حنث العزى -خضد الإسلام شوكتها فصار ما كان من فواحش حلاوة مزاح وفكاهة حديث وأبيات غزل. وما أرى ضلالًا في الرأي أكبر مما ذهب إليه بعضهم من أن انحلال ترف الحياة في الحجاز هو السبب الاجتماعي الذي يمت إليه غزل عمر وأضرابه. فالقائلون بهذا القول ينسون أن الحجاز كان موطن الفقه والنسك والعبادلة وتلاميذهم كعطاء ومجاهد وعكرمة وموطن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وهشام بن عروة وابن عمر وتلاميذه وموطن نافع ومالك وابن إسحاق- نعم لا يخلو من اللهو زمان أو مكان. ولكن الزعم لمجتمع كان أمر الدين عليه أغلب أنه كان مجتمع انحلال، ذلك خطأ بلا ريب. وفكاهة الحديث، مهما يكن فيها من آسان الجاهلية، مما هو ليس بشرك بعد أن ذهبت دعوة الإسلام بكل شرك، ليس بفواحش ولا برفث. ولذلك ما رووا خبر

стр. 1903

إنشاد بعض الفضلاء من السلف الصالح: نبئت أن فتاة كنت أعشقها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول وإنشاد ابن عباس: إن تصدق الطير ننك لميسا ومع هذا قد أبى إحساس التحرج إلا ملامة عمر بن أبي ربيعة على غزله وكان الجيل الأول أوسع حلمًا وأرحب صدرًا. فقد رووا أنه أنشد ابن عباس ﵄ رائيته فأقبل عليه وأعرض عن نافع بن الأزرق. ورووا عن يزيد بن معاوية، وما كان من صالحي السلف، أنه قال لأحد جنده وهو يستعرضهم لغزوة الحرة: «ترس ابن أبي ربيعة خبر من ترسك»، يعني قوله: فكان مجنى دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وذكر صاحب أنساب الأشراف أن يزيد كان امرأً ذا عقدة. وقد كان من الجبابرة الطغاة بلا شك، فاستشهاده بما استشهد به من شعر عمر يدل على من كان ينزله ذلك الشعر من منزلة الفكاهة والملح. ومع هذا فقد كان ابن أبي ربيعة صاحب مال وتجارة (١). وشعره الغزلي ما عدا

стр. 1904

في جملته التماس الراحة والأنس من عناء سفر التجارة، وذلك كان عمل آبائه من عهد الجاهلية. وقوله: هيهات من أمة الوهاب منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن شاهد في هذا الذي نقول به. وأمة الوهاب ابنته. ولا يعقل في نحو قوله: قالت سكينة والدموع ذوارفٌ ... منها على الخدين والجلباب ليت المغيري الذي لم أجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي أن تكون سكينة أو سعيدة (١) قالت له ذلك وهي ممن أجمع عليه مع الشرف أنها من العقائل. (فيما أطال أي في إطالته فلا تظن أنه أراد بها بينما كما يقول بعضهم الآن). وقد كان في القوم حرية وقرب عهدٍ بالسذاجة البدوية المعدن، إذ لا ينفك عربي مهما يكن من أهل الحواضر من أن يكون متحليًا بفضائل البداوة، ومهما يكن من أهل البادية أن تكون له صلة بالحواضر وهو قول أبي حيان إنهم كانوا في باديتهم حاضرين. ثم لا ننس أخذ عمر وجيله من أدب القرآن. وأحسب أن الدكتور طه حسين ﵀ قطع بأن أسلوب الحوار من ابتكار عمر بن أبي ربيعة وفي معلقة عنترة حوار مع حصانه حيث قال: فأزور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي وفي كلمة زهير: صحى القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله

стр. 1905

وهي مما أثبته الدكتور طه حسين حوار وأخبار. وكذلك في معلقته: «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم». وفي نونية المثقب حواره مع ناقته: «أهذا دينه أبدًا وديني». فالذي في معلقة امرئ القيس من الحوار ليس بخارج من هذا النطاق. وقال عبد الله بن سلمة الغامدي من شعراء المفضليات: ولم أر مثلها بوحاف لبن ... يشب قسامها كرمٌ وطيب على ما أنها هزئت وقالت ... هنون أجن منشأ ذا قريب فإن أكبر فإني في لداتي ... وعصر جنوب مقتبل قشيب قولها هنون: أي يا هؤلاء، يا رجال، أجن صاحبكم هذا والحوار في القرآن كثير. وحديث النساء جاء في سور من القرآن- منهن سورة يوسف وفيه قول امرأة العزيز: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وقولها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ وهو من باب مكرهن وقول النساء- قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ وهذه بعض الأمثلة من سورة يوسف، بله أحاديث يوسف وأخوته وأبيهم ﵈ وحديث العزيز والملك وأرباب السجن. وفي سورة هود: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ وحوار سيدنا لوط وسيدنا شعيب وسائر الأنبياء ولا سيما حوار موسى وهارون ﵈ أجمعين وخبر ابنتي شعيب: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ الآية- ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ الآية- ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ الآية وسورة مريم وسورة الإسراء وسورة الفرقان وسائر القرآن فيه معجز من الحوار بين الرسل وقومهم وبين غير ذلك مما قصه علينا الكتاب الحكيم- فالمسلمون في صدر الإسلام كانوا أسرع شيء إلى احتذاء نهج القرآن والتأثر ببلاغته وأساليبه، فنسبة استعمال الحوار إلى عمر أنه ابتكره، حتى على تقدير التسليم أن شعراء الجاهلية لم

стр. 1906

يكونوا يستعلمون الحوار، غير الصواب. هذا مع علمنا أن الجاهلين كما قدمنا كانوا يعرفون الحوار وهو في أساليبهم كثير لا يتصيد تصيدًا في المثل والمثلين وحسبك المعلقات دون سواها (١). وقال كعب بن زهير وهو قبل عمر: تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول فقلت خلوا سبيلي لا أبالكمو ... فكل ما قدر الرحمن مفعول وقال النجاشي الحارثي وحاسبه عمر ﵁ على ذلك وابن أبي ربيعة ما ولد إلا ليلة مات عمر ﵁: وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذا القعب واحلب أيها العبد واعجل وقال الشماخ في الحلفة التي حلفها زمان أمير المؤمنين عثمان ﵁: يقولون لي يا احلف ولست بحالف ... أراوغهم عنها لكيما أنا لها وقد أنشد سحيم بائيته عمر بن الخطاب ﵁ وفيها قوله: أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا رأت قتبارثا وسحق عباءة ... وأسود مما يملك الناس عاريا فقوله «أشارت بمدراها» كأنه من نظم أصحاب الغزل القديم، وقد جاء به عمر حيث قال: أشارت بمدراها وقالت لتربها ... أهذا المغيري الذي كان يذكر

стр. 1907

أو يكون عمر قد أخذه من عبد بني الحسحاس. وأخذ البيت الذي يليه أيضًا في قوله: رأت رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر وقد هزئ نافع بن الأزرق من قوله هذا حيث قال: «فيخزى وأما بالعشي فيخسر» فرد عليه ابن عباس ﵄ مقالته ثم يقول سحيم: يرجلن أقوامًا ويتركن لمتي ... وذاك هوان ظاهرٌ قد بدا ليا أي كما نقول الآن تفرقة عنصرية. فلو كنت وردًا لونه لعشقنني ... ولكن ربي شانني بسواديا فما ضرني إن كانت أمي وليدةً ... تصر وتبري باللقاح التواديا والتوادي عيدان تبرى وتشد على أخلاف الناقة. لئلا ترضع هكذا في شرح أبي عبيدة المروى له عن نفطوية تحقيق الميمني (النسخة المصورة عن طبعة دار الكتب. القاهرة سنة ١٣٦٩ هـ). وكأن أبا العلاء من أراد إلا الإشارة إلى هذا البيت حيث قال: توى دينٌ في ظنه ما حرائرٌ ... نظائر آم وكلت بتوادي وهذا البيت في أبيات وقف عندها الدكتور طه حسين ﵀ في كتابه النفيس «مع أبي العلاء في سجنه». وما انفرد عمر بين أصحاب الغزل المعاصرين له بالحوار حتى ينص عليه بابتكار فيه ليس لغيره فيه مثل نصيبه. جميل، معاصر عمر الذي يقرن به في باب

стр. 1908

الغزل، وله مذهب من الصبابة يوازن الموازنون بينه وبين مذهب عمر، يكثر من أساليب الحوار في عذرياته العاطفيات، من ذلك قوله: يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ ... وأي جهاد غيرهن أريد لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ ... وكل قتيلٍ بينهن شهيد إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... بثينة قالت ذاك منك بعيد وقوله: ولرب عارضةٍ علينا وصلها ... بالجد تمزجه بقول الهازل فأجبتها في الحب بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... فضلًا لزرتك أو أتتك رسائلي هذا وقد سبقت منا الإشارة إلى شعر الفرزدق الذي يسخر فيه من مذاهب الشعراء في مغامرات الغرام والرائية التي أولها: ألا من لشوقٍ أنت بالليل ذاكره فذة في بابها وقد ذكرنا منها قطعة صالحة في باب حديثنا عن البحر الطويل في الجزء الأول. وقد جاء بلون من مذهبه هذا في الفائية. عزفت بأشاش وما كدت تعزف ... وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف أو لعل هذه الفائية أسبق. وقد زعم فيها أن المحبوبة محجوبة في قصر دونه الحراس بأيديهم الرماح والسيوف والدرق وعندهم كلابٌ ضاريات- وما أحسبه كذب من

стр. 1909

نسب الفرزدق إلى نوع من الجبن، وله أخبار في خوف الكلاب، من ذلك خبره إذ مر سكران فحيا الكلاب يظنها أناسًا وقال: فما رد السلام شيوخ قومٍ ... مررت بهم على سكك البريد ولا سيما الذي كانت عليه ... قطيفة أرجوان في القعود ومن ذلك خبره مع الذئب: وأطلس عسال وما كان صاحبًا ... دعوت بناري موهنًا فأتاني ولعله كان كلبًا لا ذئبًا. قال في الفائية: فكيف بمحبوسٍ دعاني ودونه ... دروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مشرف أي له شرفات- كقول الأسود بن يعفر: «والقصر ذي الشرفات من سنداد». وصهبٌ لحاهم راكزون رماحهم ... لهم درقٌ تحت العوالي مصفف تأمل هول هذه الصورة. هؤلاء الحراس من عبدي الروم والصقالب. وضارية ما مر إلا اقتسمنه ... عليهن خواض إلى الطنئ مخشف الطنئ بكسر الطاء وسكون النون أي هوى النساء ونحوه والفجور. مخشف بكسر الميم كمنبر أي دخال دباب ينخشف أي يدخل في الشيء كالثعبان والخشفة بالتحريك في ما ذكره صاحب القاموس صوت دبيب الثعبان وفي البيت نفس من هذا المعنى. وسياق البيت ما مر عليهن امرؤ هذا شأنه إلا هجمن عليه واقتسمن لحمه. يبلغنا عنها بغير كلامها ... إلينا من القصر البنان المطرف وإذ هي بعيدة المنال كل هذا البعد فلا سبيل إليها إلا بخوارق الطبيعة. من ذلك

стр. 1910

الدعاء. تأمل هذه الشيطنة في الفكاهة، أن يبتهل ويتوسل ويدعو الله في أمرٍ هو إثم متذرعًا باسم الحب. دعوت الذي سوى السموات أيده ... ولله أدنى من وريدي وألطف ليشغل عني بعلها بزمانة ... تدلهه عني وعنها فنسعف ويستمر الفرزدق في دعابة دعائه أن يرسل الله على عيني بعل محبوبته العمى ثم يقدم هو طبيبًا فيداويه- أو كما قال: فداويته عامين وهي قريبة ... أراها وتدنو لي مرارًا فأرشف ولا يخفى أن الفرزدق ههنا لا يخلو من القصد والعمد إلى السخرية من بعض جوانب المجتمع في عصره، كالذي فعله أبو العلاء بعد زمان في نحو قوله: لو كان لي أمرٌ يطاوع لم يشن ... ظهر الطريق يد الحياة منجم وقفت به الورهاء وهي كأنها ... عند الوقوف على عرين تهجم ويقول ما اسمك واسم أمك إنني ... بالغيب عما في الغيوب أترجم وهي في اللزوميات. ثم تمنى الفرزدق أن يكونا هو ومحبوبته بعيرين، كلاهما به عرٌّ يخاف قرافه على الناس «والعر الجرب» ويمكن تأويل هذا من قوله: كلانا به عرٌّ يخاف قرافه ... على الناس مطلي المساعر أخشف بأنه يعني إبل الناس فلذلك يطردان فصارا من أجل ذلك: بأرض خلاء وحدنا وثيابنا ... من الربط والديباج درع وملحف أي بدل الربط والديباج نلبس الخشن من الثياب درعًا تدرع هي به وملحفًا التحف أنا به أو نلتحف كلانا به ... وقوله «ثيابنا» يعني ثيابها الدرع مكان الريط

стр. 1911

والديباج إذ كلا هذين أشبه بحال ترفها الآن ولا تخفى الابتسامة والضحك في «نا» من قوله ثيابنا اللهم إلا أن يكون يشير إلى معنى قوله «حلل الملوك لباسنا في أهلنا» واستبعده ويذهب بشطر الفكاهة. وقد عاد فجعل أنفسهما بشرين بعدما كانا بعيرين، ثم جعل شرابهما خمرًا سلافة قرقفا تمزج بأبيض من ماء الغمام. وجعل زادهما لحم حبارى. وجعل لهما صاحبا من الوحش كنمر القتال الكلابي وكان له معاصرًا، يألفهما ويتألفانه- وهو ههنا بازٍ لأن الحبارى يصيدها البازي أو نحوه، وهو قوله: ولا زاد إلا فضلتان سلافةٌ ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف وأشلاء لحمٍ من حبارى يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحبٌ متألف وقد أعجب كثيرًا مذهب الفرزدق هذا فتمنى كأمنيته إلا أنه لفرط حماقته نسي أن يجعل أنفسهما إنسانين، كأنما يريد أن يزيد على معنى الفرزدق بالتمسك بصورة المسخ البعيري الذي تمنى أن يمسخاه هو ومحبوبته وهي أبياته التي يقول فيها: أيا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على منهل ألا نشل ونضرب وقصيدة جران العود الفائية تنظر بطرف إلى فائية الفرزدق هذه وبطرف إلى رائية عمر ويائية الحسحاسي ومذهب المجازفة الذي عند امرئ القيس وألمع أبو العلاء إلى أخذ جران العود من سحيم في رسالة الغفران حيث قال- يسند القول إلى ابن القارح الوهمي ويصف جرانًا بالإحسان في القريض: «ويقول لبعض القيان اسمعينا قول هذا المحسن إلخ» - وأورد الأبيات الثلاثة: حملن جران العود حتى وضعنه ... بعلياء فأرجائها الجن تعزف وقوله حملن ينظر إلى خبر خدر عنيزة كما ينظر إلى بعض خبر ابنة عجلان وجعل الجن

стр. 1912

تهتف بالصحراء كناية عن خلوها كل الخلو فلا يراه معهن أحد. وأحرزن منا كل حجزة مئزرٍ ... لهن وطاح النوفلي المزخرف فالنوفلي هذا خمار كن يتقنعن به. وقوله وأحرزن، نظر إليه، لا أرتاب في ذلك، أبو الطيب حيث قال: إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها فعيب عليه كما تعلم قوله «سراويلاتها». والذي صنع أعف مما صنع جران العود؛ لأنه قد مد يده كما ترى. وقلن تمتع ليلة النأي هذه ... فإنك مرجومٌ غدًا أو مسيف وقال أبو العلاء: «وهذا البيت يروى لسحيم» فهذا إلماعة إلى أخذ جران من سحيم. وهو إسلامي والرجم حكم المحصن إذا زنى ووجدت في بعض الكتب أن جران العود جاهلي وهذا خطأ منشؤه من قلة تحقيق أو وهم وجران العود عقيلي إسلامي اسمه المستورد بن الحارث وقيل عامر بن الحارث النميري وهذا جاهلي فمن هنا مصدر الوهم والأول قول الصحاح والمزهر وعليه الزبيدي شارح القاموس -وقوله أو مسيف فالسيف من ذي غيرة لا يريد الفضائح فيجلله السيف- ويغلب على الظن وهو الصواب إن شاء الله، أن نسبة هذا البيت إلى سحيم وهم أصله خبر مقتل سحيم وهو أشبه أن يكون جاريًا مجرى الفكاهة حاكى به جران مذهب الفرزدق. ونأمل أن نورد من هذه الفائية أبياتًا، عندما نعرض إن شاء الله لذكر شيء من حائيته التي سمي بها جران العود وكلتاهما في ديوانه المطبوع. وقد استمر بالشعراء القول على مذهب المجازفة في باب الغزل إلى زماننا هذا -وربما جيء به على سبيل الإشارة كما في قول أبي الطيب: وقد طرقت فتاة الحي مرتديًّا ... بصاحبٍ غير عزهاة ولا غزل

стр. 1913

فظل بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل يعني السيف ويكنى بهذا عن الفتوة والعفاف. وقال الطغرائي: إني أريد طروق الحي من إضمٍ ... وقد حمته رماة من بني ثعل وفي أوائل هذا العصر تجد منه في شعر محمود زناتي وفي بعض شعر محمد سعيد العباسي رحمها الله. ومن تأمل بعض قطع الشعر الحديث أو ما يقال له الحديث أو ما يقال له الحديث جدًا، أحس أنفاس أسلوب المجازفة القديمة فيه أيضًا. ورحم الله أحمد شوقي حيث يقول: دخل الكنيسة فارتقبت خروجه ... فأتيت دون طريقه فزحمته فهذه الفكاهة فيها لون سوقي ولا يخفى أن الشاعر أراد به حلاوة القول- وقول العقاد ﵀، وقد ذكرناه في الجزء الأول: ويا ليلتي لما ظفرت بقربه ... وقد ملأ البدر المنير الأعاليا فيه نظر إلى الأصل الذي قدمناه. وقد نبهنا أن الحديث في هذا الباب مما يطول فنكتفي بهذا القدر، ومتى عن داع من بعد إلى ذكر شيء ذي بالٍ منه جئنا به في موضعه إن شاء الله وبه التوفيق. هذا والضرب الرابع هو الملح وجعل منه أبو تمام قول الآخر وهو بعض الحجازيين: خبروها بأنني قد تزوجـ ... ـت فظلت تكاتم الغيظ سرا

стр. 1914

ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعًا ليته تزوج عشرا وأشارت إلى نساءٍ لديها ... لا ترى دونهن للسر سترا ما لقلبي كأنه ليس مني ... وعظامي كأن فيهن فترا من حديثٍ نمى إلي فظيع ... خلت في القلب من تلظيه جمرا وجانب الملحة ههنا في التحليل ولا يخلو من قسوة على النساء، غير أنه -ولا أبغي تعقيبًا على أبي تمام (وينبغي لي ولغيري أن يتأدب في مثل هذا الموضع كمثل أدب ابن رشيق حيث قال في باب المطبوع والمصنوع يذكر ابن الرومي أن التسليم له والرجوع إليه أحزم) - غير أنه أشبه بهذه الأبيات أن تكون من الغزل الحواري على مذهب ابن أبي ربيعة ولعلها له فهي في ديوانه على أن تعمية حبيب أمر نسبتها أقوى عندنا شهادة- وأسلوب الأبيات كأنه متأخر عن زمان عمر ناظر إليه وإلى نحو قوله في الدالية: ليت هندًا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما نجد واستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد زعموها سألت جاراتها ... وتعرت ذات يومٍ تبترد أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لا يقتصد فتضاحكن وقد قلن لها ... حسنٌ في كل عين من تود حسدًا حملنه من أجلها ... وقديمًا كان في الناس الحسد وقوله «وأشارت إلى نساء لديها» ينظر إلى «زعموها سألت جاراتها» وإلى «أشارت بمدراها» فهذا الذي يرجح أن على قول الأحد المتأخرين عن زمان عمر قليلًا يحاكيه به والله تعالى أعلم والذي من حاق الملح نحو: أيا سحاب طرقي بخير ... وطرقي بخصية وأير ولا ترينا طرف البظير

стр. 1915

ونحو: وفيشةٍ ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من خرقٍ وطيش إذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش وكل هذه من الحماسة والباب مليء بما هو من هذا المجرى وهو في كتالة الجاحظ كثير. والذي نعنيه أنه الضرب الرابع من باب الغزل هو ما قصد فيه الشاعر إلى إمتاع سامعه بحديث مكشوف عن النساء «والجنس» وفي باب المجازفة مقاربة لهذا إذ المجازف مقدم على لقاء ممنوع خواضٍ إلى الطنيء كما قال الفرزدق، غير أن الحب هو دافعه: وكذاك الحب ما أشجعه ... يركب الهول ويعصي من وزع غير أن ثم بابا من أبواب الغزل، فيه المطلوبة بغيٌّ أو تراد لبغاء، والرسول قواد أو قوادة أو ما بمنزلتها، وقد وصف هذا الضرب الفرزدق في شعره حيث قال: سيبلغهن وحي القول عني ... ويدخل رأسه تحت القرام والقرام من أستار خدور النساء ذكره لبيد في معلقته «زوج عليه كلة وقرامها» وهنا يتحدث الفرزدق عن رسولٍ قواد: أسيد ذو خريطةٍ نهارًا ... من المتلقطي قرد القمام فقلن له نواعده الثريا ... وذاك عليه مرتفع الزحام أي ذلك وقت انصراف الناس وارتفاع زحامهم من مجالسهم ونحوها. خرجن إلي حين لبسن ليلًا ... وهن خوائفٌ قدر الحمام مشين إلي لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام

стр. 1916

خص بيض النعام لأنه تشبه به العذارى. فبتن بجانبي مصرعاتٍ ... وبت أفض أغلاق الختام يحكى عن أحد أمراء الطوائف بالأندلس أنه جامع مائتي جارية في لحافٍ واحد. فعله أراد أن يجعل حقيقةً ما جاء به الفرزدق على سبيل المفاكهة. وقد جاءت هذه الأبيات في نسيب قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك. فكأن هشامًا كان يطربه أو يسره هذا القري من الملح. ويشهد على صحة هذا الحدس أبيات أبي النجم وكان ممن يؤذن له على هشام: علقت خودًا من بنات الزط ... كأن تحت درعها المنعط إذا بدا منها الذي تغطي ... شطًّا رميت فوقه بشط لم يعل في البطن ولم ينحط فيه شفاء من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط أي القليل شعر اللحية أو شعر اللحية والحاجبين. وقد كان هشام ذا عقدةٍ وحزم. والأنس إلى فكاهة إحماض الشعر مما لا يوقع في مذمة إن شاء الله. وأحسب أن جران العود حاكى الفرزدق في صفة رسل غرامه حيث قال له في الفائية: يبلغهن الحاج كل مكاتب ... طويل العصا أو مقعدٌ متزحف ومكمونة رمداء لا يحذرونها ... مكاتبة ترمي الكلاب وتحذف طويل العصا أي أعمى يتحسس بعصاه. مكمونة: رديئة العينين قبيحة منظرهما بحمرة فيهما ونحوها:

стр. 1917

هذا وقصيدة الأعشى: «ودع هريرة إن الركب مرتحل» المعلقة فيها نفس من ملحات «الجنس» حيث قال: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل ولأمر ما قيل هذا أخنث بيت قالته العرب. قولهم الإحماض من نعتهم الإبل أنها أخلت وأحمضت قالوا والخلة بضم الخاء لها كالخبز والحمض كالحلوى وقولهم الإحماض من عبارات المحدثين أي تحلية الحديث بالجنسيات وما أشبه. وهو عند الأعشى كثير نحو قوله: وأمتعت نفسي من الغانيا ... ت إما نكاحًا وإما أزن ومن كل بيضاء رعبوبةٍ ... لها بشرٌ ناصع كاللبن وقال في مدحته سلامة ذا فائش: ومثلك معجبة بالشبا ... ب صاك العبير بأجسادها تسديتها عادني ظلمةٍ ... وغفلة عين وإيقادها أي عادنين أي مقيمين وكائنين في ظلمة وفي غفلة من عين رقيب ترى وإيقاد نار تكشف أمرنا. وهذا كما قال عمر بن أبي ربيعة من بعد «وأطفئت مصابيح شبت بالعشي وأنؤر» ويجوز أن يتضمن معني إيقادها هنا نار الهوى والأول أوضح وأيسر وأقرب. تسديتها أي أصبتها يريد الوطء. فبت الخليفة من بعلها ... وسيد «تيا» ومستادها أي سيدها وسيد سيدها وأخذ من قول امرئ القيس «فمثلك حبلى» ومن قوله: «يغط غطيط البكر»، إلا أنه سلك به مسلك الأحماض وأما امرؤ القيس فإنما ساق ما ساق في معرض التذكر وانفعال الهوى فجاء قوله لا مجيء ما يريد به إمتاعك به

стр. 1918

ولكن ما يريد به إراحة نفسه، وهذا سبيله العظة والحكمة، فمن عابه بالفحش عابه من هذا الوجه فتأمل. وقد رأى قدامة ألا يعيبه وأحسبه أصاب في الجملة إلا في التفصيل لأنه احتج بقصة الخشب والنجار أنه إذا كان حاذقًا لا يضيره أن يكون الخشب رديئًا ويعترض على هذا بأن رداءة الخشب قد تفسد جودة الصناعة أو تكون فيها موضعًا للعيب. والأعشى أراد إلى محض الإضحاك ولهذا فاكهه أبو العلاء في الرسالة بمقال لبيب «سبحان الله يا أبا بصير، بعد إقرارك بما تعلم غفر لك وحصلت في جنة عدن إلخ» (ص ٢١٨). وكأن الأعشى قد سبق الفرزدق إلى أسلوب الفكاهة والضحك من قصة المغامرة الغرامية «تجاوزت أحراسًا وهلم جرا» في نحو قوله: ولقد أطفت بحاضر ... حتى إذا عسلت ذئابه وإنما تعسل مع الظلام. وصغا قمير كان يمنـ ... ـع بعض بغيةٍ ارتقابه صغا أي مال، وهذا كقول عمر «وغاب قمير كنا أرجو غيوبه» وهو كثير ما يشبهه في شعر الغزل. وتكسر نون تنوين التاء فتصلها براء «ارتقابه» لإقامة الوزن. أقبلت أمشي مشية الحشيان مزورًا جنابه الحشيان صاحب الربو -مزورًا جنابه أي مائلًا وهذا كقول عمر من بعد «وشخصي خشية القوم أزور» - ويروي هنا «الخشيان» بالعين المعجمة كما بالمهملة. وإذا غزالٌ أحور الـ ... ـعينين يعجبني لعابه حسنٌ مقلد حليه ... والنحر طيبة ملابه غراء تبهج زولةٌ ... والكف زينها خضابه

стр. 1919

ومن ههنا يبدأ أسلوب الفكاهة أوضح، على أن نفسه في ما تقدم لا يخفى. ولو أن دون لقائها ... المروت دافعة شعابه لعبرته سبحًا ولو ... غمرت مع الطرفاء غابه لأنه إذا غمر غابة القصب والطرفاء فخطره يحذر حذرا. ولو أن دون لقائها ... جبلًا مزلقة هضابه لنظرت أني مرتقا ... هـ وخير مسلكه عقابه أي لو دونها جبل هضباته مزلقات لنظرت أين طريق مرتقاه ولاقتحمته وإن تكن العقبات المرهبات خير مسالكه. لأتيتها إن المحب ... مكلف دنسٌ ثبابه من هنا أخذ الفرزدق قوله: «خواض إلى الطنئ مخشف». ولو أن دون لقائها ... ذا لبدةٍ كالزج نابه لأتيته بالسيف أمشـ ... ـي لا أهد ولا أهابه وقد ذكرنا رائية الوضاح: قالت ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجلٌ غائر فمن شاء زعم أن نفس الأعشى هنا فيه نفس وضاح الحضاري فكيف يكون ذلك وهو جاهلي ولزعم أن هذا من كلام الأعشى منحولٌ على مذهبي عمر ووضاح اليمن- وإذن للزم القائل بنحو هذا القول أن ينكر قول تأبط شرا حيث فخر وقال: فرشت لها صدري فزل عن الحصى ... به جؤجؤ عبلٌ ومتنٌ مخصر وقوله: «وإني قد لقيت الغول» والذين صححوا له هذا هم عينهم الذين شكوا في:

стр. 1920

«إن بالشعب بالذي دون سلع» فإن لم ينكره، فمذهب هذا الإمتاع جاهليٌّ والإسلاميون إليه نظروا. وإن أنكره شك في تدقيق من كانوا يعرفون التمييز بين ما هو منحول وما هو لين وما هو بين بين وما هو جزلٌ أصيل. وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ونلفت القارئ الكريم إلى قول الأعشى في باب فخره الغزلي: ولو أن دون لقائها ... ذا لبدة كالزج نابه والزج بمنزلة السنان غير حاد الحرف، في طرف الرمح الآخر بضم الزاي. لأتيته بالسيف أمـ ... شي لا أهد ولا أهابه فإن بعد هذا قوله على مذهب الوثب: ولي ابن عم ما يزا ... ل لشعره خببًا ركابه فقوله لا أهابه يلائم هذا كما ترى. وإليه نظر البحتري حيث قال في ابن الرومي: شاعر لا أهابه ... نبحتني كلابه إن من لا أعزه ... لعزيز جوابه وكان البحتري بشعر الأعشى صحيحه ومنتحله عالمًا. هذا وقد وصف الأعشى القواد والفتاة (وإليه نظر الفرزدق في ما فاكه به هشامًا) في البائية العذبة التي أولها. أوصلت صرم الحبل من ... سلمى لطول جنابها وقد أورد المعري ما جاء كالرفث منها على لسان النابغة الجعدي يحاج به الأعشى ويزعم له أو كما قال «فأقسم إن دخولك الجنة من المنكرات» ومن شواهد عدم استحقاقه الجنة أبيات من هذه القصيدة.

стр. 1921

وكأن أمر المتعات الحرام على منهج واحدٍ منذ بدء ذلك في الخليقة: ولقد غبنت الكاعبا ... التي أحظ من تخبابها بالخاء المعجمة وما أشبه أن يكون بالحاء لشبهه بسير المعنى وسياقه أي أجد الحظوة من محبتها. وتخبابها أي مخادعتهن هنا وله وجه كما ترى ويناسب ذكر الخيانة بعده. وأخون غفلة قومها ... يمشون حول قبابها حذرًا عليها أن ترى ... أو أن يطاف ببابها لكنه ليس مجازفًا يتجاوز هؤلاء: «علي حراصًا لو يسرون مقتلي» - إنه مخادع مخاتل صاحب ريبات ومكايد. فبعثت جنيًّا لنا ... يأتي برجع جوابها الجني أراد به القواد يقصد إلى معنى تمرده. وقد عكس الفرزدق الصورة فجعله كالمجنون أو الأبله. وذلك من أجل ما كانت تقتضيه طبيعة المجتمع الإسلامي أن يحترس مثله أو يحترس منه، وأن يبدو من كان على مثاله أن من غير ذوي الإربة. وقد منع رسول الله ﷺ هيتا من الدخول على الحرم لما سمعه يصف عند أم سلمة ﵂ بادية بنة غيلان أنها تقبل بأربع وتدبر بثمان والحديث في الصحيح. جعل الفرزدق مجنونه أو أبلهه أسيد (تصغير أسود)، مبالغة في تهوين شأنه، ذو خريطة (تصغير خريطة يضع فيها ما يصيب من القمامات) من المتلقطي قرد القمام، أي يتلقط قرد القمام أي النفايات التي في القمامات ومثل هذا يرثي لحاله ولا تحوم حوله تهمة واحترس أبو فراس بقوله نهارًا- أي هذه حاله في النهار أما في الليل

стр. 1922

فهو شيطان رجيم- جني كجني الأعشى. فمشى ولم يخش الأنيـ .... ـس فزارها وخلابها لأنه -بحكم جنيته- يقدر على التخفي والجن لا يراهم الإنس ولا يخافون من الإنس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف]. فتنازعا سر الحديـ ... ـث فأنكرت فنزا بها أي أنكرت ما قاله ولم ترضه فوثب بها في المكر وثبا. عضب اللسان متقنٌ ... فطنٌ لما يعنى بها صنعٌ بلين حديثها ... ............... عضب اللسان، أي في لسانه حدة، ولا يكون هكذا إن لم تكن هاته التي يتحدث إليها بينه وبينها ما يجعله يستطيع ذلك وقوله: «فتنازعا سر الحديث» يدل على هذا. «صنع بلين حديثها» لأن النساء لا بد معهن من المياسرة، بل والحق أحق أن يقال- إن المياسرة، مما تؤسر به قلوب البشر رجال أو نساء، ولصناعة سحر حديثه إليها ورقته لانت إليه. صنعٌ بلين حديثها ... فدنت عرى أسبابها أخذ هذا من قول امرئ القيس: وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبةً أي إذلال إلا أن امرأ القيس أورد قوله مورد المودة وذكريات الحب، وهذا أقرب إلى باب الحكمة وداخل في التأمل كما تقدم ذكره. قالت قضيت قضية ... عدلًا لنا يرضى بها فأرادها كيف الدخو ... ل وكيف ما يؤتى بها

стр. 1923

في المطبوع من مختار الشعر الجاهلي «لها» ولو كان ذلك صحيحًا لأشار إليه أصحاب القوافي فقد تفطن بعضهم إلى أن نحو «لؤلؤها» لا يجوز مع «يكلؤها» لأن التخفيف للهمزة عند من يخففها قد يوجد اختلافًا وقد نبهوا على أمثال: يا نخل ذات السدر والجداول تطاولي ما شئت أن تطاولي لمكان اختلاف حركة الواو- فالوجه ههنا «يؤتى بها» إن شاء الله. في قبة حمراء زيـ ... ـنها ائتلاف طبابها الطباب الحواشي والكلمة معروفة عندنا في الدارجة يجعلون الطاء عندنا تاء ومنها «تبابة البروش وتتبيبها» والبروش أبسطة تصنع من سعف الدوم واحدها برش بكسرتين- هذا في الدارجة. ودنا تسمعه إلى ... ما قال إذ أوصى بها هذا لما عاد الفاجر يخبر بما أصاب من نجاح ويوصي الشاعر بالفتاة، أنها بكر أو كالبكر فينبغي أن تؤخذ برفق: إن الفتاة صغيرة ... غرٌّ فلا يسدى بها لا يسدى بها أي لا تتسدى، أي لا توطأ يقول هذا له شيطنة وترغيبًا وأصله من تسدية الثوب لأنها إدخال خيوطٍ في خيوط. إني أخاف الصرم منـ ... ـها أو شحيج غرابها أي أخاف أن تغضب علي إن أنت أفزعتها ثم تفارقني فهذا شحيج غرابها على هذا القواد الجني الخبيث. فدخلت إذ نام الرقيـ ... ـب فبت دون ثيابها

стр. 1924

من ههنا أنشد أبو العلاء هذه الأبيات في رسالة الغفران مستنكرًا بها على لسان النابغة الجعدي. حتى إذا ما استرسلت ... للنوم بعد لعابها هكذا رواية أبي العلاء ورواية الديوان كما في مختار الشعر الجاهلي: «من شدة للعابها» والمعاني متقاربة، غير أن رواية أبي العلاء أوضح وكأنها أجود: قسمتها نصفين كل ... مسودٍ يرمى بها فدلنا على أنها بغيٌّ من ضرب رفيع لا يطرقه إلا السادة. وفي خبر أبي سفيان أن سمية أم زيادٍ كانت دون ما يطلب لمثله إذ جاء فيه: «هاتها على نتن إبطيها» وكأن هذا جيء به لذم زياد وثلب أمه والله أعلم. فثنيت جيد غريرةٍ ... ولمست بطن حقابها كالحقة الصفراء صا ... ك عبيرها بملابها ثم حتى الأعشى أدركه الحياء هنا، فعمد إلى ذكر الشراب، وإنما هو إيماء إلى استمرار المتعة واستئنافها. وإذا لنا تامورة ... مرفوعة لشرابها ومذهبه كما ترى أرق مما ذهب إليه الفرزدق حيث قال: «وبت أفض أغلاق الختام» وأحسب أن أبي ربيعة أخذ صفة مرسلته حيث قال: فبعثت كاتمة الحديـ ... ـث رفيقة بجوابها وحشيةً إنسيةً ... خراجةً من بابها من صفة الأعشى هذه وقد سلك نفس البحر والروى- وقد أورد صاحب الأغاني هذين البيتين ومعهما ثالث وعد ذلك فيما ذكروا من محاسنه وإبرامه نعت الرسل.

стр. 1925

ومن عجب أمر الأعشى أن هذه القصيدة في أولها من ضروب التأمل ما يقع في رثاء «الأينيات» - نعني الكلمات التي يشار فيها إلى هلاك الغابرات من الأمم: إن القرى يومًا ستهـ ... ـلك قبل حقٌ عذابها وتصير بعد عمارة ... يومًا لأمر خرابها أو لن ترى في الزبر بيـ ... ـنة بحسن كتابها ولا يروعنك بعد شبه ما ههنا بالتذكير القرآني فتعجل إلى أنه منتحل، فقد هلك الأعشى بعد الهجرة بزمان، وقد تلي القرآن وحفظ وشاع ذكره في العرب منذ أن دعا رسول الله ﷺ بمكة، وذلك قبل هلاك الأعشى، (وإنما هلك بعد عام الحديبية)، بقريب من عشرين عامًا. والشعراء أسرق شيء للكلام. قال الجاحظ، هو شيخ النقاد ومرجع أكثر كلامهم، في الجزء الثالث من كتاب الحيوان: «ولا يعلم شاعرٌ تقدم في تشبيه مصيب تام، وفي معني غريبٍ عجيب أو في معنى شريف كريم أو في بديع مخترع إلا وكل من جاء من الشعراء بعده أو معه إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى ويجعل نفسه شريكًا فيه، كالمعنى الذي تنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحدٌ منهم أحق بذلك المعنى من صاحبه، أو لعله أن يجحد أنه سمع بذلك المعنى قط وقال إنه خطر على بالي من غير سماع كما خطر على بال الأول، هذا إذا قرعوه به- أ. هـ.». قلت ولهذا المعنى حرصت قريش ومن شايعها على الشرك أول الأمر على أن يسموا النبي ﷺ بأنه شاعر فيغرقوا موضعه في غمرة الشعراء، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. ليس الأعشى ببدعٍ من الشعراء. وكان مع أهل الشرك حتى فلج الإسلام، فما جاء من كلامه وفيه معاني القرآن فمن ثم أخذ. وقل مثل ذلك في لبيد قبل إسلامه. وفي جماعة ممن شهد أوائل الإسلام زمنًا يمكنهم من الأخذ من القرآن. وقد علموا أنه

стр. 1926

جاء بمعجزة وتحدي. وشعر أمية بن أبي الصلت ينبغي أن ينظر إليه من هذا الوجه. وينبه ههنا ويلفت النظر إلى أن تلاميذ النقد المعاصر وأساتذته مما يشغلون أنفسهم وتلاميذهم بتتبع أثر بلاغة القرآن في شعر الصحابة والتابعين وضروب بلاغتهم وذلك لا يحتاج إلى طول درس وتحليل. ولكن الذي يحتاج حقًّا إلى الدرس والتحليل هو تأثير القرآن وأثر بلاغته في شعراء الجاهلية الذين عاصروه ومن نوره قبسوا عن عمد أو لما كان للآيات البينات من سيرورة وتالين. وأما العمد فقد قدمنا لك مذهب الجاحظ فيه. هذا والذي سوغ للأعشى استعمال منهج الرثاء الذي الحكمة مما سميناه «الأينيات» أن هذه الكلمة في الهجاء أو الوعيد. والأعشى ذكر ما ذكره من أمر هذه الفتاة ينتشى به ليتبختر إلى لقاء عدوه بسيف من حديد القول الصقيل البتار- قال في سياق ما تقدم: أولم ترى حجرًا وأنت حكيمة ولما بها إن الثعالب بالضحى يلعبن في محرابها والجن تعزف حولها كالحبش في محرابها يشير إلى خبر زرقاء اليمامة وقد جاء به مفصلًا في شعره وهلاك طسم وجديس وتكرار «محرابها» أمثاله عند الأعشى كثير وشبه الجن بالحبش لأن الحبش أرادت منذ عهد غير بعيد من زمان يتذكره جيل الأعشى أن تدخل مكة وتستولى على الكعبة- فهذا في ما نرى أصل تشبيهه في هذا الموضع. والهجاء دل عليه بالمطلع حيث قال: أوصلت صرم الحبل من ... سلمى لطول جنابها ورجعت بعد الشيب تبـ ... ـغي ودها بطلابها

стр. 1927

فهذا فيه معنى التوبيخ المشعر بفتور العلاقات ولذلك قال من بعد: أقصر فإنك طالما ... أوضعت في إعجابها أو لن يلاحم في الزجاجة صدعها بعصابها أي إن العصاب لا يصلح الزجاجة بعد انكسارها. وهذا كما ترى صريح في فساد ذات البين وقال في آخر هذه القصيدة: وردت على سعد بن قيـ ... ـسٍ ناقتي ولما بها أي ولهلاكها وضياعها فعلت ذلك. فإذا عبيد عكف ... مسك على أنصابها وجميع ثعلبة بن سعـ ... ـدٍ بعد حول قبابها من شربها المزاء ما استبطنت من أشرابها وعلمت أن الله عمدا حسها وأرى بها فسرها المحقق وفي بعض ما ذكره نظر كقوله (المختارات طبعة الحلبي ٢/ ٢٥٥ الهامش ٤٤) مسك متعلقون وضبطها بضم الميم وفتح السين وهو جائز وما أرى إلا أنه جمع مسكة بكسر الميم وهي القطعة من المسك ويجوز في الجمع أن تجعل كفعل بضم الفاء وفتح العين أو كسرها وفتح العين. والمسك كما ذكر صاحب القاموس من المقويات أم لعل الصواب: مسك بكسر الميم وسكون العين وهو مستقيم معنى ووزنًا وفيه بعد السخرية، أي إذا بنوا سعد بن قيس عبيد لهم صنان عاكفون على أصنام لهم عليها يشربون المزاء أي الخمر ولكني ما استبطنت، ما أدخلت بطني، شيئًا من أشرابها جمع شرب أو شرب بضم الشين أو كسرها أي مما يشربون- وعلمت أن الله أهلكها وأخزاها. وشراب الخمر أعلم بذم شرابها.

стр. 1928

وأحسب أن الفرزدق نظر إلى هذا من قول الأعشى في الأبيات العينية التي صور فيها عمارًا ذا كناز وأصحابه صورة مضحكة هازئة- وفي الديوان من يأت عوامًا وما أراه إلا تصحيفًا وما هو إلا عمار بتشديد الميم وكان عمار هذا ماجنًا: من يأت عمارًا ويشرب عنده ... يدع الصيام ولا تصلي الأربع في الديوان كما تقدم «عوامًا» ورأيتها «عمارًا» في موضع يوثق به وساق الخبر وند بعد عني. ويبيت في حرجٍ ويصبح همه ... برد الشراب وتارة يتهوع ولقد مررت ببابهم فرأيتهم ... صرعى ومنهم قائمًا يتتعتع أي وبعضهم يتتعتع في حال قيامه. فذكرت أهل النار حين رأيتهم ... وحمدت خالقنا على ما يصنع في الديوان «خائفنا» وفيه بعد والصواب «خالقنا» وهكذا رأيتها وسائر الرواية في الموضع الذي ند عني وفي الديوان ص ٥١٤ (مصورة من طبعة الصاوي بمصر) بياض مكان (منهم)، ومكان سخرية الفرزدق وصورته المضحكة تشبيهه حال السكارى بحال أهل النار وأوصافهم كأن تكون وجوههم مردودة على أدبارهم، ثم حمده الله على هذا الذي رآه لما فيه من عظة واعتبار وجل من لا يحمد على المكروه سواه. وما ذكرنا من شعر الأعشى منبئ على مرادنا من هذا الضرب الرابع من شعر الغزل، الذي إنما يعمد فيه إلى الملح والإحماض. ومن أشهر أمثلته في الشعر القديم الوصف الذي في أبيات دالية المتجردة، وقد تقدم الحديث في ذلك والدالية اليتيمة تحاكي مذهب النابغة وهذا التي أولها: هل بالطلول لسائلٍ رد

стр. 1929

وصاحبها يقال دورقة المنبجي وند موضعها عني وأحسبها أخرجها الميمني في بعض ما أخرج من مختارات. وأمثال قول عنترة. تجللتني إذ أهوى العصا قبلي ليس من باب الإحماض كما لا يخفى، ولكن من باب الوداد. وأبيات عبيد بني الحساس: توسدني كفا وتثني بمعصم فيها قصص حلاوة الأنس ولكن فيها أيضًا التلذذ بالذكرى والوداد. وفي قول أبي قردودة: كبيشة عرسي تريد الطلاقا ... وتسألني بعد وهنٍ فراقا كبيشة إذ حاولت أن تبين ... يستبق الدمع مني استباقا وقامت تريك غداة الفرا ... ق كشحًا لطيفًا وفخذًا وساقا ههنا لون جنسي ولكن الأبيات جارية على نموذج المرأة المغاضبة. ومنسدل كمثاني الحبا ... ل توسعه زنبقًا أو خلاقا وهذه الأبيات مما رواه الجاحظ، وما أحسب لولاه عرف مكان أبي قردودة وهو صاحب ابن عمار الطائي الذي نهاه عن أحمر العينين والشعرة ومرت أبيات ذلك وهي أيضًا مما روى الجاحظ وأشار إليها ابن عبدون في الرائية. ومما يحسن ذكرهم في هذا الفصل عن الضرب الرابع أبيات قريبات من معنى

стр. 1930

الملح عباسيات أو مقاربة ذلك مما رواه الجاحظ، أحسبها في البيان يقولها أحد الشعراء يهجو بها القبطي من قضاة قريش نسبوه إلى أمه: أتاه وليدٌ بالشهود يقودهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول وجاءت إليه كلثم وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل فأدلى وليدٌ عند ذاك بحقه ... وكان وليد ذا مراءٍ وذا جدل وكان لها دل وعينٌ كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل ففتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير كلام الله في السور الطول أحسبه يشير إما إلى مسألة الافتداء وإما إلى مهر من تفرض لها فريضة ثم تطلق من دون مساس والأول أشبه لقوله: «على ما ادعى من صامت المال والخول» فتكون كلثم فركت وليدًا وادعت عليه دعاوي بدلها وطالب هو بمهرها الذي أصدقها إياه فلم يجده مع ما أوتي من مراءٍ وجدل والآيات التي في الجزء الثاني من البقرة من عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ هي المرادة فيما أرى. والسور الطوال بضم ففتح أي الطوال وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة ويونس. فلو كان من بالقصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل أي الأمير. له حين يقضي للنساء تخاوصٌ ... وكان وما فيه التخاوص والحول يتخاوص على من يقضي عليه جبرية وإرهابًا أي ينظر شزرًا وبمؤخر عينه. إذا ذات دلٍ كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل وبرق عينيه ولاك لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
следующие страницы →