جاء بمعجزة وتحدي. وشعر أمية بن أبي الصلت ينبغي أن ينظر إليه من هذا الوجه.
وينبه ههنا ويلفت النظر إلى أن تلاميذ النقد المعاصر وأساتذته مما يشغلون أنفسهم وتلاميذهم بتتبع أثر بلاغة القرآن في شعر الصحابة والتابعين وضروب بلاغتهم وذلك لا يحتاج إلى طول درس وتحليل. ولكن الذي يحتاج حقًّا إلى الدرس والتحليل هو تأثير القرآن وأثر بلاغته في شعراء الجاهلية الذين عاصروه ومن نوره قبسوا عن عمد أو لما كان للآيات البينات من سيرورة وتالين. وأما العمد فقد قدمنا لك مذهب الجاحظ فيه.
هذا والذي سوغ للأعشى استعمال منهج الرثاء الذي الحكمة مما سميناه «الأينيات» أن هذه الكلمة في الهجاء أو الوعيد. والأعشى ذكر ما ذكره من أمر هذه الفتاة ينتشى به ليتبختر إلى لقاء عدوه بسيف من حديد القول الصقيل البتار- قال في سياق ما تقدم:
أولم ترى حجرًا وأنت حكيمة ولما بها
إن الثعالب بالضحى يلعبن في محرابها
والجن تعزف حولها كالحبش في محرابها
يشير إلى خبر زرقاء اليمامة وقد جاء به مفصلًا في شعره وهلاك طسم وجديس وتكرار «محرابها» أمثاله عند الأعشى كثير وشبه الجن بالحبش لأن الحبش أرادت منذ عهد غير بعيد من زمان يتذكره جيل الأعشى أن تدخل مكة وتستولى على الكعبة- فهذا في ما نرى أصل تشبيهه في هذا الموضع. والهجاء دل عليه بالمطلع حيث قال:
أوصلت صرم الحبل من ... سلمى لطول جنابها
ورجعت بعد الشيب تبـ ... ـغي ودها بطلابها
стр. 1927
فهذا فيه معنى التوبيخ المشعر بفتور العلاقات ولذلك قال من بعد:
أقصر فإنك طالما ... أوضعت في إعجابها
أو لن يلاحم في الزجاجة صدعها بعصابها
أي إن العصاب لا يصلح الزجاجة بعد انكسارها. وهذا كما ترى صريح في فساد ذات البين وقال في آخر هذه القصيدة:
وردت على سعد بن قيـ ... ـسٍ ناقتي ولما بها
أي ولهلاكها وضياعها فعلت ذلك.
فإذا عبيد عكف ... مسك على أنصابها
وجميع ثعلبة بن سعـ ... ـدٍ بعد حول قبابها
من شربها المزاء ما استبطنت من أشرابها
وعلمت أن الله عمدا حسها وأرى بها
فسرها المحقق وفي بعض ما ذكره نظر كقوله (المختارات طبعة الحلبي ٢/ ٢٥٥ الهامش ٤٤) مسك متعلقون وضبطها بضم الميم وفتح السين وهو جائز وما أرى إلا أنه جمع مسكة بكسر الميم وهي القطعة من المسك ويجوز في الجمع أن تجعل كفعل بضم الفاء وفتح العين أو كسرها وفتح العين. والمسك كما ذكر صاحب القاموس من المقويات أم لعل الصواب: مسك بكسر الميم وسكون العين وهو مستقيم معنى ووزنًا وفيه بعد السخرية، أي إذا بنوا سعد بن قيس عبيد لهم صنان عاكفون على أصنام لهم عليها يشربون المزاء أي الخمر ولكني ما استبطنت، ما أدخلت بطني، شيئًا من أشرابها جمع شرب أو شرب بضم الشين أو كسرها أي مما يشربون- وعلمت أن الله أهلكها وأخزاها.
وشراب الخمر أعلم بذم شرابها.
стр. 1928
وأحسب أن الفرزدق نظر إلى هذا من قول الأعشى في الأبيات العينية التي صور فيها عمارًا ذا كناز وأصحابه صورة مضحكة هازئة- وفي الديوان من يأت عوامًا وما أراه إلا تصحيفًا وما هو إلا عمار بتشديد الميم وكان عمار هذا ماجنًا:
من يأت عمارًا ويشرب عنده ... يدع الصيام ولا تصلي الأربع
في الديوان كما تقدم «عوامًا» ورأيتها «عمارًا» في موضع يوثق به وساق الخبر وند بعد عني.
ويبيت في حرجٍ ويصبح همه ... برد الشراب وتارة يتهوع
ولقد مررت ببابهم فرأيتهم ... صرعى ومنهم قائمًا يتتعتع
أي وبعضهم يتتعتع في حال قيامه.
فذكرت أهل النار حين رأيتهم ... وحمدت خالقنا على ما يصنع
في الديوان «خائفنا» وفيه بعد والصواب «خالقنا» وهكذا رأيتها وسائر الرواية في الموضع الذي ند عني وفي الديوان ص ٥١٤ (مصورة من طبعة الصاوي بمصر) بياض مكان (منهم)، ومكان سخرية الفرزدق وصورته المضحكة تشبيهه حال السكارى بحال أهل النار وأوصافهم كأن تكون وجوههم مردودة على أدبارهم، ثم حمده الله على هذا الذي رآه لما فيه من عظة واعتبار وجل من لا يحمد على المكروه سواه.
وما ذكرنا من شعر الأعشى منبئ على مرادنا من هذا الضرب الرابع من شعر الغزل، الذي إنما يعمد فيه إلى الملح والإحماض. ومن أشهر أمثلته في الشعر القديم الوصف الذي في أبيات دالية المتجردة، وقد تقدم الحديث في ذلك والدالية اليتيمة تحاكي مذهب النابغة وهذا التي أولها:
هل بالطلول لسائلٍ رد
стр. 1929
وصاحبها يقال دورقة المنبجي وند موضعها عني وأحسبها أخرجها الميمني في بعض ما أخرج من مختارات.
وأمثال قول عنترة.
تجللتني إذ أهوى العصا قبلي
ليس من باب الإحماض كما لا يخفى، ولكن من باب الوداد. وأبيات عبيد بني الحساس:
توسدني كفا وتثني بمعصم
فيها قصص حلاوة الأنس ولكن فيها أيضًا التلذذ بالذكرى والوداد.
وفي قول أبي قردودة:
كبيشة عرسي تريد الطلاقا ... وتسألني بعد وهنٍ فراقا
كبيشة إذ حاولت أن تبين ... يستبق الدمع مني استباقا
وقامت تريك غداة الفرا ... ق كشحًا لطيفًا وفخذًا وساقا
ههنا لون جنسي ولكن الأبيات جارية على نموذج المرأة المغاضبة.
ومنسدل كمثاني الحبا ... ل توسعه زنبقًا أو خلاقا
وهذه الأبيات مما رواه الجاحظ، وما أحسب لولاه عرف مكان أبي قردودة وهو صاحب ابن عمار الطائي الذي نهاه عن أحمر العينين والشعرة ومرت أبيات ذلك وهي أيضًا مما روى الجاحظ وأشار إليها ابن عبدون في الرائية.
ومما يحسن ذكرهم في هذا الفصل عن الضرب الرابع أبيات قريبات من معنى
стр. 1930
الملح عباسيات أو مقاربة ذلك مما رواه الجاحظ، أحسبها في البيان يقولها أحد الشعراء يهجو بها القبطي من قضاة قريش نسبوه إلى أمه:
أتاه وليدٌ بالشهود يقودهم ... على ما ادعى من صامت المال والخول
وجاءت إليه كلثم وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليدٌ عند ذاك بحقه ... وكان وليد ذا مراءٍ وذا جدل
وكان لها دل وعينٌ كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
ففتنت القبطي حتى قضى لها ... بغير كلام الله في السور الطول
أحسبه يشير إما إلى مسألة الافتداء وإما إلى مهر من تفرض لها فريضة ثم تطلق من دون مساس والأول أشبه لقوله: «على ما ادعى من صامت المال والخول» فتكون كلثم فركت وليدًا وادعت عليه دعاوي بدلها وطالب هو بمهرها الذي أصدقها إياه فلم يجده مع ما أوتي من مراءٍ وجدل والآيات التي في الجزء الثاني من البقرة من عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ هي المرادة فيما أرى. والسور الطوال بضم ففتح أي الطوال وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة ويونس.
فلو كان من بالقصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
أي الأمير.
له حين يقضي للنساء تخاوصٌ ... وكان وما فيه التخاوص والحول
يتخاوص على من يقضي عليه جبرية وإرهابًا أي ينظر شزرًا وبمؤخر عينه.
إذا ذات دلٍ كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرق عينيه ولاك لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
стр. 1931
أي صغيرًا وسكن اللام على لغة ربيعة والوقف في هذا الموضع بالألف أو «يرى» مبنية للمفعول.
على أن مذهب هذه الأبيات اللامية هجاء فهذا قولنا إنها مقاربة للملح. وكل باب الإقذاع الهجائي تجيء فيه الملح الجنسية كهذا أو أشد ولذلك موضعه فنأمل أن نذكر شيئًا منه أن صرنا إليه إن شاء الله.
وفي شعر ابن أبي ربيعة إحماض بويرد. وقد كان الرجل سيدًا قرشيًّا غير بعيد المنزلة من السياسة. وقد كان أخوه الحارث من الأمراء وهو الملقب بالقباع وأحسب أن ابن أبي ربيعة إنما يجيء بالأحماض من أجل إكمال ظرافة كلامه كما في أبياته الرائية التي فيها يقول:
ثم كانت دون اللحاف لمشغو ... فٍ معنى بها مشوقٍ شعارا
وفي بعد قوله «شعارا» وهي الخبر عن «كانت» عمل وتردد في الحكاية.
واشتكت شدة الإزار من البهـ ... ـر وألقت عنها لدي الخمارا
وأظن الدكتور زكي مبارك ﵀ حسب أن المراد ههنا أمرٌ مكشوف. والمتأمل سيصح عنده أن ابن أبي ربيعة ما عدا أن هذه المحبوبة جلست لأنس وغرام ليس بمتجاوز العفاف إلى الزنا ودليل ذلك قوله: «ألقت عنها لدي الخمارا». إلقاؤها الخمار لديه وسفورها، ذلك شأو من المودة والأنس بعيد. واشتكت أن نطاقها آذتها شدة ملاصقته جسدها، وذلك لبهرها، أي تعبها بضم الباء وسكون الهاء وانقطاع نفسها إذ جاءت إليه في عجلة وتوجس من مكان بعيد، فأدخلت يدها في درعها تحل الإزار لتخفف من ضغطه على جسدها، لا أكثر من ذلك. وعماها ذلك في مجلسه طرحٌ للاحتشام وأنسٌ بالغ. ولا يستقيم في صناعة الشعر أن يكون الشاعر يريد أنها حلت نطاقها على حد قول البحتري:
وقطع التكة الرأي ... إذا التكة لم تحلل
стр. 1932
ثم يقول: «ألقت لدي الخمارا» - إذ حل النطاق «أجل من التحرش» كما في المثل:
حبذا رجعها إليها يديها ... في يدي درعها تحل الإزارا
فلو كان الأمر جنسًا ووطئًا ما كان لتأمله رجع اليدين كبير معنى، ولشغلته شهوة الحيوان عن نحو هذا التأمل الجمالي.
ثم قالت وبان ضوءٌ من الصبـ ... ـح منير للناظرين أنارا
يعني الفجر الذي يليه صوت المؤذن:
يابن عمي فدتك نفسي إني ... أتقي كاشحًا إذا قال جارا
والحور مجاوزة الحد فهي يخشى أن يقال عنها بلسان الحسد ما لم تفعله فتأمل. وهذ أسلوب المحادثة المؤنثة الذي يحسن ابن أبي ربيعة حكايته. وما أدري لماذا لم يفطن أصحاب النظريات العرقية إلى ما كان يجري فيه من دم حبشي كما قد فطنوا إلى يونانية ابن الرومي أم هان أمر «الحبشية» عندهم -نعني به النسبة إلى الحبشة- وليس لعمري بالأمر الهين. وزعمنا أن فيه دمًا حبشيًا لورود الخبر بذلك أن أمه كانت حبشية وذكروا غير ذلك مما ليس عنه ببعيد حقًّا (١).
وبشار في الرائيتين ممن جرى على مذهب هذا الباب الرابع من الغزل، على أنه نظر -إن جاز أن يقال نظر لمكان ضرره كما لا يخفى- نظرًا شديدًا إلى شيطنة الأعشى، قوله (وهو من لعب امرئ القيس):
أمتي بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر
فيه صدى من:
فثنيت جيد غريرة ... ولمست بطن حقابها
стр. 1933
هذا والحديث في أبواب الغزل والنسيب ذو سعة.
على أنه مما ينبغي التنبيه إليه مكان جريرٍ -لا في هذا الباب الرابع من الغزل، فإن تناوله إياه أكثر دخوله في باب إقذاع الهجاء، ولكن في باب الهوى والصبابات.
وباب الهوى والصبابات أكثره فرع من حنين النسيب الجاهلي الطلي وهو الضرب الأول. وفي الصدر الأول الإسلامي غمر روحٌ من التعبد والتقوى والزهد والتصوف كان له -فيما نعتقد أثر عظيم- في تقوية هذا الضرب الأول والارتفاع به إلى مراق جعلته أعظم أصناف النسيب وأبقاها أثرًا وتأثيرًا في شعر العرب وشعر الأمم التي أخذت منهم. ولسنا نرد أن نفيض الآن في مناقشة أسطورة القرن الرابع الهجري أنه كان ذروة التفكير والحضارة الإسلامية، فالذي نراه أنه على جودة ما كان فيه من إنتاج إنما كان بداية الضعف -إن كان ثم حقًّا ضعف. ومقالة من قالوا إن التصوف «الإسلامي» نشأ بأخرة فيها عندنا شك كبير ونضع الإسلامي بين قوسين لأنكارناها إذ كل تصوف لهو إسلامي بالضرورة فوصفه بالإسلامي زيادة لا حاجة بالمعنى إليها. وذكر لفظ التصوف في كتب الجاحظ يدل على قدم اللفظ. والجاحظ من رجال القرن الثاني وطال عمره إلى الثالث ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ والتبويب بحسب المئين من السنوات أمر فهرسة لا حقيقة واقعة، فالدولة الأموية انتهت سنة ١٣٢ هـ وبدأت سنة ٤٠ هـ فليس هذا بجاعلها تمثل القرن الأول دون القرن الثاني ولكن لها في أحدهما الثلثان وفي الآخر الثلث، وللدول من المرانة وقابلية التغير الجوهري أكثر مما للأفراد فالجاحظ الذي ولد قبل أبي نواس (فهو ينص على أنه أسن منه) يجب أن ينسب في أمر المعاصرة إلى جيل أبي نواس. وقد عاش مع ذكراه بعد أن مضت السنون على وفاته والمختار له ولشعراء جيله أكثر وردوا عند الجاحظ من شعر الجيل الذي ينتمي إلى أوائل المائة الثالثة وأواخر الثانية. وقال أبو تمام في بعض شعره وهو مما تناوله النقاد:
стр. 1934
كانوا برود زمانهم فتمزقوا ... فالآن قد لبس الزمان الصوفا
وقال صخر بن عمرو بن الشريد في ما روي من أخبار الخنساء لما سئلت عن طول حدادها على أخيها وأن ذلك مما ورد النهي عنه في الإسلام:
وإن هلكت مزقت خمارها ... واتخذت من شعر صدارها
فمن العجب البحث عن أصل يوناني لهذه الكلمة. ومن قديم مقال العرب: «وما بل بحرٌ صوفة» فهل نحسب أنهم كانوا يجزون صوفة فيختبرون بها البحر أم هذا يشير إلى ثياب الصوف ما رق منها وما خشن. قال امرؤ القيس:
«وأكرعه وشي البرود من الخال»
وفي كتاب الزبير بن بكار عن عباد قريش وخاصة عباد قومه بني أسد منهم عجائب. وفي القرآن من آيات العبادة الدالة على التجرد كثير، ما كان ناشئًا من خوف الله وما كان ناشئًا من حب الله . قال تعالي: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران]. والعجب لمن يقرأ خبر الوحي ثم يحاول أن يرد أمر الروحانية في التفكير الإسلامي إلى الهند وإلى اليونان.
وكأن المسلمين عند بعض من يأخذ بأطراف هذا الموضوع لم يعرفوا شيئًا من الهيام بالملأ الأعلى من قبل الحلاج، ولعله ﵀ ما جرت إليه القتل والصلب والتحريق إلا السياسة وجذبه من بعض مطالبها بحبال. وقد كان زمانه زمان كثير من ذلك- كالقرامطة وصاحب الزنج وهو إن منزلة الخلافة بعد مقتل المتوكل أو الأمين. شعر عروة بن أذينة روحاني النسيب مثل كلمته:
إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
وفيها قوله:
وإذا وجدت لها بوادر سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها
стр. 1935
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير
أي هذا الذي يظهر منه هو شيء قليل بالنسبة إلى ما أخفيه منه.
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرور
هذه غاية في الرقة والروحانية. ومع حرارة العاطفة وصدق البيان هنا، أيضًا، فكر عميق.
وقد كان الحجاز الموطن الأول للفقه والعلم. وظهر أثر ذلك في الشعر. وأثر لا في شعر الحجازيين وحدهم- مثل كثير، وتجويده وعمق تفكير في شعره لا يخفى، وأستاذه جميل الذي وصف بصدق الصبابة لغلبة صدقه في الحب على طريقته في تعمق معاني الحب، وعمر الذي لا يفتر من الإشارة إلى المعاني الفقهية في فكاهاته والأخذ من حوار القرآن، ولكن في سائر شعراء العرب من بالعراق ومن باليمن منهم ومن بالبادية منهم وبالشام. ولا ريب أن ههنا نظرة تفكير وتأمل في هذه الأبيات من شعر ابن الدمينة:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وإن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... علي ذاك قرب الدار خيرٌ من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي عهد
ولم يكن ابن الدمينة من الفقهاء ولكن من بادية خثعم.
تأمل ما قاله ابن أذينة وكان من العلماء وأهل الفكر في قريب من هذا المعنى:
إلفان تعنيهما للبين فرقته ... ولا يملان طول الدهر ما صنعا
مستقبلان نشاصًا من شبابهما ... إذا دعا دعوة داعي الهوى سمعًا
стр. 1936
تأمل قوله (نشاصًا من شبابهما) وانظر شدة شبهه باستعارات أبي تمام وأصحاب البديع من بعد. النشاص السحاب الأبيض وهو أول ما يجتمع من سحاب المزن مرتفعًا بعض فوق بعض.
لا يعجبان بقول الناس عن عرضٍ ... ويعجبان بما قالا وما صنعا
وتأمل التعمق النفسي في قول كثير:
وددت وما تغني الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم
فإن كان خيرًا سرني وعلمته ... وإن كان شرًّا لم تلمني اللوائم
وما ذكرتك النفس إلا تفرقت ... فريقين منها عاذرٌ لي ولائم
شعر كثير وجميل وعمر والأحوص وجيلهم من أمصار الحجاز أيام الصدر الأول فيه هم المنحى الفكري المثقف. والغالب على الآخذين بدرسه أن يكتفوا بقسمته إلى عذري وجنسي وحواري وتقريري أو أشياء من هذا المنحى ويغفلون عن جانب غلبة صناعة الفكر والفن عليه وهي بالنسبة إليه أصل وجميل وعمر كانا يمثلان ذروة التبريز في مذهبين من هذه الصناعة- مذهب الحنين وحديث الشوق والغرام وزاد فيه جميل على الصناعة صدق الصبابة وسلاسة الطبع والانفعال ومذهب حديث النساء ولهوهن والمغامرة إليهن وزاد عمر بالظرف وتمثيل أحوال مجتمعه ولا سيما جانبه المؤنث بدقة وحذق وحضارة أسلوب.
وكان كثير شاعرًا فحلًا، غير أنه قصر عن ذروة جميل في مذهب الصبابة، لحرارة أنفاس هذا وصدقه وقصر عن ذروة عمر في مذهب المؤانسات لا سماح طبع هذا وانسياب حلاوة ظرفه وشيطنته وقصصه وزاد عليهما باستقصاء المعاني وتعمقها تعمقًا مذهلًا. ومع هذا لم يجسر على بعض ما جسرا عليه مما يدخل في أعماق أغوار التأملات النفسية مثل قول جميل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى .... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
стр. 1937
فما دعا عليها إلا وهو يعبر عن صدق صبابة غالبة حتى لقد أمضته ولذعته لأنه أحس أن فيها إتلاف نفسه.
ومثل هذا قول جنادة العذري وأحسبه قد يروي لعمر (١).
من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
ولو تموت لراعتني وقلت لها ... يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
وقد تعلم خبر سلامة مع عبد الرحمن كان يلقب بالقس وأخبار المجنون والوضاح وما أشبه -كلهن من صناعة أهل ثقافة وحضارة وقد ذكروا أن خبر المجنون كله صنعه بعض بني أمية وليس ذلك ببعيد فقد كان منهم شعراء محسنون- عبد الملك كان شاعرًا راوية فقيهًا، وكذلك كان مروان شاعرًا ورووا له أبياتًا يستشهد بها في باب القوافي. وأمر الوليد بن يزيد واشتهاره بالشعر معروف. وكان يزيد بن معاوية شاعرًا. وكأن المعري ينسب الأبيات اليائية إليه وإن لم يصرح بذلك وهي التي أولها:
أخالد قومي خبريني وأعلني ... حديثك إني لا أسر التناجيا
وهو القائل:
إذا جلست على الأنماط متكئًا ... بدير مران عندي أم كلثوم
فما أبالي الذي لاقت جموعهم ... بالقند فونة من حمى ومن موم
стр. 1938
وهذا نفس ينبئ عن شعر كثير. وزعم ابن خلكان أن له ديوانًا وأورد أبياتًا منها:
وقالت نساء الحي تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
وقد دخل هذا في أشعار المتصوفة.
على أن الشاعر الذي اقتبس أضوأ جذوة من الضرب الأول من النسيب- وهو الحنين والصبابة مع ملابسة الرمز والروحانية والحرارة وأجواء من أهواء الأنفس وضمائرها لكل لذلك- لم يكن من شعراء الغرام المشهورين به دون غيره، ولكن الفحول، الذين متى ذكروا ذكر أمر تقدمهم في المدح والهجاء والفخر وما أشبه أول شيء -ذلك الشاعر هو جرير.
وقد فطن النقاد ورواة الشعر لتبريز جرير فقالوا إن أغزل بيت قالته العرب قوله:
إن العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وأحلى غزل قوله:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معنيا
غيضن من عبراتهم وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
في نسيب جرير حرارة وعمق وحنين وقد أتيح بسبب ما برع فيه من أساليبه فيه أن صار ذلك نموذجًا يحتذى. وقد تنبه إلى هذا المعنى ونبه عليه بشار في نونيته التي جارى بها:
يا حبذا جيل الريان من جيل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الريان أحيانا
فقال:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
стр. 1939
وحاكى البحتري أسلوب جرير، وحاكى مداح الرسول ﵊ أساليبهما وانتقلت آثار ذلك إلى الأشعار الفارسية كما في روضة سعدي الشيرازي مثلًا وقد ترجمت إلى العربية منذ حين قريب. وشاعر آخر ينبغي أن يقرن بجرير وهو ذو الرمة. وكانت له مية كما كانت لكثير عزة ولجميل بثينة ولتوبة ليلى الأخيلية ولابن الطثرية وحشية. وكانت له خرقاء وقيل هي مية. ولعلهما ما كانا إلا علمي غرام شعري استعارهما من جمال امرأتين رآهما وتحدث إليهما وأعجب بجمالها هما مية بنت طلبة من آل قيس بن عاصم وخرقاء من حسان بني عامر بن صعصعة. واسم خرقاء لقب تحبيب، يطلق على الجميلة التي لا تصنع شيئًا وإن كانت في حاق أمرها تحسن أن تصنع يقال لها ذلك لأنها منعمة أو للدلالة على تنعمها- وقد ألمعنا إلى هذا المعنى عند الحديث عن ميمية علقمة. ويطلق أيضًا على المحسنة في الصناعة من باب تسمية الشيء بضده، وأحسب أنه لذلك سميت خرقاء -إن لم يكن هذا اسمها الأول- الصحابية التي كانت تقم مسجد رسول الله ﷺ ، ﵂، ولا ريب إنها كانت تحسن ما تصنع وأن يكون هذا لقبًا أشبه والله أعلم.
في شعر جرير حرارة انفعال النفس نحو الجمال والحب معًا -تأمل قوله:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس
يبرين صحراء العرب بنجد وباب الفراديس بدمشق.
لو قد علون سماويًّا موارده ... من عند دومة خبت قل تعريسي
هل دعوة من جبال الثلج مسمعةٌ ... أهل الإياد وحيًّا بالنباريس
فههنا حنين خالص ويزيد فيه قوة الإحساس بالطبيعة- ومن آية ذلك الموازنة بين سماء الصحراء المصحية وجبال الشام ذات الثلج وضروب السحاب
стр. 1940
والدكنة والنبت مما ليس في الموارد السماويات من عند دومة خبت إلى يبرين ومكان الترنم بالمواضع يزيد روح الحنين قوة.
وتأمل قوله وهو مما خلطت فيه اللوعة بالحنين وحلاوة الغزل:
أهوى أراك برامتين وقودا ... أك بالجنينة من مدافع أودا
بان الشباب فودعاه حميدا ... هل ما ترى خلقًا يعود جديدا
يا صاحبي دعا الملامة واقصدا ... طال الهوى وأطلتما التفنيدا
إن التذكر فاعذلاني أودعا ... بلغ العزاء وأدرك المجلودا
أي وصل إلى حيث العزاء والتسلي فأزاله وأدرك مكان الجلد والتصبر فذهب بكل تجلد وصبر.
لا يستطيع أخو الصبابة أن يرى ... حجرًا أصم ولا يكون حديدا
هذا من القرآن كما ترى ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء]، فإن يكن جريرًا أخذ من الأحوص قوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجزًا من يابس الصخر جلمدا
فقد أخفى الأخذ وذهب به، لنظره إلى القرآن، مذهب توليد أيما بارع وإن لم يكن أخذ من الأحوص فهو بذلك حقيق، إذا التأثر بالقرآن في شعره كثير ظاهر.
أخبلتنا وصددت أم محلم ... أفتجمعين خلابة وصدودا
الهمزة والفاء والواو العاطفة من خاص أسلوب القرآن. والأعشى قد نظر إليه في هذا ومرت أبيات من هذا المجرى في بائيته التي استشهدنا بها في الضرب الرابع.
إني وجدك لو أردت زيادة ... في الحب عندي ما وجدت مزيدا
стр. 1941
يا مي ويحك أنجزي الموعودا ... وارعي بذاك أمانة وعهودا
ونرى كلامك لو ينال بغرة ... ودنو دارك لو علمت خلودا
نام الخلي وما رقدت لحبكم ... ليل التمام تقلبًا وسهودا
في شعر جرير من طابع زمانه ذكر الحدود والغيرة وبعض ظرف الحديث وفكاهته. هذا من مذهبه اختفى في نهجي أبي تمام البحتري. البحتري أقرب إلى نفسه. وأخذ أبي تمام من طريقته مخالطه بديعه ذو العقد الكثيرات والأخذ الدقيق من ذي الرمة وغيره من الشعراء. ألح البحتري على نفثات اللوعة وذكر المواضع ليزيدها وقد نبهنا إلى هذا من مذهبه عند الحديث عن التكرار المحض في الجزء الثاني.
على أن حلاوة جرير وفكاهة ظرفه لا تفثأ من حرارة عاطفته شيئًا. بل لعلها نوع من استراحة فنية يستريح به منها كما هي أيضًا لا تخلو من معنى التقية. وأحسب أن كلردج لوقد كان زعم أن الشعراء المحسنين مما يستريحون من مواضع قوة الانفعال إلى ضروب من التلهية الفنية يجعلون ذلك بمنزلة الفواصل لكان لمذهبه الذي قال به في «الشعر والمنظومة» (راجع قبله) وجه ما. على أن التطويل في منظومات الإفرنج ومن اقتدوا بهم كان من بعض ما دعاه إلى هذه المقالة كما قدمنا.
خذ قوله:
ألا ترى العين يوم البين إذ ذرفت ... هاجت عليك ذوي ضغن وحساد
حلأتنا عن قراح المزن في رصفٍ ... لو شئت روى غليل الهائم الصادي
حلأتنا أي منعتنا الماء وعني تقبيلها، وكانت شعراء الجاهلية تشبه حلاوة الثغر في التقبيل بالسلافة تمزج بالعسل والثلج والماء. ولكن جريرًا ههنا يكتفي بالماء، ويجعله ماء جاريًّا على رصف من الحصى، ليدل على برده ونقائه. وجعل للتقبيل ما لمثل هذا
стр. 1942
الماء من موقع في نفس العطش الصدى، وصار الأمر ليس لذة وتمتعًا كما كان يصفه الشاعر الجاهلي، ولكن حرارة ولوعة، تشتد الحاجة إلى إطفائها -وشتان ما بين الشيء الذي يلتمس لمتعة فينال، والذي يطلب من أجل احتياج إليه ويمنع. التشبيه من نوع إسلامي مألوف، نحو منه قول القطامي:
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وهو قبل كلمة جرير هذه؛ لأنه من قصيدة قيلت في مدح زفر بن الحارث وذلك قبل زمان معاوية بن هشام بن عبد الملك الذي قيلت فيه هذه الدالية الجريربة والقطامي يتحدث عن منالة وجرير عن حرمان وهذا مكان الالتياع.
كم دون بابك من قوم نحاذرهم ... يا أم عمرو وحداد وحداد
هل من نوال لموعود بخلت به ... وللرهين الذي استغلت من فادي
لو كنت كذبت إذ لم تؤت فاحشة ... قومًا يلجون في جور وإفناد
لا جرم نظر جرير إلى دالية القطامي نظرًا شديدًا من طرف مختلس لذلك النظر الشديد- تأمل محاكاة الإيقاع في «قومًا يلجون في جور وإفناد» لقول القطامي (واسمه عمير بن شييم):
من مبلغ زفر القيسي مدحته ... من القطامي قولًا غير إفناد
ثم يقول جرير:
فقد سمعت حديثًا بعد موثقنا ... مما ذكرت إلى زيد وشداد
تعداد الأسماء هنا ينظر أيضًا إلى القطامي في بيته المتقدم. وحلاوة الفكاهة ههنا من جرير إلى سامعي شعره. وحرارة العاطفة من جرير إلى ليلى نسيبه. فههنا لونان شريجان من التعبير.
حي المنازل بالبردين قد بليت ... للحي لم يبق منها غير أبلاد
стр. 1943
هذا كأنه استراحة من الحوار الحاد العاطفة الذي مضى- مع ما فيه من الفكاهة.
ما كدت تعرف هذا الربع غيره ... مر السنين كما غيرن أجلادي
لقد علمت وما خبرت من أحد ... أن الهوى بنقا يبرين معتادي
وهذا كأنه يكفكف به دمعه.
وقال ﵀:
كيف العزاء ولم أجد مذ ينتمو ... قلبًا يقر ولا شرابًا ينقع
ولقد صدقتك في الهوى وكذبتني ... وخلبتني بمواعد لا تنفع
قد خفت عندكم الوشاة ولم يكن ... لينال عندي سرك المستودع
كانت إذا نظرت لعيد زينة ... هش الفؤاد وليس فيها مطمع
هذا من أجود ما قيل في تجميل النساء مظهرهن، تريد الحسناء بذلك إكمال بهاء شخصها، لا تريد تبرجًا وخفة إلى اللهو.
وقوله «نظرت لعيد زينة» - دليل على صحة ما ذكر من العفة والحصانة أي تنتظر أن تتزين للعيد وهو موسم والتزين له من الطيبات اللاتي لم تحرم.
بان الشباب حميدة أيامه ... ولو أن ذلك يشترى أو يرجع
رجف العظام من البلى وتقادمت ... سني وفي لمصلح مستمتع
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
زعم ابن قتيبة إن جريرًا كان ينشد أحد الخلفاء -أو من بمجراه- هذه القصيدة وهو طرب لها حتى صار إلى هذا البيت فأفسد ذلك الطرب بهذا الاسم القبيح «بوزع».
ولا ريب أن ابن قتيبة كان يقول بهذا الذي قاله من وجه صواب. غير أنه لا يخفى أن جريرًا أراد به الفكاهة. وبوزع هذه، ظاهر إنها ليست المحبوبة ولكن امرأة
стр. 1944
أخرى، التفت إليها الشاعر، أو لعلها امرأته، كما هو قد أسن هي أيضًا قد أسنت، فتنكر عليه هذا التصابي. وحمل الخليفة -أو من بمجراه- (إن صحت الرواية) - هذا الاسم على أنه علم المشبب بها ففتر طربه من أجل ذلك. على أن ابن قتيبة لم يخل في الذي ذهب إليه من تنطس أذواق أهل عصره. وجرير من أدق الشعراء اختيارًا للفظ ومن أسمحهم طبعًا وأنصعهم ديباجة. والبزيع في اللغة من معانيها الظريف والغلام الحدث الذي يتكلم ولا يستحي، فالقصد إلى التلقيب بهذا المعنى لامرأة غير المتغزل بها وهي امرأته، أو بالمتغزل بها على أنها امرأته وهو يفاكهها، يستقيم عليه المعنى الذي أراده الشاعر كل الاستقامة. واشتقاقه اسم بوزع لا يخلو من مرح- بل هو مرح جدًّا لو تفطن المرء إليه في سياقه:
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
ولقد رأيتك في العذارى مرة ... ورأيت رأسي وهو داج أفرع
هذا يوهم أن المتغزل فيها امرأته، شابت كما شاب- وهذا كمذهب معاوية الحكماء في أبياته التي أولها:
أجد القلب من سلمى اجتنابا
وهي مفضلية وقد ذكرنا منها في ما تقدم من هذا الكتاب. وقول جرير من بعد يشهد بأن المشيب بها غير بوزع الهازئة:
كيف الزيارة والمخاوف دونكم ... ولكم أمير شناءة لا يربع
أي لكم زوج بغيض شتيم غيور.
يا أثل كابة لا حرمت ثرى الندى ... هل رام بعدي ساجر فالأجرع
حيوا الديار وسائلوا أطلالها ... هل ترجع الخبر الديار البلقع
стр. 1945
ولقد حبست بها المطي فلم يكن ... إلا السلام ووكف عين تدمع
فسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمةٌ لا تقلع
قوله غير فقيدة احتراس من السقيا التي تكون في الرثاء. على أنه ههنا إنما يرثى قطعة من نفسه وهي الشباب والمحبوبة رمز له. وتعداد المواضع مما ذكرنا من قبل أنه يقوي معنى الحنين.
ومما يشهد لنسيب جرير أنه كان آخذًا بقلوب أهل عصره ما رووا من أن سكينة بنت الحسين ﵄ أخذت عليه قوله:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
ولم تجهل سكينة أن جريرًا إنما يذكر طيفًا -وإنه طرد الطيف لأنه مقبل على قتال والعرب لا تقرب النساء إذا أقدمت على الحرب، ولكن رأت وجه مأخذ عليه فأخذته. وهذا من النقد كأخذهم على جميل قوله: «رمى الله في عيني بثينة بالقذى» وعلى عمر قوله «من نحو بلدتها ناع فينعاها» ومخرج جرير أقرب مخرجهما.
ومما سار لجرير في معاني الحنين والنسيب قوله:
تمرون الديار ولم تعوجوا .... كلامكم علي إذن حرام
وقوله:
أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام
وقوله:
يا أم ناحية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل عذل العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
стр. 1946
وقوله:
فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
وقوله:
فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خلٌّ بالعقيق نواصله
وقوله:
لا بارك الله فيمن كان يحسبكم ... إلا على العهد حتى كان ما كانا
لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت ... أسباب دنياك من أسباب دنيانا
والقصيدة النونية التي منها هذان البيتان وغيرهما مما هو مشهور جدًّا من شعر جرير أريد بها هجاء الأخطل ونسيبها سبعة وخمسون بيتًا كلها أكثرها رائع سيار وبعد ذلك خمسة عشر بيتًا من الهجاء. وقد أوردنا منها قطعة صالحة في الجزء الأول في معرض الحديث عن البحر البسيط.
هذا ومما نفس جرير فيه بين جدًّا من شعر أبي عبادة البحتري قوله:
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم
آيات ربع قد تأبد منجد ... وحدوج حي قد تحمل متهم
وبمسقط العلمين ناعمة الصبا ... حيرى الشباب تبين إن لم تصرم
بيضاء تكتمها الفجاج وخلفها ... نفسٌ يصعده هوى لم يكتم
هل ركب مكة حاملون تحية ... تهدى إليها من معنى مغرم
إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... في الجمرتين ولا سقوا في زمزم
ورموا برائعة الفراق فإنها ... سلم السهاد وحرب نوم النوم
الإشارة إلى الحجيج ومكة والجمرتين فيها أصداء عمر بن أبي ربيعة وجيله
стр. 1947
ولكن على مذهب من التغني والترنم والشجن الفني الجريري المعدن. وهذا هو الذي صار من بعد بصفائه وحرارته منهجًا لمداح الرسول ﵊ في مدائحهم، كقول البوصيري في أول البردة:
أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمةٍ ... وأومض البرق في الظلماء من إضم
فما لعينيك إن قلت أكففاهمتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يهم
أيحسب الصب أن الحب منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطرم
وكيف تكتم حبًّا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم
لفظ الشهادة والعدول مستعار من الفقه ومن واقع حياة الناس آنئذ والاستعارة على صناعتها سلسلة، وفيها بساطة مذهب العلماء -كأن الشاعر لا يقول شعرًا ولكن يتكلم لغتهم- ولأبي الطيب وللمعري إحسان لا ينكر في هذا الضرب من الأسلوب وأصله أقدم من ذلك:
وأثبت الوجد خطى عبرةٍ وضنًى ... مثل البهار على خديك والعنم
وقال عبد الرحيم البرعي:
فؤادي بربع الظاعنين أسير ... يقيم على آثارهم وأسير
أحن إذا غنت حمائم شعبهم ... وينزع قلبي نحو ويطير
فيا ليت شعري عن محاجر حاجر ... وعن أثلاث روضهن نضير
وعن عذبات البان يلعبن بالضحا ... عليهن كاسيات النعيم تدور
ومن لي بأن أروي من الشعب شربة ... واشهد تلك الأرض وهي مطير
واسمع في سفح البشام عشية ... بكاء حمامات لهن هدير
أحيباب قلبي هل سواكم لعلتي ... طبيب بداء العاشقين خبير
فجودوا بوصل فالزمان مفرق ... وأكثر عمر العاشقين قصير
стр. 1948
والبوصيري والبرعي كلاهما هيامهما ووجدهما منبعث من محبة رسول ﷺ .
وقد كنا من قبل قرنا اسم ذي الرمة بجرير، في هذا الباب أنه أبعد فيه من عمر وجميل وأدنى إلى جرير وقد كان تأثيره على الشعراء بعده عظيمًا. ولقد نسب الجاحظ كثيرًا من إبداع أهل البديع إلى العتابي، أنه أصلٌ له. والعتابي من عصر الجاحظ. وذو الرمة سابق في ميدان التأمل والتعمق في التصوير والاستعارة والمزج بين عناصر الجمال في البشر وفي الطبيعة. وقد كان اقتداء أبي تمام به وأخذه منه كثيرًا. وكأن قوله:
ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
يشير إلى ذروٍ من هذا.
ويعجبني قول أبي حية النميري وفيه صناعة ذات روح من سذاجة:
جرى يوم رحنا عامدين لأرضنا ... سنيح فقال القوم مر سنيح
السنيح ما ولاك ميامنه فبعضهم يتفاءل به وبعضهم يتشاءم.
وقالوا حمامات فحم لقاؤها ... وطلح فزيرت والمطي طليح
وقال صحابي هدهدٌ فوق بانة ... هدًى وبيانٌ بالنجاح يروح
وقالوا دمٌ دامت مواثق بيننا ... ودام لنا حلو الصفاء صريح
لعيناك يوم البين أسرع وأكفأ ... من الفنن الممطور وهو مروح
وقال مروان بن أبي حفصة، وكان من فحول الشعور، فأرخ للنسيب تأريخًا أدبيًّا منظومًا قريبًا في البراعة مما صنع الفرزدق في اللامية حيث ذكر المهلهل وذا القروح والأوائل من الفحول:
إن الغواني طالما قتلننا ... بعيونهن ولا يدين قتيلًا
من كل آنسة كأن حجالها ... ضمن أحور في الكناس كحيلا
стр. 1949
البيت الأول من قول جرير: «إن العيون التي في طرفها حورٌ» وكان مروان يقدم جريرًا وهو القائل في تفضيله:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو الكلام ومره لجرير
ويدخل في حلو الكلام غزله ونسيبه وقد أثبت مروان أسماء أكثر أصحاب الغزل وأدركته القاعدة التي وضعها الجاحظ من بعد أن الشعراء إذا سرقوا أخفوا وجحدوا فكتم اسم جرير ليخفى أخذه بيته الأول منه، أو كأنه اكتفى -هذا إذا حسنا به الظن وذلك في حق مثله واجب بأخذ البيت الأول منه للتنبيه على مكانه في الغزل.
أردين عروة والمرقش قبله ... كل أصيب وما أطاق ذهولا
ولقد تركن أبا ذؤيب هائما ... ولقد تبلن كثيرًا وجميلًا
أما عروة فهو ابن حزام بالزاي والذي في بيت امرئ القيس زعموا أنه بالذال المعجمة وقد مر القول في هذا وعروة القائل:
ألا ليت كل اثنين بينهما هوًى ... من الناس والأنعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة ... ويرعاهما ربي فلا يريان
وأبو ذؤيب هو صاحب المرثية وله خبر مع امرأة عشقها وكان يرسل إليها غلامًا من قومه ابن أخته يقال له خالد فاستغواها -وإلى شيء من هذا المعنى يشير أبو الطيب من طرف خفي في قوله:
كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول
أفسدت بيننا المودات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول
وقال أبو ذؤيب بيته المشهور:
تريدين أن تضمديني وخالدا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
стр. 1950
والضماد من أنكحة أهل الشرك أبطله الإسلام. ونعود إلى أبيات مروان:
ولقد تركن أبا ذؤيب هائما ... ولقد تبلن كثيرًا وجميلا
وتركن لابن أبي ربيعة منطقا ... فيهن أصبح سائرًا محمولا
فجعل لهن عليه دولة وكأن قد قتلنه إلا أنه لم يصرح بذلك وتلمحه في قوله بعد:
ألا أكن ممن قتلن فإنني ... ممن تركن فؤاده مخبولًا
وحاكى بعضهم طريقة أبي حية في العيافة فصنع أيما تصنيع، من ذلك مثلًا:
فقلت لتربيها اتبعاها فإنني ... بها مستهام قالتا نتطلف
وقولا لها يا أم عمرو أليس ذا ... مني والمني من متعة ليس تخلف
تفاءلت من أن تبذلي طارف الهوى ... بأن بان لي منك البنان المطرف
أتعب الشاعر ذهنه ليحصل على هذا التجنيس، وسبب ظهور بنانها رميها الجمرات. وغزل الشعر المرتبط بموسم الحج قديم وأشهره شعر عمر وأضرابه. ولكنه عاد إليه من المحدثين جماعة- من أمثال هذا القري والكد فيه لا يخفى:
وفي عرفات ما يخبر أنني ... بعارفة من نيل وصلك أسعف
فابلغتا ما قلته فتبسمت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف
إذا كنت ترجو مني الفوز بالمني ... فبالخيف من أعراضنا تتخوف
لما ذكر الشاعر مني يتفاءل أن في ذلك ما يشعر بقرب نيل المنى، ذكرت له أن منى فيها الخيف وهذا يشعر بالخوف والخيف بفتح فسكون هو جانب سفح الجبل وخيف منى به مسجد الخيف.
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا من وصالك نصرف
قائل هذه الأبيات من القضاة ذكره صاحب شرح المقصورة.
стр. 1951
ومن أكثر الشعراء صناعة في باب الغرام الشريف الرضي ومعانيه وألفاظه واستعاراته أخذٌ صلتٌ من الشعراء الذين سبقوه في غير ما زيادة توجب أن ينسب من أجلها إليه جودة توليد أو إبداع. نعم له صياغة تملأ الفم وتقرع جانب السمع، ولكنها لا تصل حقًّا إلى القلب- تأمل قوله في كلمة له مطلعها:
يا ليلة السفح هلا عدت ثانية سقى زمانك هطال من الديم
السقيا كثيرة ولكنه ههنا نفس على ابن المعتز قوله:
سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر
فحاكاه وجاراه وباراه ثم صار بعد مجاراة ذلك الخليفة البائس إلى مجاراة عبد بني الحسحاس في نهج لفق فيه أصنافًا من امرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة وأبي الطيب المتنبي ولزم مع ذلك لإحساسه بمنصبه وحسبه ونسبه ونقابته للأشراف دعوى- بل إلحاحًا على دعوى العفاف، ومع تكرار للفظه قارب بذلك، بل ولج ولوجًا في السآمة والإملال. قال:
وأمست الريح كالغيري تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط واللمم
يشي بنا الطيب أحيانًا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازًا إلى أضم
بتنا ضجيعين في ثوبي عفا وتقى ... يلفنا الشوق من قرن إلى قدم
عفا أي عفاف حذف الفاء على طريقة «بسبا الكتان» و «درس المنا بمتالع فأبان» ولو قال «عفاف تقي» كان وجهًا صحيحًا ولعله كذلك وأفسده الناسخ أو الطابع والثوبان ثوباهما نسبهما إلى عفاف أصله التقي «لا الخوف من تبعاتها» كما قال أبو الطيب والمعنى منظور أو لعله منظور فيه إليه.
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم
وبيننا عفة بايعتها بيدي ... على الوفاء لها والرعي للذمم
стр. 1952
فصارت العفة ههنا خلافة أو عهد طريقة أو ولاء ديني.
يولع الطل بردينا وقد نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتى ترنم عصفور على علم
فقمت أنفض بردا ما تعلقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم
وظاهر أن البرد تعلقه التراب والتنفيض مأخوذ من عبد بني الحسحاس ولم يدع عفافًا.
وألمستني وقد جد الوداع بنا ... كفا تشير بقضبان من العنم
وألثمتني ثغرًا ما عدلت به ... أرى الجني ببنات الوابل الرذم
ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواطننا بعد عن التهم
وبعض التأمل يسند حجة من قال بأن هذا من كلام الشريف ومنهجه الغزلي متكلف غاية التكلف، لا فيه حلاوة زخارف صناعة أهل البديع مثل:
وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد
ولا حرارة صبابة أهل التبدي مثل قوله توبة:
حمامة بطن الودايين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
علي هدايا البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنبًا غير أني أزورها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
ههنا العفاف حق العفاف.
أما قوله: «وأمست الريح كالغيرى» فهو قول عبد بني الحسحاس:
وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ستر إلا ثوبها وردائيا
والحسحاسي ألطف مأتى من الشريف؛ لأنه جعل الثوبين سترًا -إذ لم يكن
стр. 1953
لهما ستر غيرهما- بعد هبوب الريح الباردة، هي التي الجأتهما إلى التماس التوقي من لذعها. أما الشريف فقد لفه الثوب مع صاحبته ثم جاءت الريح غيري لتكشف المستور. لا ريب أنه لم يرد هذا المعنى ولكن أراد الأخذ من الحسحاسي والزيادة عليه بنسبة الغيرة إلى الريح لأن ههنا حبًّا ولقاء يثير الغيرة. ولكن ذلك قارب به فساد المعنى ثم هو قد حشد أشياء من معاني الحسحاسي هنا حشدًا، كقوله الكثيب وهو في بيت الحسحاسي:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا
والعلجانة ما ارتفع من الرمل عند أصول الشجرة. وأخذ الشريف وتلفيقه ظاهر. والريط ثوب الفتاة. واللمم بكسر اللام جمع لمة وهي شعر الرأس وما أكثر ما تذكر اللمم في وصف شعور الرجال إذا جاوزت شحمات الآذان ويقال لشعور النساء ذوائب وغدائر وفروع وكل ما يدل على الجثالة. وقوله «يشي بنا الطيب» من قول عبد بن الحسحاس «فما زال ثوبي طيبًا من ثيابها» والحسحاسي أجود معنى لأنه نسب الطيب إليها، وقد عمى الرضي إذ جعل الطيب كأنه منسوب إليهما معًا، ثم انخرط به سبيله وراء المقابلة، فجعل الطيب يدل عليهما حيننًا وضوء البرق يدل عليهما حينًا وجعل البرق مجتازًا إلى أضم بلا كبير فائدة في ذلك وذكر البرق في شعر امرئ القيس وعبد بن الحسحاس كما تعلم «أصاح ترى برقًا أريك وميضه»، وقال الحسحاسي:
فدع ذا ولكن هل ترى ضوء بارق ... يضيء حبيًّا منجدًا متعاليا
وأخذ الشريف من الآية ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ فأضاف ذلك برقه الواشي ههنا. وفي هذا التلفيق نوع من إفساد للمعنى، إذ الطيب لا ينقطع أن يكون طيبًا فواحًا في الأحيان التي لا يشي بهما ويدع ذلك للبرق
стр. 1954
أن يضيئهما، ثم قد جعل مع الريح التي تجاذبهما فضول الثياب برقًا ومع البرق بلا ريب مطرٌ فصارا كبقرة لبيد التي قال فيها:
باتت وأسبل واكفٌ من ديمة ... يغشى الخمائل دائما تسجامها
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذا ... بعجوب أنقاء يميل هيامها
يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها
وتضيء في وسط الظلام منيرة ... كجمانة البحري سل نظامها
وإنما أوقعه في هذه المزلة والخلط حرصٌ منه على التلفيق. فقد تعلم خبر عمر ابن أبي ربيعة إذ قال:
وما نلت منها محرمًا غير أننا ... كلانا من الثوب المورد لابس
فأخذ هذا عليه فأعذر عن نفسه بأنه أصابهما رش من مطر فاستترا بهذا الثوب المورد، فجاء الشريف بهذا المعنى في قوله «بتنا ضجيعين في ثوبي عفاف تقى» وقوله «يلفنا الشوق من فرع إلى قدم» ليس بجيد لغلظ الألفاظ ورقة المعنى ثم المعنى إضافة مستغنى عنها. وإن يكن أراد أن الشوق هو ثوبا العفاف والتقى اللذان يلفانهما ففي ذلك بعدٌ وغموض ليس يسمح به ظاهر تأويل كلامه. ثم بعد أن ذكر البرق وهو برق سحاب وسماء مجتاز إلى إضم بدا له أن يجعل البرق هو ثغر المحبوبة وتكلف شرحًا لذكر البرق الذي مر مجتازًا إلى إضم فقال:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي
ولا معنى لذاك هنا غير قصد الشرح، فقد سبق له من تقريب صاحبة الثغر إلى نفسه أن تحدث عن نفسيهما معًا بضمير المتكلم. وكأنه أعجبه قول أبي الطيب حيث قال:
تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقة ثناياها
стр. 1955
فأخذ هذا البرق وما معه من دمع وقبل وجاء بها في بيته الذي كأنما هو حركة «فيلم سينمائي» بطيئة لهذا البارق الذي إنما يبرق ليريه مواقع التقبيل. ورنة عجز البيت من أبي الطيب وأبي تمام معًا:
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم
هذا أبو الطيب وأما أبو تمام فأكثر بائيته مصدر لرنين الشريف هنا نحو:
ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب
والشاهد موقع في -وقال ذو الرمة يصف مية ويشبهها بالمزنة:
أو مزنة فارقٌ يجلو غواريها ... تبوج البرق والظلماء علجوم
ومثل هذا المعنى في الشعر كثير- إلا أننا هنا نتتبع تشابه الإيقاع ومحاكاته. «تبوج البرق» هي نفس الرنة التي جاء بها الشريف في «مواقع اللثم» و «مواقع اللؤم» - وطريقة تركيب عجز بيت أبي تمام «وظلمة من دخان في ضحى شحب» هي نفس طريقة تركيب «مواقع اللثم في داج من الظلم» ولنتذكر ههنا رد البحتري قول أبي نواس «ولم أدر من هم غير ما شهدت به» إلى كلام الهذلي حيث قال «فلم أدر من ألقى عليه رداءه» وقوله «رويحة الفجر بين الضال والسلم» إنما هو من قول الآخر وهو من شواهد النحو المعروفة:
يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسلم
وكما ههنا تصغير جاء الشريف بتصغير ولم يقدر على الفرار من الحاء لأن موضع أخذه فرض نفسه عليه ولولا ذلك لكانت له عنها مذاهب. وقوله:
واكتم الصبح عنها وهي غافلة
أخذه من قول عبد بني الحسحاس:
стр. 1956
لعبن بدكداكٍ خصيب جنابه ... وألقين عن إعطافهن المراديا
وما رمن حتى أرسل الحي داعيا ... وحتى بدا الصبح الذي كان تاليا
وحتى استبان الفجر أشقر ساطعا ... كأن على أعلاه سبا يمانيا
فأدبرن يخفضن الشخوص كأنما ... قتلن قتيلًا أو أصبن الدواهيا
وأصبحن صرعى في البيوت كأنما ... شربن مدامًا ما يجبن المناديا
فقوله إنه يكتم الصبح عنها وهي غافلة ينبئ بنومها في مكان اللقاء ومغامرة الغرام وهذا معنى فاسد لأن الحب معه الاستمتاع بساعاته والعشاق يتحدثون عن قصر الليل إذا لقوا الأحباب. وعبد بني الحسحاس جاء بالمعنى على وجه الصواب حيث قال إنهن لم يرمن أي لم يذهبن حتى جاء شخص من الحي يذكرهن ويدعوهن ممن يخاف عليهن أن يفتضح أمره وأمرهن. فتلبثن إلى أن بدا أول الفجر وذلك غلسٌ لا تتبين معه الأشخاص. وأتى الشريف من جهة قول الحسحاسي: «وأصبحن صرعى في البيوت» ولكن هذا منهن قد كان بعد العودة من أنس الغرام ومغامراته- أما الشريف فقد نامت صاحبته حتى صاح العصفور وصياح العصافير مع الأسفار. وقوله «ترنم عصفور على علم» فيه عمل؛ لأن العلم يدل على الجبل والأكمة وما هو بهذه المنزلة والعصافير تكون على الأغصان، فجعل الغصن علمًا لا يخلو من تكلف، وتضخيم إلا يكن ذلك مما أملته ضرورة القافية. على أنا لا نقطع بهذا بالنسبة إليه، إذ هو مقتدر على القوافي غير أن تذوقه واختياره لهن فيه مذهبه وطريقة مضغه للكلم. وقوله «فقمت أنفض بردا» ألمعنا إلى أنه من قول الحسحاسي: «فنفضت ثوبينا ونظرت حولنا»، من ميميته التي مر ذكرها في معرض الحديث عن البحر الطويل. وإذ علمنا موضع العفاف فما معنى الكرم- اللهم إلا أن يجعل ذلك التفاتًا من الغزل إلى الفخر ولا محل للفخر ههنا، وقوله و «ألمستني كفًّا» مع زعمه أن ذلك حين «جد الوداع بنا» ضعيف. وقد ذكر لنا القبلات من قبل. وأحسبه شغله ههنا
стр. 1957
أمر الصناعة اللفظية والإشارة إلى الكف الخضيب من النجوم. وجعله الأصابع قضبانًا من العنم فيه جهد. ثم إن الشريف كأن قد تذكر أن لمس الكف لا يفي بغرض الشوق والغزل فاستدرك بذكر الثغر ولم يعد التشبيه المألوف من ذكر الخمر وما تمزج به عن عسل وماء وثلج أو كما قال حسان:
كأن سبيئةً من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها أو أطعم غض ... من التفاح هصره اجتناء
على فيها إذا ما الليل قلت ... كواكبه ومال بها الغطاء
إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء
وقد كان حسان من وصاف الخمر في الجاهلية وهو القائل:
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
وهذه الأبيات قيلت في فتح مكة وقد ذكر في تحريم الخمر أنها كانت بعد الفتح تحريمها، على اختلاف في ذلك. فعلى هذا القول فلا يحتاج ما قاله إلى تخريج. وعلى قول من زعم أن التحريم كان قبل ذلك، فيعتذر له بأنه مضى على طريقة قول كانت هي المألوفة في الشعر على زمانه، وعليها سار كعب في اعتذاريته حيث قال:
كأنه منهل بالراح معلول
وهذا أحسبه هو الذي أراده أبو العلاء إذ قال في رسالة الغفران يدافع عن حسان: «ويحك أما استحييت أن تذكر مثل هذا في مدحتك رسول الله ﷺ فيقول كان أسجح خلقًا مما تظنون. ولم أقل إلا خيرًا. لم أذكر إني شربت خمرًا ولا ركبت مما حظر أمرًا وإنما وصفت ريق امرأة يجوز أن يكون حلا لي ويمكن أن أقوله على الظن» أ. هـ.
стр. 1958
وقد أضرب الشريف عن ذكر الخمر فجعل ثغر حبيبته أرى الجني، أي عسلًا مما تجنيه النحل، ممزوجًا بماء المزن الصافي- وهذا تشبيه إسلامي مختصر من التشبيه الجاهلي ومراعى فيه جانب التحريم وقد جاء به المرار حيث قال:
لو تطعمت به شبهته ... عسلًا شيب به ثلج خصر
وقال المعري في مرثيته لأبي الشريف الرضي. يذكر المرتضى وأخويه ونار القرى عندهما:
نار لها ضرمية كرمية ... تأريثها إرث عن الأسلاف
تسقيك والأري الضريب ولو عدت ... نهي الإله لثلث بسلاف
ولم يكن المعري يخلو من فكاهة ذات خبث خفي، فهل ألمع ههنا إلى مذهب الشريف في التحرج عن ذكر الخمر في نحو هذا من غزله واكتفائه بالأري أي العسل مكانها.
وقول الشريف: «ثم انصرفنا وما رابت ظواهرنا إلخ» من قول أبي الطيب:
توهم القوم إن العجز قربنا ... وفي التقرب ما يدعو إلى التهم
كان الشريف ﵀ ذا علم وأدب جم وكان عظيم القدر قريب المنزلة من الخليفة، بل لعله كان أعظم نفوذًا منه لأن أصحاب الدولة من بني بويه والديلم كانوا شيعة وكان هو للأشراف نقيبًا. وذلك هو الذي جسره على أن يقول للخليفة:
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدًا كلانا في المكارم معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
شعور الشريف بحسبه ونسبه واستحقاقه أن يكون هو ولي الأمر كان عظيمًا كعظمة قدره عند نفسه وعند الناس. وكان ذا ملكة في الشعر. إلا أنه لم يكن أشعر
стр. 1959
قريش ولا أشعر بني عبد مناف ولا أشعر بني هاشم -عمر بن أبي ربيعة وابن قيس الرقيات والوليد بن يزيد وابن المعتز- هؤلاء أشعر منه بلا ريب وشأوهم من شأوه بعيد. مع هذا قد قال عنه بعض من ترجموا له أنه أشعر قريش، مما ينبئ أنه عسى أن يكون ذلك من بعض ما كان يظن هو إنه يتقدم به على غيره والله تعالى أعلم.
مهما يكن من شيء، فإن ملكة الشريف في حاق الشعر كانت محدودة. كان ذا حظ من جزالة اللفظ وقرعه الأسماع. ولكنه ما كان ليدنو بحال من منزلة البحتري وأبي تمام وأبي الطيب. على ما لا ريب فيه عندي، إنه كان يرى في نفسه إنه مثلهم. وقد كان كثير المحاكاة لأبي الطيب. وقد عرف أبو الطيب بجودة تغزله في البدويات وقد عقد الثعالبي فصلًا عن أبي الطيب في يتيمته ونبه تنبيهًا على أن هذا كان من تبريزه وذكر من ذلك أمثلة حسانًا. حجازيات الشريف كانت محاكاة لهذا التبدي في غزل أبي الطيب. ولعله والله أعلم رام أن يزيد عليه بإدخال عناصر من عمر بن أبي ربيعة وسحيم. وقد كان أبو الطيب يغرف من بحر نفسه وانفعالات قلبه، فإذا أخذ من شاعر شيئًا جاء بذلك على سبيل الاستعانة فكان ما يسميه النقاد توليدًا وابتكارًا، ومثل هذا الصنع الأصيل لا يبرز عليه أحد مهما يجتهد بتلفيق لمذاهب المحسنين ومحاكاة للمبدعين. وهذا ما صنعه الشريف. وذلك له دأب يا للأسف، من شواهد ذلك مثلًا والشيء بالشيء يذكر محاكاته للبحتري في نعت الذئب، وأكل من لحم الذئب كما فعل البحتري وما أشك أن البحتري قال عن تجربة منه أو من غيره عن قرب معرفة أو ملابسة، وما صدر الشريف إلا عن محاكاة ما قرأ مع حرص على مجاراة البحتري وقصد إلى ما عسى أن يظن أنه تفوق عليه وذلك قوله:
وعاري الشوى والمنكبين من الطوى ... أتيح له بالليل عاري الأشاجع
أغيبر مقطوع من الليل ثوبه ... أنيس بأطراف البلاد البلاقع
стр. 1960
قليل نعاس العين إلا غيابة ... تمر بعيني صائم القلب جائع
ألم وقد كاد الظلام تقضيا ... يشرد فراط النجوم الطوالع
وإذا انقضى الظلام شرد فراط النجوم وغيرها.
إذا فات شيء سمعه دل أنفه ... وإن فات عينيه رأى بالمسامع
تظالع حتى حك بالأرض زوره ... وراغ وقد روغته غير ظالع
فقد صار الذئب ههنا كأسد أبي الطيب الذي جمع نفسه في زوره ودق بالصدر الحجار.
ثم زاد -أو كأنه زاد- على البحتري بوصف افتراس الذئب للشاة، وأخذ ذلك من فريسة أسد أبي الطيب.
ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قربًا خاله تطفيلا
فجمع بين الشنفري والفرزدق وأبي الطيب، كل هذا لينبذ البحتري كما ترى ولم يخل من نظر إلى قول حميد بن ثور:
ينام بإحدى مقليته ويتقي ... بأخرى الرزايا فهو يقظان هاجع
وعين حميد تدل على أن الرضي نظر إليها ثم جعل الروي مخفوضًا -وليس الخفض من الضم بجد بعيد إذ هما يلتقيان في الإقواء. ولنجعل هذا خاتمة الحديث عن النسيب. وهو قد أفضى إلى الوصف، فلنشرع في الحديث عن ذلك والله المستعان.
الوصف:
الوصف أربعة أصناف، صريح وضمني ومقصود إليه بدءًا ومستطرد إليه أثناء الكلام، وهذه الأصناف الأربعة كثيرًا ما تتداخل. قول امرئ القيس:
أصاح ترى برقًا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
стр. 1961
قوله «أصاح ترى برقًا أريك وميضه في حبي مكلل» منه، هذا وصف صريح، وقوله منه «كلمع اليدين» تشبيه يجوز أن يكون فيه وصف ضمني لحركة اليدين المشار إليهما في قوله: «تصد وتبدي البيت» أو أيما يدين، ويجوز أن يكون من باب التوضيح لحركة البرق، فيكون بذلك أقرب إلى الوصف الصريح للبرق لا الوصف الضمني لحركة اليدين والأصابع.
وقول عدي بن الرقاع العاملي:
تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلمٌ أصاب من الدواة مدادها
فيه وصف صريح لروق الشادن حين برز كأنه بطرفه المحدد الصغير إبرة وكأنه حرف قلم أصاب سواد مداد. ثم هو بلا ريب وصف ضمني للقلم يوشك لقوة حيويته أن يكون صريحًا ويشعر بأن المقصود بالوصف هو القلم لا قرن الظبية.
وقول ذي الرمة:
كأن عمود الفجر جيدٌ ولبةٌ ... وراء الدجى من حرة اللون حاسر
هل هو صريح في نعت طلوع الفجر أو ضمني كصريح في نعت امرأة حسناء سافرة، جميلة واضحة الوجه، بادية خصل شعرها من الخمار الحاسر؟ هذه الصورة الرائعة شديدة الشبه برسم جيوكندا الذي لليوناردودا فنشي (١) ولو كان سبق زمان غيلان ما شككنا أن غيلان منه أخذ، كما قدمنا ذكره من تأثر القدماء في تصويرهم بمرأى ما رأوا من التماثيل وقد ذكروا ذلك في أشعارهم كقول امرئ القيس:
كأن دمى سقفٍ على ظهر مرمرٍ .... كسا مزبد الساجوم وشيًّا مصورا
стр. 1962
وقول عمر
دميةٌ عند راهب ذي اجتهاد ... صوروها بجانب المحراب
ولكن غيلان قد سبق ليوناردو، فينبغي أن يكون هذا قد أخذ فكرة رسمه منه. وقد يذكر أن ليوناردو سافر إلى بلد المسلمين وكان يعرف العربية، فتأمل وقول ذي الرمة:
ورملٍ كأوراك العذارى لبسته ... وقد لبسته المدجنات الحنادس
نعت للرمل صريح وللأوراك ضمني كصريح -وهذا الضرب المتداخل من النعت من طريق التشبيه والاستعارة كثير عند ذي الرمة- وتأمل قوله:
براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبيةٌ أفضى بها لبب
اللبب ما استرق وامتد من الرمل.
بين النهار وبين الليل من عقدٍ ... على جوانبه الأسباط والهدب
ههنا صورة الظبية وقد امتد جيدها وهي خارجة من معظم الكثيب إلى مسترقه والوقت أصيل قد ألقى أضواءه على أمواج الرمال، وعلى أغصان الشجر وعلى متني الظبية. نعت المرأة كأنه وسيلة إلى هذا النعت المضمن في المشبه به. على أن صورة جيد المرأة ولباتها بعد مشرقة واضحة.
والوصف الضمني المذهل، أكثر ما يقع في الصور المنتزعة من التجارب المألوفة كالذي مر من مقال ابن الرقاع وكقول امرئ القيس:
كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
وقوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
стр. 1963
وقوله:
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمشبه به في جميع هذا موصوف كما المشبه موصوف.
شبه القدماء ذا الرمة في التشبيه بامرئ القيس. والتأمل والأناة ونوعٌ من صناعة، أغلب على طريقة غيلان، ثم له ولعٌ بربط صور جمال النساء بصور جمال الطبيعة ويبث في ذلك أنفاسًا من حرارة صبابته. ومن الوصف الصريح الذي لا يخرج به التشبيه إلى وصف ضمني قول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب
فوصف الليل هنا صريح لا تلابسه صفة ضمنية لقطيع من الماشية غاب راعيه وإنما جيء بهذا توسعًا في الكلام.
وقوله:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا
حذارًا على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
فتشبيه راعي الحمولة بالطائر لا يدخل على النعت الصريح استطرادًا أو إضافة بنعت ضمني للطائر. البيوت التي في أعلى اليفاع واضحة الصورة وكذلك الراعي الذي لبعده دق فصار كأنه طائر.
وقال ذو الرمة:
أقامت به حتى ذوي العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
فههنا نعت صريح للفجر. وصورة الملاءة توضيح لهذا النعت.
стр. 1964
وقال زهير:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله
فههنا صورة مرحة للأفراس والرواحل، وإن كان المراد صفة الشباب، واستعارة هذه المعاني الدالة على الحيوية له.
وقال الهذلي يصف اقتراب السحاب:
كأن تواليه بالملا ... سفائن أعجم ما يحن ريفا
فههنا نعت للسفائن وهي المشبه به.
وكثيرًا ما يدل التشبيه على انطباعه وملاحظة يلاحظها الشاعر، فيكون بذلك معرضًا للتجارب ولوصف أحوال البيئة والمجتمع- كقول امرئ القيس: «نزول اليماني ذي العياب المحمل» فدل على مشهد التاجر اليمني المتنقل في ذلك الزمان وكقول لبيد:
كعقر الهاجري إذا ابتناه ... بأشباهٍ حذين على مثال
فدلنا على أن أهل هجر كانوا يعرفون عمارة المباني وعمل اللبن بقوالب يحذون اللبنات عليها، وقال:
جنوح الهالكي على يديه ... مكبًّا يجتلي نقب النصال
فدلنا على أن صناعة السيوف والنصال كانت معروفة. والهالكي الحداد.
وقال الآخر:
إني وقتلى سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
فهذا كان من عاداتهم وزعم ابن أبي الحديد ينسبه إلى بعض الأذكياء أن العرب
стр. 1965
أخذوا هذا من تعظيم أهل الهند للبقر فتأمل ونحو منه قول النابغة:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
وكقوله:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد بالليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
السليم هو من لدغته الحية، كأنهم يتفاءلون له بالنجاة. وكانوا لا يدعونه ينام يخافون أن يسري السم فيه، فيعلقون عليه حلي النساء ويقعقعون ذلك.
ويبدو لي أن بين الحية والذهب ضربًا من علاقة سحرية. ووصف النابغة للحية الضئيلة الرقشاء السامة مبين دقيق.
وقد جعل قدامة التشبيه من أغراض الشعر. ولا ريب أن الوصف من أغراض الشعر الكبرى، وصلة التشبيه به واضحة.
الوصف المعمود إليه بدءًا:
ونعني بقولنا بدءًا أن الشاعر غرضه الوصف منذ بداية قوله فيه، نجعل ذلك في مقابلة ما يكون البدء فيه بغير ما أخذ الشاعر فيه من ألوان الوصف.
قول امرئ القيس:
وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
وقول طرفة:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي