وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبذا نضاره ونضرته
وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت إمرته
ومترف لولاه دامت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته
وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته
أسر نجواه فلانت شرته ... وكم أسير أسلمته أسرته
أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته
لولا التقى لقلت جلت قدرته
ولا يخفى أن الوصف في هذه الأرجوزة معه الخطابة ذات اللون المسرحي الذي هو من طبيعة فن المقامة. ثم يقول الحريري في ذم الدينار على لسان سروجيه أيضًا:
تبًّا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق
يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق
وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق
لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمةٌ من فاسق
ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق
ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق
أن ليس يغنى عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق
واهًا لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق
قال له قول المحب الصادق ... لا رأى في وصلك لي ففارق
ومن الوصف المولد المعتمد على زخرفة اللفظ دون المعنى قول ابن الرومي في النرجس (من الكامل الأحذ المضمر):
يا نرجس الدنيا ترى أبدًا ... للافتراح ودائم النحب
ذهب العيون إذا مثلن لنا ... در الجفون زبرجد القضب
стр. 2067
ومن تتمة صناعة الزخرف البياني تحويل الزهر والنواوير والخضرة إلى ضروب من الوشي والأحجار والمعادن الكريمة.
وقال الشريشي في شرح المقامة الحلوانية «والنرجس الذي يشبه به أهل المشرق العيون هو نباتٌ له قضبان خضر في رؤوسها أقماع يخرج منها نور ينبسط منها على الأقماع ورق أبيضن في وسط البياض دائرة قائمة من ورق صغير، هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النرجس، وبذلك وصفه كسرى أنو شروان فقال النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر، أخذه بعضهم فقال:
وياقوتة صفراء في رأس درة ... مركبة في قائم من زبرجد
كان بهي الدر عقد نظامها ... فريد أنيق قد أطاف بعسجد
وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه فقال: من جيد ما قيل في النرجس ما أنشد المبرد رحمه الله تعالى:
نرجسةٌ لاحظني طرفها ... تشبه دينارًا على درهم
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه:
ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت العصافير
مثل اليواقيت قد نظمن على ... زمرد فوقهن كافور
كأنها والعيون ترمقها ... دراهم وسطها دنانير
وقال أبو نواس:
لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهن وصفرةٌ ... مكان سواد والبياض جفون
أجاد التشبيه وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة وبين مواقع التشبيه غاية
стр. 2068
البيان. وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاس والمحسوس له: وأحسن بيت أنشدنيه أبو جعفر البغدادي ﵀:
مداهن در بن أوراد فضة ... على قيس شبرٍ أخضر كالزبرجد
وقال أبو الفرج الببغاء:
ونرجس لم يعد مبيضه الـ ... كأس ولا أصفره الراحا
تخال احقاق لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا
كأنما يعدى المحيي به ... لطفًا إلى الأرواح أرواحا
يغني عن النرجس إذ مارنا ... ويخلف الورد إذا فاحا
وقال ابن المعتز:
كأن عيون النرجس الفض بيننا ... مداهن در بينهن عقيق
إذا بلهن القطر خلت دموعه ... بكاء عيون كحلهن خلوق (١)
وقال الشاشي:
خص (٢) الصفات التي ... تناولها من كتب
عيون بلا أوجه ... لها حدقٌ من ذهب
وقال ابن الرومي:
يا نرجس الدنيا ترى أبدًا ... للافتراج (٣) ودائم النحب
ذهب العيون إذا مثلن لنا ... در الجفون زبرجد القضب
وهذه الصنعة التي أثبتها أهل المشرق للنرجس هي التي يصف بها أهل المغرب البهار. قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار .... إلخ» ما قاله الشريشي
стр. 2069
مما يجري مجرى ما سبق، مما استشهدنا به للدلالة على اعتماد المحدثين في الوصف على زخرفة المعاني والألفاظ. ومما يجري مجرى الزخرفة اللفظية والمعنوية نحو قول المعري:
وكأن الهلال يهوى الثريا ... فهما للوداع معتنقان
وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان
يسرع اللمح في احمرار كما تسـ ... ـرع في اللمح مقلة الغضبان
ولحذق المعري يحلي نحو هذا بالأخبار والأساطير ليكون أقوى في الإمتاع وأدعى إلى الطرب، نحو قوله:
ضرجته دما سيوف الأعادي ... فبكت رحمةً له الشعريان
وقد سلك ابن الرومي مذهبًا من زخرفة اللفظ والمعنى بناه على التشبيه والاستعارة المأخوذ أصلهما من صفات بشرية (ومعدن هذا الأسلوب من أبي تمام وقد سبق إلماعنا إلى أخذ أبي تمام وأبي نواس ومن كان على مذهبهما أو تأثرا به من ذي الرمة) في الأبيات العينية التي لعله أراد أن يباري بها ميمية أبي عبادة في وصف الروضة والربيع- قال:
إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مزعزعا
وودعت الدنيا لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها فتسعسعا
ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدًا إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عوادها عين مدنفٍ ... توجع من أوصابه ما توجعا
وهذا كما ترى إيغال صرفنا الشاعر به عن منظر الشمس الغاربة إلى منظر المريض المتوجع. والعنصر العقلي المزخرف الحريص على البراعة في ذلك قد غلب الشاعر، فغفل معه عن أن موصوفه هو جمال شفق الغروب وأنه أولى به أن يتوفر
على نقل إحساس خفقة القلب به، بدلًا من أن يتابع فكرة الصفرة وشبهها
стр. 2070
بالمرض والمريض فليس في ذلك ما يوحي بحقيقة انفعال الشاعر لمشاهدة جمال شفق الغروب. ولكأني -والله أعلم- بابن الرومي قد غره قول النابغة:
نظرت إليك بحاحة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
وتشبيه النابغة ووصفه صحيح؛ لأن في الحالتين سقما هو أصل التشابه، سقم الحاجة الغرامية الجنسية (مثلًا) وسقم الضعف التواق إلى العطف والرحمة شتان ما بين مذهب النابغة حيث ذهب، ومذهب علي بن العباس.
وبين أغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا
وقد ضربت في خضرة الأفق صفرة ... من الشمس فاخضر اخضرارًا مشعشعا
وظلت عيون الروض تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا
وميمية الروض التي أحسب هذه الأبيات العينية قد قيلت في مجاراتها هي:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من البشر حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غلس الدجى أوائل ورد ن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى فكأنه ... يبث حديثًا كان قبل مكتما
ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيًّا منمنما
أحل فأبدى للعيون جماله ... وكان قذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الجو حتى كأنه ... يجيء بأنفاس الأحبة نعما
والأبيات مشهورة. ومزية البحتري على ابن الرومي أن الذي يصفه في شعره هذا هو الربيع، تعويل الشاعر على ذكر ورده ونداه ولباس خضرته الجديد ونسيمه أكبر من تعويله على ما يشبهه به من صفات البشر وصفات الوشي، إحساس البحتري بجماله وبهجته يصلنا من خلاله بيانه- ألا تراه حتى حين يزخرف بذكر الوشى المنمنم يدخل في ذلك الحركة، يقول كأنك أنت حين تنظر إلى
стр. 2071
الخضرة الجديدة وألوان النوار كأنما تنشر وشيًّا منمنمًا -هذا نعت الانطباعة في مدى نظرك، فالزخرفة هنا ليست أمرًا لفظيًّا معنويًّا ذهنيًّا ولكنها ذات بيان بانفعال وإحساس وشعور- وقوله:
أحل فأبدى للعيون جماله ... وكان قذًى للعين إذ كان محرما
غالبٌ عليه قصد الزخرفة وكأنما صاغه حبيب، وخاصة قوله «وكان قذى للعين إذ كان محرمًا» فهذا فيه نفس حبيب، على أن حبيبًا لو قد رام هذا المعنى لجعل من إحرام شجر الشتاء جانبًا من حسن، ولكونه قذى للعين بإحرامه، أيضًا أن يكون لها بذلك إثمدًا وذرورًا.
أليس هو القائل في نعت خراب عمورية:
سماحة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب
هذا وأحسب القارئ الكريم مما يكون قد تنبه لأخذ ابن الرومي من حبيب حيث يقول:
وقد ضربت في خضرة الأفق صفرة ... من الشمس فاخضر اخضرارًا مشعشعا
ولعمري إنه على كثرة عمله ودقة غوصه في هذا البيت قد قصر عن قول حبيب:
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
وأحسب أن البحتري قد أخذ وشيه المنشر- أو قل أخذ «فكرة» وشيه المنشر، من قول حبيب يصف مطرة من مطر الشتاء المؤذن بالربيع أو شيئًا قريبًا من ذلك:
فكأنني بالروض قد أجلى لها ... عن حلة من وشيه أفواف
وهذا البيت من كلمة فائية حسنة- لأبي تمام، موغلة في الروح الحضري من غير ما مفارقةٍ لقصد الإصابة وصدق البيان الذي هو مذهب الأوائل- قال يعتذر
стр. 2072
لأحد أصدقائه بأن المطر منعه من زيارته- والغالب على مطر العراق أن يكون في الخريف ولاشتا كما ذكر البحتري حيث قال:
لاحت تباشير الخريف وأعرضت ... قطع الغمام وشارفت أن تهطلا
ونعود إلى ما كنا فيه من حديث أبيات أبي تمام، قالك:
منع الزيارة والوصال سحائب ... شم الغوارب جأبة الأكتاف
هذا الوصف الغليظ يناسب هيئة السحابات الغليظات اللاتي منعنه الزيارة:
ظلمت بني الحاج الملح وأنصفت ... عرض البسيطة أيما إنصاف
والحاج الملح في المدن والمطر فيهن عناء أما أهل البادية فيه فرحون.
وأتت بمنفعة البلاد وضرها ... أهل المنازل ألسن الوصاف
وعلمت ما يلقى المزور إذا همت ... من ممطر ذفرٍ وطين خفاف
وعني بالممطر ما نسميه الآن معطف المطر وكان من الصوف فكان ابتلاله يجعله ذفر الرائحة، وكانوا يلبسون الأخفاف فيلصق بها الطين من المطر، وكل ذلك مما يتأذى به المزور، فجعل أبو تمام هذا مما يصح الاعتذار به في ترك الزيارة بل قد أوجب تركها في مثل تلك الحال:
فجفوتكم وعلمت في أمثالها ... أن الوصول هو القطوع الحافي
للذي يسببه من الأذى لرب الدار ثم أخذ أبو تمام بسبيل استرسال خيالي يذكرنا فيه بما كان من مذهب أهل البداوة من الفرح بالمطر وانتهاز فرصة مقدمه للنجعة والظعن وما ينشأ عن ذلك من لقاءات الغرام وضروب نواه- قال:
فكأنني بالروض قد أجلى لها ... عن حلةٍ من وشيه أفواف
وكأنني بالظاعنين وطية ... يبكي لها الآلاف للآلاف
وكأنني بالشدقمية وسطه ... خضر اللهى والوظف والأخفاف
стр. 2073
الطية بكسر الطاء النية، عني نية السفر والآلاف جمع ألف كفاعل والجمع فعال بضم فتشديد وإن قلت الآلاف بوزن الأفعال فهي جمع ألف بكسر فسكون تقول إلف وإلفة وآلف وآلفة- وقد أعطانا أبو تمام صورة منظر من البادية والإبل ترتع خضرًا لهواتها وسوقها_ الوظف بضم الواو وسكون الظاء هنا ولك ضمها في غير هذا الموضع لئلا يختل الوزن جمع الوظيف وهو موضع القيد من الساق- وجانب الوصف الدقيق الصائب من هذه الأبيات لا يخفى.
والبيت الرائي الذي زعمنا أن ابن الرومي أخذ منه شعشعة اخضراره بصفرة الشمس يرجو أن يربي على إبداعه بما يصاحب الشعشعة من تداعي المعاني المؤنس بنشوة الخمر، من قصيدة فذة في بابها، جمعت إلى زخرفة ضروب المجاز والطباق والجناس واللعب اللفظي والمعنوي جودة تصوير الإحساس، ونقل الشعور بالجمال الذي انفعل به قلب الشاعر وفنه لنشاركه فيه ونستمتع بحسن بيانه عنه، قال ﵀:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدةً ... ويد الشتاء جديدة لا تنكر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه ... قاسي المصيف هشائما لا تثمر
كم ليله: آسى البلاد بنفسه ... فيها ويومٍ وبله مثعنجر
هذه الموازنة الجدلية بين الشتاء والمصيف أيهما أفضل لم تصرف انهماكة أبي تمام في جانبها المنطقي الذهني عن لزوم جادة الوصف والإبانة عن الإحساس بالطبيعة وأثرها المباشر على النفس. ولا ريب أن ابن الرومي رام أسلوب هذه الطريقة ولكنه كما ذكرنا انصرف مع الجدل عن الوصف ونقل إحساس القلوب.
مطرٌ يذوب الصحو منه وبعده ... صحوٌ يكاد من الغضارة يقطر
غيثان فالأنواء غيث ظاهرٌ ... لك وجهه والصحو غيث مضمر
стр. 2074
تأمل الزخرفة واللعب المعنوي ههنا، وقد استعار الظاهر والمضمر من ألفاظ النحو كما لا يخفى.
وندًى إذا ادهنت به لم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر
معذر أي جاعل له عذارًا. وكانت القيان الحسان مما يعقربن خصلات الصدغ وكانوا يسمون ذلك عقارب الأصداغ. وقد افتن أبو تمام، فجعل الربوات عليهن الخضرة بمنزلة لمم الشعور التي على الرؤوس، والندى عليهن لامع كالدهن. وهيدب السحاب الداني إلى الأرض من جوانب الربوات كأنه خصلات الأصداغ. كل هذا زخرفة استعارات ومجاز قوامه التجسيد وهو لأبي تمام طريقة (اتبع فيها غيلان كما ذكرنا من قبل). هذا و «معذر» أيضًا بضم الميم وتشديد الذال المعجمة مكسورة يحتمل معنى معتذر من قول العرب عذر بتشديد الذال وفتح العين قبلها أو كسرها بمعنى اعتذر وقد قرئ بهذه الصيغة (فعل بفتح الفاء وتشديد العين أو كسر الفاء وتشديد العين في الماضي وبفتح حرف المضارعة وكسر فاء الكلمة وعينها بمعنى (افتعل يفتعل) في سورتي يس ويونس في الحرفين -يخصمون- يهدى. وعليه يكون مراد الشاعر أن السحاب يعتذر من أنه لم يمطر وإنما أمد النبات بالندى وحده. ومثل هذا الاستعمال «أي معذر» بمعنى العذار وبمعنى الاعتذار مما يسميه البلاغيون بالاستخدام.
أربيعنا في تسع عشرة حجة ... حقًّل لهنك للربيع الأزهر
هنا يؤرخ أبو تمام هذا الربيع الذي أعجبه ولا يعيبه التوكيد في عجز البيت إذ هو لا يتهيب استعمال العويص من مذاهب العربية إذا دعا إليه أرب البيان. وأرب البيان هنا يدعو إلى تأكيد مقال الشاعر أن هذا الربيع الأزهر. فأكد مقاله بمجيء اللام قبل جملة مبدوءة بإن المؤكدة وإنما تقبل اللام إذ جيء بها على لغة من يجعل همزتها هاء خالصة، ففعل ذلك، ثم أكد الربيع بلام إن التي تسمى في النحو
стр. 2075
باللام المزلحفة. وهي هنا ليست مزلحفة بل مؤكدة؛ لأن لام الابتداء المؤكدة في الموضع الأول من الكلام لم تزلحف عنه، فتأمل.
وجزى الله أستاذنا الشيخ عبد الله محمد عمر البناء خيرًا فقد كان أول سماعنا هذه القصيدة الرائعة منه إذ اختارها لنا في درسه وشرح هذا الحرف الذي قدمنا ذكره أنه لغة في إن- وكأنما افتتن أبو الطيب بهذا الافتتان من أبي تمام وكان كثير النظر فيه والأخذ منه فجاء به في قوله:
لهنك أولى لائمٍ بملامة ... وأحوج ممن تعذلين إلى العذل
وكان يحسن الأخذ ويبعده حين يفعل- وقال حبيب:
أربيعنا في تسع عشرة حجةً ... حقًّا لهنك للربيع الأزهر
ما كانت الأيام تسلب بهجةً ... لو أن حسن الروض كان يعمر
أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت وحسن الأرض حين تغير
هذا البيت جيد، إذ الأرض تراب وأحجار ونحو ذلك. ومهما يكن منظر ذلك في نفسه حسنًا أو مقبولًا فإن اكتساءه روضًا ونواوير وشجرًا وضروب نبات وخضرة يجعله أجمل ويكسوه الحسن الذي لا ريب فيه.
وهذا المعنى الذي جاء به أبو تمام أكمل من قول أبي عبادة:
أحل فأبدى للعيون جماله ... وكان قذى للعين إذ كان محرما
فجعل أبو عبادة كسوة الخضرة حاله الطبيعية قد أحرم بسلبها، والذي جاء به أبو تمام أدق وأصوب.
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
стр. 2076
هذا من الأبيات العقم. والذي صنع ابن الرومي من محاولة أخذه عناء. وتقربه من إثارة القارئ أو السامع بذكره الشعشعة وما يلابسها من معنى نشوة الخمر يشبهه شيئًا ما سبق أن وقفنا عنده من قول شوقي:
قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضا ... سابحات به وأبدين بضا
فقلنا إن فيه تزلفًا إلى القارئ بالبضاضة وما يصاحبها من إثارة. ولعمري إن العذارى إذا سبحن قل أن يتبين الناظر ما يبدو وما يختفي من بضهن، وإنما يكون تبين ذلك عند رمل الساحل وما بمجراه إذ هن غير مغمورات سابحات. ويحتمل كلام شوقي أنهن أخفين البض بسبحهن وأبدينه حين صرن إلى الساحل وشمسه أو ما بمجرى ذلك.
دنيا معاش للورى حتى إذا ... حل الربيع فإنما هي منظر
معاش بالرفع أو بالجر أحب إلي والرفع جيد- أي الدنيا معترك وعمل، ثم فجأة يغلب المرء هذا الجمال، فيقف وقفة ينظر إليه. وليس المنظر بانتهاء للمعاش أو انصراف عنه، ولكنه درجة فوقه. لا يخفى أن ههنا انطباعة حسن وانفعالة قلب سجلها الشاعر أبلغ تسجيل وأوجزه.
ثم فصل بعض هذا الإيجاز من بعد:
أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نورًا تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليك تحدر
تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر
стр. 2077
ولعل الشاعر رأى عذراء أو عذارى في ذلك المنظر فجعلهن مع نواره نوارًا.
حتى غدت وهداتها ونجادها ... فئتين في حلل الربيع تبختر
مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغي وتمضر
ههنا صناعة وزخرف وتمهيد للخروج من الوصف إلى مدح المعتصم وكان صاحب حرب وجند وزينة الجند وألوان عصبهم مما يقع التشبيه به الموقع الحسن في مثل مقام مدحه- ومع هذا فأبو تمام ممسك بملازمة وصفه ومتابعة البيان عن إحساسه بهذا المنظر الفذ الرائع.
من فاقع غض النبات كأنه ... درر تشقق قبل ثم تزعفر
وهذه درر خيالية ليست من جواهر واقع الحياة الجوامد ذوات الأثمان.
أو ساطع في حمرة فكأنما ... يدنو إليه من الهواء معصفر
فهذا يؤكد ما تقدم من جنوح حبيب إلى سبحات الخيال، وبعده عن الفتنة بزخرفة جمود الجواهر.
صبغ الذي لولا بدائع لطفه ... ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر
وهذا مقطع الوصف. وبه رفع أبو تمام وشى الربيع عن كل ضروب الوشى التي يفتن في صنعها البشر. ومن مأثور كلام نبي الله عيسى ﵇ أن نتأمل أزهار الرياض فإنها لا تسعى ولا تغزل ولم يكن سليمان في أبهى حلل مجده بأزهى وشيًّا منها. وما استبعد أن يكون أبو تمام قد أخذ منه إذا كان واسع التحصيل. وقد حسد على تحصيله وتبريزه وإبداعه فزعم بعضهم أنه نبطي الأصل يطعنون في نسبه وأن أباه نصراني يدعى تدوس فغيره إلى أوس، وهذا باطل قطع صاحب الأغاني ببطلانه، وما كان بمن يتهيب المطاعن. وقد كان في طيء قوم نصارى، فلو لم يكن من نسب أبا تمام إلى أصول نصرانية قاصدًا إلى الكيد والطعن، ما كان محتاجًا إلى
стр. 2078
أن يضيف إلى ذلك أصولًا نبطية ولاكتفى بطائيته فلم ينزعه منها، ولا يخفى قصده إلى أن يخرجه من نسب العرب ومن أصالة الإسلام معًا. فتأمل ولله در أبي الطيب إذ يقول:
سوى وجع الحساد داو فإنه ... إذا حل في قلب فليس يحول
وأبو الطيب من أوصف الشعراء للطبيعة وقد أفردنا لذلك رسالة بعنوان «الطبيعة عند المتنبي» بمناسبة مهرجانه الذي أقيم ببغداد سنة ١٩٧٧ م (نوفمبر- تشرين الثاني) (١) فأغنى ذلك عن إعادة أكثره ههنا. ونونيته التي أولها:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
من الفرائد. وفيها يقول:
ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحران
غدونا تنفض الأغصان فيها ... على أعرافها مثل الجمان
فقمن بما يرد الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان
لها ثمر تشير إليك منها ... بأشربة وقفن بلا أواني
وأموله يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
إذا غني الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان
ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتشابه الوصفان جدًّا ... وموصوفاهما متباعدان
ولو كانت دمشق ثنى عناني ... لبيق الثرد صيني الجفان
стр. 2079
يلنجوجي ما رفعت لضيف ... به النيران ندي الدخان
تحل به على قلب شجاع ... وترحل منه عن قلب جبان
منازل لم يزل مها خيال ... يشيعني إلى النوبنذجان
يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
ثم خلص إلى المدح -وفي صور المدح مناظر من التفاته إلى الطبيعة والقصيدة من الشعر السائر المروي المشهور. وكل بيت منها كنز من المعاني والعواطف.
سبق التنبيه في أوائل هذا الجزء إلى أخذ الشاعر الإنجليزي أندرو مارفيل فيما نرجحه من هذه القصيدة في منظومته المختارة التي يقال لها الحديقة وأحيانًا يقال لها أفكار في حديقة.
The Garden أو The Thoughts in a Garden.
وهذا الأخذ نقول به على سبيل الترجيح لشدة التشابه في مواضع مما يرجح في مثله ألا يكون وقع حافر على حافر وخاطر على خاطر ولكن نتاج روية وتوليد. ولا يلزم من يتنبه لمثل هذا التشابه أن يثبت واسطة الأخذ. فإن قوة شواهد الملابسات مما تصدر عنها الأحكام في قضايا القانون والمحاكم فكيف بقضايا السرقات والأخذ الأدبية التي ليس منها أديب مهما يكن حظه من الأصالة والإبداع بناجٍ وليس بعد فيها قطع يد أو سجن أو تعزير؟
أبو الطيب ونيكلسون:
هذا استطراد دعا إليه ما تقدم من دعوانا أخذ أندرو مار? ـيل وغيره (وقد ذكرنا من قبل وفي رسالتنا المهرجانية أن وليم بلايك William Blake أيضًا منه أخذ
стр. 2080
بل لعله تجاوز الأخذ إلى السرقة) وذلك أن نيكلسون وآخرين من المستشرقين غضوا من قدر أبي الطيب. فما أدري أصنعوا هذا وهم يعلمون مكان الأخذ منه فعمدوا إلى أن يخفوه، أم لمحض الجهل بقدره، وهذا ما أرجحه؛ لأن الذي يكون قد قصد إلى الإخفاء هو الآخذ وهذا المعنى قد وضعه أستاذ النقد والأدب أبو عثمان ﵀.
قال نيكلسون في كتابه عن تاريخ الأدب العربي في الفصل الذي تحدث فيه عن المتنبي (انظر طبعة كمبردج- سنة ١٩٦٦ م ص ٣٠٧ - ٣٠٨) ما ترجمه على وجه التقريب (١) (وكل ترجمة تقريب وإن شاء القارئ الكريم رجع إلى النص الإنجليزي حيث ذكرنا موضعه):
«يقول ابن خلكان أما شعره فهو في النهاية، ولكن الأساتذة الأوربيين باستثناء فون هامر لا يشاركون في هذا الإعجاب المتحمس للمتنبي بشيء، وتشهد بذلك أقوال رايسك ودي ساسي وبوهلين وبروكلمان وغيرهم في هذا الموضوع. ولا ريب أن منزلة المتنبي بحسب قوانين ذوقنا دون منزلة مشاهير الجاهليين بكثير. وينبغي بالنسبة للعصور المتأخرة أن يجعل دون أبي نواس وأبي العتاهية. إن محبي الشعر كما يفهم من مدلول هذا اللفظ في أوروبا لا يمكن أن يجدوا فيما كتبه المتنبي من لذة أو متعة فنية بل على العكس سيتقززون من المحاسن التي يزعمها له النقاد العرب بمثل أو بأكثر مما يتقززون من مساوئه» أ. هـ. أقول ليهن «فون هامر» الانفراد والشذوذ، فإن أكثر الذين ذكرهم نيكلسون ممن يصح أن يدرجوا فيما وصف به الجاحظ أبا عمرو الشيباني في كلمته المشهورة من أهل النقد حيث قال: «وأنا رأيت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في
стр. 2081
المسجد يوم الجمعة أن كلف رجلًا حتى أحضره دواةً وقرطاسًا حتى كتبها له وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرًا أبدًا، ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك لزعمت أن ابنه لا يقول شعرًا أبدًا، وهما قوله:
لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أفظع من ذاك لذل السؤال
وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى والمعاني مطروحة في الطريق إلى آخر ما قاله وأحسبه في الحيوان.
إن يك ما نقول به من أخذ «أندروا مارفيل» و «وليم بلايك» وغيرهما من أبي الطيب صحيحًا وهو إن شاء الله كذلك، فإن الذي اعتمده نيكلسون وقال به من آراء راسيك ودي ساسي وسواهما باطل، منشأ بعضه من الجهل بمعادن أشعار العربية وصحة التذوق لها، وهو أمرٌ اتهم به الجاحظ عددًا من علماء عصره هو أهل الرواية المتمكنين من لغة العرب، فكيف بعلماء المستشرقين وأكثرهم لم يكونوا من جهابذة أهل النقد والذوق في ميادين أشعار لغات أقوامهم وأدبها. هذا ومنشأ بعضه بل أكثره من التحامل والتعصب الديني ودعوى التفوق العنصري. وقول نيكلسون، إنهم -أي النقاد الأوروبيين- يتقززون من محاسن أبي الطيب بله مساوئه، ينضج كما ترى بالسماجة العنصرية أو التعصبية السنخ أو هما معًا. وقد قرن عندهم بين الجاهلين وأبي العتاهية في مجال الموازنة بين المتنبي وغيره من الشعراء. وأبو العتاهية من الجاهليين بعيد كل البعد. لكنه كان ينسب إلى انحراف عن الإسلام. فعل هذا بعض ما قربه من قلوب أهل التعصب. كما يكون قد باعد المتنبي جهارة صوته بمدح الجهاد، وإنحائه على النصارى في غير ما موضع نحو:
وخلي العذارى والبطاريق في الدجى ... وشعث النصارى والقرابين والصلبا
стр. 2082
ونحو:
فخروا لخالقهم سجدا ... ولو لم تغث سجدوا للصلب
ونحو:
هنيئًا لضرب الهام والمجد والعلا ... وراجيك والإسلام أنك سالم
ونحو:
أرى المسلمين مع المشركيـ ... ـن إما خوف وإما رهب
وأنت مع الله في جانب ... قليل الرقاد كثير التعب
كأنك وحدك وحدته ... ودان البرية بابن وأب
وهذه عقيدة النصارى، فقد جعلهم من المشركين- ومثل هذا هم معذورون إن كرهوه ثم زعموا أنهم تقززوا منه، وهو من محاسنه كما لا يخفى. ونحو قوله:
ويستنصران الذي يعبدان ... وعندهما أنه قد صلب
ليدفع ما ناله عنهما ... فيا للرجال لهذا العجب
ونحو قوله في السبي:
تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
وقوله:
فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل
وأما أبو نواس فكالمسلم بزندقته وشعوبيته فهذا يحببه أيضًا إلى من يتعصب من المستشرقين وهم الكثرة. وقد مر بك أنا لا نسلم بهذا الذي كأنه مسلم به في قضية أبي نواس. وقد رزق ﵀ بعد موته حظًّا عند العامة فجعلوه من أهل النوادر وقرنوه بجحا، وعند المجان لما يروى من خلاعته ومجونه، وعند النقاد لجودة شعره الذي يجوده ولكأن الجاحظ قد قارب تقديمه على بشار، وعند أهل
стр. 2083
السنة لانتصاره لمذهبهم على النظام، وعند من ذكرنا من المستشرقين لظنهم انحرافه عن الإسلام والعربية، وعند بعض القوم من المعاصرين إذ عندهم أن هذا مدنيه من التجديد وبذلك عظم أمره عندهم جدًّا. ولله در أبي العلاء إذ يقول:
إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تكرى وإن كذب الخال
أندرو مارفيل وأبو الطيب:
أندرو مارفيل من طبقة الشعراء الإنجليز الذين كان يقال لهم «الميتافيزيقيون» The Metaphysical Poets- أي شعراء ما وراء الطبيعة. وهم طبقة من شعرائهم جمعوا بين مذهب من تعمق الأخيلة والمعاني مع نفس ديني تعبدي أو شبيه بالتعبدي. وقد ولد أندرو مارفيل هذا سنة ١٦٢١ م (١٠٢٩ هـ) ومات سنة ١٦٧٨ م (١٠٨٧ هـ). تخرج من جامعة كمبردج وعمل مع الشاعر الشهير جون ملتون مساعدًا له إذ كان يتولى أحد دواوين دولة أوليفر كرومويل. كان أندرو مارفيل من أصدقاء جون ملتون ومن مناصري ثورة أوليفر كرومويل ومن رجالات السياسة، وكان من أعضاء البرلمان إلى وقت وفاته. واهتم بشعره النقاد المعاصرون كثيرًا، وكان الشاعر الكاتب الناقد ت. س إليوت معجبًا به منبهًا على إحسانه.
أول العهد بمعرفة هذا الشاعر كان في أوائل الأربعين من هذه المائة الميلادية إذ كنا بالمدارس العليا بالخرطوم فاختار لنا أستاذ الإنجليزية من حديقته ومن سيدته الخجول - (بالإنجليزية The Garden و To His Coy Mistress) فبدا، وكنت في تلك الفترة أقرأ شعر العقاد واستحسن، وما زلت، منه غير قليل، أن هذا أي العقاد قد نظر في شعر مارفيل وأضرابه الميتافيزيقيين وأخذ منهم، كقوله مثلًا:
لمن الجمال تعده ... أتعده للناهبينا
أم للذين تسللوا ... ختلا فطوبى للذينا
стр. 2084
ونحو قوله:
ربيع زماننا ولى ... أمن أعطافك النشر
وأنظر لا أرى بدرا ... أأنت الليلة البدر
وإذ الشيء بالشيء يذكر فقد اتفق آنئذ أن قدم العقاد إلى الخرطوم. وكان ﵀ كالمنفرد بين أكثر مفكري العرب ومثقفيهم المعدودين بكراهية هتلر وموسوليني ودكتاتوريتهما صريحا في مدح الديمقراطية وذم كل حكم مطلق. فكان بعض من لا يعلم صدقه وأصالته في ما كان يقول به يتهمه بما لا يجوز في حق مثله. ولم يخل العقاد ﵀ حين قدم الخرطوم من استشعار تهيب لحرارة جوها وما كان يغلب على فهم أكثر الناس في بلاد العربية أن ثم توحشًا أو وحوشًا. وقد حمد العقاد أيامهم القليلة التي أقام بها إذ وجد حوله نخبة من الأدباء رواة شعره يحفظونه ويتغنون به ويفهمون معانيه فسره ذلك سرورًا عظيمًا.
هذا وكأخذ العقاد ما أخذه -إن كان قد فعل ذلك- من أندرو مار? ـيل وغيره من الميتافيزيقين وسواهم من شعراء الإنجليز، أخذ أندرو مار? ـيل وآخرون غيره من المتنبي ومن شعراء العرب، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وإلى الله المصير.
كلمة أندرو مارفيل التي عنوانها الحديقة The Garden أو أفكار في حديقة Thoughts in a Garden نصها كما يلي، -وهو هنا مأخوذ من المختارات التي يقال لها الخزينة الذهبية The Golden Treasury ورقمها ثم ١١١ ص ٩٢ من طبعة مطبعة جامعة أكسفورد سنة ١٩٦٤ وروجع على نص كتاب أكسفورد لشعراء القرن السابع عشر طبعة ١٩٦٨ م ص ٧٥١:
стр. 2085
THOUGHTS IN A GARDEN
How vainly men themselves amaze
To win the palmi the oaki or bays,
And their incessant labours see
Crown'd from some single herb or tree,
Whose short and narrow-verged shade
Does prudently their toils upbraid;
While all the flowers and trees do close
To weave the garlands of Repose.
Fair Quiet, have I found thee here,
And Innocence thy sister dear?
Mistaken long, I sought you then
In busy companies of men;
Your sacred plansi if here below,
Only among the plants will grow;
Society is all but rude
Tot this delicious solitude.
No white nor red was ever seen
So amorous as this lovely green.
Fond loversi cruel as their flame,
Cut in these trees their mistress' name;
Little, alas, they know or heed
How far these beauties her exceed!
стр. 2086
Fair trees! Whereso'er your barks I wound,
No name shall but your own be found.
When we have run our passion's heat
Love hither makes his best retreat;
The gods, who mortal beauty chase,
Still in a tree did end their race;
Apollo hunted Daphne so
Only that she might laurel grow;
And Pan did after Syrinx speed
Not as a nymph, but for a reed.
What wondrous life is this I lead!
Ripe apples drop about my head;
The luscius clusters of the vine
Upon my mouth do crush their wine;
The nectarine and curious peach
Into my hands themselves do reach;
Stumbling on melons, as I pass,
Ensnared with flowersi I fall on grass,
Meanwhile the mind from pleasure less
Withdraws into its happiness;
The mind, that ocean where each kind
Does straight its own resemblance find;
Yet it createsi transcending these,
стр. 2087
Far other worlds, and other seas;
Annihilating all that's made
To a green thought in a green shade.
Here at the fountain's sliding foot
Or at some fruit-tree's mossy root,
Casting the body's vest aside
My soul into the boughs does glide;
There, like a bird it sists and sings,
Then whets and claps its silver wings,
And, till prepared for longer flight,
Waves in its plumes the various light
Such was that happy Garden-state
While man thre walk'd without a mate:
After a place so pure and sweet,
What other help could yet be meet!
But 'twas beyond a mortal's share
To wander solitary there:
Two paradises 'twere in one,
To live in Paradise alone.
How well the skilful gardener drew
Of flowers and herbs this dial new!
Where, from above, the milder sun
Does through a fragrant zodiac run:
And, as it works, th' industrious bee
стр. 2088
Computes its time as well as we.
How could such sweet and wholesome hours
Be reckon'd, but with herbs and flowers!
A. Marvell
في بعض نسخ هذه المنظومة اختلاف يسير عما ههنا، مثلًا في إحداها Annihilating all that is made مكان: that's made.
كما أنه في طريقة الرسم أحيانًا اختلاف. على أن ذلك كله ليس بالخلاف الكبير كما تقدم. وفيما يلي تقريب لمعنى هذا النص، وقد تعلم مقال الجاحظ أن ترجمة الشعر مما لا يستطاع، وإن يك في قوله أن شعر الأمم الأعجمية غير داخل في حقيقة الشعر عند العرب:
ضلة للناس يوقعون أنفسهم في لبس شديد
ليكسبوا ورقة بلوط أو غصن غار أو جائزة جريد
وليشاهدوا تدأبهم الملح من غير نظرة
له إكليل من عشبة ما أو شجرة
ظلها المحرف الدقيق وليس بممدود
يلومهم بحكمةٍ بالغة على ذلك المجهود
على حين قد أطبقت الزهرات كلها والشجرات
ألا ينسجن إلا للراحة القلادات
يأيها الهدوء الجميل، هل حقًّا أنا
وجدتك مع السذاجة، أختك الحبيبة ههنا؟
قد طالما أخطأت لما كان مني الطلب
стр. 2089
للقائكما بين الجماعات ذات الصخب
لو غرسكما المقدس هنا في الأرض لا في السماء
لم يكن له إلا بين صنوف النبات من نماء
ما هي إلا شيء فظ كل الصحبة
بالنسبة إلى هذه الوحدة العذبة
إنه لم ير يومًا لون أبيض أو أحمر
يرمز إلى العشق كهذا الحلو الأخضر
أهل الغرام العشاق قساة مثل لهيب ضرامه
إذ ينحت كل منهم في الشجر اسم فتاة أحلامه
قلما يا للأسف يفطن أحدهم أو يعلم
أن حسن هؤلاء من حسنها أعظم
فيأيتها الشجرات الحسان لو أبدًا أتيح لي جرح لحائكنه
فلن يوجد ثم فيه من اسم غير أسمائكنه
ومتى تجاوزنا حرارة لوعة الهوى
وجد الحب خير ما يرجع إليه ههنا فأوى
ومن الآلهة من ازدهاهم جمال البشر الفان
فانتهت عند شجرة مطاردتهم للغوان
أبولو إذ اشتد وراء دافني بإصرار
ما فعل ذلك إلا لتتحول شجرة غار
وبان لم يعد وراء سرنجة بإسراع
من أجل الحورية نفسها ولكن من أجل اليراع
ما أعجب هذه الحياة التي أحياها
стр. 2090
التفاحة الناضجة حول رأسي يساقط جناها
وعناقيد العنب اللذيذ
تعصر في فمي منها النبيذ
وضروب من الدراق مع الخوخ العجب
تمد بأنفسها إلى يدي من كثب
وأعثر بالبطيخ في أثناء المرور
فأسقط على الحشيش من شرك الزهور
وبينما أنا كذلك ينصرف العقل من سرورٍ هو أدنى
إلى سعادة نفسه التي هي أسنى
العقل ذلك البحر الذي كل نوع فيه
يجد مباشرة ما هو به شبيه
لكنه يخلق فيتجاوز كل هذا المقدار
ضروبًا من دنياوات مختلفات عنه وبحار
مفنيًّا كل شيء مصنوع مصور
عند فكرة خضراء في ظل أخضر
هنا عند قاعدة النافورة المنحدرة
عند أصل فاكهة أعالي جذورها خضرة
تنزع الروح جانبًا قميص الأبدان
ثم تنساب فيما بين الأفنان
وهناك مثل الطائر تجلس وتصفر
وتمسح أجنحتها الفضية وتنقر
وحتى تستعد وإلى طيران أبعد تجمع
стр. 2091
تظل تموج في ريشها الضوء المتنوع
هكذا كانت تلك الجنة من بهجة
إذ كان آدم يهيم فيها بلا زوجة
وبعد هذا المكان الحلو الصاف
ماذا يراد أن يلفى من إسعاف
كلف فوق وسعه ابن آدم الضعيف
أن يكون وحده هنالك يطيف
وإذن لأصاب جنتين في جنة
لو قد بقي في الفردوس بلاكنة
ثم ما أبدع ما خط البستاني الماهر
هذه المزولة الجديدة من عشب وأزاهر
حيث من فوقها الشمس معتدلة المزاج
تجري في فلك عطر الأبراج
والنحلة المجتهدة إذ هي تعمل
تحسب مدات وقتها تمامًا كما نحن نفعل
هل ما هو هكذا عطر ونقيٌّ من الساعات
يستطاع حسابه إلا بالعشب الزاكي والزهرات؟
حديثه عن دافني وأبولو يشير به إلى الأسطورة اليونانية القديمة التي تزعم أن أبولو -وهو من ألهتهم- قد شغفته دافني، وكانت بارعة الجمال، حبًا فعدا يطلبها وولت منه هربًا، حتى إذ اأدركها أو كاد ما أنجاها منه إلا أن تحولت شجرة غار. فصارت أحب النبات إليه فيما ذكروا. وأما بان فكان في ما زعموا إله المرعى وكانوا يصورونه بساقي تيس ولحيته وقرنيه، فأعجبته سرنجة فعدا يطلبها فاختفت
стр. 2092
في قصباء فصارت قصبة فأخذها بان واتخذ منها نايًا. والكنة بفتح الكاف وتشديد النون الزوجة وكذلك الحنة بالحاء المهملة، وقد مر بك قول المعري في درعياته:
فحن إلى المكارم والمعالي ... ولا تثقل مطاك بعبء حنة
نظم أندرو مارفيل هذه الكلمة الحسنة أول شيء باللاتينية ثم بالإنجليزية ويذكر شراحه أن آخر سطرين من القسم الثامن من المنظومة، وأقسامها تسعة، لم يكونا في نصه اللاتيني. ومهما يكن من شيء، فدلالة ذلك على الصناعة ظاهرة، ونتساءل هل كان أندرو مارفيل يعلم شيئًا من العربية يقوى به على قراءة مشهورات دواوينها كديوان أبي الطيب وأبي تمام والمعري؟ أو هل اطلع على ترجمات لاتينية أو فرنسية أو إنجليزية لأشعار هؤلاء الثلاثة وغيرهم من مشهوري شعراء العرب كأصحاب المعلقات مثلًا؟ أو هل أتيح له أن يأخذ ممن له علم بها؟
والذي يدعونا إلى هذا التساؤل هو أن هذه الكلمة من شعر أندرو مارفيل -وغيرها من شعره- تحمل ألوان شبه قوية بشعر أبي الطيب خاصة ثم بشعر المعري وأبي تمام وعنترة وغيرهم مما لا تطمئن معه النفس إلى أن هذا توارد خواطر ووقوع حافر على حافر (١).
قول مارفيل في القسم الأول يسخر من اجتهاد الناس ودأبهم الموصول ليكسبوا جوائز من جريد النخل وهو رمز النصر في ما زعمه شراح هذه القصيدة وورق بلوط وهو رمز الرياسة والسلطان وأغصان الغار وهي رمز الشعراء، فيه روح كتشاؤم المعري إذ يقول:
تعب هذه الحياة فما أعـ ... ـجب إلا من راغبٍ في ازدياد
стр. 2093
إلا أن جانب خفة الروح والفكاهة أقوى عند مارفيل من ثقل التشاؤم الذي في بيت أبي العلاء هذا.
وقول أندرو مارفيل في القسم الثاني أن الصحبة وخلاط الناس شيء فيه فظاظة وغلظ بالنسبة إلى الوحدة وعذوبتها ونقائها فيه روح كقول أبي العلاء.
ذريني وكتبي والرياض ووحدتي ... أكون كوحشي بإحدى الأمالس
يسوف أزهار الربيع تعلة ... ويأمن في البيداء شر المجالس
وقول مارفيل في الوحدة من مأثور كلامه ومشهوره.
ارتباط الوحدة بالزهر والنبات وصلة الراحة، راحة الانفراد والبعد من صخب الناس، بالرياض والخضرة، عند مارفيل شديد الشبه بارتباطهما عند المعري في بيتيه هذين.
وحديث مارفيل عن الشمس المعتدلة المزاج لما يحيط بضوئها والمألوف من وهجها من زهر وأعشاب، كأنما أخذ أخذًا من قول أبي تمام:
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
ههنا ما هو أقرب إلى التوليد منه إلى وقع الحافر على الحافر؛ لأن مارفيل في قوله:
هذه المزولة الجديدة من عشب وأزاهر
حيث من فوقها الشمس معتدلة المزاح
تجري في فلك عطر الأبراج
يعلل اعتدال مزاج الشمس بما قدمنا ذكره من إحاطة الزهر والنبت بضوئها ثم يفرع من ذلك أنها صارت تجري في فلك عطر- طريقة سياق الصورة ههنا ينبئ
стр. 2094
بروح متخد نموذجه وصف أبي تمام، وإلا فإن هذا يكون من غرائب اتفاق الخواطر، لتجاوزه عموم فكرة، وإجمالها إلى تفصيل دقيق.
ومما يقوي عندنا زيادة احتمال أن يكون مارفيل قد اطلع على كلام أبي تمام مباشرة أو من طريق غير مباشر (١) قوله:
عند فكرة خضراء في ظل أخضر
فهذه فيها شبه خفي الصنعة لقول أبي تمام:
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
زهر الربا هذا الذي يشوب ضوء الشمس ظل أخضر، وهو الذي سبب اعتدال مزاجها.
مع هذا لقائل إن يلزم قولًا بأن ههنا مجرد اتفاق خواطر على قوة الشبه وتجاوزه محض العموم إلى نوع تدقيق وتفصيل.
وفي القسم الأخير أيضًا وصف مارفيل للنحلة المجتهدة، وذلك حيث يقول:
والنحلة المجتهدة إذ هي تعمل
تحسب مدات وقتها تمامًا كما نحن نفعل
أهذا مأخوذ من قول عنترة؟
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
стр. 2095
الذباب مما يطلق على النحل والزنابير. وقال المثقب:
وتسمع للذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الوكون
قيل فيه أن الذباب هو حد نابها وقيل هو ذباب الرياض كما قال عنترة، وفي شرح ابن الأنباري إن هذين القولين كليهما مرويان عن الأصمعي. ومما روى الجاحظ أن إعرابيًّا دخل على الفضل بن سهل فوجد عنده إناء فيه عسل فيه نحلات غريقات وإنما جيء بذلك ليراه لأنه كان قد طلب طعامًا يصنع بعسل، فظن الأعرابي إن ذلك من ذباب الوحوش فاستقذره وكان دار في حديث مجلس ذلك الأمير أمر أكل العرب الضب فعابه، قالوا فقال الأعرابي:
وعلج يذم الضب لؤمًا وبطنةً ... وبعض طعام العلج هام ذباب
ومع هذا بيت آخر نضرب عن ذكره.
وصف عنترة هذا مما نبه الجاحظ على جودته وإنه من التشبيهات العقم، فلا تستبعد أن يصل ذرء من ذلك من سبيل ترجمة كلا من الجاحظ أو كلام الناقلين عنه وما أكثرهم إلى شيء مما اطلع عليه مارفيل مترجمًا أو منقولًا. والشبه قوي بين طريقة صفة عنترة للذبابة وحكها ذرعًا بذراع وأنها طربة للروضة بخصبها وعطرها (لا ننس أن عنترة إنما جاء بنعت الروضة ليوضح ويقوي به معنى طيب أنفاس عبلة وإنها كفارة تاجر أو روضة أنف) وطريقة وصف مارفيل لاجتهاد النحلة وعدها ساعاتها بمزولة عطرة في روضة عطرة. وإنما تعد ساعاتها بحركة ذراعيها كما نعد نحن الساعات بحركة ذراع المزولة ههنا فكرة قول عنترة: «هزجًا وغردًا يحك ذراعًا بذراع» ثم في كلام مارفيل من معدن كلام عنترة قوله:
هل ما هو عطر ونقى هكذا من الساعات
يستطاع حسابه إلا بالعشب الزاكي والزهرات؟
стр. 2096
إذ يذكر عنترة في صفته روضته الأنف إنها تضمن نبتها:
غيث قليل الدمن ليس بمعلم
أي نقي لا دمن فيه، وقليل هنا تفيد النفي.
مع هذا قد لا يدع قائل قوله إن كل هذا مجرد اتفاق، إذ معدن البشر واحد فخواطرهم مما تتفق.
على أن الأخذ من بعيد أو قريب لا بد أن يجزم به في القسمين السادس والسابع أنه من كلام الفلاسفة. وقد ادعى لمارفيل وأصحابه إنهم شعراء فلسفيون وسموا من أجل ذلك ميتافيزيقين -أي وراء الطبيعة- Metaphysical Poets كما يعلم القارئ الكريم أصلحه الله. وإن يكن قوله اللذات التي هي أدنى واللذات الفكرية التي هي أسمى، كل ذلك مأخوذ من مذاهب السعادة واللذة عند مدارس ما بعد أرسطو من فلاسفة يونان فإن تصوير الروح تصويرًا شعريًّا بالطائر من مشهور مانعتها به ابن سينا حيث قال:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
وهو مطلع عينيته المشهورة في الروح. وابن سينا كان من أعلام الفلسفة المعروفين في أوروبا القرون الوسطى وعصور النهضة وما بعد ذلك. وأندرو مارفيل لم يكن من آخذي الفلسفة عن سماع مجالسي عابر ولكن كان من أعمق أهل عصره ثقافة وكان في فرنسا وإنجلترا وغيرهما في كبريات الجامعات كراسي لدرس العربية وما كان هو بحكم تمكنه الثقافي عن كل ذلك بمعزل.
وإن يكن مارفيل أخذ من ابن سينا مباشرة أو كالمباشرة -أي من طريق ترجمة عينيته مثلًا- أفتستبعد أن يكون وقف في الاطلاع على مترجمات العربية والفارسية - (وفيها أخذ من شعر كبار شعراء العربية كثير) - عند ابن سينا وابن
стр. 2097
رشد والفلاسفة وحدهم؟ فكيف نفسر إذن إقدام الاستشراق في القرن السابع عشر بعد وفاة مارفيل بحين غير جد طويل على ترجمة الحماسة ونشر المقامات وهلم جرا؟ هل يعقل أن هذا الإنتاج الكبير كأنما هو انفجار فكري لم تسبقه إرهاصات ترهص به على زمان مارفيل، وخاصة أن تذكرنا أن القرن الخامس عشر والرابع عشر قبله والثالث عشر كل أولئك كان الأخذ فيهن عن العربية طريقًا مطروقًا وبه قامت الحركة المسماة بالنهضة؟ -ثم إن هذا باب واسع فلا ينبغي أن نطيل فيه- ونعوذ بالله من مثل قضية المتنبي حيث قال وضمنه معنى من معاني الاستعاذة:
أرى الأجداد يغلبها كثيرًا ... على الأولاد أخلاق اللئام
ولست بقانع من كل مجدٍ ... بأن أعزى إلى جد همام
عجبت لمن له حد وقد ... وينبو نبوة القضم الكهام
على أنه، حتى بعد هذا كله، قد يأبى القائل إلا أن هذا كله اتفاق خواطر، ووقوع حافر على حافر، إذ مذاهب الفلاسفة ميراث للبشر مشترك. وقد ادعى الحاتمي في القرن الرابع أن أبا الطيب قد أخذ حكمته من أرسطوطاليس وافتتن الدكتور زكي مبارك ﵀ على حذقه بمقالة الحاتمي، وليس مع ذلك ما قاله الحاتمي بكبير شيء. وأغرب أحد المعاصرين فزعم أن أبا العلاء أخذ غفرانه من ضفادع أرسطفان الكوميدي اليوناني، وذلك لأن أرسطوفان جاء في ضفادعه بشاعر قد هلك فأقاله شعرًا وتناوله بالنقد. وطريقة أرسطوفان من طريقة أبي العلاء -في هذا الذي نقلوه من نظمه بلغات العصر وذكره نقاده وشراحه- بعيدة جدًّا. وقد كان المجيء بشاعر حديث عهد الوفاة في الكوميديا مذهبًا ليحاكي الكوميدي أساليبه بغرض السخرية من أشياء معاصرة، لا بغرض نقده أو محض الإمتاع الأدبي بالرجعة إلى الأدب القديم والنظر فيه.
مع هذا، مع تقدير التسليم جدلًا بأن بين مذهب أرسطوفان ومذهب أبي
стр. 2098
العلاء تشابهًا، فأبو العلاء إنما أخذ من مصادره الأصلية. ولم يكن أول من أخذ منها على سبيل الافتتان في التخيل. ولو نظر صاحب هذه المقالة في كتاب الموشح للمرزباني وهو من متداولات «الأطاريح (١)» لوجد فيه أن أحد أعراب زمان جيل نحاة الكتاب قد عاده جماعة ممن يأخذون الشواهد عنه في مرض ألم به، فسخر منهم في سياق خبر زعم به أنه اطلع على أهل النار فوجد أكثر النحاة هناك. ولا ريب أنه أخذ من آيات الصافات: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ الآيات. وفي سورة الأعراف قصة نداء أصحاب الجنة أصحاب النار ثم خبر أصحاب الأعراف وحديثهم ثم نداء أصحاب النار أصحاب الجنة -ومشاهد الجنة والنار في القرآن عدد. وفي حديث المعراج قصص ومشاهد مفصلة وقد نبه بعض جهابذة نقاد أوروبا على أن دانتي أخذ منها، فأن يأخذ أدباء المسلمون من معينها أولى والأخذ منها بين أدباء المسلمين كثير متواتر منذ زمان الوعاظ والقصاص. ورسالة التوهم للحارث بن أسد المحاسبي من رجال القرن الثالث نص ثابت في هذا المعنى. وأخبار الجن مما روى الإخباريون والشعراء غير بعيدة في وادي التخيل من تصور مشاهد الآخرة؛ لأنها ذات عنصر غيبي. وقد أخذ المعري منها كما أخذ ابن شهيد الأندلسي وقصص الجن في كلتا رسالتيها مذكور وأمر التشابه بين ابن شهيد وأبي العلاء مقطوع به من حيث أن كليهما بني قصته على التوهم والخيال. وقد طال هذا الاستطراد فنعود إلى ما كنا فيه، وبالله التوفيق.
أول ما لفت نظري من أمر الشبه بين كلام مارفيل ونونية أبي الطيب «مغاني الشعب طيبًا في المغاني» - قول هذا ما ترجمته فيما قدمنا:
عناقيد العنب اللذيذ
стр. 2099
تعصر في فمي منها النبيذ
وضروب من الدراق مع الخوخ العجب
تمد بأنفسها إلى يدي من كثب
هذا شديد الشبه جدًّا يقول أبي الطيب:
لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني
كلام أبي الطيب مصور بارع التصوير، قوي العبارة، موجز، أخاذ، مذهل، إن يك الشاعر مارفيل قد أصاب ذرء ترجمة منه -أو اطلع عليه إن كان له علم بالعربية (وليس ذلك مما نستبعده) - فقد أخذ كلامه منه. قوة الشبه ههنا أبعد غورًا من مجرد توافق الخواطر.
وأعدت قراءة حديقة مارفيل -فلفت نظري معنى آخر، وهو أيضًا عند أبي الطيب في هذه النونية- معنى فراق آدم للجنة، وقد جعله مارفيل بسبب المرأة حيث قال في القسم الذي قبل خاتمة منظومته وهو الثامن:
هكذا كانت حال تلك الجنة من بهجة
إذ كان آدم يهيم فيها بلا زوجة
وبعد هذا المكان الحلو الصاف
ماذا يراد أن يلفي من إسعاف
كلف فوق وسعه ابن آدم الضعيف
أن يكون وحده ثم يطيف
وإذن لأصاب جنتين في جنة
لو بقي في الفردوس بلا كنة
стр. 2100
وقول أبي الطيب الذي هذا من مقال أندرو مارفيل يشبهه هو:
يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
ههنا عند أبي الطيب الإيجاز وإصابة كبد المعنى والحكمة والتأمل، كل أولئك معًا، المعنى الذي عند الشاعرين كليهما إنساني قديم وثيق الارتباط بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن جميعًا، فادعاء أن يكون شاعر نصراني أخذه من مسلم أو العكس، من حيث هو معنى، أمر لا نقول به، ولكن قوة الشبه في طريقة الأداء، بحيث يبدو كلام مارفيل كأنما هو بسط وشرح، لا لقضية خروج آدم من الجنة وهو المعنى الديني، ولكن لبيتي أبي الطيب هذين والمعنى المتضمن فيهما. ولكأنه قد اطلع عليها في قوة عبارتهما وإيجازها وما تضمنته من الحكمة ومن روح التأمل الساخر، فعمد إلى بسط ذلك والافتنان في تفسيره. تأمل قوله:
After a place so pure and sweet
What other help could yet be meet?
وترجمناه بقولنا:
وبعد هذا المكان الحلو الصاف
ماذا يراد أن يلفى من إسعاف؟
والمكان الحلو الصاف هو الجنة. والسؤال الذي سأله مارفيل، مع الصفة التي وصف به الجنة هو عين سؤال أبي الطيب الذي افتن فيه فجعله على لسان حصانه حيث قال:
يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان
стр. 2101
وقول مارفيل:
But it was beyond a mortal's share
To wander solitary there.
أي، كما ترجمنا:
كلف فوق وسعه ابن آدم الضعيف
أن يكون وحده هنالك يطيف
وهنالك أي في الجنة- هذا هو بعينه قول أبي الطيب:
أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان
قوله سن المعاصي أي جعلها سنة في كل الآدميين- وهذا بسطه مارفيل في قوله:
كلف فوق وسعه إلخ أو كما قاله:
وقول مارفيل في أول هذا القسم الثامن:
Such was the happy garden-state
When man there walked without a mate
أي، على وجه التقريب، كما مر:
هكذا كانت حال تلك الجنة من بهجة
إذ كان آدم يهيم فيها بلا زوجة
ليس بزائد على مضمون بيتي أبي الطيب، ولكنه بسط وشرح لقوله: «أعن هذا» وأبي اسم الإشارة إلا أن يجد لنفسه صدى في عبارة أندرو مارفيل such was وبقيت في عبارة أبي الطيب زيادة هي قوله: «إلى الطعان»؟ - ولم يذكر أبو الطيب الزوجة تصريحًا ولكنها مضمنة تضمينًا كالتصريح في قوله «سن المعاصي» لأن
стр. 2102
عصيان آدم وحواء هو الذي أبدى لهما سوءاتهما وجر عليهما الهبط- (قال المعري يذكر خروجه عن بغداد وكان بعد إذ سار عنها مما يذكر حنينًا إليها:
وما سار بي إلا الذي غر آدما ... وحواء حتى أدرك الشرف الهبط
يشير إلى قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ والهبط بفتح فسكون كالهبوط).
مزيد من تأمل حديقة مارفيل يرينا أنه هناك سوى هذين المعنيين: «لها ثمر تشير إليك منه إلخ» و «يقول بشعب بوان حصاني إلى قوله مفارقة الحنان» معانٍ أخر كثيرات مشتركة اشتراكًا يرجح بالذي نزعمه من أن مارفيل حاكى أبا الطيب رجحانًا على كل شك حتى لقد يصل به إلى جزم ويقين.
أول قصيدة أبي الطيب:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان
طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحران
فيه مدح الشعب بالبهجة الفائقة. ثم انفراد أبي الطيب مع هذه البهجة وغربته التامة عمن حوله إلا عن هذا الشعب ثم كون هذا الشعب عالمًا مسحورًا إنما هو كملاعب جنة يعيا بها سليمان ثم حتى الخيل والفرسان الذين معه قد ذابوا في الشعب وازدهاهم فكما انفرد عنهم أبو الطيب كذلك انفرد كل منهم عنه، وكذلك الخيل حتى هي قد انفرد كل منها عن فارسه، وهذه حالة يخاف معها الحران ومع الحران يكون سقوط الفارس عن فرسه -والأبيات كلها يهيمن عليها معنى التعجب الذي عبر عنه «بملاعب جنة» ومعه الإعجاب- ومع ذلك الوحدة اللذيذة التي يخاف
стр. 2103
معها الحران والغربة التي لا ريب يخالطها شعور من الحزن في قوله «ولكن الفتى العربي فيها- البيت».
أول وصف مارفيل للحديقة عبر فيه تعبيرا مباشرًا عن التعجب والإعجاب:
ما أعجب هذه الحياة التي أحياها
ليكن هذا توارد خاطر مع الخاطرين اللذين تقدما فصارت ثلاثة خواطر -ثم الحران الذي خافه أبو الطيب، أليس هذا يشبه عثور مارفيل بالبطيخ وسقوطه على الحشيش بسبب الشرك الذي نصبته له الأزهار- ثم هذا الشرك الذي نصبته الأزهار أليس يشبه قول أبي الطيب: «طبت فرساننا والخيل إلخ» - أبو الطيب لقوة شعوره بسحر الشعب نسب مثله إلى من كانوا معه ولو قال طبتني وطبت حصاني لكان التعبير أضعفن إذ قوله «فرساننا» فيه دلالة على أن طبيعتهم الصرامة ومع ذلك طباهم شرك سحر الشعب وازدهاهم، ومراد أبي الطيب نفسه؛ لأنه أول انطباعة انطبعها الشعب في نفسه أنه جميل جدًّا بمنزلة الربيع من الزمان ولكنه من أجل شذوذه عن الذين معه غريب وجهًا ويدًا ولسانًا فهذا أشد لحزمه وصرامة نفسه، مع هذا طباه الشعب بشرك سحره فلها عن هذه الصرامة بجمان الأغصان ودنانير الضوء وأشربة الفواكه التي تشير بها إليه.
هنا خاطران آخران متفقان، مع ما يغشى ذلك من غشاوات الخفاء- شرك جمال طبيعة الخضرة والنبات والرياض ومعنى العثور والحران والسقوط- فهذه خمسة خواطر.
ثم يقول أبو الطيب:
غدونا تنفض الأغصان فيها ... على أعرافها مثل الجمان
والجمان من معانيه اللؤلؤ تصنع من الفضة. ليس في حديقة
стр. 2104
مارفيل حصان ومعرفة حصان، ولكن فيه طائر ينفض جناحه الفضي في الأغصان، وهو الروح التي شبها الشاعر بطائر في القسم السابع.
وهناك مثل الطائر تجلس وتصفر
وتمسح أجنحتها الفضية وتنقر
وإنما يكون جناح الطائر فضيًّا بسبب ما تنفضه الأغصان عليه من القطرات التي يلمع عليها الضوء- فهنا خاطر متفق، ولعلك أيها القارئ الكريم لحرصك على قطع كل سبب للشك أن تقول إننا لم نصب حقيقة هذا الخاطر بيسر ولكن بعد كد منا وعمل. وهذا لا يقدح في الذي صنعناه؛ لأن الشاعر عندما يأخذ متأثرًا بشاعر آخر، ربما تعمد الإخفاء، وربما وقع له الإخفاء ناشئًا من نفس طبيعة الأخذ والتوليد وقدرة الملكة التي هي عنده. مع هذا إننا لم نصل إلى حقيقة هذا الخاطر بتعمل وتكلف. فإن مارفيل قد جعل طائر روحه «ينساب بين الأفنان» فلن تسلم أجنحته من قطرها. ثم قد جعل طائره يموج ريشه في الضوء المتنوع- فهذا يظهر لون القطرات التي يصير بها جناحه فضيًّا.
وقوله «تموج في ريشها الضوء المتنوع» أي الروح التي صارت طائرًا، قد نشر فيه الجناح الفضي فظهرت ريشاته بأضواء متنوعة -هذا شبيه بقول أبي الطيب:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرًا تفر من البنان
كلمتا مارفيل The various light - الضوء المتنوع- هما تعبير يحمل نفس دلالة حركة الأضواء المستديرة السريعة التي تنفلت على الثياب انفلاتًا وهن متتابعات ومتلاحقات- هذا أيضًا خاطر، وبالتنبه إليه يتضح الخاطر الذي أشرنا إليه قبله- فصارت الخواطر سبعة.
стр. 2105
وقبل قول أبي الطيب «وألقى السرق إلخ» قوله في الأغصان:
فقمن بما يرد الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
فهذا هو عين معنى اعتدال مزاج الشمس الذي في قول مارفيل بحسب ترجمتنا التقريبية له في القسم التاسع:
حيث من فوقها الشمس معتدلة المزاج
أي من فوق الأزهار والأعشاب. فهذا خاطر ثامن.
وقد سبق أن قلنا أن هذا الخاطر متفق مع قول أبي تمام:
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
وهو كذلك. ولكن عندنا أن مارفيل تتبع معاني أبي الطيب ثم ضم إليها معاني غيره على سبيل التحسين والتجويد. وقد ذكرنا أنه نظم حديقته أولًا باللاتينية ثم بالإنجليزية والتوفر على الصنعة والتجويد والتوليد مع هذا مما لا يستبعد بل هذا دال أقوى دلاله عليه. ثم إن أبا الطيب قد نظر إلى معاني أبي تمام ولد منها فكون أبي تمام أصلًا لا ينفى أن أبا الطيب قد جود وأبدع. وكون أبي الطيب أصلًا لمارفيل لا ينفى عن هذا ما قد أصابه من إحسان، ولكن تتبعه لأداء أبي الطيب ومعانيه وأخيلته شديد ملح. قد صارت الخواطر الآن ثمانية.
هذا وأخذ مارفيل معنى الضوء المعتدل من نونية أبي الطيب يرجح ما ذهبنا إليه أولًا من نظره إلى أبي تمام- وقد ترك أبو تمام طابعه في الأزاهر والأعشاب لأن اعتدال شمس أبي الطيب إنما كان بسبب أغصان الشجر، لكن اعتدال شمس أبي تمام من أجل اختلاط ضوء الشمس بزهر الربا- هذا المعنى هو الذي احتفظ به مارفيل بعد تلفيق الصورتين.