← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

البرق الذي كالمخاريق هو الشديد اللمع ذو التعاريج والهول الهائل. تكركره نجدية وتمده ... مسفسفة فوق التراب معوج أي تجره ريح نجدية وتردده- معوج سريعة المر. له هيدبٌ يعلو الشراج وهيدبٌ ... مسفٌّ بأذناب التلاع خلوج أي له أطراف فوق طرائق الحجارة السود وأطراف فوق مسايل الماء والأماكن المنخفضة. ضفادعه غرقى رواءٌ كأنها ... قيان شروب رجعهن نشيج ثم سالت السيول. لكل مسيل من تهامة بعدما ... تقطع أقران السحاب عجيج كأن ثقال المزن بين تضارعٍ ... وشابة بركٌ من جذام لبيج أي إبل ضاربات الأرض بأجرنتهن. فذلك سقيا أم عمرو وإنني ... بما بذلت من سيبها لبهيج وقد كنا وعدنا أن نذكر باب الخروج منفردًا وما يفتن فيه الشعراء من أساليب الوصف عنده. وفي الذي تقدم، وفي الذي يلي إن شاء الله عندما نذكر طرق الربط والتخلص وما هو من هذا المجرى من مذاهب الشعراء ما عسى أن يغني عن الإفاضة فيه، إذ نخشى ما يكون مع ذلك من الإطالة اللازمة؛ لأن استطراد الشعراء بضروب الأوصاف في باب الخروج كثير- بل هو طريقهم الذي يندر أن يسلكوا غيره. وذلك لأن الوصف من مقاصد الشعر كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارًا.

стр. 2032

وقال كعب بن زهير في خروجه من النسيب عندما صار إلى صفة ناقته فنعتها نعتًا محضًا في أربعة عشر بيتًا من نحو قوله: غلباء وجناء عكلوم مذكرة ... في دفها سعةٌ قدامها ميل حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل ثم عمد إلى التشبيه المخالط للقصص في البيت الخامس عشر فما بعده: كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل القور الجبال الصغار واحدها قار والعساقيل السراب- أي وقد لبست التلال وصغار الجبال أكسية السراب. يومًا يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول مصطخدًا أي مصطليًّا بحر الشمس. وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا أي قال لهم قيلوا في ساعة اشتداد الحر. ورق الجنادب أي الجنادب الورق أي الرماديات الألوان. شد النهار ذراع عيطلٍ نصفٍ ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل أي كأن أوب ذراعي هذه الناقة أي رجع ذراعيها، كأنه رجع ذراعي امرأة عيطل أي طويل عنقها وهي طويلة حسنة الجسم. وجعلها نصفًا لأنه ههنا يعنيه أمر نضجها ونشاطها في النوح لشدة مصابها -هي ثكلى ومعها نكد مثاكيل- لم يعطهن من وصف غير أنهن مشؤمات منكودات، وهي أصبحهن وجهًا وأرفعهن قامة وأحدثهن فجعًا. نواحة رخوة الضبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول

стр. 2033

أي جنت لهزل المصيبة أو كأم جنت. معقول أي عقل. تفري اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن ... تراقيها رعابيل وازن بين هذه الصورة وصور ضروب الحسان اللاتي مرت أوصافهن من قبل- ثم رجع كعب إلى وصف الناقة وكنى بها عن نفسه إذ قال: تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يابن أبي سلمى لمقتول وأم البكر الثكلى النائحة كثيرة في شعر هذيل- مثلًا قول عبد مناف بن ربع يذكر نائحتين يخصهما ويذكر النائحات عامة: ماذا يغير ابنتي ربع عويلها ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبا ... من بطن حلية لا رطبًا ولا نقدا إذا تجرد نوحٌ قامتا معه ... ضربًا أليمًا بسبب يعلج الجسدا قوله كلتاهما إلخ هذا كقول عنترة في ناقته: بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم أي لصدرها صوت كصوت القصب الذي يزمر به وهاتان النائحتان كأن في أحشائها قصب زامر. وقوله إذا تجرد نوح بفتح النون وسكون الواو أي إذ كشفن صدورهن للنوح والنوح مصدر والنوح هنا جماعة النائحات كقولهم السفر بفتح فسكون لجماعة المسافرين والتجر بفتح فسكون الجماعة التجار. والسبت بكسر السين هو الجلد وعني به النعال يضربن بها صدورهن مبالغة في إظهار الحزن. وغلا حميد بن ثور الهلالي في تشبيه ساقه كالقصة فزعم أن الابن البكر قاد

стр. 2034

جمعًا. وكان فارسًا يلقي إليه القوم مقاليد أمرهم فما هو إلا أن كان القتال. فلم يستطع من نفسه غير طعنة ... سوًى في ضلوع الجوف نافذة الوغل فخر وكرت خيله يندبونه ... ويثنون خيرًا في الأباعد والأهل فلما دنوا للحي أسمع هاتفٌ ... على غفلة النسوان وهي على رحل فقامت إلى موسى لتذبح نفسها ... واعجلها وشك الرزية والثكل ثم زعم حميد أن ذلك النعي كان خبرًا غير صحيح وإذا بابنها يئوب سالمًا فزعم أن وجده بصاحبته جمل كوجد تلك المرأة إذ جاءها النعي فهمت بقتل نفسها وفرحته كفرحتها إذ نجا. فوجدي بجملٍ وجدتيك وفرحتي ... بجملٍ كما قد بابنها فرحت قبلي وهذا الشعر وسط. ولحميد نفس أعلى منه في ميمية الحمامة وفي سرحة مالك التي يقول فيها: أبى الله إلا ان سرحة مالك ... على كل أصناف العضاة تفوق والدالية التي وصف فيها ماخضة اللبن فقال: جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغي خيرا لديها الجلامد وزعم المعري أن القطامي نظر إليها في بائيته: تلفعت في طل وريح تلفني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى حيزبونٍ توقد النار بعدما ... تلفعت الظلماء في كل جانب وقد أحسن حميد نعت المرأة إذ هي نصف جلدة لها بقية من جمال غير ن العمل وشدة العيش أحدث في ملاسة بشرتها التي كانت أخاديد: عريبية لا ناحضٌ من قدامة ... ولا معصرٌ تجري عليها القلائد

стр. 2035

أي ليست كبيرة مترهلة ولا هي من الصغيرات الدقيقات الرقبات حتى أن القلائد حول أعناقهن تجول. إزاء معاش لا يزال نطاقها ... شديدًا وفيها سورة وهي قاعد كني بشدة النطاق عن نشاطها وبقية قوة شبابها وفسر محقق طبعة الديوان (دار الكتب) وهو العلامة الميمني ﵀ القاعد بأنها التي غادرت زمن الولادة وهو وجه قوي إذ من عادة الشعراء في الوصف أن تجعل عدم الولادة من شواهد القوة يذكرون ذلك في نعت النوق وقل شيء ينعتون به إناث الإبل لا ينعتون به إناث البشر. على أني أرجح أن المراد بالقاعد في هذا البيت هو معنى القعود الذي هو ضد القيام. ذلك بأن قوله: «لا يزال نطاقها شديدا» يستفاد منه أنها قائمة نشيطة عاملة متحركة وعقد نطاقها محكم الربط لا يتهافت إلى سقوط، فقوله: «وهي قائد» جعله في مقابلة هذه الصفة. ويقويه أن المرأة تمخض وهي قاعدة وهذا يدرك بالمشاهدة. وأحسب أن دعا الميمني إلى الأخذ بمعنى القاعد إحدى القواعد كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النور] أن اللفظ بوزن فاعل بدون التاء المفيدة للتأنيث وهذا مما يجاء به لتخصيص المعنى كما في قولهم حائض وطامث. والمعنى عندي في قاعد: «ذات قعود» فمن أجل ذلك جاء الشاعر بالوصف على صيغة فاعل. والسياق يدل على أن ضد القيام هو المراد: مداخلة الأرساغ في كل إصبع ... من الرجل منها واليدين زوائد والزوائد من أثر العمل. كان مكان العقد منها إذا بدا ... صفا من حزيز سهلته الموارد

стр. 2036

يصف جيدها. وقوله «إذا بدا» دقيق جيد. وحميد بن ثور شاعر إسلامي معاصر للقطامي كما يستفاد من كلام المعري في رسالة الغفران. فهذه المرأة إسلامية تضرب بخمارها على جيوبها فيغطي ذلك منها اللبة والعنق فلا يبدو إلا عند شدة حركة عملها إذا تمخض اللبن الرائب لتستخرج منه الزبد. وقد طالما لبست زينة العقود وهي شابة أو معصر تجري عليها القلائد. ولكنها منذ حين تجردت للعمل والكسب تركت العقد فبدا أثره حين كانت تلبس منه كأنه أثر حبال الواردين على صفا الأبار أي على الحجر الذي حول البئر وفي التفات الشاعر إلى نعت مكان العقد كالتنبيه على بقية من جمال. وإنما ترك العقد أثرًا لأنها مرت عليها سنوات من الجدب هزلنها وقد جاء الآن عام خصب. تتابع أعوام عليها هزلنها ... وأقبل عامٌ ينعش الناس واحد هذا أخذه من خبر يوسف في القرآن- وإلا لم تكن به حاجة إلى أن يذكر الواحد في قوله: وأقبل عام ينعش الناس واحد ولكنه قصد فيما نرجح إلى التشبيه بعام قصة نبي الله يوسف ﵇ الذي ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. عضمرة فيها بقاءٌ وشدةٌ ... ووال لها باديس النصيحة جاهد عضمرة أي شديدة الأسر فيها ضمور وقوة. وزوجها جاهد في صدق النصح لها، فجعلها هي صاحبة الأمر وهو مستشار ناصح. إذا ما دعا أجياد جاءت خناجر ... لها ميم لا يمشي إليهن قائد أي هو صاحب إبل وشاء والموصوفات ظاهر الأمر أنها إبل لقوله خناجر والخنجرة والخنجورة الناقة العظيمة ولكن صاحب الإبل مما يكون صاحب شاء يدل

стр. 2037

على ذلك أن الشاء مفروضة في زكاة الإبل حتى يبلغن خمسة وعشرين بين بعير وناقة. ومما ينبئ بإرادة الشاء ههنا ذكر الزبد ولا يكون من لبن الإبل. فجاءت بمعيوف الشريعة مكلع ... أرشت عليه بالأكف السواعد الشرح الذي ذهب إليه محقق الديوان بعيد وليس المراد عندنا معارضته ولكن توضيح المعنى. زعم هذا الشاعر أنه قد جاء عام خصيب بعد أن توالت أعوام مجدبات فأقبلت هذه المرأة على مخض اللبن. فجاءت بسقاء كان قد أهمل وتلبد عليه الوسخ فجعلت ترشه بالماء لأنه قد أصابه اليبس من طول الجدب والإهمال. وجعل الرش بأكف وسواعد ليدل على حركة ساعديها وساعدي زوجها الناصع المطيع لها ورشه بأصابعه ورشها أصابعها. المكلع بصيغة اسم الفاعل بكسر اللام أو اسم المفعول بفتحها تقول سقاء كلع كفرح أي متسخ تلبد عليه الوسخ وأكلعه. والعجب للمحقق يذكر أن الأصل الذي يحققه «أرشت» بالشين أخت السين، ومع ذلك الأخذ بالسين ولا يستقيم بها المعنى ولا يتضح وقد شاهدنا المخض ورش الأسقية وهذا أمر حال العمل في بواديه تتشابه. فما زال يسقى المحض حتى كأنه ... أجير أناس اغضبوه ممباعد أي بعد أن رشته الأكف بالماء رشته باللبن وجعلت تسقيه اللبن ليلين الجلد ويزول كل الوسخ الذي بظاهره وفي فمه وتجاعيده. وهو موضوع على بعد إذ تعني به هذه العناية فشبه بأجير غضب فانتبذ مكانًا بعيدًا فجعل أهل الدار يسترضونه يبعثون إليه باللبن غدوًّا وعشيًّا. مباعد أحب إلى فيها صيغة اسم الفاعل وصيغة اسم المفعول لا بأس بها أي هذه حاله إنه صار منهم غير قريب. فجاءت بذي لونين أعبر شاته ... وعمر حتى قيل هل هو خالد فدل على أنه جلد كبش كبير. وجعله ذا لونين لمكان ما تلبد عليه من الوسخ

стр. 2038

فأزاله الرش والسقي. ثم أشار من طرف خفي وفي براعة مع ذلك، إل أن كبشه كان ذا لونين وأنه كان مكرمًا متروكُا لا يروع ليذبح أو يجز وترك الشاة والبعير لا يجز على وجه من وجوه النذر عند البداة هو الإعبار يصنعون ذلك بالشاء وبالإبل أيضًا. ومن أبيات كتاب سيبويه: أو معبر الظهر ينبي عن وليته ... ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا فقوله ينبي عن وليته يدل على كثرة شعر سنامه. وفي الديوان وفي رسالة الغفران: «فجاءت بذي أونين» أي خاصرتين يدل على انتفاخ جانبيه وفي الشرح إنها جاءت بذلك لحميد وأضيافه وهو عندي لا يستقيم. إنما جاءت بسقاء قديم بعد أن عالجته بالرش والسقي وهذه صفته فأخذه زوجها وملأه لبنًا خالصًا حتى استدار وذلك ينبئ بأن الرش والسقي قد ألاناه وشبهه في استدارته برجل علفوف أي غليظ من الترك راقد. الذي يدلك أنه يصف ملء السقاء قوله على القرو وهو الحوض الذي يلقي فيه الروب بعد استخراج الزبد وأخذ الناس كفايتهم فيجعل للبقية حوض تشرب منه الدواب. والقرو قريب من الماخضة وقرو الخمر قريب من عاصرها وهو الذي أشار إليه الأعشى حيث قال: شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي حابر أظل في تيهاء مسجورة ... وأنت بين القرو والعاصر وأحسب أن العلفوف التركي هو عين الأجير الذي أغضبوه فانتبذ بعيدًا. فلما أدى واستربعته ترنمت ... «ألا كل شيء ما خلا الله بائد» هذا يوضح ما قدمناه ويدل عليه دلالة لا ريب فيها. تصف السقاء أنه أدى أي تم تمامه للمخض وقعدت إزاءه واستربعته لتمخض وشرعت تعمل وتترنم وقد

стр. 2039

جعلها تترنم بشعر لبيد وغير القافية لتناسب حرف الروى الذي التزمه. وبيت لبيد. ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل فأخذ الزائل من عجز البيت واستبدلها بالبائد في مكان «باطل» التي عليها تصريح لبيد. وصورة المرأة النصف الجادة في العمل والكسب ذات حيوية لا تخفى كما صورها حميد هنا. فذاقته من تحت اللفاف فسرها ... جراجر منه وهو ملآن ساند أي ذاقت لتتأكد من جودة الرائب واستوائه للمخض فتجشأت فهذه جراجره وسرها ذلك فأخذت تعمل، وذلك بإبعادها السقاء بدفعه من يديها ثم جذبه، فإذا مال جهة اليمين على جانبه الوحشي ردته الدفعة منها مستقيمًا على جانبه الأيسر وظلت هكذا تدفعه وتجذبه ويميل فيعد له عراكها له حتى جاءت خلاصة ذلك زبدة صفراء جعدة، عن استخراج مثلها من مثله كانت مصاداتها للسقاء وذلك، بالذي صنعته من تليينه وسقيه ثم مخضها الرائب باتقان. إذا مال من نحو العراقي أمره إلى ... نحرها منه عنان معاند وذلك أن الجذبة تميل برقبة السقاء إلى جانب عنقها هي. يميل على وحشيه فيميله ... لأنسيه منها عراك مناجد فعضت تراقيه بصفراء جعدة ... فعنها تصاديه وعنها تراود التراقي معروفة وتعني هنا ما يلي رقبة السقاء ودلت على أن الزبد كثير ملأ من عند فم السقاء إلى حيث أعلى صدر الجلد من السقاء. والعراقي هي الخشبات التي يناط بها السقاء وهو في الدلو خشباته التي ينفرج عنها فمه.

стр. 2040

وأحسب أن أبا تمام ما أراد إلا الإشارة إلى عوان حميد هذه حيث قال في بائيته: حتى إذا مخض الله السنين ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب إذ البخيلة التي يذكرها أبو تمام ههنا أمر معهود- فقصده الإشارة إلى بخيلة حميد لا يخفى كما ترى. وقد ذكر بخلها حيث قال: تأوبها في ليل نحس وقرة ... خليلي أبو الخشخاش والليل بارد فقام يصاديها فقالت تريدني ... على الزاد- شكل بيننا متباعد إذا قال مهلًا أسجحي حملقت له ... بزرقاء لم تدخل عليها المراود يعني صحة نظر عينيها وجعلها زرقاء كناية عن نظرة الزجر والغضب والعداوة ثم كأنه أشار إلى زرقاء اليمامة وقد مر عليك خبرها، إلا أنها لا تكحل بالأثمد، لما تقدم من تجردها لكسب وأنها إزاء معاش. إذا الحمل الربعي عارض أمه ... عدت وكرى حتى تحن الفراقد أي صغارها وأصل الفرقد ولد البقرة فأطلقه على ولد الضأن. فقامت بأثناء من الليل ساعة ... سراها الدواهي واستنام الخرائد الدواهي كاللصوص والمغامرين من أمثال الشنفري والعشاق كسحيم وابن أبي ربيعة. وإلى هجاء حميد بخيلته نظر القطامي إن كان نظر وقد سبق أن أشرنا إلى مقال أبي العلاء في هذا الصدد. وأحسب أن ابن خفاجة الأندلسي في بائيته التي يصف بها الجبل لم يخل من تأثر لمنهج القطامي في كلمته التي أولها: ناتك بليلي نية لم تقارب ... وما حب ليلى من فؤادي بذاهب

стр. 2041

وقد ذكر فيها حيزبونًا من بني محارب نزل بها فلم تقرع فبات بشر ليلة- وقال فيها: ولا بد أن الضيف مخبر ما رأى ... مخبر أهل أو مخبر صاحب سأخبرك الأنباء عن أم منزل ... تضيفتها بين العذيب فراسب تلفعت في طل وريح تلفني ... وفي طرمساء غير ذات كواكب إلى حيزبون توقد النار بعدما ... تلفعت الظلماء في كل جانب تصلى بها برد الشتاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب فما راعها إلا بغام مطية ... ترجع بمحسور من الصوت لاغب تقول وقد قربت كورى وناقتي ... إليك فلا تذعر على ركائبي غلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحي قالت معشر من محارب من المشتوين القد منا تراهم ... جياعًا وزين الناس ليس بعازب فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... على مناخ السوء ضربة لازب وما أستبعد أن يكون القطامي قال هذه الأبيات على خبثٍ من مذاهب الهجاء، يريد الطعن على قيس، وكانت ربيعة واليمن معًا على قيس في تلك الحروب وإلى ذلك أشار القطامي في الكلمة الدالية التي مدح بها زفر بن الحرث لما من عليه ذلك قوله: إني وإن كان قومي ليس بينهمو ... وبين قومك إلا ضربة الهادي مثن عليك بما استبقيت معرفتي ... وقد تعرض مني مقتل بادي غير بعيد أيضًا أن يكون حميد بن ثور وهو قيسي جاء بداليته على هذا المذهب يريد الطعن على اليمن، إذ قال: عريبية لا ناحض من قدامة ... ولا معصر تجري عليها القلائد فدل على نسبها في اليمن.

стр. 2042

وكلمة ابن خفاجة الأندلسي مختلفة في جملة المعاني وتفصيلها عن بائية القطامي إذ هذا يصف الجبل على نحو من أسلوب العظة والعبرة، وذلك قوله: بعيشك هل تدري أهوج الجنائب ... تخب برحلي أم ظهور النجائب وحيدًا تهاداني الفيافي فأجتلي ... وجوه المنايا في قناع الغياهب ولا جار إلا من حسام مصمم ... ولا دار إلا في قتود الركائب بليل إذا ما قلت قد باد فانقضى ... تكشف عن وعد من الظن كاذب هنا نظر إلى النابغة وامرئ القيس معًا وليلهما للشعراء طريق مطروق. صحبت الدياجي فيه سود ذوائب ... لأعتنق الآمال بيض ترائب هنا سير على طريقة أبي تمام وقد مر من ذلك أمثلة وقد حذفنا بعض ما سار فيه على المنهج الحبيبي اختصارًا لتشابهه. فمزقت جيب الليل عن شخص أطلس ... تطلع وضاح المضاحك قاطب رأيت به قطعًا من الفجر أغبشا ... تأمل عن نجم توقد ثاقب أحسب أنه في البيت «فمزقت» يصف لقاءه الذنب الذي قل شاعر لم يلقه، وهو الأطلس الذي تطلع، يلتمس القوت، وجعله وضاح بياض الأنياب كالضاحك ولكنه قاطب عابس، وهذا من صفة الفرزدق: فقلت له لما تكشر ضاحكًا ... وقائم سيفي من يدي بمكان والضمير في به من أول البيت الثاني يعود على الليل. «وتأمل» التي في الشطر الثاني لا يستقيم بها المعنى إلا على تكلف، أي نظر بنجم متوقد ثاقب في أواخره، ولعلها خطأ. وأرعن طماح الذؤابة باذخٍ ... يطاول أعنان السماء بغارب

стр. 2043

من ههنا وصف الجبل. يسد مهب الريح من كل وجهة ... ويزحم ليلًا شهبه بالمناكب عني بالشهب في هذا الموضع القنن الشهب بالثلج ولم يعن نجوم السماء- أي قممه تزاحم الليل فتصير فيه ببياضها نجومًا مع نجومه. وقور على ظهر الغلاة كأنه ... طوال الليالي مفكر في العواقب وهي الرواية التي عهدتها في المنتخب ورواية الديوان «مطرق في العواقب» وذكر الأخرى في الهامش والمعنى متقارب. يلوث عليه الغيم سود عمائم ... لها من وميض البرق حمر ذوائب وما أحسبه ذكر الذوائب الحمر إلا لأن أمثالها كان يرى في الأندلس من شعور النساء الشماليات الموطن. أصخت إليه وهو أخرس صامت ... فحدثني ليل السرى بالعجائب وقال ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه تبتل تائب وكم مربي من مدلجٍ ومؤوب ... وقال بظلي من مطي وراكب ولاطم من نكب الرياح معاطفي ... وزاحم من خضر البحار جوانبي فما كان إلا أن طوتهم يد الردى ... وطارت بهم ريح النوى والنوائب فما خفق أيكى غير رجفة أضلع ... وما نوح ورقي غير صرخة نادب وما غيض السلوان دمعي وإنما ... نزفت دموعي في فراق الأصاحب فحتى متى أرعى الكواكب ساهرا ... فمن طالع أخرى الليالي وغارب فرحماك يا مولاي دعوة ضارع ... يمد إلى نعماك راحة راغب فأسمعني من وعظه كل عبرة ... يترجمها عنه لسان التجارب فسلي بما أبكي وسري لما شجا ... وكان على ليل السرى خير صاحب وقلت وقد نكبت عنه لطية ... سلام فأنا من مقيم وذاهب

стр. 2044

ظاهر الكلام أن القطامي وابن خفاجة بين مذاهب قصيدتيهما بون بعيد، ولا تشتبهان إلا في الوزن والقافية ومجرى حرف الروى. غير أن التأمل يشهد مع ذلك بأن قرى الكلام (وقد مر بك حديث البحتري عن أخذ أبي نواس حيث أخذ عن أبي خراش) واحد أو متقارب. وذلك أن القطامي وحميدًا كليهما يذكران السرى في ليلة باردة مطبقة الظلام، فلاحت لهما نار، وإذا النار عندها سعلاة من السعالي الآدمية -سعلاة حميد منهمكة على المخض فلما طرقها أبو الخشخاش- وما هو إلا حميد نفسه، وهذا رمز كنى به عن نفسه- زجرته بكلمة حامدة وبنظرة زرقاء لها حماليق حمر: فقام يصاديها فقالت تريدني ... على الزاد شكل بيننا متباعد إذا قال مهلًا أسجحي حملقت له ... بزرقاء لم تدخل عليها المراود وسعلاة القطامي: تقول وقد قربت كورى وناقنى ... إليك فلا تذعر على ركائبي إليك أي تنح يا هذا وكانت توقد النار «تصلى بها برد الشتاء» وقد تلفعت الظلماء من كل جانب. وقد جعل ابن خفاجة مكان السعلاتين غولًا أرعن. يسد مهب الريح من كل وجهة ... وتزحم ليلًا شهبه بالمناكب فتى على طول الزمان وربما ... جلا لك عن فرعٍ من الثلج شائب هذا البيت مذكور في هوامش الديوان. يلوث عليه الغيم سود عمائم ... لها من وميض البرق حمر ذوائب فجعله كما ترى مكان السعلاتين ونارهما، وأعطاه سناهما بما جعل على رأسه من بياض الثلج. نقل ابن خفاجة صفة الصلابة وشدة المراس من حيزبون

стр. 2045

القطامي وحيزبون حميد، إلى الجبل الذي استضافه في ليل السرى. وعكس القضية التي جاء بها ذانك الشاعران فجبل هذا الأندلسي غول وديع والمناخ عنده ليس بمناخ سوء. وقد خلع الشاعر سرًّا على نفسه بعض صفات الجبل من ثبات وصلابة وصبر. وبلسان الجبل وهو لسانه لقوله: فأسمعني من وعظه كل عبرةٍ ... يترجمها عنه لسان التجارب بهذا اللسان بكى أصحابه: فحتى متى أبقى ويظعن صاحب ... أودع منه راحلًا غير آيب وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا ... فمن طالع أخرى الليالي وغارب إذ هذه الصفة أشبه به هو منها بالجبل. ولعله -إن صح ما رواه صاحب القلائد- أن يكون رثى هنا صاحبه عبد الجليل بن وهبون -أحسبه ابن وهبون قال صاحب القلائد (طبعة مصر سنة ١٣٢٠ هـ ص ٢٤٢): «وأخبرني (يعني ابن خفاجة رواية عنه) أنه لقي عبد الجليل الشاعر بين لورقه والمرية والعدو يليط، لا يريم، يقرع تلك الربا، ولا يزال يروع حتى مهب الصبا، فباتا ليلتهما بلورقة يتعاطيان أحاديث حلوة المساق، ويواليان أناشيد بديعة الاتساق، إلى أن طلع لهم الصباح أو كاد، وخوفهم تلك الأنكاد، فقام الناس إلى رحالهم فشدوها، وافتقدوا أسلحتهم فأعدوها، وساروا يطيرون وجلًا، وإن رأوا غير شيء ظنوه رجلًا، فمال إليه عبد الجليل وفؤاده يطير، وهو كالطائر في اليوم العاصف المطير، فجعل يؤمنه فلا يسكن فرقه، ويؤنسه فيتنفس الصعداء تثيرها حرقه، فأخذ في أساليب من القريض يسليه بإشغاله بها وإيغاله في شعبها، فأحيل على تذييل وإجازة، واختبل حتى لم يدر حقيقة النظم ولا مجازه، إلى أن مرا بمشهدين عليهما رأسان باديان وكأنهما بالتحذير مناديان، فقال أبو إسحق مرتجلًا:

стр. 2046

أيارب رأس لا تزاور بينه ... وبين أخيه والمزار قريب أناف به صلد الصفا فهو منبر ... وقام على أعلاه وهو خطيب فقال عبد الجليل: يقول حذار الاغترار فطالما ... أناخ قتيلٌ بي ومر سليب وينشد كلانا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب (قلت هكذا في الأصل وعلق عليه في الهامش قوله وينشد كلانا لا يخفى أن هذا الشطر غير متزن فليحرر. أ. هـ. قلت، ليس هذا من قول الشاعر بلا ريب ولكنه من عمل النساخ وبيت امرئ القيس: «أيا جارتا إنا غريبان ههنا» وقد قصد عبد الجليل إلى تضمينه وليس فيه كلانا ولكن «إنا» فما أشبه أن يكون قد قال: وينشده إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب). فإن لم يزره صاحب أو خليله ... فقد زاره نسر هناك وذيب فما تم قوله حتى لاح لهما قتام كأنه أغيام، فانقشع عن سربة خيل، كقطع الليل، فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل، وابن خفاجة سليب، وهذا من أغرب تقولٍ، وأصدق تفولٍ» أ. هـ. قوله يسليه بإشغاله أي بشغله يقولون شغله وأشغله ثلاثي ورباعي والإجازة أن يقول أحدهما مصراعًا وإلا خر يتمه بيتا وينبغي أن يكون التذييل إكمال البيت بقافية وهو مذكور في أعاريض البسيط والكامل فمثاله في البسيط «وأي حال من الدهر تدوم» ومثاله في الكامل «ما خير ود لا يدوم» ولا أحسب أن هذا المعنى العروضي يصلح ههنا، ولكن المراد بعض الإجازة وإكمال الأشطار، هذا ما وضح من قوله والله أعلم. حديث عبد الجليل على لسان الصخرة أن حجرها حذرهما وحذر من يراه

стр. 2047

الاغتراب هو من نفس معدن حديث ابن خفاجة على لسان جبله. والصفة التي خلعها ابن خفاجة على الجبل نهارية، ولكن تقليده مذهب القطامي جعله يزعم أنه سرى. فكأنه فطن إلى أن التفصيل في النعت كما فصله نهاري (إذ ذكر خفق الايك وهذا يبديه وضح النهار ونوج الورق ولا ينحن ليلًا، كما ذكر لون خضرة البحار، وسواد عمائم السحاب فيهن ذوائب البرق الحمر، ثم صفة الجبل كله بأنه وقور على ظهر الفلاة، ولا يمكن أن براه كله هكذا جاثمًا على الفلاة وقورًا والليل ضارب بجران) - فأراد أن يتلافى ذلك بزعمه أنه رآه والفجر أغيش. ولا يكون نجم ثاقبًا مع غبش الفجر، اللهم إلا أن يكون قصد بقوله «قطعًا من الفجر أغبشا» إلى معنى الفجر الكاذب الذي هو ذنب السرحان، وليس بأغبش حين يستطير مستطيلًا بل يضرب إلى الحمرة، وجعله قطعًا تشبيهًا له في الاستطالة بالسهم واحد الأقطع بسكون القاف وضم الطاء التي ذكرها الشنفري حيث قال: وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل وقول ابن خفاجة: وما غيض السلوان دمعي وإنما ... ذرفت دموعي في فراق الأصاحب أصدق على الشاعر نفسه منه على جبله من أجل الخبر الذي ذكرنا. وإذا جعلت الدموع للجبل، فكأنه وجده جافًا لا ماء عنده. وقول ابن خفاجة في آخر كلمته: وقلت وقد نكبت عنه لطية ... سلام فأنا من مقيم وذاهب خاتمة قريبة في مذهب القول من مقطع القطامي حيث فال: فلما يدا حرمانها الضيف لم يكن ... على مناخ السوء ضربة لازب

стр. 2048

فقد نكب عنها لطية وودعها إذ لم تضيفه وزجرته ألا يذعر ركائبها- وكمثل صنيعه صنع ابن خفاجة إذ أبكاه، وفقد عنده أو عند مثله خليله عبد الجليل، فودعه ليقيم الجبل مكانه ويذهب هو لطيته. والراجح عندي أن ابن خفاجة قال هذا على التذكر. وذكر صاحب القلائد أنه كان صاحب فتك ثم نسك بعد الستين وسماه في ترجمته له الفقيه أبا إسحق بن خفاجة- فهل عني شيئًا من نفسه أو حال نفسه إذ قال: وقال الأكم كنت ملجأ فانك ... وموطن أواه تبتل تائب أو يكون الفاتك هو الفارس الذي سلبه وقتل صاحبه ويكون هو المتبتل التائب: هذا وإذ مقال حميد القطامي كليهما أداراه على صفة شمطاء النساء وهجائها -وإن كانا كما رجحنا إنما أرادا هجاء القبائل من يمن قيس- فمما يحسن أن يشار إليه ههنا حائية جران العود التي ذكر فيها صاحبتيه فقال: هما الغول والسعلاة حلقي منهما ... مخدش ما بين التراقي مجرح وأولها: ألا لا يغرن امرأ نوفلية ... على الرأس تبدو والترائب وضح والنوفلية فيما ذكره صاحب التهذيب (طبع القاهرة- ج ١٥ ص ٣٥٧) شيء تتخذه نساء الأعراب من صوف يكون في غلظ الساعد ثم يحشي ويعطف فتضعه المرأة على رأسها ثم تختمر عليه ومنه قول جران العود: ألا لا تغرن امرأ نوفلية ... على الرأس بعدي والترائب وضح ولا فاحم يسقى الدهان كأنه ... أساود يزهاها مع الليل أبطح

стр. 2049

وعن ابن جني أن النوفلية ضرب من الامتشاط والتفسيران متقاربان، ويجوز أن يصفف شعر الرأس وترفع عقائصة كأنهن الشيء المحشو المعطوف ثم يوضع على ذلك الخمار. وقد شاهد الأزهري الأعراب فتفسيره عن مشاهدة ويقويه قول جران في الفائية: «وطاح النوفلي المزخرف» يعني الخمار وقد مر الاستشهاد ببعض هذه الفائية وأولها: ذكرت الصبا فانهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف وكان فؤادي قد صحا ثم هاجني ... حمائم ورق بالمدينة هتف ويقول في إحداهن وهي التي سبته: وفي الحي ميلاء الخمار كأنها ... مهاة بهجل من أديم تقطف وأديم موضع وقوله ميلاء الخمار كقوله (في معناه) ألا تغرن امرأ نوفلية البيتين، إذ صاحبة هذه النوفلية ميلاء الخمار باد منها صفحتا عنقها وترائبها الوضح. فهي التي غره هذا منها وحديثها وهي مع صواحبها إذ يقول فيها وفيهن: ينازعننا لذا رخيمًا كأنه ... عوائر من قطر حداهن صيف رقيق الحواشي لو تسمع راهب ... ببطنان قولا مثله ظل يرجف حديث لو أن البقل يولى بنفضه ... نما البقل واخضر العضاه المصنف هو الخلد في الدنيا لمن يستطيعه ... وقتل لأصحاب الصبابة مذعف فطلب جران أن يستطيعه فأوقعه ذلك في الضرر البليغ -وإذا بما تحت النوفلية حصاء رسحاء شرسة أو كما قال: فتلك التي حكمت في المال أهلها ... وما كل مبتاع من الناس يربح فنأمل أن نعرض لهذه القصيدة إن شاء الله عندما نصير إلى باب الهجاء.

стр. 2050

هذا ومن جيد أوصاف المحدثين قول أبي عبادة البحتري يصف قتال البحر في قصيدته التي أولها: ألم تر تغليس الربيع المبكر ... وما حاك من وشي الرياض المنشر وسرعان ما ولى الشتاء ولم يقف ... تسلل شخص الخائف المتنكر ويعجبني وصفه الربيع ونسيبه هذا الذي في بداية النسيب: كأن سقوط القطر فيها إذا انثنى ... إليها سقوط اللؤلؤ المتحدر لا يخفى أن البحتري شبه باللؤلؤ ههنا لما يخالط هذا التشبيه المألوف من معنى الدمع ومعنى سقاط الحديث: وفي أرجواني من النور أحمر ... يشاب بإفرند من الروض أخضر إذا ما الندى وافاه صبحًا تمايلت ... أعاليه من در نثير وجوهر إذا قابلته الشمس رد ضياءها ... عليها صقال الأقحوان المنور والأقحوان رمز للثغور الحسان -وقد صرح أبو عبادة بالغزل من بعد حيث قال: إذا عطفته الريح قلت التفاتة ... لعلوة في جاديها المتعصفر بنفسي ما أبدت لنا حين ودعت ... وما كتمت في الأتحمي المسير أتى دونها نأى البلاد ونصنا ... سواهم خيل كالأسنة ضمر وهنا نبأة عن موضوع الحرب الذي سيأتي من بعد: ولما خطونا دجلة انصرم الهوى ... فلم يبق إلا لفتة المتذكر وذكر دجلة فيه ذرء من نفس سير الماء وقتاله الذي سيجئ من بعد -مجرد

стр. 2051

إيماء كما ترى. والبحتري كثير الالتفات -لفتة المتذكر- التفاتة لعلوة. وله من القافية: تلفت من عليا دمشق ودوننا ... للبنان هضب كالغمام المعلق وقد نجده إن لم يصرح بلفظ الالتفات أو مرادفه يضمن ما يقوله معناه، نحو: حنت قلوصي بالعراق وشاقها ... في ناجر برد الشآم وريفه على أن الالتفات عند الشعراء كثير، فعسى هذا أن يكون مما أغرى أبا عبادة به. وخاطر شوق ما يزال يهيجنا ... لبادين من أهل الشآم وحضر ثم أضرب عن على الحنين وأخذ في المديح بأحمد أحمدنا الزمان وأسهلت ... لنا هضبات المطلب المتوعر وهذا التخلص أو الخلوص إلى الممدوح على منهج أبي تمام حتى لتحس فيه بعض روح الإيقاع الذي عند أبي تمام. ثم لما أخذ في صفة ولاية الممدوح البحر وغزوته وبلائه الحسن فيه قال: هو الغيث يجري من عطاء ونائل ... عليك فخذ من صيب الغيث أو ذر ولما تولى البحر، والجود صنوه ... غدا البحر من أخلاقه بين أبحر وهذا من قول ابن محلم صاحب «إن الثمانين وبلغتها» التي استشهدنا بأبياتها في الجزء الأول من هذا الكتاب: عجبت لحراقة ابن الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق وبحران من فوقها زاخرٌ ... وآخر من تحتها مطبق

стр. 2052

والحراقة ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمي بها العدو- ثم يقول أبو عبادة: أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا عزم إلا للشجاع المدبر هذا أخذه أبو الطيب في بيته المشهور «الرأي قبل شجاعة الشجعان إلخ». إذا شجروه بالرماح تكسرت ... عواملها في صدر ليث غضنفر غدوت على الميمون صبحًا وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر أطل بعطفيه ومر كأنما ... تشوف من هادى حصان مشهر أي الأمير كفارس ومقدم هذا المركب الميمون كإقبال الجواد الكريم على صهوته فارسه المظفر. إذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيبًا في ذؤابة منبر من هنا يبدأ نعت السفينة وهي مما تشبه بالناقة فلذلك زعم البحتري أن نوتيها الذي يصيح من أعلاها هو فوق علاة- والعلاة الناقة المشرفة وأراد البحتري المحلة العالية التي يكون فوقها النوتي وهو يزمجر آمرًا ناهيًّا. يغضون دون الإشتيام عيونهم ... وفوق السماط للعظيم المؤمر الإشتيام رئيس المركب والهمزة همزة قطع إذ الكلمة غير عربية كثر استعمالها في ذلك الزمان وقطع همزة الوصل في مثل هذا الموضع مما يستبعد (١) مع جوازه في العربية- على أبي عبادة لشدة حرصه على تجويد نغم الكلم. إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لها ... جناحًا عقاب في السماء مهجر

стр. 2053

فيه أي في المركب اعتلى لها أي للجنوب. مهجر أي في وقت الهاجر وذلك ارتفاع النهار. والمراد صفة العقاب هنا بالتهجير لا المركب بذلك، ولكن بأن شراعيه كجناحي عقاب مرتفع في أنصاف الهاجرة. إذا ما انكفا في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء برد محبر أخذ هذا من نعت امرئ القيس ثبيراً حيث شبهة بكبير أناس مزمل في بجاد. وحولك ركابون للهول عاقروا ... كئوس الردى من دارعين وحسر تميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواءٍ مقتر أي له قتار بضم القاف والقتار رائحة الشواء وهنا نظرة خاطفة من البحتري إلى رائيه أبي تمام في الأفشين. صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللظى المتسعر يسوقون اسطولا كأن سفينة ... سحائب صيف من جهام وممطر وذلك أن سحائب الصيف قطع بيض وألوان بين ذلك والسواد، وهكذا قطع الأسطول بقلوعهن البيض وأخشابهن مقيرات. كأن ضجيج البحر بين رماحهم ... إذا اشتجرت ترجيع عود مجرجر هذا البيت جيد في مذاهب النعت، وذلك أن من عادة الشعراء أن يجعلوا زمجرة الحرب وضجيجها أعلى من كل صوت وضجيج. والبحتري ههنا يجعل زمجرة البحر هي أعلى، وهو الفحل القطم المجرجر، والسفائن كنوق. عود بفتح فسكون.

стр. 2054

تقارب من زحفيهم فكأنما ... تؤلف من أعناق وحش منفر فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطعة فيهم وهام مطير رمت من رام يريم أي لم تغادر ساحة القتال حتى كان النصر على حين لا نقع يطوحه الصبا ... ولا أرض تلفي للصريع المقطر إذ هذا يصير قبره البحر وبطون السمك. وجعل الريح صبا، ومن قبل ذكر الجنوب، للدلالة على اليمن والنصر، لأن النبي ﷺ نصر بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، والصبا شرقية المهب، وكما هي هبت بنصر المسلمين فهي أيضاً أسرع لمن يبحر شمالاً أو جنوباً وقد ذكر من بعد أنها تفتحت في قلوع زعيم الروم فنجا من القتل. وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ... مليا بأن توهي صفاة ابن قيصر وقد كانت للفرس بالحرب دربة، ولم يستطع الروم أيام أوج قوتهم أن يقهروهم وهزموا جند الجمهورية الرومية العاتية هزيمة منكرة على أيام قيصر الكبير ورفاقه الثلاثة فلم تستطع دولة الروم من بعد ذلك أن تتخطى الفرات - كان ذلك سنة بضع وخمسين قبل الميلاد في تاريخهم. جدحت له الموت الذعاف فعافه ... وطار على ألواح شطب مسمر الذعاف بضم الذال. وتأمل الجناس في الذعاف فعافه «والذعاف» أي السريع القتل وأصل استعماله في السم. وخلع البحتري على السفينة هنا صفة الحصان كما فعل في أول كلامه اذ قال «تشوف من هادي حصان مشهر». غير أن حصانه هذا الأول مقدم مقبل بانتصار. وحصان الرومي هذا الشطب ولكن من الواح ومسامير، مدبر مول بهزيمة وهرب. وما خلا البحتري من بعض النظر والتأثر

стр. 2055

بمذهب العرب والأولين كقول حسان: ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام وكقول النجاشي الحارثي: ونجي أبن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني والبيت الذي يدلنا على أن الريح نفخت في قلوع الرومي فأسرع هربا قوله: مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصنيعة يشكر إذا الموج لم يبلغه إدراك عينه ... ثني في انحدار الموج لحظة أخزر وهذا ينبئ عن تجربة من البحتري بسفر البحر، أي البحر هائج الأمواج والسفينة مندفعة فإذا لم يبلغ نظره نهاية ارتفاع الموج في تصعيده إليه نظر بطرف عينه إلى انحداره حين ينحدر- وضبط الديوان بضم ياء يبلغه ونصب كاف إدراك والمعنى لا يستقيم عليه والوجه جعل الفعل ثلاثياً مفتوح ياء المضارعة والكاف مرفوعة لأن "إدراك عينه" هي فاعل البلوغ ولك أن تجعل «يبلغه» رباعياً بضم الياء على أن تجعل الإدراك فاعلاً أي لم يبلغه إياه - وإياه تعود على الموج. تعلق بالأرض الكبيرة بعدما ... تقنصه جرى الردى المتمطر. وكنا متى نصعد بجدك ندرك الـ ... معالي ونستنصر بسيفك ننصر ولم يخل البحتري في نعت الأسطول، على جودته ودقة فيه، من بعض المحاكاة لجرير والاقتداء به حيث وصف هذا أسطول الحجاج بن يوسف، في لا ميته التي أولها: ? شعفت بعهد ذكرته المنازل ... وكدت تناسى الحلم والشيب شامل لعمرك لا أنسى ليالي منعج ... ولا عاقلاً إذ منزل الحي عاقل

стр. 2056

وما في مباحات الحديث لنا هوى ... ولكن هوانا المنفسات العقائل ألا حبذا أيام يحتل أهلنا ... بذات الغضى والحي في الدار آهل وما أشبه أن يكون أبو تمام اعتمد رنة هذا الايقاع وجاراه في كلمته التي مدح بها ابن الزيات ونعت القلم وهي التي أولها: متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وقلبك منها مدة الدهر أهل ومن جيد مدحه الحجاج فيها قوله، وكان موضع ذكره حين نصير إلى بعض الحديث عن المدح ولكن مناسبته هنا أقوى: ولولا أمير المؤمنين وأنه ... إمام وعدل للبرية فاصل وبسط يد الحجاج بالسيف لم يكن ... سبيل جهاد واستبيح الحلائل دعوا الجبن يأهل العراق فإنه ... يباع ويشري سبي من لا يقاتل لقد جرد الحجاج بالحق سيفه ... لكم فاستقيموا لا يميلن مائل فما يستوي داعي الضلالة والهدى ... ولا حجة الخصمين حق وباطل وأصبح كالبازي يقلب طرفه ... على مربأ والطير منه دواخل ما أخبر الشعراء بوجوه القول، فقد جعل جرير تقليب الحجاج عينيه كتقليب الصقر عينيه اذ أشرف من فوق مرقبة له عالية يترقب أن ينقض على فريسة، وهجا شاعر آخر الحجاج فجعل تقليبه عينيه كفعل الطائر المائي الخائف المترقب أن ينقض صقر كأسر- وهو قوله وقد مر قبل: طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير أو الحجاج عيني بنت ماء ... تقلب عينها حذر الصقور فتأمل .. ثم يقول جرير:

стр. 2057

وخافوك حتى القوم تنزو قلوبهم ... نزاء القطا التفت عليه الحبائل وثنتان في الحجاج لا ترك ظالم ... سوياً ولا عند المراشاة نائل في الديوان بالتاء مفتوحة ولا يظهر معناه وبالمربوطة من راشي يراشي من الرشوة وسياق الكلام ينبئ عن هذا المعنى وهو المراد الواضح. ومن غل مال الله غلت يمينه ... إذا قيل أدوا لا يغلن عامل أي الحجاج لا يقبل الرشوة فيراشى بها ولا يقبل من عماله الغلول والرشوة والغلول أخوان، وذو الغلول يستعين بالرشوة ليغضي عن غلوله أي خيانته في المال وما نفع المستعملين غلوهم ... وما نفعت أهل العصاة الجعائل أي الرشوات يصانعون بها الأمراء ليغضوا عن جرائم قراباتهم العصاة قدمت على أهل العراق ومنهم ... مخالف دين المسلمين وخاذل فكنت لمن لا يبرئ الدين قلبه ... شفاء وخف المدهن المتثاقل أي خف ليلحق بالمهلب خوف وعيد الحجاج بعد الذي صنع بعمير بن ضابئ وأصبحت ترضى كل حكم حكمته ... نزار وتعطي ما سألت المقاول أي اليمن والمقاول وهم الأقيال سادة اليمن صبحت عمان الخيل رهوا كأنما ... قطا هاج من فوق السماوة ناهل ولعله خطأ من الطابع أو الناسخ على استقامة المعنى ولعل الصواب «رهوا كأنها» سلكت لأهل البر براً فنلتهم ... وفي اليم يأتم السفين الجوافل

стр. 2058

ترى كل مرزاب يضمن بهوها ... ثمانين ألفًا زايلتها المنازل جفول ترى المسمار فيها كأنه ... إذا اهتز جذع من سميحة ذابل تأمل يسر الجناس في قوله «وفي اليم يأتم» وكان جرير قرآني الأسلوب وهذا الضرب من التجنيس قرآني المعدن، كقوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وعندي أن البحتري اتبع «يم يأتم» جرير في قوله «الذعاف فعافه» والأصل قرآني كما لا يخفى. وهذا من أحذق مسالك المحاكاة. وكان البحتري بذلك خبيرًا ذا دربة. المرزاب السفينة الضخمة أو الطويلة، وذلك متقارب «وثمانين الفازايلتها المنازل» - هذه عدة المقاتلين في الأسطول كله ولعله أن يكون زاد فيها شيئًا على مذهب التهويل. والمسمار عني بها العمود القائم في السفينة يناط به الشراع وخشيته وأراد بتشبيهه بجذع النخلة الذابل طوله إذ لا يكون الجذع ذابلًا إلا ونخلته سحوق. وسميحة من آبار أهل المدينة وهي التي حكم عندها ثابت أبو سيدنا حسان أو جده عندما حكم في خصومات سميحة التي كانت بين الأوس والخزرج وقال حسان ﵁ في ذلك: إن جدي خطيب جابية الجو ... لأن عند النعمان حين يقوم وأبي في سميحة القائل الفا ... صل حين التقت عليه الخصوم ثم يقول جرير ولا يخفى أن نعته للسفن الذي مر إذ هي راسية يتأمل الناظر مسمارها القائم وهو يهتز، وعدد الأجناد البحريين وهم يجوزون إليها. إذا اعترك الكلاء والماء لم تقد ... بأمراسها حتى تثوب القنابل من ههنا جعل يصف حركة الأسطول. الكلاء بفتح الكاف وتشديد اللام

стр. 2059

هو المرفأ لأنه يكلؤها، ولابد من إخراجها من عنده إلى عمق الماء حتى تستطيع الإبحار. واعتراك الكلاء والماء يكون عند حل الأنجر وقود السفينة بالأمراس إلى حيث مكان العمق، الكلاء ممسك بها، إزالتها عنه تحتاج إلى علاج. والماء تراد إليه وذلك لا بد فيه من علاج وقوله حتى «تثوب القنابل» أي حتى ترجع الجماعات من الناس إليها لتلزها فتنقاد- فإذا صارت إلى عمق من الماء رفعت أجلتها أي قلوعها والمفرد جل بفتح الجيم أو ضمها وهو أيضًا كساء الدابة وكأن أجلة جمع الجمع وهو جلال بكسر الجيم وجلول وجعل صاحب القاموس الأول للأكسية والثاني للشراع وأحسب أنه سوغ جمع الجمع هنا أن لكل سفينة جلولًا أو جلالًا فللأسطول كله أجلة وقصد جرير إلى هذا المعنى بين جلي كما ترى. تخال جبال الثلج لما ترفعت ... أجلتها والكبد فيهن كامل تشق حباب الماء عن واسقاته ... وتغرس حوت البحر منها الكلاكل ولجبال الثلج انطباعة في قلب جرير من شاهد ذلك قوله في السينية التي عرض فيها بكعب بن جعيل: هل دعوة من جبال الثلج مسمعة ... أهل الإياد وحيًّا بالنباريس وإنما كانت منازله في الإياد والدام والأدمى وقلب جزيرة العرب حيث لا توجد جبال الثلج ولكن الآكام والحرار والفلوات الأماريت. وقوله «تشق حباب الماء عن واسقاته» أخذه من قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي وما جمع وحوى. وقوله عن واسقاته أي حاملات الماء منه- شبه كل موجة بامرأةٍ حبلى أو ناقة حبلى ويقال للناقة إذا حملت وأغلقت على الماء رحمها: (هذه عبارة القاموس) واسق فكأن السفينة تشق بطن كل موجة حبلى بالماء من مائها هذا الذي تحمله وعما فيه

стр. 2060

من خلق الله. وكلكل السفينة هو منها ككلكل البعير يكون مغروسًا في الماء حتى يحفظ توازنها فلا تنقلب بفعل الريح والشراع والأمواج. وقد ختم جرير صورة الأسطول الذي رآه كأن مسامير قلوعه نخل طوال وتحريك كل سفينة منه عن مرفأها يحتاج إلى الجماعات، به، وقد ترفعت أجلته وسمت وقد ملأتها الريح وأسرعت بها فبدا الأسطول كأنه جبال لبنان على أعاليهن الثلوج، والماء منشق عن جوانبهن أبيض ذا زبد، وكأن حيتانه قد غرستهن كلا كل السفن في القاع. هذه الصورة التي ختم بها جرير نعته نظر إليها البحتري في فاتحة كلامه حيث قال: إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لها ... جناحًا عقاب في السماء مهجر وجعله مهجرًا لأن ذلك أشد لبياض الجناحين ثم لم يكتف لهذا حتى استبدل بأجلة جرير برد امرئ القيس وبجاد كبير أناسه حيث قال: إذا ما أنكفأ في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء برد محبر وهبوة الماء هذه فيها من قول جرير «تشق حباب الماء» ثم أكد هذا المعنى من بعد بما هو كالتفسير له حيث قال: على حين لانقع يطوحه الصبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطر وقد ختم البحتري بمثل خاتمة جرير من تأمل للريح والشراع من بعد في قوله: مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصنيعة يشكر إذا الموج لم يبلغه إدراك عينه ... ثنى في انحدار الموج لحظة أخزر

стр. 2061

كما هذا وصف للرومي الهارب، هو أيضًا حكاية لحال الناظر إلى هربه من بعد، بعين الواقع أو عين الخيال، وهو الشاعر نفسه. ومن جيد نعت جرير للسفن في معرض التشبيه قوله يصف الإبل: تخالهن نعامًا هاجه فزع ... أو زنبري زهته الريح مشحونا يلقى صراريه والموج ذو حدبٍ ... يلقون بزتهم إلا التبابينا جمع تبان بضم التاء وتشديد الباء وهو شيء من خرقة قصير يستتر به أهل البحر. وأصل جميع هذه الأوصاف من نعوت الجاهليين القدماء كقول طرفة: عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدى يشق حباب الماء حيزومها به ... كما قسم الترب المفايل باليد وقول المثقب: يشق الماء جؤجؤها ويعلو ... غوارب كل ذي حدبٍ بطين وأوصاف المحدثين للسفن كثيرة. والغالب على طريقة المحدثين في الوصف زخرفة الألفاظ والمعاني وقد عرضنا لهذا المعنى كثيرًا من قبل. وقد رام قدامة أن يجمع بين صفة طريقتي القدماء والمحدثين في الفصل القصير الذي عقده للوصف فقال في أوائل تصديره له: «ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان أحسنهم من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها ثم بأظهرها فيه وأولاها حتى يحكيه بشعره ويمثله للحس بنعته» ثم استشهد بأبيات مقاربة لهذا الذي ذكره وكأنها تمهد من بعيد لمذاهب المحدثين أولها بيت الشماخ في صفة أرض تسير فيها النبالة: تقعقع في الآباط منها وفاضها ... خلت غير آثار الأراجيل ترتمي

стр. 2062

فزعم أنه حكى حال النبالة حاملي وفاضهم في آباطهم «حتى كأن سامع قوله يراها» ثم جاء ببيت لأبي ذؤيب من الجيمية التي مرت أبياتها منها ذكرناها. لكل مسيل من تهامة بعدما ... تقطع أقران السحاب عجيج وبيت آخر في صفة الحرب للهذليين: كغماغم الثيران بينهم ... ضربٌ تغمض دونه الحدق ثم ببيتين في الفخر ضمنا وصف النجوم من قول معاوية بن خليل النصري: فنحن الثريا وعيوقها ... ونحن السما كان والمرزم وأنتم كواكب مجهولة ... ترى في السماء ولا تعلم وليس أمر الوصف في هذين البيتين بينًا وإنما ذكر أسماء نجوم مشهورة ونعت غيرها الكثيرات بأنها لا تعلم كأنه يتنقص بذلك خصمه، وما أحسبه أصاب حقيقة التنقص إذ جعل هؤلاء الخصم نجومًا عالية المكان في السماء. وختم قدامة فصله بعد ثمانية أبيات استشهد بها بعد ما قدمنا ذكره من شواهده ما أرى أنه يستحق أن يستجاد منها غير قول عبد الرحمن القس في غناء سلامة: إذا ما عج مزهرها إليها ... وعاجت نحوه أذن كرام فأصغوا نحوها الأسماع حتى ... كأنهم وما ناموا نيام ببيتين لذي الرمة في مية: ترى الخود يكرهن الرياح إذا جرت ... ومي بها لولا التحرج تفرح إذا ضربتها الريح في المرط أشرفت ... روادفها وانضم منها الموشح

стр. 2063

وفطن قدامة إلى أن هذا غزل فأتبعه قوله وهو آخر الفصل، ولنتبع القول في الوصف بالقول في النسيب. وبيتا سلامة هما أيضًا غزل. وكأن ابن الرومي قد أخذ منها قوله في وحيد: تتغنى كأنها لا تغنى ... من هدو الأوصال وهي تجيد وموضع الأخذ قوله «تتغنى كأنها لا تغنى» لأنه محذو على إصغاء أصحاب سلامة وكأنهم غير مصغين وكأنهم نيام وهم غير نيام. ومذهب الصناعة والزخرف متبين في البيتين اللذين ذكرهما من شعر عدي ابن الرقاع يصف حمارين. يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها تطوى إذا علوا مكانًا ناشزًا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها والبيتان مردهما -مع كثرة نحو هذا في الكلام القديم- إلى قول لبيد في المعلقة. ولعله أن يعتذر لقدامة في الذي صنع من فرط الاختصار الموفي على حافة الإخلال بأن أمثلة الوصف كثيرة وقد جاء منها بأشياء حسنة في غير هذا، كنعت أبي كبير لتأبط شرا وكأبيات الحادرة العينية التي استشهد بها على حسن اللفظ وفصاحته. ومن أدل الشعر على مذاهب الولدين في الوصف، وإيثارهم ما ذكرنا من زخرفة المعاني والألفاظ، معًا أو أحدهما، قول ابن الرومي، وهو مما اختير له، في تفضيل النرجس على الورد: خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلًا توردها عليه شاهد لم يخجل الورد المورد لونه ... إلا وناحله الفضيلة عاند

стр. 2064

فهذا كما ترى جدل ومنطق- فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وإن هذا طارد لأن النرجس يظهر أول الربيع والورد في أواخره مع أوائل المصيف: شتان بين اثنين هذا موعدٌ ... بتسلب الدنيا وهذا واعد والوعد والوعيد من عبارات المتكلمين. وإذا احتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته لو أن حيًّا خالد وقوله: «لو أن حيًّا خالد» مع وروده كالحشو شديد المناسبة لقوله من قبل «موعد بتسلب الدنيا» - واقتنص عبارته من قول الجارية لسليمان بن عبد الملك: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان ثم زعم ابن الرومي أن النرجس أفضل من الورد لأنه زهر ونور والمشهور أن الزهر والنور واحد، إلا أنه كأنه ذهب إلى قول من يفرق بينها فيجعل الزهر ما كان أصفر اللون -فما أدري ما توجيه كلامه هنا، إلا أن يكون مراده أن النرجس أصفر وأبيض فاجتماع اللونين له وهو نفس النبات يجعله زهرًا ونورًا. للنرجس الفضل المبين بأنه ... زهر ونور وهو نبت واحد يحكي مصابيح السماء وتارة ... يحكي مصابيح الوجوه تراصد عني بمصابيح الوجوه العيون. وتراصد أي تتراقب وفي القافية نوع من عمل- اللهم إلا أن يكون عني أن مصابيح السماء ومصابيح الوجوه تتراصد فالقافية على هذا مستقيمة، وفيها حذقٌ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ فكأنه أراد الإشارة إليه والله أعلم. يقوي هذا الوجه قوله:

стр. 2065

ينهي النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسماع مساعد فكأن لحظه شهاب راصد. اطلب بعفوك في الملاح سميه ... أبدا فإنك لا محالة واجد قوله «أبدا» فيه نظر؛ لأن الأسماء مع أذواق أهل عصرها، وأهل عصره كما يبدو لم يكونوا يسمون الفتاة «وردًا» ولكن يسمون «نرجس». ولعله لو بلغه أن بعض الناس يسمي كلبته «وردة» لاعتد هذا من ذنوب الورد ومن فضل النرجس جريًّا على طريقة الجدل التي سلكها. قوله «بعفوك» أي عفوًا وبلا تكلف. والورد لو فتشت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سميٌّ واجد ثم نظر إلى مذهب العرب في نسبة الأمطار إلى الأنواء، وقد نهى عنه الشرع، فادعاه على وجه الترف، وسوغ ذلك ما كان عليه أهل عصره من الولع بالطوالع والتنجيم: هذي النجوم هي التي ربتهما ... بحيا السحاب كما يربي الوالد فتأمل الاثنين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد ولقد اشتط بابن الرومي طلب المنطق وحججه. وما للورد والنرجس والمجد- لولا حماقة ابن الرومي وفرط انسياقه مع الجدل. وهذا الضرب عند ابن الرومي كثير وإلى محاكاته قصد الحريري في الدينارية حيث قال في مدح الدينار على لسان سروجيه: أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سقرته مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته

стр. 2066

وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبذا نضاره ونضرته وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت إمرته ومترف لولاه دامت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته أسر نجواه فلانت شرته ... وكم أسير أسلمته أسرته أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته لولا التقى لقلت جلت قدرته ولا يخفى أن الوصف في هذه الأرجوزة معه الخطابة ذات اللون المسرحي الذي هو من طبيعة فن المقامة. ثم يقول الحريري في ذم الدينار على لسان سروجيه أيضًا: تبًّا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمةٌ من فاسق ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغنى عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق واهًا لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق قال له قول المحب الصادق ... لا رأى في وصلك لي ففارق ومن الوصف المولد المعتمد على زخرفة اللفظ دون المعنى قول ابن الرومي في النرجس (من الكامل الأحذ المضمر): يا نرجس الدنيا ترى أبدًا ... للافتراح ودائم النحب ذهب العيون إذا مثلن لنا ... در الجفون زبرجد القضب

стр. 2067

ومن تتمة صناعة الزخرف البياني تحويل الزهر والنواوير والخضرة إلى ضروب من الوشي والأحجار والمعادن الكريمة. وقال الشريشي في شرح المقامة الحلوانية «والنرجس الذي يشبه به أهل المشرق العيون هو نباتٌ له قضبان خضر في رؤوسها أقماع يخرج منها نور ينبسط منها على الأقماع ورق أبيضن في وسط البياض دائرة قائمة من ورق صغير، هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النرجس، وبذلك وصفه كسرى أنو شروان فقال النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر، أخذه بعضهم فقال: وياقوتة صفراء في رأس درة ... مركبة في قائم من زبرجد كان بهي الدر عقد نظامها ... فريد أنيق قد أطاف بعسجد وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه فقال: من جيد ما قيل في النرجس ما أنشد المبرد رحمه الله تعالى: نرجسةٌ لاحظني طرفها ... تشبه دينارًا على درهم وقال عبيد الله بن عبد الله فيه: ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت العصافير مثل اليواقيت قد نظمن على ... زمرد فوقهن كافور كأنها والعيون ترمقها ... دراهم وسطها دنانير وقال أبو نواس: لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون مخالفة في شكلهن وصفرةٌ ... مكان سواد والبياض جفون أجاد التشبيه وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة وبين مواقع التشبيه غاية

стр. 2068

البيان. وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاس والمحسوس له: وأحسن بيت أنشدنيه أبو جعفر البغدادي ﵀: مداهن در بن أوراد فضة ... على قيس شبرٍ أخضر كالزبرجد وقال أبو الفرج الببغاء: ونرجس لم يعد مبيضه الـ ... كأس ولا أصفره الراحا تخال احقاق لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا كأنما يعدى المحيي به ... لطفًا إلى الأرواح أرواحا يغني عن النرجس إذ مارنا ... ويخلف الورد إذا فاحا وقال ابن المعتز: كأن عيون النرجس الفض بيننا ... مداهن در بينهن عقيق إذا بلهن القطر خلت دموعه ... بكاء عيون كحلهن خلوق (١) وقال الشاشي: خص (٢) الصفات التي ... تناولها من كتب عيون بلا أوجه ... لها حدقٌ من ذهب وقال ابن الرومي: يا نرجس الدنيا ترى أبدًا ... للافتراج (٣) ودائم النحب ذهب العيون إذا مثلن لنا ... در الجفون زبرجد القضب وهذه الصنعة التي أثبتها أهل المشرق للنرجس هي التي يصف بها أهل المغرب البهار. قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار .... إلخ» ما قاله الشريشي

стр. 2069

مما يجري مجرى ما سبق، مما استشهدنا به للدلالة على اعتماد المحدثين في الوصف على زخرفة المعاني والألفاظ. ومما يجري مجرى الزخرفة اللفظية والمعنوية نحو قول المعري: وكأن الهلال يهوى الثريا ... فهما للوداع معتنقان وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان يسرع اللمح في احمرار كما تسـ ... ـرع في اللمح مقلة الغضبان ولحذق المعري يحلي نحو هذا بالأخبار والأساطير ليكون أقوى في الإمتاع وأدعى إلى الطرب، نحو قوله: ضرجته دما سيوف الأعادي ... فبكت رحمةً له الشعريان وقد سلك ابن الرومي مذهبًا من زخرفة اللفظ والمعنى بناه على التشبيه والاستعارة المأخوذ أصلهما من صفات بشرية (ومعدن هذا الأسلوب من أبي تمام وقد سبق إلماعنا إلى أخذ أبي تمام وأبي نواس ومن كان على مذهبهما أو تأثرا به من ذي الرمة) في الأبيات العينية التي لعله أراد أن يباري بها ميمية أبي عبادة في وصف الروضة والربيع- قال: إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مزعزعا وودعت الدنيا لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها فتسعسعا ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدًا إلى الأرض أضرعا كما لاحظت عوادها عين مدنفٍ ... توجع من أوصابه ما توجعا وهذا كما ترى إيغال صرفنا الشاعر به عن منظر الشمس الغاربة إلى منظر المريض المتوجع. والعنصر العقلي المزخرف الحريص على البراعة في ذلك قد غلب الشاعر، فغفل معه عن أن موصوفه هو جمال شفق الغروب وأنه أولى به أن يتوفر على نقل إحساس خفقة القلب به، بدلًا من أن يتابع فكرة الصفرة وشبهها

стр. 2070

بالمرض والمريض فليس في ذلك ما يوحي بحقيقة انفعال الشاعر لمشاهدة جمال شفق الغروب. ولكأني -والله أعلم- بابن الرومي قد غره قول النابغة: نظرت إليك بحاحة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود وتشبيه النابغة ووصفه صحيح؛ لأن في الحالتين سقما هو أصل التشابه، سقم الحاجة الغرامية الجنسية (مثلًا) وسقم الضعف التواق إلى العطف والرحمة شتان ما بين مذهب النابغة حيث ذهب، ومذهب علي بن العباس. وبين أغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا وقد ضربت في خضرة الأفق صفرة ... من الشمس فاخضر اخضرارًا مشعشعا وظلت عيون الروض تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا وميمية الروض التي أحسب هذه الأبيات العينية قد قيلت في مجاراتها هي: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من البشر حتى كاد أن يتكلما وقد نبه النيروز في غلس الدجى أوائل ورد ن بالأمس نوما يفتقها برد الندى فكأنه ... يبث حديثًا كان قبل مكتما ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيًّا منمنما أحل فأبدى للعيون جماله ... وكان قذى للعين إذ كان محرما ورق نسيم الجو حتى كأنه ... يجيء بأنفاس الأحبة نعما والأبيات مشهورة. ومزية البحتري على ابن الرومي أن الذي يصفه في شعره هذا هو الربيع، تعويل الشاعر على ذكر ورده ونداه ولباس خضرته الجديد ونسيمه أكبر من تعويله على ما يشبهه به من صفات البشر وصفات الوشي، إحساس البحتري بجماله وبهجته يصلنا من خلاله بيانه- ألا تراه حتى حين يزخرف بذكر الوشى المنمنم يدخل في ذلك الحركة، يقول كأنك أنت حين تنظر إلى
следующие страницы →