ومن جيد هجاء ابن سكرة قوله:
تهت علينا ولست فينا ... ولي عهد ولا خليفة
فته وزد ما علي جار ... يقطع عني ولا وظيفة
ولا تقل ليس في عيب ... قد تقذف الحرة العفيفة
وهذا كأن فيه من أبي العتاهية أنفاسًا.
وفي بعض الطبعات الحديثة لمقامات الحريري «وكف ناعم وكسا» وهي كناية نابية عن البيت لخلو الكاف من جرس السين، ثم كأن الذي جاء بها قد استعارها من موضع آخر فلينظر.
وقال أبو العلاء في اللزوميات:
لو نطق الدهر هجا أهله ... كأنه الرومي أو دعبل
وهو لعمري شاعر مغزر ... لكنه في لفظه مجبل
والضمير «هو» يعود على الدهر، وما أحسب أن أبا العلاء خلا فيه من غمز ابن الرومي. ودعبل من شياطين الهجاء وليس بعمادٍ إلى الرفث ولكن إلى الصور المضحكة نحو هجائه لعباد كاتب المأمون.
أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبره أبو عباد
يسطو على كتابه بدواته ... فمضرج بدم ونضح مداد
وكأنه قد كان يجاري مذهب يزيد بن مفرغ.
وفي ابن الرومي مرارة وقذارة حين يروم ذلك. ومن أجود ما يروى له هجاؤه آل وهب وبأيديهم -إن صح الخبر- كان مقتله:
تركنا لكم دنياكم وتخاضعت ... بنا همم قد كن فوق الفراقد
لئن نلتمو منها حظوظًا فقد غدت ... نفوسكم مذمومة في المشاهد
كسوتم جنوبًا منكم لبسة القلى ... وعريتموها من لباس المحامد
стр. 2172
فإن فخرت بالجود ألسن معشر ... عضضتم على صغرٍ بصم الجلامد
تسميتمو فينا ملوكًا وأنتمو ... عبيد لما تحوى بطون المزاود
ومكنتم أذفانكم من نحوركم ... كأنكم أولاد يحيى بن خالد
وما كان عاقبة أولاد بن خالد إلا أن نكبوا، فكأن ابن الرومي يحرض عليهم من طرف خفي أن تخضب لحاهم بدماء نحورهم.
فلو أن أعناقًا تمد لخيركم لقلدتموها خاملات القلائد
لقد ذدتمونا عن مشارب جمةٍ وغرقتم في غمرها كل جاحد
وهذا من اضطراب ابن الرومي المسكين، كأنه يزعم لهؤلاء الذين ولغ في أعراضهم أنهم لو مكنوه من مشاربهم لهم لم يكن جاحدًا وأنه خير من آخرين أحسنوا إليهم فما جزوهم على الإحسان إلا جحودا.
وأحييتم دين الصليب وقمتم ... بتشييد أديار وهدم مساجد
أخذ هذا من هجاء الفرزدق لخالد بن عبد الله القسري إذ قال فيه:
ألا قطع الرحمن ظهر مطيةٍ ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد
بني بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد
وزعموا أن خالدًا إنما هدم ما هدم من منائر المساجد لأنه سمع قول قائل بذكر المؤذنين أنهم يشيرون أو تشير إليهم:
بالهوى كل ذات دل مليح
والغيرة على الحرم مما تحمد به الولاة فكان بعضهم ربما غلا في إظهار ذلك. وكان الحجاج مما يمدح بالغيرة كما في أخباره وكما مر من شعر جرير:
وإبطال ما كان الخليفة جعفر ... تخيره زيا لكل معاند
стр. 2173
فكل الذي أظهرتم من فعالكم ... دليل على تصديق خبث الموالد
فكم نعمة صارت لضيق صدوركم ... مبرأة من كل مثن وحامد
فقد اعتذر لأرباب الجحود كما ترى، وإن كان إلا أحدهم. على أنه ما عدا أن أخذ أصل هذا المعنى من قول حبيب:
كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنما في غربة وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار
وقد زعم بعضهم أنا أبا تمام لم يكن يحسن الهجاء، مثل هذا من شعره يبطل ذلك الزعم. وإنما كان يترفع عن سفساف الهجاء.
كسبتم يسارًأ واكتسبتم ببخلكم ... شنارًا عليكم باقيا غير بائد
فإن هي زالت عنكم فزوالها ... يجدد إنعامًا على كل ماجد
وكان ابن الرومي ﵀ مولعًا بالدعاء على أهل النعمة الحارمين له من المشاركة فيها بنصيب بزعمه.
فلو أن وهبا كان أعدى أكفكم ... على البخل من جوادسته بالأوابد
لظلت على العافين أسمح بالندى ... من الهاطلات البارقات الرواعد
واعلم أصلحك الله أن الهجاء يتمم المدح في كليات المعاني. كقول زهير مثلًا:
قد جعل المبتغون الخير من هرمٍ ... والسائلون إلى أبوابه طرقًا
أغر أبلج فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
ثم قال:
هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا
стр. 2174
فأظهر قوة بيانه وثبات جنابه بهذا التعريض الذي عرضه بآخر من أهل الفهاهة والعي والحصر -وهذا مما يصحح نسبة البيتين:
وكائن ترى من صامت بك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وكان أبو الطيب مما يكثر من التعريض في مدائحه، فما زعمه العكبري أنه كان لا يعرف التعريض كأنه ضرب من الترحم والتحنن عليه على تقدير أن بائية الطرطبة هي التي قتلته فمن تعريضه:
فدتك ملوك لم تسم مواضيا ... فإنك ماض الشفرتين صقيل
وكقوله:
ألهي الممالك عن فخر قفلت به ... شرب المدامة والأوتار والنغم
مقلدًا فوق شكر الله ذا شطب ... لا تستدام بأمضى منها النعم
وهو في آخر ميميته «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم» وليس بعده إلا مقطع القصيدة وفيه أيضًا تعريض:
لا تطلبن كريمًا بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يداختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
ولا يخالجني شك أن الشاعر الإنجليزي أندرومارفيل الذي ذكرنا محاكاته لمغاني الشعب قد نظر إلى قول أبي الطيب في البيتين «ألهي الممالك إلخ» في خاتمة المدحة التي مدح بها هو أمير ثورة إنجلترا أوليفركرومويل، حيث قال:
But thou the war's and Fortune's son
March indefatigably on:
And for the last effect
Still keep the sword erect
стр. 2175
Besides the force it has to fright
The spirits of the shady night
The same art that did gain
A power must it maintain.
وترجمة هذا على وجه التقريب:
أما أنت فابن الحروب والجد السعيد
لا تني في سيرك الشديد
ولكي يكون الأثر البالغ الأخير
فإن حسامك مصلت شهير
إذ قوته تخيف أشباح الليل وظلال الظلام
فإن نفس الفنون التي نيلت بها السطوة بها ينبغي أن تستدام
الشبه بين المعاني واضح كما ترى وكون هذا مقطعًا كما الأول مقطع هو الذي يحملنا على أن نقول بالأخذ.
ومن مشهور تعريض أبي الطيب قوله:
أنت طوه الحياة للروم غاز ... فمتى الوعد أن يكون القفول
وسوى الروم خلف ظهرك روم ... فعلى أي جانبيك تميل
وقد تعلم خبر الحطيئة أنه إنما هاج العداوة بينه وبين الزبرقان مدحه خصومه ومجيء كلامه فيهم كالتعريض. وقد قال:
ولم أذمم لكم حسبًا ولكن ... حدوت بحيث يستمع الحداء
وتفضيل الخصوم موجع، وعلى مجيئه على وجه المدح هو للمفضولين هجاء.
ومن المعاريض ما يجاء به على وجه الحكمة والتأمل والنقد الاجتماعي
стр. 2176
الساخر. من ذلك مثلًا قول أبي تمام يشفع في قوم عند مالك بن طوق:
ذهبت أكابرهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب
لا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم كرم النفوس وقلة الآداب
ومهما يكن أبو تمام قد أبلغ في الاعتذار عن هؤلاء الكريمي النفوس مع قلة الآداب فإن كلامه في جملته نقد ساخر لحالٍ اجتماعية، لعلها كانت أصدق على أقوام من مجتمعه المتحضر منها على هؤلاء الذين تلطف فاعتذر بما اعتذر به عنهم. وقد حاكى أبو الطيب مذهب أبي تمام في كلتا كلمتيه:
بغيرك راعيًّا عبث الذئاب ... وغيرك صارمًا ثلم الضراب
طوال قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في وغًى وندى بحار
ولكنه كأن أرق قلبًا على بني كعب وبني كلب، ولا غرو فقد نشأ في باديتهم ولعلهم كانوا أحب إليه من مجتمع سيف الدولة بأسره.
وشعر المتنبي الذي ضمنه ثورات شبابه مليء بهذا من النقد الاجتماعي الساخر نحو:
فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتحة عيونهم نيام
وأجسام يحر القتل فيها ... وما أقرانها إلا الطعام
وقد ذكر في خبر أبي العلاء أنه لما زكى نفسه بأنه لم يهج أحدًا قال له أحد الخبثاء إلا الأنبياء. والحق أن أبا العلاء قد أنطق نفسه بلسان الدهر الذي قال فيه:
لو نطق الدهر هجا أهله ... كأنه الرومي أو دعبل
стр. 2177
فقد هجا الناس جملة وتفصيلًا:
فأفٍّ لعصريهم نهارٍ وحندسٍ ... وصنفي رجال فيهم ونساء
نهاب أمورًا ثم نركب هولها ... على عنتٍ من صاغرين قماء
وقد روت كتب التراجم وغيرها مطاعنه في الأديان وضروب السياسات التي كانت على زمانه.
وكأن أبا العتاهية وأبا نواس كليهما كانا يرومان سبيل المعاريض التي فيها نقد السياسة والمجتمع ثم تهيبا ذلك. قد لقى أبو العتاهية من التصريح بهجاء عبد الله بن معن الداهية فاضطر إلى استرضائه ومصالحته. واكتفى من نقد المجتمع بذكر الموت والخراب:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب
ألا يا موت لم أر منك بدًّا ... أتيت وما تحيف وما تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على ثيابي
وقوله:
الناس في لذاتهم ... ورحى المنية تطحن
كأنما عرض فيه بالرشيد ومن في مثل مكانه من الملك.
وقد فر أبو نواس إلى نقيض ما فر إليه أبو العتاهية من التظاهر بالتهالك على الدنيا وطلب لذاتها. ومع ذلك يقول في الخصيب:
فتى يتقي حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
وما لذكر الدائرات ههنا من مناسبة إلا ما كان يعلمه أبو نواس من حال تقلب الدهر بأهل الإمارة والوزارة في زمانه، خصوصًا في زمان الرشيد. وروى
стр. 2178
صاحب الأغاني في أخبار أبي العتاهية أنه قربه الفضل بن الربيع وزير الأمين قال: «فبينما هو مقبل علي يستنشدني ويسألني فأحدثه إذ أنشدته:
ولى الشباب فما له من حيلة ... وكسا ذؤابتي المشيب خمارا
أين البرامكة الذين عهدتهم ... بالأمس أعظم أهلها أخطارا
فلما سمع ذكر البرامكة تغير لونه ورأيت الكراهية في وجهه فما رأيت منه خيرًا بعد ذلك» - فتأمل.
وفن المقامات بأسره يوشك أن يدخل في باب المعاريض لما يتضمنه من هجاء بعض مظاهر المجتمع وخفي التعريض ببعض الشخصيات. وقد كان الجاحظ يصرح بذكر أسماء الناس ويوسعهم هجاء برسائله وبلاغة نثره وكتاب البخلاء شاهد في هذا الباب لو كان شعرًا لكان ههنا موقع الاستشهاد بقطع منه، وقد ذهب الدكتور طه حسين إلى أن فن الجاحظ قد جعل يحل محل الشعر ويتعاطى أغراضه. وفي هذا مجال أخذ ورد فقد كانت العرب تتنازل بالخطب والأسجاع ولا تعد ذلك شعرًا. وترويه على أنه أسجاع لا شعر. وقد أورد أبو الفرج بعض ذلك في أخبار الرماح بن ميادة. ففن الجاحظ أجدر أن ينتمي إلى أصله النثري. والمقامات فرع من فن الجاحظ ومعاصريه والنقد في مقامات البديع غير مصرح فيه بأسماء كما في بخلاء الجاحظ ولكنه منتزع من مشاهدات لا أستبعد أن شخصياتها كانت معروفة على زمانه. وقد كان البديع يخلط بنثره شعرًا. وقد بلغ الحريري بهذا الأسلوب غايته وكان شاعرًا ناثرًا. وكثير مما ضمنه معاني الكدية والاحتيال ليس ببعيد عما نقول به من قصد التعريض ببعض أحوال مجتمعه وذوي المكانة والوجاهة فيه. شخصية الإمام المتعاطي الخمر في المقامة الخمرية تتكرر نظائرها في الحريري. خذ مثلًا (من المقامة الدمشقية وهي العاشرة): «فإذا الشيخ في حلةٍ ممصرة بين دنانٍ معصرة، وحوله سقاة تبهر وشموعٍ تزهر وآس وعبهر ومزمار ومزهر وهو تارة
стр. 2179
يستنزل الدنان وطورًا يستنطق العيدان، ودفعةً يستنشق الريحان وأخرى يغازل الغزلان، فلما عثرت على لبسه وتفاوت يومه من أمسه، قلت له: أولى لك يا ملعون، أنسيت يوم جيرون فضحك مستغربًا ثم أنشد مطربًا:
لزمت السفارة وجبت القفار وعفت النفار لأجني الفرح
وخضت السيول ورضت الخيول لجر ذيول الصبا والمرح
ومطت الوقار وبعت العقار لحسو العقار ورشف القدح
ولولا الطماح إلى شرب راح لما كان باح فمي بالملح
ولا كان ساق دهائي الرقاق لأرض العراق بحمل السبح
عني بالرقاق العظات التي ترقق القلوب.
فلا نغضبن ولا تصحبن ... ولا تعتبن فعذري وضح
فلا تعجبن لشيخ أبن ... بمغنًى أغن ودن طفح
فإن المدام تقوي العظام ... وتشفي السقام وتنفي الترح
وأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الجفا واطرح
وأحلى الغرام إذا المستهام ... أزال اكتتام الهوى وافتضح
فبح بهواك وبرد حشاك ... فزند أساك به قد قدح
وداو الكلوم وسل الهموم ... ببنت الكروم التي تقترح
وخص الغبوق بساقٍ يسوق بلاء المشوق إذا ما طمح
وشادٍ يشيد بصوت تميد جبال الحديد له إن صدح
وعاص النصيح الذي لا يبيح وصال المليح إذا ما سمح
وجل في المحال ولو بالمحال ودع ما يقال وخذ ما ملح
стр. 2180
المحال الأولى بكسر الميم والثانية بضمها أي جل في المكر ولو بالباطل المحال الذي لا يمكن ثبوته كما قال الشريشي:
وفارق أباك إذا ما أباك ... ومد الشباك وصد من سنح
ولذ بالمتاب أمام الذهاب ... فمن دق باب كريم فتح
من حذق الحريري اتبع في نظم هذه الحائية سبيلًا قريبة من سبيل سجعه في المقامات، فيكون الخروج من النثر إلى النظم كأنه تدرج طبيعي لا كلفة فيه، وذلك أنه لزم ترصيعًا فيه حرية ويجيء فيها المضموم مع المخفوض والمنصوب. وظاهر هذه القطعة في مدح الخمر وذكر محاسنها ومنافعها، وإلى هذا الوجه ذهب الشريشي ﵀، فجعله ذريعة إلى كتابة فصل كامل في أوصاف الخمر. وباطن القطعة نقد لضروب من أصناف المجتمع يمثلها هذا الشيخ الذي ساق بدهائه رقاق الأحاديث والوعظ ليجني اللذات.
وأورد الثعالبي في يتيمته رائية فريدة في بابها لأبي دلف الخزرجي الينبوعي وعلى حذوه حذا الحريري في بعض ما صنع من صفات المكدين.
وظاهر هذه الرائية أنه أراد التظرف والفكاهة بتعداد أصناف أرباب الكدية وحيلهم. ولكنه ضمنها نقدًا وسخرية بارعة. وذكر الثعالبي أن الخزرجي عارض بها دالية لمن سماه الأحنف العكبري. فيكون هذا الضرب من الشعر قد كانت منه نماذج عدد يحذي عليها. ومما جاء فيها قوله، بعد أبيات نسيب استهل لها أولها:
جفون دمعها يجري ... لطول الصد والهجر
وقلب ترك الوجد ... به جمرًا على جمر
стр. 2181
لقد ذقت الهوى طعميـ ... ـن من حلو ومن مر
ومن كان من الأحرا ... ر يسلو سلوة الحر
ثم قال:
على أني من القوم ... البهاليل بني الغر
بني ساسان والحامي الـ ... ـحمى في سالف العصر
بنو ساسان هم أهل الكدية.
فنحن الناس كل النا ... س في البر وفي البحر
أخذنا جزية الخلق ... من الصين إلى مصر
إلى طنجة بل في كل ... أرض خيلنا تجري
إذا ضاف بنا قطر ... نزل عنه إلى قطر
هكذا ولعلها متى ليصح الجزم وقد مر بك أن إذا قد يجزم بها وعلى ذلك بيت الكتاب «خطانا إلى أعدائنا فنضارب».
لنا الدنيا بما فيها ... من الإسلام والكفر
فنصطاف على الثلج ... ونشتو بلد التمر
ولا يخفى ما في هذا من النعماء.
ثم أخذ يعدد أصناف الحيل والمخازي والآثام والنقائص:
فنحن الميزقانيو ... ن لا ندفع عن كبر
أي السائلون، لا يجوز دفعنا بالقهر.
ومنا الكاغ والكاغـ ... ـة والشيشق في النحر
قال الثعالبي: الكاغ والكاغة المتجانن والمتجاننة والشيشق الحدائد
стр. 2182
التعاويذ التي يلقونها على أنفسهم. قلت قوله في النحر يدل على أنها قد جعلت قلائد.
ومن رش وذو المكوى ... ومن درمك بالعطر
قال أبو منصور: «رش إذا كدى بعلة ماء الورد يرشه على الناس. ذو المكوى الذي يبخر الناس. درمك إذا باع العطر على الطريق».
ومن قص لإسرائيـ ... ـل أو شبرا على شبر
«من قص هو الذي يروي الحديث عن الأنبياء والحكايات القصار ويقال لها الشبريات» قلت لأن الشبر بكسر الشين مقياس صغير، وعندنا من ألعاب الصغار «شبيرشد، قام بجماعته، نزل بجماعته».
ومنا كل قناءٍ ... على الإنجيل والذكر
«القناء: يقرأ التوراة والإنجيل ويوهم أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا فأسلم».
ومن ساق الولا بالماء ... أو قوس أبي حجر
ومنا النائح المبكى ... ومنا المنشد المطرى
ومن ضرب في حب ... علي وأبي بكر
ومن قرمط أو سرمط ... أو خطط في سفر
ومن حنن كفية ... وحف الطست كالحر
ومن كان على رأي ابـ ... ـن سيرين من العبر
ساق الولا أي قال أنا مولى الأبطحي يعني الرسول ﵊ وطاف بالماء يسقي يستجدي بذلك. قوس قال الثعالبي: «ومنهم من يكون معه قوس عربية وأول من فعل ذلك في الحضر أبو حجر». أ. هـ. ولم يبين من أبو حجر
стр. 2183
هذا- ومن ضرب، هؤلاء يروون فضائل علي وأبي بكر ﵄ يكونان اثنين يتواطئان على ذلك قال الثعالبي فلا يفوتهما درهم الناصبي والشيعي. قرمط، كتب التعاويذ بالجليل والدقيق من الخط، سرمط، كتب. هكذا فحوى تفسير الثعالبي والظاهران القرمطة والسرمطة والتخطيط كل ذلك ضروب من عمل أهل الشعوذة. والذي يحنن كفيه أي يبدو كأهل النسك والتصوف وفمه مجلو كالطست ومحلوق الشارب وما حول الشفتين كالحر المنتوف وهذه هي عين الصورة التي تهكم بها أبو الطيب حيث قال:
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
ولا يزال نحو هذا المذهب هو الغالب على كثير من الناس.
ومنا كل أسطيل ... نقي الذهن والفكر
وحرفها مرغليوث في أخبار أبي العلاء فكتب ليصعد الإصطبل بالباء الموحدة التحتية وافتعل لذلك أصلًا في اليونانية وتبعه بعض فضلاء المعاصرين العرب وقد نبهنا على ذلك في أحد هوامش الجزء الثاني ولا يعذر هؤلاء أن ناسخًا أثبت نقطة واحدة مثلًا، فلو عرى بالماء لعلم أن المراد الإسطيل ولأن الناسخ قد يهم فيضع واحدة وهو يظن أن وضع نقطتين كثر التنبيه في الكتب بقولهم المثناة والموحدة.
ومن ههنا تشتد سخرية أبي دلف. وقد أنف أبو العلاء أن يعده البغداديون إسطيلًا نقي الذهن والفكر فأعرض عن لقاء الربعي ثم ترك بغداد وقال:
رحلت لم أبغ قرواشا أزاوله ... ولا المقلد أبغي الرزق تقويتا
والموت أجمل بالنفس التي ألفت ... عز القناعة من أن تسأل القوتا
стр. 2184
ومن وجد القناعة أغنته لعمري عن السؤال -وقال أبو دلف الخزرجي وهو يسخر:
ومنا شعراء الأرض ... أهل البدو والحضر
ومنا سائر الأنصا ... ر والأشراف من فهر
ومنا قيم الدين الـ ... ـمطيع الشائع الذكر
لما أدخل الأشراف من قريش والأنصار في زمرة أهل الكدية لما كان من جانبهم كأنه ضريبة جاه مفروضة على الناس، كأنه خافهم، فثنى بإدخال الخليفة نفسه في تلك الزمرة وخلط بمقاله تناولًا للجانب السياسي يغمز به حالة ضعف سلطان الخلافة واستبداد البويهيين بالأمر.
يكدي من معز الدو ... لة الخبز على قدر
عني معز الدولة البويهي. ولا يخفى أن الأشراف العلويين داخلون في ما دخل فيه الخليفة، ثم بعد هذه الغمزة رجع إلى ذكر من دون هؤلاء من أهل المخرقة والحيل:
ومن يطحن ما يطحـ ... ـن بالشدة والكسر
هم الذين يطحنون النوى والحديد بأيديهم وأضراسهم.
ومن يقرأ بالسبع ... وإدغام أبي عمرو
يجوز في السبع فتح السين أي القراءات السبع وضم السين وأرى أنه هو المراد ههنا أي سبع القرآن، وقراء أبي عمرو مما يؤثرون السبع وغيرهم من القراء ربما آثر ذلك كما تدل عليه رسالة ابن أبي زيد إذ الغالب على المغرب قراءة نافع
стр. 2185
وورش خاصة. ومن القراء من يؤثر السدس والخمس وقال المعري يوبخ طارقًا الذي تنصر بعد إسلام:
أتهذ لإنجيل في يوم فصح ... بعد هذا الأسباع والأخماس
والسبع الأول أوله الفاتحة وأول الثاني ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء] وأول الثالث ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ﴾ [الأنفال] وأول الرابع ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر] وأول الخامس ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا﴾ [المؤمنون] وأول السادس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ] وأول السابع ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾ [الحجرات] وتلاة القرآن يوردونها كأنها أسجاع، فما، كما، ربما، أفحسبتم أنما، قل من يرزقكم من السما، قالت الأعراب آمنا. وإدغام أبي عمرو وصغير وكبير فالصغير نحو «وهل أتاك نبأ الخصم اتسوروا» أي إذ تسوروا والكبير نحو «كانكير» أي كان نكير وشاهده في العربية قول عدي بن زيد العبادي وبه استشهد أبو عمرو:
وتذكر رب الخورنق إذ فكر يومًا وللهدى تفكير
أي تذكر على المضي ورب فاعل مرفوع وأدغمت الراء في أختها متحركتين فهذا هو الإدغام الكبير. أي منهم القارئ الذي يقرأ السبع يسأل به ويتبع رواية الإدغام الكبير.
ومن يقرأ بالسبع ... وإدغام أبي عمرو
وأصحاب المقالات ... من الفاجر والبر
ومنا كل ذي سمت ... خشوع القن كالحبر
يرقى وتراه با ... كيا دمعته تجري
خشوع بضم الخاء والنصب أي منا من يظهر التقوى خاشعًا كخشوع العبد القن والحبر العابد.
فإن كبن في السر ... فبالمذقان يستذري
стр. 2186
قال الثعالبي: كبن خرى والكبن (١) الاسم منه يقول إنه يظهر الورع والزهد فإن خلا المسجد وأخذه البطن يخرى تحت السارية أو خلف المنارة ويمسح إسته بالمذقان وهو المحراب.
ألا إني حلبت الدهر ... من شطر إلى شطر
وجبت الأرض حتى صر ... ت في التطواف كالخضر
وللغربة في الحر ... فعال النار في التبر
وما عيش الفتى إلا ... كحال المد والجزر
فإن لمت على الغربة ... مثلي فاسمعن عذري
وعذره أن آل رسول الله ﷺ وخيرة صحبه قد تغربوا ولقوا الظلم وههنا نفس سياسي ذو تشيع، وكان ذلك كالمذهب الفكري لكثير من رجال الأدب في أيام بني العباس -كدعبل وابن الرومي والأصفهاني صاحب الأغاني وأبي الطيب، حتى أبو العلاء لم يخل من شيء من ذلك.
أمالي أسوة في غر ... بتي بالسادة الطهر
هم آل الحواميم ... هم الموفون بالنذر
آل الحواميم إشارة إلى قول الكميت: «وجدنا لكم في آل حم آية» -وهي: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. والموفون بالنذر إشارة إلى آية ﴿هَلْ أَتَى﴾ قيل نزلت في علي وآل البيت ﵃.
هم آل رسول الله ... أهل الفضل والفخر
بكوفان وطفي كر ... بلا كم ثم من قبر
стр. 2187
ثم ذكر قبور آل البيت كالكاظم والرضا وشهدائهم واتبعهم ذكر الصحابة الذين كان ميلهم إلى علي كرم الله وجهه:
وسلمان وعمار ... غريب وأبو ذر
قبورٌ في الأقاليم ... كمثل الأنجم الزهر
أخذ هذا من قول أبي عبادة في آل حميد الطوسي:
قبور بأطراف البلاد كأنما ... مواقعها منها مواقع أنجم
ثم زعم أنه أورد هذا مورد التعزي والتأسي فختم القصيدة بقوله:
فإن أظفر بآمالي ... شفيت غلة الصدر
وقد تخفق فوقي عز ... ةً ألوية النصر
وإما تكن الأخرى ... وعز جائز الكسر (١)
هكذا ويكون تأويله ورب عزٍّ كسره جائز وأستبعده وأحسب أن في عجز البيت تحريفًا ويجوز عز فعل.
فلا أبت مع السفر ... غداة أوبة السفر
وحسبي القصب المطحو ... ن فيه ورق السدر
وأثواب تواريني ... من الإيذاء والأزر
أي حسبي الأكفان والحنوط والسدر ذلك يكفيني أن يؤذيني أحد أو يشد أزري أحد.
стр. 2188
فصل:
قالوا عيب العجاج بأنه لا يحسن الهجاء فأجاب بأن من يحسن البناء يحسن الهدم فلا يعسر عليه واعترض ابن قتيبة على هذا بأن الهجاء بناء كما المدح بناء. ولكلا القولين وجه من الصواب. ذلك بأن المدح يخالطه بيان الفضائل وربما احتاج ذاكرها إلى ذكر أضدادها ليبينها ومن أجل ذلك قال أبو الطيب:
ونذمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
وقد مدح جريرٌ هشامًا بميميته التي أوردنا قدرًا صالحًا منها في الجزء الأوب في معرض الحديث عن الوافر وعدد فيها فضائل هشام فلم يحتج إلى تعريض حتى صار إلى آخر القصيدة فقال:
تواصت من تكرمها قريش ... برد الخيل دامية الكلوم
فما الأم التي ولدت قريشًا ... بمقرفة النجار ولا عقيم
وما قرمٌ بأنجب من أبيكم ... وما خالٌ بأكرم من تميم
سما أولاد برة بنت مر ... إلى العلياء في الحسب العظيم
أرب جرير أن يثبت حق تميم وينوه بقوتها. فبدأ بمدح قريش. وبرأها من الهجنة والهجنة تكون من جهة الأم وبرأ أمهم من العقم لأنها ولدتهم وهم شوكة العرب منهم حكماهم بنو هاشم وبنو أمية. ولا ريب أن القرم أباهم وهو النضر بن كنانة جد قريش، قد كان فحلًا منجبًا. ولا ريب أيضًا أن خال قريش ينبغي أن يكون أكرم خال.
ثم أضرب عن ذكر الفحل، ونسب قريشًا إلى أمهم برة بنت مر، فأكد العز بهذا لتميم بن مر. وكأنه قد أبن سوى قريش وتميم بالأقراف أو بقلة الإنجاب أو
стр. 2189
بهما معًا فتأمل. فهذا من أخفى الهجاء مداخل للمدح لازمٌ لتشييد بنائه.
وقال في عمر بن عبد العزيز:
أنت ابن عبد العزيز الخير لا رهقٌ ... غمر الشباب ولا أزري بك القدم
تدعو قريش وأنصار النبي له ... أن يمتعوا بأبي حفص وما ظلموا
راحوا يحيون محمودًا شمائله ... صلت الجبين وفي عرنينه شمم
يرجون منك ولا يخشون مظلمة ... عرفًا وتمطر من معروفك الديم
أحيا بك الله أقوامًا فكنت لهم ... نور البلاد الذي تجلى به الظلم
لم تلق جدًّا كأجداد يعدهم ... مروان ذو النور والفاروق والحكم
أشبهت من عمر الفاروق سيرته ... سن الفرائض وأئتمت به الأمم
ههنا إشادة بعدل عمر بن عبد العزيز وتفضيل له على سائر ملوك بني أمية. فذكر الأنصار ولا نجده يذكرهم في مدحه عبد الملك أو هشامًا مثلًا، ثم برأه من أن يقال شاب مترف غر وكذلك كان يزيد بن معاوية أو شيخ طال به المدى وسئمه الناس، وكذلك كان مروان ومعاوية من قبل.
وما أراد جرير إلا ذكر الفاروق وحده لينوه بمكان عمر بن عبد العزيز من العدل ولكنه خشي أن يحفظ بني أمية فأقحم اسم الفاروق بين مروان والحكم وكلاهما لم يكن بكبير شيء في الجاهلية أو الإسلام ثم جاء بالفاروق وحده فتبين مراده إذ قال:
أشبهن من عمر الفاروق سيرته ... سن الفرائض وائتمت به الأمم
وزعم أن مروان له نور وإنما النور لسيدنا عثمان وكان ابن عمه، فكأن جريرًا ما أراد إلا إياه.
стр. 2190
ومراد ابن قتيبة واضح وذلك أن بناء القصيدة كلها على الهجاء ليس بهدم ولكنه إنشاء وعمل فني. وأحسب أن أكثر ذلك إنما يتفق في القطع اللاذعة كهجائيات الفرزدق. وفي المطولات كالنقائض. على أنه في النقائض مما يذكر الشعراء الفضائل لتقع في موازنة الرذائل وتنبه عليها.
ومما جاء في الفخر من التنبيه على الرذائل مع التعريض قول طرفة في المعلقة:
ولو كنت وغلا في الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد
ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي
لعمرك ما يومي علي بغمةٍ ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد
إذا مت فأبكيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يابنة معبد
ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطيء عن الجلي سريع إلى الخنى ... ذلولٍ بأجماع الرجال ملهد
فهذه الصفات القبيحة كأن فيها تعريضًا بأناس بأعيانهم. ولكأن أبيات لامية العرب التي يقول فيها «ولا جبإٍ أكهى» تنظر إلى كلام طرفة هذا، فمن زعم أنها منتحلة فهذا وجه من الوجوه التي يحمل عليها قوله.
وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
بيتًا زرارة محتبٍ بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم ... يومًا إذا عد الفعال الأفضل
إنا لنضرب رأس كل قبيلةٍ ... وأبوك خلف أتانه يتقمل
فوازن بين مجد آبائه وحقارة أبي جريرٍ كما زعم.
стр. 2191
وقال جرير:
أمسى الفرزدق يا نوار كأنه ... قرد يحث على الزناء قرودا
ما كان يشهد في المجامع مشهدًا ... فيه صلاة ذوي التقى مشهودا
إنا لنذكر ما يقال ضحى غد ... عند الحفاظ ونقتل الصنديدا
وهذا باب واسع.
هذا وقد مر بك قولنا: «إن العرب كانوا يؤثرون للشاعر أن يتبدى لأن ذلك أدنى إلى القول الصارح والصدق المتوهم في سذاجة البداوة مع الفصاحة والبيان» وأردنا بسذاجة البداوة ما ذهب إليه ابن خلدون في المقدمة من معنى ارتباط الخير بفطرة البداوة لا أن البدوي العربي نفسه قد كان امرأً ساذجًا. وحاجة المجتمع -أي مجتمع وكل مجتمع- إلى الصراحة التي تدل على الفضائل وتنهي عن الرذائل أمر بين.
هذا التبدي لم تكن العرب تتكلفه ولكن تعمد إليه عمدًا مدفوعة بسجية معدنها المركب المزدوج التحامي البداوة والحضارة فيه، كما قال أبو حيان، إن العرب كانوا في باديتهم حاضرين. كانت جزيرة العرب هي الطريق الأعظم لتجارة التوابل والعطر وغير ذلك في الدنيا القديمة. كانت كل بئر حاضرة ومتى كثرن كانت قرية -أو قل واحة كما يقال الآن. ومعرفة العرب بحفر الآبار وطيها في رمالهم المقفرات يدل على تمكن من جانب من المهارة والمعرفة الهندسية السنخ. كانت الآبار والقرى في طريق القوافل من بين شمال الجزيرة وجنوبها ومن بين مشرقها إلى مغربها ومواضع شتى فيما بين ذلك. وكانت التجارة برية بحرية تنتقل من فرضات البحر إلى قرى الأسواق وحواضر الطريق البري. قال تعالى [سور يونس]: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقال تعالى [سورة سبأ]: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ وقال
стр. 2192
تعالى [النحل]: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى [قريش]: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
ولا ريب أن دول العالم القديم الكبريات كانت تتبارى وتتنافس على احتكار هذا الطريق الأعظم والتحكم فيه. وقد حاولت بابل غزو حواضر جزيرة العرب والسيطرة عليها فلم يستقم لها ذلك. وقد رامت الفرس والروم وغيرهما مثل ذلك فكانت طبيعة جزيرة العرب الوعرة لها أعظم حماية. قال الأخنس بن شهاب:
لكيز لها البحران والسيف كله ... وإن يأتها بأس فن الهند كارب
تطاير عن أعجاز حوش كأنها ... جهام هراق ماءه فهو آئب
والحوش من الإبل قيل أصلها من الجن. وشعر الأخنس يدل على أن الهند أو فارس كانت تروم قهر حواضر المشرق من الجزيرة العربية.
كانت حياة البادية والحاضرة ملتحمتين متكاملتين. البادية تحتاج إلى البئر والسوق والحواضر لأهل البوادي ملجأ في زمان الجدب. والحاضرة ردء لها ومنعة وملاذ في البادية. وقد كانت الحواضر مما تفزع من كل غاز إلى بواديها فيعييه أمرها، كالذي صنعه عبد المطلب وقريش لما غزاهم أصحاب الفيل. لذلك كان العرب حقًّا متبدين وهم في مكة أو الطائف أو حجر، كما لو كانوا بالصمان والمتثلم وبوادي الحجاز ونجد.
وكانوا متحضرين وهم في تلك البوادي لطروق أرقى تجارة ذلك العالم قراهم وإلمامهم بتلك القرى مع الصلة الواشجة بها في جوارٍ وحلف ونسب -كالذي بين قريش وكنانة والأحابيش مثلًا، والذي بين هوازن وثقيف، وبين بني حنيفة وبطون من تميم.
стр. 2193
سبق العرب كثيرًا من الناس إلى تأليف الإبل والخيل. وجلي أن طريق التجارة قد كان من أقوى الدوافع التي دفعتهم إلى هذا السبق بتأليفها والتوفر على تربيتها كما لم تفعل أمة من الأمم في الزمان القديم. وفي أساطير العرب أن للإبل أصولًا في الجن. وكذلك الخيل لها أصول روحانية. ولو قد كان في جزيرة العرب ماء وعشب يكفي الفيل لكان العرب قد اعتنوا بتربية الفيل والزندبيل عنايتهم بالعراب من الإبل والخيل، لحاجة التجارة إلى النقل والحماية.
وعند الإنجليز أن أسماء الحصان كثيرة في لغتهم لفروسيتهم ولعنايتهم بتربية الخيل مثل قولهم «هورس وستيد وستاليون ومير»، وأسماء الخيل في العربية بحر طامٍ. ويقال إن أسماء الخيل في اليونانية مأخوذة عن العربية ولا تستبعدن هذا لقدم العرب ومعرفة قديمات الأمم بهم وقد كان اليمن من أسبق الخلق إلى الحضارة، ثم كانوا مع هذا السبق الحضاري وثيقة صلتهم بباديتهم الشاسعة التي كانت لهم حماية وردءًا. وفي أخبار اليمن أنهم بلغوا أرض التبت كما بلغوا أدغال أفريقية حيث يوجد أقوام رؤوسهم تحت أكتافهم. هذا كما قال شكسبير:
and men whose heads ...
Do grow beneath their shoulders ...
ولعله أخذه من أصول عربية وذلك كثير في شعره.
وهذه الأخبار اليمنية إنما تدل على التجارة ولا ريب أن حمايتها كانت تلزم معها شوكة وحد.
ومما يحسن الإلماع إليه في هذا الباب أن اليمن تزعم أن أفريقيس من ملوكهم هو الذي سميت به أفريقية. وهل هي من افتراق بين القارتين؟ أول قل من مادة فرق؟
стр. 2194
مما كأنه رمز لمعنى التحام البداوة والحضارة في العرب التحامًا يجعل حضريهم لا يتخلص من معدن البداوة الذي هو فيه أبدًا وبدويهم أبدًا تخالط روحه دعوة الحضارة ونوازعها، خبر التوراة أن الملك بشر هاجر أم إسماعيل بأنها ستلد إنسانًا وحشًا - (سفر التكوين) ١٦ - رقم ١١ - ١٢ - «وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنًا وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك وأنه يكون إنسانًا وحشًا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع إخوته يسكن»، وفي سفر التكوين ٢١ رقم ١٧ «ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها ملك يا هاجر، لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. قومي احملي هذا الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة». أشار البوصيري ﵀ إلى مقالة التوراة هذه وأصاب إذ عدها من باب البشارة بسيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ حيث قال:
تخبركم التوراة أن قد بشرت ... قدمًا بأحمد أم إسماعيلا
ودعته وحش الناس كل ندية ... وعلى الجميع له الأيادي الطولا
وأول هذه القصيدة:
جاء المسيح من الإله رسولا ... فأبى أقل العالمين عقولا
قوم رأوا بشرًا كريمًا فادعوا ... من جهلهم لله فيه حلولا
وشاهد الرمز قول التوراة «إنسانًا وحشًا» أو كما قال البوصيري «وحش الناس» ولعل هذه ترجمة أقدم وهي أفصح من قوله «إنسانًا وحشًا».
تبدى الشعر الفني طبيعة إنسية وحشية فيه ووحشية إنسية فيه. وكانت العرب تنسب الشعر إلى الجن ويلذها فيه الغريب وأكثر ما كان يعمد الشعراء إلى الغريب إذا
стр. 2195
ركبوا الخيل أو الإبل -أما الخيل فالفروسية تخالطها عبقرية التحدي واللامبالاة، كما قال زهير:
بخيلٍ عليها جنة عبقرية ... جديرون يومًا أن ينالوا فيستعلوا
وأن يقتلوا فيشتفي بدمائهم ... وكانوا قديمًا من مناياهم القتل
وأما الإبل فلأنها كانت تقطع بها المهامه -يتحدى بها الشاعر الهاجرة كما في يقول طرفة:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقالٍ تروح وتغندي
ألحت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد
والعرب تزعم أن الشياطين لا تقيل فراكب الهجيرة مع الجن يصحبهم أو يتحداهم.
أو يقتحم بها الشاعر ليل السرى وإنما سميت الصحراء دوية لأنه يسمع فيها دوي الجن وإلى هذا أشار ذو الرمة بقوله:
للجن بالليل في أرجائها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم
هنا وهنا ومن هنا لهن بها ... ذات الشمائل والأيمان هينوم
وقال أبو العلاء عن نفسه إنه إنسي المولد وحشي الغريزة يعني حبه التفرد والوحدة. وفي قوله بعض معنى «وحش الناس» كما في معنى البداوة في الحضارة. وقل قول أبي العلاء لا يضمنه إشارة خفية. وقد كان شديد الولع بالغريب. ومع ذلك أنحى على رؤبة باللائمة على لسان ابن القارح وقال له: «تصكون مسامع الممدوح بالجندل». واستجهله قائلًا: «لو سبك رجزك ورجز أبيك لم تخرج منه قصيدة مستحسنة، ولقد بلغني أن أبا مسلم كلمك بكلام فيه ابن ثأداء فلم تعرفها حتى
стр. 2196
سألت عنها بالحي ولقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق، وأن غيرك أولى بالأعطية والصلات» أ. هـ.
وليت شعري هل نفس أبو العلاء على رؤبة وأبيه ما أخذا من جوائز أعياه هو مع سعة غريبه أن ينال طيفًا من مثلها إذ زار بغداد؟
وإنما كان يعجب الملوك من كلام رؤبة وأبيه صحة بداوته وكانوا قومًا عربًا. والشاعر أخو الجن تنتظر منه أنفاس من لغة الجن. وأبو العلاء يعلم ذلك وبنى عليه سينيته التي جاء بها على لسان جنية أبي هدرش:
مكة أقوت من بني الدردبيس ... فما لجني بها من حسيس
وخبر ابن ثأداء هذا الذي ساقه غريب، إذ لم يكن رؤبة بالذي يجهل قول النابغة:
ردت عليه أعاليه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وغرابته أن يقوله أبو مسلم وكانت أمه أمة تدعى وشيكة كما في ميمية بشار، هذا على قول من قال إنه من ولد العباس وأخفى نسبه وليس مقتله على يدي أبي جعفر بنافي نسبه إذ الملك عقيم، وابن ثأداء العاجز، أو ابن الحمقاء وكل ذلك بمعنى، وأصل الاشتقاق من الثأد بمعنى الرطوبة والاسترخاء واضح. ويكون سؤال رؤبة إن صح استغرابه عبارة أبي مسلم إذ لم يكن ظاهر أمره عنده إلا أنه ابن ثأداء. على أن المرء قد يغلبه النسيان فيجهل ما يعلمه. وأن يكون رؤبة يرجع إلى أحياء تعلم الفصاحة والغريب وحده مبرر لأخذه الجوائز. وما أرى إلا أن أبا العلاء أزله ازراؤه بقدر الرجز وأنه دون مرتبة الشعر أن يقول ما قال. وقريب من مذهبه تجاه الرجز مذهب صاحب الأغاني تجاه السجع.
ولتبدي الشعر عناصر أربعة، الفصاحة والشجاعة والفطنة والسخاء،
стр. 2197
وأحسب أن الشعراء الأربعة الذين قدموا في الجاهلية كأن قد جعلوا أمثلة لهذه العناصر. وهن يجتمعن في الشاعر المفلق، لا يستغنى عن واحدة منهن، وكل منهن صفة وثيقة الصلة بالبداوة. الفصاحة معدنها البداوة. وكل من كان منها أقرب كان من الفصاحة أقرب. وقد قرأت منذ دهر مضى كلامًا من هذا المعنى للسباعي بيومي ﵀ يقول فيها إن طبقات القاهرة الشعبية والنساء خاصة لهن من الفصاحة ما لا يوجد في الطبقات التي هي أعلى أو ما هو بهذا المجرى، وهذا أمر مشاهد في كثير من بلاد العربية أن أدنى طبقاتها إلى البداوة -حتى في اللغة الدارجة- أقواها في مجال الفصاحة وأدناها إلى معدن فصاحة العربية الفصحى. هذا، والشجاعة مع البداوة وإليها أقرب منها إلى الحضارة. وكذلك السخاء لبساطة العيش واشتراك الناس فيه وحاجتهم اليومية بعضهم إلى بعض. وقد تعلم أصلحك الله أمر إيقاد العرب على الإيفاع نيران القرى. وقال طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وكان فطنة الأعراب مثل سائر. وقد مر بك قول حبيب:
لا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فالفصاحة كأن النابغة رمز لها. وقالوا أشعر الناس النابغة إذا رهب، والرهبة مما تفحم وما تنطق، فمن أنطقت جاء بالبيان الساحر ليخرج به من مأزقه والشجاعة رمزها الفرس والفارس، وقالوا أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وقد كان ملكًا وابن ملك، حال الحضارة ولينها، أشبه به وأقرب إلى مكانه، ولكنه كان مع ذلك بدويًّا مقاتلًا. وفي شعره كما كان يصف الخيل فيجيد، كان كمن ينشده وهو على صهوة مشرفة على الآفاق. وقالوا: أشعرهم زهير إذا رغب، ومن رغب تأتى بلباقة وذكاء وقديمًا قالوا من أحب طب والرغبة فرع المحبة والطلب طرف منها لا ينفصم.
стр. 2198
وعند زهير الفطنة. بها قدر على المدح والحكمة والتجويد. وقالوا: الأعشى إذا طرب، ومع الطرب السخاء، وذلك أن يصدر القول والإيقاع وما هو من معدن الشعر كل ذلك بأريحية وتدفق. وكان الأعشى شاعرًا متنقلًا، متغنيًّا كما وصف نفسه فقال:
وكنت امرأً زمنًا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن
وكان من نعات الخمر.
غير خاف أن قولهم امرؤ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب مرادة به الإشارة إلى صفة الخيل والمدح لهرم والاعتذار للنعمان والخمر التي كان بها الأعشى كلفًا ولوصفها محسنًا- ولكنه مراد به أيضًأ نعت عام لهؤلاء الشعراء وتنبيه على الإحسان الذي تفردوا به. وقد جاءت أوصاف أكثر تفصيلًا عنهم رويت عن عمر وعن علي وغيرهما مما يزيد من سعة مدلول الاختصارات الأربعة التي اختصروها.
ثم نعت زهير بالرغبة ليس بناقيها على امرئ القيس ولكن اعتلاء الصهوة أبرز في أمره. وكل من الأربعة شجاع لأنه أقدم فقال. واستخرج القول من أعماق نفسه فسخًا به. وجوده وأعمل الفطنة في اختيار معانيه ومبانيه.
توازن عناصر الشجاعة والفطنة والسخاء والفصاحة توازنًا فنيًّا بيانيًّا هو الذي ينشأ عنه الجزالة وشدة الأسر وصفاء الديباجة ونصوع البيان فتهتز له النفوس وتنشرح له القلوب. وهذا التوازن الشعري الفني البياني تعبير عن التوازن الروحي الكامل بين عناصر بداوة العرب وحضارتهم.
كان العرب عندما أقبلوا على الفتوح أجود خيولًا وأحد سيوفًا وأسد رماية وأكرم قيسًا وسهامًا وأهدى بالطرق وأخبر بأحوال الأمم التي حولهم من الروم والفرس وكانوا أعظم آفاق ثقافة ومدى فكر لأنه لم يكن لا للروم ولا للفرس مثل
стр. 2199
كنوز الشعر والأدب والفصاحة التي تفجرت بها عيون المعاني والبيان عند ربيعتهم ويمنهم وتميمهم وقيسهم وهذيلهم وعلى تقدير التسليم بدعوى الانتحال فإن الذي سلموا بأنه غير منحول كشعر زهير والنابغة عند الدكتور طه حسين لم يكن عند ررم القرن الميلادي الخامس والسادس والسابع وفرسه شيء يدانيه. وحسبك ذلك شاهدًا على تفوق ثقافتهم وفكرهم الذي نقول له عن يقين وكانت قراهم بالبر والبحر فرضات التجارة العالمية آنئذ وثغور مجازها. لذلك كانوا بمشيئة الله مهيئين لحمل الرسالة التي بلغها رسول الله الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام. ولقد كان من قوة شعورهم بها وصدق ثقتهم بالله أنهم قادرون على حملها أن نطقت بها خيولهم أيام الفتوح. فقد ذكروا أن طلال فرس البكير الشداخي لما أرادها أن تجتاز نهرًا يوم القادسية فقال لها: «ثبي أطلال» تكلمت فقالت: «وثب وسورة البقرة». إحساس فارسها أنه ليس مقدمًا بها على سلب ونهب وأمر من زينة الدنيا وكبريائها ولكن من أجل إعلاء كلمة الله وتبليغ سورة البقرة وعلوم القرآن قد صار لها هي إحساسًا، فقويت به على اجتياز النهر الذي أمامها وثبًا ما كانت لتقوى عليه لولا ما كان على ظهرها من حمل بركة القرآن.
عند كثير من المؤرخين المعاصرين وأهل الأدب أن العرب إنما عرفوا الثقافة والحضارة والعلوم بعد أن انتهى دور الفتوح وضربت الدولة الثانية بجران. وأن القرنين الثالث والرابع كانا قمة تلك الحضارة. وأن القرن السابع كان هو وما بعده عصور الانحطاط وأنه قد كان مستكنًا في أوج زمان حضارة الإسلام عنصر محافظته الذي أدى إلى تحجر تلك الحضارة وجمودها آخر الأمر. وأن التصوف شيء يوناني فارسي هندي مسيحي وأن اشتقاقه من كلمة يونانية وأن أجود شعر المسلمين الصوفي كان باللغة الفارسية. وأوشك كثير من نقد العصر أن يضرب مع الشعوبية والصليبية والعنصرية بسهام. وأوشك بعض العرب أن يستشرقوا مع المستشرقين المنطلقين من
стр. 2200
قاعدة تعادي العرب. وقديمًا قال أبو العلاء:
أين امرؤ القيس والعذارى ... إذ مال من تحته الغبيط
له كميتان ذات كأس ... تزبد والسابح الربيط
استعجم العرب في الموامى ... بعدك واستعرب النبيط
وأحسب أن قول القائلين بفطرية العرب من مستشرقي أبنائهم العرب والمستعربين اليوم قد أخذوا بما قال به ابن خلدون. ولا ريب أن في أقوال ابن خلدون عمقًا وبراعة تأمل. ولكنها ينبغي ألا تعزل عن ملابساتها في الزمان والمكان والظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي كانت تحيط بابن خلدون نفسه، فقد كان رجلًا داهية سياسيًّا مناضلًا ذا طموح والذي قال به توينبي في كتابه الذي درس فيه التأريخ أن ابن خلدون اعتزل الناس ثم خرج على الناس بكتابه كما يفعل الأنبياء، فيه نظر إذ أن ابن خلدون لم ينفصم حقًّا عن مخالطة الناس ونضالهم. وقد أنكر على العلماء المعرفة بأمور السياسة والمقدرة على النهوض بأعبائها. وكان هو من العلماء وخاض غمار السياسة خوضًا ورأى العلماء على عصره يفعلون ذلك. فإن يك إنما أراد إبعادهم ليخلو الجو لنفسه فعسى ذلك. وقد ذكر خبر العباسة فأنكر أن يكون غرام بينها وبين جعفر هو الذي جر نكبة البرامكة أو كان لها سببًا مباشرًا -كما يقول المؤرخون الآن- بحجة أن الرشيد وزمانه كل ذلك كان قريبًا من سذاجة السلف الصالح. وقد كان الطبري من رجالات العلم ببغداد في زمان أقرب إلى السلف الصالح من زمان ابن خلدون وأعرف بحال بني العباس، ولم يستبعد ما استبعده ابن خلدون ولا نسب إلى زمان الرشيد أيتما سذاجة. وابن خلدون نفسه قد زعم أن الدولة الإسلامية قد داخلها الترف وقويت له في كلتا دولتيها الأولى والثانية، وذلك لا يستقيم ما ادعاه من سذاجة لزمان الرشيد.
اجتهاد الصحابة في تدبير الفتوح والخراج والقضاء وكتابة المصاحف وضبطها
стр. 2201
وإنشاء الأسطول حتى هزموا به الروم في ذات الصواري على زمان عثمان ﵁ ثم ما كان من جدل محتدم سبق الفتنة وتلاها حتى قامت الفرق بما فيها من مناظرات وعقائد ومذاهب، وما سيق من خبر السبئية وعبد الله بن سبأ وما أرى إلا أنهم إنما أرادوا النسبة إلى اليمن بهذه التسمية لأنه كانت لعلي كرم الله وجهه باليمن شيعة منذ زمان مبكر كما يفهم من خبر ابن عباس مع الحسين بن علي ﵃، إذ نهاه عن التوجه إلى العراق وأشار عليه باليمن لأن لأبيه بها شيعة -كل هذا منبئ عن وجود حيوية فكرية لا يتأتى مثلها عن الفطرية التي هي ضرب من البدائية والسذاجة التي هي ضرب من بساطة الجهلاء- وكلا هذين وصف نقادنا الآن أسرع إلى إطلاقه على العرب الأقدمين يضاهون به كلام بعض متعصبي المستشرقين كما قدمنا.
لما اتسعت رقعة دولة الإسلام ومصرت الأمصار انثال عليها العرب من بواديهم وقراهم وما حولها. وقويت شوكة الخلافة، فأغنت هيبتها عن حاجة قار إلى بادٍ في أمر الحماية والامتناع من الغزاة. كان العرب في صحرائهم بالتحام بداتهم مع حضرهم أعزاء مستعصين على كل غازٍ محتاجة إليهم روم الدول وفرسها. المناذرة والغساسنة كلاهما كان ملكهما شيئًا أحدثه الفرس والروم يتقون به العرب، ويتوصلون به إليهم. كان مجنًّا ومعبرًا. فلما جاءت الخلافة أزالت المجن والمعبر إذ صار العرب هم خلائف الأرض مكان الفرس والروم. ولكنهم بصنيعهم هذا أدخلوا من حيث لا يحتسبون عوامل الضعف والاختلال في التوازن الذي كان حافظًا عليهم كيانهم البدوي الحضري. ولعل الخلافة لو قد استمرت راشدية لكان ذلك أبقى على مادة العرب، ولكنها صارت ملكًا عضوضًا، وداخلته العصبية والاستبداد وسائر المؤثرات التأريخية التي أحسن ابن خلدون تفصيلها في هذا الباب. على أن «لوًّا» قليلة الغناء في هذا الموضع. إذ الخلافة الراشدية نفسها إنما قامت على تقديم قريش لقوة عصبيتها في العرب. وصدق الله العظيم وجل من قائل إذ يقول:
стр. 2202
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة] وإذ يقول ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران].
أحست العرب على رأسها سادتها في أيام دولة بني أمية بدبيب اختلال التوازن وكان الشعر ديوان العرب. فكان الحرص أشد على أن يظل معبرًا عن مادة البداوة، التي جعلت الآن أهميتها تقل، وحاجة الأمصار إليها تضعف، والتحام خشونتها بلين الحواضر ينفصم. ومن أجل ذلك كان الشعراء يستقدمون من بواديهم فيفدون على الخلفاء وعلى الولاة. وقال الفرزدق يخاطب الخليفة:
إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... هموم المنى والهوجل المتعسف
وعض الزمان يابن مر وإن لم يدع ... من المال إلا مسحتًا أو مجلف
وقال جرير:
تعرضت الهموم لنا فقالت ... جعادة أي مرتحلٍ تريد
فقلت لها الخليفة غير شك ... هو المهدي والحكم الرشيد
قطعن الدام والأدمى إليكم ... ومطلبكم من الأدمى بعيد
نظرت من الرصافة أين حجر ... ورملٌ بين أهلهما وبعيد
ثم استقدم الرجاز، وكانوا أشد إيغالًا في وحشية البداوة، ثم انقطعت مادة الشعر الجزل الأصيل البداوة والرجز الخشن أنفاس الصحراء، وذلك على أيام الدولة الثانية، فاستقدم الأمراء والخلفاء العلماء من أمثال الأصمعي والليث بن المظفر بن نصر بن سيار الليثي (نصر بن سيار آخر ولاة بني أمية على خراسان) والفراء، وكان هؤلاء بقية البداوة من بقية فصائحها. كان مربد البصرة زمان بني أمية ملتقى الرجاز والشعراء. ثم صار ملتقى حفظة اللغة وطلابها على زمان أبي نواس وأشياخه، ثم كما كان يفد الرجاز والشعراء من قبل بالغريب على الخلفاء والولاة،
стр. 2203
جعل فصحاء البدو يفدون فيأخذ النحويون وأهل الرواية منهم وخبر المسألة الزنبورية معروف.
كان هذا الحرص على اقتناء مادة البداوة في الغريب العويص رجزًا وشعرًا وأوابد كلمات والاشتداد في طلب ذلك صادرًا عن إيمان عميق بأن البداوة شيء ضروري لحيوية روح العرب مهما يصيبوا من نصيب التحضر وعن اعتقاد راسخ أنها متى زالت زال الروح العربي الحي أو باخ أو حدث به ضرر عظيم. روي أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين سأل إجازة بيت ووعد أن يجيز من أجازه شيئًا كان عليه من ثيابه ردا أو بردًا -وليرجع القارئ الكريم إلى نص الخبر في الأغاني عند أخبار بشار- قالوا وأنشد:
وهاجرة نصبت لها جبيني ... يقطع ظهرها ظهر العظاية
فأجاز بشار على الفور:
وقفت بها القلوص فسال دمعي ... على خدي وأقصر واعظايه
فأعطاه المنصور ما وعد. وما أجدر هذا الخبر أن يكون صحيحًا لما في بيت بشار من الذكاء وكأنا نبصر رأس ضريره يهتز بإنشاده قالوا وكان بشار جهير الصوت رائع النشيد. وعندي إن صح هذا الخبر، وهو إن شاء الله صحيح، أن المنصور ﵀ إنما صدر في الذي صنع عن روح تعلق أصيل بأسباب البداوة والعروبة الحقة. والبيتان في رويهما الظاء ولزوم لما لا يلزم. وهذا كما ترى جمع بين غريب وبديع.
وكأن طلب الغريب ضرب من البديع أو أخ له، على ظاهر أمر اقتران الغريب بالبداوة واقتران البديع بالحضارة.
وعلى قرىٍ من نوع قرى المنصور إذ جاء ببيته العظائي فأجازه بشار ببيته الواعظائي كان على الأرجح مجيء رؤبة بما جاء به من قوافي الظاء والغين والشين وما
стр. 2204
أشبه مما عابه عليه أبو العلاء، ولقد جاء أبو العلاء بعد زمان رؤبة بثلاث مئات أو نحوها فجاء بل حروف المعجم في لزومياته وفيهن الظاء والشين وما عابه على رؤبة. أم ليت شعري إنما جعل هذا على لسان ابن القارح كراهية أن يجعله صادرًا مباشرة عن نفسه، وإلماعًا إلى أن هذا ذوق أهل عصره؟ مهما يكن من شيء، فإن غريب أبي العلاء قد كان طرفًا من حبه بداوة العربية أن تكون أبدًا ليست عن جوهر بلاغتها بمعزل، إذ لا تكون العربية حقًّا ذات بلاغة بدون بداوتها. وقال في العينية التي ودع بها بغداد:
وما للفصحاء الصيد والبدو دارها ... بأفصح يومًا من إمائكم الوكع
ومع فتنته ببغداد هنا، قد ترى أنه قرن الفصاحة بالبداوة. قد كانت عقيدة الإبقاء على البداوة متمكنة من أعماق نفسه. وقد كان كما قال الذهبي، شيخ الأدب.
ذكر ابن المعتز أن البديع في العربية قديم وليس بأول من فطن إلى ذلك وإنما خصصناه بالذكر لمكان كتابه البديع وقد ساق فيه أمثلة من جناس القدماء وصناعة بديعهم.
كان البديع زينة تزين به الفصحاء كلامها. وطلب الزينة من طبع البشر وإن يكونوا بدوًا وإن يكونوا همجيين أو بدائيين. وقد ذكرنا أن بداوة العرب كانت وثيقة الصلة بزينة الحضارة -حتى إن منها ما داناها مداناة آخذة بنصيب وافر منها كالنابغة الذي كان له حصن على رأس جبل منيف أحل به أهله وزعموا أنه كان يأكل في صحاف الذهب، قال:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا
حذرًا على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
стр. 2205
وقال ثعلبة بن صعير:
تضحي إذا دق المطي كأنها ... فدن ابن حية شاده الآجر
أي بناه بالجص والآجور. قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾.
وذكر علقمة بن عبدة زبنة الهوادج:
عقلا ورقما تظل الطير تخطفه (البيت)
وقال أبو ذؤيب: «كأنما كسيت برود بني تزيد الأكرع» وهي التزيديات التي ذكرها علقمة. وقال امرؤ القيس «وأكرعه وشي البرود من الخال».
وكان مما تزين به العرب. كلامها السجع والازدواج والتقسيم والترصيع وكل أولئك معدود في أبواب البديع. وكانت مما تزين به كلامها الغريب وربما اخترع الشاعر الكلمة أو جاء بها طريفة مستعارة مما لم يستعمله العرب قبله كقول الأعشى:
بالجلنار وطيب أردانه ... بالون يضرب لي يهز الأصبعا
وقول ابن أحمر «حنت قلوصي إلى بابوسها» وتسميته النار مأنوسة. وما ذكروا العريب في أصناف البديع وكأنهم قاربوا ذكره إذ في ما استشهد به قدامة في باب ائتلاف اللفظ والمعنى شيء سماه المطابق وذكر بيت الأفوه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنسًا ... بهوجل عيرانةٍ عنتريس
وشرح الهوجل الأولى بأنها الأرض والثانية بأنها الناقة فالحاجة إلى الشرح تنبئ عن الغرابة والاستشهاد بالكلمة المذكورة في مجال بديعي كما ترى.
وقد فرق قدامة بن الغريب والحوشي ثم اضطرب في هذا فزعم أن الحوشي مجوز للقدماء من أجل «أن من شعرائهم من كان أعرابيًّا قد غلبت عليه العجرفة ومست الحاجة إلى الاستشهاد بأشعارهم في الغريب» فتبين من هنا أن الغريب ليس
стр. 2206
هو الحوشي ولكن الحاجة إلى الاستدلال عليه قد تدعو إلى طلب شعر الأعراب أولى العجرفة وفيه الحوشي مع الغريب. ثم قال: «ولأن من كان يأتي منهم بالحوشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب والتكلف لما استعمله منه لكن بعادته وعلى سجية لفظه»، ثم زعم أن من الأعراب من يتكلفه، وهذا داخل في ما قدمناه من وفود الأعراب ببضاعة من الغريب وما هو أغرب منه وهو الحوشي يزجونها إلى الأمصار. قال: «فأما أصحاب التكلف لذلك فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي» وأنشد شيئًا من شعره أوله:
تذكرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤة
والإهلاس نوع من الضحك والمطرؤة من طرا الشيء أي يجعل الأمر يطرأ على قلبك أي يجعلك تتذكر وهكذا استعمال هذه الكلمة في الدارجة يقولون طرا واطرى (١).
وأنشد كلمة لشاعر محدث أنشدها اللغوي ابن الأعرابي جاء فيها:
حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم
وما شبرقت من تنوفيةٍ ... بها من وحي الجن زي زيزم
قال قدامة فبلغني أنه أنشد ابن الأعرابي هذه القصيدة فلما بلغ إلى ههنا قال له ابن الأعرابي إن كنت جادًا فحسبك الله.
الزيزم بكسر الزاي صوت الجن وأضاف الشاعر قبله زي يكسر وأشباع.
ومن اضطراب قدامة في هذا الباب رجوعه عما قد قدمه من أن الحوشي يطلب للحاجة الماسة إلى معرفة الغريب وأنه يجيء بلا تكلف فذكر أن من الأعراب من
стр. 2207
شعره فظيع التوحيش وأنشد أبياتًا رواها عن ثعلب عن ابن الأعرابي قالها محمد بن علقمة التميمي وقافيتها الخاء:
أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ
أخطأت وجه الحق في التطخطخ
أما ورب الراقصات الزمخ
يخرجن من بين الجبال الشمخ
يزرن بيت الله عند المصرخ
لتنمطخن برشاءٍ ممطخ
ماءً سوى مائي يابن الفنشخ
أو لتجيئن بوشيٍ بخ بخ
من كيس ذي كيس مئن منفخ
قد ضمه حولين لم يسنخ
ضم الصماليخ صماخ الأصلخ (١)
وما أرى إلا أن صاحب هذا التوحيش قد جاء به يتحف به سامعه الحضري وفيه فكاهة وضحك وجاء بالخاء ليناسب به ابن الفنشخ وهو كما يظهر لقب ونبز إما كان معروفًا لذلك الرجل أو نبزه به لافتراق ساقيه وهو يمطخ بدلوه من البئر.
لما جعل توازن البداوة والحضارة يختل وخالط ذلك الاختلال بيان العرب ودخل اللحن في لسان من كانوا هم معدن الفصاحة -كالذي رووا عن الوليد بن عبد الملك أنه قال للأعرابي من ختنك بفتح النون فقال هذا القابلة امرأة بالبادية يا أمير
стр. 2208
المؤمنين وأن الحجاج وهو الخطيب المصقع قال لأحدكم كم عطاءك فقال ألفين فقال له ويلك كم عطاؤك فقال ألفان -فزع القوم إلى بقية البادية. أول الأمر بجد وإلحاج يطلبون به أمرًا من سنخ معادنهم وضرورة لا يستغنون عنها بحال يدلك على ذلك مثلًا خبر كثير مع يزيد بن عبد الملك إذ أنشده بيتًا للشماخ فيه «قتين» وسأله عن معناه فلما لم يجبه (سأما لا جهلا) جعل يقول له «بصبصن إذ حدين» فزجره يزيد وقال له ما معناه هو القراد أشبه خلق الله بك. ثم صاروا بعد الجد يطلبونه استطرافًا -فصار الغريب كما ترى كأنه ضربٌ من الزينة، كأنه هو ضرب من البديع.
شينات رؤبة وظاءاته وضادية الطرماح وأغراب الكميت وأوابد ذي الرمة- كل ذلك كان لونًا من جد الفزع إلى البداوة مخالطه شيء من روح استطرافها والتزين بها. وإن كان في رؤبة وأبيه وأكثر الرجاز حوشي وتوحيش أحيانًا فقد كان في الكميت أسلوب كأنه درس علمي واستقصاء لأحوال ما كانت عليه البداوة، كقوله مثلًا «ولم يكن لعقبة قدر المستعيرين معقب» ولها أمثال في الهاشميات وكقول الطرماح «أمارت بالبول ماء الكراض» وقوله «حين نيلت يعارة في عراض» ورووا عن رؤبة أو ذي الرمة أن الكميت والطرماح كانا يلقيانه فيأخذان منه الغريب فيوجد من بعد في أشعارهما وكان معلمين. وقد كان في شعر ذي الرمة غريبه عن اختيار وتلذذ. مع ما تقدم ذكره من تتبعه لشعر القدماء بتأمل كالشرح مثل قوله في الظليم:
كأنه حبشي يقتفي أثرًا ... أو من معاشر في آذانها الخرب
فهذا تتبع فيه قول عنترة «كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم» وقوله يقتفي أثرًا يشير به إلى طأطأة الرأس. وقوله في آذانها الخرب شرح وتوضيح لقول عنترة «الأصلم» وقد استكمل سائر نعت الصورة في أبيات البائية.
قد نسب النقاد أولية البديع لابن هرمة وبشار مع الذي تقدم من قولهم بقدم
стр. 2209
أساليبه. وكان ينبغي أن يذكر مع هذين ذو الرمة وأن يقدم عليهما لما في شعره من متعمد بديع اللفظ كضروب جناساته نحو.
معروريًّا رمض الرضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم
وضروب استعاراته وتشبيهاته نحو:
غللت المهارى بينها كل ليلة ... وبين الدجى حتى أراها تمزق
ونحو: وساق الثريا في ملاءته الفجر.
ولكني أرى وأحسب أنهم لم يذكروه أول أصحاب البديع لإيثارهم أن يجعلوه آخر المفلقين ويشبهوه في الإسلاميين بامرئ القيس في القدماء. وما أرى أنهم أخروه عن منزلة جرير والفرزدق إلا لما أحسوه في أسلوبه من طرافة لم يخالف بها القدماء ولم يبلغ بها حاق أنفاس بداوة فحولتهم. وقد تعلم مقال أبي عمرو فيه على استحسانه لشعره أنه كنقط العروس وبعر الظباء.
ونظير الذي صنعوه مع ذي الرمة صنيعهم إذ أبوا لبشار أن يكون لاحقًا بآخر من يصح بهم الاستشهاد وجعلوه أول المحدثين وأباهم وزعموا أن سيبويه أنكر عليه «الغزلي» وزعموا أنه كانت بين الرجلين جفوة وأن سيبويه هو الذي وشى له لما أنشد في حلقة يونس بن حبيب الضبي:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ليس الخليفة بالموجود فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود
قال المعري بعد ذكره هذا الخبر «وسيبويه فيما أحسب كان أجل موضعًا من أن يدخل في هذه الدنيات بل يعمد لأمور سنيات». وقد كان في المعري ﵀ شيطنة خبث دباء لا تدعه يكف من الغمز واللمز.
ولعل مما جعلهم يلحقون ابن هرمة بمن يصح بهم الاستشهاد، على ما كان له من
стр. 2210
الصناعة، قرشيته وتبؤوه الحجاز. ثم في أسلوبه من متانة الأسر ما هو أكثر وأقوى مما عند بشار. ولا يقدح في أسر بشار أنه كان مولى فقد نشأ عربيًّا. وقد كان إسماعيل بن يسار النسائي مولى وشعوبيًّا يهجو العرب ومع ذلك لم يخرجه هذا من أهل الاستشهاد لصحة أسره ورسوخ قَدَمه وقِدَمه، وأنه مع هذا كان مولى لقريش حجازي الدار.
قال أبو فرج الأصفهاني في الجزء الرابع من الأغاني (طبعة دار الكتب وما صور عنها) في باب ذكر ابن هرمة وأخباره ونسبه: «أنشدني عامر بن صالح قصيدة لابن هرمة نحوًا من أربعين بيتًا ليس فيها حرف يعجم وذكر هذه الأبيات منها، ولم أجد هذه القصيدة في شعر ابن هرمة، ولا كنت أظن أن أحدًا تقدم رزينا العروضي إلى هذا الباب.
وأولها:
أرسم سودة أمسي دارس الطلل ... معطلًا رده الأحوال كالحلل
هكذا ذكر يحيى بن علي في خبره أن القصيدة نحوٌ من أربعين بيتًا، ووجدتها في رواية الأصمعي ويعقوب بن السكيت اثني عشر بيتًا فنسختها هاهنا للحاجة إلى ذلك، وليس فيها حرف يعجم إلا ما اصطلح عليه الكتاب من تصييرهم مكان ألف ياء مثل «أعلى» فإنها في اللفظ بالألف وهي تكتب بالياء ومثل «رأى» ونحو هذا، وهو في التحقيق في اللفظ بالألف وإنما اصطلح الكتاب على كتابته بالياء كما ذكرناه، والقصيدة:
أرسم سودة محلٌ دارس الطلل ... معطل رده الأحوال كالحلل (١)
لما رأى أهلها سدوا مطالعها ... رام الصدود وعاد الود كالمهل
وعاد ودك داءً لا دواء له ... ولو دعاك طوال الدهر للرحل