← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

هو الحوشي ولكن الحاجة إلى الاستدلال عليه قد تدعو إلى طلب شعر الأعراب أولى العجرفة وفيه الحوشي مع الغريب. ثم قال: «ولأن من كان يأتي منهم بالحوشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب والتكلف لما استعمله منه لكن بعادته وعلى سجية لفظه»، ثم زعم أن من الأعراب من يتكلفه، وهذا داخل في ما قدمناه من وفود الأعراب ببضاعة من الغريب وما هو أغرب منه وهو الحوشي يزجونها إلى الأمصار. قال: «فأما أصحاب التكلف لذلك فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي» وأنشد شيئًا من شعره أوله: تذكرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤة والإهلاس نوع من الضحك والمطرؤة من طرا الشيء أي يجعل الأمر يطرأ على قلبك أي يجعلك تتذكر وهكذا استعمال هذه الكلمة في الدارجة يقولون طرا واطرى (١). وأنشد كلمة لشاعر محدث أنشدها اللغوي ابن الأعرابي جاء فيها: حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم وما شبرقت من تنوفيةٍ ... بها من وحي الجن زي زيزم قال قدامة فبلغني أنه أنشد ابن الأعرابي هذه القصيدة فلما بلغ إلى ههنا قال له ابن الأعرابي إن كنت جادًا فحسبك الله. الزيزم بكسر الزاي صوت الجن وأضاف الشاعر قبله زي يكسر وأشباع. ومن اضطراب قدامة في هذا الباب رجوعه عما قد قدمه من أن الحوشي يطلب للحاجة الماسة إلى معرفة الغريب وأنه يجيء بلا تكلف فذكر أن من الأعراب من

стр. 2207

شعره فظيع التوحيش وأنشد أبياتًا رواها عن ثعلب عن ابن الأعرابي قالها محمد بن علقمة التميمي وقافيتها الخاء: أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ أخطأت وجه الحق في التطخطخ أما ورب الراقصات الزمخ يخرجن من بين الجبال الشمخ يزرن بيت الله عند المصرخ لتنمطخن برشاءٍ ممطخ ماءً سوى مائي يابن الفنشخ أو لتجيئن بوشيٍ بخ بخ من كيس ذي كيس مئن منفخ قد ضمه حولين لم يسنخ ضم الصماليخ صماخ الأصلخ (١) وما أرى إلا أن صاحب هذا التوحيش قد جاء به يتحف به سامعه الحضري وفيه فكاهة وضحك وجاء بالخاء ليناسب به ابن الفنشخ وهو كما يظهر لقب ونبز إما كان معروفًا لذلك الرجل أو نبزه به لافتراق ساقيه وهو يمطخ بدلوه من البئر. لما جعل توازن البداوة والحضارة يختل وخالط ذلك الاختلال بيان العرب ودخل اللحن في لسان من كانوا هم معدن الفصاحة -كالذي رووا عن الوليد بن عبد الملك أنه قال للأعرابي من ختنك بفتح النون فقال هذا القابلة امرأة بالبادية يا أمير

стр. 2208

المؤمنين وأن الحجاج وهو الخطيب المصقع قال لأحدكم كم عطاءك فقال ألفين فقال له ويلك كم عطاؤك فقال ألفان -فزع القوم إلى بقية البادية. أول الأمر بجد وإلحاج يطلبون به أمرًا من سنخ معادنهم وضرورة لا يستغنون عنها بحال يدلك على ذلك مثلًا خبر كثير مع يزيد بن عبد الملك إذ أنشده بيتًا للشماخ فيه «قتين» وسأله عن معناه فلما لم يجبه (سأما لا جهلا) جعل يقول له «بصبصن إذ حدين» فزجره يزيد وقال له ما معناه هو القراد أشبه خلق الله بك. ثم صاروا بعد الجد يطلبونه استطرافًا -فصار الغريب كما ترى كأنه ضربٌ من الزينة، كأنه هو ضرب من البديع. شينات رؤبة وظاءاته وضادية الطرماح وأغراب الكميت وأوابد ذي الرمة- كل ذلك كان لونًا من جد الفزع إلى البداوة مخالطه شيء من روح استطرافها والتزين بها. وإن كان في رؤبة وأبيه وأكثر الرجاز حوشي وتوحيش أحيانًا فقد كان في الكميت أسلوب كأنه درس علمي واستقصاء لأحوال ما كانت عليه البداوة، كقوله مثلًا «ولم يكن لعقبة قدر المستعيرين معقب» ولها أمثال في الهاشميات وكقول الطرماح «أمارت بالبول ماء الكراض» وقوله «حين نيلت يعارة في عراض» ورووا عن رؤبة أو ذي الرمة أن الكميت والطرماح كانا يلقيانه فيأخذان منه الغريب فيوجد من بعد في أشعارهما وكان معلمين. وقد كان في شعر ذي الرمة غريبه عن اختيار وتلذذ. مع ما تقدم ذكره من تتبعه لشعر القدماء بتأمل كالشرح مثل قوله في الظليم: كأنه حبشي يقتفي أثرًا ... أو من معاشر في آذانها الخرب فهذا تتبع فيه قول عنترة «كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم» وقوله يقتفي أثرًا يشير به إلى طأطأة الرأس. وقوله في آذانها الخرب شرح وتوضيح لقول عنترة «الأصلم» وقد استكمل سائر نعت الصورة في أبيات البائية. قد نسب النقاد أولية البديع لابن هرمة وبشار مع الذي تقدم من قولهم بقدم

стр. 2209

أساليبه. وكان ينبغي أن يذكر مع هذين ذو الرمة وأن يقدم عليهما لما في شعره من متعمد بديع اللفظ كضروب جناساته نحو. معروريًّا رمض الرضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم وضروب استعاراته وتشبيهاته نحو: غللت المهارى بينها كل ليلة ... وبين الدجى حتى أراها تمزق ونحو: وساق الثريا في ملاءته الفجر. ولكني أرى وأحسب أنهم لم يذكروه أول أصحاب البديع لإيثارهم أن يجعلوه آخر المفلقين ويشبهوه في الإسلاميين بامرئ القيس في القدماء. وما أرى أنهم أخروه عن منزلة جرير والفرزدق إلا لما أحسوه في أسلوبه من طرافة لم يخالف بها القدماء ولم يبلغ بها حاق أنفاس بداوة فحولتهم. وقد تعلم مقال أبي عمرو فيه على استحسانه لشعره أنه كنقط العروس وبعر الظباء. ونظير الذي صنعوه مع ذي الرمة صنيعهم إذ أبوا لبشار أن يكون لاحقًا بآخر من يصح بهم الاستشهاد وجعلوه أول المحدثين وأباهم وزعموا أن سيبويه أنكر عليه «الغزلي» وزعموا أنه كانت بين الرجلين جفوة وأن سيبويه هو الذي وشى له لما أنشد في حلقة يونس بن حبيب الضبي: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ليس الخليفة بالموجود فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود قال المعري بعد ذكره هذا الخبر «وسيبويه فيما أحسب كان أجل موضعًا من أن يدخل في هذه الدنيات بل يعمد لأمور سنيات». وقد كان في المعري ﵀ شيطنة خبث دباء لا تدعه يكف من الغمز واللمز. ولعل مما جعلهم يلحقون ابن هرمة بمن يصح بهم الاستشهاد، على ما كان له من

стр. 2210

الصناعة، قرشيته وتبؤوه الحجاز. ثم في أسلوبه من متانة الأسر ما هو أكثر وأقوى مما عند بشار. ولا يقدح في أسر بشار أنه كان مولى فقد نشأ عربيًّا. وقد كان إسماعيل بن يسار النسائي مولى وشعوبيًّا يهجو العرب ومع ذلك لم يخرجه هذا من أهل الاستشهاد لصحة أسره ورسوخ قَدَمه وقِدَمه، وأنه مع هذا كان مولى لقريش حجازي الدار. قال أبو فرج الأصفهاني في الجزء الرابع من الأغاني (طبعة دار الكتب وما صور عنها) في باب ذكر ابن هرمة وأخباره ونسبه: «أنشدني عامر بن صالح قصيدة لابن هرمة نحوًا من أربعين بيتًا ليس فيها حرف يعجم وذكر هذه الأبيات منها، ولم أجد هذه القصيدة في شعر ابن هرمة، ولا كنت أظن أن أحدًا تقدم رزينا العروضي إلى هذا الباب. وأولها: أرسم سودة أمسي دارس الطلل ... معطلًا رده الأحوال كالحلل هكذا ذكر يحيى بن علي في خبره أن القصيدة نحوٌ من أربعين بيتًا، ووجدتها في رواية الأصمعي ويعقوب بن السكيت اثني عشر بيتًا فنسختها هاهنا للحاجة إلى ذلك، وليس فيها حرف يعجم إلا ما اصطلح عليه الكتاب من تصييرهم مكان ألف ياء مثل «أعلى» فإنها في اللفظ بالألف وهي تكتب بالياء ومثل «رأى» ونحو هذا، وهو في التحقيق في اللفظ بالألف وإنما اصطلح الكتاب على كتابته بالياء كما ذكرناه، والقصيدة: أرسم سودة محلٌ دارس الطلل ... معطل رده الأحوال كالحلل (١) لما رأى أهلها سدوا مطالعها ... رام الصدود وعاد الود كالمهل وعاد ودك داءً لا دواء له ... ولو دعاك طوال الدهر للرحل

стр. 2211

ما وصل سودة إلا وصل صارمةٍ ... أحلها الدهر دارًا مأكل الوعل وعاد أمواهها سدمًا وطار لها ... سهم دعا أهلها للصرم والعلل صدوا وصد وساء المرء صدهم ... وحام للورد ردهًا حومة العلل حومة الماء كثرته وغمرته والعلل الشرب الثاني والرده مستنقع الماء. وحلتوه رداهًا ماءها عسلٌ ... ما ماء ردهٍ لعمر الله كالعسل دعا الحمام حمامًا سد مسمعه ... لما رآه دعاه طامح الأمل طموح سارحةٍ حوم ملمعةٍ ... وممرع السر سهل ما كد السهل وحاملوا رد أمرٍ لا مرد له ... والصرم داءٌ لأهل اللوعة الوصل أحلك الله أعل كل مكرمةٍ ... والله أعطاك أعلى صالح العمل سهلٌ موارده سمحٌ مواعده ... مسود لكرام سادة حمل أ. هـ.) هذا آخر ما أورده أبو الفرج من القصيدة. جلي أنه ضاعت منها أبيات. وهي قصيدة مدح لها مقدمة من نسيب ولا يعقل أنها كلها نسيبها عشرة أبيات ومدحها بيتان. فيظهر أن خبر كونها أربعين بيتًا صحيح. والأبيات التي بأيدينا إما اختيار اختاره الأصمعي وإما هو غاية ما بلغه منها. المهل بضمتين أصله المهل بضم فسكون والكلمة قرآنية الأصل والمهل من عذاب أهل النار. مأكل الوعل أي حيث أكل الوعل كناية عن بعد دارها وامتناع وصالها. سد ما: أي اندفنت. طار لها سهم أي كانت القرعة بالرحيل والعلل بكسر العين، الصرم المباعدة والعلل أي التعلل بالأعذار والعلل للصد والبعد. وردها مفعول به للورد والردهة حفيرة في الجبل جمعه رده وجعل أبو الفرج الرده واحدًا وحفظ أبي الفرج حجة. حوكة العلل بفتح العين أي الشرب مرة ثانية بعد النهل. وليس قول ابن هرمة صدوا وصد البيت بمعنى ساذج إذ فيه يصف كيف أن فرط الحب إذا الصد أوقع ضربًا من كراهية حينًا وشوقًا حينًا آخر. صدوا وصد وساءه

стр. 2212

ذلك من بد وحام ليرد من مستنقع الماء (أي حيث يجتمع الماء) مرة أخرى. وجعل ابن هرمة ورده الأول الذي ورده حلوًا كالعسل إذ الماء الذي ورده وهوع عهد حرارة الحب الأول ما هو إلا عسل. ثم صارمت سودة. وتغيرت موارد الوصل وصارت ماء لا عسلًا فحام مع هذا يطمع في ورد المرة الثانية بعد أن حلئوه أي منعوه ورد الرداه التي ماؤها عسل. ثم شبه حاله وحال سودة بحال حمام هدر يدعو حمامًا آخر بهديره، فسد هذا المدعو مسامعه لما رأى صاحب الداعي له ذا طموح من أمل الوصال. وما الداعي المشتاق إلا الشاعر وطموحه كطموح سوائم عطاش في مكان ذي لمع من النبت أي قليل النبت في حال انها ترى سرارة الوادي ممرعة في سهل كثير الخصب في ترابه الخصيب للقافية سهل بكسر السين وفتح الهاء جمع سهلة. بوزن فعلة كلحية قال الفيروز أبادي في القاموس إنها تراب كالرمل يجيء به الماء قلت وهو المراد ههنا وضبط الكلمة بالتحريك غير واضح المعنى. وملمعة لو نصبت لكان وجهًا أي سارحة في بيداء ملتمعة ولعلها كذلك. قال في القاموس واللمعة بالضم قطعة من النبت أخذت في اليبس. فما أرى إلا أنه أراد أنها ترعى اللمع. والحوم هنا مصدر يدل على معنى العطش لأن الحائم هو العطشان ويجوز، بل أرجح أنها حوم بضم خالص كقول علقمة «حانية حوم» والشعراء مما يتبع بعضهم بعضًا. الذي صنعه ابن هرمة من صميم البديع. وعلى متانة أسره وقلة فضوله فالعمل فيه ظاهر وقد ذكر أبو الفرج أن بعض أهل العلم بالشعر والنسب على زمان ابن هرمة كان يعيبه فهجاه ابن هرمة أو توعده قائلًا: إني إذا ما امرؤ خفت نعامته ... إلى واستحصدت منه قوى الوذم عقدت في ملتقى أوداج لبته ... طوق الحمامة لا يبلى على القدم إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفاء لكن لساني صائغ الكلم

стр. 2213

فعله كان يطعن في نحو هذا من تكلفه وفي نسب الخلج رهط ابن هرمة أنهم في قريش زوائد. والله تعالى أعلم. وقد ذكر أبو الفرج رزينا العروضي أنه كان يتكلف نحو هذا ورزين على زمان دعبل ومسلم وقد اتلأب طريق البديع. وصناعة أبي العلاء في الجمع بين محسنات الجناس وأوابد الغرب لها أصل في عمل ابن هرمة -تأمل قوله الأحوال كالحلل. وقوله: سدوا مطالعها- رام الصدود- عاد الود- عاد ودك داء ولو دعاك- وصل صارمة- سدما- سهم- للورد ردها- سهلٌ- ماكد السهل- رد أمر لا مرد- للصرم والعلل- حومة العلل. ثم التقسيم سهل موارده إلخ. وقد افتن الحريري بهذا النوع من اللعب اللفظي كالجناس الخطي الزخرفي الذي حين تعرى كلماته من الإعجام تشتبه وكتعرية الكلام من الإعجام مرة واحدة كهذا الذي صنع ابن هرمة ولم يبلغ به أربعين بيتًا وقد صنع ألفًا هاشم الفلاتي وهو قريب العهد من زماننا هذا نبوية ذات طول كلها حروفها غير معجمة وشطرها الشيخ مجذوب بن الشيخ الطاهر المجذوب أول ذلك: ألا واصل الله السلام المرددا ... لأكرم رسل الله طرا وأسعدا وأمثلة هذا الضرب في بديعيات المتأخرين كثير. ولا بأس من إيراد أبيات المقامة الحلبية. هي السادسة والأربعون وسماها الحريري الأبيات العواطل قال: «فما لبثت أن أشار بعصيته، إلى أكبر أصيبيته وقال له أنشد الأبيات العواطل واحذر أن تماطل، فجثا جثوة ليث وأنشد من غير ريث: أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح وصارم اللهو ووصل المها ... وأعمل الكوم وسمر الرماح

стр. 2214

واسع لإدراك محل سما ... عماده لا لإدراع المراح والله ما السودد حسو الطلا ... ولا مراد الحمد رودٌ وراح واها لحرٍّ واسعٍ صدره ... وهمه ما سر أهل الصلاح مورده حلو لسؤاله ... وما له ما سألوه مطاح ما أسمع الآمل ردًّا ولا ... ماطله والمطل لؤمٌ صراح ولا أطاع اللهو لما دعا ... ولا كسا راحاله كأس راح سوده إصلاحه سره ... وردعه أهواءه والطماح وحصل المدح له علمه ... ما مهر العور مهور الصحاح ولا ريب أن الحريري اطلع على أبيات ابن هرمة وقد تجنب ما اصطلح الكتاب أن يكتبوه بالياء كأعلى ورأى لأن الياء منقوطة وقول أبي الفرج أن اللفظ ألف صحيح ولكنها موضع إمالة وهي ياء أو فيها نفس الياء فهذا تجنبه الحرير (١) والأبيات العشرة قصيدة وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق وقد جاء فيها بجناس جيد بعضه ناقص وبعضه تام في قوله «ولا كسا راحًا له كأس راح» - قال الشريشي ﵀: «ومثل هذا الشعر الذي لم ينقط ما أنشد أبو القاسم الزجاجي لأحمد بن الورد. علم العدو ملامة اللوام ... ودوام صدك وهو صد حمام لولاك ما حدر السهاد دموعه ... ولما أطار كراه حر أوام هل ما أسر وما أومل رادعٌ ... هول الهموم وروعة الأحلام رد السلام وما أراك مسلمًا ... ورآك أهل هواك سر كلام كم حاسدٍ لك أو مسر ودادةٍ ... ومعلل أهواه طول ملامي

стр. 2215

وهي قصيدة نحو الثمانين بيتًا وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا الفن إلا أنه قلما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: قدر على لزوم ما لا يلزم لا أن يقال قد أحسن فيما قال، وقد أنشد أبو القاسم أيضًا أبياتًا لا تنطبق عليها الشفاه، منها: أتيناك يا جزل العطية إننا ... رأيناك أهلًا للعطايا الجزائل عقيل الندى يا حار عدنا عقيلة ... نعدك انتجاعًا للحسان العقائل -انتهى كلام الشريشي. قلت هذان البيتان غير داخلين في باب ما ليس بمنقوط ولكن يدخلان في باب لزوم ما لا يلزم والصناعة البديعية على مذهب المعري. ومجيء الشريشي بهما مع ما تقدم من أبيات عدم الإعجام يشهد بأن هذا على تكلفة داخل في البديع. والنسب بينه وبين الغريب والحوشي غير جد بعيد. فهذا كما ترى يرجع بنا إلى ما قلناه في أول كلامنا في هذا الباب وهو المراد. وقد ظلت أعجب دهرًا لماذا قصر ببشار عن درجة ابن هرمة -أهو أنه لا بقرشي ولا مولي لقرشي، وإن كان نحو هذا مما يكون سببًا ثانيًّا وثالثًا لا سببًا أول. ثم تأملت ميميته التي أولها: أبا مسلم ما طول عيش بدائم أو كما ذكر أبو الفرج: أبا جعفر ما طول عيش بدائم وانظر الموضوع في الأغاني وفي ملحق ديوان بشار للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀ (طبع القاهرة ١٣٨٦ هـ- ١٩٦٦ م الجزء ٤ ص ١٦٧).

стр. 2216

وأبدى لي التأمل لها أن أكثرها ينتهي عظم معنى البيت فيه في صدره ويكون العجز تتمة إما بطباق وإما بمقابلة وإما بزيادة من توضيح ونحو ذلك. فهذا لين إذا وازنت بينه وبين متانة أسر القدماء التي تقتضي أن يكون البيت فيه كلا مصمتًا وألا تقع فيه زيادة لفظ إلا ومعها زيادة معنى نحو قول زهير. كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم وفي ميمية بشار بعد أبيات روائع نحو: مقيما على اللذات حتى بدت له ... وجوه المنايا حاسرات العمائم وقد ترد الأيام غرا وربما ... وردن كلوحًا باديات الشكائم ونحو: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم بل كلها رائعة. ولكن فيها هذا التقابل والتكافؤ المنبئ عن أناة تصنيع وحضارية ذوق ومذهب وأسلوب يمت بصلة واشجة إلى ما افتن فيه الجاحظ من ازدواج في نثره ومقابلات - «بدت له وجوه المنايا، حاسرات العمائم» ليست «كحب الفنا لم يحطم» لأن «لم يحطم» زيادة لا شك فيها على مجرد حب الفنا ولكن حاسرات العمائم أطناب إذ الوجوه قد بدت. ومثل ذلك «كلوحًا» «باديات الشكائم» - «فلست بناج» - «من مضيم وضائم» - وأيضًا قوله: «وتارة يكون ظلامًا- للعدو المزاحم» فليس في المزاحم زيادة في المعنى ذات بال، وهلم جرا. ابن هرمة وبشار كلاهما على تبربزهما في عصرها لم يتجاوزاه في تقدير الأجيال بعدهما بكثير. وما أرى إلا أن القوم قد أنصفوا إذ جعلوا إبراهيم بن هرمة سكيت حلبة الفصحاء، فبديعه شيء منوط بفصاحته عن تكلف، أشبه شيء إن كان جله من

стр. 2217

قبيل ترك الأعجام أو مدانيًا لذلك، بحوشي رؤبة وأبيه. وقد سلمت له أشياء حسان مثل قوله في أبي جعفر المنصور: له نظرات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيهن بأس ونائل فأم الذي آمنت أمنة الردى ... وأم الذي خوفت بالثكل ثاكل وقوله: ومهما ألام على حبهم ... فإني أحب بني فاطمة بني بنت من جاء بالبينا ... ت والدين والسنة القائمة وكذلك أنصفوا إذ جعلوا بشارًا للمحدثين أبًا، ذلك بأنه على نشأنه عربيًّا قد كانت الحضارة أعلق بنفسه، وكانت بداوة الفصاحة -أعني بداوتها الروحية الفنية- شيئًا منوطًا بذوقه الحضاري كما زعمنا أن البديع المصنوع كان منوطًا بذوق إبراهيم البدوي السنخ. وليست المسألة في جوهرها مسألة نسب، كلا ولا مسألة مقام جغرافي بيئي، فقد مر بك خبر إسماعيل بن يسار، والنصيب الذي كان قبل أن يعتق عبدًا مملوكًا. وإنما البداوة في سنخها شيء من القلوب. وقد كان الوليد بن يزيد بدوي الروح مع تغلغله في الحضارة وسباحته في أنها الخمر وبذلك أمكنه أن يقول: ذروا لي هندًا والرباب وفرتني ... ومسموعة حسبي بذلك مالا خذوا ملككم لا بارك الله ملككم ... فليس يساوي عند ذاك قبالا وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا وقد كان الحجاج بن يوسف وجرير بن الخطفي كلاهما عربيًّا قرويًّا، وكانا مع ذلك أبدى بداوة من مالك بن أسماء بن عينية بن حصن بن فزارة وهو ابن الصحراء. وهو القائل: إن لي عند كل نفحة بستا ... ن من الورد أو من الياسمينا نظرة والتفاتة أتمنى ... أن تكوني حللت فيما بلينا

стр. 2218

وهو القائل: ولما حللنا منزلًا طله الندى ... أنيقًا وبستانًا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه ... مني فتمنينا فكنت الأمانيا وهو القائل: وحديثًا ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا ... نًا وخير الحديث ما كان لحنا وخطأ العلماء الجاحظ إذ جعل اللحن ههنا من الخطأ وجعله صاحب الأمالي من ملاحن القول التي كالرموز بين الحبيبيين، ذكر هذا أول الأمالي، وأحسب أن أبا عبيد البكري ممن نبه على خطأ الجاحظ وسيق في ذلك خبر وهو أن الحجاج عاب على هند بنت أسماء لحنًا لحنته فاحتجت بقول أخيها فعاب عليها تفسيرها وأن المراد الملاحن لا الخطأ قالوا فأقر الجاحظ على نفسه بالخطأ ولم يتداركه بإصلاح بل قال ما معناه أنه لن يفعل إذ قد صار الكتاب في أيدي الكتاب ولئن صح بعض هذا الخبر أو جله، فما أرى إلا أن الجاحظ لم يرجع عما قاله وكان بالشعر خبيرًا، ولئن صح خبر ما بين الحجاج وهند فما يعدو أن يكون من باب ما يقع من مغالطة ومكابرة بين الأزواج. وقد كانت هند غاية في الذكاء وكانت بأخيها وكلامه أعلم، ولها خبر معروف في الذكاء أنها دعت على الحجاج أن ينزع كما نزعت كلا من نصف القرآن الأول، ولم يكن وهو الحافظ المداوم للتلاوة قد فطن لذلك حتى نبهته هي إليه من مجرد سماعها أرباعه هو وكان صاحب أرباع فيما ذكروا. وقد ذكروا أنه طلقها وكان لها محبًّا. وما تخلو والله تعالى أعلم أن غمزته بما ساءه وهي ابنة سيد قيس، وثقيف عند أكثر أهل النسب على عزتهم في قيس أدعياء. كان بديع بشار قوامه وشي الألفاظ والمعاني. وقد سخر ممن سأله في حضرة

стр. 2219

الخليفة فقال انه يثقب اللؤلؤ. وعلى سخريته فقد أحسن في نعت نفسه إذ كان كل إحسانه مداره على التحسين والتزيين، منوطة إليه الفصاحة. لم يكن يحتاج إلى أن ينظم كلمات غير معجمة الحروف ليظهر مقدرته على تصريف البيان، فقد أغناه عن ذلك اقتداره على أن ينظم معاني معجمة، إذ إعجام المعاني حتى تنكشف عن شراسة ما في القلوب وجسارة ما في العقول، هذا من أسرار البداوة. إذ البداوة البيانية كما قدمنا أمر روحي. ولذلك زعم أبو عمر بن العلاء أن شعراء العرب د كانوا فيهم كأنبياء بني إسرائيل في بني إسرائيل. وقد كان في بني إسرائيل مدعون للنبوة لأن الناس على حاجتهم إلى النبي، قد كان لما في قوله من الحق بغيضًا. وقد قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وكان أنبياؤهم إذا نصروا لم يدعوا أدعياء النبوة حتى يقتلوهم. وقالت العرب: وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا وقالوا: أحسن الشعر أكذبه، لما فروا من حرارة لفح الصدق. وحمل قوم معنى هذا على المبالغة. وأهل الحضر أفر شيء من صرامة صراحة القول. فكان الشاعر الوشاء المزخرف أحب إليهم. ثم اهل الحضر يرتاحون إلى لهو القول. فكان بعض هذا الزخرف لهوًا. وكان ذلك صنعة بشار، لآلئ من معان حلوة. ولآلئ من رفث القول: قد لامني في خليلتي عمر ... واللوم في غير كنهه ضجر أحب إلى ذوق الحضري السوقي المزاج من: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر المكشوف الصريح نحو:

стр. 2220

وبتنا وسادانا إلى علجانةٍ ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا توسدني كفًّا وتثني بمعصم ... علي وتحنو رجلها من ورائيا ينفر منه الذوق الحضاري لما فيه من مكافحة الصدق الذي يروع. ولكن المكشوف الهازل نحو: أذرت الدمع وقالت ويلتي ... من ولوع الكف ركاب الخطر أمتا بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر فدعيني معه يا أمتا ... علنا في خلوةٍ نقضي الوطر أقبلت مغضبة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر بأبي والله ما أحسنه ... دمع عين يغسل الكحل قطر أيها النوام هبوا ويحكم ... واسألوني اليوم ما طعم السهر هذا مما ينشرح له ذوق الحضارة. وما كان بشار بضرره ليرى دمع العين يغسل الكحل ويقطر به، ولكن هذا لؤلؤ تنظمه بصيرة شعره كما ترى. وقس على ذلك أصنافًا من شعر بشار في الغزل وها هو بمجراه: ويدخل الهجاء وما فيه من رفث القول في باب ما يلذه الذوق الحضاري. وطريق البداوة والحضارة في هذا مختلفان. البداوة ذات تخشين متعمد حين تقذع بالرفث ويكون ذلك عن انفعال حدة غضبه أو قصد إضحاك في ساعته أو بسالة هجوم صارح. من هذا الضرب الأخير: مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه ولذلك احتالت بنو عامر فكا التي الربيع به على لسان غلام حدث لا يضيره أن يقال سيفه كما قدمنا ذكر ذلك. ومثال حدة الغضبة ما في خبر بدر مثلًا من أفحاش الصحابي بالسائل الذي أراد أن يستخبر ومخالط الغضبة استهزاء وذلك أنه خبأ خبئًا

стр. 2221

فزعم أنه يختبر الرسول ﷺ به فقال له ابن وقش قولًا أفحش به فقال ﵊: «مه فقد أفحشت على الرجل» ومن ذلك قولهم يا ابن اللخناء في السب لا يراد به حقًّا أنها لخناء وأكثر ما جاء به الفرزدق وجرير من الأقذاع من هذا الضرب. وسفهت ليلى الأخيلية نابغة بني جعدة إذ قال لها وهو يهجوها: ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أمرًا أغر محجلا فقالت له: تعيرني داءً بأمك مثله ... وأي حصان لا يقال لها هلا ومثال الإضحاك ما تجده من قصة الأتان ونحوها في شعر الفرزدق نحو قوله: يقول إذا أقلولي عليها وأقردت ... ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم ونحو: قالت وقد عرفت جريرًا أمه ... مهلًا جرير إلى جئت تغفل وبعض هذا ما كانت تعير به القبائل بعضها بعضًا، ففي ذكره قصد إلى الإضحاك والغلبة بذكر المثالب وعلمها نحو: رضعتم ثم بال على لحاكم ... ثعالة حين لم تجدوا شرابا ونحو: ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص وكانت بنو فزارة ربما غاظها هذا ونحوه فغضبت وقتلت. وأكثر رفث الهجاء في شعر الذوق الحضري يجمع بين التهكم والهزؤ والإضحاك من المهجو مع خبئ كيد وتدبير عداوة خبئ في ذلك شخصي الطابع أو سياسية أو

стр. 2222

هما معًا. وهجاء بشار هو الذي أوقعه في التهلكة وكاد أبو العتاهية يودي بهجائه أبناء آل المهلب وأبناء آل زائدة. ومن طريف شعر بشار في غير الغزل، وفي باب من أبواب الإضحاك الهجائي لامية يصف بها نعجة عجوًا أهديت له ليضحي بها. وقالوا إن فتى من بني منقر -وهم من سادة تميم- كان يهدي لبشار كبشًا جيدًا كل كبشًا أضحاه له فخان وكيله يومًا وبعث إلى بشار بعجفاة عجوز وأخذ بقية الثمن لنفسه -قال بشار: وهبت لنا يا فتى منقر ... وعجل وأكرمهم أولا وأبسطهم راحة في الندى ... وأرفعهم ذروة في العلى عجوزًا قد أوردها عمرها ... واسكنها الدهر دار البلى سلوحًا توهمت أن الرعاء ... سقوها ليسهلها الحنظلا وضعت يميني على ظهرها ... فخلت حراقفها جندلا وأهوت شمالي لعرقوبها ... فخلت عراقيبها مغزلا وقلبت إليتها بعد ذا ... فشبهت عصعصها منجلا وكنت أمرت بها ضخمة ... بلحم وشحم قد استكملا ولكن روحًا عدا طوره ... وما كنت أحسب أن يفعلا فعض الذي خان في أمرها ... من إست أمه بظرها الأغزلا ولعمري لو كان بشار لزم هذا وترك ناي الخليفة وعوده وحر الخيزران لكان قد سلم ولكنه لكل أجل كتاب. بين بشار والحريري: تنبه أبو نواس إلى أمر هام، وهو أن البداوة ضرورية لحيوية الشعر. ولكن كيف السبيل إليها: عاج الشقى على رسم يسائله ... ورحت أسأل على خمارة البلد

стр. 2223

تبكي على طلل الماضين من أسد ... لا در درك قل لي من بنو أسد هذا الضجر الفني منشأه من إحساس النواسي بضرورة البداوة أنها معدن شعر العرب. ونقيضها الذي ذهب إليه أبو العتاهية كان مما يتأذى به أشد الأذى. روائع أبي نواس بدويات الروح. وذلك أنه سما فوق المجون إلى المنادمة فهي رفعة وجد. وقد كانت الخلافة أبدًا -على أنها بحبوحة الشرف- مكان المحافظة المكين. وبقية التحام بداوة العرب بحضارتهم، تلك الازدواجية القديمة، لم تزل منها فيها على ما جعل ينتقص ذلك من غوائل الزمان. وخلف مسلم مروان بن أبي حفصة على مدح سادة بني شيبان. وكان مروان بن أبي حفصة شيئًا بين بشار وابن هرمة في منهج أسلوبه، ناصع العبارة، انتهازيًّا يجن هوى مواليه بني أمية ويتصيد دراهم بني العباس ورضاهم، ويطعن في إرث بني فاطمة وفي قلبه إنكار الإرث كله على مذهب معاوية ويزيد وبني مروان والله عليم بذات الصدور. وقد راع نصوع بيانه وصفاء ديباجته أهل زمانه، غير أنهم لا جعلوه ساقة القدماء كابن هرمة ولا أبا المحدثين ورائدهم كبشار. وقد كان شعره في زمانه كالصحافة السياسية الجيدة في أزماننا هذه تحيا الأسابيع ثم تتضمنها الأضابير. فكانت رنة إيقاع القريض أبقى شيئًا على ما صنع مروان -مثل قوله: مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا وهي مرثية طويلة ليس فيها غير محض الفصاحة كبير شيء. وأورد له ابن المعتز كافية قال «وهذه القصيدة تسمى الغراء أخذ عليها من ابن معنٍ مالًا كثيرًا» ونص من قبل على أنها قليل وجودها عند أكثر الناس فدل بذلك على فناء شعره بدهر

стр. 2224

يسير بعد فنائه مما لا يتناسب مع ما كان له من الشهرة والسيرورة. وإنما بفق به عند الخلفاء كما قدمنا نحو قوله: هل تمسحون من السماء نجومها ... بأكفكم أو تطمسون هلالها أو تجحدون مقالة من ربكم ... جبريل بلغها النبي فقالها وقوله: أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام وقد كان مثل هذا يروج بأنه يغني فيه الموصلي وأضرابه، وأجود شعر مروان حقًّا ما نطق فيه عن نفسه فأدركته فيه بداوة روح مواليه أو ما ذكر فيه الشعر وكان به عالمًا وبنقده خبيرًا. قال ابن المعتز في طبقات الشعراء: «وقال مروان يفتخر وليس له فخر قديم ولا حديث غير الشعر، وكان ناصبيًّا معرضًا في شعره بآل الرسول ﷺ : ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القصيد ومره لجرير ولقد هجا فأمض أخطل تغلب ... وحوى اللهي ببيانه المشهور كل الثلاثة قد أبر بمدحه ... وهجاؤه قد سار كل مسير ولقد جريت مع الجياد ففتها ... بعنان لا سئم ولا مبهور ما نالت الشعراء من مستخلفٍ ... ما نلت من جاء وأخذ بدور عزت معصا عند الملوك مقالتي ... ما قال حبهم مع المقبور ولقد حبيت بألف ألفٍ لم تثب ... إلا بسيب خليفةٍ وأمير ما زلت آنف أن أؤلف مدحة ... إلا لصاحب منبر وسرير ما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير أروي الظماء بكل حوض مفعم ... جودًا وأترع للسغاب قدوري

стр. 2225

وتظل للإحسان ضامنة القرى ... من كل تامكة السنام عقيري أعطى اللهي متبرعًا عودا على ... بدءٍ وذاك على غير كثير وإذا هدرت مع القروم محاضرًا ... في موطن فضح القرووم هديري قوله ولقد هجا فأمض البيت، كأنه يذهب فيه إلى أن هجاء الأخطل أعداء بني أمية هو الذي أناله الحظوة وقد جعل مدحه ذا جودة وقرنه بصاحبيه قرنًا يستفاد منه أنه كالفرزدق ودون جرير في جودة المدح خاصة. وقد كان مروان مع علمه بالشعر ونقده مولى بني أمية وبأمرهم عارفًا وهجاء الأخطل الأنصار كان أول أسباب رفعته عند ملوك بني حرب ثم بني مروان، السئم فسره في هامش الطبقات محققه الفاضل فقال في الأصل سيم ويرى «ق» احتمال أنها نهج (وفي الأغاني ق) بجراء لا قرفٍ ولا مبهور وقد اخترت شبم لأنها أقرب إلى الرسم والمعنى المراد والشبم البردان مع جوع. ولعل الذي ذهب إليه أن يكون صوابًا وأنا أستبعده لأن الرسم الذي وجده سين مهملة فياء تحتية فميم فهذا له معنى أوضح وأصح ههنا من معنى الشيم بالشين المعجمة والياء الموحدة التحتية لأن كل ما هناك أن همزته قد سهلت وسئم من باب فرح فالصفة منها على فعل يفتح وكسر شيء مستقيم وقد كان مروان قرشي الدعوة لولائه في بني أمية وتسهيل الهمزة لغة قريش فعله هكذا كان ينشد بتسهيل الهمزة أو إخلاصها ياء كما قرأ أبو عمر وورش «إنما أنا رسول ربك ليهب لك» والرسم بالألف «لأهب لك» ويذكر عن قالون أنه قرأ بالياء أيضًا على اختلاف فيه كما في النشر. والمبهور الذي ينقطع نفسه من التعب، معًا أراد بها حيهم والمقبور منهم. وعزت أي غلبت من قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ في خبر سيدنا داود في سورة صاد. قوله: أؤلف مدحه إلخ ينبئ بما كان يتعمده من صناعة بقصد التقرب إلى

стр. 2226

الخلفاء لا محض التغني بفضائلهم، وإنما كان يقربه إليهم مذهب السياسة كما قدمنا ونحو قوله: أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام وقولنا «ينبئ» لأن أكثر ما كانت تقوله العرب عن الشعر أن الشاعر قاله وإلى هذا ذهب أبو الطيب حيث قال: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتب وصاغه وأنشد وأنشأ ويقولون نظم وصنع وقلما يقال ألف، وفي التأليف معنى الجمع وتقريب الشوارد وإلى معنى الجمع ذهب عدي بن الرقاع في مدحه الوليد حيث قال: وقصيدة قد بت أجمع شملها ... حتى أقوم ميلها وسنادها وقول مروان السغاب بكسر السين فهو جمع ساغب أي جوعان ويقال أيضًا سغبان وسغب كفرح. وما أرى أن مروان أراد أن يفخر بما كان يفخر به أهل المروءات مثل لبيد بن ربيعة حيث قال: أغلى السباء بكل أدكن عاتقٍ ... أو جونةٍ قدحت وفض ختامها وحيث قال: ويكللون إذا الرياح تناوحت ... خلجًا تمد شوارعا أيتامها فالضيف والجار الجنب كأنما ... نزلا تبالة مخصبًا أهضامها أي أنه أراد الفخر بسباء الخمر وإشاعة الطعام في قدور مترعات. كلا، ولكنه جعل شعره بهذه المنزلة. شعره هو الخمر التي أغلى سباءها بما جود من تأليفه. وكذلك شعره هو القرى. والملوك والخلفاء أصحاب المنابر والأسرة هم الظماء السغاب ولديه

стр. 2227

كئوس شرابهم وقدور طعام قراهم. فهذا تمثيل. ومما يصحح عندك إن شاء الله ما نذهب إليه من أنه تمثيل لا يعدو ذلك قوله: وإذا هدرت مع القروم مخاطرا ... في موطن فضح القروم هديري فليس ههنا هدير أو مخاطرة وهي تبختر الفحول ولا قروم من الإبل إذ واضح أنه ما عني بالقروم إلا الشعراء إذا تصاولوا وتنافسوا في المقال، شبه ذلك بهدير الفحول ومخاطرتهما. فاجعل ما تقدم من قوله تمثيلًا كما لا كل أن هذا تمثيل. وفي طبعة الطبقات «مع القروم محاضرا» ولا معنى للمحاضرة والإحضار ههنا إذ الحديث عن الإبل لا الخيل، والعرب تذكر الخطران في نعت الإبل، قال عنترة: خطارة غب السرى زيافة ... تطس الأكام بوخد خف ميثم وقال الآخر، يشير إلى قولهم خطر الفحل بذنبه إذا تبختر: أتخطر للأشراف يا قرد جذيمٍ ... إليك وما للقرد والخطران كان بشار، حين يشاء، بسبب سابق نشأته، بدوي اللسان على حين أنه حضري القلب. قوله: إذا ما غضبنا غضبةً مضريةً ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلةٍ ... ذرى منبرٍ صلى علينا وسلما غضبته فيه من اللسان لا من القلب، إنما هي تفخيم افتخار. اتبع مسلم بديع بشار ذا الأطناب والوشي اللفظي المعنوي. ولكنه رام مع ذلك سبيلًا من روح البداوة، شاهده هذا الجد وهذا الإقبال الصادق على المدح، كأنما يريد أن ينوه بفضائل من يمدحه من مكان عال. وشاهد له آخر تلمظ معاني القدماء وألفاظهم. ثم يكسو جميع ذلك زخرفة الجناس على طريقة فسيفسائية متعمدة تريد

стр. 2228

الجناس والطباق لنفسه، تترنم برنينه، ولهذا جذور في بديع القدماء، ولكن القصد به إلى الزينة الهندسية المنحى كما قدمنا الحديث عن ذلك، وهي أمر تميزت به أصناف فنون الحضارة الإسلامية وعنها أخذه الآخرون. أما تنويهه بفضائل الممدوح فذلك أظهر صفة في مدائحه يزيد بن مزيد، وكأنه يزكيه تزكية على رؤوس الملا، وفي هذا من الدعاية السياسية ما لا يخفى، ولكن معه حبًّا وإعجابًا كأنه بهما يجسر على الجهر بما يجهر به من مديح- مثلًا: الزائديون ثوم في رماحهم ... خوف المخيف وأمن الخائف الوجل تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل ومن تلمظه معاني القدماء قوله: لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحى إليه ملتقى السبل أي البيت الحرام وهنا إشارة مع ذلك لا يخفى إلى قول زهير «قد جعل الطالبون الخير من هرم البيت» وما إلى السرقة قصد مسلم ولكن إلى التلذذ والتذكير بمقال زهير: يكسو السيوف رؤوس الناكثين بها ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل فهذا معنى النابغة. وقوله يكسو السيوف من قولهم جلله السيف. ويروى: يكسو السيوف نفوس الناكئين به ... ويجعل الروس تيجانًا على الذبل وهذه رواية ابن المعتز وهي جيدة وهذا من مقال السموأل: «تسيل على حد الظبات

стр. 2229

نفوسنا» فجمع بين التجليل والمسيل. وفي هذه اللامية البيت المشهور: موفٍ على مهجٍ واليوم ذورهج ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أمل وأول القصيدة: أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في عذل كأنه اختصر فيه جملة مما يقع في النسيب. وقوله في مطلع مدحة مدح بها الرشيد: أديرا على الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي جمع فيه بين معنى الاستهلال بالخمر وذكر الثأر، وكانوا إنما يشربون عند إدراك الثأر كقول امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل فجعل شرابه من أجل أنه مقتول مطلول الدم لا يحرم أمر ثأره على أحد شرابًا، فهذان اللذان سيشربان -وهما الخليلان اللذان يستوقفان على الطلل ويقال لهما: خليلي عوجا كذا وكذا -جعل الشاعر من نفسه لهما ثالثًا على حد قول الآ خر: صبنت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا ومن تلمظه وتلذذه بألفاظ القدماء وأساليب بداوة تعبيرهم: ومانحة شرابها الملك قهوة ... يهودية الأصهار مسلمة البعل بعثنا لها منها خطيبًا لبعضها ... فجاء بها يمشي العرضنة في مهل قد استودعت دنا لها فهو قائم ... بها شغفًا بين الكروم على رجل شققنا لها في الدن عينًا فأسبلت ... كألسنة الحيات خافت من القتل

стр. 2230

ولعلك لمحت هنا طريقة تجسيم الخمر إذ جعلها فتاة والافتنان في وجوه التشبيه والاستعارة مع حفاظ على نوع بدوي المعادن من شدة الأسر، منبئ عن صناعة وتحليل قد توصل به إلى ذلك. وأحسن ابن المعتز إذ يقول في نعت القصيدة التي منها هذه الأبيات: «وهي مشهورة سائرة جيدة عجيبة. ومما يستحسن له -على أن شعره كله ديباج حسن لا يدفعه عن ذلك أحد قوله: فإني وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الروع زايله النصل فإن أغش قومًا بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة». أ. هـ. قلت وآخر هذا الكلام قد بالغ فيه شيئًا وهو يعلم قول جرير: وقد ألفت وحشهم برفق ... وأعيا الناس وحشك أن يصادا وقال ابن المعتز في أول مقاله في مسلم بن الوليد بعد أن ذكر لقبه وأسند خبره: «كان مسلم بن الوليد مداحًا محسنًا مجيدًا مفلقًا وهو أول من وسع البديع؛ لأن بشار بن برد أول من جاء به، ثم جاء مسلم فحشًا به شعره، ثم جاء أبو تمام فأفرط فيه وتجاوز المقدار». أما قول ابن المعتز: «إن شعره كله ديباجٌ حسن» فيوقف عنده. والنقاد مما يصفون الشعر أحيانًا كثيرة بصفاء الديباجة وجودتها، يعنون بذلك أن إيقاعها ذو رنين جهير منسجم وألفاظها مطيعة لذلك الإيقاع منسابة معه وهو مع ذلك متلاحم في أسرٍ مع قوته ذي مرونة. كلمة الديباج في أصلها معربة، ولكنه تعريب قديم. قال الراجز: تالله للنوم على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج أفضل يا عمرو من الإدلاج ... وزفرات البازل العجعاج

стр. 2231

وقد كانت العرب تصف ضروبًا مما يقع فيه الرنين الجهير المنسجم المؤتلف مع اللفظ الرائق بالتحبير والمحبر وما أشبه وقد مر بك قول أبي قردودة «ومنطقًا مثل وشي اليمنة الحبرة» وسموا طفيلًا الغنوي محبرًا وكذلك عامر بن الطفيل. وإذا تأملت شعر هذين وشعر النابغة والقطامي وجدت فيه هذه الصفة من استواء الكلام ونقائه، وقد غبرت دهرًا أود لو أن القدماء عرفوا لنا معنى الديباجة بتعريف وحد يحدونه، ثم بعد النظر صح عندي أنه لا يستطاع في تعريفها أدل عليها منها إذ هم قد جاءوا بها على وجه التشبيه لها فكان ذلك من ذات نفسه دالًا دلالة كافية، وكأنهم بتذوقهم للأسلوب كأنما ينظرون إليه فيرون نسجه كنسج الديباج ويلمسونه فيجدون له مس نعومته مع المتانة والتماسك. وأهل الديباجة من المحدثين ليسوا كأهلها من القدماء، إذ القدماء أصل والمحدثون محاكون لهم. ولعلنا لا نباعد إن زعمنا أن مسلمًا قدسن ببديعه طريق صفاء الديباجة لمن جاء بعده. وكان معاصره أبو نواس أقعد في بداوة اللسان وفي بداوة القلب منه على حضرتيهما معًا. وكانت طريقة أبو نواس صادرة عن ملكة أقوى. فكأن ما كان مسلم يتكلفه من جناس وطباق وزيادة زخرف قد كان هو ينفر منه، وإلى هذا أشار صاحب الموشح إذ ذكر ما رووه من أن مسلمًا فخر على أبي نواس فأقر له هذا بأنه لا يستطيع أن يقول كقوله: سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا والجهد هنا لا يخفى وفيه كالروم لمذهب: معروريا رمض الرضراض يركضه ... والشمس حيرى لها بالجو تدويم ويشبه استهزاء أبي نواس في هذا الخبر استهزاء الفرزدق بذي الرمة إذ قال: ودوية لو ذو الرميم يرومها ... بتوضح أودى ذي الرميم وتوضح قطعت إلى معروفها منكراتها ... وقد خب آل الأمعز المتوضح

стр. 2232

وذو الرمة أبو الباب الذي أخذ فيه مسلم وأبو نواس وأبو تمام من بعد. قول ابن المعتز ثم جاء مسلم فحشا به شعره جعله تمهيدًا لقوله من بعد ثم جاء أبو تمام فأفرط فيه وتجاوز المقدار. وقد كان ابن المعتز في خاصة ذوقه وهواه مقرًا بالسبق لأبي تمام شديد المحاكاة له والأخذ منه، حتى في طريقة التبدي التي كان يتبداها. وفي ترجمته وحديثه المختصر عنه في الطبقات الذي بأيدينا ما ينبئ عن دقة فهم لأسلوبه وهو بذلك قمن. قال مثلًا في الخبر الذي ساقه عن الحسن بن رجاء: «كنا مع أمير المؤمنين المعتصم بالرقة فجاء أبو تمام وأما في حراقني، فجعل ينشدني ويلتفت إلى الخدم والغلمان الوقوف بين يدي ويلاعبهم ويغامزهم» وكان الطائي من أكثر الناس عبثًا ومزاحًا، فقلت له، يا طائي قد ظننت أنك ستصير إلى أمير المؤمنين مع الذي أرى من جودة شعرك، فانظر: إنك إن وصلت إليه لا تمازح غلامًا ولا تلتفت إليه، فإنه من أشد الناس غيرة. وإني لا آمن إن وقف منك على شيء أن يأمر غلمانه فيصفعك كل واحد منهم مائة صفعة، فقال إذن أخرج من عنده ببدر مملوءة صفعًا». أ. هـ. ساق ابن المعتز الخبر لا للطعن في أخلاق أبي تمام ولكن لينبه على طريقته في الاستعارة وسرعة بادرته مع دقة غوصه فيها. أما الحسن بن رجاء فعسى أن يكون جاء بالخبر بلم يخل فيه من قصد الطعن في أبي تمام فقد روى عنه أنه زعم أنه هم بقتله لتركه الصلاة وإسراره الكفر. وقال: «وشعره كله حسن» ثم فصل ذلك وقال: «ولو استقصينا ذكر أوائل قصائده الجياد التي هي عيون شعره لشغلنا قطعة من كتابنا هذا بذلك وإن لم نذكر منها إلا مصراعًا؛ لأن الرجل كثير الشعر جدًّا، ويقال إن له ستمائة قصيدة وثمانمائة مقطوعة، وأكثر ماله جيد، والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط. فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا. وقد أنصف البحتري لما سئل عنه وعن نفسه فقال: جيده خير من جيدي، ورديئي خير

стр. 2233

من رديئه. وذلك أن البحتري لا يكاد يغلظ لفظه، إنما ألفاظه كالعسل حلاوة، فإما أن يشق غبار الطائي في الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات بل يغرق في بحره، على أن البحتري له المعاني الغزيرة، ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام ومسروق من شعره وأبو تمام هو الذي يقول: يا لابسًا ثوب الملاحة أبله ... فلآنت أولى لابسيه بلبسه لم يعطك الله الذي أعطاكه ... حتى استخف ببدره وبشمسه رشأ إذا ما كان يطلق طرفه ... في فتكه أمر الحياء بحبسه وأنا الذي أعطيته غض الهوى ... وضممته فأخذت عذرة أنسه وغرسته فلئن جنيت ثماره ... ما كنت أول مجتن من غرسه مولاك يا مولاي صاحب لوعة ... في يومه وصبابة في أمسه وهو القائل: محمد بن حميد أخلقت رممه ... هريق ماء المعالي مذ هريق دمه تنبهت لبني نبهان يوم ثوى ... يد الزمان فعاثت فيهم وفمه رأيته بنجاد السيف محتبيًّا ... كالبدر لما جلت عن وجهه ظلمه في روضة قد كسا أطرافها زهر ... أيقنت عند انتباهي أنها نعمه فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في اليوم قد أخضل الخدين منسجمه ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه وهذه أخبار أبي تمام». أ. هـ. تعمد ابن المعتز هنا اختيار أبيات خالية من الأغراب سلسة ليبرهن قضيته أنه إذا فاض بحر حبيب وعارضه أبو عبادة أغرقه. وقد آثر الآمدى بشقاء تحامله أن يغفل عن نحو هذا من قول ابن المعتز وأن يتمسك أو قل يتذرع بقوله في كتاب البديع

стр. 2234

في أوله (حسب ما طبع منه الآن وأول ما بدأ به يدل على تقدم أشياء قبله) ويجوز أن يكون يشير إلى شيء سيأتي (١) والله أعلم): قال عبد الله بن المعتز ﵀: «قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة (٢) وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبو نواسٍ ومن تقيلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم فأعرب عنه ودل عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه وتفرع فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف. وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفن البيت والبيتين في القصيدة وربما قرنت من شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت بديع وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادرًا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل، وقد كان بعض العلماء يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول لو أن صالحًا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولًا من كلامه لسبق أهل زمانه وغلب على ميدانه وهذا أعدل كلام سمعته في هذا المعنى». أ. هـ. وحكى هذا القول صاحب الموازنة، وقد تحامل على أبي تمام تحاملًا نقص من قدر كتابه، إذ يفسد الرأي الهوى، وقد زعم من تحامله أن أبا تمام أخذ قوله: «السيف أصدق أنباء من الكتب» من قول الكميت بن ثعلبة: فلا تكثروا فيها الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

стр. 2235

وبين الكلامين بون بعيد في المعنى والصياغة، وما قاله ابن دارة لم يمحه السيف بل قد رواه الناس نحو: لا تأمنن فزاريًّا حللت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وزعم أن أبا تمام سرق قوله: وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل من مسلم بن الوليد حيث قال: قد عود الطير عاداتٍ وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل وهذا المعنى للشعراء طريق ركوب، كقولهم وجه كالبدر وكرم كالبحر، وقد يتبارى الشعراء في تجويده والتفريع عنه، وقد يعلم الآمدي هذا من أمره حتى إنه قد تتبعه من عند أول كلام جاء به الرواة فيه وهو قول الأفوه الأودي: وترى الطير على آثارنا ... رأي عينٍ ثقةً أن ستمار إلى قول أبي نواس: تتأيا الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره وليس مسلم بأولى أن يكون حبيب أخذ منه، وإنما رام كل ممن جاء بعد النابغة أن يزيد على قوله: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب تراهن خلف القوم خزرًا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب

стр. 2236

وكلام النابغة في بابه غاية، فكل من جاء بعد قصر عن مداه فيه. وليست زيادة أبي تمام التي زادها «إلا أنها لم تقاتل» بكبير شيء وإنما أخذه من قول النابغة «تراهن خلف القوم إلخ» ولواه شيئًا عن وجهه. وما زاد مسلم وأبو نواس على أن ترنما بمعنى النابغة وذكرانا به. وقد افتن أبو الطيب حيث قال: سحابٌ من العقبان يزحف تحتها ... سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه ونهجه ههنا حبيب الروح. ومع ذلك، على إجادته، لم يزد على مدى النابغة بشيء. وقد تنبه ابن المعتز إلى حقيقة من بديع أبي تمام إما خفيت عن الآمدي وإما تعمد الإغماض عنها، وأقرب وجهٍ أن أمره شيء بين ذلك. إذ ابن المعتز لم يقصر إحسان أبي تمام على المعاني ولكن يقرن به أبدًا معها غيرها كقوله الذي مر: «فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا» -فالمحاسن والبدع شيء يضاف ب المعاني اللطيفة فيدخل في مدلولها اللفظ والصياغة والوزن وهلم جرا. وقوله أيضًا في نفس الفصل مما ينبئ أن هذه الزيادة التي زادها على قوله المعاني متعمدة: «فأما أن يشق غبار الطائي في الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات». وإن يك الآمدي قد تعمد كتمان هذه الزيادة التي زادها ابن المعتز فمراده من ذلك على الأرجح أنه لا فضيلة في المعاني إذ هي مطروحة في الطريق كما قال الجاحظ وهي من مقالته سائرة محفوظة وكما قال قدامة: «إن المعاني كلها معرضة للشاعر» أي ممكنة. وإن لم يكن قد تعمده، فليس ذلك بعاذره في التقصير الذي قصره في حق أبي تمام. وعندي أن أمر بديع أبي تمام لم يكن أمركم بالنسبة إلى مسلم وبشار أو بالنسبة إلى القدماء. قد أدرك أبو تمام سر ما ضجر منه النواسي وأصاب جوانب من حل مشكلته

стр. 2237

وذلك أن القريض ينبغي أن يسار بآخره على ما سار عليه أوله، لين في غير ضعف وهو صفاء الديباجة ونقاؤها وجودتها وشدة في غير عنف وهو بداوتها ومتانة أسرها وجزالتها. وسر الديباجة كامنٌ في الفصاحة وسلامة الذوق في اختيار الألفاظ وصياغة التراكيب. وسر البداوة والجزالة كامن في الإقدام على المعاني والقول بلا تهيب. ويجمع بين السرين فيزاوج بينهما ويؤلف انسجامهما صدق بيان الشاعر عن قلبه. ولذلك زعم الجاحظ في البيان والتبين أن المعاني أسرار مستكنة في القلوب. وهذا لا يناقض قوله إن المعاني مطروحة في الطريق، بل يكمله ويتممه. معاني الحب من وجد ولوعة وشوق وغيره وما أشبه مطروحة في الطريق يتفاوت في توليد دقائقها أهل البيان. ولكن حب جميل لبثينة وإحساسه بكذا وكذا من وصلها وبينها أماني النفس مقبلة إليها أو منحرفةً عنها سر كان في قلبه، أفصح ببيانه عنه، فاختلفت معانيه التي أبان بها فيه عن معاني كثير اختلافًا جعل النقاد يقولون جميل أصدق صبابة، وإن كثيرًا كان يكذب. وهذا مجرد تمثيل يمثل به حال المعنى في كونه معرضًا أي ممكنًا وفي كونه مستعصيًّا مستكنًا يحتاج الشاعر في استخراجه إلى صدق عن نفسه وجسارة لا تتهيب أن يقول فيبين عما أحس ومقدرة على الأداء الفصيح المعبر. الفصاحة عنصر يستفاد بالدربة وكذلك التجويد. أما الصدق والجسارة فهما أصلان لا يغني مكانهما شيء من صنعة أو تفاصح وتجويدٍ. وقد أوتي أبو تمام ملكة وعلمًا وفصاحة وذوقًا ناقدًا. وكان ذا فطنة حادة تقهر بوادرها الخصوم. وأدرك بها للشعر في ذات نفسه طبيعة بداوة ليس معدنها هو معدن جلافة الأعراب، ولكنه شيء فكري فني محض. كان عند القدماء طريقة قول ومذهب أداء يضمنونه الحكمة، والوصف والغزل والمدح والهجاء وهلم جرا. وينبغي أن يكون الآن كما قد كان في الماضي طريق قول ومذهب أداء يتضمن الحكمة والوصف والغزل والمدح والهجاء وهلم جرا.

стр. 2238

كان الشاعر القديم صاحبًا للجن والجن أهل فدافد ووحشة وقوة وجسارة تخترق الحجب. قال حسان: ولي صاحبٌ من بني الشيصبان ... فطورًا أقول وطورًا هوه ولعله إنما خاطبه حيث قال: اسألت رسم الدار ألم تسأل إذ لم يكن حسان من أهل البادية ولكن كان صاحب حصن يثرب. وقل مثل ذلك في قيس بن الخطيم حيث يقول: أتعرف رسمًا كاطراد المذاهب وقد سار على هذا النهج عمر بن أبي ربيعة وهو إسلامي حضري مكي فقال مثلًا: ألم تسأل الأطلال فالمتربعا وأكد الفرزدق صحبته للجن وقد مر بك خبر ذلك. هذا الجني الذي صار مذهب قول، كما يدل على ذلك قول أبي النجم: إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر أسكنه أبو تمام في عبقر الفكر، بين الرواة وأهل اللغة وضروب أبواب الغوص على المعاني والاستعارة والإشارة والتجنيس والتعليل أو كما قال يصف قصيدته: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب وإذ سكن شيطان أبي تمام في هذا الوادي، فإن كل الشعر العربي بجميع أساليبه قد صار له مادة موضوعة ومعاني معرضة. ودخلت ألفاظ الشعراء في حيز هذه

стр. 2239

المعاني. وبقي بعد المعنى الكنين في صدر أبي تمام. فعبر عنه بتأليف هذه المادة صورًا بارعة آخاذة بالقلوب. تأمل قول أبي تمام: ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك في العصور الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب هذا المعنى نابعُ من قلب أبي تمام. جمع فيه جمعًا فنيًّا نادرًا رائعًا بين قولي الجاحظ في البيان والحيوان أن المعاني أسرار في الصدور وأنها معرضة مطروحة في الطريق، ويجوز أنه قد قال هذين البيتين قبل أن يقول الجاحظ، على أنه أسن منه، كلاميه. وتأمل قوله في فتح عمورية: وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدودًا عن أبي كرب من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت النواصي الليالي وهي لم تشب بكر فما افترعتها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب فههنا علم وفكر زوجهما الشاعر إلى فسيفساء من النظم فيه الاستعارة الغريبة المدى والتشبيه المذهل والتناسب بين ضروب الألفاظ والصور: تأمل تعبير بأعيت رياضتها كسرى عما كان من محاولات الفرس قهر الروم وبصدت صدودًا عن أبي كرب أنها كانت أبعد من متناول ملوك اليمن التبابعة وأقرب ما دنوا منها كان ملك جلق والحيرة على تقدير أن ملوك لخم وغسان أصولهم يمنية. وتأمل تناسب قوله أعيت رياضتها وصدت صدودًا مع قوله برزة الوجه. ثم اتباعه ذلك بأنها لم تشب وقد شابت نواصي الليالي وشعرها لم يزل لونه لون سواد الليالي. ثم لما جعلها بكرًا قال إن الحوادث لم تفترعها والافتراع يناسب معنى العذراء وكف الحوادث تناسب

стр. 2240

الافتراع لأن الفرع يكون عاليًا ويوصل إليه بمد الأكف وليؤكد مراده من أن الافتراع ههنا فيه معنى الفرع والعلو قال: «ترقت» وجعل للنوب همة والهمة ايضًا تناسب المعنى الجنسي الذي في البكر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ثم جاء بيت الاستعارة المذهلة الذي كاد يتزندق فيه وقد سبق بعض القول فيه في مهرض الحديث عن دالية حميد بن ثور وبخيلته المشار إليها ههنا. وقولنا كاد يتزندق فيه لقوله «مخض الله ... مخض البخيلة» وما إلى الزندقة أراد حاش لله. ولكن مثل هذه الجسارة بداوة فكر. وأمثالها عند أبي تمام كثير. وتأمل قوله: تخذ الفرار أخا وأيقن أنه ... صري عزم من أبي سمال وقوله: فإذا ابن كافرة يسر بكفره ... وجدًا كوجد فرزدق بنوار وإذا تذكره بكى فكأنه ... كعب زمان بكى أبا المغوار ههنا حضارة وبداوة معًا -البداوة في قهر سامع هذا الشعر وقارئه ومتلقيه أن يصحب أبا تمام في فلواته الفكرية المعمورة بهؤلاء الجنان من الأخبار والأشعار وقد جعل الشاعر كل ذلك مادة لصوره الشعرية، والحضارة في هذا التوفر على الثقافة والتعمق فيها والعيش معها باتساع آفاق فكره العباسي البغدادي. قد فطن الجاحظ بنقده النافذ إلى سبق أبي تمام واستشهد بشعره، ولكنه كان بروحه ونشأته وذوقه منتميًّا ب زمان أبي نواس. وكأنه قد ضن على أبي تمام أن يجعله السابق فجعل السبق في باب الغوص البديعي للعتابي ولعله أصاب إذ كان نقايا لا يشق غباره. إلا أن العتابي كان شعره لا ماء فيه، كله من الفكر. ولا مزيد على ما قاله ابن المعتز بالنسبة إلى مكان البحتري. على أنه قد انفرد

стр. 2241

بديباجة لا يدانيه فيها من المحدثين شاعر. وسر جودة ديباجته أنه كان يغني من أعماق قلبه. وقد عرف القدماء هذا من أمره والخصه ابن الأثير في قوله: «وأراد أن يشعر فغنى» وقبله «وأما البحتري فقد أجاد سبك اللفظ على المعنى». ونحن فصلنا بين جزئي السجع، لننبه على أن أمر البحتري متجاوز لمجرد سبك اللفظ على المعنى إلى درجة هي أسمى من ذلك. وعلى أن ابن الأثير كأنه قد أضرب بقوله: وأراد أن يشعر فغني عن قوله الأول. وقد وفق في هذه العبارة أيما توفيق. ذلك بأن الشعر إنما وضع للغناء والترنم. فقد تجاوز البحتري مرتبة الشعر الأولى إلى الثانية. ذلك بأن الشعر معان وألفاظ يلبسها التعبير بالإيقاع. ثم يجيء الغناء فيجعل جميع هذا يلبس ألوانًا من الإيقاع بعد ذلك فتغلب روحانية الإيقاع على كل مادة من الأجناس الأخرى المؤتلفة والمؤلف منها الشعر. ولقد كنت في الدهر الأول أتأمل كلمات لمصطفى لطفي المنفلوطي ﵀ في النظرات يذكر فيها الشعر، ثم يقول بعد ذلك أن هذا الشعر إذا صير به إلى الغناء ملك على الفؤاد نواحيه، أو شيئًا هذا معناه، واستشهد على الغناء بقول الآخر: يا لهفتا للغريب في البلد ... النازح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا فكنت أقول هذا أيضًا شعر فكيف فرق المنفلوطي بينه وبين الآخر فجعله غناء. ومراد المنفلوطي أحسبه الآن قد وضح لي. وهو نحو ما عناه ابن الأثير حيث قال ما قاله عن البحتري. كان أبو تمام يتغنى ويحسن رنة الترنم بلا ريب. من شواهد ذلك قوله: أبقى أبوك ومزيد وأبوهما ... وأبوه ركنك في الفخار شديدا

стр. 2242

وقوله: طلبت ربيع ربيعة الممهى لها ... وتفيأت ظلالها ممدودا بكريها علويها صعبيها الـ ... حصنى شيبانيها الصنديدا ذهليها مريها مطريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا ولكنه لم تكن له، على جزالته ومتانه أسره، ديباجة البحتري حين يبلغ بها أسماها. ديباجة البحتري هبة وهبها الله. أصاب ابن رشيق حيث ذكر أنه كانت للبحتري صناعة خفية. ولكنه كان مطبوعًا مع ذلك. وامتزاج الصنعة مع الطبع عنده نشأ منه «سلسال ديباجته الحصب» ونستعير بعض هذا اللفظ من أبي تمام الذي هو كما قال ابن الأثير رب معان وصيقل الباب وأذهان، وهذه الإضافة ليست لمجرد إكمال السجع ولكن مكانها في مقاله كمكان إضافات ابن المعتز التي تقدم ذكرها. ديباجة البحتري تنعيم للمذهب الجلد الجبار الذي جاء به أبو تمام: ولكنها هي في ذات نفسها فتح مبين ومسلك فذ. وبداوة شعرية قائمة بذاتها. فأصبحت أمام رواد الشعر بداوتان منبعثتان من صميم حضارة المائتين الثانية والثالثة، إحداهما كأنها فحل أبي تمام القطم الذي وصفه في بائيته فقال: على كل موار الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم حالبه والأخرى كقلوص أبي عبادة النفيسة التي ذكرها فقال: حنت قلوصي بالعراق وشاقها ... في ناجر برد الشام وريفه أشبه شيء برنة ديباجة كامل عنترة في المعلقة: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودا كخافية الغراب الأسحم

стр. 2243

وبرنة ديباجة كامل جرير: إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينيك لا يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا وقد نظم البحتري في الطويل والبسيط والخفيف وسواهن ورنة ديباجته في جميع أولئك لها نغم وإيقاع واقد وهاج. إلا أنها في الكامل أظهر وأشد وقدة ووهجًا. وقد استشهد الدكتور طه حسين ﵀ في معرض التنبيه على إحسانه بعينيته: منى النفس من أسماء لو تسطيعها ... بها وجدها من غادة وولوعها وبشيء من خفيفه: لي حبيب قد لج في الهجر جدا وأيها العاتب الذي ليس يرضى وأحسب أن كامل البحتري هو خاصة أدل شيء على مذهبه الفذ. وقد كان أبو تمام يجيد رنين الكامل ويواتيه مذهبه الفحل فيه كل مواتاة وكأن فيه أصداء من أسر لبيد. وتأمل هذه الأبيات، وقد استشهدنا بالأربعة الأوليات منها في الجزء الثاني في باب التكرار، وقد جارى برويها وبحرها معلقة عنترة: هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم آيات ربعٍ قد تأبد منجد ... وحدوج حيٍ قد تحمل متهم لؤم بنار الشوق إن لم تحتدم ... وضنانة بالدمع إن لم يسجم وبمسقط العلمين ناعمة الصبا ... حيرى الشباب تبين إن لم تصرم

стр. 2244

حيرى ينظر فيها إلى كلمة عمر «تحير منها في أديم الخدين ماء الشباب». هل ركب مكة حاملون تحيةً ... تهدى إليها من معنًى مغرم رد الجفون على كرًى متبدد ... وحنى الضلوع على جوى متضرم إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... في الجمرتين ولا سقوا في زمزم ومنوا برائعة الفراق فإنه ... سلم السهاد وحرب نوم النوم غير خاف ههنا موضع الصنعة الحبيبية في سلم السهاد إلخ «وفي رائعة الفراق». ألوى بأربد عن لبيد واهتدى ... لابني نويرة مالك ومتمم وهذا أيضًا نفس حبيبي. سائر القصيدة بعد بيت ابني نويرة دون المستوى الرائع في ديباجة مقدمتها. وللبحتري قصائد كثيرة يهبط فيها عن المستوى الذي يبلغه في المقدمة، ومن أجل هذا أحسب أن ابن المعتز أخره عن أبي تمام، كما أحسب أنه من أجل هذا الانسياب والحرارة في بداياته نسبة الناسبون إلى الطبع البدوي. والحق أنه لو تأملناه طبع مع الذي قدمناه من أمر بداوته الفنية، حضرى؛ لأن بداياته وأوساطه ونهاياته في المتوكل ديباجتهن جميعًا عالية. وكأنه كان يصنع شعره على قدر مراتب ممدوحيه. فههنا موضع الحضارية. وسينية البحتري، وهي من ذراه بل من ذرى الشعر على وجه الإجمال، جمع فيها بين الديباجة والمهارة والتحليق والعمق، وفيها حزن يجعلها هي مرثيته الحقة للمتوكل والفتح ليست رائيته المشهورة «محل على القاطول أخلق دائره» بأخلق منها

стр. 2245

لهذا الوصف في هذا الصدد. وإنما وصف حال نفسه من قبل ومن بعد حيث قال: وبعيد ما بين وارد رفه ... عللٍ شربه ووارد خمس وقد جرد فيها مع نعومة ريشة المصور حدًّا مرهفًا من جسارة حسام قلب مفكر -تأمل قوله: ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي مغلقٍ بابه على جبل القبـ ... ـق إلى دارتي خلاطٍ ومكس أي كأن الإيوان هو جبل القبق، وذلك أنه في أرض منبسطة هو فيها كالجبل بإشرافه وارتفاعه، وقد فصل هذا المعنى من بعد عند قوله «جوب في جنب أرعن جلس البيت». حللٌ لم تكن كأطلال سعدي ... في قفارٍ من البسابس ملس لا يقصد ههنا إلى الزراية بأطلال سعدى على طريقة التبرم بالأطلال النواسية وغير النواسية وما أشبه وإن يك في ظاهر اللفظ نفس من ذلك، ولكنه قصد إلى أن ينبهنا أنه الآن واقف على طلل، غير أن طلله ليس بطلل بداوة صحراوية هو طلل بداوة شعرية، هو أثر بنيان حضارة ضخمة عفاها الزمان، وليس مجرد ادعاء تعريج على رسم متوهم لحبيبة بالصحراء. التبرمة التي ههنا من جنس تبرمة الكميت حيث قال: ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب ثم وقف البحتري عند تأمل هذه الآثار وما تدل عليه من حضارة كانت ضخمة
следующие страницы →