دجال لم يعرفه أهل اللغة إلا منه في خبر يذكرونه له فيما بينه وبين ابن إسحاق، وابن إسحاق ممن وثقه مسلم والبخاري. فلعل هذا الخبر ألا يصح والله تعالى أعلم. إنما ذكرناه استيفاء للحجة فيما ذكرناه من فصاحة أهل رواية الحديث الأولين الذين عنهم أخذ أمراء جرحه وتعديله ومعرفة صحيحه من ضعفه.
وما أرى إلا أن سيبويه ﵀ كان يعلم أحاديث كثيرة. ولكن تحرج أن يستشهد بما لم يجز عليه مشافهة. وكان في القوم دقة في التحصيل، ومراقبة لله فيه، وحرص على تجويد ما يقبلون عليه من عمل.
واقتدى بسيبويه من أخذوا الكتاب عن سعيد بن مسعدة وكان صدوقًا.
هذا -قدمنا أن عرفان العربية وتذوق جزالة أساليبها مما حفظ الله به كتابه. وقد وعد ووعده الحق أنه حافظه. والقصيدة المحكمة هي المفتاح الأول لعرفان العربية وأهدى المسالك إلى تذوق جزالة أساليبها. من أجل هذا ما استأنس الزمخشري بشعر أبي تمام وأبي الطيب وهو في معرض الإرشاد إلى نكت بلاغة القرآن. وقد تعلم قوله أن المعري إنما برى لقول الله تعالى ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ حيث قال هو:
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ... ترمي بكل شرارة كطراف
والمقامة على فضلها، بين يدي القصيدة جارية تخدمها.
وأبى الله، وهو أعلم بمراده ودقائق حكمته. أن تزول القصيدة المحكمة ومكانها فيما وعد به من حفظ كتابه مكانها، ولا سيما حين جعلت تحيط بدار الإسلام الغوائل، وأشرعت الصليبية إليها الأسنة من رومها وروسها وفرنجتها وصقالبها وبغارها وأصناف من عددهم أبو الطيب في شعره كقوله:
وكيف ترجى الروم والروس هدمها ... وذا الطعن أساس لها ودعائم
وقوله: يجمع الروم والصقالب والبلـ ... ـغار فيها وتجمع الآجالا
وتوافيهم بهم في القنا الصمـ ... ـم كما وافت، العطاش الصلالا
وسددت التتار إليها سهامها، وخيف عليها كل الخوف من الاجتياح.
في معركة بغداد سنة ٦٥٦ هـ وهي التي كانت القاضية على دولة بني العباس، سقط بقريته صرصر وهي من سواد بغداد شهيدًا مقبلًا غير مدبر على ما كان من ضرره
стр. 2382
وما أعفاه الله به من مباشرة القتال، الإمام يحيى الصرصري (١)، ﵀، وجعل الجنة متقلبه ومثواه -وهو الذي يقول:
ركب الحجاز ومنك الخير مأمول ... هل عندك اليوم للمشتاق تنويل
علل بما طاب للبطحاء من خبر ... ذا الوجد إن كان يشفي الصب تعليل
هل ربة الستر بعد النأي دانية ... أم حبلها بعد طول القطع موصول
أم هل تحل مطايانا بساحتها ... وربعها الرحب بالأحباب مأهول
ونقتضي بالمصلى والصفا ومنى ... دنيا تصرم حين وهو ممطول
وهل تجد بنعمان الأراك لنا ... من المواهب أسمال رعابيل
وهل تنب بنا بين العقيق إلى ... سلع رواحل تحدوها الأراجيل
مضبرات القرى كوم كرائم لا ... يسأمن من دأب قود مراقيل
رعابيل أي مزق ينظر فيه إلى قول كعب:
تفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل
والأراجيل ينظر إلى قوله:
منه تظل سباع الجو ضامرة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل
وقوله مضبرات بالضاد المعجمة من التضبير وهو القوة والقرى الظهر وتأمل جودة رنين قوله «كرائم» مع سبق راء القرى من قبل ومجيء «مراقيل» من بعد وهي جمع مرقال والإرقال ضرب من العدو وبه سمى هاشم بن عتبة المرفال إذ كان يرقل بالراية في صفين وهو يرتجز
أعور يبغى أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
يتلهم بذي الكعوب تلا ... لا بد أن يفل أو يفلا
وقال النابغة في البائية:
إذ استنزفوا عنهن في الحرب أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
مراقيل أي مسرعات
بالنقى أعظمها والدر حالية ... ومن كلال ومن هزل معاطيل
стр. 2383
هكذا في طبعة المجموعة وأحسبه خطأ وقد فسره الشارح بأن النقي هو المخ والدر الحليب وأعظمها ضبطه ضبط اسم التفضيل بفتح الظاء بعد عين ساكنه وهذا كله لا يستقيم إذ لا معنى لأن تكون حالية بالحليب عظماها، ثم معاطيل لأنها جمع لا تصلح خبرًا لأعظمها إلا على أن نؤول أن «أعظمها» عدده أكثر من واحدة أو تقدمه مبتدأ الوجه عندي أن البيت صوابه هكذا إن شاء الله.
بالنقي أعظمها والدو حالية ... ومن كلال ومن هزل معاطيل
فالهزل مقابل للنقي وهو المخ وكون أعظمها بضم الظاء أي عظامها فيها النقي دلالة على أنه لا هزل بها. والكلال مقابل الدو وهو القفر والصحراء وإذا كان الدو لها حليًا مع مخ عظامها دل ذلك على مواصلتها للسير وهي قادرة عليه غير ذات كلال -فهي عاطلة من الكلال ومن الهزل.
خوص لها أرب تحت الدجى وإذ اشـ ... ـتد الهجير وضم القسور الغيل
القسور الأسد، وكانت في طريق الحج السباع والمخاوف، فانظر كيف كان حرص المسلمين على أداء شعائرهم فكيف أساء المعري حيث قال ما قال
تحكين نفث نعام راعهن ضحى ... زعر ويثفرن والصوان مبتول
يلبزن صم الحصى لبزا ومدرجها ... خط عليه فمنقوط ومشكول
كلا هذين البيتين فيهما تحريف من ناسخ -تحريف كثير ولعل الصواب هكذا إذ هو أشبه بالمعنى والرسم يحتمله كالذي مر من «الدو» لما بين الواو والراء من شبه:
يحكين نفر نعام راعهن ضحى ... ذعر وينفذن والصوان مبتول
ينبذن صم الحصى نبذًا ومدرجها ... خط عليه فمنفوط ومشكول
ذلك بأن النفاذ يماثله البتل أي القطع والنفر يشاكله الذعر ويناسبه واللبز باللام بعيدة لأن الحصى لا يلبز ولكن ينبذ أي يقذف ويرمى به.
стр. 2384
إذا الحداة بسلع عرضوا فلها ... على الوجى ودوام السير تبغيل
تحن شوقًا وأني لا تحن إلى ... حمى الرسول النجيبات المراسيل
فهذه المقدمة التي مرت ليست من قرى صناعة المقامات والبديع وأوصاف الشموع وضروب العبث بالمحسنات واللعب اللفظي والمعنوي، ههنا أنفاس فحولة من الشعر شبيهة بأنفاس فحول صدر الإسلام والمحدثين المشهود لهم بالتقدم، وكالقدماء لا يجد الشاعر عسرًا في الاستهلال بالديار والنسيب، إذ الديار التي تيمت قلبه ذكراها هي الكعبة الشريفة والمشاعر والمعرف ومنى ورباع مكة المقدسات والقبر الزكي والروضة والمسجد والحرم وأحد والبقيع وقبا ومشاهد دار الهجرة العظام.
تأمل هذا التعبير النبيل الجزل:
هل ربة الستر بعد النأي دانية ... أم حبلها بعد طول القطع موصول
وهل تجد بنعمان الأراك لنا ... من المواهب أسمال رعابيل
والشاهد قوله «من المواهب أسمال رعابيل» -فالأسمال الرعابيل من صفة الثياب، والأسمال أيضًا بقايا الماء في الركايا، وكل هذه الظلال من المعاني مرادة ههنا
قال المعري:
جلبت من الشامين أطيب جرعة ... وأنزرها والقوم بالقفر ضلال
يلوذ بأقطار الزجاجة بعدما ... هريقت لما أهديت في الكثر أمثال
يصف قبلتها أنها أطيب جرعة على قلتها حتى إنها لا تزيد على ما تبقى في أقطار الزجاجة بعد أن يراق ما فيها
فإن زعموا أن الهجير استشفهم ... إليها فمنها في المزايد أسمال
أي بقايا، وما أرى إلا أن الصرصري ﵀ يشير إلى ما ذكره أبو العلاء ههنا من معنى المواهب، وكان الأولى الضرر خاصة بأبي العلاء فرط ولع وإن اختلفت مذاهبهم
стр. 2385
لاتفاقهم في باب التعمق في اللغة وآدابها، فهذا الذي صنعه الصرصري من خفي التضمين وبارعه.
وجلي أن الصرصري ﵀ يجاري «بانت سعاد» وتستنير بصيرته بضوء قوافيها ومعانيها، غير أن مجاراة الصرصري لـ «بانت سعاد» ههنا ومجاراة غيره من مداح الرسول ﷺ لها، كالبوصيري في لاميته:
إلى متى أنت باللذات مشغول ... وأنت عن كل ما قدمت مسئول
وابن جابر الأندلسي في لاميته:
بانت سعاد فعقد الصبر محلول ... والدمع في صفحات الخد مبذول
وجماعة غيرهم أورد من نظمهم في مجاراتها صاحب المجموعة النبهانية ﵀ -وفيهم الزمخشري صاحب الكشاف والفيروز أبادي صاحب القاموس- كل ذلك أريد به أول من كل شيء التبرك، وذلك أن كعب بن زهير ﵀ نال بها عفوًا وجائزة وذكرًا حميدًا وقد ضاهى في الجودة مذهب أبيه مع ماله من حرارة أنفاس الشباب -على أن أباه كما يعلم القارئ الكريم أصلحه الله، شديد الأسر، قوي الروح، متين الأنفاس.
ولقد أحسن الإمام يحيى الصرصري إذ يقول في أخريات لاميته
يا سيد الناس في الدنيا وسيدهم ... يوم القيامة منك الخير مأمول
حبرت فيك قصيدًا حسن مدحك في ... رؤوس أبياتها الحسنى أكاليل
رؤوس الأبيات عنى بها الروى، كما يقال للفواصل رؤوس الآي، وجعل القوافي كالأكاليل لمقاطع الأبيات هنا، لمكان هذا القري في مدحة كعب، وقد فصل هذا المعنى ووضحه في ما بعد:
نظمتها وزن من قد قال مبتدئًا ... «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»
تبركا بأتباعي ما نحاه ولم ... أبغ المضاهاة أين الطول والطول
لقد علا كعب كعب كل ممتدح ... فمن يفاضل يومًا فهو مفضول
стр. 2386
لعلها «فمن يفاضله» ومن جازمة ويجوز ما ههنا على معنى والذي «يفاضل» فهو مفضول وما أشبه أن تكون هاء الضمير قد غفل عنها في الطبع والتصحيح أو أخطأها الناسخ وذلك أن الرنة بها أقوى وأشبه بنغم الصرصري الفحل:
لقد علا كعب كعب كل ممتدح ... فمن يفاضله وما فهو مفضول
سبقًا وفضلًا وإنشادًا مشافهة ... وبردة قصرت عنها السرابيل
لكنني إن يك التسويف قصر بي ... وقيل إنك مبعوث ومسئول
يشير إلى قول كعب: «وقيل إنك منسوب ومسئول»
أقول للواعظ المهدي نصيحته ... أقصر فلي شافع في الحشر مقبول
محمد خير مبعوث بمرحمة ... وجاهه الغمر للراجين مبذول
صلى الله عليه وعلى آلة وصحبه وسلم تسليمًا
ونلفت القارئ الكريم إلى قوله: ﴿سبقًا وفضلًا وإنشادًا مشافهة﴾ ثم ذكر البردة فكل هذا شاهد كما ترى بمعنى التبرك.
وقد نهج البوصيري نهج الصرصري في الإقرار لكعب بن زهير بالسبق المطلق لأن كلامه عربي جزل أصيل - غير أنه أعطى نفسه فضيلة المشابهة له في أمرين، أولًا مدح الرسول ﷺ خالصًا فيه وثانيًا رجاء العفو عند الله بجاهه ﵊، وذلك أن كعبًا قد استحق القتل قبل أن يتقدم بمدحته هذه فنال بها العفو والرضا والجائزة: قال:
ها حلة بخلال منك قد رقمت ... ما في محاسنها للعيب تخليل
جاءت بحبي وتصدقي إليك فما ... حبي مشوب ولا التصديق مدخول
أي كما حب كعب وتصديقه كانا غير مشوبين ولا مدخولين إذ وفد معتذرًا وفي الناس من يتهمه بذلك كما يدل عليه قوله:
أنبتت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
فقد أتيت رسول الله معتذرًا ... والعذر عند رسول الله مقبول
مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... قرءان فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وقد كثرت في الأقاويل
كذلك أنا حبي غير مشوب وتصديقي غير مدخول وما سلكت مسلك كعب في الروي والبحر وأنا أبغي انتحال كلامه أتزين به. أو مباراته أباهي بذلك ولكني وجدتك
стр. 2387
غفرت له وحقنت دمه ففاز بمكانة الصاحب فهو لي بذلك قدوة وحسبي شافعًا أني أرمي إلى غرض غرضه وهو صدق المدح فيك والتماس العفو من الله بجاهك:
ها حلة بخلال منك قد رقمت ... ما في محاسنها للعيب تخليل
جاءت بحبي وتصديقي إليك وما ... حبي مشوب ولا التصديق مدخول
ألبستها منك حسنا فازدهت شرفا ... بها الخواطر منا والمناويل
فتح التاء من ألبستها أجود وأشبه بمعنى البيت إذ منه الخواطر والمناويل (جمع منوال) التي تم بها نسج القصيد وقد لبست حسنًا من مدح الرسول ﷺ فالنية هي التي أكسبت خواطره وملكته الشرف الذي ازدهاها فازدهت به - وهذا المعنى ينظر إلى قول الصرصري
حبرت فيك قصيدًا حسن مدحك في ... رؤوس أبياتها الحسنى أكاليل
والتشابه في أن مدحه ﷺ هو المستمد منه الحسن ثم يقول البوصيري، وهذا يقوي به معنى صدق حبه:
لم أنتحلها ولم أغصب معانيها ... وغير مدحك مغصوب ومنحول
وما على قول كعب أن توازنه ... فربما وازن الدر المثاقيل
أي المثقال وزن بعينه وليست موازنته لمقدار من الدر بجاعلته مماثلًا له في القيمة والحسن - وقد فسر مراده من بعد أن تقصيره عن كعب ليس في صدق المدح وجودته ولكن عند كعب من الجزالة والفصاحة والأصالة في ذلك ما ليس عنده:
وهل تعادله حسنًا ومنطقها ... عن منطق العرب العرباء معدول
وليس المولد مهما يسم قدره في هذا المدى ببالغ مبلغ العربي.
وما غاب عن الإمام شرف الدين فضل كعب بالصحبة والمشافهة والإنشاد، فهذا على أنه ضمنه معن عروبته الأصيلة وأنه نال العفو بما قال من رسول الله ﷺ عفوًا مباشرًا عن لقاء، قد ذكره صريحًا من بعد، ولم يفصل فيه تفصيل الصرصري لما أغنى به هذا بوضوحه فيه عن كل مزيد -رحمهما الله الرحمة الواسعة.
ثم يقول البوصيري:
وحيث كنا معًا نرمي إلى غرض ... فحبذا ناضل منا ومنضول
الناضل كعب وهو المنضول كما تقدم من قوله:
إن أقف آثاره إني الغداة بها ... على طريق نجاح منك مدلول
стр. 2388
لما غفرت له ذنبًا وصنت دما ... لولا ذمامك أضحى وهو مطلول
رجوت غفران ذنب موجب تلفي ... له من النفس إملاء وتسويل
وليس غيرك لي مولى أؤمله .... بعد الإله وحسبي منك تأميل
ولي فؤاد محب ليس يقنعه ... غير اللقاء ولا يشفيه تعلل
فهذا شاهد قولنا إنه ذكر فضل كعب باللقاء صريحًا
متى تجوب رسول الله نحوك بي ... تلك الجبال نجيبات مراسيل
فأنثني ويدي بالفوز ظافرة ... وثوب ذنبي من الآثام مغسول
أما قوله ﵀ «لم أنتحلها» فقد نبه به على اختلاف الوجه الذي سلكه في مدح رسول الله ﷺ عن وجه قصيدة كعب وإن تشابها في حسن الثناء عليه وطلب العفو من عنده ﷺ . وقد جعل البوصيري مكان النسيب في أول قصيدته طلب سبيل التوبة والاعتراف بالندم على ما فرط فيه:
إلى متى أنت باللذات مشغول ... وأنت عن كل ما قدمت مسئول
في كل يوم ترجي أن تتوب غدًا ... وعقد عزمك بالتسويف محلول
ومما يعجب في مطلع هذه القصيدة قوله:
فجرد العزم إن الموت صارمه ... مجرد بيد الآمال مسلول
واقطع حبال الأماني التي اتصلت ... فإنها حبلها بالزور موصول
هذا كقول كعب «إن الأماني والأحلام تضليل»
أنفقت عمرك في مال تحصله ... وما على غير إثم منك تحصيل
ورحت تعمر دارًا لإبقاء لها ... وأنت عنها وإن عمرت منقول
جاء النذير فشمر للمسير بلا ... مهل فليس مع الإنذار تمهيل
وصن مشيبك عن فعل تشان به ... فكل ذي صبوة بالشيب معذول
لا تنكرنه ففي الفودين قد طلعت ... منه الثريا وفوق الرأس إكليل
والثريا والإكليل كلاهما كما تعلم من نجوم السماء ثم أخذ البوصيري في طريق هو خريته ولنا إلى ذلك أوبة إن شاء الله تعالى.
وقال ابن جابر الأندلسي الضرير:
وقد أتيت بضعفي ما أتاك به ... كعب على أن باعي ماله طول
هذا يقتدي فيه بيحيى الصرصري
стр. 2389
فإن قبلت ونالتني مراحم قد ... نالته لم يبق لي من بعدها سول
وإن كعبا علينا إذ غدا سببا ... لكعب خير بيمن الله مشمول
ولبرهان الدين القيراطي ﵀ (توفي سنة ٧٨١ هـ) لامية كعبية الروي نظمها نظم علماء الفقه سنة ٧٦٤ هـ يقضي بها حق ما علمه الله بجهد منه يلتمس به الأجر ويكون فيه زكاة له، أولها:
جرح الجفون بقذف الدمع تعديل ... والحب شاهده المجروح مقبول
تأمل الجرح والتعديل -هاتان عبارتان من اصطلاح أهل الحديث. ثم القذف والقاذف لا تقبل شهادته لكن الجفون إذا قذفت الدمع فجرحها قذفه حتى صارت تبكي دمًا فذلك لها تعدل - وآخر هذا الاجتهاد الفقيرين الوقيري بعد أبيات زدن على مائة ما يدل على أن الشيخ الصالح لم يكن الشعر له فنًا ولكنما اقتحم طريقه يرجو به لنفسه صلاحًا بمديح رسول الله ﷺ -قال:
يا سيد الرسل قد قدمت من كلمي ... مدحا محياه من ذكراك مصقول
صيرت لفظي لألفاظ الورى ملكا ... لتاجه بلآلي الزهر تكليل
لا يريد هنا افتخارًا على الشعراء بأن لفظه كالملك بين ألفاظهم فالشيخ ﵀ أوقر نفسًا وأكرم تواضعًا من ذلك. يقول كلفت لفظي أن يصير ملكًا على هذه الألفاظ التي يستعملها الناس فينظمها فتكون له تاجًا من لآلئ النجوم الزهر - بضم الزاي وسكون الهاء- وأخذ المعنى من قول الآخر:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فيها أرضى لكم كلمى
إن كان أخذه.
بكم هديت سبيلًا للمديح لكم ... أمسي امرؤ القيس عنه وهو ضليل
أي ضل عنه امرؤ القيس بشعر قاله في الباطل وحمل به لواء الشعراء إلى النار - قالوا وكان يكثر من وأد البنات خوفًا من العار إذ كان محاربًا محاربًا فعل هذا هو سبب ترديه في النار والله أعلم وعل هذا من شنع صنيعه يصحح أن البيتين:
فقد اختلس الطعنة لا يدمي لها نصلي
كجيب الدفنس الورهاء ريعت وهي تستفلي
له لا لامرئ القيس الكندي الآخر - (ابن عابس) لما فيهما من الدلالة الخفية أن هذه الدفنس هي الموؤودة.
стр. 2390
وقد قدمت بأبياتي عسى سبب ... أنجو به محكم الإبرام مفتول
السبب الحبل والإحكام والإبرام من نعوت الحبال لا من قولهم محكمة النقض والإبرام فهذا من استعمالات عصرنا
لولاك يأيها البحر البسيط ندى ... ما طاب لي في بحور الشعر تفعيل
وكأنه ﵀ كان يترنم بكل بيت ويقطعه ويناظر ذلك بتفعيل
والقول ما قاله عب وإن حسنت ... من المعارض في المدح الأقاويل
أي مدح رسول الله ﵊
لكعب القدم الأعلى ففاضلنا ... في جنب مدحته الغراء مفضول
ولى وإن فاق حسن النسج منه على ... أذيال بردته العلياء تذييل
﵀ وأثابه خيرًا
وقال شمس الدين النواجي من رجال المائة التاسعة (توفي ٨٥٩ هـ) وشعره متوسط يذكر كعبا في أخريات كلامه:
قدمت بين يدي نجواي من كلمى ... هدية فضلها لي منك مبذول
لامية راق معنى مدحها ولها ... من بحر جودك يوم العرض تنويل
فبحرها وقوافيها إذا انتظمت ... كأنه منهل بالراح معلول
في بعض أوصاف خير الخلق قد قصرت ... باعي وإن كان نظمي فيه تطويل
هذا من اتباع للصرصري
ولم أعارض بقولي من تقدمني ... منهم وإن عذبت مني الأقاويل
لا يعني أنها عذبت فيمدح بذلك نفسه، ولكن على معنى على تقدير التسليم بأنها عذبت منها الأقاويل
كعب له في مديح المصطف قدم ... سباقة وبخير الخلق تفضيل
يعني بلقائه وإنشاده أمامه ومشافهته له ﷺ .
وروضة ابن زهير طاب مغرسها ... فزهرها بندى كفيه مطلول
وإن نسجت على منوال بردته ... طراز مدح له بالدر تكليل
فإنه كان مفتاحًا الباب هدى ... لنا به في ديار الخلد تأهيل
إن لم أفز بقبول في متابعتي ... «بانت سعاد» «فقلبي اليوم متبول»
стр. 2391
ولا نريد بعد أن نستقصي ذكر كعب في ما جوريت به لاميته المباركة. غير أنه عسى ألا نغفل في هذا الباب -باب مجاراة الفقهاء ومشايخ اللغة لكعب ﵁ عن لاميات الزمخشري وأبي حيان الأندلسي وصاحب القاموس مجد الدين الفيروز أبادى. وثلاثتهم لم يشيروا إلى كعب اكتفاء بظهور ذلك من ركوبهم بحره ورويه أما الزمخشري فمطلع كلمته:
أضاء لي باللوى والقلب متبول ... نجدي برق بنار الحب موصول
ولم يسلم في أولها ﵀ من جهد عمل واستقام له الروي في آخرها، لإفصاحه عما تضمنه فؤاده من حماسة وغضب للحق -قال:
يا خاتم الرسل إن الطول منك على ... راجي الشفاعة يوم الحشر مأمول
فهل يجيب فتى لا حبل ذمته ... واه ولا عقده في الصدق محلول
ولا اشتكت دخلا منه مناصحة ... ولا مناصح إلا وهو مدخول
فهذا تعريض بالخصوم كما ترى.
ثم مضى غاضبًا على سبيل التعريض وشكوى الخصوم إلى الرسول ﷺ :
ما مست الكأس يمناه ولا صدمت ... فاه وكلهم بالراح معلول
والعرض ريط يمان في الصوان وإن ... تملك يداه مصونًا فهو مبذول
قوله والعرض ريط يمان عبارة فصيحة ومعها صدق يصل إلى القلب يبئ به عن حال نفسه في العفاف.
ثم يقول:
وإن يل العمل المسخوط آونة ... فبينما العمل المرضي معمول
وعجيب ممن يلتمس الشفاعة أن يعتذر بهذا الاعتذار الذي تخالطه أرواح اعتزاز عما بدر منه من الذنوب. ولا يخفى أنه يضمن قوله هذا نوعًا من الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة] وقوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ [هود].
стр. 2392
ومكان الاعتزاز أنه جعل ذلك له حقًا. وكان أشبه بما هو بسبيله من التعبد بالمديح النبوي أن لو غلب التواضع والتسليم لله، والتعويل كل التعويل على تأميل النجاة من طريق الشفاعة، لا من طريق أن ما عمله من مسخوط سيمحوه أن ذلك قد وقع منه «بينما العمل المرضي معمول». وإنما يذهب العمل المرضي بالعمل المسخوط إن صحبة القبول من المولى تعالى وصحب هذا العفو. وعل قوله «المرضي» يحتمل شيئًا من الدلالة على القبول والله تعالى أعلم.
وطاء أعقاب قوم ما لهم عمل ... في نصرة الدين والإسلام مجهول
لهم ضمائر للتفكير قارعة ... وألسن كلها بالذكر مشغول
عنى بهؤلاء المعتزلة أنهم أهل فكر في خلق السماوات والأرض. وأنهم أهل ذكر بما أتقنوا من أبواب علوم الكلام. وأصل هذه المعاني من الجاحظ أن المعتزلة كانوا هم الحارسين للدين الذابين عنه بما انتضوا دونه من سيوف حجة الكلام.
موحدون إلاهًا أنت صفوته ... مصدقوك فلا غالتهم غول
يشير إلى مقالة المعتزلة أنهم أهل العدل والتوحيد. وقوله «أنت صفوته» رجع فيه إلى مخاطبة النبي ﷺ ولا يخلو في هذه الالتفاتة من إدلالة بتوحيده مخالطها حب لنبيه ﷺ . وله في ذلك صوت بالصدق الصارح جهير، جهارة جانب الخطابة والمقولة العقلية أقوى فيها من جانب الحرارة الشعرية. وقوله. «فلا غالتهم غول» من قول عبدة بن الطبيب:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
ولا يصلح «غالتهم غول» في الموضع الذي وضعها فيه الزمخشري كصلاح «غالت ودها غول» ههنا -على ما احتال به الزمخشري من مذهب الدعاء وما عناه من الإشارة والتضمين.
أم لا يخلو ﵀ في مجيئه بقوله: «فلا غالتهم غول» -بما فيه من دعاء وإشارة وتضمين- ههنا من نوع اعتذار عن هذا الاعتزاز بالاعتزال والدفاع عن الفرقة القائلة به؟ وكأنه ههنا يلتفت من خطاب النبي ﷺ والتقرب إليه، إلى هذا الاعتذار ذي الاعتزاز والافتخار معًا، ذي المظهر المتحدي بالاعتزال لسائر من حوله من أهل السنة، المتراجع، أو كالمتراجع عن التحدي بهذا الدعاء:
. فلا غالتهم غول
стр. 2393
في نفس الوقت.
هل كان الزمخشري معتزلًا حقًا؟ أم هذا الاعتزال حلة جعلها مظهرًا لقوة شخصيته وحرية فكره واعتداده بخلافته سيبويه وجهابذة لغة العرب وفحول البيان المتقدمين؟
إن زال عن رمي أغراض الهدى فرق ... تلهو مضللة قالت لهم زولوا
هل عنى أهل السنة؟ استبعد ذلك. وأشبه أن يكون عنى أعداءه الذين تسببوا في أخذه بسبيل الهجرة. وقد ضمن ههنا قافيته من قول كعب:
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
إلا أنه قد انحرف بالتضمين شيئًا عن وجهه، إذ قائلو القولة «زولوا» في بيته هم الفرقة المضللة وعند كعب هم أهل الهدى.
فقوس قومي بالتقوى موترة ... وسهمهم باتباع الحق منصول
وفي هذين البيتين اللذين جعلهما خاتمة القصيدة، على جودة معناهما وملاءمته لأن يكون من باب حسن المقطع، تعب تكلف في الصياغة. يشهد بذلك أنه احتاج إلى وصف الفرق وهي في آخر صدر البيت: «إن زال عن رمي أغراض الهدى فرق» بجملتين أولاهما وصف ثالث هو الحال -مضللة- والجملة الثانية «قالت لهم زولوا» غير واضحة ملاءمة الصياغة لما قبلها. وكأن أصل المعنى: «إن زال عن رمي أغراض الهد فرق قالت لهم زولوا فإنهم لم يزولوا عن ذلك لأن أقواسهم موترة بالتقوى ولها نصول من اتباع الحق» ثم جاءت الجملة «تلهو مضللة» معترضة. وهو مذهب خطابي مستقيم في جدل الكلام، ولكنه ذو تعسف وتكلف في طريقة الشعر.
لا ريب أن الزمخشري بعيد كل البعد عن التقية. إلا أن يكون قد اتخذ من مظهر الاعتزال سترًا لبعض التشيع .. بعض يسير، ربما، -لا كما صنع ابن أبي الحديد من بعد إذ يزعم أنه من أهل العدل والتوحيد وهو محتب في بحبوحة من الرفض.
أبو العلاء ذو التقية والتهيب أشعر شاعرًا بمدى بعيد من الزمخشري، مع قوة الشبه بينهما في علم العربية واللغة وفهم أسرار البيان. وزمان ما بين الرجلين غير جد بعيد. ولعل القارئ الكريم ذاكر ههنا في هذا الموضع ما كنا قلناه من أن قضية الصدق في الشعر -أو قل الصدق الشعري- من أعسر القضيات وأعوصها لمن يروم لها شرحًا وتوضيحًا. لا يكفي في وصف الصدق الشعري أن يقال إنه حماسة وطرح تهيب وغرف من تجارب النفس.
стр. 2394
لابد مع ذلك من طرب وترنيم إيقاع وذهول عن هذه النفس التي بها الصدق ولها طرح التهيب وعنها التعبير. من هذا كله عند المعري ذي التقية والدهاء والمراوغة قدر عظيم هو الذي به تفوقه شاعرًا ومزاحمته للفحول. وفي مثل قوله:
خليلي لا يخفى انحساري عن الصبا ... فحلًا إساري قد أضر بي الربط
ولي حاجة عند العراق وأهله ... فإن تقضياها فالجزاء هو الشرط
وفي مثل قوله:
تمنيت أن الخمر حلت لنشوة ... تجهلني كيف اطمأنت بي الحال
فأذهل أني بالعراق على شفا ... رزي الأماني لا أنيس ولا مال
مقل من الأهلين يسر وأسرة ... كفى حزنًا بين مشت وإقلال
من صدق الشاعرية (ترنمها وطرح تهيبها وغرفها من تجاربها وذهولها) ما ليس شيء مثل شيء منه عند الزمخشري ﵀. شعر الزمخشري ﵀ شعر العلماء والمعري شاعر أولًا، على تبحره في العلم وبين العلماء.
هذا: وكان أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي نزيل مصر (توفي ٦٨٤ هـ) ممن يرون كالزمخشري من قبل أنهم آلت إليهم خلافة سيبويه وعلم كتابه. وكان صاحب تفسير ذا بسط فيه وهو البحر المحيط. وفيه من النحو مسائل وأقاويل. ولكثير من معاصرينا به شغف ولأصحاب رسائل الجامعات الآن عليه أيما عكوف. وجامع البيان أملأ بغرائب مسائل النحو من البحر المحيط لما عند ابن جرير من قوة ميل إلى طريقة الكوفيين مع حذقه أقاويل نحاة البصرة، الخليل والأخفش وسيبويه وأصحابهم انظر مثلًا وقفته عند الآية: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة﴾ آية الأنعام فإن له فيها تفصيلًا أكثر مما في معاني الفراء، جاء فيه بمقالات من سيبويه ومن أبي زيد الأنصاري وغيرهما. وما خلا أبو حيان ﵀ من بعض غفلات سذاجة العلماء، كما في تفسيره قوله تعالى من سورة: «والضحى»: ﴿ووجدك ضالًا فهدى﴾ إذ زعم أن تفسير ﴿وجدك ضالًا فهدى﴾ قد أهمه ثم إنه غفا فرأى في المنام قائلًا يقول له إنها على تقدير حذف مضاف أي وجد رهطك ضالًا، فصحا فكتب ذلك على الفور أو كما قال، وله قصيدة طويلة يذكر فيها علمه بسيبويه ويعرض ببعض معاصريه من أهل مصر. وقد كان له بأندلسيته اعتزاز - وكانت الأندلس ثغر جهاد، فمن شرق منها يريد الحج كان بذلك جامعًا بين الغزو وأداء الفريضة فتانك فضيلتان يزيد بهما على أكثر
стр. 2395
قصاد البيت من أهل المشرق. قال في اللامية التي جارى بها كعبا ﵁:
وإذ قضيت غزاة فأتنف عملًا ... للحج فالحج للإسلام تكميل
واصل سراك بسير يا ابن أندلس ... والطرف أدهم بالأشطان مغلول
يعني السفينة - ينظر بعض النظر إلى قول أبي الطيب يصف سفن سيف الدولة:
دهم فوارسها ركاب أبطنها ... مكدودة وبقوم غيرها الألم
وأصل دهم أبي الطيب من دهماء علقمة التي حاركها بالقتب محزوم.
ثم يقول في نعت سفينته التي هي طرف أي حصان أدهم مغلول بالأشطان أي الحبال:
يلاطم الريح منه أبيض يقق ... له من السحب المربد إكليل
يعلو خضارة منه شامخ جلل ... سام طغى وهو بالنكباء محمول
أحسب أن الصواب «سام طفا» بالفاء أخت القاف لا الغين المعجمة أخت العين المهملة - حتى يقول من بعد:
ما زالت الموج تعليه وتخفضه ... حتى بدا من منار الثغر قنديل
فكبر الناس إعظامًا لربهم ... وكلهم طرفه بالسهد مكحول
وصافحوا البيد بعد اليم وابتدروا ... سبلا بها لجناب الله توصيل
ثم يقول:
يسوقهم طرب نحو الحجاز فهم ... ذوو ارتياح على أكوارها ميل
شعث رؤوسهم يبس شفاههم ... خوص عيونهم غرش مهازيل
لأبي حيان كما للزمخشري شخصية قوية. غير أنه دون الزمخشري حدة ذكاء ووقدة حماسة صدق ألا أن عنده نشوة طرب وليست نشوة الطرب وحده ببالغة مبلغ إيحاء رنات حاق الشعر ههنا أيضًا أمر فيه استعصاء على الشرح والتوضيح كأمر الصدق الشعري.
هذا وأول قصيدة أبي حيان فيه نظر إلى أول كلمة ابن زريق:
لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه
وهو قوله:
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول ... العقل مختبل والقلب متبول
стр. 2396
وكانت عينية ابن زريق كأنما نظمت بالأندلس (١) وقول أبي حيان: «فما ذو الحب معذول» ضعيف جدًا. إذ أكثر ما يعذل أهل الحب -ولله در البوصيري إذ يقول:
يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم
وقول ابن زريق «فإن العذل يولعه» تتمة حسنة لما بدأ به. ومما يعجب من عينيته، وكلها معجب، مقالته هذه الحزينة جدًا في أولها:
جاوزت في نصحه حدًا أضر به ... من حيث قدرت أن العذل ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعًا بالخطب يحمله ... فضلعت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من روعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... عزم إلى سفر بالرغم يزمعه
تأبى المطالب إلا أن تكلفه ... للرزق سعيا ولكن ليس يجمعه
كأنما هو في حل ومرتحل ... موكل بفضاء الله يذرعه
وما مجاهدة الإنسان واصلة ... رزقًا ولا دعة الإنسان تقطعه
قد قسم الله بين الناس رزقهم ... لم يخلق الله مخلوقًا يضيعه
لكنهم كلفوا حرصًا فلست ترى ... مسترزقًا ومدى الغايات يقنعه
والحرص في الرزق -والأرزاق قد قسمت ... ــ بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه ... عفوًا ويمنعه من حيث يطعمه
أستودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
وكان موضع ذكر هذه الأبيات في مكان مما تقدم أو مكان أنسب مما يلي وعسى أن يكون موقعها ههنا بين أشعار هؤلاء العلماء، قبل أن نصير إلى حاق شعر المديح النبوي عند مجيديه، مما يستراح إليه، عملًا بمذهب أمير الأدباء وشيخ أهل التأليف أبي عثمان ﵀.
стр. 2397
هذا وعلى ما كان بين الزمخشري وأبي حيان من شبه، كان بينهما نوع من تنافر، كأن أبا حيان، وزمانه متأخر عن زمان الزمخشري بنيف ومائة سنة، كان يغار من سمعة هذا وما أحرز من منزلة في مراتب أهل اللغة والتفسير والنحو. وقد تتبعه في مواضع مما جسر به كتلحينه قراء أبي عمرو بإدغام الراء في اللام، وتخطئته أبا شعيب السوسي في مفصله حيث أدغم الضاد في الشين في آية النور. وما عدا الزمخشري في الذي صنع مذاهب القدماء. ونقد القراءات عند ابن جرير كثير لا يرى بأسًا في أن يصرح باستحسان ما يستحسن منها وكراهية ما لا يستحسن. وغلب على المتأخرين اتباع سبعة ابن مجاهد والثلاثة المكملين العشرة. ولأبي حيان تسليم ورع في هذا الباب. وعنده ﵀ من بركة أهل السنة وانكساره تواضعهم. اختلاط ذلك بما لعلماء اللغة والنحو من شراسة تباه أحيانًا كثيرة من العجب. ثم كانت لأبي حيان جمحات شاعر ربما خرجت به من طريق التعبد بالمدح النبوي إلى المألوف من أساليب الشعراء في الوصف والنسيب - قال مثلًا في أوائل القصيدة:
لا تعذلاه فما ذو الحب معذول ... العقل مختبل والقلب متبول
هزت له أسمرًا من خوط قامتها ... فما انثنى الصب إلا وهو مقتول
جميلة فصل الحسن البديع لها ... فكم لها جمل منه وتفصيل
فالنحر مرمرة والنشر عنبرة ... والثغر جوهرة والريق معسول
والطرف ذو غنج والعرف ذو أرج ... والخصر مختطف والمتن مجدول
هيفاء ينبس في الخصر الوشاح لها ... درماء تخرس في الساق الخلاخيل
من اللواتي غداهن النعيم فلا ... يشقين آباؤها الصيد البهاليل
ثم يقول بعد أن استمر به الغزل شوطًا ﵀:
فعد عن ذكر لبنى إن ذكركها ... على الثنائي لتعذيب وتعليل
ولعل الغزل الذي مر مناسب لما صار إليه بعد من ذكر الجهاد -ثم هو مناسب لما كان عليه آخر الأندلس من قتال الكفرة المستمر:
فشق حيزوم هذا الليل ممتطيًا ... أخا حزام به قد يبلغ السول
أقب أقود يعزي للوجيه له ... وجه أغر وفي الرجلين تحجيل
حفر حوافره معر قوائمه ... ضمر أياطله والذيل عثكول
стр. 2398
أما صاحب القاموس مجد الدين الفيروز آبادي (١) فقد كان من معرفة غريب اللغة لدى ذروة شاهقة إلا أنه كان عظيم الثقة بما يقول كثير التعقب للجوهري وقد لهج بنقد صاحب الصحاح لهجًا، والعلماء مجمعون على تقديم الصحاح على سائر ما صنف بعده من المعاجم، والقاموس من أنفس المراجع وأخصرها وأوضحها وأكثرها فوائد وغناء.
من شواهد عظم ثقة الفيروز أبادي بما يقول مقدمته التي يقول في تحميدها «الحمد الله منطق البلغاء باللغي في البوادي ومودع اللسان ألسن اللسن الهوادي ومخصص عروق القيصوم وغضى القصيم بما لم ينله العبهر والجادي»، ثم بعد سجعات إنما هن كقواف لالتزامه رويًا واحدًا قال في ذكر رسول الله ﷺ : «باعث النبي الهادي، مفحمًا باللسان الضادي كل مضادي (٢) مخفمًا لا تشينه الهجنة واللكنة والضوادي، محمد خير من حضر النوادي وأفصح من ركب الخوادي (٣) وأبلغ من حلب العوادين (٤)، بسقت دوحة رسالته فظهرت على شوك الكوادي (٥) واستأسدت راض نبوته فعيت في المآسد الليوث العوادين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الدآدي إلخ»
فمما قاله في نسيب القصيدة وأولها:
هل حبل عزة بعد البين موصول ... أو بارق الوصل بين البين مأمول
وهذا كمطلع كلمة عبدة بن الطبيب
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
وكأنه يوهم بمجاراتها دون لامية كعب وجاء منها بقوله:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
ولكنه اقتدى بكعب بلا ريب -إذ جاء له:
إن الصبابة بعد الشيب تضليل
стр. 2399
فهذا من كلام كعب، وله:
والأمر من ربه لا شك مفعول
وهذا من كلام كعب -وقال:
وقال حيهلا قد رام جابركم ... سؤرا فسيروا إليه عياهيل
وهذا من قول كعب: «قال قائلهم ببطن مكة»، والحديث هنا في كلام مجد الدين ﵀ عن شاة جابر ﵁.
وقوله: «إلا وفيها حصاة منه زهلول» من قول كعب: «أقراب ذهاليل» وهذا باب يطول فمما قاله في نسيب القصيدة وأغرب:
وليلة بت ذا حزن وذا قلق ... والدم والدمع مطلول ومهطول
وخامر النفس من ترداد زفرتها ... هول وخبل وعلول وعقبول
أما وعيني في الهجران تسلفها ... بالدمع دجلة والسيحون والنيل
قد حفلتها حفولًا طفلة كملت ... في الحسن قد صانها لطف وتحفيل (١)
رقراقة بضة حوراء هيكلة ... دعجاء بلجاء زانتها الأكاليل
رعبوبة رئدة لفاء هيضلة ... شنباء لمياء مثواها البراغي (٢)
نجلاء برجاء هيفاء مخصرة ... شماء قنواء بين الغيد عطبول
خود مهفهفة عطا هبنكة ... هركولة وثناياها معاسيل (٣)
والخلق ذو بهج والخلق ذو غنج ... والطرف ذو دعج والثغر معسول
стр. 2400
والوجه ذو بلج والثغر ذو فلج ... والردف ذو رجج والطرف مكحول
والخصر في زعج والقلب في دمج ... والعين في خمج والشعر مرطول (١)
مياسة لو تمشت عرقلى نزلت ... عرقال قلبي فتضنيه العراقيل (٢)
إن الحماطيط من صدغيك قد لسعت ... حماطتي فأحاطت بي الزعابيل (٣)
لبانة منك يا لمياء لو قضيت ... لبان للبين إبدال وتحويل
فتأمل أصلحك الله.
ولصاحب القاموس ولع بذكر ما له معان من الإحماض - ذلك جلي في القاموس قلت كلمة تخلو مما يمت إليه كل الخلو
وقال في مدح النبي ﷺ :
وأبلج الوجه هلقام له شمم ... وأدعج العين مزدان بها الميل
الميل المرود. الهلام الأسد. والإغراب في الهلقام كما ترى. أبيات المدح على الجملة أقل إغرابًا مما قبلها ونظم فيها من أسماء النبي ﷺ عددًا. وأسلوب القصيدة شعر علماء. وسط. فرحمه الله وأثابه.
هذا- واعلم أيها القارئ الكريم أصلحك الله أن نقادنا أهملوا باب المديح النبوي وقسمتهم الأطوار الشعر العربي بعد زمان صدر الإسلام هكذا:
(١) العصر العباسي الأول
(? ) العصر العباسي الثاني
(٣) العصر العباسي الثالث
(٤) عصر الانحطاط
(٥) النهضة
(٦) العصر الحديث
стр. 2401
ولا يخفى أن هذه القسمة تتضمن عنصرًا من الرغبة المريضة أن ينتسب الناس إلى أوروبا وحضارتها وأن يكونوا امتدادًا منها وجزءًا لا يتجزأ. الأوربيون يؤرخون عصورهم هكذا:
(١) العصر الكلاسيكي وينتهي بسقوط رومة سنة ٤٧٦ م.
(? ) العصر المظلم من ٤٧٦ م إلى القرن التاسع الميلادي.
(? ) العصر الأوسط من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الخامس عشر الميلادي.
(٤) النهضة القرن الخامس عشر إلى القرن السادس عشر الميلادي.
(٥) العصر الحديث، القرن السادس عشر الميلادي.
فالحافظون بيت الشاعر وهو السهروردي:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
أو معناه، شبهوا سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م) بسقوط رومة. ثم ران الظلام. ثم جاءت النهضة. ثم ها نحن أولاء في العصر الحديث.
والتأريخ الإسلامي والعربي معًا يكذبان هذه التصنيف الخاطئة لعصورنا.
لقد كان أخذ التتار بغداد وإخراجهم لها كارثة.
ولكنه قد قامت بعد بغداد دول إسلامية قويات. وامتدت رقعة الإسلام. ونبغ فيها العلماء والأدباء. ما بني التاج محل ولا مراصد سمرقند إلا بعد سقوط بغداد. وازدهر الإسلام. بتمبكتو في القرن التاسع والعاشر الهجري. وازدهرت بلاد المغرب بالمعارف والعلوم وضروب ما ينسب إلى الحضارة وتنسب الحضارة إليه من القرن الخامس إلى أن تغلبت أوربة بدفعة الاستعمار في القرن الماضي الميلادي. وانتشر الإسلام في بلاد جاوة والماصين وقرع العثمانيون أبواب فينا بصلاصل الحديد.
وفي هذا العصر الذي يقال له عصر الانحطاط برز السيوطي وابن حجر وابن تيمية وابن القيم وابن الخطيب وابن خلدون وهذا بعد باب واسع.
وفي الشعر كان في هذه الفترة شعراء المديح النبوي المفلقون. وهؤلاء أهملهم المستشرقون عمدًا وهم في ذلك معذورون. من يلوم مستشرقًا على ألا يؤرخ لمن يقول:
جاء المسيح من الإله رسولًا ... فأبي أقل العالمين عقولًا
قوم رأوا بشرًا كريمًا فادعوا ... من جهلهم لله فيه حلولًا
ولكن المسلمين غير معذورين إذ أهملوا درس هذا الشعر. ونحن ها هنا إنما نريد أن ننبه على مكانه. ثم هو جزء جوهري من تأريخ الشعر العربي، إهماله خطأ في باب الدرس
стр. 2402
عظيم. ورحم الله الدكتور زكي مبارك وأسكنه فراديس الجنان، فقد نبه على مكان المديح النبوي بكتاب له فيه. ورحم الله شوقيا والبارودي وجيلهما رحمة الله عليهم ورضوانه فقد انتفعوا بالمديح النبوي ونفعوا به، على من قيل فيه أفضل الصلاة والتسليم.
أطوار المدحة النبوية وبعض أمرها: -
أطوار المدحة النبوية على وجه التقريب لا الحصر أربعة، طور الدعوة، طور السياسة، طور التعبد الممهد، طور النضج الذي جعلها سيدة القصيد بعد أن ذهب بهاء قصيدة المدح وما يمت إليها.
أما طور الدعوة فقد كانت قصيدة المدح النبوي فيه جزءًا لا يتجزأ من الشعر العرب ي آنئذ ومن أقدم ما وصلنا من قصيد الدعوة ما نسب إلى أبي طالب عم رسول الله ﷺ . وأشهر ذلك جميعه القصيدة اللامية التي يقول فيها: -
كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا ... ولما نطا عن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل (١)
ومنها وهو بيت مشهور:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
مقال ابن هشام إن أكثر أهل العلم ينكرونها له لا ينفيها به كلها ولكن أكثرها إذ هي ذات طول. ولا بد لذلك من أصل وقد رواها ابن اسحاق عن مصادر روايته وابن إسحاق وثقه الشيخان. والذين روى عنهم ابن إسحاق من جيل العرب الخلص ومن أخذوا عنه صحيحه ومنحوله يستدل به بلا ريب.
ومن شعراء العرب ممن لم يسلم ومدح رسول الله ﷺ الأعشى الكبير وكلمته مشهورة:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدًا
وأدخله بها أبو العلاء فردوس رسالة الغفران.
ووفد على رسول الله ﷺ بالشعر والرجز جماعة. وممن كان مع المشركين يهجو المسلمين ثم أسلم وحسن إسلامه ومدح الرسول ﷺ جماعة كأبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن الزبعري وكعب بن زهير صاحب اللامية الغراء.
стр. 2403
أما الأنصار فمع ما قدمناه من أن شعرهم جزء لا يتجزأ من شعر العرب في أول الإسلام فإنه كان مختلفًا عن شعر الأيام والنقائض والمفاخرات بأنه كان ملتزمًا بالقرآن والدعوة -كقول عبد الله بن رواحة ﵁:
إني تفرست فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبي ومن يحرم شفاعته ... يوم الحساب فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما أتاك من حسن ... تثبت موس ونصرًا كالذي نصروا
ومما ينسب إلى حسان ﵁:
نبي أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا نارًا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عمرت في الناس أشهد
تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلاهًا أنت أعلى وأمجد
وقد اضطر شعراء قريش والمشركين إلى مواجهة الدعوة بما ينقضونها به. وقد نهى الإسلام في أيام بدئه عن رواية أشعارهم، ثم لما ضرب الإسلام بجران تذوكر منها، من ذلك فإن مثلًا مما قيل في رثاء قتلى بدر (وقد مر الاستشهاد به أو ببعضه وهو من الرثاء المبدوء بنوع من النسيب):
ألمت بالتحية أم بكر ... فحيوا أم بكر بالسلام
ألا يا أم بكر لا تكري ... على الكأس بعد أخي هشام
وبعد أخي أبيه وكان قرمًا ... من الأقوام شراب المدام
فجعل شرب المدامة فضيلة وكان الإسلام آنئد قد ذمها إلا أنها لم تحرم إذ قيل هذا الشعر وحمزة سيد الشهداء ﵁ حي وببدر فعل بالقوم الأفاعيل.
ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام
فإن صح هذا البيت له فقد جاء بالرحمن سخرية ومغايظة - قال تعالى: ﴿هم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ - وكان رمضان قد فرض
стр. 2404
إذا ما الرأس زايل منكبيه ... فقد شبع الأنيس من الطعام
هذا على مذهبهم. قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾.
أيوعدنا محمد أن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام
هكذا رواية البخاري للبيت وكنت أحسب أن رواية البيت ما في رسالة الغفران «أيوعدنا ابن كبشة» وأن أصحاب الحديث حوروه تأدبًا، وبعد التأمل أرى أن رواية أصحاب الحديث هي الصحيحة، وكانوا أهل دقة، وقد رووا من كلام المشركين ألفاظًا. ولم يكن اسم الرجل الذي نبزوا بمشابهة أقواله نبينا ﵊ كبشة ولكن أبو كبشة ولا يستقيم الوزن بابن أبي كبشة، فيكون الشاعر جاء به كما رواه البخاري وكما في السيرة. كان أبو كبشة فيما رووا يعبد الشعري. وفي كتاب الله: ﴿وأنه هو رب الشعرى﴾ - فشتان مقال النبي ﷺ إذ دعا قومه ومقال أبي كبشة. وقيل أبو كبشة كنية السعدي زوج حليمة، ويجوز، وهذا ليس مما ينبز به أحد، وإيثار أبي العلاء هذه الرواية مما ينبس ببعض ما كان يخامره ﵀ وعفا عنه، فقد مدح رسول الله ﷺ في رسالة الغفران على لسان جنيه حيث قال:
مكة أقوت من بني الدربيس ... فما لجني بها من حسيس
وكسرت أصنامها عنوة ... فكل جبت بنصل رديس (١)
وقام في الصفوة من هاشم ... أزهر لا يغفل حق الجليس
يسمع ما أنزل من ربه الـ ... ـقدوس وحيًا مثل قرع الطسيس (٢)
يجلد في الخمر ويشتد في الـ ... ـأمر ولا يطلق شرب الكسيس (٣)
ويرجم الزاني ذا العرس لا ... يقبل فيه سؤلة من رئيس
وقال حسان ﵁:
стр. 2405
عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء
ينازعن اللأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء
قالوا لما دخلت خيل المسلمين مكة جعلت النساء تلطمهن بخمرهن (جمع خمار المفرد بكسر الخاء وفتح الميم بعدها ألف والجمع بضمهما) فكان هذا مما نظر فيه حسان بعين البصيرة والكشف والهمزية التي منها هذه الأبيات من جيد شعره ومشهوره -قال ﵁:
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدًا ... يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد سيرت جندًا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء
عنى أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهذا قبل إسلام أبي سفيان هذا
هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
ويمكن أن يعتبر شعر الأنصار من حيث التزامه بدعوة الإسلام ودفاعه عنها مقدمة وتمهيدًا لما افتن فيه الشعراء من بعد من ضروب أساليب الشعر المدافع عن مذاهب الفرق والجماعة وهلم جرا.
ثم أمر آخر كان شعر الأنصار به مختلفًا عن أشعار الأيام والمفاخرات ولم تكن شعراء الكفرة قادرة على أن تجاريهم فيه، وإن جارتهم في الدفاع عن قضايا كفرها، وهو التعبد، وذلك لصدق إيران الأنصار، واعتقادهم بحق أن ما يقولونه ينصرون به رسول الله ﷺ ، مقربهم إلى الله، وهو عبادة.
شعر الجواري الذي استقبلن به الرسول ﷺ يقلن: -
نحن جوار من بني الأنصار ... يا حبذا محمد من جار
стр. 2406
مراد به التعبد لا اللهو إذ لا يخفى أن استقباله ﷺ والابتهاج به عبادة. وكذلك قول النساء والصبيان في استقباله بالنشيد:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
وقد سبقت الإشارة إلى وضوح معاني التعبد في شعر عبد الله بن رواحة ﵁ نحو قوله:
الأهم أن الأجر أجر الآخرة ... فارض عن الأنصار والمهاجرة
ونحو: لاهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحو: خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
وقد حفظ له رجز بمؤته وبيده الراية حتى استشهد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه
إن أجلب القوم وشدوا الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنة
وكما قدمنا لم يكن شعراء المشركين ليستطيعوا هذا المسلك، وإنما كانوا ينطقون بلسان الملأ من قريش، وهؤلاء كانوا أهل حمية لا دين. قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديةً فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ [الأنفال].
إلا ما كان من أمر أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان امرأ منافقًا، كفر قلبه وآمن لسانه. وشعره الذي يتدين به، من أجل ذلك، خال من حرارة أنفاس الإيمان الصادر عن القلب. ولعل آخر كلمة له مما رووه من كلامه:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
وإنما قالها على حين لا تقبل توبة، على الأرجح.
قال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليمًا﴾.
стр. 2407
وقال تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلًا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ [الأعراف] فيذكر أن هذه الآيات نزلت في أمره وقيل غير ذلك. فإن تكن في أمره فهو خبر قاطع في هلاكه وما كان قوله الذي قال إلا لهثًا لهث به، كما يلهث الكلب، ونعوذ بالله من سوء المنقلب.
طور السياسة
هذا هو الطور الثاني من أطوار المدحة النبوية . وغير خاف أن الطور الأول منه جانب سياسي - إلا أن جانب التعبد والجهاد لإعلاء كلمة الدين هو المعنى والمقصد الأول، وما سواه فرع منه، إذ لم تكن السياسة نفسها آنئد إلا فرعًا من إقامة الدعوة - ومما يشهد بهذا ما مر من كلام حسان ﵁ في الهمزية وكلام ابن رواحة ﵁. ونحو قول كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في سورة التوبة، ﵁: -
نطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفا
فإن تلقوا إلينا السلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدًا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا عشًا ضعيفا
واختلاف هذا الطور عما قبله كامن في أن مدح الرسول ﷺ مراد به جانب نصر دعوة سياسية بعينها، هي دعوة آل البيت وشيعتهم الذين كانوا يرون أن الإمامة لا تكون في حي سواهم إلا غصبًا إذ هم أهل الحق.
مدح الرسول ﷺ في شعر هؤلاء كان مذهوبًا به مذهب الاستنجاد بدعاء يتوسلون فيه به لينصرهم الله على من غصبوا آله حقهم، فهذا جانب ديني تعبدي، وكان مذهوبًا به أيضًا مذهب استنهاض همم المسلمين لرعاية حقه ومن حقه أن يحفظوا عهد الله إليهم في آله إذ قال : ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ - وأن يحاربوا من حاربهم، وألا يروا أحدًا صالحًا للإمامة غيرهم وهلم جرا، فكل هذا جوانب سياسية.
стр. 2408
الكميت بن زيد الأسدي صاحب الهاشميات أبرز من مدح رسول الله ﷺ على هذا الوجه السياسي. ولعل من رثاء حسان لرسول الله ﷺ ما يكون مما مهد له ولمن سبقوه كأبي الأسود الدؤلي وقد روي له قوله:
يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر ما تنسى عليا
أحب محمدًا حبًا شديدا وعباسًا وحمزة والوصيا
فإن يك حبهم رشدًا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا
فقد شمل بحبه رسول الله ﷺ حبه لعميه ولعلي ﵃. ولم يكن حسان ﵁ ممن عرف له تشيع، وكان فيه حب لعثمان أمير المؤمنين ﵁، وقد رثاه بقوله المشهور:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا
غير أنه في رثائه رسول الله ﷺ تجد له أنفاس حزن شديد لعله مستمد من شعور الأنصار أنهم قد غلبتهم قريش على أمر رياسة الدولة الاسلامية وسياستها بعد بيعة سيدنا أبي بكر ﵁ يوم السقيفة وانصراف الناس عن سيد الخزرج سعد بن عبادة ﵁ قال ﵁: -
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعًا على المهدي أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
المهدي هنا هو رسول الله ﷺ وهذا البيت من أقدم ما جاء فيه هذا اللفظ، وهو ليس في القرءان، ولكنه ورد في بعض الحديث
وجهي يقيك الترب لهفي ليتني ... غيبت قبلك في بقيع الغرقد
البقيع فيه قبور أهل المدينة وفيه من قبور الصحابة عدد رضوان الله عنهم أجمعين وفيه قبر فاطمة الزهراء وقبر العباس وقبر عثمان بن عفان ﵃ وأرضاهم.
فظللت بعد وفاته متبلدًا ... متلددًا يا ليتني لم أولد
стр. 2409
هذا الشعر شدد انفعال العاطفة لمتأمله. وحسان الذي يقول «يا ليتني لم أولد» كان إذ قال هذا ابن سبعين سنة أو زاد عليها
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا ليتني صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلًا ... في روحة من يومنا أو في غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا ... محضًا ضرائبه سكري المحتد
يا بكر آمنة المبارك بكرها ... ولدته محصنة بسعد الأسعد
نورًا أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتد
يا رب فاجمعنا معًا ونبينا ... في جنة تنبي عيون الحسد
فهذا تعريض بمن يكون حديث عهد بالإسلام وفي ضميره للأنصار عداوة، وقد حف أهل الردة بالمدينة بعد وفاته ﷺ بقليل فلولا ما هدى الله إليه سيدنا أبا بكر من التشمير، ولكن الله سلم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حمام.
في جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلي والسؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلا بكيت على النبي محمد
يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا ... سودًا وجوههم كلون الإثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم تجحد
والله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد
هذه القصيدة من نفيس شعر حسان وجيده. والأسى على ما صار إليه أمر الأنصار جلي كما ترى. وفي شرح نهج البلاغة شعر سياسي ذو لهجة شديدة منسوب إلى حسان
- تناول رجال قريش ونسب بعضهم إلى نوع من حمية الجاهلية كقوله:
وعكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل
وهذا الشعر منحول. ومما يكون جرأ على انتحاله وانتحال أمثاله ما في هذه المرثية (١) من مستكن معاني السياسة مع ما هي مشتملة عليه من اللوعة والحزن العميق. روى أبو عبيدة بيت يا ويح أنصار النبي إلخ هكذا:
стр. 2410
وقيل أفرطت بل قصدت ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت الـ ... أرض ولو عاب قولي العيب
أي العائبون بفتح العين المهملة والياء)
لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج واللجب
أنت المصفى المحض المهذب في النـ سبة إن نص قومك النسب
ولو كان لم يقل فيه ﵇ إلا مثل قوله:
وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا برًا وحزمًا ونائلا ... عشية وأراك الضريح المنصب
فلو كان لم يمدحه ﵇ بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟ ! » ا. هـ كلام الجاحظ.
قلت وما خفي عن الجاحظ مراد الكميت وهو القائل:
يشيرون بالأيدي إلى وقولهم ... ألا خاب هذا والمشيرون أخيب
فطائفة قد كفرتني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب
فالكميت لا يعني أنهم يعيبون مدحه المصطفى ﵊ ولكن حبه آل البيت وغلوه في ذلك وهو بعد القائل:
أهوى عليا أمير المؤمنين ولا ... ألوم يومًا أبا بكر ولا عمرا
ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا ... بنت النبي ولا ميراثه كفرا
الله أعلم ماذا يحضران به ... يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
فهذا الذي كان ينكره الناس على الكميت لأحبه النبي ﷺ ولا مدحه له، ومراده غير خاف، فالذي عابه به الجاحظ على هذا فيه نظر. وأما عيبه عليه «لقد غيبوا برا إلخ» أنها كما يمدح به الرجل الكريم من عامة العرب، فهو أيضًا فيه نظر، لأن الكميت ما عدا أن اتبع حسان في مرثيته الجيدة حيث قال:
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيد وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد
стр. 2411
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السنوات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يومًا رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
ﷺ .
والعجب لابن قتيبه قال: «وهذه عندي قصة الكميت في مدحه بني أمية وآل أبي طالب فإنه كان يتشيع وينحرف عن بني أمية بالرأي والهوى وشعره في بني أمية أجود منه في الطالبيين. ولا أرى علة ذلك إلا قوة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة» ا. هـ
وزعم ابن قتيبة أن الكميت شديد التكلف في الشعر كثير السرقة. ولو كان هذا حقًا ما كان شعره ليعجب الفرزدق في الخبر الذي رووه، اللهم إلا أن يكون الخبر مكذوبًا وهذا بعيد. ومما يعجب لأمره من كلام ابن قتيبة أول شيء قوله «آل أبي طالب» وقوله «في الطالبيين» والكميت نفسه يقول:
يا ويح أنصار النبي ونسله ... بعد المغيب في سواء الملحد
استشهد به في موضعين أو ثلاثة من مجاز القرآن. ونسله ورهطه كلتاهما روى ومتقاربتا المعنى إلا أن نسله أخص والمعنى يا ويح أنصاره وويح نسله أو رهطه ويجوز يا ويح أنصار نسله أو رهطه. وإن يكن أبو عبيدة قد كان كما زعم بعضهم به ميل إلى رأي الخوارج فرواية نسله أشبه إذ ذلك لا يتجاوز فاطمة ﵂ وكان بقاؤها بعد الرسول ﷺ قليلًا. وما كان أبو عبيدة ليستشهد بهذا البيت في تفسير القرآن وينسبه إلى حسان إلا وهو من ذلك على ثقة.
كان في أكثر الأنصار ميل إلى علي كرم الله وجهه وقد أصيب المسلمون على أيام يزيد بن معاوية بمقتل الحسين ﵁ وبوقعة الحرة. وقد جعل الكميت من صلة ما بين الأنصار وآل البيت حجة يجادل بها -قال:
وقالوا ورثناها أبانا وأمنا ... وما ورثتهم ذاك أم ولا أب
ولكن مواريث ابن آمنة الذي ... أقر له بالفضل شرق ومغرب
بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة ... فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب
يقولون لم يورث ولولا تراثه ... لقد شركت فيها بكيل وأرحب
ولانتشلك عضوين منها يحابر ... وكان لعبد القيس عضو مؤرب
стр. 2412
علام إذن زرنا الزبير ونافعا ... بأسيافنا بعد المقانب مقنب
وشاط على أرماحنا بادعائها ... وتحويلها عنكم شبيب وقعنب
وإلا فقولوا غيرها تتعرفوا ... نواصيها تردى بنا وهي شرب
ولم يكن الأنصار عنها بمعزل ... ولا غيبًا عنها إذ الناس غيب
هم رئموها غير ظأر وأشبلوا ... عليها بأطراف القنا وتحدبوا
فإن هي لم تصلح لحي سواهم ... فإن ذوي القربى أحق وأقرب
في هذه الأبيات من البائية «طربت وما شوقًا إلى البيض» بعض البيان لما تقدم ذكره من أمر المزج بين مدحه ﷺ وقضايا السياسية التي كانت تحترب عليها الفرق آنئذ-الزبير ونافع وشبيب وقعنب هؤلاء من زعماء الخوارج، وكانوا يرون تقديم الصالح من المسلمين للإمامة لا يشترطون كونه قرشيًا. ومكان مدح الرسول ﷺ في قوله «بك اجتمعت أنسابنا» لا يخفى. وهذا يشبهه قول الآخر:
دعى القوم ينصر مدعيه ... ليلحقه بذى الحسب الصميم
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
قال الجاحظ في كتابه الحيوان:
«ومن المديح الخطأ الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد وهو يمدح النبي ﷺ ، فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبه بذلك بعض بني هاشم، ولو مدح به بعض بنى هاشم لجاز أن تعيبه العامة أو لو مدح به عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، ولو مدح المهلب لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف - فأما مديح النبي ﷺ ، فمن هذا الذي يسوؤه ذلك حيث قال: -
فاعتتب الشوق في فؤادي والشعـ ... ـر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع النا ... س إلى العيون وارتقبوا
(ههنا كما ترى شيء من التضمين)
стр. 2413
بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضب
فلم يقسمهم إلى طالبيين وغير طالبيين وقد ذكر سيدنا العباس «عم نبينا» ﷺ فقد أساء ابن قتيبة في هذا التخصيص الذي الكميت بريء منه، ولا ريب، كان الكميت يدافع عن قضية آل البيت ويرى عليا كرم الله وجهه أحق الصحابة بالخلافة فهذا قد مرد سادة بني العباس الخلفاء من بعد المنصور على إنكاره وحمل من استطاعوا حمله على القول بذلك فقالوا:
أني وأون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
فصار شعر الكميت ولا سيما هاشمياته مرغوبًا عنه لديهم. فهل جاء ابن قتيبة بمقاله هذا مصانعة لأهل الدولة؟
والذي صنعه الجاحظ قريب منه، والجاحظ أقوى عذرًا إذ كان من رجال الدولة أقرب.
ومما يزيد العجب عجبًا أن ابن قتيبة حين استشهد بما قال هو إنه يستجاد من شعر الكميت، لم يجيء بشيء مما قاله في بني أمية إلا قوله في هشام:
مصيب على الأعواد يوم ركوبه ... لما قال فيها مخطئ حين ينزل
وهذا يذمه به من اللامية الهاشمية التي ذم فيها بني أمية فقال:
تحل دماء المسلمين لديهم ... ويحرم طلع النخلة المتهدل
وجاء بأبيات من البائية فقال ويستجاد له قوله في ذكر النبي ﷺ :
يقولون لم يورث ولولا تراثه ... لقد شركت فيه بكيل وأرحب
ولانتشلت عضوين منها يحابر ... وكان لعبد القيس عضو مؤرب
فإن هي لم تصلح لحي سواهم ... إذن فذوو القربي أحق وأقرب
стр. 2414
الهجرة. وكتاب الإمامة والسياسة إن كان حقًا من تأليف ابن قتيبة يشعر بميل فيه إلى علي كرم الله وجهه. فيكون ما ذكره عن الكميت من باب التقية والله أعلم.
واستشهد على سرقة الكميت بأبيات من رائيته في بني أمية -وقد زعم آنفًا أنه كان يجيد مدحهم، وأي جودة لما هو سرقة بينة- فتأمل. وآفة الرأي الهوى.
كان الكميت شاعرًا مجيدًا وهاشمياته في آل البيت من روائع شعره، وقد كن مما اندكت به صروح ملك بني أمية. وقد قتل من أجلها وتذرع إلى ذلك بعصابيته لمضر وهجائه لقبائل اليمن في الكلمة النونية التي يقول فيها:
فما أعني بذلك أسفليكم ... ولكني عنيت به الذوينا
وقد صرح بعض شعراء الشيعة بعد الكميت بهجاء الصحابة، فعل هذا مثلًا السيد الحميري فكان ذلك مما جعل الناس ينفرون من رواية شعره، إلا من كان له في ذلك هوى.
وقد حببت الهاشميات الناس في الشعر الحزين الذي يذكر مقاتل أهل البيت وما أصيبوا به من قبل طغيان بني أمية. فصار القول في ذلك كأنه طرف من مدح رسول الله ﷺ .
كالذي اشتهر من أمر تائية دعبل الخزاعي:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
ديار علي والحسين وجعفر ... وحمزة والسجاد ذي الثفنات
قال عبد الله بن المعتز «وهو صاحب القصيدة:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
وهي أشهر من الشمس ولا حاجة بنا إلى تضمينها ولا تضمين شيء منها. وهو صاحب التائية الأخرى التي أولها:
طرقتك طارقة المني ببيات ... لا تظهري جزعًا فأنت بدات
في حب آل المصطفى ووصيه ... شغل عن اللذات والقنيات
стр. 2415
إن النشيد بحب آل محمد ... أزكي وأنفع لي من القينات
فاحش القصيد بهم وفرغ فيهم ... قلبا حشوت هواه باللذات
واقطع لبانة من يريد سواهم ... في حبه تحلل بدار نجاة
وهي أيضًا طويلة مشهورة فتركنا إيرادها».
ولم يكن ابن المعتز يخلو من نصب ما ولم يسلم من لهوجة وتمريض ما في ترجمته لدعبل، وهو معذور إذ هجا أجداده. وزعم المعري أن دعبلًا كان في تشيعه كاذبًا. فالله أعلم أي ذلك كان.
وعلى طريق دعبل في التائية سلك ابن الرومي في الجيمية:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج
وفيهما معًا أمل التبرك والنفس السياسي، وكأن المعري يزعم أنه كان كاذبًا إذ قال إنه على مذهب غيره من الشعراء وهذا أخف من مقاله في دعبل إذ قال: «ما يلحقني الشك في أن دعبل بن علي لم يكن له دين، وكان يتظاهر بالتشيع». [ص ٤٢٠ رسالة الغفران].
الطور الثالث
وهو طور التعبد الممهد . نعني بالممهد أنه قد كان توطئة لطور نضج القصيدة النبوية، وصار حينئذ التماس التعبد بها طريقًا مهيعًا.
ويدخل في مجال شعر التعبد أصناف كثيرة كلها يصح أن تعتبر من قبيل التمهيد لقصيدة المدح النبوي الناضجة. منهن ما كان في الصدر الأول. وقد أورد صاحب أنساب قريش شعرًا كثيرًا لعباد قريش، مما يشهد بأن أمر الروحانيات في شعر العرب قديم.
وفي النقاد ولع أن يجعلوا بداية الفكر العربي والإسلامي كله من عند القرن الثالث، يحاكون في هذا المستشرقين. وإنما أتى المستشرقون من إصرارهم على أن يجعلوا أمر تطور حضارة المسلمين شبيهًا بما كان من تأريخ النصارى، إذ مرت مائتان من السنين قبل أن يتلئب أمر النصرانية وأناجيلها على نهج واضح. فلزم عندهم أن يكون أمر المسلمين وحضارتهم كذلك.
فمن ههنا مثلًا جاءت قصة التفرقة بين الزهد والتصوف والأوصاف المعنوية والأوصاف الحسية إلى آخر الباطل الذي يسرف فيه المسرفون. ولماذا يطلب المسلم معاني الروحانية وشهود أنوار الحق من الهند ومن اليونان ومن الفرس وعنده
стр. 2416
كتاب الله يقرأ فيه: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا﴾ ويقرأ فيه: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ ويقرأ فيه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ ويقرأ فيه: ﴿فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا قال إنك لن تستطيع معي صبرًا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا﴾ ويقرأ فيه ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرًا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر﴾. ويقرأ فيه: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ ويقرأ فيه: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾.
وقال تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾.
يدخل في مجال التعبد نحو قول الراجز:
الحمد لله الذي أعفاني ... وكل خير صالح أعطاني
رب المثاني الآي والقرآن
وقول الآخر:
حلفت بالسبع اللواتي طولت ... وبمئين بعدها قد أمئيت
وبمثان ثنيت فكررت ... وبالطواسيم التي قد ثلثت
وبالحواميم التي قد سبعت ... وبالمفصل اللواتي فصلت
وزهيدات أبي العتاهية على ما قيل فيه وزهيدات أبي نواس وأشعار أهل العقائد والتصوف كشعر الحلاج ومما يروى له:
стр. 2417
ياسر سر يدق حتى ... يجل عن وصف كل حي
وظاهرًا باطنًا تبدى ... من كل شيء لكل شي
يا جملة الكل لست غيري ... فما اعتذاري إذًا إلي
وقد فشت أساليب أهل التصوف التي في أشعارهم وأدعيتهم حتى تظرف باستعمالها الشعراء قبل زمان الحلاج وبعده وقد جاءت من أشعار المولدين في شعر أبي نواس مثل قوله:
خلقت لآدم قبل طينته ... فتقدمته بخطوة القبل
وقد عاصر الجاحظ أبا نواس وذكر أنه أسن منه وقد ورد ذكر المتصوفة في كلامه
مرات.
وفي شعر حبيب:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
وتقدم الحديث في هذا وما بمجراه، وقد ذكرنا من قبل نار الأحبة التي كانت تشاهدها بصائر القلوب، قلوب العشاق من لدن امرئ القيس إلى جميل إلى أبيات عبيد الله حيث ذكر حب عثمة فقال:
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
وفي أبيات الحلاج الحلول. وأصاب المعري إذ لم يعد أن في أبيات الحلاج معنى جديدًا حقًا إذ الناس كما قال قد عبدوا الحجر. فهذا بلا ريب من عنصر توهمهم حلول الإله فيه. ويلحق بهذا الضرب مقال فرعون: «أنا ربكم الأعلى».
واكتفى أبو العلاء بوقفة عند صياغة الأبيات، قال: فلا بأس بنظمها في القوة ولكن قوله «إلي» عاهة في الأبيات يعني «إلي» بكسر الياء، وأبو العلاء يعلم أن هذه قراءة حمزة في: «وما أنتم بمصرخي» فانصرف بشيء من خبث خفي من نقد الحلاج إلى الطعن في قراءة من السبعة التي اختارها ابن مجاهد والقراءة كما قال شيخ النحو في
стр. 2418
كتابه هي السنة، فهذا يجعلها بلا ريب يحتج بها لا عليها. أحسب أن لو كان أبو العتاهية حلى زهدياته بشيء من مدح الرسول ﷺ مع إدمانه قرع باب الديانة من طريق التذكير بالموت لكانت دخلتها من ذلك بركة ونور، ولسلم إذن من تهمة الزندقة التي اتهمه بها بعضهم، ذلك إذ رجحوا أنه بذكره الموت دون البعث كأنما أسر في نفسه كفرًا به -وقد احتاط أبو نواس في زهدياته إذ يقول:
لا يجتلى الحوراء من خدرها ... إلا أمرؤ ميزانه راجح
جعل مكان المديح النبوي يقوي في النفوس متصلًا بالعبادة مستقلًا عن السياسة والتشيع. ومما قواه أن أساسه ودعامته حب النبي ﷺ ، وأمر ذلك من أمر الكتاب والسنة قريب. قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ والاتباع لا يصح بلا حب، وحب رسول الله ﷺ هو الطريق للمعرفة، والمعرفة لا تتم إلا بعون الله وتوفيقه، ورأس الحكمة مخافة الله، واتقوا الله ويعلمكم الله، ولا يعرف الإنسان نفسه إلا بالحكمة، فإذا عرفها أحبها الحب الذي يرضاه الله ، فلم تستول عليه شهواتها فيصرفه هواها عن سبل الرشاد. وسبيل الرشاد السنة. ومن زعم أنه يتبع السنة وليس في قلبه حب الذي سنها فهو غير صحيح الإيمان. لأن الاتباع بلا محبة هواء. فنسأل الله الهداية إنه سميع قريب مجيب. وما يشهد بأن أمر المديح النبوي قد قوي جدًا وأن تعلق الناس به قد كان شديدًا على زمان أبي العتاهية وأبي نواس مقال الجاحظ الذي أنكر به ما أنكر على الكميت بن زيد حيث قال «فأما مدح النبي ﷺ فمن هذا الذي يسوءه»؟
ويذكر أن أبا الطيب سئل لم لم يمدح رسول الله ﷺ أو ليم في ذلك فاعتذر بأن قدر رسول الله ﷺ أعلى من أن يبلغه مدحه أو بشيء من هذا المعنى، وقد رأيت في أحد دواوين أبي الطيب بيتين له في مدحه ﷺ أو الاعتذار عن ذلك وند عني موضعهما من بعد.
وقال الشيخ يوسف النبهاني ﵀ في مقدمة المجموعة النبهاني في المدائح النبوية (طبعة بيروت في المطبعة الأدبية سنة ١٣٢٠ هـ) في مقدمته لها في الفصل الثامن (ص ١٧): «قال بعض العلماء إن سبب عدم مدح البعض من مشاهير الشعراء المتنبي وأبي تمام والبحتري للنبي ﷺ إنما هو علمهم أنهم عاجزون
стр. 2419
عما يليق به ﷺ من المدح فتركوا مدحه أدبًا معه ﵊ اهـ أقول لا شك في عجزهم عما يليق به ﷺ من المدح وعجز الناس كافة عن ذلك بل عجز الخلق أجمعين عن معرفة فضائل سيد المرسلين وكنه كمالات حبيب رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى فلا يقدر على وصف هدا العبد الكريم إلا سيده العظيم . ولكن ذلك لا يمنع الشعراء من مدحه للتقرب إلى رضاه ورضا مولاه بقدر استطاعتهم فإن الله تعالى شرع لنا على لسان نبيه ﷺ أن نحمده تعالى ونشكره ونثني عليه مع عجزنا كمال العجز عما يجب له ويليق به سبحانه وتعال كما قال ﷺ وهو سيد الحامدين والشاكرين والمثنين على الله تعالى، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وكم مدح النبي ﷺ نظمًا ونثرًا من أئمة أمته من الصحابة فمن بعدهم، سادات أجلاء الواحد منهم أكثر أدبًا مع رسول الله ﷺ ومعرفة بما يليق به من ملء الأرض مثل المتنبي وأمثاله، ولكن السبب الصحيح الذي أراه لعدم مدحهم له ﵊ أن مدحه من جملة الطاعات والعبادات فيحتاج للتوفيق من الله تعالى للعبد حتى يتيسر له فعله، وهؤلاء وأشباههم لم يوفقوا لهذه الطاعة العظيمة لعدم تأهلهم لها بسبب ما اتصفوا به من أخلاق الشعراء من نحو توغلهم في الكذب بأبلغ العبارات في المدح إن رضوا والذم إن غضبوا، فضلًا عن تعديهم على أعراض الناس وقذفهم المحصنات والتشبيب بمعين النساء والغلمان ونحو ذلك من السفاهات وكفى بذلك مانعًا لهم من مدح النبي ﷺ ، ما لم يتوبوا إذ الظلام والنور ضدان ففي آن واحد لا يجتمعان وكونهم من أكابر الشعراء لا يقتضي تأهلهم لعبادة الله بمدح عبده ونبيه وحبيبه الأكرم ﷺ ، فإنا نرى كثيرًا من الأغنياء لا يحجون ولا يزكون ولا يتصدقون، ونرى بعكسهم كثيرًا من الفقراء كما نرى كثيرًا من الأقوياء لا يصلون ولا يصومون ولا يقومون الليل، ونرى بعكسهم كثيرًا من الضعفاء وما ذلك إلا بسبب توفيق الله تعالى لكثير من الفقراء والضعفاء، وعدم توفيقه لكثير من الأغنياء والأقوياء، فكذلك يقال هنا يحرم المتنبي وأمثاله من الشعراء من هذا الخير العظيم في مدح النبي الكريم ﷺ ويرزقه كثير من العلماء والصلحاء ممن بضاعتهم في الشعر قليلة بتوفيق الله تعالى لهم. اهـ. الفصل الثامن (ص ١٩).
مقال الشيخ يوسف النبهاني ﵀ في جملته لا غبار عليه. غير أنه ربما صح عليه الاستدراك في أشياء، سوى الذي سبق من زعمنا أن المديح النبوي طور خلص
стр. 2420
إليه خلوصًا آخر الأمر بعد أن خبت جذوة القصيدة المادحة وما أشبهها مما هو من سنخها كقصيدة الفخر وشكوى الحال والمراثي الحسان: من ذلك أن طاعة الله في غير عزائمه التي جاء بها الكتاب وهدت إليها السنة واتلأب عليها أمر العبادة والعمل الصالح، باب واسع. وأن هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين ذكرهم، أبا تمام وأبا عبادة وأبا الطيب، كانوا أهل جد على وجه العموم، وأمرهم في دينهم أعلم به خالقهم، ولعلهم فائزون برضاه. وقد خدموا بشعرهم رؤساء وأمراء من أهل الجهاد والذود عن حياض الإسلام. وروح الجهاد في بائية أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب
جلية لا تحتاج إلى دليل- وفيها يذكر وقعة عمورية:
أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب
وفيها مما فيه توكيد لمعنى الجهاد:
لو كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقبض
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
والمدح المستكن لرسول الله ﷺ هنا كما ترى
وقال في مدح الخليفة وما مدحه إلا بالجهاد هنا:
أجبته معلنًا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب
حتى تركت عمود الشرك منعفرا ... ولم تعرج على الأوتاد والطنب
وقال في كلمة مدح بها عمرو بن طوق فصرح في أثناء مدحه بمدح الرسول ﷺ يذكره أن له به -لو اقتدى بسنته أسوة حسنة: -
لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأتمها في سنة وكتاب
أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملًا ورد أخايذ الأحزاب
فقوله «أعظم أسوة» هو شاهدنا ههنا.
وقال في رائية مقتل الأفشين:
هذا الرسول وكان صفوة ربه ... ما بين باد في الأنام وقارى