وينبغي أن يكون بعض خلصاء بشار قد وصف له هيئة واصل مقبلًا وموليًّا.
عنق الزرافة ما بالي وبالكمو ... تكفرون رجالًا كفروا رجلا
وأتبع ذلك بهجاء من هجوه فأفاض.
وقد كان شعر أهل الزندقة وأهل الأهواء المحفوظ لدى المروي كثيرًا. من شواهد ذلك إثبات أبي العلاء ما أثبت منه في رسالة الغفران ولكنه أضاعه عدم التقية فكره أهل الصلاح روايته من بعد فأضيع.
ومما أعان على بقاء لزوميات أبي العلاء على ما فيها من التقية والعقربيات (بتقديم العين على القاف) ما حلاها به من صناعة البديع ومن الإشارات اللغوية والغريب- وكأن هذا انحراف انحرف به أبو العلاء عن مذهب أبي الطيب لما تبين له أنه غير مستطيعه. وقد كان بهذا أحزم في باب الأدب، وأعلم بحدود ملكته ومدى مقدرته على جسارة الشعر الضرورية للتبريز به والبلوغ مبلغ أبي الطيب وأبي تمام وأبي عبادة من معاصره الشريف الرضي.
وقد افتن الناس في البديع وصناعة الشعر عليه افتنانًا -ما كان لفظيًّا منه وما كان معنويًّا- مثلًا كلمة الأرجاني في صفة الشمعة، التي حاكى بوزنها ورويها أبيات القطاة:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتًا يوافق نعتي بعض ما فيها
وقد أورد صاحب معاهد التنصيص قطعًا منها وهي طويلة- مثلًا منها:
نمت بأسرتار ليلٍ كان يخفيها ... وأطلعت قبلها للناس من فيها
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... ألا ترى فيه نارًا من تراقيها
فيهة لم يزل طول اللسان لها ... في الحي يحني عليها خ=حذف هاديها
غريقة في دموع وهي تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها
يخشى عليها الردى مهما ألم بها ... نسيم ريح إذا وافى يحييها
стр. 2347
لها غرائب تبدو من محاسنها ... إذا تفكرت يومًا في معانيها
فالوجنة الورد إلا في تناولها ... والقامة الغضن إلا في تثنيها
قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف أن أهويت تجنيها
صفر غلائلها حمر عمائمها ... سودٌ ذوائبها بيض لياليها
وصيفة لست منها قاضيًّا وطرًا ... إن أنت لم تكسها تاجًا يحليها
صفراء هندية في اللون إن نعتت ... والقد واللين إن أتممت تشبيها
قال صاحب المعاهد في التقديم لهذه القصيدة لما اختاره منها (طبعة مصطفى محمد- القاهرة- ١٣٦٧ هـ- ح ٣ - ص ٤٢/ ٤٣): «وله قصيدة يصف فيها الشمعة وقد أحسن فيها كل الإحسان واستغرق سائر الصفات ولم يكد يخلى لمن بعده فيها فضلًا، ولنذكر منها طرفًا منها إلخ».
والمتأمل لأبيات الشمعة هذه واجد فيها مذهبًا بين اللغز والتشبيه- وهذا هو جانب البديع المعنوي فيها، غوص وتصيد. والبديع اللفظي ظاهر في الجناس والطباق والتقسيم وما هو بهذا المجرى.
هذا وقد بلغ الافتنان البديعي أوجه في مقامات الحريري- وقد جمع فيها بين جاحظية بديع الزمان ومعاصريه من بلغاء أهل الرسائل وصناعة أبي العلاء الفلسفية اللغوية الآخذة بمظهر وقار العلماء وسمت جدهم وفكاهتهم.
وقد كتب الدكتور زكي مبارك ﵀ وغيره فصولًا صالحة عن المقامة وأصولها وزعم أن ابن دريد وأحاديثه أصل ذلك. ولعل هذا الوجه الذي ذهب إليه هو الصواب. غير أن في كتب الأدب التي بين أيدينا ما يدل على أن المقامة شيء قديم عرفه العرب في جاهليتهم وإسلامهم. قال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وقال تعالى انبينا عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
стр. 2348
مَحْمُودًا﴾ والمقامة المجلس وكذلك المقام ولا يكون المجلس مجلسًا إلا وفيه حديث وقد كان في كلتا الدولتين الأموية والعباسية أصحاب مقامات، مثل سحبان وخالد بن صفوان من أهل الخطابة وغيرها من ضروب الوعاظ والقصاص الذين أورد الجاحظ نوادر وملحًا عنهم وأصحاب الكدية ومن إليهم. ومقامات الزمخشري قد نحا فيها نحو الوعاظ وليس له فيها عيسى ولا حارث. وما كان مكان الراوي في نهج البديع والحريري عليه بذي خفاء وهو بعد الذي قال:
«إن الحريري حريٌّ بأن ... نكتب بالتبر مقاماته»
وقد كان بديع الزمان حاد الذهن، ذا جرأة وشر وخبث لسان ودهاء وبديهة وارتجال، نقل الشريشي عن بعض أشياخه أن البديع أملى مقاماته كلها ارتجالًا قال كان يقول لأصحابه في آخر مجلسه اقترحوا غرضًا نبني عليه مقامه فيقترحون ما شاءوا فيملي عليهم المقامة ارتجالًا في الغرض الذي اقترحوه وهذا أقوى دليل إن صح على فضل البديع. أ. هـ.
وإن صح وهو صحيح إن شاء الله تعالى لما عرف من بديهة البديع وفوران مرجله قال البديع لا يكون قد اخترع فن المقامة، ولكنه حاكاه، إذ هو لم يقم بما صنع مقام خطيب سحباني أو صفواني أو مقام مكد ساساني أو واعظ أو قاص- ولكن صنع صناعة أديب يحاكي عمل هؤلاء، على سبيل المباراة والمباهاة والإمتاع. مثلًا في المقامة الأذربيجانية: «قال عيسى بن هشام، لما نطقني الغنى بفاضل ذيله، اتهمت بمالٍ سلبته أو كنز أصبته. فحفزني الليل، وسرت بي الخيل. وسلكت في هربي مسالك لم يرضها السير ولا اهتدت إليها الطير. حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده. وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل وأكلتها المراحل. ولما بلغتها:
نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرًا
стр. 2349
فبينا أنا يومًا في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوةٍ اعتضدها وعصا قد اعتمدها ودنيةٍ قد تقلسها، وفوطة قد تطلسها. فرفع عقيرته وقال: اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا. وبارئ النسم أزواجًا، وجاعل الشمس سراجًا، والسماء سقفًا والأرض فراشًا، وجاعل الليل سكنًا والنهار معاشًا. ومنشئ السحاب ثقالًا، ومرسل الصواعق نكالًا. وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعينني على الغربة أثنى حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلها، وأن تسهل على يدي من فطرته وأطلعته الطهرة، وسعد بالدين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوي هذا الطريق، وزادًا يسعني والرفيق. قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبي الفتح، والتفت لفتةً فإذا هو والله أبو الفتح. فقلت يا أبا الفتح بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى هذا الشعب صيدك، فأنشأ يقول:
أنا جوالة البلا ... د وجوابة الأفق
أنا خذروفة الزما ... ن وعمارة الطرق
لا تلمني لك الرشا ... د على كديتي وذق»
أ. هـ.
فهذه كما ترى مقامة مكد غير أن البديع إنما كان معلمًا يحكي بصناعة بيانه مقامة المكدين.
على هذا تكون المقامة شيئًا بين القصص والدرامة ثم لا هو بقصص ولا بدرامة. إما كونها ذات طبيعة قصصية لأن السياق خبرٌ وحكاية عن أشخاص وأحداث. وإما كونها ذات طبيعة درامية لأنها تحكي حال أشخاص من طريق مقال
стр. 2350
على ألسنة مزعومة لهم. وإما كونها غير قصصية لأن قوام القصة على العقدة والعقدة هنا معروفة منذ البدء ان المتكلم مكد وهو أبو الفتح وأن الراوي سيفطن أو قد فطن له. اللهم إلا أشياء شذت كخبر الهزبر وبشر، والقصد إلى الإمتاع بخبر قصير أو نادرة أغلب وأظهر من القصد إلى إيراد حكاية قصة متسلسلة الأحداث منيرة العقدة محكمتها. وإما كونها غير درامية لأنها رواية مملاة ليستمتع ببلاغتها كما يستمتع ببلاغة الرسائل والخطب والقصائد وليست مرادة للتمثيل بالفعل أو بالقوة أو على سبيل التوهم.
المقامة فن جاء به البديع للإمتاع وللسخرية من أناس بأعيانهم وأحوالٍ بأعيانها في عصره وتقمص به من طريق الإملاء في مجالسه قميص صاحب المقامة المكدي، واستعمل أسلوب أصحاب الحديث والجد في العلوم فأسند كلامه إلى راوٍ مزعوم عن بطل مزعوم، الراوي عيسى بن هشام، والبطل أبو الفتح الإسكندري، نسبة إلى إسكندرية الأندلس، بلدة كانت بالوادي الكبير درست معالمها كما ذكر الشيخ محمد عبده ﵀ في شرحه.
وسوغ له هذا الوجه ما كان من مذهب العرب في الرواية في الشعر والأخبار. وكان قد ألمع إلى هذا من مذهبه حيث زعم في إحدى مقاماته أن راويه عيسى بن هشام لقي عصمة الفزاري راوية غيلان ذي الرمة، وهي المقامة الغيلانية. وعيسى بن هشام والإسكندري كلاهما جعله البديع كناية عن نفسه ليتقمصه ويملي ما عن له وما اقترح عليه على لسانه. وأن يقترح عليه أشبه لما كان مطبوعًا عليه من الجرأة والدهاء والسخرية والهجاء، ولا يخفى أن المقترحين يعمدون إلى أحداث وأحوال وأشخاص مما يعهد فيلتمسون أن يجعله البديع بعبقريته موضوع مقامة.
وكون البديع هو عيسى وأبو الفتح كلاهما، سوغ له مثل إيراد خبر بشر
стр. 2351
والأسد والحية ومثل خبر عصمة وذي الرمة- في خبر ذي الرمة ما عيسى بن هشام إلا رمز لتحصيل البديع وعلمه، وفي خبر بشر كذلك فأغنى ذلك عن أبي الفتح.
ولا يتسع المجال ههنا للحديث عن البديع وتدفقه المذهل ومقدرته الفائقة على التضمين والاقتباس وهو يرتجل ووصله الشعر بالنثر سهلًا رهوًا كأنه جزء ملتحم به كقوله مثلًا في المقامة الأسدية (وأخذ أكثر أمرها من شعر أبي زبيد وأخبار): وتبادر إليه من سرعان الرفقة فتى:
أخضر الجلدة من بيت العرب ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
بقلبٍ ساقه قدر وسيفٍ كله أثر وعدنا إلى الرفيق لنجهزه:
فلما حثونا الترب فوق رفيقنا ... جزعنا ولكن أي ساعة مجزع
وعدنا إلى الفلاة وهبطنا ارضها ... أ. هـ.
يجوز أن يكون البديع قصد في بعض ما قصده مجاراة شيخ الأدب ابن دريد في أحاديثه كما ذكر الشريشي في نقله عن صاحب زهر الآداب أنه قال إن الذي سبب للبديع ﵀ تأليف مقاماته هو أنه رأى أبا بكر بن الحسن بن دريد قد أغرب بأربعين حديثًا ذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره وانتخبها من معادن فكره على طبع العرب الجاهلية، بألفاظ بديعة حوشية، فعارضه البديع بأربعمائة مقامة لطيفة الأغراض والمقاصد، بديعة المصادر والموارد. انتهى كلامه. قال الشريشي بعد هذا والذي قصد بها إمتاعه السامع من حديثها وفيها مقامات لا تبلغ عشرة أسطار فجاءت مقامات الحريري أحفل وأجزل وأكمل فلذلك فضلت المقامة البديعية. أ. هـ.
أحسب أن الذي ذكره الدكتور ذكي مبارك ﵀ في النثر الفني أن
стр. 2352
أحاديث ابن دريد المشار إليها هي التي رواها عنه صاحب الأمالي. قلت في هذا نظر. صاحب الأمالي، وليس بذي غفلة، يسوق ما رواه عن ابن دريد على أنه رواية لا اختراع. هل الأربعون حديثًا التي زعم صاحب زهر الآداب أن ابن دريد اخترعها غير هذه التي روى القالي؟ هل كانت مجموعة قائمة بنفسها أم وهم صاحب زهر الآداب؟ ويبدو أنه لم يهم بدليل ما نسب إليه ابن دريد من الكذب والافتعال، فلا يكون ذلك فيما أخذ عنه في الجمهرة وما رواه العلماء من تلاميذه رواية تحقيق عنه، وإنما يكون ذلك من قبيل الطعن عليه في هذا الذي حاكى به أساليب أهل الجاهلية- إما حسدًا له وإما لم يجدوا فيه ما ظنه هو مضاهيًّا لكلام الجاهليين وقد سلك ابن دريد في نظم الشعر مسلكًا يجعل مجيء مثل هذا منه في المنثور والمسجوع مما لا يستبعد حقًّا.
ومما يشهد بالتحامل على ابن دريد هجوم الأزهري عليه في مقدمة التهذيب وقد أحسن السيوطي في الدفاع عنه في المزهر ﵏ جميعًا. وظاهر كلام الشريشي يستفاد منه تضعيف ما ذكره صاحب زهر الآداب.
هذا، وقولنا آنفًا أن بديع الزمان جاحظي المذهب عنينا به أنه لما عمد إلى محاكاة مذهب أهل المقامات، اتبع منهجًا يتدفق به كتدفق الجاحظ مع سرعة النادرة والبادرة والارتياح إلى الاستشهاد بالشعر والانشراح إلى بسط الوصف في فقرات متتابعات الإيقاع آخذ بعضها برقاب بعض.
وقد نبه الدكتور طه حسين في كتابه القيم المفيد «من حديث الشعر والنثر» على أن النثر قد جعل يخلف الشعر، ويستخدم فنونًا كن له، فحازهن إلى فنون ترسله وازدواجه وسجعه. وزعم أن نثر الجاحظ على الخصوص ذو حظ من الشاعرية عظيم. وقد كان الجاحظ شاعرًا حسن الشعر، غير أنه كان أمرأً عاقلًا، علم أنه لا تبلغ ملكته في الشعر ملكة أبي نواس من أبناء جيله أو ملكه أبي تمام من
стр. 2353
الجيل الذي تلا، وكانت له قدوة حسنة في فضلاء آثروا أن يدعو الشعر لأهله كابن المقفع والخليل بن أحمد. وما جعل النثر يخلف الشعر إلا لتضعضع منزلته.
وما كان محمد بن عبد الملك الزيات إلا شاعرًا، ولكنه لما رأى سبيل المجد من طريق الكتابة، صار إليها فبلغ الوزارة -والوزارة منصب، كما قال له أبو تمام يعيبه بذلك، «يغص به بعد اللذاذة شاربه».
وقد أشرنا إلى أنه لما ضعفت الدولة، ضعفت منزلة الكتابة أيضًا. غير أنها ظلت مع ذلك سبيلًا يترقى على درجها إلى الوزارة. على أنه ربما ترقي بالشعر أحيانًا كما كان من أمر الطغرائي.
وزعم المرزوقي أن الشعر دون النثر ونسب قوله هذا إلى العرب أنه من مذهبهم واحتج بالقرآن لإعجازه أن به النثر أفضل من الشعر، والقرآن كلام الله، والنظم والنثر كلاهما كلام الناس فما احتج به مراء وجدل. وله بعد تقعر لا بلع به من النثر طلاوة ولا من النظم حلاوة.
أبو العلاء المعري معاصر لزمان بديع الزمان. وفصوله وغاياته فيهن مشابه من المقامات وأغلب الظن أن صنعها بعد انصرافه من بغداد لأن فيها روح ما عزم عليه من ترك اللحم وهلم جرا ثم كأن أسلوبه رياضة لما حمل عليه نفسه من النظم بلزوم ما لا يلزم مع التصنيع والإغراب. ورسالة الغفران مقامية الأسلوب في شطرها الأول، فحديث: الأسود والسويداء من ضرب اللعب اللفظي الذي عند البديع وبلغ به الحريري غايات وحديث:
ألم بصحبتي وهم هجوع ... خيالٌ طارق من أم حصن
وتفريع ما فرعه عليها، كذلك.
واجعل ابن القارح بمنزلة عيسى بن هشام. وخبر المحشر وجواز الصراط
стр. 2354
كل ذلك مقامة. وللبديع مقامة إبليسية يذكر فيها أن عيساه لقي أبا مرة فأنشده:
بان الخليط ولو طووعت ما بانا
وزعم أنها له وأنه نحلها جريرًا، واستنشده لبي نواس قال: فأنشدته
لا أندب الدهر ربعًا غير مأنوس ... ولست أصبو إلى الحادين بالعيس
أحق منزلةٍ بالهجر منزلة ... وطل الحبيب عليها غير ملبوس
يا ليلة غبرت ما كان أطيبها ... والكوس تعمل في إخواننا الشوس
وشادنٍ نطقت بالسحر مقلته ... مزنر حلف تسبيحٍ وتقديس
نازعته الريق والصهباء صافيةً ... في زي قاض ونسك الشيخ إبليس
لما ثملنا وكلا الناس قد ثملوا ... وخفت صرعته إياي بالكوس
غططت مستنعسًا نومًا لأنعسه ... فاستشعرت مقلتاه النوم من كيسي
وامتد فوق سرير كان أرفق بي ... على تشعثه من عرش بلقيس
وزرت مضجعه قبل الصباح وقد ... دلت على الصبح أصوات النواقيس
فقال من ذا فقلت القس زار ولا ... بد لديرك من تشميس قسيس
فقال بئس لعمري أنت من رجل ... فقلت كلا فإني لست بالبيس
قال وطرب وشهق وزعق إلخ».
قلت فأبو العلاء جاء في خبر رضوان ببيت جرير قال: «فغبرت برهة نحو عشرة أيام الفانية ثم عملت أبياتًا في وزن:
بان الخليط ولو طووعت ما بانا إلخ».
ثم يقول له أحد أعوان رضوان اسمه زفر بعد أن أنشده رائية على وزن كلمة لبيد.
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
«أحسب هذا الذي تجيئني به قرآن إبليس».
стр. 2355
فهل مجرد مصادفة مجيء إبليس وبيت جرير في كلام أبي العلاء من دون سابق تأثر بالبديع؟
ثم قد ترى الأبيات الخبيثة التي طرب لها إبليس - (وما أحسب إلا أن البديع أراد التعريض ببعض ما يقع عند أهل الرهبنة، وقد جاء كمثل ما عرض به في اعترافات جان جاك روسو فتأمل) - هل أيضًا من قبيل المصادفة أن أبا العلاء جعل إبليس جحيمه يقول وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل: «إني لا أسألك في شيء من ذلك، ولكن أسألك عن خبر تخبرينه: إن الخمر حرمت عليكم في الدنيا وأحلت لكم في الآخرة، فهلا يفعل أهل الجنة بالولدان المخلدين فعل أهل القريات؟ ».
فهذا كما ترى عين ما ذهب إليه بديع الزمان.
وأحسب أنه قد تقدم منا من قبل الإلماع إلى أخذ أبي العلاء من مواضع أخرى كثيرة سبق إليها الأدباء والعلماء والقصاص وليس ههنا موضع استقصاء ذلك. وليس بمخرج رسالة الغفران عن صنف المقامات طولها وان صاحبها سماها رسالة لا مقامة وأنه جعل مسرح حوادثها الدار الآخرة محاكيًّا في ذلك كتاب التوهم للحارث بن أسد المحاسبي وما أشبهه مما وصلنا وما لم يصلنا والحارث بن أسد ﵀ من زمان ابن حنبل ﵁ وذلك ومان سابق لعصر المعري بقرن وزيادة.
وإليك نتفة يسيرة من كتاب التوهم لترى مصداق ما نزعمه من أخذ المعري منه ومن مثله: «فتوهم النجائب حين أخذت في السير بأخفافٍ من الياقوت سيرًا واحدًا بخط واحد لا يتقدم بعضها بعضًا، تهتز أجسام أولياء الله عليها من نعيمها وأكتافهم متحاذية في سيرهم وأخفاف رواحلهم وركبها متحاذية في خببها، فانطلقوا كذلك تثير رواحلهم المسك بأخفافها، وتهتز رياض الزعفران بأرجلها، فلما دنوا
стр. 2356
من أشجار الجنة رمت الأشجار إليهم من ثمارها فصارت الثمار وهم يسيرون في أيديهم، فيا حسن تلك الثمار في أكفهم إلخ».
قال المعري في أوائل رسالة الغفران: «فإذا رأى نجيبه يملع بين كثبان العنبر، وضميرانٍ وصل بصعبر رفع صوته متمثلًا إلخ».
انظر إلى التشابه في نعت سير نجائب الجنة وقد جعل أبو العلاء مسك الحارث وزعفرانه عنبرًا وضيمرانًا وصعبرًا كما ترى.
لم يكن المعري صاحب بديهة واقدة سريعة كالبديع ولكن صاحب أناة وعمق. وكلاهما ذو فكاهة، ولكن البديع كان ابن وقته، عقارب سخريته ومقته وجهها إلى ضروب من معاصريه، فيبدو عمله كأنه فيه سطحي- كمقامته المضيرية مثلًا، فقد انتهج فيها نهج الجاحظ وكاد يمل بالتكرار للفكرة الواحدة التي استولت على التاجر وهو أن يزكي نفسه وكل ما عنده تزكية لا يمازجها أدنى شعور بالتواضع أو رقة الإحساس. مثلًا قوله: «أنا بحمد الله مجدود، في مثل هذه الأحوال محمود، وحسبك يا مولاي أني كنت منذ ليال نائمًا في البيت مع من فيه، إذ قرع علينا الباب فقلت من الطارق المنتاب، فإذا امرأة معها عقد لآل، في جلدة ماء ورقة آل تعرضه للبيع، فأخذته منها أخذة خلس، واشتريته بثمن بخس، وسيكون له نفعٌ ظاهر، وربح وافر، بعون الله ودولتك، وإنما حدثتك هذا الحديث لتعلم سعادة جدي في التجارة إلخ» وأحسب أن مضي الزمن على هذه المقامة وزوال ملابسات زمانها لها هو الذي يجعلنا نستشعر نحو تتتابع موضوعات تزكية التاجر أبريقه وطسته والما الأزرق كعين السنور والمنديل الذي هو من نسج جرجان وعمل أرجان وهلم جرا ونحس من أجل هذا أن في البديع مع حسن بديعه سطحية. والحق أن البديع بعيد عن السطحية. ولا شك أن أصحاب مجلسه كانوا يعلمون مواضع الغمز واللمز والتعريض في كل ما قال. وهذا أمر فاتنا ضربة لازم.
стр. 2357
أخذ الحريري من أناة المعري من دون تقيته وخبثه إزاء الأديان خاصة. إذ لم تكن به حاجة إلى ذلك. وقد فطن إلى أبي العلاء الفاطنون كما يدل على ذلك خبر من قيل إنه سمعه يزكي نفسه بأنه لم يهج أحدًا فقال له إلا الأنبياء.
وأخذ الحريري من حيوية البديع وإحساسه بأفراد البشر حول رغبته في نقدهم وهجوهم. إلا أنه بحكم أناته كان أرفق. ثم لم تكن له من أصناف المصارعات والمقارعات ما كاتن مثلًا بين البديع وأبي بكر الخوارزمي. فأكسبه ذلك القدرة على أن يجعل نقده ذا لونٍ عام موضوع النظرة فنيها غير ملتهب العلوق بالذاتية المنفعلة كما عند البديع. وأسلوب البديع أسمح وأطبع. وأسلوب الحريري أصنع وأروع. وربما جادت صناعته فدانت انسياب الطبع المتدفق كما في المقامة الشعرية وكما في المقامة الإسكندرانية مثل قوله «إذ دخل شيخ عفرية تعتله امرأة مصبية فقالت أيد الله القاضي وأدام به التراضي، إني امرأة من أكرم جرثومة وأطيب أرومةٍ، وأشرف خئولةٍ وعمومةٍ، ميسمي الصون، وشيمتي الهون، وخلقي نعم العون، وبيني وبين جاراتي بون. وكان أبي إذا خطبني بناة المجد، وأرباب الجد، سكتهم وبكتهم إلخ».
ومثلًا قوله في أول الحلبية: «نزع بي إلى حلب، شوق غلب، وطلبٌ ياله من طلب، وكنت يومئذ خفيف الحاذ، حثيث النفاذ، فأخذت أهبة السير، وخففت نحوها خفوف الطير، ولم أزل مذ حللت ربوعها وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام، فيما يشفي الغرام، ويروي الأوام ... إلخ».
ومثلًا قوله في البصرية في آخرها:
«يا من عليه المتكل ... قد زاد ما بي من وجل
لما اجترحت من زلل ... في عمري المضيع
стр. 2358
فاغفر لعبدٍ مجترم ... وارحم بكاء المنسجم
فأنت أولى من رحم ... وخير مدعو دعي
قال الحارث بن همام، فلم يزل يرددها بصوت رقيق، ويصلها بزفير وشهيق حتى بكيت لبكاء عينيه، كما كنت من قبل أبكي عليه، ثم برز إلى مسجده، بوضوء تهجده، فانطلقت ردفه وصليت مع من صلى خلفه، ولما انفض من حضر، وتفرقوا شغر بغر، أخذ يهينهم بدرسه، ويسبك يومه في قالب أمسه إلخ».
ولا ريب أن في الحريري أناة ومدى سجعاته أمد من متتابعات البديع. ولكن الحريري قد أحكم بناء المقامة على طريقة فارق بها معناها الأول الذي ما غاب عن نظر البديع، وكما قدمنا حاكاه واتخذه مطية للإمتاع والسخرية والهجاء والتعبير عن ذات نفسه بنفسٍ منطلق، مع شيءٍ من الهوائية المدانية للسطحية ولو ظاهرًا. وقد اقترب الحريري بإحكامه فنه إلى شيءٍ بين المسرحية القصيرة والقصة القصيرة. وقد رزقت مقاماته السيرورة لما تضمنته من التنويع نظمًا ونثرًا في شتى ضروب المعارف والجد والهزل المتعمد للإحماض (وهذا يختلف فيه عن البديع الذي كأنه عمد بمقاماته كلها إلى نوع من الإمتاع الجاحظي الذي تخالطه عقارب الوخزات المتعمدة) ومع السيرورة رضا أهل الفضل وجماعة علماء المسلمين. وحسبك قول جار الله الزمخشري شاهدًا:
أقسم بالله وآياته ... ومشعر الحج وميقاته
أن الحريري حرى بأن ... تكتب بالتبر مقاماته
وقد بلغت سيرورة المقامات أوربة. وقصص شوسير ١٣٤٠ - ١٤٠٠ م مع استعارتها من منهج ألف ليلة وليلة إما مباشرة وإما من طريق بلوكاشيو الطلياني كما قيل، شديدة الشبه من حيث منهج روايتها وازدواجية أسجاعها، وأناتها وفكاهتها بطريقة مقامات الحريري ويحسن التنبيه ههنا على أنا نعتقد أن شوسير كان له علم
стр. 2359
بالعربية بدليل رسالة له كتبها عن الاسطرلاب وما كان أمر علم الاسطرلاب يعرف إلا من طريق علوم العرب. وقد سبق أنه نبه الناس إلى اتساع علوم العرب مواطنه الراهب روجر بيكون ١٢١٤ - ١٢٩٤ م من رجال القرن الثالث عشر الميلادي في عهد غير بعيد من زمان شوسير. وقصة الواعظ The Pardoners Tale مؤلفة على ما ورد في الأثر أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وصياغتها صياغة مقامة وواعظها كأنما هو سراج سروج. ومعاصر شوسير لانجلاند وفي سبقت الإشارة إليه كأنما أخذ اسم بطله Piers Ploughman من اسم الحارث بن همام. والله تعالى أعلم.
ومرد أصول القصة الأوروبية الطويلة إلى هذا وإلى ألف ليلة وليلة وسيرة عنترة والزير سالم وأبي زيد الهلالي وما أشبه أمر لا يخفى.
هذا وقد ضمن الحريري مقاماته مع ما افتن فيه من النثر وبديعه وبدائعه غرائب من المنظوم تناول فيها اغراضًا عهدة من أغراض المنظوم وأصنافًا من الأوزان من محكم ومسمط ورجز كرجز الأعراب، مثلًا ما مر بك من مدح الدينار وذمه، وقوله في الكوفية على لسان سائل طرق:
يأهل ذا المغنى وقيتم شرًّا
ولا لقيتم ما بقيتم ضرًّا
قد دفع الليل الذي اكفهرا
إلى ذراكم شعثًا مغبرا
أخا سفار طال واسبطرا
حتى انثنى محقوقفًا مصغرا
مثل هلال الأفق حين افترا
وقد عرا فناءكم معترا
стр. 2360
وأمكم دون الأنام طرًّا
يبغي قرًى منكم ومستقرا
فدونكم ضيفًا قنوعا حرا
يرضى بما احلولي وما أمرا
وينثني عنكم ينبث البرا
والأبيات الستة الأوائل- إلى قوله محقوقفًا مصفرًا أدنى إلى جزالة الأعراب الذين يحكي مقالهم ثم أدركه نفسٌ من ابن المعتز من عند قوله مثل هلال الأفق، وقد حاكى بعض طريقة البديع في القريضية إذ جاء برجز رائي على لسان صاحبه:
أما تروني أتغشى طمرا .... ممتطيا في الضر أمرًا إمرا
مضطبنا على الليالي غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا
أقصى أماني طلوع الشعري ... فقد عنينا بالأماني دهرا
وكان هذا الحر أعلى قدرا ... وماء هذا الوجه أغلى سعرا
ضربت للسرا قبابًا خضرا ... في دار دارا وإوان كسرى
فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندي نكرا
لم يبق من وفري إلا ذكرا ... ثم إلى اليوم هلم جرا
لولا عجوز لي بسر من را ... وأفرخ دون جبال بصري
قد جلب الدهر عليهم ضرا ... قتلت يا سادة نفسي صبرا
وهنا الأبيات الستة الأوليات أدنى إلى منطق الأعراب الذي تحاكيه- وأبيات البديع في جملتها اطبع. وأمثلة مجاراة الحريري للبديع كثيرة وهو نفسه نبه على ذلك ونوه به.
стр. 2361
من أمثلة تنويع القوافي وتسميطها ما جاء في المقامة الحادية عشرة من قوله:
أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب والذم ... وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب ... أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت ... فتحتاط وتهتم
وهي من أربع وعشرين مربعة جاء فيها بالسين والظاء والطاء والشين والثاء والصاد- مثلًا:
وخفض من تراقيك ... فإن الموت لاقيك
وسارٍ في تراقيك ... وما ينكل إن هم
وجانب صعر الخد ... إذ ساعدك الجد
وزم اللفظ إن ند ... فما أسعد من زم
أي اضبطه واجعل له زمامًا تحكمه به كما يفعل بالبعير إذا ند:
ونفس عن أخي البث ... وصدقه إذا نث
ورم العمل الرث ... فقد أفلح من رم
ورش من ريشه انحص ... بما عم وما خص
ولا تأس على النقص ... ولا تحرص على اللم
ومن الافتنان المقارب للتنويع ما صنع في متقاربية على الحاء المقيدة منها:
لزمت السفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجني الفرح
وخضت السيول ورضت الخيول ... لجر ذيول الصبا والمرح
ولولا الطماح إلى شرب راح ... لما كان باح فمي بالملح
стр. 2362
ومما يشهد بشدة نظره في لزوميات أبي العلاء وسقطه تائيته التي حاكى بها «هات الحديث عن الزوراء أو هيتا» من السقطيات وقد عرضنا لها من قبل عند ذكر ضروب المجاراة -قال في المقامة المروية- المروية نسبة إلى مرو يقال مروي ومروزي في النسبة، وقال الشريشي في شرحه أنه يقال للثوب مروي وللرجل مروزي وهي من شاذ النسب ونبه إلى أن مرو هي التي خرج منها أبو مسلم صاحب الدعوة أول ما خرج وأنها كانت عاصمة المأمون ولأهل المغرب طعام يقال له المروزية يطيبون فيه العظام بالزبيب فهذا ينبئ أن الزاي لا تزاد في النسبة الخاصة بالبشر وحدهم. قال:
لا تحقرن أبيت اللعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السربال سبروتا
ولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسنٍ أم كان سكيتا
وهذا ينبغي أن يكون من محفوظات أهل الكدية- ويشهد بأخذه من المعري قوله:
لولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا أشراب إلى كما جاوز القوتا
وقال المعري:
فالموت أجمل بالنفس التي ألفت ... عز القناعة من أن تسأل القوتا
فكأن الحريري يستدرك على المعري على لسان صاحب الكدية- وجاء في قوافيه بالضب والحوت (حتى لقد خيل ذا ضبا وذا حوتا) فهذا ينظر إلى قول المعري (ظبي العرار ولا ضبا ولا حوتا) وقوافٍ أخر كثيرة مشتركة بينهما ومعان متصلة بها- نحو «تبكيتا» في قوله:
وللشحيح على أحواله علل ... يوسعنه أبدًا ذمًّا وتبكيتا
فهذا كقول المعري:
فإن لقيت وليدًا والنوى قذف ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتا
стр. 2363
وقال في كلمة حاكى بها كثيرًا من تصنيع اللزوميات من المقامة الحجرية:
بني استقم فالعود تنمى عروقه ... قويمًا ويغشاه إذا ما التوى التوى
ولا تطع الحرص المذل وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطوى طوى
وعاص الهوى المردى فكم من محلق ... إلى النجم لما أن أطاع الهوى هوى
فهذا كنهج أبي العلاء في أصناف مما نظم نحو «أواني هم» و «خوى دن شرب» وقال فحاكى أبا العلاء شيئًا في موضوع الحج:
ما الحج سيرك تأويبًا وإدلاجًا ... ولا اعتيامك إجمالًا وأحداجًا
الحج أن تقصد البيت الحرام على ... تجريدك الحج لا تقضي به حاجا
وتمتطي كاهل الأنصاف متخذا ... ردع الهوى هاديًّا والحق منهاجا
وهي أبيات، سلك بها الحريري سبيل الوعظ في المقامة الرملية. وعلى عكس ذلك ما قاله في المقامة الصعدية:
لا تقعدن على ضرٍّ ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر
وانظر بعينيك هل أرض معطلة .... من النبات كأرض حفها الشجر
فعد عما تشير الأغبياء به ... فأي فضل لعود ما له ثمر
وارحل ركابك عن ربعٍ ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر
واستنزل الري من جر السحاب فإن ... بلت يداك به فليهنك الظفر
وإن رددت فما في الرد منقصة ... عليك قد رد موسى قبل والخضر
وكأن نفس الشر أشد حرارة وأقوى عاطفة نفس الخير إذ بين هذه الأبيات الرائية وما سبقها بون من حيث الرنين والأسر على أن الصياغة ونهج البيان واحد.
стр. 2364
ومما سار سير الحكمة المأثورة من نظم الحريري قوله في الشعرية:
سامح أخاك إذا خلط ... منه الإساءة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يومًا أو قسط
واعلم بأنك إن طلبـ ... ـت مهذبًا رمت الشطط
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
ومما رق فيه وتعمد أن يصيب شعرًا به فيها- وقد سبق الاستشهاد به في مواضع:
وأحوى حوى رقى برقة أسره ... وغادرني ألف السهاد بغدره
تصدى لقتلي بالصدود وإنني ... لفي أسره مذ حاز قلبي بأسره
أصدق منه الزور خوف ازوراره ... وأرضى استماع الهجر خشية هجره
وأستعذب التعذيب منه وكلما ... أجد عذابي جد بي حب بره
تناسى ذمامي والتناسي مذمةٌ ... واحفظ قلبي وهو حافظ سره
وأعجب ما فيه التباهي بعجبه ... وأكبره عن أفوه بكبره
له مني المدح الذي طاب نشره ... ولي منه طي الود من بعد نشره
ولو كان عدلًا ما تجنى وقد جنى ... علي وغيري يجتني رشف ثغره
ولولا تثنيه ثنيت أعتني ... بدارًا إلى من أجتلى نور بدره
وإني على تصريف أمري وأمره ... أرى المر حلوًا في انقيادي لأمره
ههنا وشج ديباج ناعم.
فرق ما بين ما ههنا وما عند مسلم بن الوليد مثلًا أن مسلمًا أعنى أولا بقوة الأسر وجزالته وإحكام المعاني وشرفها أرقيقة كانت أم فخمة. وفرق بينه وبين حبيب أن المعاني والصور والمحسنات جميعًا نتجن عن إبعاد غوص وتأمل مذهل.
стр. 2365
وفرق بينه وبين البحتري أن المحسنات طرف من رنين الإيقاع ومتممات له. وليس ههنا صناعة المعاني كما عند ابن الرومي. ولا صناعة التشبيه كما عند ابن المعتز. ولا محض التلهي بقوة الملكة وسعة العلم وتبحره مع حب الترنم وكثرة الفطمة كما عند أبي العلاء. ولا ههنا حسام شعر صلت كما عند أبي الطيب. ههنا وشي رقيق مراد لنفسه- صناعة تطريز ناعم. وهذه الأبيات مما تستطيعه ملكة الحريري ذروة. ولا اعلو إن زعمت أن أثرها كان بعيدًا من بعد في وادي روم مجانسة الأحرف، وأن منها بلا ريب أصداء في نحو نهج لانجلاند الإنجليزي.
In some season when soft was the son
وما سبق أن تحدثنا عنه في أول هذا الجزء وهذا باب ينبغي أن يقتل بحثًا والله المستعان.
ولكأن الحريري يعرض بكساد المدح، وانحراف حرفة الأدب على وجه العموم في الأبيات البائية التي قولها أبا زيد في المعربة (وقد أبى تأثر أبي محمد بأبي العلاء إلا أن يسم باسم بلدته إحدى مقاماته كالاعتراف بذلك، والله أعلم): قال «فأطرق إطراق الأفعوان، ثم شمر للحرب العوان، وقال:
اسمع حديثي فإنه عجب ... يضحك من شرحه وينتحب
أنا امرؤ ليس في خصائصه ... عيبٌ ولا في فخاره ريب
سروج داري التي ولدت بها ... والأصل غسان حين انتسب
وشغلي الدرس والتبحر في الـ ... ـعلم طلابي وحبذا الطلب
ورأس مالي سحر الكلام الذي منـ ... ـه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجة البيان فأخـ ... ـتار الآلي منها وأنتخب
وأجتني اليانع الجني من الـ ... ـقول وغبري للعود يحتطب
وآخذ اللفظ فضة فإذا ... ما صنعته قيل إنه ذهب
стр. 2366
وكنت من قبل امتري نشبًا ... بالأدب المقتنى وأحتلب
ويمتطي أخمصي لحرمته ... مراتبًا ليس فوقها رتب
وطالما زفت الصلات إلى ... ربعي فلم أرض كل من يهب
وكأن المتحدث ههنا ليس أبا زيد المكدي، ولكن ما له أبو زيد رمز بين رجال الأدب شعرًا ونثرًا من لدن زمان بني أمية إلى زمان المتوكل وسيف الدولة بن حمدان:
فاليوم من يعلق الرجاء به ... أكسد شيءٍ في سوقه الأدب
لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم ال ولا نسب
كأنهم في عراصهم جيفٌ يبعد من نتنها ويجتنب
فحار لبي لما منيت به ... من الليالي وصرفها عجب
وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكرب
فلما دالت دولة الأدب فلم يجد أصحابه المشتغلون به ما يأكلون به، من أهل المروءات، أقبلوا على أنفسهم يأكلونها. فزعم أبو زيد ههنا أنه قد اضطره الفقر إلى بيع جهاز عروسه، وأنه ما فعل ذلك إلا عن رضا منها. وإذا فرضنا -وهو فرض غير جد بعيد أن العروس قد يكنى بها عن الشعر -أليس حبيب يقول:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب
بكرًا تورث في الحياة وتغتدي ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب
إذا فرضنا هذا، فلا تستبعد أن يكون ضمن معنى عرسه ههنا معنى الكناية عن القصيدة، وما صير به إلى ابتذالها بعد أن كانت مكرمة مصونة. وذلك قوله:
وقادني دهري المليم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب
فبعت حتى لم يبق لي سبد ... ولا بتاتٌ إليه ينقلب
стр. 2367
وأدنت حتى أثقلت سالفتي ... بحمل دينٍ من دونه العطب
ثم طويت الحشا على سغب ... خمسًا فلما أمضني السغب
لم أر إلا جهازها عرضا ... أجول في بيعه وأضطرب
تأمل التضمين هنا فإنه مما يحسنه أن فيه عنصر التشويق إلى ما سيلي. وكأن الحرير قد فطن أن هذا العنصر نفسه هو الذي سوغ لابن أبي ربيعة تضمينه المشهور: «وانظر- إليهم إلخ». والشاهد الذي ذكرناه من الفرزدق قريب من ذلك وكذلك بيتا النابغة.
اضطر أبو زيد بعد أن نفد ما عنده ولم ينفعه أدبه أن يجول في جهاز ربة بيته ونفسه كارهة. وظاهر سياق الحكاية لطيف جار على حيل أهل الكدية. وباطنه فيه كما قدمنا كناي عن حال الأدب عامة وعن حال الشعر خاصة. وسواءٌ أعنى الحريري ذلك أم لم يعنه، فإن بيع جهاز العروس، على تقدير أن العروس هي القصيدة، لا يخلو من معنى أخذ زينتها وعرضها لتشترى- وزينة عروس الشعر بديعها ومعانيه ومحاسنها. وإلى عرض ضروب من هذه المحاسن مصنوعة، بدل القصيدة المحكمة نفسها، قد آل أمر الشعر بعد زوال سلطانه ومجده. هذا الوجه من الكناية والدلالة سواء أعناه الحريري أم لم يعنه مستكن في كلامه لمن تأمله وما أحسبنا غلونا في التأويل أو باعدنا.
فجلت فيه والنفس كارهةٌ ... والعين عبرى والقلب مكتئب
وما تجاوزت إذ عبثت به ... حد التراضي فيحدث الغضب
فإن يكن غاظها توهمها ... أن بناني بالنظم تكتسب
أو أنني إذ عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب
فوالذي سارت الرفاق إلى ... كعبته تستحثها النجب
стр. 2368
أي سارت الناس رفاقًا إلى كعبته لا يعني رفاقي على أن «أل» عهدية.
ما المكر بالمحصنات من خلقي ... ولا شعاري التمويه والكذب
ولا يدي مذ نشأت نيط بها ... إلا مواضي اليراع والكتب
بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفي وشعري المنظوم لا السخب
والسخب عني بها القلائد وأصل السخب جمع سخاب بكسر السين وهي قلادة من الطيب ونحوه تجعل للطفل وليس مجيء الحريري بالسخب ههنا تكلفًا منه لقافية فأرجح عندي أنه يعرض بالمرأة أنها هي تنظم السخب بكفها ولكني أنظم قلائد الشعر.
فهذه الحرفة المشار إلى ... ما كنت أحوي بها وأحتلب
فأذن بشرحي كما أذنت لها ... ولا تراقب واحكم بما يجب
ثم يعقب الحريري بما هو نص في معنى ما قدمناه:
قال: «فلما أحكم ما شاده، وأكمل إنشاده، عطف القاضي إلى الفتاة، بعد أن شغف بالأبيات، وقال: أما إنه قد ثبت عند جميع الحكام، وولاة الأحكام، انقراض جيل الكرام، وميل الأيام إلى اللئام. وإني لأخال بعلك صدوقًا في الكلام، بريًّا من الملام. وها هو قد اعترف لك بالقرض، وصرح عن المحض وبين مصداق النظم، وتبين أنه معروق العظم، وإعنات المعذر ملأمة، وحبس المعسر مألمة، وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصبر عبادة، فارجعي إلى خدرك، واعذري أبا عذرك، ونهنهي عن غربك، وسلمي لقضاء ربك، ثم إنه فرض لهما في الصدقات حصة، وناولهما من دارهما قبضة، وقال لهما تعللا بهذه العلالة، وتنديا بهذه البلالة، واصبرا على كيد الزمان وكده، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عنده إلخ».
стр. 2369
سقنا هذه التتمة المسجوعة بعد المنظومة البائية للدلالة على ما نعتقده من أن المقامة كل واحد نظمها ونثرها المسجوع. والحق أنه من باب قريب من الشعر. وكلاهما معًا قد خلفا قصيدة التكسب بهذه القطعة التي ظاهرها درس وتسلية وباطنها تعويض عما كانت تقوم به القصيدة. وذكر صاحب الأغاني في أخبار ابن ميادة أنه كانت له أسجاع يهاجي بها. ولا زال السجع من درجات البيان المقاربة جدًّا للشعر في أساليب اللغات الدارجة. وما اتصال منظوم الحريري ومسجوعاته إلا كما تتصل ألوان قوس قزح بعضها ببعض ثم بالسحاب من بعد.
لعله يبدو في تشبيهنا (بالنسبة إلى جانب الرمز والكناية الذي افترضناه) جهاز المرأة بزينة من محسنات لفظية ومعنوية بعض المخالفة؛ لأن الذي يحوز القصيدة عروسًا هو الممدوح والشاعر يزفها إليه، ونحن جعلنا أهل الأدب والشعر بمنزلة السروجي وهو زوج والقصيدة بمنزلة امرأته التي باع جهازها. ولكن هذه المخالفة تختفي إن تذكرنا ما آلت إليه حال الكساد بآباء عرائس الشعر من اضطرارهم إلى أن يستأثروا بهن كآباء عذرهن على نوع من مذهب مجوسي، كالذي ذكره أبو الطيب حيث قال:
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم
ومن قبل قد كانوا لهن آباء وكن عوانس طال تعنيسهن- وقد ألمع أبو تمام إلى هذا المعنى في قوله:
يا خاطبًا مدحي إليه بجوده ... ولقد خطبت قليلة الخطاب (١)
стр. 2370
قليلة الخطاب عني بها قصيدة المدح كما ترى.
لا جرم، لم تسد زينة القصيدة مسد القصيدة، ولم تغن غناءها. والمقامة على براعتها لم تعلق بها القلوب علوقها بالقصيد إنما هي لعبه بالنسبة إلى القصيد. والمفتنون في قصائد المدح وإن أصابوا عليهن الجوائز حينًا بعد حين إنما كانوا يجاوزون ببقية من حكم العرف. ويجاوزون على الإجادة أكثر من أن يكون ذلك من أجل المدح نفسه.
قال ابن طباطبا في عيار الشعر وأحسن غاية الإحسان: «والمحنة على شعراء زماننا في أشعارهم أشد منها على من كان قبلهم؛ لأنهم قد سبقوا إلى كل معنى بديع ولفظٍ فصيح، وحيلةٍ لطيفة، وخلابة ساحرة. فإن أتوا بما يقصر عن معاني أولئك ولا يربي عليها لم يتلق بالقبول، وكان كالمطرح المملول. ومع هذا فإن من كان قبلنا في الجاهلية الجهلاء، وفي صدر الإسلام، من الشعراء، كانوا يؤسسون أشعارهم في المعاني التي ركبوها على القصد للصدق مديحًا وهجاء، وافتخارًا ووصفًا، وترغيبًا وترهيبًا، إلا ما قد احتمل الكذب فيه حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه. وكان مجرى ما يوردونه مجرى القصص الحق والمخاطبات بالصدق فيجابون بما يثابون ويثابون بما يجابون. والشعراء في عصرنا إنما يثابون على ما يستحسن من لطيف ما يوردونه من أشعارهم، وبديع ما يغربون من معانيهم، وبليغ ما ينظمونه من ألفاظهم، ومضحك ما يوردونه من نوادرهم وأنيق ما ينسجونه من وشي قولهم، دون حقائق ما يشتمل عليه من المدح والهجاء وسائر الفنون التي يصرفون القول فيها. أ. هـ.».
وقد لم ابن طباطبا هنا بمسألة من أعوص مسائل النقد وهي قضية الصدق واحترس بما قدر عليه أن يحترس به. وقوله في جملته جيد كما قدمنا، إذ أن قضية الصدق مما يعسر القطع فيها برأي ينتهي عنده كل الانتهاء. والحرارة التي نحس
стр. 2371
الكلام مندفعًا بها من قلب الشاعر نسميها صدقًا لفقدان ما ينطبق على نعتها تمام الانطباق كقولك رجل صدق وسيف صدق لما يبدو أو ما يكون خالصًا كل الخالصية في أصالته. وعلى هذا الوجه عند أبي تمام صدق وعند ابن الرومي بالنسبة إليه صديق بصيغة التصغير.
ومما كأنه يصح كل الصحة على نسج المقامة، وما هو بمنزلة المقامة كفكريات المعري في اللزوميات وككثير مما أطاله ابن الرومي، ما جعله ابن طباطبا معيارًا لتجويد الشعر وما عدا أن وصف به أكثر عمل أهل عصره هؤلاء الذين إنما كانوا يثابون على لطيف ما يوردونه إلى آخر ما قاله مما سبق ذكره، وذلك في قوله في أوائل كتابه: «فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا وأعد ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه. أ. هـ.».
قوله مخض المعنى أخذه من قول حبيب:
حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب
وقد يعلم القارئ الكريم حفظه الله مقال الجاحظ في مقدمات الحيوان أن ما ينقل من النثر في أصله إلى الشعر لا يتأتى منه شعر جيد. هل ذهب ابن طباطبا إلى معنى الجاحظ إذ لا ريب قد كان به عالمًا وبدقائق معناه خبيرًا؟ هل بما وصفه ووصى به معاصريه من طريقة عمل الشعر إنما يشير إلى أن قصارى ما يبلغه المحدث من التجويد هو ما يستطرف من الصياغة والبديع ليس غير، إذ لا يقدر على ما كان عليه القدماء من مذهب الصدق في التعبير؟
وقد ترى أن المقامة نظمها أصله نثر فكر فيه الأديب ورتبه، وأن نثرها جانح إلى إيقاع الشعر متحل بمثل سموط قوافيه؟
стр. 2372
وعسى أن يكون هذا الذي ذكره ابن طباطبا إنما يعرض به تجربته هو نفسه للقارئ وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الفاضل محقق طبعة كتابه في مقدمته (١). ولكن هذا لا يخرج في جملة معناه عما قدمناه إذ كأن هذه كانت طريقة معروفة سائرًا عليها عمل الشعراء في زمانه. وقد سبق التنبيه إلى طريقة النثر في نظم علي بن العباس، ولعل ابن المعتز كان يصنع مثقل هذا الصنيع لفتور الإيقاع عنده.
وما كان الشعراء الفحول على قريب من عهد ابن طباطبا يصنعون هذا الصنيع. أبو تمام، شيخ الغوص والبديع والإشارات والتضمين كان يقدم على النظم نظمًا شعرًا لا نثر فيه، وفي كتاب العمدة خبر عنائه في أخذ قول أبي نواس:
كالدهر فيه شراسة وليان
كيف صاغ ذلك يقطع إيقاعه في نفسه تقطيعًا:
شرست بل لنت بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهل والجبل
وقد وصف أبو تمام أمر تزاحم الإيقاع في صدره حيث قال:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
وهذا البيت فطن لجودته معاصروه وهو على مذهبه قوي الدلالة.
وذكروا أن علي بن الجهم كان يقاتل وينشد:
أزيد في الليل ليل ... أم سال بالقوم سيل
يا إخوتي بدجيل ... وأين مني دجيل
стр. 2373
وهذا يدل على أنه كان من أصحاب الترنم. ومذهب البحتري في الإيقاع جلي. وكان أبو الطيب يترنم شعره وهو يصوغه وزمانه بعد زمان ابن طباطبا كما تعلم. ومذهب الشريف من مذهب ابن طباطبا قريب وقد فضله الثعالبي عليه وعلى سائر الطالبين ولكنه لم يزده في باب التفضيل على ذلك، وأسلوب الخطابة الفخمة أغلب عليه، فهل كان يصوغ ما ينظمه خطبًا اول الأمر؟ أم لم يتهمه بعضهم بأن الذي في نهج البلاغة إنما انتحله هو على الإمام كرم الله وجهه- وهو جيد كما لا يخفى.
لم تكن المقامة لتسد بتصنيع نثرها ونظمها مسد القصيدة المحكمة، ولا ما نظم من منظومات على طريقة وصف الشمعة أو التزامات أبي العلاء. أو حتى درعياته. كل ذلك متعة وأنس وطريف يستملح ونادرة يعجب لها من يعجب. ولكنه ليس بالشعر الذي يلج على القلب وتتغذى بغذائه الروح:
كرقي الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
أو كما قال أبو الطيب:
وما قلت من شعر كأن سطوره ... إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
فذلك النور يشع على الأفئدة التي في الصدور.
مع قسم جار الله العظيم لم تكن المقامة هي العلاج الناجح.
لذلك ألفى شعر الجد قلوبًا مستجيبة صاغية- رائية ابن عبدون ونونية صالح بن شريف كلتاهما شعر جاد. ورام ابن الأبار كسبيلهما في كلمته:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا .. ز إن السبيل إلى منجاتها درسا
стр. 2374
فأخلى بعد البيت الأول. وما ذلك إلا لأنه قد قال كلما يقال في صدر هذا المطلع وعجزه، وكيف يستطاع إدراك ما سبيل منجاته قد درس. وقد روى عن الأمير عبد المؤمن بن علي أن شاعرًا أنشده (١):
ما للعدا جنة أوقى من الهرب ... أين المفر وخيل الله في الطلب
فاكتفى منه بسماع البيت الأول وأجازه، وكان عبد المؤمن أديبًا شاعرًا ناقدًا فكأن قفد أحسن بأن ما بعد هذا البيت سيكون دونه- وما كذلك شأن حبيب إذ قال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
فالسامع ينتظر هذه الأنباء، وإذ قال:
الحق أبلج والسيوف عواري
فالسامع ينتظر ما بعد هذا التهويل المجمل من تفصيل.
ولحرص الناس على جد الشعر أن يصيبوه عظم أمر لامية الطغرائي:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرًا ومجدي أولًا شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
وأمر لامية ابن الوردي:
اعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
стр. 2375
وهذه على جودتها لا تبلغ مبلغ لامية العجم في الرصانة، وفيها بعد صدق عظة ونفحات صلاح.
وكانت في مهيار رقة ونسمات من صدق المقال. وقد علا له بذلك، وبطول النفس، صيت حينًا من الدهر وحاكاه جماعة. وكانت في أبي الحين التهامي رنة من جزالة وأجود شعره المرثية:
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
وله غزل لا بأس به وكذلك للبهاء زهير:
ولو جاز أن ننسب إلى قدماء شعرائنا عقدات كما يقال في النفسانيات اليوم مثلًا «عقدة أوديب» لتحدثنا إذن عن عقدة ابن أبي ربيعة وعقدة أبي الطيب وهلم جرا. وكم من مشبه باجتهاده في ترقيق الغزل صاحب حمار أعرج قميء وهو يظن أنه كما قال عمر:
بينما يذكرنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر
وما أكثر مقلدي أبي الطيب منذ زمان أبي فراس والشريف إلى ما شاء الله .
وكانت في عمارة اليمني جودة وحرارة ما وآخرين كالأبيوردي ممن ذكر البارودي في مختاراته ومن لم يذكر. لكنه على الجملة قد خلا مكان الجد والصدق في الشعر بعد ثلاثته الكبار- خلا إلا من ضرب واحد من القصائد، هو وحده الذي صح له أن يخلف قصيدة المدح وما كان في مستواها من روائع شعر الأوائل من قدماء ومحدثين وما أجمع أهل العلم والنقاد على تقديمه من جياد حبيب وأبي عبادة وأبي الطيب والنادر الملحق بهن كلاميتي الطغرائي وابن الوردي ورائية التهامي.
ذلك الضرب الواحد الفريد هو قصيدة مدح الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. فنذكر للقارئ الكريم فيما يلي كلمة عن ذلك إن شاء الله وهو المستعان.
стр. 2376
عبد الله الطيب
المرشد
إلى فهم أشعار العرب وصناعتها
في الأغراض والأساليب
- (مج: ٥/ الجزء الرابع/القسم الثاني: في الأغراض وأطوار المقاصد والأساليب) -
стр. 2377
الإهداء
إلى جميع من أعانوا على خلق هذا الكتاب، بما تولوه من إرشادي وتعليمي ونقدي، أولهم أبي ﵀.
عبد الله الطيب
стр. 2378
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثاني
مدح الرسول ﷺ
قال تعالى جل من قائل في كتابه المحكم العزيز: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.
ومما حفظ به كتاب الله عرفان العربية وتذوق جزالة أساليبها، وكان من كبار علماء اللغة والنحو والأدب حفظة لكتاب الله أخذت عنهم القراءة والرواية والتفسير كأبي عمرو بن العلاء والكسائي وقالون فقد ذكروا أنه كان نحوي المدينة على زمانه وهو تلميذ نافع والأصمعي، وكان من رواة قراءة نافع، والفراء وأبي عبيدة ومكانهما في معاني القرآن ومجازه وتفسيره غير خاف. وكان الطبري محمد بن جرير مقدمًا في النحو والعربية وهو من حفظة الكتاب العزاز قراءة وتفسيرًا. وكان ابن جني صاحب الخصائص وراوية أبي الطيب هو أيضًا صاحب المحتسب الذي إنما هو حاشية وشرح موجز جيد وتعليق على كتاب السبعة لابن مجاهد. والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تحصر وتحصى.
ولأمر ما كثر استشهاد أهل التفسير بالشعر الصحيح من لدن ابن عباس ﵄ إلى زمان أبي عبيدة والفراء ومن بعدهما. من ذلك أن الشعر الصحيح الجزل فيه روح البيان العربي. وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين. وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء].
وبعض أهل السفسطة ربما زعم أن من ألفاظ القرآن ما ليس بعربي وهذا هو الضلال المبين. ولو سلمنا جدلًا أن أمثال استبرق من ألفاظ القرآن لسن عربيات، فماذا عسى أن يستنتج من ذلك مستنتج أوردو كلمة الون في شعر الأعشى يجعله فارسيًا، وذلك حيث قال:
بالون يضرب لي يهز الإصبعا
أو مجيء كلمة الكرد في قول الفرزدق
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد
أي العنق يجعل شعر الفرزدق غير عربي؟
стр. 2379
أم لا يزيد أحيانًا في بلاغة الكلم البليغ أن يجاء فيه بكلمة ذات دلالة واضحة في لغة أخرى لكي تنتقل بعض ألوان تلك الدلالة إلى السياق الذي هي فيه؟
ذلك واضح سائغ في كل اللغات إلى الآن.
على أنه ينبغي أن نذكر أن مكة كانت ملتقى تجارة العالم كله آنئد فكم من كلمة صهرتها ألسن العرب فيها فصارت عربية -هذا على تقدير التسليم أن العرب استعارت أمثال قنطار ودينار لتدير به تجارتها، وقوله تعالى: ﴿والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾ يدل على اطمئنان الكلمة في بحبوحة العربية.
على أن العربية لغة قديمة الأصول والروم والفرس واليونان كل أولئك أحدث عهدًا في الوجود الحضاري من العرب -عادهم وثمودهم وجرهمهم وقطوراهم وأميمهم وطسمهم وجديسهم وعماليقهم بله حمير وسبأ واليمن الأقدمين.
قال أبو عبيدة (وقد ذكروا أنه كان شعوبيًا واتهموه بمذهب الخوارج وهلم جرا) (١) قال في أوائل كتابه بعد البسملة: قالوا إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وتصداق ذلك في آية من القرآن وفي آية أخرى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص. وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الأعراب ومن الغريب والمعاني. وقال ﵀ في فصل تال: «نزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن «طه» بالنبطية فقد أكبر، وإن لم يعلم ما هو، فهو افتتاح كلام وهو اسم للسورة وشعار لها، وقد يوافق اللفظ ويقاربه ومعناهما واحد وأحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها. فمن ذلك الاستبرق بالعربية وهو الغليظ من الديباج والفرند وهو بالفارسية استبره وكوز وهو بالعربية جوز وأشباه هذا كثير. ومن زعم أن «حجارة من سجيل» بالفارسية فقد أعظم، ومن قال إنه سنك وكل، إنما السجيلة الشديد.»
стр. 2380
وقد اهتم جار الله محمود بن عمر الزمخشري بأمر البلاغة العربية عامة، وبلاغة القرآن خاصة، ومهد لتفسيره الجليل بعمل معجمه البلاغي النادر المثال «الأساس -أساس البلاغة».؟ مما يدلك على أنه مهد به تفسيره لقوله تعالى: ﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾ فقد قال إن المرأة لا يقال لها مفندة لأنها لم يكن لها عقل وهي شابة وهذا الوجه بعينه جاء في عبارة «الأساس» ولعل «الفائق» مما مهد به أيضًا. وقد ألف تفسيره وهو مجاور بمكة. وقد اعتمد على ابن جرير. إلا أن مذهبه في بيان البلاغة القرآنية كأن قد انفرد به. واستشهاده بالشعر غزير. وكان مما ذهب إليه الاستشهاد بشعر حبيب وأبي الطيب، يجعل ما يقولانه بمنزلة ما يرويانه. وما سوغ له ذلك إلا ما أحسه بجودة ذوقه من تمكنهما من جزالة القول. وما كل علامة راوية بمستطيع جزل الكلام إن رام قوله. ماعدا الزمخشري أن استأنس بما أورد من شعر فحول المحدثين إذ لم يكن خافيًا عليه أنه لا يصح الاستشهاد بكلامهم على شيء من نحو أو صرف أو لغة. وقد سلك مسلك الزمخشري ﵀ جماعة منهم مثلًا صاحب «مغني اللبيب» ومن الأوائل من تشدد أحيانًا فكره الاستشهاد بمن لا شك في فصاحته كالذي ذكره أبو الفرج من طعن يونس في ابن قيس الرقيات مثلًا.
علم الأوائل كله كان مداره على صحة الرواية عن مشافهة. وكان الحديث أدق العلوم رواية وأعوصها طريقًا فيها. وكان سيبويه شيخ النحاة ﵀ قد طلب الحديث أول الأمر. ثم لما خطأه حماد بن سلمة في حديث «ليس أبا الدرداء» عدل إلى درس النحو. فلم يكن ليستشهد على مسائل النحو بما لم يكن على معرفة حقة بوجوه صحة روايته من علوم الحديث. وقد عدل عن متابعتها كما ترى. وقد كان قرأ القرآن على حفظته ورواته ويذكر أسماءهم في كتابه. وقد روى الأشعار وسمع مشافهة من العرب. فعول على هذا الذي كان يعلمه ويعلمه علماؤه. وقد كان عاصم بن أبي النجود، أحد شيوخ أبي عمرو [وهو شدخ سبويه] حجة في القرآن جلس يعلمه بالكوفة أربعين سنة بعد أبي عبد الرحمن السلمي وهذا جلس من قبل يعلمه أربعين سنة وعن الصحابة الأجلاء أخذ -وذكروا أن عاصمًا لما أدركته الوفاة كان يردد قوله تعالى ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ يحقق القاف تحقيقًا حتى قبض الله روحه. مع هذا لم يكن عاصم بحجة عند أهل الحديث مع إجماعهم على قرآنه وصلاحه وعلمه فتأمل.
ليس الأمر أن الحديث كان يروي بالمعنى فلذلك لم يستشهد به النحويون كلا. كان من رواة الحديث رجال هم من جيل من يستشهد بكلامه بلا ريب. كالشيوخ الذين عنهم أخذ الإمام مالك. وقد قيل ذلك في مالك نفسه وزعموا أن دجاجلة جمع
стр. 2381
دجال لم يعرفه أهل اللغة إلا منه في خبر يذكرونه له فيما بينه وبين ابن إسحاق، وابن إسحاق ممن وثقه مسلم والبخاري. فلعل هذا الخبر ألا يصح والله تعالى أعلم. إنما ذكرناه استيفاء للحجة فيما ذكرناه من فصاحة أهل رواية الحديث الأولين الذين عنهم أخذ أمراء جرحه وتعديله ومعرفة صحيحه من ضعفه.
وما أرى إلا أن سيبويه ﵀ كان يعلم أحاديث كثيرة. ولكن تحرج أن يستشهد بما لم يجز عليه مشافهة. وكان في القوم دقة في التحصيل، ومراقبة لله فيه، وحرص على تجويد ما يقبلون عليه من عمل.
واقتدى بسيبويه من أخذوا الكتاب عن سعيد بن مسعدة وكان صدوقًا.
هذا -قدمنا أن عرفان العربية وتذوق جزالة أساليبها مما حفظ الله به كتابه. وقد وعد ووعده الحق أنه حافظه. والقصيدة المحكمة هي المفتاح الأول لعرفان العربية وأهدى المسالك إلى تذوق جزالة أساليبها. من أجل هذا ما استأنس الزمخشري بشعر أبي تمام وأبي الطيب وهو في معرض الإرشاد إلى نكت بلاغة القرآن. وقد تعلم قوله أن المعري إنما برى لقول الله تعالى ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ حيث قال هو:
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ... ترمي بكل شرارة كطراف
والمقامة على فضلها، بين يدي القصيدة جارية تخدمها.
وأبى الله، وهو أعلم بمراده ودقائق حكمته. أن تزول القصيدة المحكمة ومكانها فيما وعد به من حفظ كتابه مكانها، ولا سيما حين جعلت تحيط بدار الإسلام الغوائل، وأشرعت الصليبية إليها الأسنة من رومها وروسها وفرنجتها وصقالبها وبغارها وأصناف من عددهم أبو الطيب في شعره كقوله:
وكيف ترجى الروم والروس هدمها ... وذا الطعن أساس لها ودعائم
وقوله: يجمع الروم والصقالب والبلـ ... ـغار فيها وتجمع الآجالا
وتوافيهم بهم في القنا الصمـ ... ـم كما وافت، العطاش الصلالا
وسددت التتار إليها سهامها، وخيف عليها كل الخوف من الاجتياح.
في معركة بغداد سنة ٦٥٦ هـ وهي التي كانت القاضية على دولة بني العباس، سقط بقريته صرصر وهي من سواد بغداد شهيدًا مقبلًا غير مدبر على ما كان من ضرره
стр. 2382
وما أعفاه الله به من مباشرة القتال، الإمام يحيى الصرصري (١)، ﵀، وجعل الجنة متقلبه ومثواه -وهو الذي يقول:
ركب الحجاز ومنك الخير مأمول ... هل عندك اليوم للمشتاق تنويل
علل بما طاب للبطحاء من خبر ... ذا الوجد إن كان يشفي الصب تعليل
هل ربة الستر بعد النأي دانية ... أم حبلها بعد طول القطع موصول
أم هل تحل مطايانا بساحتها ... وربعها الرحب بالأحباب مأهول
ونقتضي بالمصلى والصفا ومنى ... دنيا تصرم حين وهو ممطول
وهل تجد بنعمان الأراك لنا ... من المواهب أسمال رعابيل
وهل تنب بنا بين العقيق إلى ... سلع رواحل تحدوها الأراجيل
مضبرات القرى كوم كرائم لا ... يسأمن من دأب قود مراقيل
رعابيل أي مزق ينظر فيه إلى قول كعب:
تفرى اللبان بكفيها ومدرعها ... مشقق عن تراقيها رعابيل
والأراجيل ينظر إلى قوله:
منه تظل سباع الجو ضامرة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل
وقوله مضبرات بالضاد المعجمة من التضبير وهو القوة والقرى الظهر وتأمل جودة رنين قوله «كرائم» مع سبق راء القرى من قبل ومجيء «مراقيل» من بعد وهي جمع مرقال والإرقال ضرب من العدو وبه سمى هاشم بن عتبة المرفال إذ كان يرقل بالراية في صفين وهو يرتجز
أعور يبغى أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
يتلهم بذي الكعوب تلا ... لا بد أن يفل أو يفلا
وقال النابغة في البائية:
إذ استنزفوا عنهن في الحرب أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
مراقيل أي مسرعات
بالنقى أعظمها والدر حالية ... ومن كلال ومن هزل معاطيل
стр. 2383
هكذا في طبعة المجموعة وأحسبه خطأ وقد فسره الشارح بأن النقي هو المخ والدر الحليب وأعظمها ضبطه ضبط اسم التفضيل بفتح الظاء بعد عين ساكنه وهذا كله لا يستقيم إذ لا معنى لأن تكون حالية بالحليب عظماها، ثم معاطيل لأنها جمع لا تصلح خبرًا لأعظمها إلا على أن نؤول أن «أعظمها» عدده أكثر من واحدة أو تقدمه مبتدأ الوجه عندي أن البيت صوابه هكذا إن شاء الله.
بالنقي أعظمها والدو حالية ... ومن كلال ومن هزل معاطيل
فالهزل مقابل للنقي وهو المخ وكون أعظمها بضم الظاء أي عظامها فيها النقي دلالة على أنه لا هزل بها. والكلال مقابل الدو وهو القفر والصحراء وإذا كان الدو لها حليًا مع مخ عظامها دل ذلك على مواصلتها للسير وهي قادرة عليه غير ذات كلال -فهي عاطلة من الكلال ومن الهزل.
خوص لها أرب تحت الدجى وإذ اشـ ... ـتد الهجير وضم القسور الغيل
القسور الأسد، وكانت في طريق الحج السباع والمخاوف، فانظر كيف كان حرص المسلمين على أداء شعائرهم فكيف أساء المعري حيث قال ما قال
تحكين نفث نعام راعهن ضحى ... زعر ويثفرن والصوان مبتول
يلبزن صم الحصى لبزا ومدرجها ... خط عليه فمنقوط ومشكول
كلا هذين البيتين فيهما تحريف من ناسخ -تحريف كثير ولعل الصواب هكذا إذ هو أشبه بالمعنى والرسم يحتمله كالذي مر من «الدو» لما بين الواو والراء من شبه:
يحكين نفر نعام راعهن ضحى ... ذعر وينفذن والصوان مبتول
ينبذن صم الحصى نبذًا ومدرجها ... خط عليه فمنفوط ومشكول
ذلك بأن النفاذ يماثله البتل أي القطع والنفر يشاكله الذعر ويناسبه واللبز باللام بعيدة لأن الحصى لا يلبز ولكن ينبذ أي يقذف ويرمى به.
стр. 2384
إذا الحداة بسلع عرضوا فلها ... على الوجى ودوام السير تبغيل
تحن شوقًا وأني لا تحن إلى ... حمى الرسول النجيبات المراسيل
فهذه المقدمة التي مرت ليست من قرى صناعة المقامات والبديع وأوصاف الشموع وضروب العبث بالمحسنات واللعب اللفظي والمعنوي، ههنا أنفاس فحولة من الشعر شبيهة بأنفاس فحول صدر الإسلام والمحدثين المشهود لهم بالتقدم، وكالقدماء لا يجد الشاعر عسرًا في الاستهلال بالديار والنسيب، إذ الديار التي تيمت قلبه ذكراها هي الكعبة الشريفة والمشاعر والمعرف ومنى ورباع مكة المقدسات والقبر الزكي والروضة والمسجد والحرم وأحد والبقيع وقبا ومشاهد دار الهجرة العظام.
تأمل هذا التعبير النبيل الجزل:
هل ربة الستر بعد النأي دانية ... أم حبلها بعد طول القطع موصول
وهل تجد بنعمان الأراك لنا ... من المواهب أسمال رعابيل
والشاهد قوله «من المواهب أسمال رعابيل» -فالأسمال الرعابيل من صفة الثياب، والأسمال أيضًا بقايا الماء في الركايا، وكل هذه الظلال من المعاني مرادة ههنا
قال المعري:
جلبت من الشامين أطيب جرعة ... وأنزرها والقوم بالقفر ضلال
يلوذ بأقطار الزجاجة بعدما ... هريقت لما أهديت في الكثر أمثال
يصف قبلتها أنها أطيب جرعة على قلتها حتى إنها لا تزيد على ما تبقى في أقطار الزجاجة بعد أن يراق ما فيها
فإن زعموا أن الهجير استشفهم ... إليها فمنها في المزايد أسمال
أي بقايا، وما أرى إلا أن الصرصري ﵀ يشير إلى ما ذكره أبو العلاء ههنا من معنى المواهب، وكان الأولى الضرر خاصة بأبي العلاء فرط ولع وإن اختلفت مذاهبهم
стр. 2385
لاتفاقهم في باب التعمق في اللغة وآدابها، فهذا الذي صنعه الصرصري من خفي التضمين وبارعه.
وجلي أن الصرصري ﵀ يجاري «بانت سعاد» وتستنير بصيرته بضوء قوافيها ومعانيها، غير أن مجاراة الصرصري لـ «بانت سعاد» ههنا ومجاراة غيره من مداح الرسول ﷺ لها، كالبوصيري في لاميته:
إلى متى أنت باللذات مشغول ... وأنت عن كل ما قدمت مسئول
وابن جابر الأندلسي في لاميته:
بانت سعاد فعقد الصبر محلول ... والدمع في صفحات الخد مبذول
وجماعة غيرهم أورد من نظمهم في مجاراتها صاحب المجموعة النبهانية ﵀ -وفيهم الزمخشري صاحب الكشاف والفيروز أبادي صاحب القاموس- كل ذلك أريد به أول من كل شيء التبرك، وذلك أن كعب بن زهير ﵀ نال بها عفوًا وجائزة وذكرًا حميدًا وقد ضاهى في الجودة مذهب أبيه مع ماله من حرارة أنفاس الشباب -على أن أباه كما يعلم القارئ الكريم أصلحه الله، شديد الأسر، قوي الروح، متين الأنفاس.
ولقد أحسن الإمام يحيى الصرصري إذ يقول في أخريات لاميته
يا سيد الناس في الدنيا وسيدهم ... يوم القيامة منك الخير مأمول
حبرت فيك قصيدًا حسن مدحك في ... رؤوس أبياتها الحسنى أكاليل
رؤوس الأبيات عنى بها الروى، كما يقال للفواصل رؤوس الآي، وجعل القوافي كالأكاليل لمقاطع الأبيات هنا، لمكان هذا القري في مدحة كعب، وقد فصل هذا المعنى ووضحه في ما بعد:
نظمتها وزن من قد قال مبتدئًا ... «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»
تبركا بأتباعي ما نحاه ولم ... أبغ المضاهاة أين الطول والطول
لقد علا كعب كعب كل ممتدح ... فمن يفاضل يومًا فهو مفضول