← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوى ... لولا تذكر منزل وحبيب يشير إلى «قفا نبك» - ويقول في المدح: يا سيد الرسل الكرام ضراعة ... تقضي مني نفسي وتذهب حوبى عاقت ذنوبي عن جنابك والمنى ... فيها تعللني بكل كذوب هب لي شفاعتك التي أرجو بها ... صفحًا جميلًا عن قبيح ذنوبي إن النجاة وإن أتيحت لأمرئ ... فبفضل جاهك ليس بالتشبيب هل يعتذر بهذا عن تشبيبه في أول هذه القصيدة أو عن سائر ما اعتاده الشعراء من البدء بالتشبيب؟ أحسب هذا أشبه بما كان يغلب على ابن خلدون ﵀ من التأمل الناقد، وقد بسط من ذلك في مقدمته ما بسط. إني دعوتك واثقًا بإجابتي ... يا خير مدعو وخير مجيب قصرت في مدحي فإن يك طيبًا ... فبما لذكرك من أريج الطيب كان لسان الدين بن الخطيب (١) وابن خلدون متعاصرين، وكأن قد كان بينهما من أشياء الغيرة وهنواتها ما يكون بين المتنافسين غير أن ابن الخطيب كان أعمق بحرًا في فنون البلاغة والشعر، وهو صاحب الترشيح المشهور: جادك الغيث إذا الغيث همي ... يا زمان الوصل بالأندلس لم يكن وصلك إلا حلمًا ... في الكرى أو خلسة المختلس وقد كان، مع كونه من أهل الوزارة والكتابة والتصنيف في مختلف العلوم والفنون، من أدخل هؤلاء في حاق زمرة جماعة مداح الرسول ﷺ الذين خلصوا بذوات أنفسهم إليه، جيد المذهب فيه، ومن جياد مدائحه، وذكر النبهاني أنها لم

стр. 2452

يوردها صاحب نفح الطيب: ترك العرارة والكثيب شمالًا ... وحدا إلى ذات اليمين ومالا ودعاه داعي العز فابتدر الفلا ... سعيًا لدعوته وخاض الآلا يتخير المرعى ويفترع الربى ... ويجر أذيال الوشيج طوالا حتى توسد أبرد الظل الذي ... كنف العفاة وأحسب الآمالا أي أعطاها كفايتها ثم يقول: من مبلغ قومي على بعد المدى ... والبين بينهم وبيني حالا أني قطعت البحر للبحر الذي ... أغنى وأقنى واجتبى وأنالا فإذا نفضت جوانحي عن مطمع ... لم ألف للطمع المخل مجالا إلا رضا الله الذي هو غاية ... لأولي النهى ثم يقول في لوم النفس وروم سبيل الحج والزيارة: كم مركب أنضيت في طلب الهوى ... وظلام مسعى تهت فيه ضلالا وقفت به قدمي على ندمي أسى ... من رام غير الله رام محالا إن سامحت بنعم ونعمى همتي ... غارت بي الدنيا فقالت لا لا همنا بشمطاء المفارق لم تزل ... خرقاء تخلط بالنفار دلالا عنى بالشمطاء الدنيا. وفي خرقاء نوع من إشارة إلى صاحبة ذي الرمة التي قال فيها: تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام وقوله «تخلط بالنفار دلالا» دل به على أنها غير خرقاء في فتنة ذوي الألباب حتى تعزب بهم عنها أو كما قال: غطى على الألباب منا سحرها ... فنرى الحقيقة في الوجود خيالا ولابن الخطيب أحيانًا ولع بعبارات الفلسفة والمنطق، فربما كدر ذلك بعض صفاء ديباجته شيئًا وقد يعلم القارئ الكريم أصلحه الله طعن ابن خلدون على تعاطي مذاهب الفلاسفة في الشعر حتى لم يعف من نقد بها قاله أبا الطيب المتنبي بله أبا العلاء فهل ضمن مقاله في ذلك بعض التعريف بابن الخطيب؟

стр. 2453

يا ليت شعري هل أرى متوسدا ... كوماء تخبط سبسبا ورمالا من كل حالية الطلى تفرى الفلا ... ظلمان جو ما عرفن كلالا صارت قسيًا بالضمور وفوقها ... أنضاء صيرها النحول نبالا ما أرى إلا أنه (وفوقها الأنضاء) إذ ليس هذا مما يمنع من الصرف ويناسب مكان الألف واللام هنا مكانهما من قوله (بالضمور) ما زلن في تعب وشدة لوعة ... حتى بلغن بنا النبي فزالا ثم أخذ في مدحه ﵊ فقال: خير الأنام ومعدن النور الذي ... نسخ الضلالة بالهدى وأزالا وغياث أهل الأرض يفرج عنهم ... ربق الذنوب ويرفع الأغلالا وطبيب أدواء النفوس إذا شكت ... داء يعز على النفوس عضالا يا من إذا ركض الجواد بمدحه ... ملء الأعنة لا يقال تغالى يا من ملائكة السماء به اقتدت ... هديًا وصلت خلفه أرسالا إني وصلت بجاهك الأحمى يدي ... وتخذت حبك عروة وثمالا أنت العزيز حقيقة وبضاعتي ... قد أملت أن توفي المكيالا حاشا جلالك أن تخيب قاصدا ... حاشا نوالك أن ترد سؤالا وعليك يا خير الأنام تحية ... كالروض صافح عارضًا هطالا تختص أربعك المعطرة الشذى ... والصحب والملأ الرضى والآلا ثم ذكر الخلفاء الأربعة وأعانته الملكة الجيدة واندفاعة صدق الإيقاع فأتقن نظم أسمائهم مع ما يناسب من حسن ثنائهم: وعلى أبي بكر خليفتك الذي ... كشف الخطوب ودافع الأهوالا وعلى أبي حفص خليفته الذي ... فتح الفتوح ونفل الأنفالا وعلى أبي عمرو بن عفان الذي ... أغرى بجيش العسرة الأموالا وعلى على خير من صرع العدا ... يبغى رضاك وجندل الأبطالا ما فجر الفجر النهار فخلته ... نهرًا على مرج الدجنة سالا ما لاح إصباح وأشرق كوكب ... وتعاقبت ريح صبًا وشمالا ما غردت ورقاء حتى أطربت ... ألحانها غصن الرياض فمالا

стр. 2454

لعلك فطنت إلى نفس طبيعة الأندلس ههنا. يا هل يبلغني السرى أم القرى ... فأهل من ميقاتها إهلالا لعقيلة الدين التي قد أطلعت ... من مسكة الحجر المقبل خالا يعنى الكعبة، فجعل الحجر كأنه بخدها وهي عقيلة كريمة، خال- وقد كان الخال مما يستحسن في خدود البيض الملاح. لله من حلل تشوق وأربع ... تهدي بطيب نسيمها الضلالا ما استنشقت نفحات هبات الصبا ... إلا لأن جرت بها الأذيالا طابت معاهدها بأكرم مرسل ... فاق الأنام شمائلًا وخلالا صلى عليه الله ما ذكر اسمه ... فجلا السنا وكسا الوجود جمالا فهذه كما ترى ديباجة جزلة عليها من البديع رونق، مع حرارة نفس ونصوع بيان وجودة رنين. ويذكر عن أحد أمراء الإفرنج الإسبان أنه عجب من سادة المسلمين كيف أقدموا على قتل ابن الخطيب مع فضله الباهر وبيانه الساحر؟ وقد كان ﵀ من أخريات إشراقات الأندلس، ومن أشدها وهج ضياء، وفخرًا لغرناطة ما أحسبها أخرجت بعده من يضاهيه أو يدانيه، وما كان ابن زمرك على تجويده لصناعته إلا انعكاسة ضوء لمحة من بارقه- تأمل مثلًا قوله: إليك رسول الله دعوة نازح ... خفوق الحشا رهن المدامع هيمان غريب بأقصى الغرب قيد خطوه ... شباب تقضي في مراح وخسران يجد اشتياقًا للعقيق وبأنه ... ويصبو إليه ما استجد الجديدان فهذا يحاكي فيه ابن الخطيب، وليس فيه نفحات صدقه. وله همزية جاري بها: أرج النسيم سرى من الزوراء ... سحرًا فأحيا ميت الأحياء أهدى لنا أرواح نجد عرفه ... فالجو منه معنبر الأرجاء وكان أمر ابن الفارض آنئذ معروفًا، وعندي أن شعر ابن الفارض وسط إلا ما ندر وفيه بعد نظر، ثم ليس فيه من المديح النبوي شيء ومن عجب الأمر أن الجزالة إنما تعطى

стр. 2455

قيادها مع المديح وما بمجراه فتأمل. وقد يجوز أن يكون ابن زمرك نظر إلى ما ثم من همزيات مجرورة الروي قديمة ككلمة حبيب: قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى ومهما يكن من ذلك فإنه ما جاوز نهجًا خطابيًا قليل الرونق، أشبه شيء بمنظومات المناسبات التي لا يكون لها قوة تأثير بعد مناسبتها الأولى. ومطلعها: زار الخيال بأيمن الزوراء ... فجلا سناه غياهب الظلماء وأكثر أبيات القصيدة على غرار هذا المطلع لا تكون أجود منه إن لم تكن دونه. وللسان الدين بن الخطيب شعر نبوي قاله على لسان سلطانه ملك غرناطة الغني بالله من بني الأحمر محمد بن سلطان بن الحجاج ربما ضمنه من خاص شعوره وصدق محبته مع الذي اعتذر به على لسان سيده من التقصير عن قضاء واجب زيارة القبر الشريف بما كان يعدوه من واجب المرابطة وجهاد العدو، وإنما قصد لسان الدين وسلطانه إلى وجه من الاستغاثة بالرسول ﷺ . من ذلك بائيته التي مطلعها: دعاك بأقصى المغربين غريب ... وأنت على بعد المزار قريب والضمير يخاطب به رسول الله ﷺ والمستغيث هو لسان الدين على لسان سلطانه كما تقدم وجلي أيضًا أنه مستغيث بلسان نفسه أيضًا: مدل بأسباب الرجاء وطرفه ... غضيض على حكم الحياء مريب يكلف قرص البدر حمل تحية ... إذا ما هوى والشمس حين تغيب لترجع من تلك المعالم غدوة ... وقد ذاع من رد التحية طيب ويستودع الريح الشمالي شمائلا ... من الحب لم يعلم بهن رقيب لعلها الشمال بفتح الشين وهو أشبه من أن تقع في بيته شبه ضرورة إذ حق الياء هنا ظهور الفتحة عليها. وفي الأبيات التالية لهذا البيت أخطاء نسخ أو طبع يشبن ما لا ريب فيه من روائها واستوائها وصفائها. ومنها: وما هاجني إلا تألق بارق ... يلوح بفود الليل منه مشيب فبت وجفني من لآلي دمعه ... غني وصبري للشجون سليب ومنها

стр. 2456

أيا خاتم الرسل المكين مكانه ... حديث الغريب الدار فيك غريب عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ... عقارب لا يخفى لهن دبيب حراص على إطفاء نور قدحته ... فمستلب من دونه وسليب بنصرك عنك الشغل من غير منة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب أي شهودي لا بد منه لمباشرة الجهاد، فإن غبت للزيارة ناب عني غيري فليس ذلك في القيام بواجب الجهاد كما لو أشهد. ولعل القارئ يفطن إلى جانب البديع في الاستعارة والطباق والتورية- قوله غريب من قولهم حديث غريب أي نادر نفيس من طرق إسناده وقوله مستلب وسليب تضمين من بائية علقمة وإشارة إلى قوله: رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب يريد بالإشارة معنى عذاب الله الذي صبه على ثمود. ولولاك لم يعجم من الروم عودها ... فيعود الصليب الأعجمي صليب وجاهك بعد الله نرجو فإنه ... لحظ مليء بالوفاء رغيب عليك صلاة الله ما طيب الفضا ... عليك مطيل بالثناء مطيب وما أفتر قد للغصون مرنح ... وما أفتر ثغر للبروق شنيب على جزالة ابن الخطيب فيه تصنيع ووشي كثير وله غرام بذكر النسائم والأغصان والغيث، مما هو، على أصالته في العربية، ذو نفحات أندلسية مغربية. ومن بديعه المصنوع في هذه البائية قوله: فقول حبيب إذ يقول تشوقا ... عسى وطن يدنو إلى حبيب يعني حبيب بن أوس في أول البيت. وقوله: ويا قادح الزند الشحاح ترفقا ... عليك فشوقي الخارجي شبيب أي الذي لا أستطيع رده قد شب- ويشير إلى شبيب زعيم الخوارج على زمان الحجاج. ومما قاله على لسان سلطانه الغني بالله: إذا فاتني ظل الحمى ونعيمه ... فحسب فؤادي أن يهب نسيمه وهي أجود وأصفى ديباجة من البائية وأحر أنفاسًا وأخفى صناعة بديع

стр. 2457

ويقنعني أني به متشبه ... فزمزمه دمعي وجسمي حطيمه المطلع مشعر كما ترى بأرب الشاعر، وهو ما تقدم من شوقه إلى الحجاز، وما يعدو دون ذلك من أمر الجهاد. وجعله دمعه زمزمًا لملوحة الدمع وجسمه حطيم بالشوق والحطيم من أسماء البيت الحرام تسمية كل بجزء. ومنها: ولم أر شيئًا كالنسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه نعلل بالتذكار نفسًا مشوقة ... ندير عليها كأسه ونديمه وما شفني بالغور قد مرنح ... ولا شاقني من وحش وجرة ريمه ولا سهرت عيني لبرق ثنية ... من الثغر يبدو وموهنًا فأشيمه تأمل رصانة هذه الأبيات مع عذوبة لفظها. وما خلا ابن الخطيب من نظر إلى قول أبي العلاء: وما شاق قلبي بارق نحو بارق ... ولا هزني شوق لجارة هزان والمعري يشير لخبر الأعشى مع الهزانية وقد جاء به في رسالة الغفران. والذي أخذه ابن الخطيب نهج الصياغة وصدى إيقاعها ومنها: ألا يا رسول الله ناداك ضارع ... على النأي محفوظ الوداد سليمه مشوق إذا ما الليل مد رواقه ... تهم به تحت الظلام همومه إذا ما حديث عنك جاءت به الصبا ... شجاه من الشوق الحثيث قديمه أيجهر بالنجوى وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفى وأنت عليمه وتعوزه السقيا وأنت غياثه ... وتتلفه الشكوى وأنت رحيمه تأمل انسياب هذا الكلام وما فيه من شبه بأنفاس فحول المولدين حبيب والوليد وأبي الطيب. بنورك نور الله قد أشرق الهدى ... فأقماره وضاحة ونجومه لك انهل فضل الله بالأرض ساكبا ... فأنواره ملتفة وغيومه في قوله «فأنواره» معنى الأزهار.

стр. 2458

ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الذي أوطاكها وكليمه هنا إشارة إلى المعراج. لك الخلق الأرضى الذي جل ذكره ... ومجدك في الذكر العظيم عظيمه يجل مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر در القول فيك عديمه ويقول على لسان الغني بالله معتذرًا عن تقصيره عن الديار المقدسة: عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا ... جلالقة الثغر الغريب ورومه تأمل تسميته الأندلس الثغر الغريب، وقد سبقت الإشارة إلى أن ابن زمرك من طريقة لسان الدين أخذ. أجاهد منهم في سبيلك أمةً ... هي البحر يعيى أمرها من يرومه لا يخفى ما ههنا من تنبه إلى أن نصر المسلمين بالأندلس لا يتأتى لمن يريد نصرهم إلا بقوة البحر. وابن الخطيب قوي الإحساس بأن سبيل الأندلس، ما بقي منها، إلى ضياع، وكذلك كان إحساس ابن خلدون. ولمن قبلها أحس أبو مروان بن حيان على حين لم تزل قرطبة وطليطلة وإشبيلية كل أولئك تحت سلطان الإسلام، ولكن الفتنة التي طوحت بالخلافة الأندلسية وما تبعها من تفرقة دامية العراك هو الذي أوقع في نفسه هذا الحدس، وإلى الله تصير الأمور. ويقول في آخرها يخاطب الرسول ﵊: وأنت لنا الغيث الذي نستدره ... وأنت لنا الظل الذي نستديمه ولما نأت داري وأعوز مطمعي ... وأقلقني شوق يشب جحيمه بعثت بها جهد المقل معولا ... على مجدك الأعلى الذي جل خيمه وكلت بها همي وصدق قريحتي ... فساعدني هاء الروي وميمه فهذه طربة حبيبية النشوة. فلا تنسني يا خير من وطيء الثرى ... فمثلك لا ينسى لديه خديمه عليك صلاة الله ما ذر شارق ... وما راق من وجه الصباح نسيمه وهنا ما تقدم ذكره من النفحة الأندلسية- شاهد ذلك أنك تحس نوع أحساس من

стр. 2459

الشاعر بهذا النسيم الذي راق، لا أنه يقصد إلى تكثير عدد الصلاة بذكر النسيم ليس غير. وللسان الدين عدا ما ذكرنا مدائح يعرفها حذاق المنشدين وما زالوا يتغنون بها مع ما يتغنى به الذاكرون منهن على سبيل المثال رائيته التي يذكر فيها زيارته القبر الشريف: الله أكبر حبذا إكباره ... لاح الهدى وبدت لنا أنواره لاحت معالم يثرب وربوعها ... مثوى الرسول وداره وقراره هذا النخيل وطيبة ومحمد ... خير الورى طرأ وهأنا جاره هذا المصلى والبقيع وههنا ... ربع الحبيب وهذه آثاره ومنها: هدي مواضع مهبط الوحي الذي ... تشفي القلوب من الحمى أسراره والروضة الفيحاء هب نسيمها ... وألبان بان ونم منه عراره وتعطرت سلع بساطع طيبها ... لم لا تطيب وحوله مختاره بشراك يا قلبي فقد نلت المنى ... وبلغت ما تهوى وما تختاره ومنها: أيخيب من قصد الكريم وعنده ... حسن الرجاء شعاره ودثاره أيؤم بابك مستقيل عاثر ... فيرد عنك ولا تقال عثاره حاشا جلالك أن يؤمله امرؤ ... فيعود صفرًا خيبت أسفاره رسمت حاشا بالألف بعد الشين في المطبوعة ولا أدري ما وجهه والعرب تقول حاشاك وحاشي لك وفي كتاب الله: ﴿حاش لله ما هذا بشرًا﴾، تعجب فيه معنى الإكبار قال أبو عبيدة: وقلن حاش لله الشين مفتوحة ولا ياء فيه وبعضهم يدخل الياء في آخره كقوله: حاشي أبي ثوبان إن به ... ضنا عن الملحاة والشتم ومعناه معنى التنزيه والاستثناء من الشر. قلت أحسب أن من جاء بالألف بعد الشين في الرسم توهمه من قول أبي عبيدة ولا ياء فيه إذ عني أبو عبيدة ياء اللين التي لرسم الألف اللينة، وذلك أن رسم المصحف العثماني في هذا الحرف بالشين ليس بعدها شيء وكل القراء إلا أبا عمرو يقرأون بشين مفتوحة فهو المشار إليه بقوله بعضهم من كلام أبي عبيدة وذلك أن أبا عمرو إذا وصل مد فتحة الشين فجاء بألفها اللينة وتكتب ألفًا حمراء بعد الشين وأهل الأداء يعلمون ثباتها عند أبي عمرو وصلًا لا وقفًا

стр. 2460

وليس بموضع وقف لكن من اضطر فوقف عنده سكن الشين، فأحسب رسم النبهاني لها «حاشا جلالك» أو رسم النساخ من قبل إن يك هكذا مراعاة لرسم المصاحف. ومن هذه الرائية قوله في أواخرها: فامنن علي وكن شفيعي والتفت ... مستنصرًا بجلالك استنصاره وكأن تأويله والتفت إلى مستنصر ونصب بنزع الخافض وهو «إلى» وعندي أنه قد وقع خطأ من الناسخ ههنا وأن الصواب: فامنن علي وكن شفيعي ولتغث ... مستنصرًا بجلالك استنصاره أي ولتكن مغيثًا لي، وزعم بعضهم أنه لا يجوز مجيء لام الأمر مع المضارع المبدوء بتاء الخطاب بحجة أن فعل الأمر قد أغنى عن ذلك وليس هذا بشيء لقراءة أبي «قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا» وهي عشرية في حرف يعقوب عن رويس ذكره صاحب النشر. صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربا وترنمت أطياره وتأمل نفحة الأندلس في تحية الحيا روض الربي، وترنم الأطيار. كان لسان الدين بن الخطيب ﵀ شاعرًا مفلقًا ولعل النبهاني يشير إليه وإلى ابن نباته المصري وحازم وابن جابر إذ قال في مقدمته أنه يبدأ كل حرف بمديح الأئمة الثلاثة الأبوصيري فالبرعي فالصرصري «إن كان لهم كلام لأنهم أشهر مداحه ﷺ وإن كان قد أتى من أئمة المشارقة والمغاربة من هو مثلهم أو أعلى نظمًا من بعضهم كما سنقف على ذلك من كلامهم إن شاء الله تعالى. أ. هـ». قلت لعل هذا من قول النبهاني ﵀ أن يكون قد احترس به، ومن أجود من بالمجموعة ابن الخطيب وهو على براعته وصفاء ديباجته وما يتأتى له من الجزالة لا يبلغ مبلغ الثلاثة الأئمة في حاق المدح النبوي، إذ على صدقه فيه، لا يخلو من شائبة بعض أنفاس الدنيا خلاف ما عليه نظم الثلاثة، وقال تعالى جل من قال: ﴿نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم﴾.

стр. 2461

الصرصري والبرعي والبوصيري: أحسب أن هذا ترتيبهم إن شبهناهم تشبيهًا لا نريد به حقيقة المماثلة ولكن نريد به نحوًا من التقريب بثلاثة المولدين الكبار، أبي تمام وأبي عبادة وأبي الطيب. أشبههم بأبي تمام الصرصري. وأشبههم بأبي عبادة البرعي، وأشبههم بأبي الطيب البوصيري، وهو المقدم المجمع على تقديمه وتفضيله، والبرعي أشهر من الصرصري والذاكرون بالمديح النبوي أكثر لقصائده إنشادًا. وقد كان الصرصري من رجال السابع الهجري في نصفه الأول قتل ببلدته صرصر سنة سقوط بغداد. قتله التتار شهيدًا ﵀. وكان البوصيري من رجال نفس القرن ولد سنة ٦٠٨ هـ مات في آخره سنة ٦٩٦ هـ. وكان البرعي من رجال الثامن والتاسع كما في البدر الطالع وأشار إليه شارح القاموس في مادة برع ولم يذكر تأريخ مولده أو وفاته وذكر وفاته صاحب البدر الطالع أنها سنة ٨٠٣ هـ وذكرها الزركلي في أعلامه عند عبد الرحيم بن أحمد بن علي البرعي ولكن ذكر أن الذي بأيدي الناس هو ديوانه الصغير وكنت أصبت تأريخ مولده ووفاته من الأستاذ المجمعي المفضال الشيخ محمد علي عقبات. من علماء مدينة صنعاء ثم ند عني موضع القصاصة وذكر الشيخ النبهاني ﵀ أنه من رجالات القرن الخامس ولا أحسبه صحيحًا لوضوح ما في البدر الطالع وقوته. للصرصري مقصورة نظم فيها عقيدته، وهي ما كان قائمًا عليه إجماع أهل السنة وأحسب أن اللقاني في جوهرته المشهورة وغيره من معروفي أصحاب المتون المنظومة في العقائد لم يخلوا من استفادة بها ونظمها أمتن من نظمهم بلا ريب كقوله: ومعجزات الأنبياء كلها ... ثابتة كيد موسى والعصا ثم كرامات الولي ما بها ... ريب ولو قيل على الماء مشى وأفضل العالم ممن آمنوا ... في كل عصر وزمان قد خلا أمتك الزهراء خير أمة ... وخيرها القرن الذي بك اقتدى وخير هذا القرن كل سابق ... وخيرهم أربعة هم الفرا من «كل الصيد في جوف الفرا». وكل من كان ببدر حاضرًا ... لوقعة ففضله لا يرتقي وبيعة الرضوان من يشهدها ... فهو عظيم الفضل محروس الحمى والكف عما كان بينهم به ... أدين لا أقبل من واش وشي وإن أزواجك كلهن في الجنة ... يفضلن على شمس الضحى

стр. 2462

ثم أخذ في نظم ما يدين به من الشرع مما كان عليه أشهر قول أهل السنة. والصوم والصلاة والزكاة والعمرة ... والحج وبيع وشرا والنصب والخمر وكل مسكر ... وكل مزمار وتحريم الزنا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... والعرف وتحريم الربا والسمع والطاعة للأمير في الجور ... وفي العدل وحرب من بغى شرع صحيح ثابت يبقى إلى ... أن ينقض العلم وينقضي المدى فهذه عقيدتي نظمتها ... أجعلها عندك ذخرًا يرتجى يعرضها يوم الخميس ملك ... عليك يا جابر كسر قد هفا في المطبوعة الخميس بالخاء المعجمة وما أرى إلا أنه الحميس بالحاء المهملة وهو يوم القيامة لما فيه من الحر والعرق. فاسأل لي الرحمن أن يميتني ... غير مغير إذا الوقت انقضى فقد مات -إن شاء الله- شهيدًا ﵀. عساه أن يغفر لي خطيئتي ... بفضله ذو الملكوت والغنى حتى تكون لي بهذا شاهدًا ... عند الذي يعلم سري ويرى صلى عليك الله ذو الجلال ما ... هبت مع الأسحار أنفاس الصبا لاحظ الفرق بين طريقة الصرصري في ذكر هبوب الصبا وما مر من ارتياح ونشوة للطبيعة في كلام ابن الخطيب. ألا ترى هنا أن الصرصري أشد اهتمامًا بأن هبوب الصبا في الأسحار وازن بين هذا وبين قول ابن الخطيب مثلًا: عليك صلاة الله ما ذر شارق ... وما راق من وجه الصباح نسيمه وقوله: صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربى وترنمت أطياره وقوله: عليك صلاة الله ما طيب الفضا ... عليك مطيل بالثناء مطيب وما أفتر قد للغصون مرنح ... وما أفتر ثغر للبروق شنيب

стр. 2463

وأول المقصورة استهلال عذب حسن الانسياب وهو قوله: ما بين قرب وبعاد وقلى ... وبين ليت ولعل وعسى ضاع زماني ووهت شبيبتي ... وصوح المخضر منها وذوي واها لأيام شباب ما لها ... من أوبة بعد الشباب ترتجى لكنها تمضي وتبقى حسرة ... تثبت ما بين الضلوع والحشى من لم يكن في غرة الدهر له ... عزم كغرب السيف حين ينتضى فقلما ينجب في آخره ... أين البطيء والمغذ في السري لو قد كان جاء بجواب الشرط (من لم يكن) في عجز البيت لأشبه مذهب ابن دريد في المقصورة، ولكنه بجعله الجواب في بيت تال قد باين ذلك المذهب، وهذا أدل على سماحة طبعه وأنه لم ينصب من نفسه مجاريًا لابن دريد وإن يكن قد أخذ ببحره ورويه. يا ويح عبد ذهبت أوقاته ... مستغرقات في جهالات الهوى يسعى إلى الآثام جذلان وقد ... أحصى عليه الكاتبان ما سعى ثم سلك الصرصري من بعد سبيلا من الوعظ أصاب فيها من النظر إلى ذكر الحساب واليوم الآخر. ونظم معاني القرآن والحديث عسر ومزلة أقدام، وقد تعلم كيف تكلف أبو تمام وقارب شفا الإساءة حيث قال: ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثانيا إذ هما في الغار أصاب الصرصري ﵀ شأوا بعيدًا من الإجادة في بعض ما تناوله في هذا المجال. مثلًا ما جاء من صفته للنبي ﷺ إذ قام بلواء الحمد للشفاعة: ما لي مجير ذلك اليوم سوى ... محمد خير الأنام المجتبى أول من ينشق عنه قبره ... وما عليه من سبيل للبلى يزفه سبعون ألف ملك ... وهو على البراق ساطع السنا وهذه الصورة مأخوذة من قصة الإسراء والمعراج. بيده اللواء تحت ظله ... آدم والأشراف من أهل البهى وهو شفيع الناس يوم العرق الطاغي ... وفيه كل وجه قد عنا جمع هنا بين معاني الحديث والقرآن- قال تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. وضوعفت سبعين ضعفًا شمسه ... حرًا وقدر الميل جرمها دنا واشتد فيه غضب الله على ... من صد بغيًا وتعدى وطغى

стр. 2464

يوم يقول الأنبياء كلهم ... نفسي إلا الهاشمي المرتضى يقول وهو صادق أنا لها ... في موقف فيه الخليل قد خشي خشي بوزن سعى على لغة طيء في باب فرح وسمع الناقص. يجيز من كان مصدقًا به ... على صراط مزلق من اعتدى أعد للعاصين من أمته ... شفاعة تنقذ من حر لظى ومد حوضًا قدر شهر عرضه ... ينقع غلة الصدى عذبًا روى أكوابه من ذهب وفضة ... مثل النجوم عددًا ومجتلى أنقى بياضًا من صريح لبن ... ومن مصفى عسل أحلى جنى يرده الشعث الرؤوس أولا ... ورد عنه كل فاجر غوى فهذا كما ترى نفس حلو الانسياب، سهل الديباجة، جميل طريقة القصص. ومن جياد شعر الصرصري ﵀ رائيته التي جعل أولها تشبيبًا بالكعبة المشرفة، وأعطاها صورة المحبوبة الحسناء التي يوافي طيفها فيهيج دوافع الشوق. وقد أخذ أصل المعنى من قوة علاقة الدار بالمحبوبة في قديمات قصائد العرب، وأخذ معنى خلع صورة الإنسان على الدار من طريقة أبي تمام فمزج جميع ذلك وولد منه ما صار هو إليه من المعاني الحسان، لا أشك أن محيي الدين بن عربي أخذ تغزله بالكعبة من ههنا، لأن شعر الصرصري ﵀ كان ذا سيرورة مشهورًا. وتغزل ابن العربي الذي جاء به في الفتوحات ليس بجيد حقًا، وكان النظم أغلب على طريقته نظمًا قليل الماء: ونعود بعد إلى ذكر رائية الصرصري، قال ﵀ ورضى عنه: حيتك ألسنة الحيا من دار ... وكستك حلتها يد الأزهار هذا المطلع كما ترى طنان رنان، فيه روح من طنانة أبي تمام: الحق أبلج والسيوف عواري وقد سبقت منا الإشارة إلى أن في الصرصري ﵀ أنفاسًا حبيبية. وتعطرت نفحات تربك كلما ... فض النسيم لطيمة الأسحار فهذه الاستعارة حبيبية المعدن. فلأنت معهدي القديم ومألفي ... وبك انقضت محمودة أوطاري لله ما أبقى الأحبة مودعًا ... بثراك للمشتاق من آثار لأصرحن اليوم فيك بلوعة ... كلفت بماء في الطلول ونار ما كنت بدعًا في الصبابة والأسى ... حتى أواري زفرتي وأواري

стр. 2465

ما الحب إلا لوعة تلج الحشا ... أو مدمع جار لفرقة جار ومصونة حوت البهاء ستورها ... سمراء يطرب وصفها سماري تأمل أصناف الجناس التي مرت- ثم تأنيث الكعبة ههنا وجعلها عقيلة مصونة معشوقة: عربية الأنساب قام بحسنها ... عذرى وطاب عليه خلع عذاري جعله الحسن عذرًا فيه كالإشارة إلى قول امرأة العزيز: «فذلكن الذي لمتني فيه» لما قلن لها: «حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم» ثم أخذ بعد في ذكر الطيف: زارت على بعد المسافة بعدما ... هوت النجوم ولات حين مزار يشير هنا إلى قول جرير: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فأرجعي بسلام وأراد جرير أن عليه أن يصلي الفجر ويواصل السير فهذا سبب طرده الخيال، إذ هو طرد للنوم. ويروى أن السيدة سكينة بنت الحسين بن علي ﵃ أجمعين أخذت عليه، وما أحسب أنه غاب عنها مراده، ولكنها لعلها أخذت عليه بعض مذاهبه في المدح والهجاء. أو اخترع الخبر بعض الحذاق. زارت على بعد المسافة بعدما ... هوت النجوم ولات حين مزار إني طوت شقق الفلا وديارها ... بحمى الحجاز وبالعراق دياري أهلًا بطيف زائر أهدى لنا ... ريا ممنعة الحمى معطار دل ببيته هذا أنه لم يطرد الخيال، فجرى قوله «ولات حين مزار» مجرى الدلالة على الوقت. جادت بوصل وانثنت ومحبها ... عاري المعاطف من ملابس عار فهذه قرينة مانعة من أن تكون المتغزل فيها امرأة- على أنه ليس في وصال الطيف من عار. ولا يخفى بعد مكان الجناس. هل وقفة للركب في عرصاتها ... وله جوار في أعز جوار فأقبل الحصباء منها مطفئا ... جمر الغضى مني برمي جمار فهذا يكشف أن المتغزل بها هي الكعبة. فهناك لا حجر ولا عار على ... ذي الحجر في التقبيل للأحجار

стр. 2466

ذو الحجر أي ذو اللب. أم عائد مني بأجدر تربة ... بالقصد في أكناف خير جدار ربع به غرر العلا مبذولة ... للمشتري والأري للمشتار الأري هو العسل ومشتاره جانيه والتربة عنى بها قبره ﷺ . وبه يبين للقلوب حقائق الأسرار ... بدر لم يشن بسرار ومن ههنا أخذ في مدح الرسول ﵊: هو أحمد المختار أحمد مرسل ... قتال كل معاند ختار ندب إذا بث الجياد مغيرة ... علقت بحبل للثبات مغار بيمينه في الحرب حتف الممترى ... وحياتها في السلم للممتار هكذا وعندي أن ههنا خطئًا من الناسخ وأن الصواب: وحيا بها أي وبها حيا أي غيث في زمن السلم لطالب جدواها ممتارًا، لأن الغيث يتبعه الخصب والميرة. غمر الندى جلاء أغمار الورى ... متكفل بهداية الأغمار جعل المهيمن في مسامع خصمه ... وقرًا وزان صحابه بوقار وهو المظل بالغمائم من أذى الـ ... أسفار والمنعوت في الأسفار يعني أسفار أهل الكتاب. وبه تنشر حين سار مهاجراً ... للغار ذكر فاق نشر الغار وانهل إكرامًا له صوب الحيا ... والقطر محتبس عن الأقطار فضل البرية كلها ورسا به ... طود العلا في هاشم ونزار وما أرى إلا أنه عنى بنزار العرب أجمعين. والمدح هنا خالص لا يشوبه تباه بشيء من عرض الدنيا أو التفات إليه، وهذه مزية مداح الرسول ﷺ الذين انصرفوا بفنهم كله إلى مدحه ﵊، لا يشوبونه بغيره، ووازن بين ما ههنا وما مر بك من كلام الزمخشري وابن الخطيب والأبيوردي والفيروزآبادي مثلًا. يا هاديًا شد الإله بدينه ... أزرى وشد على العفاف إزاري يا من به إن عذت من سنة حمى ... أو زار في سنة محا أوزاري يا من حباء يديه محلول الحبى ... لحبا يسار أو لفك إسار لو لم يكن مدحيك من عددي لما ... أضحى شعاري صنعة الأشعار

стр. 2467

وازن بين هذا وبين قول ابن جابر في المقصورة. أنا الفتى لا يطبيني مطمع ... فأبذل الوجه لنيل يرتجى وقوله: لولا اشتياقي لديار كرمت ... لبعدها يرثى لنا من قد رثى ومدح من أرجو بأمداحي له ... إصلاح ما قد عاث مني وعثى لم أجعل الشعر لنفسي خلة ... ولم يجش فكري به ولا غثا يا ضيعة الألباب في دهر غدا ... فيه فتيت المسك يعلوه الخثى فإن ههنا خشونة مع جانب تعزز شخصي ذاتي، وازن بين هذا وبين شعور النشوة والفرح النفسي بما حباه الله هذه الهبة حتى جعلها لنفسه صنعة وشعارًا إذ مدح النبي ﷺ من عدده للدنيا والآخرة. لو لم يكن مدحيك من عددي لما ... أضحى شعاري صنعة الأشعار نشر الثناء عليك أطيب نفحة ... من مسك دارين تفوح بداري أرى أن الثناء فاعل لنشر وهو فعل وأطيب مفعول به وأصله صفة لمحذوف ونفحة تمييز أي نشر ثنائي عليك نفحة طيبة أطيب من مسك دارين، فهي بداري فائحة. ومن جعل «نشر» مصدرًا والثناء مضاف إليه وأطيب خبر المبتدأ جاز ذلك وأحوج إلى تأويل النشر بمؤنث وليس في جودة ما ذكرنا، ورنة ما ذكرنا أجود إن شاء الله. ملأ المهيمن مذ قصدتك مادحًا ... بيساره يمناي ثم يساري تأمل هذا الشكر والحديث بنعمة المولى وصدقه وأريحيته. ونفى بجاهك يا أعز وسائلي ... قتر الهوى عني مع الإقتار فتخذت سنتك المنيرة حجة ... ومحجة تهدي لخير منار وغدوت محروس الحمى من ضيقة الإعسار ... عند تواتر الأسعار كأنما أطل على هذا البيت ظل من أبي تمام وذلك قوله: وتباشروا كتباشر الحرمين في ... قحم السنين بأرخص الأسعار وكأن الصرصري يتعمد نوعًا من الإلماع بالإشارة إلى هذا البيت، لأن هؤلاء تباشروا بالخليفة وابنه الواثق والصرصري بشراه وتباشره بهذا الشعار النبوي الذي نفعه وحماه وتتبع قتر ذنبه فمحاه. حسبي رجاء أنني من أمة ... بك أصبحت موضوعة الآصار أنت الزعيم لها وأنت سفيرها ... إن أقبلت من أطول الأسفار

стр. 2468

وذلك ما بين المحشر والممات. ويزيد فيك رجاء قلبي قوةً ... أن صار بي نسب إلي الأنصار هذا المعنى حاوله من بعد لسان الدين بن الخطيب على لسان سلطانه ولم يجيء به سهلًا جيدًا كما ههنا. قوم حللت بدارهم فتدرعوا ... ببدارهم لرضاك ثوب فخار فاسأل إلهك لي بعشر محرم ... جبرًا لقلب واجف الأعشار وشهادتي حق قبيل شهادة ... فيها الوفاق لأهلك الأطهار إذ قد استشهد منهم من قد استشهد في أول الإسلام ومن بعد، كسيدنا حمزة وعبيدة وجعفر وزيد بن حارثة وعلي والحسين وزيد ويحيى ﵃ أجمعين. وقد أجيبت دعوته. وحسن أولئك رفيقا. جئنا بهذه القصيدة كاملة لم نحذف منها شيئًا ليرى القارئ الكريم كيف أنفاس هذا النمط الروحي الخالص. وقد كان في الصرصري وصاحبيه طول نفس، وقديمًا قال أبو الطيب في ممدوحه الذي هو على مجده من سائر أفراد الملوك: وقد وجدت مجال القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل وقد سبقهم من صناعة أبي تمام والبحتري ما مهد لطول النفس عندهم، وكان أبو الطيب أميل إلى الإيجاز وبذلك تبريزه. وقد سبقهم أكثر من هذين أسلوب تطويل ابن الرومي الذي كان يتأتى إليه بتشقيق المعاني وتفريعها. غير أنه كان يهمل جانب تجويد اللفظ والإيقاع كما قدمنا. وفي مادة السيرة النبوية من خبر الجهاد والصبر أيام قبل الهجرة وبعدها والمعراج وما كان فيه من الأسرار والتجلي وكشف الحجب مجال خصب للقصص وإطالة النفس من غير ما حاجة إلى التشقيق المعنوي والاحتيال إلى تفريعه. فأتاحت طبيعة هذه الخصوبة في مادة السيرة إمكان الجمع بين متانة الأسر وجزالة اللفظ مع انسياب السرد ولا يخلو صدر القصيدة مع ما جبلت عليه بنيتها من إيثار الإيجاز من اتساع لطول النفس متى تهيأت أسبابه ومن أجل ذلك طالت المعلقات وبعض قصائد الأوائل كجرير والفرزدق. إلا أن الإيجاز كما تقدم هو القاعدة الأولى في بيان الشعر وبلاغته. وأحسب أنه من أجل هذا قال صاحب العمدة في باب اللفظ والمعنى: «والفلسفة وجر الأخبار باب آخر غير الشعر، فإن وقع فيه شيء منهما فبقدر، ولا يجب أن يجعلا

стр. 2469

نصب العين فيكون متكئًا واستراحة، وإنما الشعر ما أطرب وهز النفوس، وحرك الطباع فهذا هو باب الشعر الذي وضع له وبنى عليه لا ما سواه» أ. هـ والعجب لابن رشيق مع هذا كاد يميل إلى تقديم ابن الرومي على أبي تمام في باب الغوص على المعاني. هذا، ولمادح الرسول ﷺ عذر واسع إذ السيرة كلها لذي الإيمان مطربة، وليس شأن المديح فيها كشأن المديح لمن يكون من ملوك هذه الدنيا الفانية «متاع قليل ولهم عذاب أليم». من جياد الصرصري ذوات الطول رائيته ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صب عن الأحباب شط مزاره وأول القصيدة تغزل بالديار الحجازية كنى به عن البيت الحرام والقبر الشريف والحج والزيارة ومشاهد الحرمين ثم خلص إلى ذكر رسول الله ﷺ فوصف خلقه وخلقه ومولده وما صاحبه من الإرهاصات ووصف تقواه وسكينته ونبونه وشريعته وما خصه الله به من التشريف والمعجزة وما جاء في الكتب من قبل من التبشير بمقدمه ثم ختم بما كنى عنه في البداية فصرح به في النهاية من نية قلبه أن تجوز به ناقة كوماء إلى حيث الرباع المقدسة ذات الهدى والسناء، ويبدو أن نظم هذه الرائية قد كان قبل نظمه التي قبلها إذ يذكر في تلك يسارًا ويذكر في هذه عسرة يرجو أن يمن الله عليه بعدها بميسرة. أما النسيب فقوله: ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صب عن الأحباب شط مزاره وهفت إلى سلع نوازع قلبه ... فتضرمت بين الجوانح ناره هذه الديار بناحية المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. كلف برامة ما تألق بارق ... من نحوها إلا بدا إضماره يشتاق واديها ولولا حبها ... لم يصبه واد زهت أزهاره شغفًا بمن سلك الفؤاد بأسره ... وبوده أن لا يفك إساره لولا هواه لما ثنى أعطافه ... بأن الحجاز ورنده وعراره والضمير هنا للنبي ﷺ والذات المحمدية. يا من ثوى بين الجوانح والحشا ... مني وإن بعدت على دياره عطفًا على قلب بحبك هائم ... إن لم تصله تصدعت أعشاره وارحم كئيبًا فيك يقضى نحبه ... أسفًا عليك وما انقضت أوطاره

стр. 2470

لا يستفيق من الغرام وكلما ... حجبوك عنه تهتكت أستاره ما اعتاض عن سمر الحمى ظلًا ولا ... طابت بغير حديثكم أسماره والسمر بفتح السين وضم الميم من شجر الحجاز وبنواحي مكة وكانت بيعة الرضوان تحت سمرة. هل عائد زمن تضوع نشره ... أرجا ورقت بالرضا أسحاره هذا البيت يدل على أنه حج من قبل ويريد العودة. وذكر الأسحار كما مر بالقارئ الكريم من قبل مما يتكرر عند الصرصري، وإنما خص الأسحار لمكان صلاة الفجر ولمجافاة أهل الصلاح خاصة للنوم في ساعات السحر المباركة. قال تعالى: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾. وللأسحار في الحرمين بركة وأسرار. في مربع بقباب سلع مونق ... بالأنس تهتف بالمنى أطياره فاق البسيطة عزة ومهابة ... فسما وعز من البرية جاره ومن هنا تخلص إلى المديح النبوي في يسر حسن التدفق والانسياب: يحمي النزيل وكيف لا يحمي وقد ... حفت بجاه المصطفى أقطاره أضحى ثرى عرصاته مذ حلها ... يشفي من الداء العضال غباره سبحان من جمع المحاسن كلها ... فيه فتم بهاؤه وفخاره محاسن المنظر ومحاسن المخبر. جبلت على التشريف طينته فما ... نشأت على غير العلى أطواره وصفت خلائقه وطهر صدره ... فزكا وطاب أديمه ونجاره فذكر هنا كرم العنصر وشرف النسب ثم أخذ في قصة المولد وفي صفة الرسول ﷺ فاستقام له ذلك على ما بدأ به من حسن تخير اللفظ وسلامة رنين الإيقاع: حملته آمنة الحصان فلم تجد ... ثقلًا إلى أن حان منه بداره ورأت قصور الشام حين تشعشعت ... أنواره وتباشرت حضاره وضعته مختونا وأهوى ساجدًا ... وكساه حسنًا باهرًا مختاره لا بالطويل ولا القصير وإن مشى ... بين الطوال علتهم أنواره هذا البيت جيد، وذلك أنه كان ﷺ مربوعًا، فكان يطول الطوال ببهاء الشخصية وقوة حضورها وبهجة نورها.

стр. 2471

وإذا تكلل كالجمان جبينه ... عرقًا لأمر عظمت أسراره فأريجه أذكى وأطيب مخبرا ... من ريح مسك فضه عطاره وإذا بدا في حلة يمينة ... قد زان دائر طوقها إزراره فالشمس بعد الصحو مشرقة السنا ... والبدر في فلك الكمال مداره ثم انتقل إلى صفة خلقه السني ﵊: متقلدًا بالسيف ليس مباليًا ... بمن التقى عزت به أنصاره حلل السكينة والثبات لباسه ... والبر والإخلاص فيه شعاره وذلك أن الشعار هو ما يباشر الجسد من الثياب، وهذا من شريف المعاني أن يكون الثبات والسكينة هو الحلة الظاهرة والإخلاص والبر هو الكساء الباطن. وضميره التقوى وأوتي حكمة ... فازداد منها عقله ووقاره والصدق منه والوفاء طبيعة ... والعفو والصفح الجميل دثاره والعدل سيرته وحق شرعه ... وسبيله نهج الهدى ومناره وشريعة الإسلام ملته وبالـ ... حق المبين إلى الورى إظهاره ومن هنا أخذ في مدح الإسلام وقصة أول ظهوره على الشرك وما كان بجزيرة العرب من أديان. ختم النبوة فهو درة تاجها ... وطراز حلتها الثمين عياره أبقى لسنته طريقًا واضحًا ... رحبًا سواء ليله ونهاره أعلم أصلحك الله أن سواء تفيد التسوية فإذا جاءت بعدها الهمزة كانت المعادلة بأم وإن لم تجيء الهمزة جيء بالعطف بالواو. ولا تصلح أو ههنا لأنها للتخيير لا للمعادلة ولا للجمع. قال تعالى: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا﴾. وقال تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾. وقال تعالى: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾. ومن الأخطاء الشائعة الآن جعل أو في مثل هذا الموضع. يمحو سنا الشمس الكسوف وينقص الـ ... قمر المحاق ويعتريه سراره وشموس شرعة دينه محروسة ... من حادث يمحو الضياء غباره نهج الصواب بجده وبجده ... بعد الدثور تجددت آثاره تكرار الدال والجيم هنا فيه نظر إلى طريقة القدماء كذي الرمة وزهير كما فيه نظر إلى طريقة أبي تمام.

стр. 2472

واستعلن الحق المبين بنوره ... بجبال فاران وقر قراره جبال فاران هي جبال مكة بدليل أن أسفار التوراة تزعم أن إسماعيل ترك هو وأمه هاجر يجولان في صحراء فاران (انظر سفر التكوين ٢١/ ٢١ - وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر). والذي عندنا أن الماء الذي أصابته هاجر بجناح الملك هو ماء زمزم فتكون فاران هي أرض مكة وتزوج إسماعيل من جرهم ولا يستبعد أن تكون جرهم قد كانت مثل قريش تتاجر إلى مصر والشام والحبشة. وعند أهل الكتاب أن فاران بناحية سيناء، ولو كانت بناحية سيناء لم يكن أمر إسماعيل ليكون على بعد من سارة وابنها، وقد أرادت سارة إبراهيم على أن يبعد إسماعيل حتى لا يشارك ابنها في الميراث. وجلا ظلام الحرتين ضياؤه ... وبه سما نور وأشرق غاره عنى بالحرتين المدينة. فخرت به خير القبائل هاشم ... وحوى به المجد الأثيل نزاره قد يدخل في معني نزار العرب كلهم ولا يبعد أنه نظر هنا إلى قول ابن الرومي: كم من أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما على برسول الله عدنان واجعل بيت ابن الرومي هذا من ضمن ما مهد لمجيء القصيدة النبوية لتخلف قصيدة المدح وما إليها. ثم أخذ الصرصري في ذكر الجهاد وما تبعه من ظهور شمس الدين على الدين كله ولو كره المشركون: زهرت نجوم السعد في بدر به ... وتبلجت يوم الرضى أقماره وشموسه في فتح مكة أشرقت ... فانجاب عن وجه العلاء قتاره القتار بفتح القاف عنى بها القتر بالتحريك أي الغبار وظاهر كلام الأخفش في القوافي يفيد أن ذلك مما كانت تفعله العرب وعند سيبويه أن الإشباع في الضم والكسر وقال الآخر: خذا بطن هرشى أو كلاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق

стр. 2473

ثم انتشى الأمام الصرصري إلى مدح سيد ولد آدم ﷺ فقال: سعدت به أولاده ونساؤه ... وصحابه وزكت به أصهاره وسمت به غلمانه وإماؤه ... وجواده وبعيره وحماره ولعل مكان الحمار أن ينكره السمع، على أن السياق مستقيم به، ولعله مما يسوغها ما يلابسها من روح السذاجة وقصد الاستيعاب. ويعتذر للصرصري بأنه مع الإطالة قد يقع في القصيدة أن يختل موضع البيت والأبيات ولا يقدح ذلك في جودة القصيدة كلها. وقد أخذوا على المتنبي قوله: إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها ولم يمنع ذلك من استجادة هذه التائية وعدها أبو منصور من إحسانه وجاء بقوله: ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها فقال إن هذا هو البديع الفرد من أبيات القصيدة. وحوى الفخار سريره وفراشه ... وخيامه وقبابه وجداره وتضوعت أردان بردته به ... طيبًا وطاب رداؤه وإزاره شهد الكتاب الموسوي بفضله ... وتحققت وتيقنت أحباره وقد كان احتدام الحروب الصليبية مما شحذ أذهان المسلمين إلى النظر في مقالات أهل الكتاب ونقد ما ذهب إليه ذاهبوهم من باطل التأويل وبيان مكان البشارة فيما جاء من مقالات أنبياء بني إسرائيل وكتبهم. من ذلك بشارة موسى ﵇ به، وحملها أهل الكتاب على أن المبشر به هو عيسى ﵇، وذلك صنعوه بتأويل بعيد. وقد تناول هذا البحث جماعة من المحققين. هو شاهد متوكل ومبشر ... هو منذر متيقن إنذاره أضحى للأميين حرزًا مانعًا ... وضعت به عن وقته آصاره عن وقته أي عن أمته إذ هي التي آمنت به حين جاء وقت رسالته.

стр. 2474

بالشام دولته ومكة ربة الـ ... حرمات مولده وطيبة داره علم اليهود الحق ثمت أنكروا ... حسدًا فأفسد علمهم إنكاره هذا البيت جيد بالغ، إذ أن العلم إنما يصح ببيان الحقائق، فمتى كتمت أو غيرت وجد الهوى السبيل إلى الرأي وهو آفته. تبًا لمن علم اليقين وصده ... لما استبان له الصواب نفاره نفاره أي نفوره. وكذاك في إنجيل عيسى وصفه ... في كل عصر تجتلى أخباره عجبًا لذي لب رآه وكيف لا ... ينبت عنه لوقته زناره كان النصارى يشدون الزنار وهو سير يجعلونه حزامًا يشدون به أوساطهم أي عجبًا لهم لماذا يستمرون على كفرهم ولا يطرحون هذا الزي إلى زي المسلمين. والبعير وشده إلى البيت الحرام من شعار المسلمين- قال أبو الطيب يذكر الروم وجهاد صاحبه سيف الدولة: فكلما حلمت عذراء عندهم ... فإنما حلمت بالسبي والجمل وترك الصرصري حث النصارى على ترك دينهم وعجبه من ذلك وأقبل على ما يرجوه لنفسه من سبيل النجاة: وعذافر حرف أمون ترتمي ... مرحًا كهيق هاجه ذعاره قد يبدو أول الأمر هذا الانتقال بعيدًا مفاجئًا. ولكن متأمله يجد عند التأمل ما يجمعه بما تقدمه من قوة الصلة من طريق تداعي المعاني على حسب الوجه الذي قدمنا ذكره. ثم لعل القارئ الكريم يرى كما نرى أنه حين جعل هذا المادح البارع مقدمة قصيده نسيبًا وشوقًا إلى الذات الشريفة، ثم أناله الله كريم الوصال حينها حاز شهود كمال الذات المحمدية أخذ في المديح الصرف حتى خلص إلى ذكر أهل الكتاب وعنادهم، ثم بعد ذلك سلك سبيل الشعراء إذ يتبعون معاني النسيب الارتحال إما إلى المحبوب وإما عنه، وهنا الرحلة إلى ديار المحبوب كما لا يخفى، إلى البيت الحرام وإلى حرم المدينة الشريف. وعذافر حرف أمون ترتمي ... مرحًا كھيق هاجه ذعاره (١) كوماء يرفعها السراب كأنها ... فلك على بحر طمي تياره

стр. 2475

يطوي بها شعب الفلاة مشمر ... كالسيف للغمرات سن غراره شهم إذا رام الخطير من العلا ... لم يثنه عما يروم خطاره هذا الفخر في هذا الموضع حسن، لأنه هنا لا يطلب شيئًا من معالي الدنيا وإنما يريد العلا عند الله بأداء الفريضة ثم الزيارة، وقد كان الحج محفوفًا بالمشقة والمخاوف. وكان الصرصري ﵀ من أولى الضرر فوازن بين قوله هذا وقول أبي العلاء: قالوا كبرت ولم تقصد تهامة في ... مشاة وفد ولا ركاب أجمال فقلت إني ضرير والذين لهم ... رأي رأوا غير فرض حج أمثالي شتان ما بين اليزيدين: يتجشم الوعر المخوف ليأمن الـ ... خوف الذي بالمرء يلحق عاره وهو خوف النار وعذاب الله . يسرى مع الوفد الكرام ليشهد الـ ... جمع الذي شرفت به أقطاره في موقف جم المواهب زاهر ... وضعت عن الجاني به أوزاره هذا يوم عرفة وموقفه ولذلك ذكر بعده المأزمين والمشعر الحرام. والمأزمين ومشعرا ذا حرمة ... ومحصبًا بمنى تعد جماره والمأزم المضيق قال صاحب القاموس المأزم (بكسر الزاي (١)» ويقال المأزمان مضيق بين جمع وعرفة وآخر بين مكة ومنى. ويطوف مضطبعًا طواف قدومه ... سبعًا ببيت عظمت أستاره الاضطباع هيئة جد من لبس الرداء في الحج وذلك يمكن الحاج من الرمل في الأشواط الثلاثة. أبهى من الديباج رونق حجره ... وعلى اللآلي فضلت أحجاره ويسير بعد قضاء مفترضاته ... ليزور ربعًا كرمت زواره ربعًا به نور النبي محمد ... متلألئ نضرت به نظاره وقد أنبأنا في آخر القصيدة أنه لم يحج ذلك العام ولم يزر وإنما تذكر تلك الرباع المطهرة وحن إليها وها هو هذا يهدي إليها المدحة والسلام: ناديته بالله يا من أسفرت ... عن بشر وجه نجاحه أسفاره وإسفار وجه النجاح عن البشر والبشري مذهب في الاستعارة حبيبي وهو هنا

стр. 2476

يخاطب الحاج. بلغ هديت إذا وصلت سلام من ... قامت بشيب عذاره أعذاره فلم ير الضرر عذرًا كما ترى ولكن الكبرة والضعف. وقل السلام عليك من متعرض ... لعظيم فضلك رثة أطماره يا من جلا قتر الضلال ومن إذا ... ما أمه العافي انجلى إقتاره يا من تساوى في المكارم والندى ... كلتا يديه يمينه ويساره أخذه من قول الآخر: كلتا يديه غياث عم نفعهما ... تستوكفان وما يعروهما عدم وهذا البيت يذكر في قصيدة للفرزدق يمدح زين العابدين ﵁، وفي قصيدة للحزين الكناني يمدح بعض بني أمية ويجوز أن أصله للحزين فأخذه الفرزدق. أنت المليء بكشف ضر مخلف ... ذي عسرة بندى يديك يساره وبين اليسار هنا وفي البيت المتقدم مجانسة تامة. وهذا عذر آخر جاء به مع الكبر والضعف. وتأمل حذق الصناعة وخفاء البديع وجودته في قوله «بكشف ضر مخلف ذي عسرة». فهو من أولى الضرر. وقد تخلف بعذر صحيح. ثم هنا إشارة على الذين خلفوا عام غزوة جيش العسرة وهم الذين ذكروا في قوله تعالي: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾. [آية براءة]. جعل الثناء على علاك شعاره ... فحلت به وتعطرت أشعاره يرجو النجاة بفضل جاهك في غد ... في موقف يخشى التوى أبراره أشار هنا إلى حديث الشفاعة، حين يقول كل الأنبياء نفسي نفسي وما منهم إلا يذكر ذنبًا أو يعتذر حتى نوح وإبراهيم وموسى وحتى عيسى إذ اعتذر ولم يذكر ذنبًا ﵈ أجمعين ثم يصار إلى سيدنا محمد ﷺ فيقوم بالشفاعة ويسجد لربه ويفتح الله عليه من محامده ومن حسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبله ويقول له الله «ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب» - هذه القطعة من لفظ الحديث كما رواه البخاري في الصحيح في التفسير في تفسير سورة بني إسرائيل. وفي الحديث الصحيح «فذلك يوم يعطيه الله المقام المحمود» وفي الصحيح: «من قال حين يسمع النداء «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة».

стр. 2477

اللهم اجعلنا بشفاعته ﷺ من الناجين. وقد أوردنا هذه القصيدة كاملة بأرب التنبيه إلى صحة ما نزعمه من استواء ديباجة هذا المديح وقوة أسره وتمام معانيه وما فيه من روحانية الصدق ونوره. وللصرصري كلمة رائية طويلة من مجزوء الرجز ذات طرب وإيقاع جوريت من بعده على سبيل الاستحسان والتبرك أولها: جرت نسيم السحر ... على متون الغدر فجعدتها وانثنت ... أعطاف بسط الزهر وقد ترى ذكر السحر هنا. وفي الأبيات أنفاس ربيعية سرعان ما صرفها إلى الحجاز وبأنه وشيحه وعرعره. وضمخت ملابس الروض ... بنشر عطر كأنما فضت به ... ختام مسك أذفر أظنها مرت على ... سمار ذات السحر وذات السحر كناية عن ربوع الحجاز فهذا سبب طيبها لا أنها مرت على الغدران والأزهار. فطارحتهم وأتت ... من نحوهم بخبر تسنده عن أرج الشـ ... يح وريا العرعر أملت على بان النقا ... ما عندها من أثر فرنحته طربًا ... برمزها المعبر فصرح ههنا بذكر الرمز وأنه إنما يريد الكعبة والزيارة والذات المحمدية الباهرة. أذعت يا ريح الصبا ... سر هوى مستتر فرددي ما شئت من ... حديثهم وكرري فذكر سكان الحمى ... تعلة المستهتر آه لعيش مر لي ... بين اللوى والأجفر وزمن كان بنعـ ... ـمان ربيع العمر ثم أخذ في الحنين إلى ليالي الحج- وموقف عرفة ومبيت مزدلفة وتلك الساعات القدسية من زاد العمر.

стр. 2478

يا ليت شعري هل تعو ... د ليلتي بالمشعر وهل تزول حسرة الـ ... فؤاد في محسر بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين مشددة وبطن محسر قرب مزدلفة يسرع فيه الحاج عندما يجاوز موقف عرفة في سبيله إلى مزدلفة. وهل لأيام منى ... من بائع فأشترى ولو بأيام الحيا ... ة لمحةً بالبصر فما على من سامها ... بروحه من غرر وهل إلى ذات الستو ... ر أوبة في عمري فأجتلى نور الرضا ... في روض حجر نضر وأجتنى جنى العلى ... بلثم ذاك الحجر يا لك من ليلات قر ... ب طال فيها سمري ولعلها «طاب فيها سمري» فمثل هذا قد يقع فيه التحريف. لو سمح الدهر بها ... قضيت فيها وطري جاد شعاب الأبطح الـ ... مكي صوب المطر وبارك الرحمن في ... صباح ليل مقمر فقد جد في السفر بعد النفر ليصل إلى المدينة في ليال مقمرات يطيب بهن السري: يسفر عن وادي العقيق لقرين السفر ووادي العقيق بالمدينة. مبشرًا بطالع السـ ... ـعد بخير البشر بالعربي الهاشمي ... ذي الجبين الأزهر فقوله العربي هنا هو الذي يرجح عندنا أنه عنى بنزار في الرائيتين كل العرب وذلك أن بني إسماعيل كلهم راجعون مع نسب أبيهم إلى نسب أمهم أيضًا وهي من جرهم من العرب الأولى.

стр. 2479

ثم اندفعت القصيدة من بعد في مدح محض لا ريب كان كأصلح ما يكون مثله للتغني العذب الصدوح الخفيف النغم، ذكر فيه خلق النبي ﷺ وصفة خلقه ومحاسنها ومقامه السامي يوم الحشر فمن أمثلة ذلك: محمد بن هاشم بن غالب بن مضر السيد المفضل المعزر الموقر الطاهر المنصور والمؤيد المظفر أجود بالمعروف من منبجس مثعنجر منتخب من معشر أكرم بهم من معشر وهم لعمري سادة الناس بكل الأعصر ولا سعت أقدامهم إلا لكسب مفخر طلق المحيا نوره يكسف ضوء القمر صورته الجميلة الأوصاف أبهى الصور ليس بفظ عابس جاف ولا منتهر ميسر مؤلف وليس بالمنفر سهل القياد قابل ... عذر الفتى المعتذر أرسله الله العظيم ... بالهدى والنذر وخصه مشرفًا ... بمحكمات السور ولم يزل مجاهدًا ... كل غوى ممترى حتى أنجلى بنوره ... عنا حجاب القتر وقهرت أمته ... أهلا الفلا والأبحر ليس له في أول الخلق ولا في الأخر مناظر أنى وقد ... فضله بالنظر الأخر بضم الهمزة والخاء مفتوحة مشددة جمع آخر أي ليس له في الأولين ولا في الآخرين مناظر إذ فضله الله بالمعراج والنظر إلى وجهه الكريم.

стр. 2480

وبالوسيلة التي ... لغيره لم تخطر وبالشفاعة التي ... خص بها والكوثر وباللواء في المعاد والمقام الأكبر حتى إذا حان قيام كل ميت مقبر فإنه أول من ... يخرج عند المنشر بضم الميم أو فتحها فالضم من أنشر قال تعالى: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾. والفتح من الثلاثي، قال الأعشى: «يا عجبًا للميت الناشر». وليس تفتح الجنان قبله للبشر عليه أزكى صلوات البارئ المصور ثم ذكر الصحابة الكرام ﵃. ثم على صاحبه ... المبجل المصدر صديقه الأتقى أبي بكر وزين المحضر لعلمة بتأريخ العرب وأخبار قريش وأنسابها مع ما خصه الله به من الإيمان والتصديق والسبق المبين. ثم على المحدث المفهم المبصر ذي النظر الثاقب والقلب الصدوق عمر ثم على البر الشهيد الثابت المصطبر عثمان ذي النورين من جهز جيش العسر ثم على ابن عمه البحر الخضم حيدر دلت على تفضيله الراية يوم خيبر ثم على من كان طوع أمره المبتدر من آله وصحبه الغر الكرام الصبر وتابعيهم بالهدى من آثر ومؤثر

стр. 2481

ثم صار إلى حنين نفسه إلى الحج والزيارة والاستغفار ورجاء الشفاعة لتكون كلمته خالصة في التقوى والعبادة وحب النبي ﷺ وآله وصحبه: يا مزجي الخوص النواجي في الشسوع المقفر إن جزت عن وادي العقيق نحو سلع فانظر تلك القباب البيض إن عاينتها فكبر وقف تجاه الحجرة العلياء خير الحجر وحي من خيم في ذاك الجناب الأطهر تحية طيبة ... عن العبيد الأصغر يحيى بن يوسف بن يحيى المذنب المقصر وقل عبيد بركم ... ثاو بأرض صرصر فقد نسب نفسه كما ترى وهو مذهب للمداح قديم- وقد يعلم القارئ الكريم قول عمير بن شييم القطامي: من مبلغ زفر القيسى مدحته ... عن القطامي قولًا غير إفناد وقال عمران بن حطان في كلمته النونية «من بعد ما قيل عمران بن حطان» - وقد سن مداح الرسول ﷺ الأولون ذكر أسمائهم وأنسابهم، فعل ذلك حسان في كلمته التي قال فيها: إن جدي خطيب جابية الجو ... لأن عند النعمان حين يقوم وأبي في سميحة القائل الفا ... صل حين التقت عليه الخصوم وفعل ذلك كعب حيث قال: تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول فبذلك اقتدى مداح الرسول ﷺ فيما بعد. يا صاحب الجاه المديد الشامل المنتشر نحن وإن كنا ذو جرم عظيم خطر من زمرة منسوبة إليك دون الزمر

стр. 2482

فغر عليها واحمها وإن جنت فاستغفر وإن وهت فقوها أو قهرت فانتصر وكأنما نظر بهذا ببصيرة كاشفة إلى ما اقترب من خطر هولاكو، ثم ما من الله به من بعد من هداية أمم التتار والمغل ومن جاورهم جميعًا إلى الإسلام فانتشر في آفاق الأرض كما لم ينتشر من قبل، والله غالب على أمره وهو على كل شيء قدير. قال البرعي ﵁: ضربوا الخيام على الكثيب الأخضر ... ما بين روضة حاجر ومحجر وتفيئوا في الأثل ظلًا وارتووا ... من مائه المتسجم المتفجر وأخضر فردوس الخمائل إذ غدا ... وسرى عليه حيا العريض الممطر فكأن لؤلؤ طله رأد الضحى ... درر متى تسر النسائم تنثر (١) هذا من قول أبي الطيب «دنانيرًا تفر من البنان». ولع البشام بنفحة نجدية ... تغشى الرياض بعنبر ومعنبر تأمل هذه الديباحة البحترية. إن النفوس على اختلاف طباعها ... طمعت من الدنيا بما لم تظفر وعلى الكريم دلالة عذرية ... بصرت به فأرته ما لم ينظر أي للحب العذري طريق إلى قلب الكريم يعرفه ويراه فيرى به الكريم ما لم تنظر إليه عينه ولكن يراه قلبه. يا نازلًا بربا الأراك عداك ما ... ما حملت من ولهي وطول تذكري سل جيرة الجرعا غداة غدت بهم ... بزل الركائب في الفريق المصحر لا تزال كلمة الفريق مستعملة في اللغة الدارجة بمعنى يقارب معنى الخليط والأصل كما ترى واحد إذ هو ممن يخالطون في المرعي ثم يفارقون. وللبرعي ﵀ إحساس دقيق بالطبيعة. وكما الطبيعة التي نحس نفحاتها من ابن الخطيب أندلسية مغربية فيها نعومة ربيع إقليم البحر المتوسط فالطبيعة التي عند البرعي يمنية عربية، أثلها الأخضر

стр. 2483

وبشامها من أودية اليمن وأخياف جبالها وشعابها، وفيها من أسر شدتها ما ليس عند ابن الخطيب. ثم مع إحساس البرعي ﵀ بجمال الطبيعة قد أذابها كل الذوبان في نسيب المديح النبوي. سل جيرة الجرعا غداة غدت بهم ... نزل الركائب في الفريق المصحر هل جددوا عهدًا بمعهد رامة ... أم طنبوا بالشعب شعب العرعر لله در العيس وهي رواسم ... بمروح ومصبح ومهجر يخرقن من حجب السراب سرادقًا ... ما بين طيبة والمقام الأكبر هنا هذا النمط بحتري وبحتريته آخذة من مذهب ذي الرمة بنصيب. ويلجن في لجج الظلام ضوامرًا ... شوقًا إلى المزمل المدثر ﷺ . الأبطحي المنتقى من غالب ... والطاهر الطهر البشير المنذر الصادق الهادي الأمين المجتبى ... والسابق المتقدم المتأخر متقدم لما سبق من ذكره أنه أول من ينشق عنه قبره ومتأخر لمقام الشفاعة للمذنبين من أمته ﵊. وابن العواتك من سليم إنه ... ذو الفخر إجماعًا وإن لم يفخر ملأت محاسنه الزمان وأشرقت ... بوجوده الأكوان فاسمع وانظر وتتابعت نعم به وتطاولت ... رتب تناهت في عراض المشتري على بحترية البرعي في الديباحة تجده كثير النظر إلى معاني أبي الطيب كما ههنا:

стр. 2484

منازل صعدت والفكر يتبعها ... فجاز وهو على آثارها الشهبا ومن بعد يأخذ البرعي في بعض الإلماع إلى أخبار السيرة النبوية الشريفة. وللمنشدين كلف بالبرعي، ولولا اشتهار البردة والهمزية حتى ليس كمثل شهرتهما بين العوام والخواص شيء من المديح لكان البرعي أشهر المداح قاطبة وأسيرهم كلمات، لكثرة ما ينشد المنشدون من ديوانه وهو الذي زعم صاحب التاج أنه ديوانه الصغير. والبرعي مجهول تمامًا عند من يرون أنهم من الخاصة من المشتغلين بالآداب وتعليمها في المدارس في عصرنا هذا. وابن الفارض وحده هو المعروف عند هؤلاء بفضل. شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم والكلمة اللامية: ما بين بأن المنحنى وظلاله ... ضل المتيم واهتدى بضلاله والفائية: قلبي يحدثني بأنك متلفي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرف وفيها البيت: وعلمت أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي وهو ما يجرى كبعض مجرى الحكمة. على أن هذه القصائد ليست معروفة حقًا عند المنشدين إلا أبيات الخمرية وأعرف منها الرائية القصيرة. زدني بفرط الحب فيك تحيرًا ... وارحم حشا بلظى هواك تسعرًا وإذا سألتك أن أراك حقيقةً ... فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى يا قلب أنت وعدتني في حبهم ... صبرًا فحاذر أن تضيق وتضجرا إن الغرام هو الحياة فمت به ... صبًا فحقك أن تموت وتعذرا قل للذين تقدموا قبلي ومن ... بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى عني خذوا وبي اقتدوا ولى اسمعوا ... وتحدثوا بصبابتي بين الورى

стр. 2485

وفي هذه الأبيات كما ترى صناعة وتفكير. وكأن في قوله «يا قلب أنت وعدتني» ما يناقض ما زعمه بعد في قوله «قل للذين تقدموا». ومثل هذا قد أخذوه على كثير في قوله: «أريد لأنسى ذكرها» فقالوا وما له يريد أن ينسى حبها. وقوله «فاسمح ولا تجعل جوابي» هو الذي حبب الناس في هذه الكلمة لما تضمنه من معنى الإشارة إلى القرآن وتجلى الحق سبحانه وتعالي للجبل فجعله دكًا وخر موسى صعقًا. وإن يكن موسى ﵇ قد قيل له: ﴿لن تراني ولكن .. ﴾ فالشيخ أولى أن يقال ذلك له إلا على تأويل الرؤية بعد الفوز في الدار الآخرة على حسب اعتقادنا: ومنه أن ينظر بالأبصار ... لكن بلا كيف ولا انحصار هذا في اليوم الآخر. وقوله «ومن أضحى لأشجاني يرى» ليس بخال من قلق وتتمة الأبيات إذ قد استطردنا بذكرها: ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ... سر أرق من النسيم إذا سرى وهذا بيت القصيدة. وأباح طرفي نظرةً أملتها ... فغدوت معروفًا وكنت منكرًا رجع إلى الصناعة والاستعانة بباد هواك. فدهشت بين جماله وجلاله ... وغدا لسان الحال عنه مخبرًا هذا ضعيف لما في قوله غدا لسان الحال من صناعة وعمل. فأدر لحاظك في محاسن وجهه ... تلقى جميع الحسن فيه مصورا أصل هذا قول أبي نواس: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ونبه إليه شراح أبي الطيب ونقاده أنه أخذه منه في قوله: نسقوا لنا نسق الحساب مقدمًا ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا

стр. 2486

وآخر رائية ابن الفارض. لو أن كل الحسن يكمل صورة ... ورآه كان مهللًا ومكبرا قال الشارح: «هذه القصيدة مع شهرتها بين المنشدين في غاية المتانة وفي نهاية البلاغة وقد نظم كثير منهم على موازنتها، قال الشيخ شرف الدين بن عنين الدمشقي رحمه الله تعالى: ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى وقال الأديب الوزير أبو بكر بن عمار رحمه الله تعالى: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السري وقال الشيخ برهان الدين القيراطي رحمه الله تعالى: لم ينقلوا عني الغرام مزورًا ... ما كان حبكم حديثًا يفترى وقلت مطلع قصيدة في دمشق حرسها الله من الآفات: خذ قصة الأشواق يا حادي السري ... إن كنت من أهل الغرام مخبرا وأقرأ صحيفة وجنتي مصفرة ... تدري الحديث فمن قرأ خبري درى وأما قصيدة الشيخ رضه فإنها غاية لا تدرك وطريقة لا تسلك وعقيلة لا تملك». أ. هـ. كلام الشيخ حسن البوريني الشارح (ص ٢٥٧ طبعة مرسلية ١٨٥٣ م) - قلت إن يكن أراد ابن عمار الأندلسي قتيل المعتمد بن عباد فإن زمانه كان في القرن الخامس الهجري قبل معركة الزلاقة وزمان ابن الفارض القرن السابع الهجري لوفاته ٦٣٢ هـ وإنما جاري ابن عمار أبا الطيب وهو الأصل وإنما أوردنا كلام ابن الفارض للتنبيه على ما منى لذكره من اشتهار بين معاصرينا لا لشيء إلا أن المستشرقين كتبوا عنه وما كتب المستشرقون من كتب منهم عنه -وأحسب من أولئك نيكلسون المستشرق الإنجليزي- إلا التماسًا لبعض معاني الحب التصوفي شريطة خلوه من ذكر المصطفى ﵊ لنفور القلوب الصليبية من ذلك، ولله در ابن الخطيب إذ يقول: ولولاك لم يعجم من الروم عودها ... فعود الصليب الأعجمي صليب

стр. 2487

وقد كنت أعجب لم لا يذكر معاصرونا البرعي عبد الرحيم وهو أرق رقة من ابن الفارض وأطبع ملكة وأسلم متنًا وأجمل ديباجة. والسبب أن أكثر ترتيب مواضيع مناهج تأريخ الأدب عندنا منحو فيه نحو ما وضعه المستشرقون، وهؤلاء ربما اعترفوا بفضل شاعر كالمعري أو فيلسوف كابن سينا من أبناء الإسلام وببعض المتصوفة ممن عسى أن يجدوا عنده أنفاس حلول وما أشبه من مذهب وحدة الوجود، أما ما كان إسلاميًا حقًا فهم منه شديدو النفور. لذلك نفر من نفر منهم عن أبي الطيب. وكان هؤلاء عن أمثال البرعي من مداح الرسول ﷺ أشد نفورًا. وصدق الله العظيم. قال تعالى جل من قائل: ﴿يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [براءة]. رجع الحديث إلى رائية البرعي. هذا منارك يا محمد قد سما ... طلعت طلائعه بنور النير كم نازعتك الفخر سادة مكة ... حسدًا وهل صدف يقاس بجوهر وفضلتهم بغبار نعلك إنما ... ينمي بطيب العرق طيب العنصر هذا جيد بالغ، لوضوح المعنى، وتخير اللفظ وقوة رنين الإيقاع وجزالة السبك. ما نازعتك يد لنيل فضيلة ... إلا وقال لها علا يدك اقصري أو وازنتك أكابر العرب انثنت ... مرجوحة بقلام ظفر الخنصر هذان البيتان تكرار لما قبلها. على سلامتهما هما دون ما تقدمهما. وأحسب أن البرعي ﵀ أتي من جهة قصده إلى الاستيعاب والشمول، إذ قد ذكر سادة مكة فبدا له، والله أعلم، أن المعنى يتم بذكر أكابر العرب، وهذا ما عليه ظاهر القياس، ولكن المعنى قد تم فلا يحتاج إلى مزيد وإن كان في قوله «ما نازعتك يد» بعض التوكيد. وقوله بغبار نعلك أقوى من قلام ظفر الخنصر، أم ليس قلام الخنصر فسيطًا كغيره والفسيط قلامة الظفر أم هو شر مكانًا من قلام غيره؟ - وأقصى ما يؤخذ على الشاعر هنا التطويل لا الضعف إن أخذ ذلك. ولأنت سر المرسلين وخير من ... وطئ الثرى من منجد ومغور ضربت رواق العز دونك هيبة ... قصمت عرى المتكبر المتجبر أحسبه يشير هنا إلى خبر الإراشي وأبي جهل، وقد جاء البوصيري بالخبر أتم في الهمزية حيث قال:

стр. 2488

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحل إليه كأنه العنقاء واقتضاه النبي دين الإراشي وقد ساء بيعه والشراء والبوصيري أمد باعا وأقدر على النظم وجر الأخبار لا من البرعي وسائر المداح النبويين وحدهم ولكن من كثير من كبار من تقدموا من الشعراء. والذي جاء به البرعي هنا أشبه بطريقته في الترنم. وكلما أمكنه الترنم مع النظم جاء به سلسًا سائغًا. ومتى اضطر إلى تكلفه مسه به ضعف. ومثل ذلك تحسه أحيانًا عند الصرصري. وقل من كبار شعراء المولدين من لا يقع له ذلك وقد تتبع النقاد مواطن الضعف عند أبي الطيب وأبي عبادة وأبي تمام جميعًا كما تعلم. وسمت نجومك بالسعود وأشرقت ... شمس الوجود لحظك المتوفر لحظك المتوفر تتمة لما بدأ به من ذكر النجوم والسعود. ومن أخذ عليه ﵀ ذكر نجوم السعود والحظ المتوفر مع سيرة من أكذب قول أصحاب النجوم، وهوت على السرقة لمولده الرجوم، فقد يجد معتذر له مخرجًا بقول حسان ﵁: يا بكر آمنة المبارك بكرهًا ... ولدته محصنة بسعد الأسعد وإنما هي طريقة كلام حسن ألفتها فصاحة منطق العرب. وأرتك أنوار النبوة ما انطوى ... في الكون من مكنون سر مضمر ووقتك من لفح السموم غمائم ... مبسوطة من فوق بدر مزهر هذا المعنى بديع، إذ لما جعل الغمام ظلًا، التمس جعل من تحت ظل الغمام نورًا، فهو وجه الذي ظلله الغام ﵊. وعليك سلمت الغزالة مذ رأت ... بك من بديع الحسن أكمل منظر وذلك أن الغزالة من رموز الحسن: وأوابد الوحش الكوانس في الفلا ... نادتك باسم معرف لم ينكر فقد انتقل هنا ما ترى من السيرة المكية وأخبارها إلى ذكر النبوة والمعجزات. وببطن كفك سبحت صم الحصى ... وكذاك حن الجذع يوم المنبر وبنت عليك العنكبوت بنسجها ... في الغار توهم أن منهجه برى في قوله «أن منهجه برى» بعض التعب والصناعة والمعنى أن العنكبوت بنسجها قد

стр. 2489

أوقعت في وهم قفاة الأثر أن المنهج المدخل إلى الغار بريء من أثر الناس. وأخذ الصدر من قول الفرزدق في هجاء جرير: ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل أي أنت وشعرك كنسج العنكبوت وقد تعلم قول الله في ذلك ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ أو إن بيتك لبيت عنكبوت فالذي ضرب عليك ليس ذا عماد وطنب. وقد أحسن البرعي إذ غير أول ألفاظ البيت فجعل مكان «ضربت عليك» قوله «وبنت عليك» إذ البناء سقف، فأفاد بهذا ما صنعته العنكبوت عند فم الغار ونقل نسج الفرزدق العنكبوتي من هجائه إلى معنى لا ريب فيه من المدح. وغدت مغيرة لإثرك في الثرى ... ورق الحمام فعاد غير مؤثر ضبطها الطابع بشدة الثاء مع كسر وما أرى إلا أن الثاء مفتوحة مشددة أي عاد الثرى غير ذي أثر باد عليه. وجعلت شق البدر معجزة لمن ... في الحي من بدو رأوه وحضر ولمدحك الوحي المنزل فصلت ... آياته بفضائل لم تحصر كقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾، وقوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته﴾. ومكارم قد عمت الدنيا ندى ... وهدى وأخرى أخرت للمحشر وهي: ﴿مقامًا محمودًا﴾ الذي وعده الله تعالى. حزت الجلالة والمهابة والعلا ... وشفاعة العقبى وحوض الكوثر يا بهجة الدنيا وعصمة أهلها ... من كل خطب عابس متنكر كن من أذى الدارين نصري واحمني ... ولنيل ما أرجوه موسم متجري واجعل مديحي فيك حبل تواصل ... بيني وبينك يا رفيع المفخر فهذا توسل أخذ به في سبيل الختام. قل أنت يا عبد الرحيم وكل من ... واليته في ذمة لم تخفر ولمن يليني صحبةً ورحامةً ... بالخير يا خير الخلائق بشر وادرأ بصولك في نحور حواسدي ... أبدًا وقم بي حيث كنت وشمر

стр. 2490

ومما يدني مدح البرعي من القلوب حرارة توسله بالنبي ﵌، واستغاثته به واستنصاره على أعدائه. وعليك صلى الله يا علم الهدى ... ما لاح مبتسم الصباح المسفر الصرصري يستبشر بالأسحار ونسيمها إذ كان ﵀ أعمى يشم اقتراب الوقت. والبرعي منفتح البصيرة والبصر على جمال طبيعة الكون حوله، فهذا الصباح يميط له عن وجهها الحجب. وعلى قرابتك الكرام وسادة الـ ... إسلام صحب الخير للمتخير ﷺ . والبرعي ﵀ كثير الجياد الحلوات السائرات بين المنشدين إلى اليوم، بين من لا يزالون تهش أسماعهم وتطرب قلوبهم لأنغام المديح النبوي على نهجه القديم الأصيل. ومما يحبب البرعي قرب مأتاه من عقائد العامة ووضوح معانيه مع جهارة رناته. وسنورد له كلمات ربما استوفينا بعضها بتمامه كهذه التي تقدمت وربما اخترنا من بعضها- قال ﵀: بانت عن العدوة القصوى بواديها ... واستنشقت ريح نجد في بواديها والبرعي من حسناته أن ليس يفرط في تعاطي البديع وله ولع بالجناس التام. أحيانًا وربما اتفق ذلك له في أول بيت من القصيدة كما ههنا وكما في نونيته: سمعت سويجع الأثلات غنى ... على مطلولة العذبات غنا أي غناء وغنى الأولى فعل ماض. بزل دعاها الصبا النجدي فانطلقت ... والشوق في البيد هاديها وحاديها حنت وأنت لمغنى طيبة طربًا ... كأن في طيبة صوتًا يناديها الحنين والنسيب والشوق هنا للزيارة الشريفة صريح به القول لا كناية فيه. وعللتها غوادي الشام حاملة ... ماء معينًا يروي غل صاديها ولم تزل لغبار الأرض خائضة ... نحو الرياض التي نور الهدى فيها
следующие страницы →