← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وآخر رائية ابن الفارض. لو أن كل الحسن يكمل صورة ... ورآه كان مهللًا ومكبرا قال الشارح: «هذه القصيدة مع شهرتها بين المنشدين في غاية المتانة وفي نهاية البلاغة وقد نظم كثير منهم على موازنتها، قال الشيخ شرف الدين بن عنين الدمشقي رحمه الله تعالى: ماذا على طيف الأحبة لو سرى ... وعليهم لو سامحوني بالكرى وقال الأديب الوزير أبو بكر بن عمار رحمه الله تعالى: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السري وقال الشيخ برهان الدين القيراطي رحمه الله تعالى: لم ينقلوا عني الغرام مزورًا ... ما كان حبكم حديثًا يفترى وقلت مطلع قصيدة في دمشق حرسها الله من الآفات: خذ قصة الأشواق يا حادي السري ... إن كنت من أهل الغرام مخبرا وأقرأ صحيفة وجنتي مصفرة ... تدري الحديث فمن قرأ خبري درى وأما قصيدة الشيخ رضه فإنها غاية لا تدرك وطريقة لا تسلك وعقيلة لا تملك». أ. هـ. كلام الشيخ حسن البوريني الشارح (ص ٢٥٧ طبعة مرسلية ١٨٥٣ م) - قلت إن يكن أراد ابن عمار الأندلسي قتيل المعتمد بن عباد فإن زمانه كان في القرن الخامس الهجري قبل معركة الزلاقة وزمان ابن الفارض القرن السابع الهجري لوفاته ٦٣٢ هـ وإنما جاري ابن عمار أبا الطيب وهو الأصل وإنما أوردنا كلام ابن الفارض للتنبيه على ما منى لذكره من اشتهار بين معاصرينا لا لشيء إلا أن المستشرقين كتبوا عنه وما كتب المستشرقون من كتب منهم عنه -وأحسب من أولئك نيكلسون المستشرق الإنجليزي- إلا التماسًا لبعض معاني الحب التصوفي شريطة خلوه من ذكر المصطفى ﵊ لنفور القلوب الصليبية من ذلك، ولله در ابن الخطيب إذ يقول: ولولاك لم يعجم من الروم عودها ... فعود الصليب الأعجمي صليب

стр. 2487

وقد كنت أعجب لم لا يذكر معاصرونا البرعي عبد الرحيم وهو أرق رقة من ابن الفارض وأطبع ملكة وأسلم متنًا وأجمل ديباجة. والسبب أن أكثر ترتيب مواضيع مناهج تأريخ الأدب عندنا منحو فيه نحو ما وضعه المستشرقون، وهؤلاء ربما اعترفوا بفضل شاعر كالمعري أو فيلسوف كابن سينا من أبناء الإسلام وببعض المتصوفة ممن عسى أن يجدوا عنده أنفاس حلول وما أشبه من مذهب وحدة الوجود، أما ما كان إسلاميًا حقًا فهم منه شديدو النفور. لذلك نفر من نفر منهم عن أبي الطيب. وكان هؤلاء عن أمثال البرعي من مداح الرسول ﷺ أشد نفورًا. وصدق الله العظيم. قال تعالى جل من قائل: ﴿يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [براءة]. رجع الحديث إلى رائية البرعي. هذا منارك يا محمد قد سما ... طلعت طلائعه بنور النير كم نازعتك الفخر سادة مكة ... حسدًا وهل صدف يقاس بجوهر وفضلتهم بغبار نعلك إنما ... ينمي بطيب العرق طيب العنصر هذا جيد بالغ، لوضوح المعنى، وتخير اللفظ وقوة رنين الإيقاع وجزالة السبك. ما نازعتك يد لنيل فضيلة ... إلا وقال لها علا يدك اقصري أو وازنتك أكابر العرب انثنت ... مرجوحة بقلام ظفر الخنصر هذان البيتان تكرار لما قبلها. على سلامتهما هما دون ما تقدمهما. وأحسب أن البرعي ﵀ أتي من جهة قصده إلى الاستيعاب والشمول، إذ قد ذكر سادة مكة فبدا له، والله أعلم، أن المعنى يتم بذكر أكابر العرب، وهذا ما عليه ظاهر القياس، ولكن المعنى قد تم فلا يحتاج إلى مزيد وإن كان في قوله «ما نازعتك يد» بعض التوكيد. وقوله بغبار نعلك أقوى من قلام ظفر الخنصر، أم ليس قلام الخنصر فسيطًا كغيره والفسيط قلامة الظفر أم هو شر مكانًا من قلام غيره؟ - وأقصى ما يؤخذ على الشاعر هنا التطويل لا الضعف إن أخذ ذلك. ولأنت سر المرسلين وخير من ... وطئ الثرى من منجد ومغور ضربت رواق العز دونك هيبة ... قصمت عرى المتكبر المتجبر أحسبه يشير هنا إلى خبر الإراشي وأبي جهل، وقد جاء البوصيري بالخبر أتم في الهمزية حيث قال:

стр. 2488

وأبو جهل إذ رأى عنق الفحل إليه كأنه العنقاء واقتضاه النبي دين الإراشي وقد ساء بيعه والشراء والبوصيري أمد باعا وأقدر على النظم وجر الأخبار لا من البرعي وسائر المداح النبويين وحدهم ولكن من كثير من كبار من تقدموا من الشعراء. والذي جاء به البرعي هنا أشبه بطريقته في الترنم. وكلما أمكنه الترنم مع النظم جاء به سلسًا سائغًا. ومتى اضطر إلى تكلفه مسه به ضعف. ومثل ذلك تحسه أحيانًا عند الصرصري. وقل من كبار شعراء المولدين من لا يقع له ذلك وقد تتبع النقاد مواطن الضعف عند أبي الطيب وأبي عبادة وأبي تمام جميعًا كما تعلم. وسمت نجومك بالسعود وأشرقت ... شمس الوجود لحظك المتوفر لحظك المتوفر تتمة لما بدأ به من ذكر النجوم والسعود. ومن أخذ عليه ﵀ ذكر نجوم السعود والحظ المتوفر مع سيرة من أكذب قول أصحاب النجوم، وهوت على السرقة لمولده الرجوم، فقد يجد معتذر له مخرجًا بقول حسان ﵁: يا بكر آمنة المبارك بكرهًا ... ولدته محصنة بسعد الأسعد وإنما هي طريقة كلام حسن ألفتها فصاحة منطق العرب. وأرتك أنوار النبوة ما انطوى ... في الكون من مكنون سر مضمر ووقتك من لفح السموم غمائم ... مبسوطة من فوق بدر مزهر هذا المعنى بديع، إذ لما جعل الغمام ظلًا، التمس جعل من تحت ظل الغمام نورًا، فهو وجه الذي ظلله الغام ﵊. وعليك سلمت الغزالة مذ رأت ... بك من بديع الحسن أكمل منظر وذلك أن الغزالة من رموز الحسن: وأوابد الوحش الكوانس في الفلا ... نادتك باسم معرف لم ينكر فقد انتقل هنا ما ترى من السيرة المكية وأخبارها إلى ذكر النبوة والمعجزات. وببطن كفك سبحت صم الحصى ... وكذاك حن الجذع يوم المنبر وبنت عليك العنكبوت بنسجها ... في الغار توهم أن منهجه برى في قوله «أن منهجه برى» بعض التعب والصناعة والمعنى أن العنكبوت بنسجها قد

стр. 2489

أوقعت في وهم قفاة الأثر أن المنهج المدخل إلى الغار بريء من أثر الناس. وأخذ الصدر من قول الفرزدق في هجاء جرير: ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل أي أنت وشعرك كنسج العنكبوت وقد تعلم قول الله في ذلك ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ أو إن بيتك لبيت عنكبوت فالذي ضرب عليك ليس ذا عماد وطنب. وقد أحسن البرعي إذ غير أول ألفاظ البيت فجعل مكان «ضربت عليك» قوله «وبنت عليك» إذ البناء سقف، فأفاد بهذا ما صنعته العنكبوت عند فم الغار ونقل نسج الفرزدق العنكبوتي من هجائه إلى معنى لا ريب فيه من المدح. وغدت مغيرة لإثرك في الثرى ... ورق الحمام فعاد غير مؤثر ضبطها الطابع بشدة الثاء مع كسر وما أرى إلا أن الثاء مفتوحة مشددة أي عاد الثرى غير ذي أثر باد عليه. وجعلت شق البدر معجزة لمن ... في الحي من بدو رأوه وحضر ولمدحك الوحي المنزل فصلت ... آياته بفضائل لم تحصر كقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾، وقوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته﴾. ومكارم قد عمت الدنيا ندى ... وهدى وأخرى أخرت للمحشر وهي: ﴿مقامًا محمودًا﴾ الذي وعده الله تعالى. حزت الجلالة والمهابة والعلا ... وشفاعة العقبى وحوض الكوثر يا بهجة الدنيا وعصمة أهلها ... من كل خطب عابس متنكر كن من أذى الدارين نصري واحمني ... ولنيل ما أرجوه موسم متجري واجعل مديحي فيك حبل تواصل ... بيني وبينك يا رفيع المفخر فهذا توسل أخذ به في سبيل الختام. قل أنت يا عبد الرحيم وكل من ... واليته في ذمة لم تخفر ولمن يليني صحبةً ورحامةً ... بالخير يا خير الخلائق بشر وادرأ بصولك في نحور حواسدي ... أبدًا وقم بي حيث كنت وشمر

стр. 2490

ومما يدني مدح البرعي من القلوب حرارة توسله بالنبي ﵌، واستغاثته به واستنصاره على أعدائه. وعليك صلى الله يا علم الهدى ... ما لاح مبتسم الصباح المسفر الصرصري يستبشر بالأسحار ونسيمها إذ كان ﵀ أعمى يشم اقتراب الوقت. والبرعي منفتح البصيرة والبصر على جمال طبيعة الكون حوله، فهذا الصباح يميط له عن وجهها الحجب. وعلى قرابتك الكرام وسادة الـ ... إسلام صحب الخير للمتخير ﷺ . والبرعي ﵀ كثير الجياد الحلوات السائرات بين المنشدين إلى اليوم، بين من لا يزالون تهش أسماعهم وتطرب قلوبهم لأنغام المديح النبوي على نهجه القديم الأصيل. ومما يحبب البرعي قرب مأتاه من عقائد العامة ووضوح معانيه مع جهارة رناته. وسنورد له كلمات ربما استوفينا بعضها بتمامه كهذه التي تقدمت وربما اخترنا من بعضها- قال ﵀: بانت عن العدوة القصوى بواديها ... واستنشقت ريح نجد في بواديها والبرعي من حسناته أن ليس يفرط في تعاطي البديع وله ولع بالجناس التام. أحيانًا وربما اتفق ذلك له في أول بيت من القصيدة كما ههنا وكما في نونيته: سمعت سويجع الأثلات غنى ... على مطلولة العذبات غنا أي غناء وغنى الأولى فعل ماض. بزل دعاها الصبا النجدي فانطلقت ... والشوق في البيد هاديها وحاديها حنت وأنت لمغنى طيبة طربًا ... كأن في طيبة صوتًا يناديها الحنين والنسيب والشوق هنا للزيارة الشريفة صريح به القول لا كناية فيه. وعللتها غوادي الشام حاملة ... ماء معينًا يروي غل صاديها ولم تزل لغبار الأرض خائضة ... نحو الرياض التي نور الهدى فيها

стр. 2491

تأمل حسن هذا البيت: محمد سيد السادات من مضر ... خير البرية قاصيها ودانيها بدر سرى فوق أطباق السماء له ... قد دان من رتب العلياء ساميها والرسل تشهد بالفضل العظيم له ... دنيا وآخرة والله هاديها نال الذي لم ينله قبله أحد ... في ليلة طاب مسراها لساريها وهي ليلة المعراج والإسراء. أمسى يخفف من أوزار أمته ... ثقلًا ويشفع إكرامًا لعاصيها بانت عن المسجد الأقصى ركائبه ... تسري إلى العرش لا فخرًا ولا تيها والنور يقدمه من كل ناحية ... والحجب ترفع عن أنوار باريها هل بلغت توهمات المتصوفة مبلغًا أعظم من هذا؟ وأصول هذا في القرآن والحديث كما يعلم القارئ -أصلحه الله وإيانا- فلماذا يتعب بعض الباحثين ويجهدون ليبرهنوا أن للتصوف أصولًا استعارها المسلمون من الهند ومن النصارى ولم يعرفوه إلا منهم. نعم لم ينحرف عن وجه الصواب إلا بما استعار من مذاهب غير الإسلام. أما أصول روحانيته الحقة فمن ههنا. ليس فيها من أخذ عن أهل الملل. وما يغمر هذه الأبيات من نور روحاني شعشعاني لا يحتاج إلى دليل. لما رأى الآية الكبرى وأدرك من ... أسرار حكمته أسرار خافيها بانت حظائر قدس الله مشرقة ... بنوره إذ تمنته يدانيها ههنا صدى من مطلع القصيدة. والحجب والعرش والكرسي ما افتخرت ... إلا بأحمد خير الخلق راقيها الضمير في راقيها يعود على الحجب والعرش والكرسي وأجود عندي أن تجعل راقيها حالًا، أخفيت الفتحة فيه كإخفاء الضم والكسر للثقل على ياء المنقوص وهو مذهب للعرب ولك أن تجعل (راقيها) صفة متبعة بعد (خير الخلق) وعلى الوجه الذي قدمناه يكون المراد أنها افتخرت به إذ هو يرقاها وعلى الوجه الثاني بعد أن رقاها فصار أنه رقاها نعتًا له ﵊. ذاك الذي لو أعار المزن راحته ... ما كف واكف غاديها وساريها يشير إلى خبر استسقاء الأمة به ﵊.

стр. 2492

ولو مشى في بلاد غير مخصبة ... لجادها المزن وأخضرت نواحيها ولو أشار إلى النار التي سعرت ... أضحى سلامًا وبردًا حر حاميها كم مزقت حسراتي من مواهبه ... يد وكم من ملمات كفانيها يا صفوة الله يا أعلى الورى شرفًا ... يا خاتم الرسل يا مولي مواليها أي يا سيد سادات الناس والضمير في مواليها يعود إلى الناس على معنى الجمع المؤنث أي أنت السيد حقًا لا هؤلاء الذين يقال لهم إنهم سادتها ومواليها. يا منتقى مضر الحمراء يا يدها الـ ... ـعلياء يا نورها يا رشد غاويها يا صاحب النصر يا مردى القنا قصدًا ... يا ضيغم الحرب يا مروي مواضيها وللبرعي نشوة عند ذكر الجهاد وربما نظر إلى طريقة أبي الطيب في نعت القتال، وذلك من إحسانه الذي نبه عليه ابن الأثير. يا فاضح القطر والبحر المحيط يدًا ... يا من جنى نعمًا حلو مجانيها أو حلوًا مجانيها. إليك حبرت من نيابتي برع ... مدائحًا فيك زانتها قوافيها عرائس كرياض المسك رائقة ... زهر محاسنها غر لئاليها ما أنشدت يا رسول الله في ملأ ... إلا وسر قلوب الناس راويها والغناء هنا عذب جهير مشرق: ولا تجلت معانيها لذي أدب ... إلا وحاز نصيبًا من معانيها فصل بمرحمة عبد الرحيم ومن ... يليه أهلًا وأرحامًا يعانيها وتستوقف قولته «يعانيها». وهي بلا ريب جيدة حيث وضعها، لأن بر أولي الأرحام ربما اتفقت فيه المشقة. قال تعالى جل من قائل: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ فهذا مما يقوي ما ذهب إليه إن شاء الله. والطف بنفس تريد الفضل منك ودم ... من صولة المكر والمكروه تحميها عاشت بفضلك في أمن وفي دعة ... وأنت من محن الدارين كافيها صلى عليك إلهي كل آونة ... يا سيدي ما تلا الآيات تاليها وعم صحبك يا بن الطيبين ومن ... والاك مستقبل الدنيا وما فيها

стр. 2493

بكسر باء مستقبل أي والاك مستقبلًا هذه الدنيا بما فيها، لا يبالي إذ والاك ما يلقاه من خطوبها ولا معنى لفتح الباء وهو الذي في الطبع. وجاد أرضًا حوتك الغيث ما سجعت ... ورق الحمام وغنت في نواحيها وكما يرجع ابن الخطيب إلى طبيعة الأندلس يرجع البرعي إلى طبيعة اليمن، وله ولع بذكر الحمائم كقوله. سجعت بأيمن ذي الأراك حمائمه ... وهمت على عذب الغوير غمائمه وكقوله: فيا حمامات وادي البان شجوك في ... ظل الأراك شجاني يا حمامات وكقوله: سمعت سويجع الأثلات غنى ... على مطلولة العذبات غنا وكقوله: ومن لي بأن أروي من الشعب شربة ... وانظر تلك الأرض وهي مطير وأسمع في ظل البشام عشية ... بكاء حمامات لهن هدير وللبرعي ولع بالبشام والأثل. وهذه الراء من مدحة له منسابة تدفق الوزن والروي، مفعمة بصبابة المحبة الروحية، جيدة المدح، متينة الأسلوب- كقوله: ومدح رسول الله فآل سعادتي ... أفوز به يوم السماء تمور نبي تقي أريحي مهذب ... بشير لكل العالمين نذير إذا ذكر ارتاحت قلوب لذكره ... وطابت نفوس وانشرحن صدور وكيف يسامي خير من وطيء الثرى ... وفي كل باع عن علاه قصور وكل شريف عنده متواضع ... وكل عظيم القريتين حقير وقال في ذكر معجزاته ﷺ : لئن كان في يمناه سبحت الحصى ... فقد فاض ماء للجيوش نمير وخاطبه جذع وضب وظبية ... وعضو خفي سمه وبعير ودر له الثدي الأجد كرامة ... كما انشق بدر في السماء منير ومثل حنين الجذع سجدة سرحة ... وأنس غزال البر وهو نفور وباض حمام الأيك في إثره كما ... بنت عنكبوت حين كان يسير أي حين كان يسير إلى المدينة مهاجرًا. وأعلم أن أهل العصر قلوبهم منكرة وهم مستكبرون. وليست معجزة من المعجزات بعسير أمرها على من له الخلق والأمر. وإذ الرسالة من عنده فدعمها بالمعجزة مما يناسبها. وقد يخيل إلى قوم أن أمر الرسالة

стр. 2494

المحمدية يكون أوقع في الأنفس حين تجرد من المعجزات. وأوشك الدكتور محمد حسين هيكل أن ينحو منحى من هذا الباب في كتابه الحسن «حياة محمد» - على أن العنوان هكذا، «حياة محمد»، لا يخلو من جفوة، كأنما كتبه إفرنجي غير مسلم والذين يرغبون أن يباهوا بمحمد نبينًا ﷺ من غير إيمان بنبوته وبمعجزاته منافقون يستعاذ بالله من شرهم. والمسلمون حقًا في كل بلاد الله يهشون لسماع القرآن ويخشعون لذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وسيرة النبي ﷺ ومعجزاته للقلوب شفاء وقد خلص ذكرها من المديح الفصيح إلى المديح بالدارجة الذي قد ظل دهرًا طويلًا مما تطرب له أبناء الأمة الإسلامية وبناتها في المشرق والمغرب. من ذلك مثلًا قول الحاج الماحي بلساننا الدارج: القصير اب د م يا محمد قال له في سم يا محمد الصلاة وسلام لي محمدًا وخاتم الكرام سيدي أحمدا ثم أخذ البرعي بعد ذكر المعجزات في ذكر الجهاد: وأن الغمام الهاطلات تظله ... بروح نسيم إن ألم هجير ويوم حنين إذ رمى القوم بالحصى ... فولوا وهم عمى العيون وعور وجند في بدر ملائكة السما ... فجبريل فيهم قائد وأمير ومن قومه في البئر سبعون سيدًا ... قتيلًا ومثل الهالكين أسير ومن عزمه تخريب خيبر مثلها ... قريظة قرض والنضير نظير مكان الجناس هنا أوضح في النطق اليمني إذ الضاد مقاربة للظاء. والحق أن أكثر نطق الضاد عندنا الآن بعيد عن الأداء الصحيح الجيد، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن القوافي في أوائل هذا الكتاب في جزئه الأول. ولا يخلو هذا البيت من لطائف بديعية على اقتصاد البرعي في البديع فلا يسرف في زخرفة بل نفس الجزالة المطبوعة أحب إليه، وهذا ما زعمنا أن ديباجته بحترية الرنة والصفاء. على أن مكان البحتري في دقة الصناعة كما قد قدمنا. قوله قرض، يشير به إلى ما وقع بها من هلاك وانقراض. وقوله نظير يشير إلى ما وقع بالنضير من نظرة حتى إذ جاء زمان أمير المؤمنين عمر ﵁ أجلوا عن جزيرة العرب. وفي ذكر القرض والنظير ملاحة تعبير لما

стр. 2495

في ذلك من الإيهام بالقروض والنظرة إلى ميسرة. ومن أعجب أبيات هذه الرائية إلى كاتب هذه الأسطر ما في مقدمتها من صدق الصبابة والحب الروحي الخالص: فؤادي بربع الظاعنين أسير ... يقيم على آثارهم وأسير في المجموعة ويسير وليس بصواب والذي في الديوان هو الصواب. أي فؤادي عند ربع الأحباء الذين ظعنوا، هو الواقف الجازع، المقيم ثم يبكي ويشجى وأنا أتقلب في البلاد. ودمعي غزير السكب في عرصاتهم ... فكيف أكف الدمع وهو غزير وإن تباريحي بهم وصبابتي ... لهن رواح في الحشا وبكور أحن إذا غنت حمائم شعبهم ... وينزع قلبي نحوهم ويطير فقد جعل قلبه حمامة من الحمائم. وعلى هذا الوجه تصح رواية من روى يقيم على آثارهم ويسير يقيم، باكيًا على الربوع، ويسير نازعًا إليها، ولكن السير والطيران لا سواء. وأذكر من نجد فوارس بأسهم ... فتنجد أشواقي بهم وتغير إما الرواية هكذا: «فوارس بأسهم» وهو مستقيم مع الإنجاد والإغارة والإغارة من حلول الغور ومن الغارة، وإما كما في المجموعة «جواري بأنسهم» وما أرى إلا أنه تحريف لتشابه رسم الأحرف، ثم في العبارة «جواري بأنسهم» ضعف لا يشبه سائر هذه الديباجة الناصعة. وقوله «فوارس بأسهم» يناسب معنى النسيب سواء أأريد به الكناية أم التصريح. فيا ليت شعري عن محاجر حاجر ... وعن أثلات روضهن نضير وعن عذبات البان يلعبن بالضحى ... عليهن كاسات النعيم تدور ههنا نشوة بالطبيعة من غير خروج بذلك عن روحانية الشوق وحنين النسيب. ومن لي بأن أروى من الشعب شربة ... وأنظر تلك الأرض وهي مطير وأسمع في ظل البشام عشية ... بكاء حمامات لهن هدير ثم صار إلى محض الحنين في قوله: فيا جيرة الشعب اليماني بحقكم ... صلوا أو مروا طيف الخيال يزور بعدتم ولم يبعد عن القلب حبكم ... وغبتم وأنتم في الفؤاد حضور

стр. 2496

فأصبحوا هم الذين ساروا وحبهم مقيم. أغار عليكم أن يراكم حواسدي ... وأحجب عنكم والمحب غيور هذا البيت عجيب. هل زار المدينة بعض من لم يكن أمر ودهم إليه إلا ضعيفًا وتعذرت عليه الزيارة فحز ذلك في نفسه؟ أحيباب قلبي هل سواكم لعلتي ... طبيب ب داء العاشقين خبير فجودوا بوصل فالزمان مفرق ... وأكثر عمر العاشقين قصير ولا تغلقوا الأبواب دوني لزلتي ... فأنتم كرام والكريم غفور ومن ههنا صار إلى المديح صريحًا. ثم يقول في آخر القصيدة: أمولاي قم بي في الخطوب فإن لي ... تجارة مدح فيك ليس تبور عرائس لا ترضى بغيرك صاحبًا ... لهن عزيزات المهور مهور على هذا الوجه تأول بعضهم قول حبيب: ولقد خطبت قليلة الخطاب ولكن الأظهر في هذا أنه أراد ذم أهيل زمانه، كما صرح بذلك أبو الطيب فيما بعد. علت وغلت إلا عليك فأرخصت ... ليرخص حورًا في القصور قصور فسر الشارح القصور بالعجز ولا يستقيم عليه المعنى إذ قال من قبل «عرائس لا ترضى بغيرك صاحبًا» فأين القصور بمعنى العجز مع هذا. والوجه أن القصور الأولى بمعنى الجمع للقصر وهذا واضح والقصور هنا قصور الجنة. والقصور الثانية من القصور من قصره يقصره (باب ضرب) وقصر المرأة أي حبسها فلا تخرج أي عرائس من مديحي فيك علت وغلت إلا عليك، من أجل أن يكون قصورها عليك سببًا إلى الجنة وأن ترخص لقائلها بذلك الحور المقصورات في قصور الجنة. ولك أن تقول إن كلتا الكلمتين القصور الأولى والثانية بمعنى واحد -يرخص قصورهن عليك الحور اللاتي في القصور- أي المقصورات. مؤلفها عبد الرحيم كأنها ... كواكب في جو السماء تنير فهذا يمنع من تأويل القصور بمعنى العجز. لبسن معانيها بمدحك بهجة ... فلاح لها نور وفاح عبير

стр. 2497

لعبد الرحيم ﵀ ولع بالنون في جمع غير العاقل يعطيه بذلك صفة العاقل وهذا المذهب جيد في العربية، وسلكه حبيب في قوله: ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم ثم يقول ﵀: فقل أنت في الدارين في حزبنا ومن ... يليك صغير سنه وكبير وصلى عليك الله واختص واجتبى ... فأنت هدى للعالمين ونور وعم رضاك الآل والصحب إنهم ... لدينك يا شمس الزمان بدور ومن جياد البرعي المشهورات: بالأبرق الفرد أطلال قديات ... لآل هند عفتهن الغمامات وملعب لعبت هوج الرياح به ... كأنهم فيه ما ظلوا وما باتوا تنكر العلم الغربي من إضم ... وأقفرت بعد بين الركب رامات إذ الركب قبل ظعنهم كانوا هم ربيعها. تشتيتهم جمع الأحزان في كبدي ... فالهم مجتمع والركب أشتات فإن أنست غيابات الفؤاد بهم ... فهم أحيباب قلبي يا غيابات قراءة نافع وأبي جعفر غيابات بالجمع هذا في سورة يوسف واستعار البرعي اللفظة من هناك. فيا حمامات وادي البان شجوك في ... ظل الأراك شجاني يا حمامات ويا أثيلات نجد ما لعبت ضحى ... إلا لعبت بقلبي يا أثيلات تهيج لوعة قلبي المستهام إذا ... هبت بنشر الصبا النجدي هبات ثم صار بهذا الحنين إلى ذروته حيث جعله شوقًا إلى زيارة القبر الشريف: فكيف حال بعيد الدار مغترب ... له إلى الشام حنات وأنات يهدي التحية من نيابتي برع ... إلى نبي عطاياه جزيلات الشام عنى به المدينة لأنها بالنسبة إلى اليمن شام، ثم هي طريق التجارة إلى الشام أيام الرحلتين. محمد سيد الخلق الذي امتلأت ... من نوره الأرض والسبع السموات بالمعراج الذي عرجه ﷺ وقد ذكر ذلك من بعد:

стр. 2498

أسرى به الله من أرض الحجاز إلى ... أن قبلت نعله الحجب الرفيعات أدناه من قاب قوس حين كلمه ... بالغيب من بعد ما قال التحيات وزاده منه تشريفًا وشفعه ... في الخلق لأعدمت منه الشفاعات ومعنى الشفاعة لو تأمله المتأمل عظيم. فالبدر والبحر والقطر الملث حيًا ... والفضل والفخر فيه والكرامات تالله ما ارتفعت للدين مرتبة ... لولا مراتبه الشم الرفيعات وبذلك شهادة القرآن العظيم: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ - ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. أحيا الزمان فأيام الزمان به ... يومان في الله إنعام وغارات وفل شوكة أهل الشرك مرتضيًا ... لله ربًا فما العزى وما اللات فالخيل تصهل والأرماح شاجرة ... والبيض والبيض مسراها العجاجات البيض السيوف والبيض المغافر وذكرها يدل على الدروع وفي رواية والنبل أي السهام ولا يستقيم مع العجاجات لأن النابل يرمي من بعد ويتحرى أن يرى ما يرميه. ما استمطرته ثغور المشركين حيًا ... إلا سقتها القنا والمشرفيات وكما تقدم مما ذكرناه تحس في أبيات الحرب هذه روح مشاركة في الجهاد. مني السلام على القبر الذي اعتكفت ... فيه العلا وانتهت فيه النهايات وجاد طيبة مرفض يلوح به ... زهر الرياض وتخضر البشامات هذا منتزع من طبيعة الجزيرة العربية إذ هي قفار فإذا جادها الغيث كستها حلة الخضرة وابتسمت ثغور الأزاهير. أرض سمت برسول الله أشرف ... من تشرفت فيه آباء وأمات هذا هو المعنى الذي فتقه على بن العباس وعسى أن ينال به الشفاعة لما فيه من صدق، وإن يكن جاء به على سبيل توليد المعاني: كم من أب قد سما بابن ذرا شرف ... كما سما برسول الله عدنان ولعمري لو قد كان جعل القصيدة كلها نبوية لكان ذلك خيرًا له من مدحه أبا الصقر ثم كما تعلم قد اضطرته خيبة الأمل إلى هجائه. متى أرى النور من أرجاء قبته ... متى تباشرني منه البشارات

стр. 2499

وهو نور تراه القلوب- قال الشيخ محمد المجذوب بن قمر الدين رحمهما الله: لقد طال شوقي يا أميني لطيبة ... أشخصها طورًا وطورًا أناظر تذكرت يا خلي ليالي مبيتنا ... بمسجدها والقوم باك وذاكر تذكرت تردادي أخي بين روضة ... وبين دكاك الزيت وهي أواخر يشاهد قلبي قبة النور وهي في ... ضياء له العافون شاموا وسامر وإن لها نورًا إلى العرش ساطعًا ... تشاهده أبصارنا والبصائر والشيء بالشيء يذكر والشيخ محمد المجذوب ﵁ قريب العهد، في أوائل المائة الثانية عشرة- ولا ريب أنه تأثر بشعر الشيخ عبد الرحيم ﵁ وأرضاه. ونعود بعد إلى الأبيات التائية: فإن ولهت إلى قبر ابن آمنة ... فهو الذي ختمت فيه الرسالات لأنه ليس بعد الرسول ﷺ رسول. ذاك الحبيب الذي يرجو عواطفه ... وبره الخلق أحياء وأموات ثم أخذ في ذكر المعجزات وحسن الثناء. البدر شق له والغيم ظلله ... من الهجير وسبحن الحصيات وشاة جابر يوم الجيش معجزة ... نعم النبي ونعم الجيش والشاة وكان في الشمس نورًا لا يقوم له ... ظل بذلك جاءتنا الروايات له فخار وتعظيم ومرتبة ... ومعجزات كثيرات وآيات ثم أخذ في الاستغاثة: مولاي مولاي فرج كل معضلة ... عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات وعد علي بما عودتني كرمًا ... فكم جرت لي بخير منك عادات وامنع حماي وهب لي منك تكرمة ... يا من مواهبه خلد وخيرات الخلد الجنة والخيرات الحور يشير إلى قوله تعالى: ﴿فيهن خيرات حسان﴾. واعطف علي وخذ يا سيدي بيدي ... إذا دهتني الملمات المهمات أي المسببات للهموم. فقد وقفت بباب الجود معتذرًا ... والعفو متسع والعذر أبيات وقل غدا أنت من أهل اليمين إذا ... زخرفن للداخلين الخلد جنات تأمل نون النسوة هنا وقد أشرنا إلى هذا الوجه من المجيء بها عنده من قبل.

стр. 2500

فلا يخف بعدها عبد الرحيم ومن ... يليه أهل وصحب أو قرابات وإن مدحتك بالتقصير معترفًا ... فمدحك الوحي والسبع القراءات الوحي القرآن والسبع أراد المثاني ووضع القراءات مكان المثاني لأن معنى المثاني الآيات والسبع المثاني تخصيص من عموم وهي الفاتحة، ويجوز أن يحمل مراده على الوحي أي القرآن والقراءات السبع أي الأحرف السبعة للحديث أن القرآن نزل على سبعة أحرف. ولعل هذا الوجه أقوى لظهوره. صلى عليك إلهي يا محمد ما ... لاحت لنورك من بدر علامات بدر في طريق المدينة فمن أراد مكة بعدها وهو قافل من المدينة ساحل وهو الطريق الذي سلكه أبو سفيان. والآل والصحب والأزواج كلهم ... فهم لسادات أهل الفضل سادات فهذه القصيدة كما ترى في قوة الصياغة ونصوعها ووضوح المعاني وتوهج روح الصدق من خلال الأبيات وحلاوة النغم وجودة تتابعه مع اليسر البالغ وسهولة الطبع وعدم التكلف فسبحان الواهب المعطي. ومن أعجب مدائح البرعي إلى من سمعنا من المنشدين، وهي من جياده كلمته القافية التي أولها: أراني ما ذكرت لك الفراقا واستعان فيها ببعض ما للمتنبي في هذا الروى كقوله: تظل رماحه فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا وله فيها البيت السائر: نبي أنزل الرحمن فيه ... تبارك والضحى والانشقاقا وكلمته التي أولها: قل للمطايا اللواتي طال مسراها ... من بعد تقبيل يمناها ويسراها ما ضرها يوم جد البين لو وقفت ... نقص في الحي شكوانا وشكواها

стр. 2501

وكلمته التي أولها: خل الغرام لصب دمعه دمه ... حيران توجده الذكرى وتعدمه (١) والتي أولها: يا راحلين إلى منى بقيادي ... هيجتمو يوم الرحيل فؤادي والتي أولها. سمعت سويجع الأثلات غنى وفيها قوله: رعى الله الحجاز وساكنيه ... وأمطره العريض المرجحنا وأخصب روضة ملئت وفاءً ... ومرحمةً وإحسانًا وحسنا وقبرًا فيه من ملأ النواحي ... هدى وندى وإيمانًا ويمنا إمام المرسلين ومنتقاهم ... وأكثر غيثهم طلًا ومزنا وأسرعهم على الملهوف عطفًا ... وأسمعهم لداعي الخير أذنا وخير مغارس الأكوان أصلًا ... وأطيب منبتًا وأتم غصنا نمته دوحة قرشية من ... فوائحها ثمار الخير تجنى قوله: طلا ومزنا، جعل المزن بمعنى الوابل في مقابلة الطل وسوغ ذلك أنه ههنا جمع مزنة وهي المطرة ومن معاني المزن أنه السحاب ذو الماء فهذا يكون وابلا. ومما لا ريب أنه كان مما يطرب له المسلمون الموازنة بين نبينا ﷺ وبين الأنبياء صلوات الله عليهم، وأحسب أن الحروب الصليبية وجدل أهل الكتاب مما حرك ذلك- قال البرعي ﵀: ولو وزنت به عرب وعجم ... جعلت فداه ما بلغوه وزنا متى ذكر الخليل فذا حبيب ... عليه الله في التوراة أثنى وإن ذكروا نجي الطور فاذكر ... نجي العرش مفتقرًا لتغنى وإن الله كلم ذاك وحيا ... وكلم ذا مشاهدة وأدنى وقد تكلم العلماء في مسألة الرؤية وليس ههنا مكان التفصيل. ومن شاهد بعين البصيرة فقد شاهد. ولله در البوصيري إذ يقول: فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم

стр. 2502

ثم بعد أن ذكر عددًا من الأنبياء والمرسلين وفضلهم وما زيد به نبينًا ﷺ عليهم أخذ في ذكر الشفاعة والتوسل. ثم يقول في أخريات القصيدة: حججت ولم أزرك فليت شعري ... متى بمزارك الجاني يهنا وثم صويحب يرجوك مثلي ... بعادك عنه أمرضه وأضنى يكاد يذوب إن ذكروك شوقًا ... إليك فهل بجاهك منك يدني تأمل عذوبة الروح الإنسانية التي قرنها باعتذاره هذا عن نفسه وعن صاحبه إذ يبدو أنه هو أيضًا حج ولم يزر. عسى عطف عسى فرج قريب ... فقد وصل الأحبة وانقطعنا فشرفنا بوطء تراب أرض ... بزورتها يحط الوزر عنا وقل عبد الرحيم ومن يليه ... معي يوم الخلود يحل عدنا عليك صلاة ربك ما تناغت ... حمام الأيك أو غصن تثنى ومن أعجب قصائد الإمام الصالح المحب عبد الرحيم ﵁، القصيدة اللامية التي ذكر فيها مرض ابنه، وقد توسل بها إلى الشفيع ﷺ ، فشفي ابنه، وعسى أن يستفاد من سياق هذه اللامية أنه قد أتيحت له الزيارة فيها بعد. والشائع بين العامة عندنا أن البرعي ﵀ لم يزر، وأنه لما عزم على الزيارة غلبه الشوق وهو متجه إليها فانشق حنينًا وفاضت نفسه من غلبة حرارة الشوق والمحبة عليه، وأحسب أن صاحب البدر الطالع قد ذكر تأريخ وفاته إن كان ذكره فليراجع (١). قال ﵀: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا ... فليس لي معدل عنهم وإن عدلوا تأمل مناسبة هذا الاستهلال لما سيذكره في آخر القصيدة من مرض ابنه. وكل شيء سواهم لي به بدل ... منهم وما لي بهم من غيرهم بدل إني وإن فتتوا في حبهم كبدي ... باق على ودهم راض بما فعلوا شربت كأس الهوى العذرى من ظمأ ... ولذ لي في الغرام العل والنهل

стр. 2503

فليت شعري والدنيا مفرقة ... بين الرفاق وأيام الورى دول هل ترجع الدار بعد البعد آنسة ... وهل تعود لنا أيامنًا الأول تأمل أنفاس هذه الصبابة، وعذوبة هذا التعبير، ورقة هذا الحنين. يا ظاعنين بقلبي أينما ظعنوا ... ونازلين بقلبي أينما نزلوا ترفقوا بفؤادي في هوادجكم ... راحت به يوم راحت بالهوى الإبل ومع أن ظاهر هذا الكلام نسيب تجد مكان الكناية فيه غير جد خاف لأن الشاعر المحب الصالح يهيجه شوقه إلى الزيارة كلما جاء الموسم ورأى الركب اليماني قد جعل يستعد للحج- ألا تجده يقول بعد: فوالذي حجت الزوار كعبته ... ومن ألم بها يدعو ويبتهل لقد جرى حبكم مجرى دمي فدمى ... بعد التفرق في أطلالكم طلل أي كأن قدمت بعد التفرق لأن قلبي قد أقام لدى أطلالكم فهو جزء منها. لم أنس ليلة فارقت الفريق وقد ... عاقوا الحبيب عن التوديع وارتحلوا كأنه يشير هنا إلى أن عزم رفاقه على الرجوع اضطره إلى الرجوع معهم فكأنهم بالذي صنعوا عاقوا الحبيب عن وداعه. والله أعلم. لما تراءت لهم نار بذي سلم ... ساروا فمنقطع عنها ومتصل أخذ هذا من معنى تنور الشعراء لنار الأحبة. وقد تنورها امرؤ القيس بيثرب فتأمل. لا در در المطايا أينما ذهبت ... إن لم تنخ حيث لا تثنى لها العقل في روضة من رياض الجنة ابتهجت ... حسنًا وطاب بها للنازل النزل ثم تخلص إلى المدح النبوي في سهولة ويسر. حيث النبوة مضروب سرادقها ... وطالع النور في الآفاق يشتعل وحيث من شرف الله الوجود به ... فاستغرق الفضل فرد ما له مثل محمد سيد السادات من مضر ... سر السيادة شمس ما له طفل شوارد المجد في مغناه عاكفة ... وريق رأفته غض الجنى خضل

стр. 2504

تأمل عجز هذا البيت وما فيه من حسن التشبيه للرأفة بالريف وما لابس ذلك من النعت لطبيعة اليمن السمحة التي كأن طبيعة المدينة بخصبها ونخيلها والجبال المكتنفة لها جزء منها. هذا على تقدير أن عبد الرحيم ﵀ لم يصل المدينة. على أن سياق هذه الأبيات ينبئ عن مشاهدة. وليس بمستبعد على من يكون في مثل صفائه أن يشاهد بقلبه ما قد تعجز عن دركه المشاهدة بالعيان. تثني عليه المثاني كلما تليت ... كما استنارت به الأقطار والسبل المثاني آيات القرآن والسبع المثاني فاتحة القرآن. بحر طوارفه بر ومكرمة ... بدر على فلك العلياء مكتمل ما زال بالنور من صلب إلى رحم ... من عهد آدم في السادات ينتقل حتى انتهى في الذرى من هاشم وسما ... حملًا وطفلًا ووفي وهو مكتهل يعني أنه عرف بالأمين لما صار إلى سن الاكتهال وذلك بعد الشباب وأخذ هذا من قوله تعالى ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾. ثم أخذ البرعي في ديباج خسروائي من المدح حتى صار إلى ذكر الشفاعة. وفرق ما بين هذا المدح وما كان يمدح به الشعراء الملوك ظاهر، إذ فيه المحبة الصادرة من صدق الإيمان وشعور العزة بالانتماء إلى الإسلام: حتى انتهى في الذرى من هاشم وسما ... حملًا وطفلًا ووفي وهو مكتهل فكان في الكون لا شكل يقاس به ... ولا على مثله الأقطار تشتمل به الحنيفة مرساة قواعدها ... فوق النجوم ونهج الحق معتدل وخلفه ليلة الإسراء على قدر ... صلى النبيون والأملاك والرسل ثم صار إلى ذكر الشفاعة والمقام الرفيع حين يبعثه ربه مقامًا محمودًا ويفتح عليه بالثناء عليه ويشفعه في أمته، ﷺ : وذلك الشافع المقبول عصمتنا ... به إلى الله في الدارين نبتهل ومنه ظل لواء الحمد يشملنا ... إذ العصاة عليهم من لظى ظلل وإنه الحكم العدل الذي نسخت ... بدين ملته الأديان والملل

стр. 2505

وأعلم أصلحك الله أن اليمن لم تكن بمعزل من خطر الصليبية، فقد كان البرتغاليون محدقين بها من جوانب البحر المحيط ثم كفى الله شرهم. يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبهن السهل والجبل نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه الهدى والندى والعلم والعمل أنت الحبيب الذي ترجى شفاعته ... عند السراط إذا ما ضاقت الحيل نرجو شفاعتك العظمى لمذنبنا ... بجاه وجهك عنا يغفر الزلل ثم صار إلى التوسل الخاص وذكر مرض ابنه. يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي ... في كل حادثة ما لي بها قبل قالوا نزيلك لا يؤذى وهأنذا ... دمي وعرضي مباح والحمى همل فهو كما تري يشكو ضيمًا حل به خاصة. ولا أحسب أن هنا مبالغة، بل التجاء بالشكوى صادق. وهذا البيت يدل على أنه إما بالمدينة وإما في الطريق إليها بين مكة وبينها حرسهما المهيمن بعينه التي لا تنام. وذا المسمى بك اشتد البلاء به ... فارحم مدامعه في الخد تنهمل ويروى وابني المسمى بك وهو الذي في المجموعة والذي أثبتنا هو الذي في الديوان وكما سمعناه ينشد اعتمادًا على نسخة الديوان الخطية وحفظًا عن ظهر قلب «وذا» أحب إلي وأدل على الاستعطاف لما في ذلك من الدلالة على القرب والحضور والشفقة والتمريض، وذكر الدموع المنهملة على خدي الطفل فيه معنى المعاينة لحال ضعفه. وقد سمجت كلمة «التصوير» لكثرة ما يجاء به عند المتعاطين للنقد هذه الأيام، فكرهنا استعمالها في هذا الموضع. وكأن الغلام المسكين قد أصيب بلذع من ذات الرئة بدليل بكائه أن تنحل عقدة السعال وهي لا تنحل. وذا المسمى بك اشتد البلاء به ... فارحم مدامعه في الخد تنهمل وحل عقدة هم عنه ما برحت ... واشرح به صدر أم قلبها وجل جعلها عقدة هم- لأنه هو مهتم لما به من مرض، فالدعوة بحل العقدة تسري على المريض وتسري على والده المهموم له، فإذا انحلت عقدة مرضه وجاء شفاؤه انحلت

стр. 2506

عقدة همه هو، وانشرح صدر أمه. وهذا البيت غاية في الرقة والإنسانية: وفي قوله: «عقدة هم عنه ما برحت» عموم يدخل فيه الشاعر وسائر أفراد الأسرة ومن يعنيه أمرها وإن كانوا في طريق المدينة فيدخل فيه الرفقة المعاونون أيضًا. وذكر الأم بعد تخصيص لها ثم أتبع ذلك ذكر نفسه وهو داخل في العموم الذي سبق ثم هنا ليجعل اسمه في المدحة وليرجع إلى ما كان قدمه من ذكر الشفاعة ورجاء الغفران والرحمة: وصل بمرحمة عبد الرحيم ومن ... يليه لا خاب فيك الظن والأمل صلى وسلم ربي دائمًا أبدًا ... عليك يا خير من يحفى وينتعل والآل والصحب ما غنت مطوقة ... وما تعاقبت الأبكار والأصل قوله «يا خير من يحفى وينتعل» كأنه من قول القطامي: أما قريش فلن تلقاهم أبدًا ... إلا وهم خير من يحفى وينتعل فسيد قريش ﵊ أولاهم بهذا الوصف، والبيت من كلمة القطامي: إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل وهذا من المطالع الفخمات، نبه عليه ابن رشيق. والمعنى الذي تقدم لم يكن القطامي هو السابق إليه، وكأنما نظر إلى قول الأعشى. إما ترينا حفاة لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل فأخذ القطامي «يحفى وينتعل» من ههنا. وشعر الشيخ عبد الرحيم البرعي در نفيس وفي هذا الذي استشهدنا به من شعره، ومنه قصائد جئنا بها بتمامها ما يشهد بما زعمنا من متانة أسره وصفاء ديباجته، وما يقوم ببعض حجتنا في إنكار هذا الذي فشابه القول بيننا الآن من أن الفترة التي تلت القرن الخامس الهجري فما بعده كانت فترة انحطاط للشعر ولغيره من جوانب الفكر والفن والحضارة الإسلامية. فقد سبق التنبيه منا إلى بطلان هذه المقالة. ولعل المصنف يعترف أن عصر الانحطاط هو عصرنا هذا، نسأل الله الفرج والنجاة. إذا رجعنا بالقارئ الكريم إلى ما قدمناه من قبل من تشبيهنا على وجه التمثيل والتقريب للصرصري بحبيب والبرعي بأبي عبادة والبوصيري بأبي الطيب، فإننا نريد،

стр. 2507

مع الذي لا نشك فيه من أن القارئ حفظه الله لا يرى أن مرادنا محض التشبيه حتى كأن المشبه والمشبه به مدرسة واحدة كما يقال بلغة هذا الزمان، أن نحتاط لما مثلنا به البوصيري بأبي الطيب بأن وجه المشابهة بينهما هو في أمر واحد، وهو أن كليهما ذو إقدام على ما يقول، وثقة بالمقدرة على الإفصاح والبيان وجودة الشعر. مع هذا في ديباجة البوصيري متانة نسج تذكرك أبا تمام وامتداد نفس يذكرك ابن الرومي، ولالتزامه جانب العبادة والخشوع في مخاطبة محاسن الذات المحمدية، تجد ثقته لا يخالطها ما سماه الثعالبي في حديثه عن المتنبي «إساءة الأدب بالأدب» وإنما عنى بذلك فرط التحدي وجهارة قوة التعبير مما ينفر عنه الملوك ومنادموهم وصنائعهم والمتنطسون بالقرب منهم والتقرب إليهم. مع هذا ليس البوصيري غير ذي جهارة أو تحدي (١). كلا ذينك لديه، إلا أنهما قد جعلا عنده بعض أساليب قتاله أهل الكتاب. ذلك بأن الحروب الصليبية ما زالت محتدمة نارها على زمانه على انتصار كان من المسلمين بالمشرق وإيذان بقرب انهزام الفرنجة إذ كان جلاؤهم عن عكا وصور قبيل وفاة البوصيري وانتصر المسلمون على التتار على أيدي حماة مصر حرسها الله تعالى، كما انحسرت غمرات الكفر عن المشرق. إلا أن الحال كانت حال جهاد. وقد اشتدت شوكة أهل الصليب بالمغرب على مسلمي الأندلس. كنا قد قلنا في الجزء الأول من هذا الكتاب في معرض الحديث عن همزيات البحر الخفيف حين صار الحديث إلى همزية البوصيري (توفي ﵀ سنة ٦٩٦ هـ): «وهي تفصح بحجة الإسلام كما تفصح قصيدة دانتي بحجة المسيحية». [ص ٢٠٣ من طبعة ١٩٧٠ م]. وكان الرجلان كالمتعاصرين إلا أن البوصيري أسبق، إذ تأريخ دانتي ١٢٦٥ - ١٣٢١ م -[أي ٦٦٢ - ٧٢٠ هـ] وتأريخ البوصيري ٦٠٨ هـ مولده و ٦٩٦ وفاته- ١٢١٢ - ١٢٩٨ م ولعل البحث إن جد فيه أصحابه أن يكشف لنا أن دانتي تأثر بالبوصيري وحاكاه وبمداح الرسول ﷺ . وقد ذكر أسين الإسباني في رسالته عن دانتي أنه تأثر بالمعراج وأحاديثه وبرسالة الغفران المعرية. وعندي أن يكون قد تأثر بالمديح النبوي أقرب. لأن المديح النبوي كان شيئًا ظاهرًا، ويترنم به المسلمون في أعيادهم وجمعاتهم وزواياهم ويترنمون به عند الأفراح وعند التعازي. وفي

стр. 2508

ليلات الجمعة مساء كل خميس وليلات الاثنين مساء الأحد. قال الصرصري ﵀ في إحدى استغاثاته: ففي النفس حاجات وما لقضائها ... سواك إلى رب البرية شافع أخذ قوله «وفي النفس حاجات» من أبي الطيب: «وفي النفس حاجات وفيك فطانة» من أبيات بائيته في كافور «مني كن لي إلخ». ومجموع حالي عنده وهو عالم ... بتفصيل خافيه وما هو ذائع وفي كل يوم اثنين أو في خميسنًا ... رسولي بأعمالي إليك يطالع عنى منشدي مدائحه. فكن جابرًا نقصي بجاهك إنه ... لجاه مديد عند ذي العرش واسع وسل ربك النصر العزيز لأمة ... تكنفها قرن من الدهر سابع يشير هنا إلى حروب التتار وحروب الصليبيين وجعل القرن كأنه قرن ثور يهجم به وأرخ لزمانه كما ترى. أضربها سعر وخلف وفتنة ... لها كل عام في القلوب قوارع فكان ذلك سبب الهزيمة. وكتب مسلمو الأندلس المغلوبون على أمرهم إلى سلطان آل عثمان في أوائل القرن العاشر قصيدة تائية يستنصرونه ويشكون إليه ما وقع بهم من غدر وبلاء. فمما قالوه (١): سلام كريم دائم متجدد ... أخص به مولاي خير خليفة سلام عليكم من وجوه تكشفت ... على جملة الأعلاج من بعد سترة سلام عليكم من بنات عواتق ... يسوقهم اللباط قهرًا لخلوة

стр. 2509

اللباط أي القسيس. سلام عليكم من عجائز أكرهت ... على أكل خنزير ولحم لجيفة أحسب لحم الجيفة هو الثور الذي يقتل في المصارعات وإلى الآن يقول الإسبان (أوليه) تشجيعًا للمصارع. فهل كان هذا محاولة من البائسين المسلمين آنئذ أن يذكروا اسم الله على هذه البهيمة التي كان عليهم أن يأكلوا من لحمها من دون ذكاة؟ وقد أمرونا أن نسب نبينا ... ولا نذكرنه في رخاء وشدة وقد سمعوا قومًا يغنون باسمه ... فأدركهم منه أليم المضرة (١) وهذا البيت هو موضع استشهادنا، إذ فيه الدليل على تغني المسلمين بالمديح النبوي. هذا بعد سقوط غرناطة. فقس عليه حال بقية المسلمين بصقلية وجنوب إيطاليا بعد هلاك فردريك الثاني (١٢٥٠ م) وكان به عطف ما عليهم، زعموا أنه كان من أسباب عداوة البابوية له ولأسرته حتى أبادوها. وهؤلاء المسلمون الذين كانوا يتغنون بالمدائح والأدعية وبالقرآن بلا ريب ذكرت التائية التي مرت منها الأبيات السابقة أن منهم أهل بلدة: بجامعهم صاروا جميعًا كفحمة ولئن صح ما نرجحه من أن دانتي تأثر بالمديح النبوي وأغلب الظن بالبوصيري لاشتهار هذا شهرة واسعة على ذلك الزمان بقصيدتيه الهمزية والبردة على وجه التخصيص (٢)، فإنه يترتب على ذلك أن يكون شعراء الأشعار الدينية الإفرنج قاطبة قد تأثروا به. والمتأمل لأصناف أشعار الدينيين في الأدب الإنجليزي واجد ما يدل على ذلك، مثلًا قصيدة الأرج The Odour لجورج هربرت George Herbert (١٥٩٣ - ١٦٣٣ م) وهذا باب واسع. والشاهد هنا تشبيه جورج هربرت قوله: «يا سيدي» بأريج العنبر والعطور الشرقية- فهذا لقولهم: «فت مسكًا» - وتضوع طيبًا» - وفاح عرفًا

стр. 2510

وما أشبه مما يذكر في باب الصلاة على النبي ﷺ . ومن عجب الأمر أن مناهج درس الإنجليزية يتلقى فيها طلابنا ما يتلقون عن الشعر الديني في لغة القوم. ويظلون يجهلون كل الجهل شعرنا الديني. وربما خيل إلى بعضهم أنه ليس بشعر وإنما هو أوراد عبادة مما كان يعكف عليه جيل الرجعية أو الماضي المنقرض. «ويا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام». همزية البوصيري أوشكت أن تبلغ أربعمائة بيت إذ هي نيف وستون وثلثمائة من الأبيات، قل فيهن بيت ساقط. وذلك أنه اجتمع له مع الملكة والصدق والعلم والافتنان، مجال قول واسع. وقد نظم السيرة من غير أن يعمد في ذلك إلى منهج تعليمي أو قصصي سردي. ولكنه سلك مسلك التأمل والموعظة الحسنة وأتبع الأمر ما يناظره أو يقابله أو يمت إليه بنوع صلة من غير التزام بالتسلسل التاريخي، ثقة بأنه لن يقع التباس من هذه الجهة، إذ مصادر السيرة من حيث هي تأريخ معروفة تلتمس في مظانها من كتب السير والتأريخ. ثم أكثر أخبار سيرة النبي ﷺ معروفة عند العوام والخواص فالشاعر الفحل الذي يتغنى بها لا يجد نفسه مضطرًا إلى عمل وصناعة إلا أن يتعمد إيثار السرد بغرض أن يستوعب أحداث السيرة، وهذا ما صنعه الشيخ يوسف النبهاني في همزيته الألفية، وفيه عناء، مثلًا نظمه الغزوات التي لم يكن فيها قتال: غطفان ذات الرقاع بواط ... دومة ذو العشيرة الأبواء بدر الأولى بدر الأخيرة بحرا ... ن سليم لحيان والحمراء وما أراد النبهاني أن يربى على البوصيري على الأرجح ولكن أن ينظم السيرة نظمًا على غرار همزيته من أجل التبرك. ويلفتنا في همزية البوصيري أولًا مطلعها: كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء لما يقرع به السمع من صيغة الاستفهام الإنكاري والنداء المؤكد والتفضيل المشتمل على روح من التحدي والقتال. ولا عجب فقد كان زمان البوصيري ﵀ زمان الحروب الصليبية والمسلمون بالمشرق مقبلون فيها على نصر وقد كشف الله عنهم غماء التتار، وكان البوصيري من أهل الجهاد بالبيان إن كان غيره يباشره بالسيف والسنان. غير أنه ﵀ هل غلا شيئًا في قوله بعد هذا البيت.

стр. 2511

لم يساووك في علاك وقد حا ... ل سنا منك دونهم وسناء إنما مثلوا صفاتك للنا ... س كما مثل النجوم الماء السنا الضوء والسناء الشمس والبيت جميل الصياغة متينها ومنه هذا التجنيس والتشبيه بتمثيل الماء لضوء النجوم بانعكاس أشكالها فيه بليغ مذهل أول الأمر، غير أنه ربما أحست فيه نبوة لما يوهم من أن التمثيل لا حقيقة له، ولا يجوز ذلك في حق الأنبياء، وليس هو مراد البوصيري، بلا أدنى شك، إذ معنى لا حقيقية تمثيل ضوء النجوم الذي في الماء أمر استفدناه نحن من اصطلاحات علوم الفيزياء المعاصرة حيث تسمى ما ينعكس على المرآة ونحوها لا حقيقيًا (١)، ولا ريب أن الضوء المنعكس على الماء ومنه ضوء حقيقي وكأن البوصيري قد عمد إلى تلافي ما قد يتبادر إلى الوهم من قوله هذا وليس بمراده، بالأبيات التاليات: أنت مصباح كل فضل فيها تصـ ... ـدر إلا عن ضوئك الأضواء لك ذات العلوم من عالم الغيـ ... ـب ومنها لآدم الأسماء لم تزل في ضمائر الكون تختا ... ر لك الأمهات والآباء ما مضت فترة من الرسل إلا ... بشرت قومها بك الأنبياء فالبيت «أنت مصباح كل فضل» أشار به إلى مقام الشفاعة إذ كل الأنبياء ﵈ يقول نفسي غيره ﷺ ثم يشفع الشافعون بعده حتى إن خيار المؤمنين ليشفعون لمن يعلمون إيمانه ممن يتردى بذنبه عند عبور الصراط. والبيت «لك ذات العلوم» إلخ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾. أي القرآن وقد نزل على محمد ﷺ . والأسماء التي لآدم ﵇ حقيقة لا خيال، فهذا قولنا إن البوصيري لم يرد بقوله «إنها مثلوا صفاتك» إلخ إن ذلك لا حقيقة له وإنه قد عمد من بعد إلى تلافي ما يتبادر من توهم هذا المعنى. والبيت «لم تزل في ضمائر الكون» إلخ واضح غير مشكل بشيء. والبيت «ما مضت فترة من الرسل» يقوي معنى «لك ذات العلوم من عالم الغيب» لأن تبشير الأنبياء صلوات الله عليهم به ﷺ سببه ما أوحى به الله إليهم به من سابق علمه. وفي حديث عرباض بن سارية- بكسر العين وسكون الراء وأصل معنى العرباض الرجل الطويل وكان ﵁ من أهل الصفة ومن السابقين ومن نزلت

стр. 2512

فيهم آية براءة: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ - ما يفيد مثل هذا المعنى، إذ ذكر أن رؤيا آمنة من معنى البشارة وكذلك ترى أمهات الأنبياء. قال في المسند للإمام أحمد بن حنبل ﵁ ج ٤ ص ١٢٧ س ١٨: «حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية يعني ابن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال قال رسول الله ﷺ إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين ترين» أ. هـ حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو العلاء وهو الحسن بن سوار (١) قال «حدثنا ليث عن معاوية عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى ابن هلال السلمي عن عرباض بن سارية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني عبد الله وخاتم النبيين فذكر مثله وزاد فيه أن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورًا أضاءت منه قصور الشام. وفي ص ١٢٨ س ٢٦ حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا أبو بكر عن سعيد بن سويد عن العرباض بن سارية السلمي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم» أ. هـ. سعيد بن سويد المذكور في السند هو الكلبي ذكره البخاري في الكبير (٢) رقم ١٥٩٣ ص ٤٧٦ طبعة ١٣٨٣ هـ ١٩٦٣ م- القسم الأول من ج ٢ يروى عن عبد الأعلى بن هلال وعنه أبو بكر بن أبي مريم وذكر سعيد بن سويد آخر ونص على أن الأول شامي ولكن كما لاحظ المحشي هذا الثاني مرادي كوفي أو يروي عن كوفي (راجع هامش ٤٧٧) وذكر البخاري آخرين كلاهما سعيد بن سويد وذكر في ميزان الاعتدال سعيد بن سويد وعن بخاري أنه لا يتابع في حديثه وإنما علق البخاري بقوله لا يتابع على سعيد بن سويد الآخر رقم ١٥٩٤ فوجب التفريق بين الثقة وغيره والحكم بن نافع ثقة. وحديث المسند صحيح والذي في ميزان الاعتدال (٣) وهم والله تعالى أعلم.

стр. 2513

هذا وإنما استشهدنا بالحديث في وجوه روايته الثلاثة كما في المسند في هذا الموضع للتنبيه على أن البوصيري في ربطه بين البشارة وبين «لك ذات العلوم من عالم الغيب» إنما نظر إلى ما في هذا الحديث من قوله «وسأنبئكم بتأويل ذلك» والله تعالى أعلم. تتباهي بك العصور وتسمو ... بك علياء بعدها علياء وبدا للوجود منك كريم ... من كريم آباؤه كرماء أي بدا بعد أن كان في عالم الغيب، في أم الكتاب، وفي علم الله سبحانه وتعالي، وكما قال : ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ وكما قال تعالي: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ فهذا كله من عالم الغيب والله أعلم. نسب تحسب العلا بحلاه ... قلدتها نجومها الجوزاء وذلك أن نجوم الجوزاء كأنها وشاح. وزعم قوم أن أمرئ القيس إنها عني الجوزاء حيث قال: «إذ ما الثريا في السماء تعرضت»، والثريا لا تتعرض وليست كالوشاح المفصل وأن هذه صفة الجوزاء والبيت من إحسان أمرئ القيس. حبذا عقد سؤدد وفخار ... أنت فيه اليتيمة العصاء واليتيمة والعصاء من صفة الدر وفيها إلماع إلى يتمه ﷺ وإلى عصمته ﷺ . ثم تجيء أبيات المولد ومناسبتها لقوله «بدا للوجود» بعد «عالم الغيب»، ومناسبتها أيضًا للنسب في قوله «نسب تحسب العلا». ومحيا كالشمس منك مضيء ... أسفرت عنه ليلة غراء هذا من النظم الذي لا يتأتى إلا بتوفيق وإلهام. ونعت محياه ﵊ بإشراق الشمس وبهجة ضوئها وارد في الحديث الصحيح، وإذ كان مولده في ليلة أسفرت بوجهه جعلها الشاعر غراء وهي التي يكون فيها البدر المضيء فجمع بين محياه الشمسي الإشراق وليلة مولده التي صارت بذلك غراء بدرية ولا يكون الكلام إلا

стр. 2514

هكذا إذ لا توصف الليلة بأنها مشمسة وأحسب أن لو أراد أبو تمام هذا المعنى لجعلها مشمسة بدليل محاولته البديعة أن يجعل النهار مقمرًا حيث قال: تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... نبت الربا فكأنما هو مقمر والشيء بالشيء يذكر. ليلة المولد الذي كان للديـ ... ـن سرور بيومه وازدهاء وتوالت بشرى الهواتف أن قد ... ولد المصطفى وحق الهناء وهذا البيت في المذهب القصصي ذروة لما في الذي سبقه من التمهيد ولما يجيء بعده من الالتفات إلى ما حول هذه الذروة من الآفاق كتداعي الإيوان وخمود النار وغيض البحيرة مما ينبئ ببروز الإسلام وانقماع الكفر وزوال دولة الشرك والجاهلية. ولهذا البيت تخميس حسن: حيث جبريل في السموات مجد ... يعلن البشر في ولادة أحمد سمعت أمه ابشرى بمحمد ... وتوالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وتم الهناء وحسن هذا التخميس من أن صاحبه ما زاد على محض الترنم، إذ لو عمد إلى زيادة شيء من معنى أو وشي لفظي لفسد بذلك إيقاع الكلام واتساقه. أبشرى أشهر فيه قطع الهمزة من الرباعي من قولك بشرته، فأبشر أي فرح، وجاء به ههنا من الثلاثي فلا يحمل على الضرورة والعجب لشوقي إذ حاكى همزية البوصيري في همت الفلك واحتواها الماء (وقد سبق منا القول في الجزء الأول في باب همزيات الخفيف أنا لا نراها من جيد شعره) فذكر مولد المسيح ﵇ كأنه يضاهي بذلك صفة البوصيري ليلة مولد رسولنا ﵊، وذلك قوله: ولد الطهر يوم مولد عيسى ... والمروءات إلخ في أبيات اختارها أحد أصحاب الاختيارات من المسيحيين من شعر شوقي مع كلمة في الصليب الأحمر وجعل الكلمة الثالثة المختارة: خفت الأذان فما عليك مؤذن ... يدعو ولا الجمع الحسان تقام

стр. 2515

فانظر إلى هذا من إسرار البغضاء وإظهارها كأن لم يجد في الكثير الطيب من شعر شوقي غير هذا السياق. وكلمة «المروءات» من قوله لا تخلو من ضعف في هذا الموضع إذ الشهير الفصيح إفراد هذه الكلمة كما قال أبو الطيب: وترى الفتوة والأبوة والمروة في كل مليحة ضراتها وموضع قوله «المروءات» مع ما تقدمه من ذكر الطهر ومولد عيسى ﵇ كأنه مقحم وسائر الأبيات سرقة ومحاكاة للبوصيري وهذا المسلك عند شوقي ﵀ كثير وما يؤخذ عليه- وقد حاكى أبيات المولد هذه أيضًا في قوله، في قصيدته التي من بحر الكامل يذكر فيها مولد نبينا ﷺ : ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسم وثناء قوله وفم الزمان إلخ صياغة أخرى لقول البوصيري «المولد الذي كان للدين سرور بيومه وازدهاء» حذف شوقي الدين وجعل اليوم زمانًا. على أنه حين عدل عن خفيف البوصيري ورويه اللذين جاراهما في «همت الفلك واحتواها الماء» إلى الكامل وروي أبي الطيب: أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث أنت من الظلام ضياء وما خلا من أخذ منه، إنما اتبع حقًا طريق الشهاب محمود الحلبي (رئيس دواوين الإنشاء بالشام المتوفي سنة ٧٧٥ هـ ﵀ في ما ذكره النبهاني عند تقديم مدحته الهمزية)، حيث قال: ما آذنته ببينها أسماء ... فنقول ثاو مل منه ثواء لكنه ذكر الحمى فتقاسمت ... أحشاءه الأشجان والبرحاء ونأمل أن يتيسر لنا ذكر شيء منها إن شاء الله تعالى. قال البوصيري يذكر تداعي الإيوان وما إلى ذلك. وتداعى إيوان كسرى ولولا ... آية منك ما تداعى البناء وغدا كل بيت نار وفيه ... كربة من خمودها وبلاء وعيون للفرس غارت فهل كا ... ن لنيرانهم بها إطفاء قوله «فهل كان لنيرانهم إلخ» من باب البديع المعنوي. فهنيئًا به لآمنة الفضـ ... ـل الذي شرفت به حواء

стр. 2516

من لحواء أنها حملت أحـ ... ـمد أو أنها به نفساء يوم نالت بوضعه ابنة وهب ... من فخار ما لم تنله النساء وأتت قومها بأفضل مما ... حملت قبل مريم العذراء شمتته الأملاك إذ وضعته ... وشفتنا بقولها الشفاء قوله «وأتت قومها»، فابنة وهب وضعته في مكة وكانت الشفاء قابلتها وهي من قراباتها بني زهرة رهط سيدنا عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة وصاحب الشورى التي أسفرت عن خلافة عثمان ﵃ أجمعين والشفاء بفتح الشين وتشديد الفاء مفتوحة أمه. يجوز أن يكون من مراده بقومها في هذا الموضع أخواله بني النجار بالمدينة إذ جاءتهم به وهو غلام صغير وتوفيت بالأبواء في طريق عودتها. شمتته الأملاك من تشميت العاطس أي دعت له. رافعًا رأسه وفي ذلك الرفـ ... ـع إلى كل سؤدد إيماء رامقًا طرفه السماء ومرمى ... عين من شأنه العلو العلاء فهذه صفة مولده إذ وضعته أمه ﷺ . ثم أخذ البوصيري في ذكر ما حف ذلك من معجزات. وتأمل جودة الصياغة وسهولة انسيابها وما معها من خفي البديع، البيت: «فهنيئًا به لآمنة» تكررت فيه الفاء -فهنيئًا- الفضل شرفت والبيت الذي بعده تكررت فيه حواء عند قوله (به حواء) (من لحواء) ثم جاء بحاءات متتابعات- حملت- أحمد. ثم أخذ بطريق النون- أنها- نفساء- نالت- ابنة- وهب- تنله النساء- ثم البيت «وأتت قومها» في صدره قاف وفي عجزه وكلمة أفضل تناغي الفضل التي مرت من قبل وتأمل الميمات قومها- مما- حملت- مريم- والشينات في البيت الذي بعده والراءات والسينات من بعد. ثم قص ما رأت أمه من إشراق أضاءت له قصور الشام- جاء بذلك في صياغة رشيقة صدر فيها البيتين اللذين ذكر فيهما هذه المعجزة بفعلين متقاربي الوزن مبدوءين بالتاء مع شيء من الجناس الحرفي والمتشابه: وتدلت زهر النجوم إليه ... فأضاءت بضوئها الأرجاء وتراءت قصور قيصر بالرو ... م يراها من داره البطحاء ثم لما أراد ذكر الرضاعة، جاء بصيغة أخرى، بفعل ثلاثي مجرد في صدر جملة قصصية موجزة جعلها صدرًا للبيت التالي ومهد بها لعجز البيت المشعر بقصد إلى تفصيل يجيء بعده. وبدت في رضاعه معجزات ... ليس فيها عن العيون خفاء إذ أبته ليتمه مرضعات ... قلن ما في اليتيم عنا غناء

стр. 2517

فأتته من آل سعد فتاة ... قد أبتها لفقرها الرضعاء أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهن الشاء أصبحت شولا عجافا وأمست ... ما بها شائل ولا عجفاء الشائل التي لا لبن لها. أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبي منها غذاء يا لها منة لقد ضوع الأجـ ... ـر عليها من جنسها والجزاء وإذا سخر الإله أناسًا ... لسعيد فإنهم سعداء والشعر الجيد أبدا فيه الحكمة. والبوصيري موهوب في هذا الباب. وهذا أيضًا من أوجه الشبه بينه وبين أبي الطيب وأبي تمام، وصياغته للحكم أقرب في إيجازها وقوتها إلى مذهب أبي الطيب وصياغته. ثم ينهي هذا الفصل من معجزات الرضاعة بقوله: حبة أنبتت سنابل والعصـ ... ـف لديه يستشرف الضعفاء وهذا كأنه صدى من بيت الحكمة الذي مر وتعليل له ما يبرره من الإشارة إلى الآية: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾. ومعنى قوله والعصف إلخ قال النبهاني ﵀ العصف هو ورق النبات اليابس. قال علقمة: تسقى مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتى الماء مطموم وقال في القاموس العصف بقل الزرع وقد أعصف الزرع وكعصف مأكول أي كزرع أكل حبه وبقي تبنه فأحسب النبهاني جاء باليبس من ههنا وقال في مجاز القرآن كعصف مأكول وهو ورق الزرع وهو العصيفة. فمعنى بيت البوصيري أن هذه الحبة أنبتت سنابل سبعًا رحمة من الله أسبغها على آل حليمة فلا طال الزرع ولاح سنبله استبشر به منتظرو حصاده فهذا معنى قوله والعصف لديه يستشرف الضعفاء أي حين يعلو الزرع بسوقه وتلوح سنابله كثيرات جيدات هنالك يتطلع الضعفاء إلى يوم حصاده فإن كانوا أصحابه فهو لهم خصب وإن كان أصحابه سواهم فإن خصبه يعمهم حتى ولو أقبلوا يلتقطون ما يبقي بعد الحصاد. ولا معنى لأن يستشرف الضعفاء لورق يابس. ومعنى البيت كما ذكرنا إن شاء الله والله أعلم. ثم لما فرغ من ذكر معجزة الخصب صار إلى قصة شق الصدر وهي معجزة أخرى. ويذكر شق الصدر أيضًا في قصة المعراج.

стр. 2518

وأتت جده وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء على تقدير الفرض أن قارئ هذه القصيدة ليس له سابق علم بالسيرة فقد أنبأه البوصيري بيتم النبي ﵌ إذ أبته المرضعات. ثم أن الذي تولى كفالته جده ههنا. ولعلم القارئ بأمر اليتم وكفالة جده عبد المطلب له، فإن سياق الخبر من أجل الذكر والعظة الحسنة والبشرى. إذ أحاطت به ملائكة الله فظنت بأنهم قرناء وبعض جهلاء أعداء الإسلام يبنون على خبر شق الصدر مزعمًا أن النبي ﷺ كان مصابًا بالصرع ويجعلون ما يشابه من شدة الوحي من ذلك. ولا خفاء أن هذا من سوء الأدب. ولو قد كان بالنبي ﷺ هذا الذي زعموه لكان رواة سيرته أول من يخبرنا به إذ لم يكتموا من خبره شيئًا. وما ذكر عن نبي ولا عن عظيم من تفصيل الخبر كما ذكر عن نبينا ﵌. ولقد صحبه أصحابه في الحضر والسفر فما غادروا من أمره شيئًا. والأطبة في عصرنا هذا لا ينطقون قاطعين برأي في مرض مريض، أي مريض، إلا بعد أصناف من الكشف الدقيق. فقد حسن سوء الأدب وضلال الرأي وسخافته لهؤلاء السفهاء أن يقدموا على تشخيص مرض ينسبونه إلى نبينا على الظن وبالتحامل والبغضاء وبغرض الطعن والسب وعلى وجه خلاف منكر لكل ما ورد من خبره، أنه كان أيقظ الناس وأصبرهم على مكاره السفر والحرب، شج في أحد وكسرت رباعيتاه فما انتابه ضعف ولا خور. وفر عنه الناس يوم حنين وهو مكانه لا يريم. وكان قوامًا صوامًا. وتحامل في مرض وفاته فصلى وأصحابه برؤيته مستبشرون. ورأى وجدها به من الوجـ ... ـد لهيب تصلى به الأحشاء أي رأى عبد المطلب حب حليمة له ﵌ وتعلقها به. فارقته كرهًا وكان لديها ... ثاويًا لا يمل منه الثواء وقد أحسن تضمين كلام اليشكري ههنا. وقد رام نحو هذا الشهاب في همزيته الكاملية في المطلع. ما آذنته ببينها أسماء ... فنقول ثاو مل منه ثواء

стр. 2519

والصناعة هنا على سلامة الأداء. ثم يقول البوصيري: شق عن قلبه وأخرج منه ... مضغة عند غسله سوداء ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم تذع له أنباء صان أسراره الختام فلا الفـ ... ـض ملم به ولا الإفضاء وينتقل البوصيري في براعة قصصية من خبر الشق إلى بلوغ النبي ﵌ أشده واشتغاله بالذكر والعبادة والتحنث وما كان عند مبعثه من ظهور الشهب تطرد الشياطين عن استراق السمع ثم يجمع بين هذا وبين تزوجه خديجة ﵂. ولو كان صاحب سرد همه تتابع الأحداث لكان ذكر بعد الرضاعة والفصال أحداثًا أخر ثم أتبع ذلك ذكر الزواج ثم جاء من بعد بخبر المبعث. ولكن براعة البوصيري تتجلى في ربطه الدقيق بين التحنث والوحي وخديجة ﵂ وتثبيتها النبي ﷺ وأنها كانت له وزير صدق: ألف النسك والعبادة والخلـ ... ـوة طفلًا وهكذا النجباء وإذا حلت الهداية قلبًا ... نشطت في العبادة الأعضاء صدق. وهذا من أبيات الحكمة. بعث الله عند مبعثه الشهـ ... ـب حراسًا وضاق عنها الفضاء تطرد الجن عن مقاعد للسمـ ... ـع كما تطرد الذئاب الرعاء وأحسب أنه يشير بإلماع خفي إلى الكهان بقوله كما تطرد الذئاب الرعاء، أليس الأعشى يقول: ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقًا كما نطق الذئبي إذ سجعا عنى بالذئبي كاهنًا بعينه هو سطيح فيما ذكروا والتي نظرت هنا زرقاء اليمامة والأشفار أراد بها أجفان العين المفرد شفر بضم فسكون وهو أصل منبت شعر الجفن وللشفر معنى آخر وليس المراد ههنا، أعني بيت الأعشى إذ لم يقصد إلى معنى التأنيث ولكن إلى معنى النظر. هذا ويقوي ما ذهبنا إليه من الإلماع إلى الكهانة قوله من بعد: فمحت آية الكهانة أيا ... ت من الوحي ما لهن إمحاء

стр. 2520

ومع ذكر المبعث أتى بذكر زواج خديجة لمناسبته له من حيث مؤازرتها ﵂ وإن كان الزواج قبل البعثة بخمسة عشر عامًا. ورأته خديجة والتقى والز ... هد فيه سجية والحياء وأتاها أن الغمامة والسر ... ح أظلته منهما أفياء وأحاديث أن وعد رسول اللـ ... ـه بالبعث حان منه الوفاء في سورة الصافات قوله تعالى يذكر تمنى قريش أن ينزل عليهم كتاب فلما جاءهم تنكروا له: ﴿وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرًا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون﴾ وفي سورة البقرة قوله تعالى يذكر ما كان يستفتح به أهل الكتاب من يهود إذ يترقبون خروج نبي يقتلون به العرب قتل عاد وإرم، وكانوا لغرورهم لا يرون إلا أنه سيكون يهوديًا منهم: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾. فدعته إلى الزواج وما أحـ ... ـسن ما يبلغ المنى الأذكياء وليس ذكاء مكر دنيوي ولكن ذكاء توفيق وكيس ودين: وأتاه في بيتها جبرئيل ... ولذي اللب في الأمور ارتياء عنى بذي اللب خديجة والارتياء هنا من رؤية العقل، وذلك أنها ثبتت النبي ﷺ وأقنعته بالبرهان أن الذي رأى ليس برئي من الجن ولكن ملك الحق المنزل بأمره من عنده: فأماطات عنها الخمار لتدري ... أهو الوحي أم هو الإغماء فاختفى عند كشفها الرأس جبريـ ... ـل فما عاد أو أعيد الغطاء أي الخمار- لتتأكد من أن كشفها رأسها هو سبب ابتعاد الملك فلم يعد رسول الله ﷺ يبصره. فاستبانت خديجة أنه الكنـ ... ـز الذي حاولته والكيمياء قد تبدو هذه القافية أول الأمر مجتلبة ولكنها بعد تأمل قليل تتضح قوة مناسبتها،

стр. 2521

وذلك أن الكنز فيه معنى الذهب، وكانت الكيمياء في ذلك الزمان إنها يجتهد أصحابها فيها من أجل أن يحولوا التراب وما أشبه ذهبا- أي هو الكنز وهو المنى والمعجزة وهو الإكسير. وانتقل البوصيري إلى نفس الدعوة وما لقيه النبي ﷺ من إباء من أبى وعنادهم. وعلل هذا الإباء بالرغم من المعجزات، وعدد من المعجزات ثم ذكر انتصار الدعوة وظهور الحق- هذا الانتقال السريع من أول الدعوة إلى معجزاتها فانتصارها أفعل من حيث التأثير الشعري. ثم قام النبي يدعو إلى اللـ ... ـه وفي الكفر نجدة وإباء أمما أشربت قلوبهم الكفـ ... ـر فداء الضلال فيهم عياء ورأينا آياته فاهتدينا ... وإذا الحق جاء زال المراء هذا من باب الحمد والشكر لله أن لم يجعلنا ممن حضروا الكفر فأشربوه، وانتقال الشاعر من زمان أبي جهل إلى زمانه هو جيد بالغ. رب إن الهدى هداك وآيا ... تك نور تهدي بها من تشاء كم رأينا ما ليس يعقل قد ألـ ... ـهم ما ليس يلهم العقلاء وعلل هذه الحكمة بقوله: إذ أبى الفيل ما أتى صاحب الفيـ ... ـل ولم ينفع الحجا والذكاء وإباء الفيل معجزة كانت عند مولده ﵊. ثم ذكر تحية الحجر له وحنين الجذع وأمر الغار والعنكبوت والحمامة فصار إلى ذكر الهجرة: والجمادات أفصحت بالذي أخـ ... ـرس عنه لأحمد الفصحاء ويح قوم جفوا نبيًا بأرض ... ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه ... وقلوه ووده الغرباء قلوه: أبغضوه، وقد وده أهل المدينة وآووه ﷺ . أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحامة الحصداء أي ذات الجناح والريش وفيه معنى الرأي السديد من قولهم رأي محصد وجاء بهذا النعت من قولهم شجرةً حصداء أي كثيرة الورق ودرع حصداء أي محكمة النسج

стр. 2522

ومعنى الدرع مستكن في نسج العنكبوت في هذا الموضع، ومعنى كثرة الورق مستكن في لفظ الورقاء وإن يك معناه الرمادية اللون. واختفى منهم على قرب مرآ ... هـ ومن شدة الظهور الخفاء واتلأب من بعد طريق السير إلى المدينة: ونحا المصطفى المدينة واشتا ... قت إليه من مكة الأنحاء وتغنت بمدحه الجن حتى ... أطرب الإنس منه ذاك الغناء يشير إلى خبر السيرة أن الناس أصبحوا يسمعون صوتًا عاليًا ولا يدرون من صاحبه ينشد: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد خيمتا أم معبد موضع سمي بذلك من بعد وأم معبد هذه ضيفت النبي ﷺ وصاحبه ﵁ إذ درت شاتها. ثم يجيء خبر سراقة: واقتفى إثره سراقة فاستهـ ... ـوته للأرض صافن جرداء الصافن الفرس والجرداء الملساء ليست بشعراء وهذا ينبئ عن جودتها. ثم ناداه بعد ما سيمت الخسـ ... ـف وقد ينجد الغريق النداء هذا تشبيه انتزعه من بيئة نيله وكان ﵀ شديد الإحساس بالنيل وطبيعة أرض مصر وجمالها؛ هذا وذكر فرس سراقة كأنما دعا ذكر البراق على وجه من تجاوب المعاني وتداعيها. ومع أن المعراج كان قبل الهجرة، جاء به البوصيري هنا بعد خبر الهجرة لما في ذلك من المناسبة الروحية، إذ المعراج قد كان إيذانا بظهور أمر الدين وعلوه. فصف الليلة التي كان للمخـ ... ـتار فيها على البراق استواء وترقى به إلى قاب قوسيـ ... ـن وتلك السيادة القعساء رتب تسقط الأماني حسرى ... دونها ما وراءهن وراء هذا مولد من قول أبي الطيب «مراتب صعدت والفكر يتبعها. البيت». ثم وافى يحدث الناس شكرًا ... إذ أتته من ربه النعماء وتحدى فارتاب كل مريب ... أو يبقى مع السيول الغثاء

стр. 2523

أراد هنا تحدي القرآن. وما أراه جمع بين التحدي والمعراج إلا لأن سورة الإسراء فيها مع ذكره أنه أسرى به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾. وهو يدعو إلى الإله وإن شق عليه كفر به وازدراء يشير بقوله «وازدراء» إلى خبر الطائف إذ أغروا به سفهاءهم. ويدل الورى على الله بالتو ... حيد وهو المحجة البيضاء فبما رحمة من الله لانت ... صخرة من إبائهم صماء من براعة البوصيري فطنته إلى أن نظم آي القرآن جهد يضيع سدى لمكان القرآن من البلاغة في الذروة. فالوجه الإشارة والتضمين فمن ذلك الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فاحتمل السيل زبدًا رابيًا﴾ وإلى قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ وإلى قوله تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم﴾ فرحمة الله التي ألانت قلبه لهم ألانت قلوبهم فلم ينفضوا، ومن حسن تأتي البوصيري أنه لما نسب تليين رحمة الله إلى قلوبهم جعلها صخرةً صماء فلانت والآية ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ فيها الدلالة على أن الله فطره برحمته لين الجانب رحيم الفؤاد على خلق عظيم، ﷺ ، ثم ختم البوصيري هذا الفصل بالإشارة إلى النصر وسورة الفتح: واستجابت له بنصر وفتح ... بعد ذاك الخضراء والغبراء وأطاعت لأمره العرب العر ... باء والجاهلية الجهلاء الخضراء والغبراء أي كل مكان والخضراء السماء والغبراء الأرض ولكن المعنى الأول هو المراد إذ الأرب الدلالة على الشمول والعرب العرباء اليمن والجاهلية الجهلاء كل من كان على الشرك من العرب- أي كل العرب. وقد يكون المراد من العرب العرباء تأكيد بمعنى العرب الصرحاء أهل الشكائم. وذكر العرباء والجهلاء جر إلى ذكر الجهاد والمصابرة والبلاء: وتوالت للمصطفى الآية الكبـ ... ـرى عليهم والغارة الشعواء فإذا ما تلا كتابًا من اللـ ... ـه تلته كتيبة خضراء

стр. 2524

أي تامة عتاد الحرب خضراء بالدروع. هذه الكتيبة ليست هي فقط كتيبة الجيش المقاتل بالأسنة والأعنة والصوارم. ولكن لله جنودًا لم تروها. من ذلك ما حل بالمستهزئين من غضب الله عليهم وذلك قبل الهجرة. قال تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين﴾. وكفاه المستهزئين وكم سا ... ء نبيًا من قومه استهزاء ورماهم بدعوة من فناء الـ ... ـبيت فيها للظالمين فناء صناعة البوصيري لا تكاد تحس لجودة الأداء ورصانته وهيمنة جانب المعاني عليه مع نصوع الألفاظ -تأمل «فناء» بكسر الفاء وفتحها- والكاف والسين في البيت قبله- ومن قبل، الكبرى، كتابًا، كتيبة. ومن قبل حمته الحمامة، ولوضوح هذا وتواتره لا ينبغي أن نزيد على مجرد الإيماء إليه. ثم نظم البوصيري نظم الخرز أسماء المستهزئين. ونحن الآن مع أحداث ما قبل الهجرة. وجعل في مقابلتها أسماء من تواطئوا على نقض صحيفة القطيعة التي كتبتها قريش: خمسة كلهم أصيبوا بداء ... والردى من جنوده الأدواء أي بداء قاتل. فدهى الأسود بن مطلب أي ... عمىً ميت به الأحياء فكان عماه من أسباب انكساره حتى قضى نحبه. وقوله «ميت به الأحياء» أشار به إلى قول الكوتي بن الرعلاء. ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبًا ... سيئًا باله قليل الرجاء هكذا كان ابن مطلب. ودهى الأسود بن عبد يغوث ... أن سقاه كأس الردى استسقاء وأصاب الوليد خدشة سهم ... قصرت عنها الحية الرقطاء هو الوليد بن المغيرة وهو الذي نزلت فيه: «إنه فكر وقدر» وفي عجز البيت شيء. وقضت شوكة على مهجة العا ... ص فلله النقعة الشوكاء أي القتلة الخشنة. وفي هذا البيت بعض القلق على حذق المجانسة بين أوله وآخره

стр. 2525

وعلى الحارث القيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاء هو الحارث بن الطلاطلة وبئس الوعاء رأسه. والوعي بفتح الواو هو القيح فمن فتح الواو ومد المقصور جاز على هذا المعنى ولكن الكسر أجود. خمسة طهرت بقطعهم الأر ... ض فكف الأذى بهم شلاء إذ كانوا من ملأ قريش ودهاتها. ثم ذكر الخمسة الذين عملوا على نقض الصحيفة الظالمة: فديت خمسة الصحيفة بالخمـ ... ـسة إن كان بالكرام فداء أي لو أمكن أن يفدى الكرام فهؤلاء الخمسة الذين وقع بهم عذاب الله في الدنيا ولعذاب الآخرة أشق فداء لخمسة الصحيفة. يا لأمر أتاه بعد هشام ... زمعة إنه الفتى الأتاء وزهير والمطعم بن عدي ... وأبو البختري من حيث شاءوا نقضوا مبرم الصحيفة إذ شـ ... ـدت عليهم من العدا الأنداء اذكرتنا بأكلها أكل منسا ... ة سليمان الأرضة الخرساء بنقل فتحة الهمزة إلى اللام. وقصة أكل الأرضة منسأة سليمان مذكورة في سورة سبأ وقد أكلت الأرضة الصحيفة إلا موضع اسم الله تعالى، ومكان التشبيه أن المشركين كانوا على ثقة بسلامة الصحيفة وما تضمنته من البغي، فكان أكل الأرضة لها مما خذل من كان رأيهم التمسك بها وقد أخبر النبي ﷺ بأمرها فوجدوه كما ذكر ﵊! وبها أخبر النبي وكم أخـ ... ـرج خبأ له الغيوب خباء والخبء هنا تشير إلى خبر سيدنا سليمان في سورة النمل إيماء- وذلك في مقال الهدهد عن قوم بلقيس ﴿ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء﴾ [الآية]. لا تخل جانب النبي مضيمًا ... حيث مسته منهم الأسواء في المطبوعة «مضامًا» ولا يصح إذ الفعل ثلاثي أجوف يائي واوي ضامه يضيمه ويضومه. كل أمر ناب النبيين فالشد ... ة فيه محمودة والرخاء
следующие страницы →