← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

هذا البحر الخضم العجاج. ونكتفي في هذا الموضع بإيراد أمثلة من منهج هذه القصيدة ومحاسن أدائها ومعارفها ثم نعود بعد إلى ما كنا فيه من أبيات الهمزية إن شاء الله تعالي: بدأها بمجاهرة النصارى بالخصومة، وقد سبق التنبيه على أن ذلك كان زمان حروب الصليب فمما نختاره مما قال في ذلك من عند أولها: جاء المسيح من الإله رسولا ... فأبى أقل العالمين عقولا قوم رأوا بشرًا كريمًا فادعوا ... من جهلهم لله فيه حلولا أسمعتم أن الإله لحاجة ... يتناول المشروب والمأكولا ويمسه الألم الذي لم يستطع ... صرفًا له عنه ولا تحويلا يا ليت شعري حين مات بزعمهم ... من كان بالتدبير عنه كفيلا إن قالوا دبره أبوه فقد جزئوا الإله وقالوا بألوهية غيره. هل كان هذا الكون دبر نفسه ... من بعده أم آثر التعطيلا التعطيل هو عدم الإله وهو مذهب الملاحدة. شهد الزبور بحفظه ونجاته ... أفتجعلون دليله مدخولا أيكون من حفظ الإله مضيعًا ... أو من أشيد بنصره مخذولا ومضى بحمل صليبه مستسلمًا ... للموت مكتوف اليدين ذليلا يشير بقوله «أيكون من حفظ الإله مضيعًا» إلى مزامير داود فمنها (١٨) رقم ٥٠ «الصانع رحمة لمسيحه لداود ونسله إلى الأبد» في النص الإنجليزي نص نسخة الملك جيمز and showeth mercy to his anointed ... ففسروا المسيح من مسح الملك بالزيت وكان المسيح ﵇ من نسل داود والمسيح في النص المتقدم هو داود نفسه ﵇ وفي ٢٠ رقم ٦: «الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص يمينه هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر». ومعنى المسيح كما في الطبري الممسوح بالدهن، هذا من بعض ما فسروا به المسيح في آيات القرآن. أيضًا في النص الإنجليزي وهو أدق وأقدم من الترجمة المتقدمة Now know that the Lord anointed; he will hear him from his holy heaven with the saving strength of his right hand. Some trust in

стр. 2557

chariots, and some in horses: but remember the name of the Lord our God. ضل النصارى في المسيح واقسموا ... لا يهتدون إلى الرشاد سبيلا ثم اليهود يقول فيهم: والعابدون العجل قد فتنوا به ... ودوا اتخاذ المرسلين عجولا فإذا أتت بشرى إليهم كذبوا ... بهوى النفوس وقتلوا تقتيلا أبناء حيات ألم تر أنهم ... يجدون ترياق السموم قتولا وترياق سم الكفر هو الإسلام وهو القرآن وقد أبوه إباء. وقوله أبناء حيات من كلمات سيدنا يحيى ﵇. والنص الذي اطلع عليه البوصيري من الإنجيل أجود عربية من النص العصري وفي هذا في إنجيل متى ٣ رقم ٧ والقصة عن يوحنا المعمدان وهو سيدنا يحيى صلوات الله عليه «فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته قال لهم يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي». وفي نص إنجيل الملك جيمز But when he saw many of the Pharisees and Sadducees come to his baptism, he said unto them, O generation of vipers, who hath warned you to flee from the wrath to come? وقوله أبناء حيات سب لهم لما سبق من فساد الحية ولا تلد الحية إلا حية في معنى الشر والسموم. ورهط الفريسيين والصدوقيين من متحذلقي يهود بمظهر العبادة وقد شحنوا نفاقًا. وكفاهمو أن مثلوا معبودهم ... سبحانه بعباده تمثيلا ثم أخذ يضرب الأمثلة لذلك كما ضرب الأمثلة من قبل في أمر النصارى، وقد أوردنا نماذج من قوله وهو أكثر تفصيلًا وأشمل وأدل على تبحر وعظيم اطلاع: وبأنهم دخلوا له في قبة ... إذ أزمعوا نحو الشام رحيلا يشير إلى سفر الخروج ٣٣ رقم ٧ «وأخذ موسى الخيمة ونصبها له خارج المحلة ودعاها خيمة الاجتماع» - الضمير له يعود على الخالق عن ذلك علوًا كبيرًا والعرب تسمى الخيمة قبة- قال النابغة: أصم أم يسمع رب القبة يا أوهب الناس لعنس صلبة ضرابة بالمشفر الأذبة

стр. 2558

يشير بهذا إلى اسمه إسرائيل أنه من صراعه إيل وهذا الذي صنع فيه المثال ابستين تمثاله الذي سماه يعقوب والملاك Jacob and the Angel وفي التكوين ٣٢ رقم ٢٤ إلى ٢٩: «فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر فقال لا أطلقك إن لم تباركني فقال له ما اسمك فقال يعقوب، فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك فقال لماذا تسأل عن اسمي وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنئيل قائلًا لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي. وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه إلخ» والشاهد قول الخبر: «لأنك جاهدت مع الله وقدرت» وهذا في الترجمة أغمض مما ذكر البوصيري أنه صارع ربه ورمى به، والذي جاء به البوصيري هو عينه الذي في النص الإنجليزي- رقم ٢٨. And he said, thy name shall be called no more Jacob, but Israel: for as a prince hast thou power with God and with men, and hast prevailed. أي من حيث كونك أميرًا لك قوة مع الله ومع الناس- أي تقوى على الناس وكذلك تقوى على الله وهذا شرح للرمز أن الذي صارعه يمثل الإله والبشر معًا وقوله hast prevailed أي تغلبت وهذا هو المعنى الذي جاء به البوصيري. والذي يدل على أن الذي صارعه هو ربه قوله فدعا يعقوب المكان فنئيل- أي وجه الله. وبأنه من أجل آدم وابنه ... ضرب اليدين ندامة وذهولا وبدا له نوم نوح وانثنى ... أسفًا يعض بنانه مذهولا وقد مر الحديث في البداء- ثم ذكر بعض ما حرفه اليهود على أنبيائهم: لم ينتهوا عن قذف داؤد ولا ... لوط فكيف بقذفهم روبيلا إذ زعموا أن داود أرسل زوج الجميلة الميدان القتال حتى قتل وكان خالفه إلى زوجته وهي عندهم أم سليمان وأن سليمان هكذا لغير رشدة (صموئيل الثاني ١١ - وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بين الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جدًا فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشيع بنت ألبعام امرأة أوريا الحثى فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة ..... ».

стр. 2559

وتمضي القصة فيرسل داود زوج المرأة في وجه الحرب الشديدة حتى مات وكان هذا قصده فتأمل (انظر ص ٤٦٦ - ٤٦٩) من رقم ٢ إلى رقم ١٧. وأما قذفهم لوطًا فزعمهم أنه أحبل بنتيه وهو ثمل، أحبل الكبرى ثم أحبل الصغرى وذلك أنهما ائتمرتا وخافتا أن ينقطع نسل أبيهما وذلك بعد هلاك قوم لوط وخراب دورهم- «التكوين ١٩ رقم ٣١ - ٣٢ - ٣٣ - ٣٤ - ٣٥ - ٣٦ - ٣٧ - ٣٨ وهو آخر الإصحاح التاسع عشر- من ذلك فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها ..... إلى قوله ..... وقامت الصغيرة واضطجعت معه إلخ» وأما قذف روبيل وهو كبير أبناء يعقوب ﵇ فزعموا أنه فسق بسرية أبيه وهي له أي لأبيه أم ولد ولدت له دانا ونفتالي وكانت قد وهبتها له فيما زعموا راحيل لما ولدت أختها ليا ولم تلد هي (تكوين- ٣٠ (الثلاثون رقم ٤ إلى ٨). هذا وخبر بلهة وقذف روبيل في الخامس والثلاثين من التكوين رقم ٢٢ حيث قال وحدث إذ كان إسرائيل ساكنًا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه وسمع إسرائيل. ولولا أن البوصيري أشار إلى هذا القذف لنزهنا الطرس عنه إذ هذا من الذي لا يجوز ذكره في حق الأنبياء ﵈ وهو مما حرف به القوم كتابهم فخلطوا أساطير الأولين بأنباء من لا شك فيهم أنهم أولو عصمة. وليا وراحيل ابنتا لابان تزوجهما يعقوب، عندهم أنه تزوج ليا أولًا ولم تكن حسنة وكان يحب راحيل فخدعه أبوها ثم تزوج عليها راحيل وهي أم سيدنا يوسف ﵇ فيوسف وروبيل ابنا خالة. وزعموا أن راحيل كانت عقيمًا حتى ولدت أختها ليا أربعة أبطن وهي عقيم وجاريتها بلهة بطنين وهي عقيم والذي ذكره الزمخشري أن يعقوب ﵇ صارت إليه راحيل بعد موت ليا وهذا أشبه بسياق القصة وبحق نبي الله يعقوب وبنيه ﵈ وقد أشار البوصيري إلى هذا الخلط والتحريف في قوله: لووا بغير الحق ألسنة بما ... قالوه في ليا وفي راحيلا وجنوا على هارون بالعجل الذي ... نسبوا له تصويره تضليلا وعندنا أن صاحب العجل هو السامري وعندهم أن هرون جمع حليهم وقذفها في النار فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار أو كما قالوا- انظر الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج Exodus من ١ إلى ٦ فما بعد، ومن ذلك (رقم ٣ - ص ١٤٠) «فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا إلى هارون فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلًا مسبوكًا فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر إلخ».

стр. 2560

وقد نفى القرآن هذه الفرية عن سيدنا هارون ﵇. في سورة طه: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارًا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدًا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعًا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ..... ﴾ [الآيات]. وكذلك في سورة الأعراف: ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾. ظنوا بربهم الظنون ورسله ... ورموا إناثًا بالأذى وفحولا ومن الغبينة أن يجازى إفكهم ... صدقي ولسنا في الكلام شكولا أي لسنا أشباهًا. الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئ القنديلا تخبركم التوراة أن قد بشرت ... قدمًا بأحمد أم إسماعيلا يشير إلى مقال التوراة «التكوين ٢١ - ص ١٧/ ٢١ فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها مالك يا هاجر لا تخافي لأن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو قومي احملي الغلام وشدي يدك به لأني سأجعله أمة عظيمة وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس وسكن في برية فاران وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر». وفي سفر التكوين أيضًا في الإصحاح السادس عشر رقم ١١/ ١٢ «وقال لها ملاك الرب ها أنت حبلى فتلدين ابنًا. وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه يكون إنسانًا وحشيًا يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع أخوته يسكن». ووردت مباركته وختانه في الإصحاح ١٧ رقم ٢٠ و ٢٢. ودعته وحش الناس كل ندية ... وعلى الجميع له الأيادي الطولى طوبى لموسى حين بشر باسمه ... ولسامع من قوله ما قيلا وجبال فاران الرواسي إنها ... نالت من الدنيا به التفضيلا

стр. 2561

وحش الناس لسكناه الصحراء وذلك بمشهد من إخوته كما في الترجمة الإنجليزية And he shall dwell in the presence of all his brethren وكل ندية أي في كل مجلس يختلفون معه ويختلف معهم ويقاتله الناس ويقاتلهم وزعم النبهاني ﵀ أن هذا مذكور في كل مجلس تقرأ فيه التوراة وليس بوجه قوي. وبشارة موسى ﵇ في سفر التثنية ١٨ في رقم ١٤ - ٢٢ «ويقيم لك الرب نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلًا لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلا أموت قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به إلخ» في النص الإنجليزي from the midst of thee, of the brethren, like unto me; ثم مرة أخرى في رقم ١٨ I will raise them up a Prophet from among their brethren. وعند البوصيري أن هذا المبشر به ينبغي أن يكون من أصل إبراهيم لا من إسرائيل- قال ﵀: من مثل موسى قد أقيم لأهله ... من بين إخوتهم سواه رسولا أو أن إخوتهم بني العيص الذي ... نقلت بكارته لإسرائيلا باع العيص (عيسو) بكارته (بكوريته) لأخيه يعقوب بخبز وطبيخ عدس (التكوين ٢٥ رقم ٢٤) «فأعطى يعقوب عيسو خبزًا وطبيخ عدس فأكل وشرب وقام ومضى فاحتقر عيسو البكورية». وأما حرمان العيص من البركة فكان بسبب أن أباه كان يحبه وأمه كانت تحب يعقوب وكان كما قالت القصة التي ذكروها قد عمى إسحق أو ضعف بصره فجاءه يعقوب بصفة العيص وذلك بتدبير أمه رفقة- (الإصحاح السابع والعشرون والخبر كما في هذا الإصحاح ذو أحزان) - فباركه أبوه وحرم من البركة العيص انظر رقم ٢٨ - : «فقال عيسو لأبيه ألك بركة واحدة فقط يا أبي باركني أنا أيضًا يا أبي ورفع صوته وبكى إلخ». وجبال فاران بين علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب في بيانها اختلاف وأوضح الوجوه أنها المراد بها جبال موحشة لمطابقة هذا اللفظ فرا وهو الموصوفة به الوحشية والذي في خبر إسمعيل، فإن كان ذلك كذلك فمن قال إنها جبال مكة لم يباعد لقوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم الخليل ﵇: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي

стр. 2562

زرع عند بيتك المحرم﴾ وزعم البكري أن فاران معدن حديد ببلاد بني سليم وأنشد متى كان للقينين قين طمية ... وقين بلي معدنان بفاران وفران بوزن سحاب في أنساب بلي، وقيل فرعون موسى ﵇ كان من بلي. وفي خبر إسماعيل في التوراة أنه وأمه عاشا ببرية فاران فتأمل. هذا، وتفاصيل ما ذكره البوصيري من كلام أهل الكتابين كثيرة عنده، دقيقة معرفته بها، وإنما هذا الذي أوردناه لمع ونتف وأمثلة. ومن جيد مديحه في هذه اللامية: إن أنكروا فضل النبي فإنما ... ألقوا على ضوء النهار سدولا واسمع كلامهم ولا تجعل على ... ما حرفوا من كتبهم تعويلا لولا استحالتهم لما ألفيتني ... لك بالدليل على الغريم محيلا وصدق. ومجاملة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن ذلك هو الواجب في حقنا وحقهم، ولكنه في المبشرين بغى وفرط طعون في عصرنا هذا لا تقل عما كان لأسلافهم من أصحاب محاكم التفتيش، أولئك بسطوة عذابهم، وهؤلاء بتزيد أقلامهم وضروب أساليب دعايتهم ودعاواهم. والذي ذكره البوصيري من تحريف كتبهم هو ما عليه اعتقادنا فيهم. ومن المعاصرين في زماننا من يلتمس لكثير مما جاءوا به التخريجات على وجه من وجوه علوم العمران والاجتماع وغير ذلك، كأن يقال إن قصة العيص ويعقوب رمز لأن أهل الحواضر والنعمة أكثر كيدًا ومكرًا من أهل الشدة والبداوة. وليس هذا بمخرجها من أنها محرفة وليست بصفة حق لنبي الله يعقوب ﵇. ومسألة بكارة العيص مشكلة لأنهم لم يذكروا بين إسمعيل وإسحق بكارة وكان إسمعيل هو البكر، إلا أن يقال إنهما كليهما بكران بالنسبة إلى أميهما. وأبناء يعقوب لم يكن لأكبرهم فضل على يوسف وأخيه وإيثار أبيه لهما دليل على نفي أحقية البكارة. فتكون البكارة شيئًا دب تحريفه إلى اليهود من الأمم التي خالطوها، وليس في أصل عرفهم أو عبادتهم، كما دبت إليهم عبادة العجل، من آبيس، والأصنام التي زعموها لراحيل، وحسنًا صنع الإمام شرف الدين البوصيري إذ نصح ألا نعول على ما حرفوا وما أولوا في هذا المجال. ولكن نعول على القرآن والحديث. قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ غضب حين رأى مع عمر رضي الله عنه

стр. 2563

صحيفة من التوراة وللعلماء في هذه المسألة خلاف وأقوال وقول البوصيري: «لولا استحالتهم» يفيد الجواز في باب مقارعة الحجة بالحجة. قال الشيخ عبد الحي الكتاني في التراتيب الإدارية (١) «وأما النهي عن قراءتها وإن صرح به الفقهاء فليس على إطلاقه لوقوعه في زمن النبي ﷺ لكثير من الصحابة من غير إنكار فهو مقيد بمن لم يميز بين المنسوخ والمخرج منها إلخ ص ٤٢٨ - ٤٢٩ الجزء الثاني»: أو قد جهلت من الحديث روايةً ... أو قد نسيت من الكتاب نزولا فاعدل إلى مدح النبي محمد ... قولًا غدا عن غيره معدولا فإذا حصلت على الهدى بكتابه ... لا تبغ بعد لغيره تحصيلا كأنه حذف جواب إذا واستأنف كلامًا جديدًا، ولك أن تقول حذف الفاء والأول أظهر- أي فذاك، وقوله: أو قد جهلت إلخ يشير إلى ما قدمنا ذكره من خبر النهي وما إليه: إن كنت تنكر معجزات محمد ... يومًا فكن عما جهلت سؤولا ما زال يرقى في مواهب ربه ... وينال فضلًا من لدنه جزيلا بث الفضائل في الوجود فمن يزد ... فضلًا يزده بفضله تفضيلا فاسمع شمائله التي ذكرى لها ... قد كاد تحسبه العقول شمولا إني لأورد ذكره لتعطشي ... فإخال أني قد وردت النيلا استعمل أورد هنا استعمالًا استخداميًا كما يقال في البديع أي أجعل ذكره يرد وأجعل نفسي ترد ذكره كورود الإبل الماء- ثم انظر إلى ذكره النيل وحبه له وقوله إن ذلك فرع من حب رسول الله ﷺ ، والنيل كما في الحديث من الجنة نابع ومن رأى خشونة الصحراء التي تكتنف نواحي جانبيه تيقن من ذلك. والنيل يذكرني كريم بنانه ... فأطيل من شوقي له التقبيلا الله أعطى المصطفى خلقًا على ... حب الإله وخوفه مجبولا أتقنت من إخلاص ودي مدحه ... وأخذت منه لبابه المنخولا إني امرؤ قلبي يحب محمدًا ... ويلوم فيه لائمًا وعذولا أأحبه وأمل من ذكرى له ... ليس المحب لمن يحب ملولا

стр. 2564

ولأرمين له الفجاج بضمر ... كالنبل سبقًا والقسي نحولا من كل دامية الأياطل زدتها ... عنقًا إذا كلفتها التمهيلا حتى أضم بطيبة الشمل الذي ... أنضى إليها العرمس الشمليلا العرمس الشمليل الناقة القوية السريعة، جاء أبو الطيب بالعرامس جمع العرمس وبالشملال صيغة أخرى للشمليل. وإذا تعسرت الأمور فإنني ... راج لها بمحمد تسهيلا ﷺ تسليمًا. فاجعل لنا اللهم جاه محمد ... فرطًا تبلغنا به المأمولا واجعل صلاتك ديمةً منهلةً ... لم تلف دون ضريحه تهليلا هذا من قول كعب ﵁ «وما لهم عن حياض الموت تهليل» أي تأخر- أي تصل إلى ضريحه ﷺ لا يثنيها عنه شيء. ما هزت القضب النسيم ورجعت ... ورقاء في غصن الأراك هديلا عني ما هز النسيم القضب بالنصب وهذا جائز في العربية وفي المطبوعة بنصب القضب وإسكان الضاد ويجوز على تأويل النسيم بالريح فيكسبه ذلك تأنيثًا وأستبعده، والذي صنع من رفع القضب مذهب فصاحة وهو أشبه بأسره ورصانته ومنه قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة﴾. وللبوصيري من فحل الشعر وطنانه في مدح الرسول روائع ليس إلى استكثار الشواهد منها هنا من سبيل. ونذكر منها على وجه التمثيل لاميته التي على وزن «بانت سعاد» ولم يجعل لها فاتحة نسيب وإنما افتتحها بالتأمل والمواعظ. إلى متى أنت باللذات مشغول ... وأنت عن كل ما قدمت مسئول في كل يوم ترجى أن تتوب غدًا ... وعقد عزمك بالتسويف محلول أما يرى لك فيما سر من عمل ... يومًا نشاط وعما ساء تكسيل فجرد العزم إن الموت صارمه ... مجرد بيد الآمال مسلول وبائيته الوافرية التي افتتحها بالمديح مباشرة: بمدح المصطفى تحيا القلوب ... وتغتفر الخطايا والذنوب وأرجو أن أعيش به سعيدًا ... وألقاه وليس على حوب نبي كامل الأوصاف تمت ... محاسنه فقيل له الحبيب

стр. 2565

وفيها: بدت للناس منه شموس علم ... طوالع ما تزول وما تغيب وألهمنا به التقوى فشقت ... لنا عما أكنته الغيوب خلائقه مواهب دون كسب ... وشتان المواهب والكسوب مهذبة بنور الله ليست ... كأخلاق يهذبها اللبيب وآداب النبوة معجزات ... فكيف ينالها الرجل الأديب وبائيته التي استهلها بذكر الموعظة والندم من الكامل: وافاك بالذنب العظيم المذنب ... خجلًا يعنف نفسه ويؤنب لم لا يشوب دموعه بدمائه ... ذو شيبة عوراتها ما تخضب لعبت به الدنيا ولولا جهله ... ما كان في الدنيا يخوض ويلعب لزم التقلب في معاصي ربه ... إذ بات في نعمائه يتقلب يستغفر الله الذنوب وقلبه ... شرهًا على أمثالها يتوثب تأمل هذا الكلام الصافي الصادق النابع من القلب. يفري جوارحه على شهواته ... فكأنه فيها استباح مكلب إذ المكلب مباح له الصيد بما علمه وذكر اسم الله عليه. أضحى بمعترك المنايا لاهيًا ... فكأن معترك المنايا ملعب ضاقت مذاهبه عليه فما له ... إلا إلى حرم بطيبة مهرب متقطع الأسباب من أعماله ... لكنه برجائه متسبب وقفت بجاه المصطفى آماله ... فكأنه بذنوبه يتقرب وبدا له أن الوقوف ببابه ... باب لغفران الذنوب مجرب صلى عليه الله إن مطامعي ... في جوده قد غار منها أشعب في شعر البوصيري ﵀ كثير من خفة الروح ونادرة الذكاء المصرية المعدن، وذلك أمر الإشارة إليه تفي إن شاء الله. لم لا يغار وقد رآني دونه ... أدركت من خير الورى ما أطلب ماذا أخاف إذا وقفت ببابه ... وصحائفي سود ورأسي أشيب والمصطفى الماحي الذي يمحو الذي ... يحصي الرقيب على المسيء ويكتب صلى عليه الله إن صلاته ... فرض على كل الأنام مرتب ما حن مشتاق إلى أوطانه ... مثلي وراح بوصفها يتشبب

стр. 2566

رحم الله البوصيري فإن شعره جزل، ونعود إلى بعض ما كنا فيه من الهمزية: وقد أفاض البوصيري في أمر اليهود وما كان بينهم وبين المنافقين والأحزاب من حلف. خدعوا بالمنافقين وهل ينفق إلا على السفيه الشقاء واطمأنوا بقول الأحزاب إخوانهم إننا لكم أولياء حالفوهم وخالفوهم ولم أدر لماذا تخالف الحلفاء أسلموهم لأول الحشر لا ميعادهم صادق ولا الإيلاء هؤلاء بنو النضير. سكن الرعب والخراب قلوبًا ... وبيوتًا منهم نعاها الجلاء ثم صار إلى ذكر بني قريظة وما كان من مساندتهم للأحزاب في غزوة الخندق. وبيوم الأحزاب إذ زاغت الأبـ ... ـصار فيهم وضلت الآراء وتعدوا إلى النبي حدودًا ... كان فيها عليهم العدواء أي كان فيها عليهم المركب الخشن بضم العين وفتح الدال وكان فيها ما عداهم أن ينالوا منه. ونهتهم وما انتهت عنه قوم ... فأبيد الأمار والنهاء كعب بن أسد وحيي بن أخطب ولفهم. وقد تناول العقاد أمر بن قريظة بسداد عظيم وأحسبه وفي القول فيه بأجود مما جاء به هيكل في حياة محمد، جزيا كلاهما خيرًا، وذلك أن العقاد لم يدافع بما وقع من خيانة بني قريظة وغدرهم، ولكن نبه وتنبه إلى أن القوم حكموا سعد بن معاذ ﵁، وما فعلوا ذلك إلا وهم واثقون بأنه سيرجع في أمرهم إلى عادة حلف الجاهلية ولو لم يرجع إلى ذلك، فإنه لن يبلغ أن يحكم بما حكمه وإنما جهده أن يقسو عليهم فيحكم بجلائهم مثلًا، وكانوا على ثقة من أمرهم لغرورهم واستجهالهم أهل المدينة أن سعدًا ﵁ لم يكن له علم بما عليه قانون التوراة في هذا الباب. غاب عنهم لأمر كان مفعولا، أن سعدًا ﵁ عميق الإيمان، وأنه مأمور إذ حكم بما أمر الله به نبيه ﷺ إذ قال ﵎: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. فما كان لسعد رضي

стр. 2567

الله عنه إلا أن يحكم بما أنزل الله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾ ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾. وتعاطوا في أحمد منكر القو ... ل ونطق الأراذل العوراء أي قبيح القول. كل رجس يزيده الخلق السو ... ء سفاهًا والملة العوجاء فانظروا كيف كان عاقبة القو ... م وما ساق للبذي البذاء ثم افتن في باب من البديع استحسنه أبو منصور في شعر أبي الطيب، أن التشبيه فيه من جنس صناعته مثل: دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل ونحو: إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم وهو عند أبي الطيب كثير- وللبوصيري منه بدائع مثل قوله في البردة يذكر المعراج: سريت من حرم ليلًا إلى حرم ... كما سرى البدر في داج من الظلم وبت ترقى إلى أن نلت منزلة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم وقدمتك جميع الأنبياء بها ... والرسل تقديم مخدوم على خدم وأنت تخترق السبع الطباق بهم ... في موكب كنت فيه صاحب العلم يذكر هنا صعود جبريل ﵇ به يستفتح فيلقى الأنبياء نبيًا بعد نبي في سماء بعد سماء، وعندنا أن تغني المسلمين بالبردة كان له عظيم الأثر في محاكاتها لا من جانب شعراء المسلمين وحدهم ولكن من جانب شعراء النصارى كدانتي في قصته الإلهية وكان بين ميلاد دانتي (١٢٦٥ م) والبوصيري (٦٠٨ هـ) أكثر من نصف قرن، وذلك لأمر الأخذ والمحاكاة تمهيد كاف. حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق ... من الدنو ولا مرقى لمستنم خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم وهذا موضع استشهادنا. وقال حيث ذكر الجهاد وفعل الصحابة رضوان الله عنهم: هم الجبال فسل عنهم مصادمهم ... ماذا رأى منهم في كل مصطدم وسل حنينًا وسل بدرًا وسل أحدًا ... فصول حتف لهم أدهى من الوخم المصدري البيض حمرًا بعدما وردت ... من العدا كل مسود من اللمم والكاتبين بسمر الخط ما تركت ... أقلامهم حرف جسم غير منعجم كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم

стр. 2568

أخذ هذا فأحسن الأخذ وأخفاه من أبي الطيب حيث قال: فكأنما نتجت قيامًا تحتهم ... وكأنما ولدوا على صهواتها كأن الخيل ربا وهم نباتها يرف عليها، والمجانسة سهلة حيث جاء بها لا يكاد السامع يتنبه إلى أنه ملابستها صنعة وحذق. طارت قلوب العدا من بأسهم فرقًا ... فما تفرق بين البهم والبهم البهم صغار المعزى بفتح فسكون والبهم بضم ففتح جمع بهمة بضم فسكون وتاء مربوطة بعد الميم وهو الشجاع الذي لا يدري قرنه من أين يأتيه. ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد في آجامها تجم أي يصيبها الوجوم. وهذا البيت يقولون من أنشده أمن مما يخاف، ولو لقيه الأسد. ولن ترى من ولى غير منتصر ... به ولا من عدو غير منقصم أحل أمته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم كم جدلت كلمات الله من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم وجاء بالبرهان من بعد: كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم خدمته بمديح أستقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم بكسر الخاء وفتح الدال أي خدمات الناس من ذوي الجاه وأشباه ذلك ولك فتح الخاء ويكون كأنه ينظر إلى قول أبي الطيب: بكل منصلت ما زال منتظري ... حتى أدلت له من دولة الخدم ولا تستبعدن هذا. خدمته بمديح أستقيل به ... ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم وشعر البوصيري في غير المديح النبوي لا يبلغ شيئًا من جودته فيه فسبحان الموفق القدير، من يهد الله فهو المهتدي. إذ قلداني ما تخشى عواقبه ... كأنني بهما هدي من النعم أي الشعر وخدمة هؤلاء قلداني ذنوبًا فصارت لي كقلائد الإبل التي تقلد القلائد وتساق لتنحر هديًا إلا أنهما يقدمانني هديًا للشيطان- تأمل هذا الافتنان. أطعت غي الصبا في الحالتين فما ... حصلت إلا على الآثام والندم

стр. 2569

فيا خسارة نفس في تجارتها ... لم تشتر الدين بالدنيا ولم تسم ومن يبع آجلًا منه بعاجله ... يبن له الغبن في بيع وفي سلم إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض ... من النبي ولا حبلي بمنصرم فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم إذ هو محمد بن محمد بن سعيد بن حماد الأبوصيري أو البوصيري وهذه أشبه إذ قريته بوصير وأصلها أبوصير وهو عربي مغربي أمه من صعيد مصر- ونعود إلى ما كنا فيه من الهمزية حيث ذكرنا استعماله ما هو من جنس صناعة الأدب والكتابة في باب التصوير والبيان: فانظروا كيف كان عاقبة القوم وما ساق للبذي البذاء وجد السب فيه سما ولم يدر إذ الميم في مواضع باء أي قد تقلب الميم باء لتقارب المخرج إذ هما شفويان فوجدوا السب الذي سبوه النبي ﷺ قد انقلبت باؤه سما فقتلهم. وانظر إلى قوله «في مواضع» إلى دقته ورشاقته. كان من فيه قتله بيديه ... فهو من سوء فعله الزباء أي لأن السب خرج من فيه وهو سم فقتله فكأنه قد أخذ سمًا فمصه كما فعلت الزباء وقد مر خبرها، وهذا كمذهب أبي تمام في الإشارة. صرعت قومه حبائل بغي ... مدها المكر منهم والدهاء فأتتهم خيل إلى الحرب تختا ... ل وللخيل في الوغي خيلاء قصدت فيهم القنا فقوافي الطـ ... ـعن منها ما شأنها إيطاء أي كسرت فيهم القنا من جعل القنا قصدًا فهو قصيد أي متكسر، قال أبو الطيب: يطأن من الأبطال من لا حملنه ... ومن قصد المران ما لا يقوم فالخيل إذ وطئت هذا القنا القصيد فهذا الإيطاء لا يشينه كما الإيطاء يشين قوافي الشعر. وقصدت الخيل فيهم القنا أي نظمته كما ينظم الشعر طعنًا سلكي وطعنًا مخلوجًا متتابعًا قاتلًا فمنظومات الطعن فيهم لا يشينها أن تتشابه كما يشين ذلك قوافي الشعر. فهنا كما ترى تورية واستخدام. وقوله فأتتهم خيل ... البيت، كأن صياغته تنظر إلى قول أبي الطيب: فأتتهم خوارق الأرض ما تحـ ... ـمل إلا الحديد والأبطالا خافيات الألوان قد نسج النقـ ... ـع عليها براقعًا وجلالا ثم إن البوصيري ﵀ ذكر فتح مكة وعفو النبي ﷺ :

стр. 2570

وأثارت بأرض مكة نقعًا ... ظن أن الغدو منها عشاء أحجمت عنده الحجون وأكدى ... عند إعطائه القليل كداء قال النبهاني ما معناه أنه هو كداء بضم الكاف كأن الشاعر مد المقصور قال ﵀ أحجمت كفت وأمسكت، وعنده عند غبار الحرب، والحجون الجبل المطل على مقبرة مكة المشرفة وهو كداء بالفتح والمد ومنه دخل النبي ﷺ يوم الفتح وأكدى قل خيره وكدى بالضم والقصر ويمد كما هنا موضع بأسفل مكة ومنه دخل خالد بن الوليد ﵁ ووقع فيه حرب قليل مع أوباش مكة. قلت هذا الوجه الذي ذكره لا بأس به. وعندي أنه لم يرد بالحجون إلا مكة والحجون جبل مكة فأنثه لمعناها وكداء بالفتح والمد هو الذي ذكره حسان ﵁: عدمتم خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء وقد ذكر البوصيري النقع (١) ولا حاجة به إلى قصر الممدود وعنى بكداء مكة كل ذلك، من إطلاق الجزء على الكل. أي أحجمت مكة فلم تقاتل لاستسلام أبي سفيان وسائر السادة وأعطت من القتال قليلًا ثم تركته يشير إلى يوم الخندمة، حيث جمع صفوان وعكرمة جمعًا قال الراجز: إنك لو رأيت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة ولحقتنا بالسيوف المسلمة لهم نهيت خلفنا وزمزمة يضربن كل هامة وجمجمة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة ويشير إلى قوله تعالى: ﴿وأعطى قليلا وأكدى﴾ أي صار كالحجر لا عطاء عنده. أحجمت عنده الحجون وأكدى ... عند إعطائها القليل كداء أي خلا من كل مقاومة وهو الموضع الذي دخل منه رسول الله ﷺ . ودهت أوجهًا بها وبيوتًا ... مل منها الإكفاء والإقواء إكفاء القدور وإقواء الديار أي خلوها وألغز بالإكفاء والإقواء والبيوت إذ ذلك كله من ألفاظ الشعر. فدعوا أحلم البرية والعفـ ... ـو جواب الحليم والإغضاء

стр. 2571

ناشدوه القربى التي من قريش ... قطعتها الترات والشحناء فعفا عفو قادر لم ينغصـ ... ـه عليهم بما مضى إغراء وإذا كان القطع والوصل للـ ... ـه تساوى التقريب والإقصاء ثم أخذ بعد في باب من المدح من أسنى ما قال وأجوده، جمع فيه بعد طريق الجدل والوصف والقصص والخطابة، طرقًا من عذب الغناء ورنانة واستخفه الطرب فركب الناقة وعدد المنازل إلى دار الحبيب وهذا لشعراء العرب منهج، حتى في اللغة الدارجة، وقد اتبعه المتنبي في مقصورة خروجه من مصر «ألا كل ماشية الخيزلي» ومن قبل صنع ذلك أبو نواس حين قصد الخصيب بمصر في «أجارة بيتينا أبوك غيور» - وهنا شاعر مصري مغربي مسلم حنيف يفر إلى الله وإلى الحبيب لا من خوف ملك ولكن لخوف الملك الجبار، ورجاء إيفاء طاعة الدين حقها، ويقصد لا صاحب جاه من جاه الدنيا كالخصيب، ولكن صاحب جاه الآخرة، الماحي الشفيع ﵊: وسواء عليه فيما أتاه ... من سواه الملام والإطراء ولو أن انتقامه لهوى النفـ ... ـس لدامت قطيعة وجفاء قام لله في الأمور فأرضى الـ ... ـله منه تباين ووفاء فعله كله جميل وهل ينضـ ... ـح إلا بما حواه الإناء أطرب السامعين ذكر علاه ... يا لراح مالت بها الندماء ثم أخذ في قري غناء مطرب: النبي الأمي أعلم من أسند عنه الرواة والحكماء هذا كقوله في البردة «كفاك بالعلم في الأمي معجزة البيت» وعدتني ازدياره العام وجنا ... ء ومنت بوعدها الوجناء أفلا أنطوى لها في اقتضائيـ ... ـه لتطوى ما بيننا الفلاء أي الصحاري جمع فلاة. أنطوى أي أطوى نفسي على طية بكسر الطاء أي نية يعني نية الحج. أي أفلا أصدق النية والعزم في اقتضائي لها أن توفي بوعدها لكي توفيه فتطوى ما بيننا الصحاري. بألوف البطحاء يجفلها النيـ ... ـل وقد شف جوفها الأظماء بناقة تألف بطحاء مكة وتجفل عن النيل ولو طالت أظماؤها جمع ظمء، بكسر الظاء وهو مدة ما بين الشرابين للإبل. وفي الناقة كناية عن نفسه، إذ حركة شوق الطاعة بالحج وزيارة الحبيب، ثم جعل يعد المنازل، وقد قصد مكة أولًا، ليحرم من الميقات ويحج ثم بعد ذلك قصد طيبة لزيارة قبره ﵌ وحرمه الشريف.

стр. 2572

فأقضت على مباركها بر ... كتها فالبويب فالخضراء فالقباب التي تليها فبئـ ... ـر النخل والركب قائلون رواء وغدت أيلة وحقل وقر ... خلفها فالمغارة الفيحاء ثم عد المنازل. فذكر النبهاني أن العارف الصاوي رحمهما الله ذكر في حاشيته على الهمزية أن الناظم ترك منازل خمسة قبل الحوراء. قلت وما أرب الناظم أن يسرد المنازل نظمًا وإنما تغنى بها كما كان الشعراء يتغنون بمعاهد الديار ومنازل الأحبة لا يعنون بذلك سردًا جغرافيًا. ولو عد البوصيري عشرة منازل أو أربعين أو ثلاثين أو عشرين ثم قال من بعد كما قال بعد ذكره ما ذكر منها: هذه عدة المنازل لا ما ... عد فيه السماك والعواء لاستقام له المعنى واللفظ والسياق، إذ ليس قصده المطابقة بين عدد منازل القمر وما يعد من أسماء منازل الحج كما ليس قصده أن يذكر سردًا منظومًا بكل منازل الحج ولقد تنقص وتزيد بحسب نوع السير وحتى على تقدير ألا تزيد ولا تنقص، إذ قصده كما قدمنا الطرب والذكر بنغم التغني بهذه المنازل ولقد قال مما يشهد بصحة ذلك: أطرب السامعين ذكر علاه ... يا لراح مالت بها الندماء ومناسبة قوله: هذه عدة المنازل لا ما ... عد فيه السماك والعواء ليست في مطابقة عدد ما ذكره لعدة منازل القمر. ولكنها كامنة في حقيقة تنبيهه على أنه يذكرها للشوق والحب وطربًا بها كما كان يفعل فحول الشعراء الأولون، وقد ترك الشعراء ذلك أو كادوا منذ ماتت القصيدة المادحة الدنيوية القديمة. وقد ترنم أبو الطيب طربًا بذكر نجاته من كافور فعدد المنازل إلى العراق تعداد ترنم لا سرد. وقد كان عصر البوصيري وعصور كثيرة قبله وبعده إلى يومنا هذا لها ولع بالطوالع والنظر في النجوم وطلب معرفة الحظ ومخبوء الغيوب من طريقها، ليس قول البوصيري ﵀: وهذه عدة المنازل لا ما ... عد فيه السماك والعواء يخلو من النقد لهذا الولع الخاطئ. فمن أخذ عليه حذف خمسة مواضع أو نحو ذلك فقد ضيق من فسحة معناه الكبير الواسع.

стр. 2573

ثم يقول ﵀: فكأني بها أرحل من مكة ... شمسًا سماؤها البيداء موضع البيت مهبط الوحي مأوى الر ... سل حيث الأنوار حيث البهاء حيث فرض الطواف والسعي والحلـ ... ـق ورمي الجمار والإهداء حبذا حبذا معاهد منها ... لم يغير آياتهن البلاء البلى بكسر الباء والبلاء مقصور ومدود لغتان صحيحتان. وهذا البيت يقوي ما ذكرناه من قصده إلى الترنم كالقدماء، فقال حبذا هذه الديار والمعاهد ولكنها على قدمها معمورة لم يغيرها البلى، وكان القدماء يتغنون على الذكرى بديار كانت مأهولة ثم أقوت وأقفرت بعد عهد الأحباب. ولذلك أخذ الخليل على الآخر قوله الذي ذكره ابن قتيبة في مقدمته: أنبت تفاحًا وإجاصًا لأن التفاح والإجاص إنما يكونان في البساتين ومع التعهد بالسقي في المكان الآهل وليس كقول من قال: أنبت قيصومًا وجثجاثًا لأن هذه نباتات برية إنما تنبت بعد خلو الدار من أهلها. حرم آمن وبيت حرام ... ومقام فيه المقام تلاء المقام معًا مفتوحة الميم أو الثانية مضمومتها أو الأولى مضمومتها أو كلتاهما مضمومتها. فعلى الأول فالمقام مقام إبراهيم والقيام فيه جوار وذمة في حرم الله. وعلى الثاني فالمقام مكان الإقامة (اسم مكان رباعي) والمقام بمعنى القيام أو بمعنى مقام إبراهيم أي موضع قيامه والصلاة فيه جوار وذمة عند الله. وعلى الوجه الثالث فالمقام مكان الإقامة (رباعي) والإقامة فيه (مصدر ميمي رباعي) جوار وتلاء بمعنى الجوار ووزن سحاب. فقضينا بها مناسك لا يحـ ... ـمد إلا في فعلهن القضاء لأن قضاء الصلاة مثلًا يكون بعد فوات وقتها وقضاء الدين من هذا المعنى وإن حمد هو فإن الدين ليس في ذاته بمحمود ولذلك قال الشاعر: يلومونني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدًا فلو كان في ذاته أمرًا حميدًا ما كان قومه ليلوموه فيه.

стр. 2574

ورمينا بها الفجاج إلى طيـ ... ـبة والسير بالمطايا رماء لأن الناقة كالقوس وترفع رقبتها في السير كأنها قوس وترمي بنفسها الفجاج. فأصبنا عن قوسها غرض القر ... ب ونعم الخبيئة الكوماء فرأينا أرض الحبيب يغض الطر ... ف منها الضياء واللألاء فكأن البيداء من حيث قابـ ... ـلت العين روضةً غناء قوله نعم الخبيئة أي الذخر. والكرماء مخصوص نعم وليست صفة للخبيئة والكوماء عنى بها ناقته. وكأن البقاع زرت عليها ... طرفيها ملاءة حمراء وكأن الأرجاء تنشر نشر الـ ... ـمسك فيها الجنوب والجربياء أي نور وأي نور شهدنا ... يوم أبدت لنا القباب قباء قر منها دمعي وفر اصطباري ... فدموعي سيل وصبري جفاء لأن السيل يحتمل زبدًا رابيًا ﴿فأما الزبد﴾ كما قال تعالى في الكتاب العزيز ﴿فيذهب جفاء﴾ وهنا صار الدمع هو النافع والصبر جفاء فتأمل. فترى الركب طائرين من الشو ... ق إلى طيبة لهم ضوضاء هذه أخذها من الحارث وحول معناها من السخرية عند الحارث إلى معنى النشوة والحب ههنا. وكأن الزوار ما مست البأ ... ساء منهم خلقًا ولا الضراء يعني بأساء السفر وذلك من عون الله وتوفيقه. ثم يجيء هذا المدح والانفعال بالعاطفة الرائع ويناسب ما قدمه من أن الشوق قد طار به وكأنه ما مسه فتور ولا إعياء وقد نظم ما نظم مما يكل عن مثله الفحول، وما زالت أنفاسه لهن حرارة واندفاع وصدق ولإيقاعه رنين وزجل وترجيع: فحططنا الرحال حيث يحط الـ ... ـوزر عنا وترفع الحوباء وقرأنا السلام أكرم خلق اللـ ... ـه من حيث يسمع إلا قراء وذهلنا عند اللقاء وكم أذ ... هل صبًا من الحبيب لقاء تقول قرأ ﵇ وأقرأه إياه أي أبلغه ثلاثي ورباعي ذكره الفيروزآبادي وذلك مما يحسن التنبيه عليه لما يقع فيه من النسيان والوهم وقوله ذهلنا والبيت التالي من جيد وصف زيارة الحبيب ﵊.

стр. 2575

ووجمنا من المهابة حتى ... لا كلام منا ولا إيماء ورجعنا وللقلوب التفاتا ... ت إليه وللجسوم انثناء ثم صار إلى خطابه ﷺ : يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا ... مي عليه مدح له وثناء أقسام جمع قسم بالتحريك. بالعلوم التي عليك من اللـ ... ـه بلا كاتب لها إملاء ومسير الصبا بنصرك شهرًا ... فكأن الصبا لديك رخاء هي الريح التي سخرت لسيدنا سليمان ﵇ غدوها شهر ورواحها شهر. وعلي لما تفلت بعينيـ ... ـه وكلتاهما معًا رمداء فغدا ناظرًا بعيني عقاب ... في غزاة لها العقاب لواء وهي خيبر. وبريحانتين طيبهما منك الذي أودعتهما الزهراء هي فاطمة ﵂. كنت تؤويهما إليك كما آ ... وت من الخط نقطتيها الياء لأن النقطتين تحتها وفي كنفها معًا عندما تكون متطرفة، وهذا من الباب الذي ذكرناه آنفًا ونظر في ذكر السبطين والياء إلى قول أبي الطيب: وكان ابنا عدو كاثراه ... له يائي حروف أنيسيان وهو نظر خفي من باب الحذو اللامح.

стр. 2576

من شهيدين ليس ينسيني الطـ ... ـف مصابيهما ولا كربلاء آل بيت النبي إن فؤادي ... ليس يسليه عنكم التأساء أي التأسي والتعزية. آل بيت النبي طبتم فطاب الـ ... ـمدح لي فيكم وطاب الثناء أنا حسان مدحكم فإذا نحـ ... ـت عليكم فإنني الخنساء سدتم الناس بالتقي وسواكم ... سودته البيضاء والصفراء والبوصيري هنا متبع قولنا صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم فذكر الآل ثم صار إلى الأصحاب فبدأ بالخلفاء ثم العشرة الكرام مع مدح مجمل ومفصل. وبأصحابك الذين هم بعـ ... ـدك فينا الهداة والأوصياء أغنياء نزاهةً فقراء ... علماء أئمةً أمراء رضي الله عنهم ورضوا عنـ ... ـه فأنى يخطو إليهم خطاء ما لموسى ولا لعيسى حواريـ ... ـون في فضلهم ولا نقباء بأبي بكر الذي صح للنا ... س به في حياتك الاقتداء وأبي حفص الذي أظهر اللـ ... ـه به الدين فارعوى الرقباء وابن عفان ذي الأيادي التي طا ... ل إلى المصطفى بها الإسداء وعلي صنو النبي ومن ديـ ... ـن فؤادي وداده والولاء وبباقي أصحابك المظهر التر ... تيب فينا تفضيلهم والولاء ثم ذكرهم طلحة والزبير وسعدًا وسعيدًا وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة ثم ذكر عمي رسول الله ﷺ وضمن في ذكره الزبير ابنه عبد الله وزوجه أسماء ﵃ أجمعين. وبأم السبطين زوج علي ... وبنيها ومن حوته العباء وبأزواجك اللواتي تشرفـ ... ـن بأن صانهن منك بناء الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء هذا جواب القسم

стр. 2577

قد تمسكت من ودادك بالحبـ ... ـل الذي استمسكت به الشفعاء وأبي الله أن يمسني السو ... ء بحال ولي إليك التجاء قد رجوناك للأمور التي أبـ ... ـردها في فؤادنا رمضاء وأتينا إليك أنضاء فقر ... حملتنا إلى الغنى أنضاء أي ضعاف من الفقر إلى الغفران تحملنا إلى الغنى بنيل شفاعتك إبل أنضاء. وانطوت في الصدور حاجات نفس ... ما لها عن ندى بديك انطواء فأغثنا يا من هو الغوث والغيـ ... ـث إذا أجهد الورى اللأواء اللأواء: الشدة. يا رحيمًا بالمؤمنين إذا ما ... ذهلت عن أبنائها الرحماء يا شفيعًا في المذنبين إذا أشـ ... ـفق من خوف ذنبه البرآء كأنه يشير بهذا إلى نبي الله عيسى ﵇ إذ لا يعتذر بذنب، ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾. جد لعاص وما سواي هو العاصي ولكن تنكري استحياء تأمل هذه الرقة مع لمحة الذكاء في العبارة. وتداركه بالعناية مادا ... م له بالذمام منك ذماء الدماء بوزن السحاب. أخرته الأعمال والمال عما ... قدم الصالحون والأغنياء كل يوم ذنوبه صاعدات ... وعليها أنفاسه صعداء أي يتأوه. ألف البطنة المبطئة السيـ ... ـر بدار بها البطان بطاء كنت في نومة الشباب فما استيـ ... ـقظت إلا ولمتي شمطاء أي خالط سوادها بياض الشيب. وتماديت أقتفي أثر القو ... م فطالت مسافة واقتفاء صاح لا تأس إن ضعفت عن الطا ... عة واستأثرت بها الأقوياء إن لله رحمة وأحق النـ ... ـاس منه بالرحمة الضعفاء فابق في العرج عند منقلب الذو ... د ففي العود تسبق العرجاء

стр. 2578

الذود هنا مصدر، قال تعالي: ﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ أي عندما تذاد الواردات راجعة فإن العرج التي كانت أواخر تكون أوائل فتلفى العرجاء سابقة. (ويجوز أن يكون الذود الجماعة من الإبل على بعد في المعنى عسير) وهذا يقوله على التمني وعلله من بعد: وبحب النبي فابغ رضى اللـ ... ـه ففي حبه الرضاء والحباء يا نبي الهدى استغاثة ملهو ... ف أضرت بحاله الحوباء ما أرى إلا أنه عني الحاجة فتكون الحوباء كالحوبة ولا تزال في دارجتنا هذه الثانية بهذا المعنى، والحوباء النفس فلعل المعنى شهوات النفس هنا والله أعلم. هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء هذا يصحح المعنى الثاني أن الحوباء النفس فتأمله. ومن الفوز أن أبثك شكوى ... هي شكوى إليك وهي اقتضاء ضمنتها مدائح مستطاب ... فيك منها المديح والإصغاء يعني إنشاد المديح والإصغاء إليه. وأعلم أصلحك الله أن رنات المديح هي التي كانت سببًا في معرفة الأجيال القريبة من عصرنا هذا أوزان الشعر الرصين لغلبة الألسن الدارجة، ولأن أكثر أوزان شعرها يعتمد مواضع الإشباع (ما يسمى النبر الآن) مع المقاطع والغناء. والعروض لا يفي بتعليم نغم الشعر، ولذلك كان العلماء في العصور القريبة من عصرنا ربما عمدوا إلى تثبيته في أذهان الطلبة من طريق نغم المديح كالذي صنع النبهاني من نظمه البحور نحو: علمت الله ليس له مثيل ... وأن محمدًا نعم الرسول مفاعلة مفاعلة فعول ... بوافر هديه اتضح السبيل وما عرف شوقي وحافظ وجيلهما والبارودي من قبل أنغام الشعر إلا من طريق ما تعلموه من سماع نغم المديح النبوي، ومن أجل هذا ساغت لهم مجاراة البردة. وصنع حافظ عمريته على نهج البرعي ﵀ في:

стр. 2579

بانت عن العدوة القصوى بواديها وشوقي همزيته على غرار: ما آذنته ببينها أسماء للشهاب. وقد ناب الإلقاء العصري عن نغم المديح حينًا، قالوا وكان حافظ جيد الإلقاء وهو ليس بمنهج عربي الأصل فيما أرجح ولكن أخذ من طريقة الإفرنج التي يقال لها Declamation وهي طريقة خطابية تشخيصية. وقد كان يخالط الإلقاء عند علي بك الجارم ﵀ ترجيع نغم ونشوة غناء. وقد ذهب الإلقاء وعلى أيامه -أعني على أيام الإلقاء الخطابي وبالرغم من حرص المجودين على تجويده- جعلت المعرفة بنغم القصيد تقل، والطرب لها يضعف. وسبب الإقبال على ما يسمى بالتفعيلة والشعر الذي يقال له غير العمودي [وهذا اصطلاح فاسد إلا أن يرجع إلى قول قدامة أنه لا مشاحة في الأسماء وزعم برناردشو في بعض ما زعم أن من شاء أن يسمي منزله الذي يسكن فيه بالبرلمان فعل ذلك ولم يعبه عليه أحد] أن ذهاب المديح إلا من بقايا حلقات الأذكار، وهذه لا يرتادها المعاصرون إما عن ضعف دين وإما عن فرط تشدد فيه وإما عن جهل تام وعدم سماع بشيء اسمه الأذكار أو المديح النبوي، أي ذلك كان، هذا الذهاب من المديح ذهب مرة واحدة بمعرفة نغم الشعر وإيقاعه. فالشعر الحر والتفعيلي ليس منشؤه من ثورة على الأوزان العربية عن معرفة، ولكن عن ثورة عن جهل ومن جهل شيئًا عاداه، وعن حاجة إلى التنغيم والإيقاع من دون معرفة سبيل إليه غير تقليد أوروبا. حتى لو دخلوا جحر ضب خرب. قال ﵀: ضمنتها مدائح مستطاب ... فيك منها المديح والإصغاء قلما حاولت مديحك إلا ... ساعدتها ميم ودال وحاء هذا نظر فيه إلى لامية أبي الطيب في أبي شجاع، وقد نبه هو نفسه ﵀ إلى هذا النظر حيث قال في البيت التالي: حق لي فيك أن أساجل قومًا ... سلمت منهمو لدلوي الدلاء

стр. 2580

فهنا أيضًا يقوى ما نقول به من انتقال المدح من قصيدة مدح الملوك وذوي الجاه إلى المدح النبوي فقد أسلمت دلاؤهم فيه إلى صاحب دلوه. إن لي غيرة وقد زاحمتني ... في معاني مديحك الشعراء يعني شعراء الدنيا كأبي الطيب الذي أشار قبل إلى قول: تملك الحمد حتى ما لمفتخر ... في الحمد حاء ولا ميم ولا دال ثم يقول ﵀: ولقلبي فيك الغلو وأنى ... للساني في مدحك الغلواء أي لا يصح ذلك شرعًا كما فعل أتباع المسيح ﵇ وأهل الكتاب الأول، أو لقلبي غلو في حبك أكبر من أن يقدر على البيان عنه لساني وهذا المعنى الثاني أشبه ويقويه ما يلي، وهو بيت جيد بالغ الجودة: فأثب خاطرًا يلذ له مد ... حك علمًا بأنه اللألاء أي مدحي لألاء الدر الذي هو فضائلك. وأصل هذا المعنى من أبي الطيب. هنيئًا لك الدر الذي لي لفظه ... فإنك معطيه وإني ناظم فنحو هذا من المعاني هو ما زعم البوصيري أنه غار منه. حاك من صنعة القريض برودًا ... لك لم تحك وشيهًا صنعاء أعجز الدر نظمه فاستوت فيـ ... ـه اليدان الصناع والخرقاء وهذا البيت يشهد لما ذكرنا من نظره ﵀ إلى أبي الطيب. فارضه أفصح أمرئ نطق الضا ... د فقامت تغار منها الظاء والضاد والظاء حرفان في العربية كل منها مستقل بنفسه متميز ونطق الظاء غير مشكل إشكال نطق الضاد فبيان الضاد في النطق الفصيح حتى لا يشتبه أمرها بالظاء مما أغارها إذ النبي ﷺ سيد الفصحاء، ونطق الضاد عنده لفصاحته لا يختلط بالظاء. وقد مر الحديث عن مقال صاحب المقامات. في هذا الباب.

стр. 2581

أبذكر الآيات أوفيك مدحًا ... أين مني وأين منها الوفاء يعني المعجزات والعلامات كتظليل الغمام وتسبيح الحصى والبشارات التي سبقت يدلك على ذلك قوله من بعد: أم أماري بهن قوم نبي ... ساء ما ظنه بي الأغبياء إذ قصدي إظهار الحجة لا المماراة المنهي عنها. ولك الأمة التي غبطتها ... بك لما أتيتها الأنبياء هذا من إحسان البوصيري إذ هو قد ذكر الآل والأصحاب والندم والتوبة ورجاء الشفاعة ومت بمدحه النبي صلي الله عليه وسلم إلى رجائه من ذلك- ثم ذكر أمة الإسلام وعزتها بما خصها الله به من رشد وعناية وأن رسولنا ﷺ خاتم النبيين وهي خاتمة الرسالات ذات التوحيد الباهر المنير. لم نخف بعدك الضلال وفينا ... وارثو هدى نورك العلماء وهو منهم إن شاء الله. ثم يقول ﵀: ليس من غاية لوصفك أبغيـ ... ـها وللقول غايةً وانتهاء لم أطل في تعداد مدحك نطقي ... ومرادي بذلك استقصاء غير أني ظمآن وجد وما لي ... بقليل من الورود ارتواء وكأنه هنا يعلق على شكوى ابن الرومي إذ قال: وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أطال هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه هذا في مدح ملوك الدنيا وعند طالبي زهرتها. ثم كأنه بقوله لم أطل من أجل قصد للاستقصاء يظهر عين المعنى الذي لاح لنا من طريقته إذ قلنا إنه يقصد إلى التغني لا السرد واستقصاء الأخبار ومن أجل هذا ما أخذنا على من أخذ عليه أنه إذ ذكر ثانية وعشرين منزلًا وشبهها بمنازل القمر أنه حذف خمسة لو ذكرها ما تمت المطابقة إذ منازل القمر ثمانية وعشرون. ولقد أباح النقاد للشعراء ألا يلتزموا بتواتر أحداث التأريخ ولأرسطوطاليس الفيلسوف نظريته المعروفة في الواقع والمحتمل. فكيف نلزمهم بالسرد

стр. 2582

والاستقصاء وهذا عمل ناظمي العلوم وما أشبه. ولقد عجب ابن الأثير في آخر المثل السائر من شهنامة وأن العرب لا تطيل جر الأخبار والحكايات كما تصنع العجم. وقد اعتذر الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ في التراتيب الإدارية عن هذا بما طوله المطولون من نظم السيرة، والحق أن العرب قد طولت الأراجيز كما في ذات الأمثال لأبي العتاهية وكنظم كليلة ودمنة لأبان بن عبد الحميد. ولكن لم يكن عندها جر الأخبار والحكايات كما نبه على ذلك ابن رشيق بداخل حقًا في حيز الشعر. لأن الشعر إنما وضع للغناء والترنم. وقد أطال المحدثون مدح الملوك وأولي الجاه يبتغون احتلاب أخلاف الدر البكئ. على أن هذا من صنيعهم كأنما أراده المولى تمهيدًا وتمحيصًا وتوطئة لهذا الإبداع الذي جاء به مداح الرسول ﵊ من بعد وخاصة البوصيري. وذلك أن إطالة ابن الرومي ومن نحا نحوه كمهيار وغيره روضت القوافي والمعاني على أساليب المدح ومحاولات الإطراب بالبديع والافتنان في الصياغات البيانية. فلما جاء المحبون مادحو خير الورى صلوات الله عليه وسلامه، أصابوا المادة الخصبة من طرق القول ومناحيه، ووفقهم توفيق الله بما وهبوا من ملكة القريض والغناء والمقدرة على الإطراب وبما ضمنته قلوبهم من نشوات إلى أن يفتنوا في الإطالة ويتيسر لهم مع ذلك أن يجيدوا بلا إعياء ولا كلال ولا ملال. ومن شاء أن يوازن بين صنيع البوصيري هنا وفي طواله وصنيع المجيدين من مداح الرسول ﷺ وبين ملحميات أصحاب الملاحم من يونان مثلًا ودرامياتهم فعل، فأبيات الهمزية ثلاثمائة وستة وسبعون والبيت العربي يساوي سطرين من شعر يونان على أقل تقدير، قياسًا على ما نقل إلينا من ترجمة دقيقة، فهذه نحو من ثمانمائة وليست أبيات بعض الدرامة والملاحم بزائدة على ذلك بكثير. غير أنا لا نعد «الهمزية» والبردة وإلى متى أنت «وجاء المسيح» من باب الملاحم، إذ هن من باب قصيد العرب، وهو فنهم الذي امتازوا به وخصوا. وقد رأيت أنه لا شعر سواه بالغًا مبلغه عند الجاحظ وهدك من ناقد. ولله در البوصيري إذ لخص معنى الإطراب والطرب والنشوة والإخلاص بصدق الشعر في قوله: غير أني ظمآن وجد وما لي ... بقليل من الورود ارتواء ثم ختم بالصلاة والسلام على خير الأنام:

стр. 2583

فسلام عليك تترى من اللـ ... ـه وتبقى به لك البأواء أي الفخر. لاحظت في مواضع أن البوصيري كأنه آخذ بقراءة أبي عمرو ﵀. وقد كانت بمصر كثيرة. ومثله كان بالقراءات عالمًا. وتترًى هنا على قراءة أبي عمرو منونة على الأرجح إذ السلام مذكر. أي فسلام عليك متتابعًا. وأبو عمرو ينون في آية ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ أي وترًا أي متتابعين متواترين وصارت الواو تاء وهو مذهب للعرب في القلب وقرأ ابن كثير وهو شيخ أبي عمرو كذلك. وضبط «تترى» في الهمزية المطبوعة التي رجعنا إليها بلا تنوين والسياق بالتنوين أظهر وأقوى عندنا ومن لم ينون حمل تترى على المرات أي سلام عليك مرات تترى أي متتابعات أو متابعة متواترة. وعلى ما مضى عليه أبو عبيدة في تأويل تترى أنها فعل فليس هنا إلا الأخذ بقراءة أبي عمرو والله تعالى أعلم. وسلام عليك منك فما غيـ ... ـرك منه لك السلام كفاء وسلام من كل ما خلق اللـ ... ـه لتحيا بذكرك الأملاء جمع ملأ كجبل وهي من كلمات معلقة الحارث. وصلاة كالمسك تحمله مني شمال إليك أو نكباء وأصاب صفة الريح هنا إذ ريح الشمال تحمله من مصر وكذلك النكباء أي التي فيها انحراف. وثناء قدمت بين يدي نجـ ... ـواي إذ لم يكن لدي ثراء وهذا الذي قدمه ثراء أي ثراء. ما أقام الصلاة من عبد اللـ ... ـه وقامت بربها الأشياء وهذا آخر بيت في الهمزية وقد حرصنا على اتصال أبياتها إلى حيث كان الجدل ومخاصمة أهل الكتاب، ثم اختصرنا واخترنا؛ إذ ذلك يخرج بنا إلى باب من شرح وقد أحسن القيام به غيرنا فمن شاء الاستزادة منه رجع إلى ما جودوه في هذا الباب. وإحسان البوصيري الذي ينبغي أن ينبه إليه وعليه كثير. وله قصيدة دالية نظمها سنة ٦٥٥ هـ سماها تقديس الحرم من تدنيس الضرم، يذكر فيها نار الحجاز التي

стр. 2584

ظهرت بالمدينة وأوردها النبهاني في أول قافية الدال وقدم لها مطلعها: إلهي على كل الأمور لك الحمد ... فليس لما أوليت من نعم حد لك الأمر من قبل الزمان وبعده ... وما لك قبل كالزمان ولا بعد وهذا هو المعنى الذي فصله الغزالي ﵀ من قبل في تهافت الفلاسفة ووسمه بالنسبية. وحكمك ماض في الخلائق نافذ ... إذ شئت أمرًا ليس من كونه بد جملة ليس صفة لأمر. تضل وتهدي من تشاء من الورى ... وما بيد الإنسان غي ولا رشد دعوا معشر الضلال عنا حديثكم ... فلا خطأ منه يجاب ولا عمد ونقول بعد: «وما محاسن شيء كله حسن». ونختم الحديث عن البوصيري بهذه الأبيات التي هي أول بردته. أمن تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من إضم فما لعينيك إن قلت اكففا همتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يهم أيحسب الصب أن الحب منكتم ... ما بين منسجم منه ومضطرم فالمنسجم ما يترقرق من الدمع والمضطرم ما في الفؤاد من لواعج. لولا الهوى لم ترق دمعًا على طلل ... ولا أرقت لذكر البان والعلم فكيف تنكر حبًا بعد ما شهدت ... به عليك عدول الدمع والسقم فهذان شاهدان، وكأن العدول في محاكم المسلمين وعند قضاتهم أشبه بمن يسمون الآن بالموثقين. وأحسب أن «فشر» المؤرخ ذكر أن من ضمن ما أفادته أوروبا من الترك العثمانيين التسامح الديني وضروبًا من أعمال الحضارة وفنونها أحسبها ذكر فيها القوانين، وإنما هي من الفقه كما لا يخفى. ومكان الأتراك في الحضارة لا ينكر. وإنما أضر بهم الضعف الذي اعتراهم في القرن الماضي حتى زالت الخلافة وخرج عليها من

стр. 2585

خرج وخانها من خان ولله الأمر من قبل ومن بعد. وأثبت الوجد خطي عبرة وضنى ... مثل البهار على خديك والعنم نعم سرى طيف من أهوى فأرقني ... والحب يعترض اللذات بالألم يا لائمي في الهوى العذري معذرة ... مني إليك ولو أنصفت لم تلم عدتك حالي لا سري بمستتر ... عن الوشاة ولا دائي بمنحسم محضتني النصح لكن لست أسمعه ... إن المحب عن العذال في صمم إني اتهمت نصيح الشيب في عذل ... والشيب أبعد في نصح عن التهم إذ هو نذير قرب الأجل. فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت ... من جهلها بنذير الشيب والهرم انظر إلى انسياب الخروج ههنا. ولا أعدت من الفعل الجميل قرى ... ضيف ألم برأسي غير محتشم هذا من قصيدة أبي الطيب ضمنه. لو كنت أعلم أني ما أوقره ... كتمت سرًا بدا لي منه بالكتم وهو مما يصبغ به الشيب ويسوده. من لي برد جماح من غوايتها ... كما يرد جماح الخيل باللجم فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها ... إن الطعام يقوي شهوة النهم والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم وهذا نهج عزيز وذهب إبريز. والبردة كما قال ابن المعتز عن تائية دعبل ولا موازنة أشهر من الشمس، ومثلها باهرة. فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم

стр. 2586

وفي آخرها يقول وقد صدق إذ لم يجد في شعر كما أجاد في مدحه ﷺ . ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه ... وجدته لخلاصي خير ملتزم ولن يفوت الغنى منه يدًا تربت ... إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم وهذا نفس من المغرب والأندلس. ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... يدا زهير بها أثنى على هرم يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت ... إن الكبائر في الغفران كاللمم لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم يا رب واجعل رجائي غير منعكس ... لديك واجعل حسابي غير منخرم وقد كان في عمل الحساب دهرًا ﵀ فعبارة منخرم من عمل المحاسبين واصطلاحهم. والطف بعبدك في الدارين إن له ... صبرًا متى تدعه الأموال ينهزم وائذن لسحب صلاة منك دائمة ... على النبي بمنهل ومنسجم ما رنحت عذبات البان ريح صبًا ... وأطرب العيس حادي العيس بالنغم والمادحون المترنمون بالبردة جعلوا صلاتها: يا رب صل وسلم دائمًا أبدا ... على حبيبك خير الخلق كلهم وكسر الهاء والميم مذهب أبي عمرو في القراءة وفي هذا الحرف وجوه ذكرها ابن جني كلها في المحتسب. والمادحون المترنمون بالبردة يضيفون إلى آخرها: وهذه بردة المختار قد ختمت ... يا حسن مبتدأ منها ومختتم في أبيات يذكرون بها عددها مع طلب المغفرة والصلاة على رسول الله ﷺ ، ورحم الله الإمام أبا عبد الله محمد بن محمد بن سعيد البوصيري ونفعنا ببيانه وصدقه وبركته وهذا الشعر الدر النفيس الذي هو من مفاخر العربية وحضارتها ومما حفظت وتحفظ به المعجزة إن شاء الله تعالى.

стр. 2587

وقد يحلو الحديث في المديح ويود المفيض فيه ألا يغادر من كبار شعرائه أحدًا كابن الجنان الأندلسي وابن نباتة المصري والشهاب محمود ولم نظفر بخبر ابن أبي الخصال الأندلسي إلا بآخرة. وقد قام بعض فضلاء المغاربة بالتنويه بأمره بدرسه منذ زمان قريب فوفاه بذلك بعض حقه إن شاء الله تعالى في هذا الباب. وقد أورد صاحب المجموعة النبهانية للشهاب محمود أمثلة كثيرة طيبة. ونكتفي هنا بأبيات من همزيته التي جاراها شوقي. ما آذنته ببينها أسماء ... فنقول ثاو مل منه ثواء لكنه ذكر الحمى فتقاسمت ... أحشاءه الأشجان والبرحاء متوقد الزفرات تطفئ وجده ... المامة بلوى الحمى لا الماء وكأن شوقيًا نظر إلى ههنا في الهمزية المفتوحة التي رثى بها عمر المختار حيث قال: إن البطولة أن تموت من الظما ... ليس البطولة أن تعب الماء وبيت الشهاب فيه صناعة حسنة: المامة- بلوى الحما- لا الماء جعلنا الحمى بألف للتنبيه على الشبه بينها وبين الماء. أضحى لقا في الحي ليس يقيمه ... إلا اللقاء وما هناك لقاء يهوى الملام لذكرهم وهو الذي ... يشجيه فهو دواؤه والداء هذا أخذه من أبي الطيب «أأحبه وأحب فيه ملامة» البيت. ويروقه حر الهواجر في السري ... نحو الحمى فلهيبها أنداء وإذا جرى ذكر العقيق جرى له ... دمع حكاه إذ الدموع دماء وهنا مدخل الخروج إلى المديح لأن العقيق بالمدينة حرسها الله: يا حبذا وادي العقيق وحبذا ... بقبا ظلال الدوح والأفياء ومسارح بين النخيل تأرجت ... منها بعرف نسيمها الأرجاء فكأنما في كل أرض بالحمى ... مغني غنى أو روضة غناء لا يرتوى صادى الهوى إلا إذا ... لحظته منها عينها الزرقاء العين الزرقاء بالمدينة وهنا تورية بزرقاء اليمامة وبالعين الباصرة كما لاحظ النبهاني ﵀ في هامشه.

стр. 2588

وإذا بدا باب المصلى بان من ... تلك القباب أشعةً وضياء ثم يقول: طوبى لمن أضحى بطيبة داره ... وله بها الإصباح والإمساء دار الهدى والمنزل الرحب الذي ... كانت به تتنزل الأنباء ومقام خير العالمين بأسرهم ... عند الإله ومن له الإسراء هل بالنهار وقد جلا ظلم الدجى ... للناظرين إذا رأوه خفاء ذو المعجزات الباهرات تميزت ... عن أن يميز وصفها الإحصاء يا قاصدا ما ليس يدرك حصره ... من وصفه ما لا ينال عناء فاتت مدائحه القصائد فاقتصد ... يغنيك عن تصريحك الإيماء هل يبلغ الشعراء شيئًا؟ قد أتت ... بصفاته الأحزاب والشعراء قوله قد أتت مستأنف وليس بصفة لقوله شيئًا فتأمله، إذ لا يريد أن يصف النبي ﷺ بأنه شيء وصفته الأحزاب والشعراء وإنما يريد أن الشعراء لا يبلغون من شيء في نعته، وفي الاستفهام معنى النفي. الأمر أعظم أن يحاط بكنهه ... ما ذاك مما تبلغ البلغاء صلى عليه الله ما سرت الصبا ... فوق الربا وتلاقت الأنواء ولكن الشهاب ﵀ دون الثلاثة الذين ذكرنا في حاق رنين إيقاع المدح النبوي ودون الوتري وليس له رقة ابن الخطيب، إلا أنه فصيح العبارة قوى نفس الخطابة وله صناعة أحيانًا محكمة والله تعالى أعلم. هذا وقد جمعت المجموعة النبهانية كثيرًا من جياد النبويات وهي عمل يدل على توفر وإتقان وصحبه توفيق من المولى سبحانه وسداد. غير أنه اعتمد سوى ما اشتهر من أمر البرعي ﵀ على شعراء الديار الشامية والمصرية والعراق ومن جمع منهم صاحب النفح والأزهار. وقد صدق إذ ذكر ما معناه أن مديح النبي ﷺ في كل عصر وفي كل قطر من أقطار الإسلام وعصوره وقد نظرت فلم أجد في المجموعة نونية كنت لي بها عهد وهي من أولها: إن لمع البرق من خيف منى ... جدد الوجد وهاج الحزنا كلما طرز أثواب الدجى ... لمعه أحرم عيني الوسنا

стр. 2589

وهي لشاعر يمني محسن. وقد شارك في المديح النبوي كل المسلمين ولمحسنيهم في ذلك إحسان ولعل الشيخ النبهاني ﵀ لو وقع له من جياد ذلك شيء سوى ما ظفر به لنشره وينبغي أن ننبه في هذا الموضع إلى معادن فصاحة وتجويد بالمغرب الأقصى في هذا المجال. وقد كان في بلاد شنقيط علم وتبحر في العربية وعلومها وأسانيد رجالها وحفظ متقن. وقد كان المحمود بن التلاميد الشنقيطي أثر كبير على رواد جيل النهضة بمصر كالشيخ حسين المرصفي صاحب الوسيلة التي قد صارت بعد لدى أهل الأدب إلى ما قدروا عليه من أبوابه وسيلة، حتى إن أصحاب الأفلام ما خلوا في عصور تلت النهضة الأولى من انتفاع بها، كقصة البراق، التي أخرجتها السينما وكانت بطلتها السيدة بهيجة حافظ رحمها الله وكانت تتغنى ويتغنى لها بالأبيات التي أوردها صاحب الوسيلة: ليت للبراق عينًا فترى ... ما ألاقي من عذاب وعنا حبسوني عذبوني ضربوا ... موضع العفة منى بالعصا أو شيئًا من هذا القبيل وليراجع. وكان في شنقيط من محسني مدح الرسول ﷺ إلى عهد قريب جماعة وأورد الأستاذ محمد الحافظ بن أكاه له في رسالة من رسالات الطلبة بفاس (رقم التسجيل ٧٨ - / ٢١٠٠) للعام الجامعي (١) ١٩٨١ - ١٩٨٢ أمثلة حسنة من هذا الباب، نشير هنا إلى بعض مطالعها كبائية محمد والنان بن المعلى: أعين متى ما ترق فاضت غروبها ... ونفس إذا انساحت توالت كروبها أراح عليها الليل عازب همها ... فكادت تباريح الهموم تذيبها وفي المدح النبوي منها: رسول الإله المستضاء بنوره ... عليه صلاة الله ينفح طيبها خلاصة فهر بدرها وذكاؤها ... وفارسها يوم الوغى وخطيبها وكلامية ابن المختار: سقت شآبيب غيث رائح هطل ... ديار علوة لو هجت الهوائج لي وصانها من يماني الوشي ما نسجت ... صناع وسميها الدلوى والحمل حتى ترى ورباها بعد ما عريت ... تهتز من حلل من روضها الخضل وخرج من المقدمة بقوله: دع ذا وشمر لما ترجى عواقبه ... وما به تبلغ الأقصى من الأمل

стр. 2590

ثم يقول: محمد سيد الكونين سيد من ... مشي على الأرض من حاف ومنتعل محمد سيد الهادين سيد من ... جابت به البيد قود الأينق الذلل وهذا من نفس البردة والروي والبحر للشقراطيسية. وكنونية أحمد بن محمد سالم. أتذري عينه فضض الجمان ... غرامًا من تذكره المغاني مغان بالعقيق إلى المنقى ... إلى أحد تذكرها شجاني ومن تذكار منزلة بسلع ... إلى الجما تعاني ما تعاني فهل عزم يصول على التواني ... وهل بعد التباعد من تدان وهل أغدو بكور الطير رحلي ... على وجناء دوسرة هجان أي هل أبكر كما يبكر الطير عند وقت بكوره. تبذ العيس لاحقة كلاها ... وتطوي البيد مسنفة اللبان ترى بعد الدؤوب كأخدري ... بيمئود أرن على أتان فهذا نمط الأوائل كما ترى ثم يقول في المديح النبوي: وما ذو لبدتين ببطن ترج ... أبو شبلين مقروح الجنان كصولته، ولافيح الجوابي ... تشابه ما لديه من الجفان ولا بدر التمام إذا تبدى ... بضاحي البدر ليلة أضحيان ولا شمس الظهيرة في دجن ... تحاكي وجنتيه ولا تداني ملاحة خده لما رأتها ... لدى إسرائه حور الجنان صنعن كما صنعن نسا زليخا ... لرؤية يوسف البهج الحسان دنا في ذلك المسرى دنوًا ... من الرحمن ما يدنوه داني وذاك القرب تقريب اصطفاء ... وليس من المسافة والمكان ثم يقول: بجاه المصطفى أدعوك يا ذا الـ ... ـعطايا والحنان والامتنان

стр. 2591

بنقل حركة الهمزة. وجد لي بالهدى وامنن بتوب ... وكفر من ذنوبي ما دهاني وحطنا واكفنا شر الأعادي ... جميعًا واضربن سور الأمان وقد علق محمد الحافظ في ما كتب على هذه النونية بقوله: «كلمة سلسة عذبة الموسيقا سهلة الألفاظ -تقريبًا- واضحة الأفكار ذات انسجام واسترسال في مثل قوله: بجاه المصطفى أدعوك يا ذا الـ ... ـعطايا والحنان والامتنان. أ. هـ وقلت وكان حق هذه الكلمة أن تكون لها صلاة ولعلها لها كأن يقول على طريقة مداح الشيخ عبد الرحيم البرعي ﵀: عليك صلاة خالقنا وغيث ... من التسليم يهمى كل آن وقد تأثر غرب إفريقية بعلم المغرب وشنقيط، ففي بلاد هوسًا وسنغال شعر نبوي فصيح حسن مثل كلمة الشيخ على حرازم الكشناوي: قطوف رياض الحب للصب دانية ... وفي قلبه نار من الوجد حامية زبانية التهيام تعتاد دفعه ... وليس يطيق الصب دفع الزبانية وما ذاك إلا من محبة خدلة ... عروب بخنداة من البيض غانية بدت لي بدو الشمس في رونق الضحى ... فما بقيت لي من جبالي باقية فقلت لها والقلب عاث به الهوى ... أشامية أم أنت ليلى الحجازية خفف ياء النسب. فقالت أنا داء القلوب وبرؤها ... إذا شربت مني كؤوسًا سلافيه بالتخفيف أو كؤوس سلافيه بالإضافة وفي الطبع خطأ كثير وأحسب كؤوس سلافيه بياء المتكلم وهاء السكت وإضافة كؤوس إلى سلافيه بلا تنوين هو الصواب هنا: ومن لم يمت حبًا فذلك لم يعش ... بنا عيشةً في جنة الحب راضية فقلت وأعطتني كتابًا من الهوى ... فيا ليتني لم أوت منها كتابيه قوله فيا ليتني مقول القول المتقدم. فولت بآمالي وصرت معذبًا ... بأنواع آلام من الهجر ناريه

стр. 2592

أي ناري بأنواع آلام الهجر، بإضافة نار إلى ياء المتكلم بعدها هاء السكت، ولك أن تجعل الياء نسبية مخففة صفة لآلام وما تقدم أصح وأجود. ثم انتقل من هذا النسيب الوجداني إلى المديح النبوي: ولم يبق لي إلا شفاعة شافع ... مقاماته في حضرة الله راقية دعانا لتوحيد الإله وبره ... بأوضح آيات من الله بادية وهذه الأبيات مع كلمات أخر للشيخ حرازم وغيره في مجموعة الفيض الهامع في تراجم أهل السر الجامع لأبي بكر عتيق ابن العالم خضر الكشني التجاني (١). كشنا الآن في بلاد دولة نيجريا في القسم الشمالي. من طريق الإسلام والقرآن وعلوم الدين والشعر النبوي فصاحة جمة في سائر بلاد الإسلام. وقد جعل بحر الفصاحة ينحسر عن أكثر المعاصرين من الجيل المسلم الحديث إلا ما بقي من ذلك عند أهل المحافظة، وعند من جعلوا يفطنون بآخرة إلى أهمية التمسك بالأصول وألا نتيه وراء السراب، والله برحمته وعونه وجوده يوفقنا ويهدينا إن شاء إلى الصواب. لعل هذا الفصل عن الأغراض قد طال شيئًا. ولكنا رأينا أن باب المديح النبوي خاصة كأنه مغفول عنه إلا ما قدمنا ذكره من عمل الدكتور زكي مبارك ﵀ وعطر ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه، فنسأل الله أن يكون لهذا الذي قدمناه نفع وقبول، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حاشية: مما أخذ على البوصيري قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم كأن آخذه عليه ينكر منه هذا التوسل. ولو فطن لعلم أن الحادث العمم إنما هو موقف يوم القيامة والغرق في العرق، إذ لا نعلم حادثًا عممًا سواه وسوى الطوفان على الحقيقة، والطوفان قد مر. وسياق القصيدة، لذكره زلاته التي يخشى بسببها الهلاك ويرجو النجاة من سوء عاقبتها بالشفاعة بعد هذا البيت مباشرة، يبين أن مراده بالحادث العمم يوم القيامة لا حادث سواه وذلك قوله: يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت ... إن الكبائر في الغفران كاللمم وهنا أيضًا إشارة إلى آية تنزيل ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ فهذا يقوي ما قدمنا من أن

стр. 2593

مراده بالحادث العمم يوم القيامة. وفي الحديث ما يفيد أنه ﷺ هو الملاذ في ذلك اليوم حين يقول كل أمرئ نفسي نفسي، قال تعالى: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ فيعتذر كل من ترجى شفاعته إلا من أنزل الله فيه ﴿ومن الليل فتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ - قال المفسرون كما تقدم إن عسى هنا واجبة. (وحتى على تقدير أن عسى احتمالية أو رجائية غير واجبة وذلك ما لا يقول به أحد ولا نقول به. حتى على هذا الوجه البعيد فإن ههنا استثناء من آية النحل ﴿يوم تأتي كل نفس﴾ [الآية] لأن الله جل شأنه يقول ﴿عسى أن يبعثك﴾ فهذا البعث هو يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، فاستثناؤه ﷺ حق حتى على هذا الوجه على وذلك ظاهر والحمد لله. وفي الحديث الصحيح ما يفيد أنه ﷺ هو الذي يقوم المقام المحمود يوم القيامة وذلك اليوم هو المعني كما تقدم بالحادث العمم. وإنما أتي الآخذ على البوصيري ما أخذه من جهة حصر معنى الحادث العمم في معنى النازلة التي تنزل بالمرء، وهذه تكون كالعامة إن كانت بلاءً شمل عددًا كبيرًا من الناس كما يحدث من الأوبئة والزلازل مثلًا. ولكن العمومية هنا نسبية ليست مطلقة. وقد تنزل النازلة بالمرء وحده فيسميها حادثًا عمها على سبيل المبالغة. وكل ذلك ليس له مثل معنى عمومية الهول يوم الحساب وهو المراد من البوصيري هنا ويناسب ما تلا البيت من ذكره الزلة كما يناسب ما بدأ به البردة من شكوى التقصير والندم كقوله: وما تزودت قبل الموت نافلة ... ولم أصل سوى فرض ولم أصم وعزل البيت عما تقدمه وتلاه وحمل معناه على المجاز دون الحقيقة بقصد الطعن على صاحبه وهو يتقرب إلى ربه بتوقير نبيه ﷺ وتعزيره، من الخطأ والله هو العليم بالسرائر وما تخفي الصدور وهو الموفق للصواب. العنصر الرابع وهو نفس الشاعر: مرادنا من قولنا «نفس الشاعر» بفتح النون والفاء هذا الروح الذي يربط بين أول القصيدة وآخرها، وبين مطالع الأبيات ومقاطعها، وبين البيت والبيت، وبين مجموعات الأبيات التي تكون معًا في معنى أو دلالة واحدة أو متقاربة ومجموعات الأبيات التي تلي أو تكون قد تقدمت في معنى آخر. وقالوا هذا الشاعر طويل النفس إذا طالت القصيدة وكانت أبياتها وقوافيها تنثال عليه انثيالًا. وقولنا «هذا الروح» أردنا به التنبيه على أن أمر نفس الشاعر فيه خفاء، إذ أمر الروح فيه خفاء، الوزن، الإيقاع، القافية، الأغراض، الألفاظ، المعاني، التشبيه والاستعارة وما

стр. 2594

أشبها، كل أولئك أمور واضحات ولسن بمنفصلات عن نفس الشاعر ولا هو بمنفصل عنهن. وليس شيء من خصال الشعر بمنفصل بعضه عن كله، إذ الشعر كل واحد فيما يكون منه قصائدً طوالًا أو قطعًا قصارًا أو غير ذلك. وإنما نعمد إلى تمييز عناصره ومكوناته بعضها عن بعض بقصد الدرس وإمعان النظر، كما ذكرنا من قبل. ومع خفاء أمر نفس الشاعر من حيث إنه روح من حيوية رابطة محركة مؤثرة معبرة معًا، قد نقدر على استبانة دلائل منه وعلامات ينبئن عنه. من ذلك مثلًا قول زياد: فعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وأنم القتود على عيرانة أجد فهذا ربط به بين ما تلا من نعت الناقة والطريق وما تقدم من نعت الأطلال. وقال حسان بن ثابت ﵁: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام فهذا خروج تخلص به من النسيب إلى ذكر خبر بدر وهزيمة قريش، وفهم الحارث بن هشام مراده فلم يأت بمقدمة من نسيب، ولكنه قال: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد وشممت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أني إن أقاتل واحدًا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعًا لهم بعقاب يوم مرصد وقال كعب بن زهير ﵁: أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل فخرج من النسيب إلى الرحلة. ثم خرج من الرحلة إلى الاعتذار ومن الاعتذار وإعلان التوبة إلى صريح المدح- وقال أبو الطيب وهو يخرج من النسيب بذلك إلى المدح: لقيت بدرب القلة الفجر لقية ... شفت كمدي والصبح فيه قتيل ويومًا كأن الحسن فيه علامةً ... بعثت بها والشمس منك رسول وما قبل سيف الدولة أثار عاشق ... ولا طلبت عند الظلام ذحول

стр. 2595

ولكنه يأتي بكل غريبة ... تروع على استغرابها وتهول رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أن السهام خيول شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرح من تحته وصهيل فاستعان أبو الطيب بذكر فضل سيف الدولة عليه أنه أتاح له أن يلقى الحبيب بدرب القلة فجعل ذكر ذلك الفضل سبيلا يخرج به إلى المدح. وهذا من رشيق تخلص أبي الطيب وأملئه بالعاطفة وحديث القلب. لعل أبا الطيب ما لقى بدرب القلة إلا تذكرًا قويًا لجمال الحبيب إذ طلعت الشمس في رونق من حسن الفجر كأنه علامة ممن أحب. وهذا المعنى على براعته وخفائه مولد من قول الأنصاري: تبدت لنا كالشمس خلف غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب أم لعل أبا الطيب إنما رأى طيفًا عند تعريس المسافر؟ وأعلم أيها القارئ الكريم أن من علامات نفس الشاعر ودلائله أشياء نذكر منها فيما يلي إن شاء الله: أولًا: التسلسل: وهو ضربان، ما كان في ضوء فكرة واضحة وما جيء به على سياق عادة الشعراء- ومرادنا بالتسلسل أن يتتابع الكلام تتابع عقد السلسلة، آخر ما تقدم منه منوط بما يليه، فمن أظهر ما يجيء من الضرب الأول ما تكون عليه صياغة كثير من القطع والقصائد القصار. فمن أمثلة القطع، قول قيس بن زهير: تعلم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة لا يريم ولولا ظلمه لظللت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم وأمر القطع واسع. ومن أمثلة القصيدات القصار، قول تأبط شرًا يصف نجاته من هذيل على نحو شبيه بما نراه اليوم في مغامرات رعاة البقر، وكان تأبط شرًا مما يتزيد في أحاديثه عن نفسه،
следующие страницы →