← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

إذن فاقتلني فلا أرجع أحث ناقتي إلى دياري بسوطي، إن كنت حقًا تعتقد أني جئت بشيء تكرهه، إنما وصفت كما أمرتني وأما الهجاء فهو قول افتراه على من تعلم، وهو لك حاسد، ولفضلك جاحد. إذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند لم يكتف النابغة بقوله «إذن رفعت سوطي إلى يدي» وهو الموت، ولكن جاوزه إلى ما يكون أشد من عقاب المولى الذي يعلم السرائر، وذلك ما لن يكون، كما لن يأتي بالحسد والفند أحد وتقر عينه بأن يرى النابغة حل به عقاب الله، لأن هذا الآتي بالحسد والفند هو نفسه قد حل به عقاب الله. هذا لأبرأ من قول قذفت به ... طارت نوافده حرا على كبدى ثم مضى في تبرئة نفسه، وعاد إلى مدح النابغة فشبهه هذا التشبيه الرائع بالفرات: فما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد يمده كل واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد يظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد وهذا البيت بارع- إن شاء النعمان حمله على أن النابغة قدم إليه على خوف منه لما سمع بوعيده. وإن شاء جعله اعتذارًا عن ابتعاده عنه ولجوئه إلى الغساسنة. وقد علم النابغة أنه قد بلغ ما أراد من استلال سخيمة النعمان بهذا القول الصافي والعتاب النبيل والاعتذار المشرق. هذا الثناء فإن تسمع لقائله ... فما عرضت أبيت اللعن بالصفد والصفد أي العطاء دليل القبول، فقد عرض به كما ترى. وتأمل مكان هذا البيت، أليس كمكان بيت علقمة: وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأش من نداك ذنوب

стр. 2627

ثم جاء ببيت الختام يرتاح به كما صنع علقمة: ها إن تا عذرة إن لا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد وهو يعلم أنه لم يته ولكن بلغ النعمان وأبلغه وحسبنا هنا هذان الشاهدان في التسلسل على حسب سياق عادة الشعراء في القصائد ذوات الطول. وقولنا عادة الشعراء مأخوذ من عبارة الجاحظ إذ أشار إلى أن الشعراء تجعل الكلاب تقتل الثور في الرثاء ما أشبه وتجعل الثور يقتلها في المدح وما أشبه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول من قبل، وعن الجاحظ أخذه ابن رشيق وهدك من ناقد. ونحيل القارئ بعد على قصائد أخر فيها مثل هذا التسلسل أو قريب منه، منهن مثلا لامية عبدة بن الطبيب: هل حبل خولة بعد الهجر موصول على ما في آخرها من مشابهة ميمية علقمة. وقصيدتا بشر الميمية الوافرية وأختها الرائية وكلتاهما مفضلية وقد اختصر الأجزاء في الميمية حتى كأن قد وثب من جزء والتسلسل مع ذلك لا يخفى، وقد اكتفى بحركة الحرب في الأنباء عن الرحلة في الرائية، وأطال شيئًا في مقدمة النسيب، ومذهب بشر في كلتا القصيدتين يشبهه كثيرًا مذهب أصحاب النقائض ومذهب جرير والفرزدق من بعد. ودالية ربيعة بن مقروم المادحة الطنانة: بانت سعاد فأمسى القلب معمودا من ذوات التسلسل وقد مر عنها الحديث وليقس ما لم يقل. ثانيًا: التدرج التدرج ضرب من التسلسل إلا أن الانحدار درجة درجة أو الإصعاد درجة درجة أظهر فيه من اتصال آخر حلقة من الكلام بما يليها. ونعيد ما قلناه مرارًا قبل من أن الشعر تتداخل أصنافه، وكما قد رأيت من تداخل صنفي التسلسل، كذلك يدخل فيهما التدرج إن عن لشاعر إيراد ما يقوله عليه عفوًا أو عن تعمد. والتدرج منه محض ومنه ما يساق على طريقة عادة الشعراء فمن أمثلة التدرج المحض كلمة سلامة بن جندل:

стр. 2628

أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب واعتمادنا على رواية المفضل. وروى بعضهم لها مقدمة نسيب، وما كان أغناه عن ذلك، وأدخل بعضهم بعد ثالث أبياتها هذه الأبيات. وللشباب إذا دامت بشاشته ... ود القلوب من البيض الخراعيب إنا إذا غربت شمس أو ارتفعت ... وفي مباركها بزل المصاعيب قد يسعد الجار والضيف الغريب بنا ... والسائلون ونغلي ميسر النيب وعندنا قينة بيضاء ناعمة ... مثل المهاة من الحور الخراعيب تجري السواك على غر مفلجة ... لم يغرها دنس تحت الجلابيب دع ذا وقل لبني سعد لفضلهم ... مدحًا يسير به غادي الأراكيب وفي هذه الأبيات الستة قواف خمس على وزن المفاعيل وما بمجراها وزنًا من صيغة منتهى الجموع والمتأمل لرواية المفضل التي رواها القاسم بن محمد بن بشار غير واجد فيها ما يشبه هذه الكثرة من هذه الصيغة. وقد تكررت الخراعيب كما ترى، وإن يك ذلك في نفسه ليس بعيب كبير، إذ كان الإيطاء مما يرد عند القدماء إذا كان المعنى الجيد يقتضيه مع تجويد النغم. والأبيات الستة بعد قلقة الموضع في هذه البائية الجيدة تتابع الإيقاع واتساق المعاني. وغير بعيد أن يكون المغنون أدخلوا هذه الأبيات. وهي لشاعر آخر. تدرج هذه البائية على هذا النحو: بدأ ببكاء الشباب: أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب لاحظ أنه استعار قوله «شأو غير مطلوب» من أمر الخيل والسباق، ولذلك في القصيدة من بعد مكان ظاهر، وهذا وحده عندي مما يبطل رواية من صدر هذه القصيدة بنسيب سوى هذا الذي بكى به سلامة الشباب- ثم مضى في تصوير هذا الشأو الذي لا يطلب ولا يدرك: ولي حثيثا وهذا الشيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب أي لو كان يدركه ركض اليعاقيب لحاولنا أن ندركه. قالوا اليعاقيب أي الطير، واليعقوب ذكر الحجل، والوجه عندي والله أعلم ما قاله عمارة، أحسبه عمارة بن

стр. 2629

عقيل بن بلال بن جرير الشاعر، إن اليعاقيب هنا الخيل ذوات العقب بفتح فكسر، وهو الجري بعد الجري، ذلك بأن الركض إنما يقال للخيل لا للطير إلا أن يسمى اندفاع الطير ركضا على التشبيه. ولك في الركض أن ترفع وأن تنصب والنصب رواية أبي عمرو أحسبه الشيباني، أي لركضنا ركض اليعاقيب. أودي الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ لذات للشيب ههنا درجة- أن الذي يجيء بعد الشباب الجاه والمال والتجارب وهذا الذي سماه المجد مما يشمل الجاه والمال والتجارب وقد يزيد ولكن لا لذات هناك، وما طعم العيش بلا لذاذة. ولك في لذات في تائها الكسر والفتح، وأحسب أن أبا الطيب قد نظر إلى هذا البيت إذ قال: ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... منى بحلمي الذي أعطت وتجريبي فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب وقد ركب نفس البحر والروي ثم يقول: يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب أي المجد الذي هو عواقب الشباب، هو هذا- جد المجالس وجد التشمير للحرب والحرب إنما كانت يحشها الشباب، ولكن الشيوخ مدبروها ورؤساؤها باعثهم إليها الحزم والجد والعرف والواجب. وقد يجد الشباب في عنفها لذة- ثم معها الغنيمة والسبي. ولكن سلامة ههنا يؤكد معنى الجد ويلح عليه: ويوم سير الأعداء تأويب التنبيه ههنا على قوله تأويب وفيه دلالة على اتصال السير إذ التأويب سير يوم إلى الليل، ثم يكون في الليل السري هذا في طلب الأعداء. ثم بعد الغزوة الرجوع، وقد أخذ الكلال وما تصنع الحرب من الخيل والرواحل والرجال مأخذها. وكرنا خيلنا أدراجها رجعا ... كس السنابك من بدء وتعقيب

стр. 2630

وههنا درجة- انتقل من بكاء الشباب إلى صفة حال المجد وانتقل من السير إلى العود بالخيل وقد تثملت سنابكها- وتأمل الكافات والسين والراء والجيم وانظر أي مبلغ يبلغه الافتنان في بيان هذه اللغة ورنات إيقاعها والعاديات أسابي الدماء بها ... كأن أعناقها أنصاب ترجيب من كل حت إذا ما ابتل ملبده ... صافي الأديم أسيل الخد يعبوب فانتقل كما ترى إلى نعت الخيل، وحبه لها بين، وكذلك حبه لهذه الأنصاب التي تعظم وتنحر لها وتذبح الضحيات. وجعل بعضهم سلامة من شعراء النصرانية وهذا من قوله يكذبه، وقد فطن إلى ذلك المستشرق البارع ليال ونبه عليه كما ذكرنا لك من قبل، الحت السريع واليعبوب الجواد الواسع الجري كأنه عباب وكأنه بحر وأسابي الدماء طرائقه الواحد إسباءة وقالوا الأسابي ألوان الدم وقريب منها الأساهي بهاء بعدها ياء مشددة وهذه لا واحد لها وجاء بها سلامة في كلمته هذه وقريب منهما الأساوي بلا تشديد، منقوص وهي الدفعات وكأنها جمع لإسوة وجاء بها سلامة أيضًا. ثم أخذ سلامة في نعت الخيل وكان بها عالما، جعل ذكر الجد ثم ذكر السير ثم ذكر الرجوع والعاديات كل ذلك درجات إلى نعتها- وقد مر بك قوله أنها رجعت أدراجها فكأن زعمنا أنه تدرج فيه بعض النظر إلى هذا اللفظ- ليس بأسفي ولا أقني ولا سغل ... يعطي دواء قفي السكن مربوب في كل قائمة منه إذا اندفعت ... منه أساو كفرع الدلو أثعوب كأنه يرفئي نام عن غنم ... مستنفر في سواد الليل مذؤوب يرقى الدسيع إلى هادله بتع في جؤجؤ كمداك الطيب مخضوب جعله العنق كمداك العروس وقد وصفه من قبل كأنه أحد الأنصاب المرجبة، ولم ينس ذلك لمكان الخضاب في هذا البيت يقوي معنى ما قدمناه من أن هذا مقال عربي مشرك تقربه الأنصاب إلى ربه زلفى لا مقال نصراني- وكان العرب- حتى في جاهليتهم لا يخلون من نظر نافر عن النصرانية وبعض ازدراء يدلك على ذلك قول جابر بن حني: وقد زعمت بهراء أن رماحنا ... رماح نصارى لا تخوض إلى الدم وما كنت لتقوله بهراء وحدها.

стр. 2631

وقد مر شرح الأبيات المتقدمة إذ قد استشهدنا بها في باب الأوصاف من الأغراض عند ذكر الخيل تظاهر الني فيه فهو محتفل ... يعطي أساهي من جري وتقريب وقد انتقد الأصمعي قول أبي ذؤيب: قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنى فهي تثوخ فيها الإصبع وما ذكروا أنه عاب هذا البيت من قول سلامة. وما أشبه أن يكون سبب ذلك أن سلامة لما ذكر الني أي الشحم ذكر معه الرياضة والتضمير الذي يذهب به وهو قوله: يعطي أساهي من جري وتقريب ولم يذكر أبو ذؤيب شيئا من ذلك وقال زهير: غزت سمانا فآبت ضمرا خدجا ... من بعد ما جنبوها بدنا عققا فذكر مع السمن التضمير من أجل هذا ما زعم الأصمعي أن أبا ذؤيب لم يكن له علم بالخيل، وربما تحامل عليه إذ له فيما قال زهير وسلامة عاذر وإن لم يحترس كما احترسا. وأخطأ ليال إذ أخذ على سلامة قوله «تظاهر النى» وإنما أتى من مقال أبي سعيد في أبي ذؤيب والأمران لا سواء. ثم يقول سلامة: كم من فقير بإذن الله قد جبرت ... وذي غنى بوأته دار محروب فهذه درجة صار منها إلى خبر الحرب ووصفها ثم إلى الفخر، «وبإذن الله» ليس مما يقوله النصارى. وكانت العرب قبل الإسلام تقول إذ كانوا مع الشرك أهل توحيد، وخاصة عند الشدة، والحرب شدة، وقد استفتح أبو جهل يوم بدر فحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وقد جاء وصف الحرب من بعد فقال سلامة يذكر الخيل فهذا متصل بما قبله ثم يذكر الحرب فهذا درجة لما بعده: مما تقدم في الهيجا إذا كرهت ... عند الطعان وتنجى كل مكروب وفي هذا أيضا كالرجعة إلى قوله: والعاديات أسابي الدماء بها ثم أخذ في الفخر، فهذا زعمنا أنه تدرج همت معد بناهما فنهنهها ... عنا طعان وضرب غير تذبيب بالمشرفي ومصقول أسنتها ... صم العوامل صدقات الأنابيب يجلو أسنتها فتيان عادية ... لا مقرفين ولا سود جعابيب

стр. 2632

وقوله «عادية» فيه رجع من صوت «والعاديات» - وقوله «فتيان عادية» فيه معنى الشباب إذ الفتوة مع الشباب. وكما الآن هو محارب «قديم» [كما يقال الآن في زماننا هذا] لقد كان من قبل محاربا فتى، فهو يحرك قلوب الفتيان بما يقص عليهم من نبأ أيامه اللاتي مضين. ولعمري ما أنصف إذ قال: ولا لذات للشيب والجاحظ أدق منه إذ ذكر أن الحديث من لذات أهل السن أو لا لذة لهم سواه، وهذا الذي أقبل عليه سلامة من حر القول ومنخوله أيما لذة- تأمل تجاوب أصوات الألفاظ وألوان التكرار- الطعان وهاءات نهنهها- همت- هما- صم- صدقات- مصقول- وتكراره أسنتها في مصقول أسنتها وفي يجول أسنتها وهي بقريب من معناها. ثم انظر إلى قوله: لا مقرفين ولا سود جعابيب وكان حرص العرب على الأنساب كالجنون بأمرها، وكان السود فيهم غير قليل، وذلك أن عنصرا من السود لهم أصل في جزيرة العرب، وصلة الحبشة باليمن قديمة. وقال كعب: إذا عرد السود التنابيل وقال النابغة: ليست من السود أعقابا وقال الأخطل: - فإن نرض عن حمران بكر بن وائل ... فليس لنا سودانها بصديق فلم يرض لا عن الحمران ولا عن السودان كما ترى وقال جرير: أراب سواد لونكم أرابا وقال عقيل بن علفة: رددت صحيفة القرشى لما ... أبت أعراقه إلا احمرارا وقال الفرزدق يهجو إبراهيم بن عربي وإلى اليمامة وكان أسود يلبس ثيابا بيضا ترى منبر العبد اللئيم كأنه ... ثلاثة غربان عليه وقوع يعني وجهه وكفيه. ونحو من هذا هجي به المغيرة بن شعبة، قال الشاعر فيه: فقل جعل يستن في لبن محض

стр. 2633

وقال أبو عرار يعتذر عن سواد ابنه: وإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم وقال الفضل بن العباس اللهبي: وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من لون العرب ففر من السواد وجعله خضرة ولشدة عصبية العرب من كان منهم أسود عد عروبة نسبه بياضا، وعلى ذلك قول عنترة: إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل وقال عبد الرحمن بن عوف وهو من المبشرين ومن أهل الشورى لبلال وهو من المهاجرين السابقين الأولين رضى الله عنهم أجمعين في يوم بدر يا ابن السوداء، وما قال ذلك إلا عن مودة له بلا ريب، وذلك حين رغبة أمية بن خلف في الفداء، وكان من صناديد أهل الكفر، فأبى الله أن ينجو- وكان بنو جمح رهط أمية خضرا- أصل سوادهم من عرق هندي كما في لامية أبي طالب: بنو أمة محبوبة هندكية ... بنو جمح عبيد قيس بن عاقل وقد نسبهم أبو طالب هنا إلى سفاح من أصل رق. ولعصبية العرب في الأنساب والألوان وكثرة مطاعنها بعضهم في بعض حذرهم الدين من أمر الجاهلية ونهاهم عن دعواها وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾. وما قطع كتاب من كتب الحكمة والدين منزل من السماء أو من عمل الفلاسفة فيما بين افلاطن واكويناس وروسو وماركي بمثل ما قطع به القرآن في هذه الآية من الحجرات وفي آية فاطر ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور﴾ - فالنبات والحيوان والجماد والناس أصلهم كلهم هذه الأرض وهم سواسية في الأصول سواسية فيما يتفرع منهن من الألوان. هذا وقول سلامة بن جندل: لا مقرفين ولا سود جعابيب كأنه يعيب بالأول ربيعة لمداناتهم الفرس والروم وبالثاني أهل اليمن وتهامة لمداناتهم بلاد السودان.

стр. 2634

ثم استمر في تكرار السين وأسنة والسن سوى الثقاف قناها فهي محكمة ... قليلة الزيغ في سن وتركيب زرقا أسنتها حمرا مثقفة ... أطرافهن مقيل لليعاسيب اختلفوا في تأويل اليعاسيب والظاهر أنهم يقتلون بها الرؤساء ويرفعون رؤوسهم ويعسوب القوم سيدهم، ولا يغب عنا الإلغاز الخفي بين اليعاسيب وبين الرماح العواسل أي التي تعسل أي تهتز وتأمل القاف: قناها- الثقاف- قليلة- زرقا- مثقفة- مقيل كأنها بأكف القوم إذ لحقوا ... مواتح بير أو أشطان مطلوب قوله «أشطان مطلوب» تخصيص بعد تعميم أي كأنهن حبال الآبار- لا بل حبال هذه البئر التي تعلم كلا الفريقين أعلاهم وأسلفهم ... يشقى بأرماحنا غير التكاذيب بعد أن أمتع بصفة الخيل، أمتعنا بصفة القتال، وبعد أن كان الكلام عاما: «يجلو أسنتها فتيان عادية» جعله أخص فدلنا على أنه هو الذي ثقف القناة بين آخرين مثله من قومهم ثقفوا قناهم ثم أشرعوه إذ قاتلوها به ثم لحقوا العدو وقتلوا الرؤساء وكأن أرماحهم أشطان مطلوب ونستفيد التخصيص من قوله في آخر الصفة كلا الفريقين أعلاهم وأسفلهم ... يشقى بأرماحنا غير التكاذيب فهذه نون الجمع المتكلم وهو منهم بل هو شاعرهم الناطق بلسان حالهم، ثم نعلم أنه كان مشاركا في القتال ومجده كل المشاركة بقوله: إني وجدت بني سعد يفضلهم ... كل شهاب على الأعداء مشبوب وإنما وجد ذلك عن تجربة. وكشف عن أن الذين تحدث بلسانهم هو بنو سعد فأنت ترى كيف هذا التدرج الذي تدرج به هذا الفارس المحارب «القديم» من بكاء الشباب في قوله: «أودى الشباب» وادعاء «أن لا لذات للشيب» إلى قصة خبر بلائه أيام شبابه وتلذذه بذلك وطربه إلى مآثر قومه ومجدهم الذي هو من بناته، ثم لما أقر هذا المعنى عند سامعيه، خلص إلى الفخر ببني تميم ثم ببني سعد قومه ثم جعل الفجر بضمير المتكلم الجمعي، كنا وكنا ونحن الآن كذا كذا إني وجدت بني سعد يفضلهم ... كل شهاب على الأعداء مشبوب إلى تميم حماة العز نسبتهم ... وكل ذي حسب في الناس منسوب أي كل ذي حسب منسوب في بني تميم وهم الناس كل الناس

стр. 2635

قوم إذا صرحت كحل بيوتهم ... عز الذليل ومأوي كل قرضوب القرضوب الفقير ينجيهم من دواهي الشر إن أزمت ... صبر عليها وقبص غير محسوب القصب بكسر القاف العدد الكثير الدثر. غير محسوب أي لا يعد من كثرته كنا نحل إذا هبت شآمية ... بكل واد حطيب الجوف مجدوب مجدوب أي مذموم، يخافه الناس لخصبه إذ لا يكثر فيه الحطب إلا وهو خصيب، وهذا كما لا يخفي من اللعب اللفظي أن يكون حطيبا مجدوبا والجدب لا يكون معه خصب من حطب أو مرعى. وإنما تعمدوا مكان الحطب لكثرتهم يوقدون ويطبخون ويقاتلون بشوكتهم عما حازوه فمنعوه وتأمل كيف تدرج إلى قوله كنا بعد أن كان الكلام إخبارا عن قوم هم عز الذليل ومأوى الفقير ففسر العز بالقوة على منع أنفسهم. وفسر الإيواء بما في الحطيب من الدلالة على الطعام والطبخ والكرم. ثم أعطانا صورة هذا الوادي الحطيب الجوف بعد أن أقاموا به يحمونه ويكرمون نزيلهم باغي قرى الضيف عندهم فيه شيب المبارك مدروس مدافعه ... هابي المراغ قليل الودق موظوب أي بعد أن أقام به الناس يحتطبون ويرعون ويقاتلون خلا من كل نبات فمباركه غبر شيب موظوبات تتابع عليهن الوطء والدياس. وفسر بعضهم شيب المبارك بالثلج والتفسير قول أبي عمرو أحسبه الشيباني أنه ليس بما كلأ فهي بيض، قال أغبر لبعد أهله، لا من الصقيع لأن الصقيع معه بلل فلا يكون جدبا. كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب وهذا كما هو فخر، هو أيضا تنبيه على فضيلة النجدة وحث عليها، «الفارس الماجد القديم» بذلك جدير. قرع الظنابيب أي التمشير والظنبوب عظم الساق وشد كور على وجناء ناجية ... وشد سرج على جرداء سرحوب هذه حال نهوض إلى الحرب، يمتطون الإبل ويجنبون الخيل، ثم في الكلام رجعة إلى اصداء من صوت الوصف والتفصيل والنشوة إلى ذلك مما مر من حديثه من قبل- ولاحظ تتابع الجيم- وجناء- ناجية- سرج- جرداء- ثم تجيء السين والحاء من بعد ولا ينسى الكاف ولا الخاء ولا الظاء والصاد للسين أخت: يقال محبسها أدنى لمرتعها ... وإن تعادي ببكء كل محلوب حتى تركنا وما تثني ظعائننا ... يأخذن بين سواد الخط فاللوب ما يخشين من أحد. هكذا كنا فمثلنا فكونوا. ومما تدرج فيه على سياق عادة الشعراء نونية العبدي أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني وقد مر عنها الحديث ولكن ننبه هاهنا على هذا الجانب من إحكامها ووحدتها وربطها- وذلك أن الشاعر جعل النسيب ثلاث درجات أخراهن خروج إلى الرحلة وجعل الرحلة ثلاث درجات أخراهن خروج إلى عمرو، وجعل خاتمة الكلام ثلاث درجات أخراهن الحكمة وهي التي من أجلها قال ما قال، وقد كان المثقب حكيما، وكانت في عبد القيس على بعدها

стр. 2636

ومقاربتها فارس والهند والنبط فصاحة، ومن الله عليهم أنهم لم يكونوا من أهل الردة. لفضيلة الجارود العبدي ﵁ وحزمه. وهو الذي قال الشاعر في أحد الذين من ذريته: يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك مدود والشطر الأول من شواهد الكتاب في باب ما يكون الاسم والصفة فيه بمنزلة اسم واحد ينضم فيه قبل الحرف المرفوع حرف وينكسر فيه الحرف المجرور الذي ينضم قبل المرفوع وينفتح فيه قبل المنصوب ذلك الحرف وهو ابنم وامرؤ- قلت وهذا من بارع تمثيل صاحب الكتاب وأستاذه الخليل إذ هذا مذهبه قالوا إن الراجز من بني الحرماز أحسب أن قائل ذلك أبو عمر الجرمي ﵀. أما درجات النسيب الثلاث فأن منع فاطمة كبينها فقد بانت فهي ظعينة فهذه درجة ثم وصف الظعينة في الظعائن معها مع ما يخالط ذلك من غزل، فهذه درجة. ثم التنبيه على أن الذي بأن ليس هو فاطمة بمنعها ما منعت ولكن هو الشاعر بكبريائه وصدوده عمن صد عنه وعزمه رحلة التسلي: فقلت لبعضهن وشد رحلي ... لهاجرة نصبت لها جيني فهذا خروج إلى الرحلة كما ترى

стр. 2637

ثم يقول في البيت التاسع عشر فسل الهم عنك بذات لوث ... عذافرة كمطرقة القيون هذه ناقته- وأقبل على صفة حركتها الهوجاء المستمرة الشديدة الإيجاف وهي ما زالت في أوائل نشاطها وهذه أولي مراحل سيره، وقد بدأه عند الهاجرة لا نخراطه وجده ووصل التأويب بالسرى. بصادقة الوجيف كأن هرا ... يباريها ويأخذ بالوضين كساها تامكا قردا عليها ... سوادي الرضيخ مع اللجين إذا قلقت أشد لها سنافا ... أمام الزور من قلق الوضين لاحظ تكرار الوضين وهو هنا ترنم مقصود. وإنما قلق الوضين لاستمرار هذا الضرب من السير أياما، فضمرت فاحتاج هو إلى أن يشد الوضين بأكثر مما شده من قبل ومن ضمن وصف هذا السير الشديد وصف استراحات التعريس القصار كأن مواقع الثفنات منها ... معرس باكرات الورد جون أي مواقع القطا البواكر لورود الماء، وكلما رحلها بعد هذه الاستراحة القصيرة تنفست الصعداء، نفسا حارا يكاد يقطع الحزام- ثم مضت وبها نشاطها تصك الحالبين بمشفتر ... له صوت أبح من الرنين المشفتر المتفرق يعني ما يتطاير من الحصى، تطيره أخفافها كأن نفي ما تنفي يداها ... قذاف غريبة بيدي معين تسد بدائم الخطران جثل ... خواية فرج مقلات دهين المقلات التي لا يعيش لها ولد، فأنبأنا بطول السير، وأنها ألقت جنينا بالصحراء. والدهين التي لا لبن لها وتسمع للذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الوكون قالوا الذباب هنا حد نابها إذا صرفت بأنيابها أي صوتت- فهذا نهاية الدرجة الأولى من الرحلة ثم الدرجة التي تلي صفة استراحة الناقة بعد هذا الكد، وقد عاد بخياله يصف حالها قبل الرحلة وهي فارهة كأنها سفينة:

стр. 2638

فألقيت الزمام لها فنامت ... كعادتها من السدف المبين فهذا يدلنا على أنه قد استراح من قبل مرات عند هذا السدف المبين، وإنما عني آخر الليل عندما يبدو أول ضوء الفجر كأن مناخها ملقى لجام ... على معزائها وعلى الوجين وملقى اللجام ضيق منبيء عن حال ضمور والمعزاء الأرض ذات الحصى والوجين الأرض الغليظة كأن الكور والأنساع منها ... على قرواء ماهرة دهين هذه صفتها في أول الرحلة، إذ لا يمكنه التعريس بأكثر من إن يلقي لها الزمام، وما زالت بها قوة، فهذه الصفة تتضمن معنى الإعجاب والرضا يشق الماء جؤجؤها ويعلو ... غوارب كل ذي حدب بطين هذه صفة السفينة التي شبه بها ناقته غدت قوداء منشقا نساها ... تجاسر بالنخاع وبالوتين هذا يدلنا عن أن في الوصف رجعة إلى حالها قبل الضمور. وكأنه إذ قال: «غدت قوداء منشقا الخ» قد قال: «كانت قوداء سمينة منشقا نساها أي منفلقة لحمتا فخذيها فيبدو النساء بينهما من سمنهما» ثم تجيء الدرجة الثالثة، وفيها رجعة إلى تفسير ما ذكره من قبل من تنفس ناقته الصعداء. - وقد خلص هنا إلى مناجاة الناقة وجعل حاله وحالها شيئا واحدا: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى على أما يقيني فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين أي كدكة البوابين، وذلك أنها تكون قد تأكلت من جوانبها، وهذه الصفة تدلنا على أن قوله من قبل: كأن الكور والأنساع منها ... على قرواء ما هرة دهين إنما هو رجعة بخياله إلى حالها الأولى. والدهين هنا من صفة السفينة أنها مدهونة بالقار وهي تجاوب قوله من قبل: «خواية فرج مقلات دهين»

стр. 2639

وكأن عنترة قد أخذ من قول المثقب هذا حيث قال: وشكا إلى بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي وقد زاد في المعنى كما ترى فهذه درجات الرحلة الثلاث- ثم يقول: فرحت بها تعارض مسبطرا ... على صحصاحه وعلى المتون إلى عمرو ومن عمرو أتتنى ... أخي النجدات والحلم الرصين فهذه درجة- وهي تجاوب ما تقدم من نشاط ناقته أول ما وصفها، ثم الدرجة الثانية تقابل مناجاته الناقة ومناجاة الناقة له، كما فيها أصداء حديثه لفاطمة: فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثى أو سمينى وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني فهذا كقوله: فإني لو تخالفني شمالي إلخ ثم الدرجة الثالثة، وهي كما قدمنا ذكره من قبل ذروة القصيدة وغاية مقاصدها من الحكمة - عندما قال لفاطمة «كذلك أجتوى من يجتويني» وعندما قال لها: لعلك إن صرمت الحبل بعدي ... كذاك أكون مصحبتي قروني كان له مفر إلى الناقة وبها إلى عمرو وقد ملت الناقة وبرمت، وإنما الناقة هي نفس الشاعر، (بسكون الفاء هنا) وذلك أن من تهلك ناقته بالصحراء يهلك هو أيضا. وقد تغير عمرو عن حاله أو يخشى هو أن يكون قد تغير وإذن فماذا يصنع: وما أدرى إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني من تأمل هذا علم أن الشر لابد بالغ ما يبتغيه، والخير إنما هو أعاليل، والمرء يفر، يطلب الخير- ثم إن أسباب المنايا، إنهن لبالمرصاد، هذه مأساة الحياة هذا والقارئ الكريم واجد بعد في الشعر أمثلة كثيرة مما سيق على منهج النسيب فالرحلة ومما لم يسق على ذلك والشاعر يتدرج به تدرجا من معنى إلى معنى- نضرب أمثلة على ذلك مشيرين إليها من غير تفصيل لامية العرب، فإن الشاعر يورد المعاني بها درجة بعد درجة وخطوة بعد خطوة على أن فيها مواضع مما تتعقد فيه عناصر الربط

стр. 2640

من تداعي المعاني إلى المقابلة- غير أن الذي ذكرنا أظهر. ولامية تأبط شرا: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل جيدة الترتيب. بدأ بذكر القتيل. ثم صفة ابن الأخت، يعني نفسه الذي سيطلب الثأر. ثم وقع خبر مقتل خاله عليه. ثم صفة هذا الخال القتيل. ثم صفة العدو والقتال. ثم غضبات الثائر وإدراك الثأر وشراب الخمر صليت مني هذيل بخرق ... لا يمل الشر حتى يملوا ينهل الصعدة حتى إذا ما ... نهلت كان لها منه عل حلت الخمر وكانت حرما ... وبلأى ما ألمت تحل فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل ثم استراحة الخاتمة: تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل وعتاق الطير تغدو بطانا ... تتخطاهم فما تستقل كلتا اللاميتين- لامية العرب ولامية الثأر مشكوك في صحتهما، أنهما صنعهما الرواة. ولا ريب أنهما مع ذلك جيدتان. ولا يصح أن يقال إنهما صنعهما خلف الأحمر، فعلى جودة شعره، لا يبلغ جودة هاتين اللاميتين. ولئن صحت مقالة من قال بانتحالهما وهي على الأرجح صحيحة لتواترها عن لامية تأبط شرا ولأن الشك في لامية العرب منقول عن القالى وهو حجة وثقة، فينبغي أن يكون المنتحل أو المنتحلون من رواة العرب وقصاصهم أهل البلاغة والبراعة والخيال- ثم ينبغي أن يكون لما انتحلوه أصل من رواية صحيحة. ومن الكلام المتصل المتدرج ميمية المخبل: ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم ذكر الخيال والدار ومعالمها والمحبوبة إذ كانت بها وهي كالبردية ووجهها كالصحيفة النقية وهي كالدرة- وأخذ الشاعر في شيء من صفة الغوص والغواص ولقد تحل بها الرباب لها ... سلف يفل عدوها فخم بردية سبق النعيم بها ... أقرانها وغلابها عظم ويروى «وغلا بها جسم» وهو قريب منه في المعنى إلا أن «غلا بها عظم» أجود لما فيه من الدلالة على حسن التغذية بسبب ما ذكره من أن تنعمها في الصغر جعلها تسبق أقرانها في النماء

стр. 2641

وتريك وجها كالصحيفة لا ... ظمآن مختلج ولا جهم والتشبيه بالصحيفة منتزع من عهد العرب بالتجارة التي كانت بلادهم معبرا لها، إلى ديار الفرس والروم ومصر والهند والحبشة كعقيلة الدر استضاء بها ... محراب عرش عزيزها العجم وهذا من باب المعرفة بأحوال الأمم وأخبارها أغلى بها ثمنا وجاء بها ... شخت العظام كأنه سهم وهذه الصفة غير التي ذكر المسيب حيث جعله كما قال: فانصب أسقف رأسه لبد ... كسرت رباعيتاه للصبر هذا طويل كما ترى بلبانه زيت وأخرجها ... من ذي غوارب وسطه اللخم واللخم بضم اللام ضرب من دواب البحر ولعله كان يأكل الناس أو يؤذيهم ثم أعطى الرباب صفة أخرى فجعلها كبيضة الدعص وإلى صفته الظليم نظر عبد بن الحسحاس في أبياته اليائية «وما بيضة بات الظليم يحفها إلخ» قال المخبل وهي أبيات جياد: أو بيضة الدعص التي وضعت ... في الأرض ليس لمسها حجم أي ملساء سبقت قرائنها وأدفأها ... قرد الجناح كأنه هدم أي هذه الحسناء سبقت قرائنها بالنماء وحسن الغذاء واكتمال البهجة والرواء- يكرر ما قدمه حين جعلها بردية سبق النعيم بها أقرانها- ويعنى أيضا أن البيضة سبقت قرائنها أنها بكر، قال الشارح والشعراء تصف ذلك وأورد بيت امرئ القيس كبكر المقاناة إلخ- وأحب إلى أن يكون سبقت قرائنها يعود على الفتاة وأدفأها يعود إلى البيضة، وإلى هذا الوجه ذهب أحمد بن عبيد بن ناصح ويضمها دون الجناح ودفه ... وتحفهن قوادم قتم لم تعتذر منها مدافع ذي ... ضال ولا عقب ولا الزخم قرد الجناح أي كثيفه ريشه متراكم والهدم الثوب أي كأن جناحيه ثوب. قتم أي فيهن غبرة وهو من ألوان ريش النعام. وقوله لم تعتذر منها أي لم تقل ما تعتذر به عن معرفة

стр. 2642

عهدها فما زالت آثارها باقية بمدافع ذي ضال وبذي عقب وبالزخم موضع بالزاي المعجمة المضمومة أو بالراء المهملة المفتوحة وما أشبه أن يكون اسما على مواضع إن كان بالزاي المضمومة لما في ذلك من رائحة الجمع وذكر ريش النعام دعا إلى ذكر شعر الفتاة وهذا من باب تداعي المعاني: وتضل مدراها المواشط في ... جعد اغم كأنه كرم فأفادنا هذا الشاعر في ميميته هذه معرفة بالصحيفة والدرة وبمحراب عرش العجم وبالكرم وهو بدوي جاهل كما يظن بعض الجهلاء فتأمل. ثم انتقل الشاعر إلى التسلي بالرحلة ووصف الناقة والطريق وجعل لذلك نحوا من ثلاثة عشر بيتا وليس ذلك بالعدد القليل، فمن أنكر على طرفة إطالته فإن داليته أكثر من ضعف ميمية المخبل في عدد أبياتها، فلا ينبغي أن ينكر عليه أن يجيء بضعف عدد أبيات المخبل في صفة الناقة أو يزيد ثم بعد صفة الناقة والطريق يقول المخبل: وتقول عاذلتي وليس لها ... بغد ولا ما بعده علم إن الثراء هو الخلود وإن ... المرء يكرب يومه العدم وهذه في التدرج وثبة وكون الشاعر قد ذكر الرباب وهي لم تعف أثارها وهو مسافر ذو دأب يفيد أنه بسبيل جد وكسب- وأن عذل المرأة له أن ماله قليل من بعض ما دفعه إلى هذا السفر وإذن فالرباب هي العاذلة أو ذلك رمز لها- ثم يصير الشاعر إلى الحكمة وهي الدرجة العليا والغاية التي بلغتها به هذه الوثبة إني وجدك ما تخلدني ... مائة يطير عفاؤها أدم والمائة من الإبل مال دثر وقد تعلم أن الزكاة من الإبل نفسها تجب في خمس وعشرين فالمائة أربعة أمثال ذلك ولئن بنيت لي المشقر في ... هضب تقصر دونه العصم وكان من سادتهم من كذلك يبنون

стр. 2643

لتنقبن عني المنية إن ... الله ليس كحكمه حكم إني وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشره الإثم لأعدم المال يأيتها الرباب ومن أجل عذل الرباب وما تكلفه من الكلف التي هي على خلاف ما يرى من الحكمة كان قوله أولا: ذكر الرباب وذكرها سقم ... وصبا وليس لمن صبا حلم وتشبه هذه الميمية في مساوقتها أول الأمر لعادة الشعراء ثم وثبتها إلى أمر من الحكمة ثم ذلك قوى ارتباط المعنى والرمز بها كان استهل بها لامية بشامة بن الغدير خال زهير وهي من المفضليات العاشرة، وقد مر عنها بعض الحديث ولا بأس برجعة وبعض تفصيل هجرت أمامه هجرا طويلا ... وحملك النأي عبئا ثقيلا وحملت منها على نأيها ... خيالا يوافى ونيلا قليلا ونظرة ذي شجن وامق ... إما الركائب جاوزن ميلا من هذه البداية تحس أن ههنا عاطفة ذات عقد ألوان- هجر ونأي ومقة وذكرى- شوب من كبر المغاضب وأسف المحب وشكه في صواب ما يعزم عليه ويتكلفه من «واقع» أمر الحياة وقوله «هجرت أمامة هجرا طويلا» يلفت، إذ المألوف أن تكون المحبوبة هي الهاجرة. ونسيب هذه القصيدة من أرق النسيب وأدقه وتأمل بعد كيف تدرج من ذكر الخيال إلى ذكر لقاء لم يكن بخيال- قصة مما كان من أمره وأمرها- ثم أعاد الخيال ذلك كما يعيده أو يسبق به أتتنا تسائل ما بثنا ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا هذا تفسير للهجر الطويل كما ترى- بدأ الشاعر من حيث انتهى علقمة وغيره من الشعراء حيث يئسوا وقالوا دعها.

стр. 2644

هو قد وصل مرحلة اليأس فهي التي يبدأ بها. ثم كما يفعل بعض أصحاب القصص الآن إذ يرجعون بك إلى أشياء مضت من منطلق هو الآن، رجع بنا بشامة إلى ما كان من المقدمات والأحوال التي صارت به إلى اليأس- أتتنا تسائل عن أمرنا ما بثنا؟ فماذا كما كان يقول الدكتور زكي مبارك ﵀، ولا أعلم من أهل العصر من الجيل السابق من كان يتناول الشعر بسحر بيان بعد الدكتور طه حسين كمثل سحر بيانه- أتتنا: ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا وقلت لها ...... تأمل صيرورته إلى قلت بضمير المتكلم الواحد بعد أن كان جمعا، وفي هذا من الخصوصية والمناجاة ... وقلت لها كنت قد تعلمين مذ ثوى الركب عنا غفولا فهذا من أسباب اليأس كما ترى. قال أحد الشيرزايين أحسبه سعدي الشيرازي ما معناه إنك إذا رأيت صديقك يجلس عند عدوك فاعلم أن وداده قد انتهى واهجره ... وما كان لها من عذر غير الدموع: فبادرتاها بمستعجل ... من الدمع ينضح خدا أسيلا مسكين الشاعر، لا يملك إلا أن يتصباه- يتصبى جانبا من قلبه هذا الخد الأسيل ينضحه دمع الطرف الكحيل- دمع اعتذار ليس بعاذرها حقا وليس بمرضيه حقا وما كان أكثر ما نولت ... من القول إلا صفاحا وقيلا وعذرتها أن كل امرئ ... معدله كل يوم شكولا فدموعها إذن دموع عزم على وداع، وتقبل افتراق كأن النوى لم تكن أصقبت ... ولم تأت قوم أديم حلولا أي كأننا لم نكن خليلين وكانت لنا حال وآل وبيننا ود ووصال. قال أحمد بن عبيد بن ناصح قوم أديم أي مجتمعين، أمرهم، واحد مجتمع فيهم أديم واحد، فعزمهم الدهر. قلت أي غلبهم الدهر. وإذن فهذه هي المأساة، قد تبدلت به آخر- هي إذن الهاجرة، ولابد له إذن من هجرها الهجر الطويل، إذ ليس إلى غير ذلك من سبيل فقربت للرحل عيرانة ... عذافرة عنتر يسا ذمولا ينبغي أن تكون هكذا وأن تكثر صفات قوتها لكي يتسلى من هذه المأساة مداخلة الخلق مضبورة ... إذا أخذ الخافقات المقيلا وهكذا مضى في نعت الناقة، وصف سنامها كيف اكتنز وما كان من مراعاها وخنزوانتها إذ تسير إذ ما عودت غير الإكرام لها قرد تامك نيه ... تزل الولية عنه زليلا يعنى السنام والولية شيء يجعل تحت الرحل يقى ظهر الدابة من مباشرة الخشب تطرد أطراف عام خصيب ... ولم يشل عبد إليها فصيلا

стр. 2645

لم يشل لم يناد ولم يدع فصيلا ليرضع منها صونا لها توقر شازرة طرفها ... إذا ما ثنيت إليها الجديلا فهذه خنزوانتها. وما خلصت صفة هذه القلوص من كبرياء صاحبته التي أحدرت دموعها ثم لم تهبه إلا إعراضا ومقالا كإعراض ... .. إلا صفاحا وقيلا

стр. 2646

ثم وصف عينها- وفيها أيضا من حال تلك التي بكت ثم أعرضت لأنها عين تمتحن وتراقب كعين من يفيض قداح الميسر بعين كعين مفيض القداح ... إذا ما أراغ يريد الحويلا أراغ أراد، الحويل، الاحتيال ثم وصف الأذن والصد ثم مرت، وصار بعد إلى الإشعار بالجد والتشمير وحادرة كنفيها المسيح ... تنضح أو بر شثأ عليلا هذه أذنها يسيل منها العرق على وبرها- والصورة منتزعة من مبادرة الدموع التي مرت. والأوبر هنا في مقابلة الخد الأسيل، فيا لذلك، كما ترى، من بديل: وصدر لها مهيع كالخليف ... تخال بأن عليه شليلا زعم الأصمعي أن بشامة أخطأ. قال الشارح قال الأصمعي: قد أخطأ في هذه الصفة لأن من صفة النجائب قلة الوبر والانجراد، وإنما توصف بكثرة الوبر الإبل السائمة ولا توصف بالوبر نجيبة عتيقة كريمة. قلت أصاب الجاحظ إذ أخذ على اللغويين ما أخذ. وللأصمعي من هذه مشابه، إذ قد مر عليك مثلا ما أخذه على المرار حيث قال في صفة النخل: كأن فروعها في كل ريح ... جوار بالذوائب ينتصينا ولولا أن الأوائل تعقبوا أبا سعيد للزمنا أن نتهيب مكانه، قال الشارح قال أحمد: غير الأصمعي يقول لم يخطئ الشاعر الوصف لأنه لم يرد الوبر وإنما أراد أن جلد صدرها يموج من سعته، فلذلك قال شليلا، وهو كساء أملس ولم يرد الشاعر الوبر، إنما أراد سعة الصدر ولو أراد الوبر لقال: تخال بأن عليه خميلا، فالشاعر قد أجاد والمتأول عليه أنه أخطأ الوصف هو أخطأ وهذا مستحب في وصف الإبل والخيل، حتى كأن عليه شليلا أي كساء يضطرب من سعته. وقال غيره المهيع الواسع الإبط والخليف طريق في المنحني. قال كاتب هذه الأسطر غيره هنا لا يعني غير أحمد أو غير الأصمعي ولكن يرد ذلك إلى قوله في أول الشرح المهيع الواسع والخليف الطريق- (وانظر الشرح الكبير ص ٨٤)

стр. 2647

وما أجود ما قال أحمد بن عبيد بن ناصح. وغير الأصمعي حيث قاله لا أحسبه ما عنى به إلا نفسه. ثم لم يزل الشاعر يقرو بتصويره الناقة أثر ما صور به أمامة التي هجرته وهجرها هجرا طويلا كما زعم- وهذا الصدر المتموج كأن عليه شليلا هو صدرها إذ تنخج ببكاء الوداع الهاجر. وهذه الأماكن التي مر هو عليها ومرت ناقته عليها هي أيضا مواضع مرور الظعينة إذ كما هو هاجر هي هاجرة وكما هو مودع هي مودعة. فمرت على كشب غدوة ... وحاذت بجنب أريك أصيلا توطأ أغلظ حزانه ... كوطء القوي العزيز الذليلا وهذا التشبيه يوقف عنده. الصفة للناقة ولأمامة أيضا. وهي العزيز وهو المسكين الذليل. ولا معنى لوصف وطء الناقة هذه الصفة إن لم يرم الشاعر إلى الرمز والإيحاء وأن يضمن هذه الصفة معنى هذا الهجر الطويل والصفاح والقيل. ثم استمر يصف سير الناقة بعد أن فصل ما فصله في صفة أعضاء منها: إذا أقبلت قلت مذعورة ... من الرمد تلحق هيقا ذمولا من الرمد أي من النعام- وهذا مع أنه من صفة إقبال سير الناقة مردود من جهة تجاوب أصداء المعاني على قوله آنفا: أتتنا تسائل ما بثنا ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا وقلت لها كنت قد تعلميـ ... ـن منذ ثوى الركب عنا غفولا فهذا فيه معنى المذعورة الجفول وإن أدبرت قلت مشحونة ... أطاع لها الريح قلعا جفولا فقد جاء بالجفول من صفة النعامة وهو هنا يشبه الناقة بالسفينة- وهكذا كان إدبار أمامة إذ أدبرت عنه وإذ أعرضت إعراضا. وإن أعرضت راء فيها البصير مالا يكلفه أن يفيلا أي مالا يخطئ معه أنه إعراض. وإعراض الناقة هنا أن تريك جانبها. والبصير إذا أرته جانيها فنظر علم نجابتها،

стр. 2648

فهذا ظاهر المعنى، وهو مردود أيضا على ما تقدم من قوله: صفاحا وقيلا إذا الشعر ذو خفايا وألوان- ثم فصل النجابة وهي أيضا من شواهد الإعراض يدا سرحا مائرا ضبعها ... تسوم وتقدم رجلا زجولا أي رجلا تضرح الحصى وعوجا تناطحن تحت المطا ... وتهدي بهن مشاشا كهولا العوج الأضلاع. تناطحن دخل بعضهن في بعض. مشاشا عنى بها رؤوس العظام المركبة فيها الضلوع. كهولا. من قولهم اكتهل النبات، أي رؤوس عظام فيهن قوة وارتفاع ومن تأمل هذه الصفة وجد فيها عودا قوله: وصدر لها مهيع كالخليف ... تخال بأن عليه شليلا والتناطح فيه حركة أشبه بحركة الشليل الأملس المتموج منها بمحض التداخل إلا أن يكون في هذا التداخل معنى التموج كما يدخل الموج بعضه في بعض وكذلك حركة الضلوع في الصدر القوي الجيد. وصفة المرأة التي ذكرها من هذا غير بعيد. ثم استمر في صفة مشى هذه الناقة، وتشبيهاته لا تنى تحمل معاني من الرمز: تعز المطى جماع الطريق ... إذ أدلج القوم ليلا طويلا أي تغلب الإبل الأخرى وتسبقها على الطريق. وهنا رجعه إلى قوله من قبل: توطأ أغلظ حزانه ... كوطء القوي العزيز الذليلا ولو نستعير ورقة من كتاب جون كيري John Carey صاحب كتاب النقد المعاصر عن الشاعر جون دون John Donne لذكرنا القارئ أن الوطء والجماع كلاهما يجيء بمعنى المباضعة. والجماع الطريق هنا أي معظمة. كأن يديها إذا أرقلت ... وقد جرن ثم اهتدين السبيلا أي الإبل وأشربهن معنى النساء بهذا الإضمار

стр. 2649

يدا عائم خر في غمرة ... قد ادركه الموت إلا قليلا تلقى حركة الهمزة على الدال. هنا وصف جيد بارع من حيث حاق تصوير الحركة، إذ الشاعر إنما التقط حركة اليدين والرجلين وفيهما عند إسراع الناقة اضطراب، فتشبيه ذلك بحركة العائم المجد وقد كاد يغلبه موج أو تيار فبدا من ضرب يديه ورجليه إلحاح منازعة ذات إسراع مفرط مذعور، تشبيه دقيق. على أن حال الناقة حين تجد وتندفع أبعد شيء عن حال الغريق. وما خلا الشاعر من تضمين وصفه إيحاء بما كان قاله من قبل من معنى الفراق على كراهة ذلك وعلى يأس من صلاح الحال، ومن معنى سيقوله من بعد قومه والذين كانوا لهم جيران وحلفاء من قبل والمشعر بالإيحاء قوله: قد أدركه الموت إلا قليلا إذ قوله «يدا عائم خر في غمرة» واف بالصفة المرادة، ولكن هذه الزيادة مع توكيدها وتقويتها لمراده من التشبيه أدل على مكنون من الإيحاء. ثم في الغمرة شبه من معنى العبرة، وذلك حيث قال: فبادرتاها بمستعجل ... من الدمع ينضح خدا أسيلا ثم من هذه الغمرة تجئ وثبة الشاعر إلى معاني الحكمة التي ختم بها قصيدته والتي هي أربه وضالته التي ينشد. ومع الوثبة شيء من تداعي المعاني وقوة دلالة الرمز. وقد يذكر القارئ الحكيم أن الشاعر إنما رأى في أول القصيدة من أمامة بعد هجره إياها الطويل خيالا. وحملت منها على نأيها ... خيالا يوافي ونيلا قليلا حتى هذا الخيال لا يزوده ما يزعم الشعراء أنهم يتزودونه. قال عمرو بن قميئة نأتك أمامة إلا سؤالا ... وإلا خيالا يوافي خيالا خيال يخيل لي نيلها ... ولو قدرت لم تخيل خيالا ولكأن بشامة تعمد إلى أن يشير إلى مقال ابن قميئة هذا حيث قال: هجرت أمامة هجرا طويلا

стр. 2650

فأمامة كما ترى هي نفس العلم الذي جاء به عمرو بن قميئة من قبل، وكان من أصحاب امرئ القيس، مشهورا من شعراء العرب. وعند عمرو بن قميئة هي الهاجرة. وذكر الشعراء تنويل الخيال كثير ومن أشهره قول ابن الخطيم: ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب وأخذ هذا المعرى فقال: تسئ بنا يقظى فأما إذا سرت ... رقادا فإحسان إلينا وإجمال وقال أبو الطيب، فجعل نفسه ذا عفاف حتى مع الخيال، وكأنه ينظر إلى قول اليشكري «من حبيب خفر فيه قدع» فقال: يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوي في طيفها وهو راقد والمبالغة في هذا القول. وهو بعد جيد بالغ. وحول الخيال بشامة في تذكرة النظرة حيث قال: ونظرة ذي شجن وامق ... إذا ما الركائب جاوزن ميلا ثم جعل الأمر قصة بعض ما كان. ثم هاهنا رجع فجعل القصة طيف خيال كما بدأت. وعدل من الرمز وهو أمامة إلى معان من الرموز له. وهذا يناسب عودته فجعله القصة أحلاما وللأحلام تأويل. هاهنا الوثبة. والذي يدلك على أنه جعل ما كان قصة ورمزا، مرة أخرى خيالا وأول ذلك الخيال قوله. وخبرت قومي ولم ألقهم ... أجدوا على ذي شويس حلولا فإما هلكت ولم آتهم ... فأبلغ أمائل سهم رسولا بأن قومكم خيروا خصلتين ... كلتاهما جعلوها عدولا خزي الحياة وحرب الصديق ... وكلا أراه طعاما وبيلا فإن لم يكن غير أحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا ولا تقعدوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا

стр. 2651

وحشوا الحروب إذا أوقدت ... رماحا طوالا وخيلا فحولا ومن نسج داود موضونة ... ترى للقواضب فيها صليلا فإنكم وعطاء الرهان ... إذا جرت الحرب جلا جليلا كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا وهو الجزء الختامي وذروة مقاصد الشاعر. قوله ولم ألقهم ولم آتهم يقوى مزعمنا أن هاهنا رجعة إلى الطيف، لأن القصة التي قصها من قبل يقول فيها «أتتنا تسائل ما بثنا» فهذا إن يكن طيفا، وهو كذلك، فإنه لا إتيان ولا لقاء، ولكن حلم، وقوله: «أجدوا على ذي شويس حلولا» فيه أنفاس من قوله: فقلت لها كنت قد تعلمين منذ ثوى الركب عنا غفولا فلم يكن لها اعتذار إلا الدموع، وقوله: «أتتنا تسائل ما بثنا» يشبه «وخبرت قومي ولم آتهم البيت» لأنه في هذا الذي جعله خيالا قال: «قد عزمنا الرحيلا» فهؤلاء الذين قال بلسانهم «قد عزمنا» هم قومه. وذو شويس موضع بعينه، جبل في ديار بني مرة، قال ذلك البكري في معجم ما استعجم وضبطه بشين معجمة بعدها واو مفتوحه، فياء ساكنة فسين مهملة على صيغة التصغير كأنه تصغير شأس خففت همزته والشاس الخشن، وضبطه ياقوت بفتح فكسر بوزن كريم وظريف، ويجوز أن بعضهم كان ينطقه هكذا، أو أن ذلك كان النطق على زمانه. وفي ذكر شويس كناية عن الصلابة والخشونة وعن الاعتصام والمأوى معا إذ هو جبل، ويجوز أن يكون في ذلك شيء من الإيهاء إلى الحصين بن الحمام من سادات بني مرة، لما استوثق بينه وبين قوم بشامة من حلف. وقوله «فأبلغ أماثل سهم رسولا» كقوله «أتتنا تسائل ما بثنا» - الشبه في إرسال الرسول فإنه في معنى إتيانها تسائل كما أ، من معنى ما بثنا أي شيء بثثناه إن شئت، وأي شيء حالنا. وقوله: «قد عزمنا الرحيلا» فقد أرسل إلى قومه وعزم أن يلحق بهم وذلك قوله: «فإما هلكت ولم آتهم» فما يمنعه من الإتيان إلا أن يهلك. وقوله: «خزي الحياة وحرب الصديق» في معنى ما بث أمامة وبثته إذ قال لها كنت «عنا غفولا» فبكت ولم تصنع إليه كبير شيء فلم يجد بدا من الهجر. وقوله: «فسيروا إلى الموت سيرا جميلا» تأويل ما تقدم من قوله: «هجرت أمامة هجرا طويلا» وقوله: «وكل أراه طعاما وبيلا» وإن شئت وكلا بالنصب تأويل ما تقدم من قوله: وحملت منها على نأيها ... خيالا يوافي وعبئا ثقيلا ونظرة ذي شجن وامق ... إذا ما الركائب جاوزن ميلا

стр. 2652

فهذا مع الحرمان طعام وبيل، والهجر طعام وبيل، فإن لم يكن بد من إحدى الخطتين فالهجر منه ومنها: وما كان أكثر ما زودت ... من النيل إلا صفاحا وقيلا إي إعراضا وكلاما- مغالطة أو نحو ذلك. وإذن فهي الحرب. ولابد لذلك من عدته، رماحا طوالا، وخيلا جيادا ودروعا وسيوفا. ومن أكمل عدته وأبدى الحزم هيب جانبه- ثم نصحهم أن يلزموا جانب العدل حتى لا يجر البغي عليهم وبالا، وهذا متضمن في زعمه أن الخطتين اللتين خيروا؛ ... كلتاهما جعلوها عدولا أي جوار وعدولا عن الحق. فأنتم يا قوم فلا تعدلوا عن الحق فالبغي مرتعه وخيم. هذا الروح هو نفسه الذي نجده عند ابن أخته: فلا تكمن الله ما في نفوسكم ... ليخفي ومهما يكتم الله يعلم فهذا قولنا من قبل إن بشامة أستاذ زهير، وذلك أقرب من أن نقول إن زهيرا من المدرسة الأوسية، وإن يك أوس تزوج أمه وهو قد روى منه، ذلك بأن أصل أخذه وتلمذته هو بشامة وعلى هذا قول الرواة وقوله: فأنكم وعطاء الرهان ... إذا جرت الحرب جلا جليلا كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا تقوية لما تقدم من معنى الاستعداد ولزوم جانب الجد والحزم مع تجنب البغي والجل كساء الجواد، فجعل مد الحرب غبارها وشرها جلا جليلا، فإذا حدث هذا فإن الحلف الذي عقدتموه مع الحصين بن الحمام المري والرهان الذي أعطاكموه، قالوا رهنهم ابنه، عدة لكم جسيمة لمكان الحصين ومكان بني مرة في غطفان، فهذا كثوب ابن بيض الذي جعله وقاية له من شر لقمان. وضرب بشامة ذلك مثلا. وزهير كخاله مما يضرب الأمثال. وهذا اختتام حسن.

стр. 2653

وعينية المسيب بن علس أرحلت من سلمى بغير متاع انتقال الشاعر فيها من النسيب وصفة الطريق كأنه اقتضاب وإنما هو وثبة درجتها متضمنة في صفة السير الذي بدأه من عند أول النسيب إذ زعم أن سلمى من قلبه بمكان وحباله لم تنقطع، فالرحيل إذن من أجل هذا المديح. فلأهدين مع الرياح قصيدة ... منى مغلغلة إلى القعقاع جعلها مع الرياح لركوبه وتغنيه ووروده المياه بهذه المدحة العصماء ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع هذه مقدمة. ثم تدرج منها إلى المدح نفسه: وإذا الملوك تدافعت أركانها ... أفضلت فوق أكفهم بذراع وإذا تهيج الريح من صرادها ... ثلجا ينيخ النيب بالجعجاع أحللت بيتك بالجميع وبعضهم ... متفرق ليحل بالأوزاع ولأنت أجواد من خليج مفعم ... متراكم الآذي ذي دفاع وكأن بلق الخيل في حافاته ... يرمي بهن دوالي الزراع هذا البيت مع طربه صورة مذهلة- ومع ذكره الخيل خطر له ذكر الحرب، وهذا من بابا تداعي المعاني ولأنت أشجع في الأعادي كلها ... من مخدر ليث معيد وقاع ونصير بعد إلى ذكر تداعي المعاني: ثالثا: تداعي المعاني حق هذا كان أن نذكره قبل التسلسل وقبل التدرج إذ هو في مادة ربط أول القصيدة بما يليه إلى آخرها أصل أصيل. ويداخله الرمز والإيحاء والتدرج والتسلسل. ولكنا أخرناه عنهما لأن أمرهما كأنه أبين من أمره. وإنما نصل إلى درك ما كان وراء قول الشاعر من تداعي المعاني بالحدس وبالتفكر وبالتخمين كثيرا. وبعض التداعي عفوي الانسياب آخذ ما يسبق منه بما يلي، متجاوبة أطرافه متساوقة تساوقا واضحا جليا. على ذلك قصيد امريء القيس «قفا نبك من ذكرى

стр. 2654

حبيب ومنزل» - ما من فصل منها إلا هو مفض إلى ما بعده، ودعاء المعنى أخاه له إصبع تشير، وقد مر تفصيلنا ذلك في هذا الجزء وفي الجزء الثالث في باب الجمال ومقاييسه، فإغنى ذلك عن أن نعيده هاهنا. وفي تداعي المعاني عند طرفة قلق واندفاع دفعات دفعات. وحركة القلق تنتظم قصيدته من عند أولها إلى آخرها مع نوع من شدة وعنف: يجور بها الملاح طورا ويهتدي كما قسم الترب المفايل باليد ينفض المرد ... تناول أطراف البرير وترتدي تخلل حر الرمل ..... لأمضى الهم ..... بعوجاء مر قال تروح وتغتدي نصأتها ... تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا فوق مور معبد جنوح دفاق ...... بعيدة وخد الرجل موارة اليد واروع نباض ........ وجاشت إليه النفس .... خب آل الأمعز ..... فذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربما أذيال سحل ممدد وهلم جرا .... وقد قال يصف نفسه: خشاش كرأس الحية المتوقد فهذا في القلق شاهد. وعكس ذلك حركة السأم والأناة التي تنتظم ميمية زهير من عند الظعائن إلى صحيحات المال الطالعات بمخرم ورحى الحرب الثقيلة الطحون والشيء بالشيء يذكر. الوقفة عند الطلل أذكرت بحدوج المالكية. ودعا ذلك ذكر الحي والفتاة التي كما قال:

стр. 2655

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر سمطى لؤلؤ بزبرجد فاللؤلؤ ثناياها والزبرجد لثاتها وشفتاها. ثم ذكره الشمس أشعره حرها: - وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي ونعلم أن المرقال دعا إليها ذكره الشمس لقوله من بعد: أحلت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد وإنما حب توقد من توهج الشمس عليه- هذه الشمس التي إياتها قد سقت تلك الثنايا اللامعات العذاب. ثم إذ ذالت الناقة وشبهها بفتاة الشرب دعا ذلك ذكر فتوته هو: ولست بحلال اللاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد وأبيات القصيدة المشهورات الغر من وصف القينة إلى وما زال تشرابي الخمور ولذتي إلى: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي الأبيات- ثم بعد إذ أثبت على نفسه ما حقا يصح لمن يهمهم أمره أن يلومه عليه قال: «يلوم ولا أدري علام يلومني»، فقص قصته مع قرط بن معبد ومع ابن عمه مالك وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند ثم دعت الشكوى غضبا: أنا الرجل الضرب وإذا بهذا الرجل الضرب يعقر عقلية مال شيخ الحي، أبيه أو عمه فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقى علي الجيب يابنة معبد

стр. 2656

وكأنما أرته بصيرة فؤاده أن جرائر طيشه سترديه قتيلا وختم القصيدة بشراسة المقاتل وسفاهة صاحب نار الميسر وإن كانت من مآثر الجاهلية وانتظار الموت ونعى نفسه إلى نفسه وإلى الحي من عدو وصديق: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد ومن تداعي المعاني الذي تحتاج في تتبعه إلى إعمال الفكر ميمية علقمة هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم وكثير من الاستطراد والرجعة إلى ما تقدم من قول يدخل في باب تداعي المعاني، وفي ما فصلناه من تقدم الأمثلة ما يفي ويغني عن إعادته إن شاء الله تعالى وقد تتداعي المعاني في حيز إطار عادة الشعراء من طلل ونسيب وما هو محور من ذلك أو مقاربه. وقد يقدم الشاعر ويؤخر مفتنا في ذلك، فيغلب ما يمليه عليه تداعي المعاني على ما هو مألوف من ترتيب الرحلة بعد النسيب والأغراض بعد الرحلة. من أمثلة ذلك كلمة المرار: لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منى ولا نقم ولن أحب بلادا قد رأيت بها ... عنسا ولا بلدا حلت به قدم إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم وانتقل من هذا على سبيل المقابلة وهي من عوامل الربط كما سيلي ذكره إن شاء الله إلى مدح وادي أشى بديار نجد والفتيان الذين به: وحبذا حين تمسي الريح باردة ... وادي أشي وفتيان به هضم ثم مضى في مدح هؤلاء الفتيان الهضم أي كل منهم هضم للمال بكرمه وإن شئت فقل هضيم أي ضامر غير مترهل إذ فعل لكلتا الصيغتين جمع الواسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا والمطعمون إذا هبت شآمية ... وباكر الحي من صرادها صرم

стр. 2657

أي من سحابها البارد قطع- ثم كرر هذا المعنى وقرره وأكده: وشتوة فللوا أنياب لزبتها ... عنهم إذا كلحت أنيابها الأزم أي الأوازم أي العاضة حتى انجلى حدها عنهم وجارهم ... بنجوة من حذار الشر معتصم هذا كرمهم ثم أخذ في ذكر نجدتهم وفروسيتهم وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها ... فوارس الخيل لا ميل ولا قزم وهذت كأنه أخذه من قول سلامة: لا مقرفين ولا سود جعابيب وقاسه عليه. لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا إلى هم وهذا البيت مما يستشهد به النحاة أراد يزيدونني. وعرض هاهنا بالعودة إلى ما كان فيه من ذم أهل صنعاء ولعمري ما أنصفهم وما أنصف صنعاء ومضى في مدح أقوامه: كم فيهم من فتى حلو شمائله ... جم الرماد إذا ما أخمد البرم وعني بالبرم البخيل وأصله الذي لا يشهد الميسر وكانت نار الميسر مما توقد لمنفعة الضعاف تحب زوجات أقوام حلائله ... إذا الأنوف امترى مكنونها الشبم إي إذا كان البرد وزكامه. ونظر في هذا المعنى إلى قول متمم: ولا برما تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من حس الشتاء تقعقعا ثم مضى على هذا النهج ترى الأرامل والهلاك تتبعه ... يستن منه عليهم وابل رذم ثم وصف جفان هذا الفتى الذي جعله صورة لفتيان وادي أشي الهضم ترى الجفان من الشيزي مكللة ... قدامه زانها التشريف والكرم

стр. 2658

ينوبها الناس أفواجا إذا نهلوا ... علوا كما عل بعد النهلة النعم ثم قفز به تداعي المعاني من تذكر الفتيان وكرمهم إلى تذكر الفتيات وفتاة بعينها منهن زاره طيفها- زيارة طيفها هي التي أثارت في نفسه بغض الاغتراب فذم صنعاء وما حولها وتمنى لو يعود- بدأ بذكر الفتيان للموازنة بينهم وبين ما كره من صنعاء، وكان أنسب أن يبدأ بذكر الرجال. ثم كأن أمر الطعام والجفان صحبه تداعي المعاني الذي جر إلى ذكر النساء ثم إلى ذكر امرأة منهن بعينها. ثم إلى أن جاء بما شأنه أن يكون مقدمة نسيبية في موضع الرحلة، لأن الطيف يزور مع الرقاد، وهو قد نزل لتعريس الفجر هنا فطرقه الخيال- زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا ... لدى نواحل في أرساغها الخدم النواحل هي الرواحل وقد كدها السير. والشعث عنى به أشعث واحدا هو نفسه، ولكنه جاء بالجمع ليناسب ما كان فيه من قصة فتيانه الكرام الذين بوادي أشي. فقد صاروا الآن معه في السفر. ولا يكون هذا الفتى الكريم ذو الجفان المكللة، الذي تحب زوجات أقوام حلائله إلا إياه هو وقمت للزور مرتاعا فأرقني ... فقلت أهي سرت أم عادني حلم هذا يبين به قوة طروق الطيف وحيوية ما رأى من شخصه- ثم انتقل إلى تصوير من باب أوصاف الغزل، جعله في مقابلة ما كان من وصف الفتى الهمام الكريم: وكان عهدي بها والمشي يبهظها ... من القريب ومنها النوم والسأم وبالتكاليف تأتي بيت جارتها ... تمضي الهويني وما يبدو لها قدم وهذا جمع به بين صفة صاحبة الأعشى، وصفة ما ينبغي أن تكون عليه المرأة المحتشمة، وهذا من جهة الوصف لخلقها وشيمتها فيه من الجمع بين المتباينين، المشي المتأنث حتى إنه ليبهظها والتحفظ الذي يسبغ الستر حتى على القدم، كما بين جمعه في الرائية: عجب خولة إذ تنكرني ... أم رأت خولة شيخا قد كبر

стр. 2659

بين صفتي البادنة والهيفاء ثم يقول، وكأنه جعله رمزا لنجد وللفتيان معا، واستمرارا في ذم صنعاء: رويق إني وما حج الحجيج له ... وما أهل بجنبي نخلة الحرم لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عيش سلوت به عنكم ولا قدم ولم تشاركك عندي غانية ... لا والذي أصبحت عندي له نعم وهذه مناجاة رقيقة وشكوى من روح عفيف ذي صدق في المودة. ثم فيها من جهة الصنعة رد لعهده من صاحبته على مثل حال الوفاء التي ذكر في حديثه عن أصحابه الفتيان حيث قال: - لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا إلى هم وصدقه في صبابته وقسمه لرويقة أنه لم تشاركه في حبه لها غانية بعد إذ نأى، دعا إلى تمنى العودة- فبدأ بذكر الشقراء يجعلها في مقابلة صنعاء ثم عدد مواضع بعدها مما يحب: يا ليت شعري عن جنبي مكشحة ... وحيث تبنى من الحناءة الأطم مكشحة موضع باليمامة والأطم الواحد والجمع الآطام وأطم وأحسبه هنا أراد الأطوم ثم أزال الإشباع وكانوا مما يفعلون ذلك، ويدلك على هذا تأنيثه الفعل: «وحيث تبنى» والأطم المفرد مذكر. وأراد التنبيه إلى آطام جنبي مكشحة من اللبن والرمل، ولكن أبنية صنعاء من الحجر. فهو يحن إلى حيث «تبنى الأطم» لا من الحجر، وتلك دياره يا ليت شعري عن جنبي مكشحة ... وحيث تبنى من الحناءة الأطم عن الأشاءة هل حالت مخارمها ... وهل تغير من آرامها إرم وجنة ما يذم الدهر حاضرها ... جبارها بالندى والحمل محتزم الجبار طوال النخيل فيها عقائل أمثال الدمى خرد ... لم يغذهن شقا عيش ولا يتم فجعل الأشاءة في مقابلة أشي وأنث وجعل جنتها فيها عقائل حسان كما في جنان الفردوس. وهؤلاء العقائل في مقابلة ما بدأ به من ذكر الفتيان. ثم انتقل إلى ذكر

стр. 2660

أزواجهن. ثم إلى ذكر اليل والفتوة، وجعل نفسه قائد كبة الخيل. ولم يخل ههنا من نظر إلى إبل علقمة التي يهدي بها أكلف الخدين مختبر ... من الجمال كثير اللحم عيثوم وذلك قوله بعد أن قال فيها عقائل، البيت المتقدم ذكره: - ينتابهن كرام ما يذمهم ... جار غريب ولا يؤذي لهم حشم كما ذم هو صنعاء وشعوب ونقما مخدمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم فدل على أنهم أو على أن منهم معه في الرحال- فدعاه ذلك إلى أن يتمنى مزيدا من الأوبة إلى دياره، وكما تمنى رويقة من قبل وبين لها بقاءه على العهد، حن هنا إلى صاحب له من فتيان دياره: بل ليت شعري متى أغدو تعارضني ... جرداء سابحة أو سابح قدم نحو الأميلح أو سمنان مبتكرا ... بفتية فيهم المرار والحكم أما المرار فالشاعر والحكم هو هذا الصاحب الذي تمناه وجعله في الرجال مقابلا لرويقة في النساء، وقد أحسن اختيار الأسماء. ليست عليهم إذا يغدون أردية ... إلا جياد قسي النبع واللجم وكأنه يعيب ما رأى من أردية في صنعاء من غير عدم ولكن من تبذلهم ... للصيد حين يصيح القانص اللحم قوله «من غير عدم» احتراس كما ترى. وقد قال عبدة بن الطبيب وهو تميمي: لما وردنا رفعنا ظل أردية ... وفار باللحم للقوم المراجيل وأخذ عبدة من قول امرئ القيس في البائية فيفزعون إلى جرد مسومة ... أفنى دوابرهن الركض والأكم يرضخن صم الحصى في كل هاجرة ... كما تطاير عن مرضاخه العجم يغذو أماهم في كل مربأة ... طلاع أنجدة في كشحه هضم

стр. 2661

فهذا عنى به نفسه وقوله في كشحه هضم يقوى تفسيرنا قوله هضم أنه جمع لهضيم الكشح، فهذا الرجل الضامر صدى من ذلك الفحل العيثوم الذي في ميمية علقمة: والإشارة إلى مأثور القول وتضمينه والإيماء إليه كل ذلك مما يدخل في باب الربط ويكون مع تسلسل الكلام وتدرجه كما يكون مع تداعي المعاني- قول بشامة بن الغدير: «جلا جليلا» دعا فكرة «ثوب بن بيض» وهو إشارة وضرب مثل وقول زهير في المعلقة: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم دعا قوله من بعد: ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم أي يكتم من الله . رابعا: المقابلة وقد تكون فرعا من تداعي المعاني، كما قد تكون مقدمة له، ومن المقابلة ما دلالته التباين، فالمباين يقابل مباينه، ومنها ما يدل على تشابه، فيكون من باب إلحاق الأمر بما يشبهه ويكون من هذه الجهة موازنا له. فمن باب إلحاق الأمر بما يشبه أبيات حصين بن ضمضم في معلقة زهير، فإنه لما قال: «هل أقسمتم كل مقسم فلا تكتمن الله إلخ» ألحق بهذا كتمان حصين ما عزم عليه من الخروج وقول عنترة: وكأنما التفت بجيد جداية ... رشأ من الغزلان حر أرثم نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم فها هنا تداعي معان، إذ وجد عند الغانية التي يصف إسماحا ومنالة فهو لذلك شاكر. ولكن عمرا جاحد. عمرو هذا إما أبوه وإما عمه وإما صديق، وهو هنا يذكر منه نكرانا وجحودا، ويحذر من عواقب ذلك. وألحق بعمرو هذا حنقه في آخر القصيدة على ابني ضمضم. والراجح انهما كانا ذوي شر عارم، فقد ترى ذكر زهير حصينا منهما، وقد يكون حصين هذا نفسه هو الذي شتم عنترة، فنكره عنترة بذكر أخيه معه، وكأن عنترة يقول أما عمرو فبكرة نعمتي قد خبث نفسي، وأما ابنا ضمضم حصين وأخوه فقد قتلت أباهما وكمثل مصرعه مخبوء لهما عندي لو يجسران فألقاهما.

стр. 2662

المقابلة التي تساوق تداعي المعاني وينبعث منها وتنبعث منه مع الموازنة، وحذو الشيء بعد الشيء على مماثل ذي مماثلة ما له من قبله أو من بعده، هي أكبر ما عليه الربط والوحدة في معلقة طرفة. وقد نبهنا إلى أن حركة الحدوج المهتزة اهتزازا شديدا- رمز انفعال الشاعر ذي الحيوية الشديدة- تنتظم الكلمة من عند «يجور بها الملاح طورا ويهتدي» إلى «تناول أطراف البرير وترتدي» - ينفض المرد- أتلع نهاض- اروع نباض- جس النادمى- سامي واسط الكور رأسها وعامت بضبعيها- كرأس الحية المتوقد- كسيد الغضا- رجعت في صوتها- خب آل الأمعز كهاة ذات خيف جلالة ... عقلية شيخ كالوبيل يلندد . ذلول بأجماع الرجال ملهد .... وما أشبه من تتابع الصفات ومن ضروب التقسيم صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد هذا ... وعينية أبي ذؤيب صار فيها بعد الدمعة الحارة، من حيث ذكروا عن عمر ﵁ قوله عنه إنه سلا إلى درجات من طلب العزاء وكل صورة فيها مقابلة وموازنة ومشابه مما قبلها. أول شيء صورة الحمار الوحشي وآتنه وهؤلاء يصيبهن القدر بسهامه عند الورود في لحظة مأساة حاسمة: فأبدهن حتوفهن فهارب ... بذمائه أو بارك متجعجع والصورة على جودتها تنظر إلى قول علقمة: رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب فالداحض هو هذا البارك المتجعجع ثم صور أبو ذؤيب صراعا أشد- الثور والكلاب والصائد ذا الأسهم: فبدا له رب الكلاب بكفه ... بيض رهاب ريشهن مقزع فرمى لينقذ فرها فهوى له ... سهم فأنفذ طرتيه المنزع فكبا كما يكبو فنيق تارز ... بالخبث إلا أنه هو أبرع وهذه الصورة الجيدة، هي أيضا من قول علقمة: فداحض بشكته إلخ ثم خاتمة القصيدة صراع فارسين مدججين بالسلاح- وهذه كما ترى درجة أعلى وأعنف

стр. 2663

من درجات القتال. والقدر في جميع ذلك بالمرصاد. وفي الحمار والثور كما في الفارسين كليهما من الحمية والثقة وحسن البلاء متحاميين المجد كل واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع ومن عجيب الشعر ميمية المرقش الأكبر. والمرقش جاهلي قديم. وكأن الرواة لم يظفروا بكل أبيات هذه القصيدة. ولم يوفها الشراح حقها من الشرح. وروى عن أبي عكرمة بعض خبر هذه القصيدة أنها رثي بها الشاعر ابن عمه ثعلبة بن عوف بن مالك ثم قال في شرح البيت: ثعلب ضراب القوانس بالسيف وهادي القوم إذ أظلم ثعلب اسم رجل ولم يرد ثعلبه. فتأمل هذا الاختلاف. وقال الأستاذان أحمد محمد شاكر ﵀ والأستاذ عبد السلام محمد هارون في تحقيقهما المختصر من تحقيق المستشرق ليال لشرح ابن الانباري الكبير وهي من نادر الشعر الذي بدئ فيه الرثاء بالغزل. قلت ومن تأمل القصيدة وجد أنها فيها الرثاء وغير الرثاء، وليست هي حقا بمرثية وإنما الذي ذكر في البدء خبر من خبرها. وقد رأيت اضطراب الشارح في ثعلبة وثعلب ولولا رواية رواها ما وقع هذا الاضطراب إذ أمر الترخيم أول ما يتبارد إليك في مثل هذا الموضع. وقال في شرح البيت: إن يغضبوا يغضب لذاك كما ... ينسل من خرشائه الأرقم الخرشاء جلد الحية والأرقم الحية قال أبو جعفر. يغضب يعني الرئيس الممدوح غيره قشر كل شيء خرشاؤه. قال وكل منتفخ أجوف فيه خروق فهو خرشاء. قلت فعلى هذا التفسير الثاني: كما ينسل من خرشائه الأرقم أي كما ينسل الأرقم- والمراد بالتشبيه غير واضح إلا أن يقال هو كالأرقم عنده السم والنكاية إذا غضب فسار ولكن سورة الحية وانسلاله ليس أمرا واحدا. وقال الأستاذ أحمد محمد شاكر ﵀ والأستاذ عبد السلام محمد هارون يغضب يعني الممدوح. وهذا كما ترى مخالف لما تقدم من أن القصيدة مرثية. ومن تأمل سياق أبيات القصيدة إلى قوله: والوالدات يستفدن غنى ... ثم على المقدار من يعقم وهو البيت السابع عشر، وجد أن الكلام محكم الترابط، وإن تك الأبيات الستة الأوائل نسيبا، والثلاثة التاليات رثاء، وسائر ما بقي حكمة وعزاء. وقف الشاعر بمكان قفر. دار كانت دار أحباء فأقفرت منهم.

стр. 2664

هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقا كلم الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم ديار أسماء التي تبلت ... قلمي فعيني ماؤها يسجم أضحت خلاء نبتها ثئد ... نور فيها زهوه واعتم ثئد أى ند وهذا أدل على خلائه إذ لو كان به أهل ونعم وشاء لكان قد بدا ذلك فيه. صورة النبات والزهر هنا خبر عن أمر واقع، لا وقفة مع سحر الطبيعة. إلا أن الطبيعة أبت إلا أن تفرض على الشاعر الإحساس بجمالها نور فيها زهوه واعتم وفطن أبو تمام، وكان على الشعر مطلعا وبه خبيرا، أن هاهنا تأملة للجمال فقال بيته الجيد: حتى تعمم صلع هامات الربا ... من نوره وتأزر الأهضام ثم انتقل المرقش إلى التذكر، فتذكر الحبيبة والظعائن اللاتي كن معها وحزن لذلك: بل هل شجتك الظعن باكرة ... كأنهن النخل من ملهم النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم وصدق ابن المعتز أن البديع لم يبدأ ببشار ومسلم. ولو أصاب صاحب المقامات هذا البيت لعدمه مغنما. قوله هل شجتك، هو المشعر بالحزن قد كرره في قوله: لم يشج قلبي ملحوادث إلا صاحبي المتروك في تغلم أي كأن قال شجتني الحبيبة والظعائن عند هذا المكان المعتم بالنوار المقفر من الأحباب. لا بل شجتني ذكرى أمض وأوجع- صاحبي المتروك في تغلم قتيلا، ولعله إنما وقف بتغلم. وأتبع ذكر ثعلب بيتا واحدا ينعته به كما من قبل أتبع ذكر الظعائن بيتا واحدا ينعتها به: ثعلب ضراب القوانس بالسيف وهادى القوم إذ أظلم فمكان النشر، لأن الغانيات إنما هن تراء وعبير، اسم ثعلب علم واضح يدل على شخص رجل شهم واضح. ومكان «أطراف الأكف عنم» قوله: «ضراب القوانس بالسيف.» وجعل مكان «الوجه دنانير» باشراقها وحسنها: «هادى القوم إذ أظلم»

стр. 2665

إذ الهداية نور. فهنا مقابلة وموازنة كما ترى. ثم كرر معنى الحزن: فاذهب فدى لك ابن عمك لا يخلد إلا شابة وأدم قالوا هما جبلان. ثم أخذ في باب من الحكمة والتعزى: لو كان حى ناجيا لنجا ... من يومه المزلم الأعصم في باذخات من عماية أو ... يرفعه دون السماء خيم خيم اسم جبل بعينه من دونه بيض الأنوق وفو ... قه طويل المنكبين أشم الأنوق الرخمة قالوا لا تبيض إلا في أبعد ما تقدر علهي من الأمكنة- أي هذا الجبل بعيد العلو. وإنما ضرب المزلم الأعصم وهو الولع الذي مسكنه في الجبل البعيد مثلا لصاحبه المتروك في تغلم، أنه كان مثل ذلك الوعل في الامتناع ومأمولا له طول البقاء يرقاه حيث شاء منه وأما تنسه منية يهرم أي إن أنسأته المنايا فلم تعاجله، عمر العمر الطويل، ولكنها مما تعاجله أحيانا كما عاجلت هذا الصاحب المتروك قتيلا في ذلك المكان الموحش. فغاله ريب الحوادث حتى زل عن أرياده فحطم أي حتى زل عن ارياد الجبل فتحطم ثم ختم التعزى بقوله: ليس على طول الحياة ندم هذا متصل بقوله: «وإما تنسه منية يهرم» فقصارى طول العيش الهرم، وإذن فلا ينبغي أن يندم المرء على فوت طول الحياة- إذ وراء المرء هذا الضعف الذي مع طول العمر ثم الموت. ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم يهلك والد ويخلف مو ... لود وكل ذي أب ييتم والوالدات يستفدن غنى ... ثم على المقدار من يعقم أي يجدن ما يسد حاجتهن إلى الولد إذ يلدن، هذا غناهن، إذ ليس يلزم أن يكون مع الولد غنى المال، ويصحح ما نذهب إليه رواية من روى يستفدن غناء بفتح الغين، ثم من النساء من لا يلدن، بقدر مما قضى عليهن بعد هذا يأخذ الشاعر في قرى آخر. ولو كان قوله:
следующие страницы →