فهذا عنى به نفسه وقوله في كشحه هضم يقوى تفسيرنا قوله هضم أنه جمع لهضيم الكشح، فهذا الرجل الضامر صدى من ذلك الفحل العيثوم الذي في ميمية علقمة:
والإشارة إلى مأثور القول وتضمينه والإيماء إليه كل ذلك مما يدخل في باب الربط ويكون مع تسلسل الكلام وتدرجه كما يكون مع تداعي المعاني- قول بشامة بن الغدير: «جلا جليلا» دعا فكرة «ثوب بن بيض» وهو إشارة وضرب مثل وقول زهير في المعلقة:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
دعا قوله من بعد:
ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
أي يكتم من الله .
رابعا: المقابلة
وقد تكون فرعا من تداعي المعاني، كما قد تكون مقدمة له، ومن المقابلة ما دلالته التباين، فالمباين يقابل مباينه، ومنها ما يدل على تشابه، فيكون من باب إلحاق الأمر بما يشبهه ويكون من هذه الجهة موازنا له.
فمن باب إلحاق الأمر بما يشبه أبيات حصين بن ضمضم في معلقة زهير، فإنه لما قال:
«هل أقسمتم كل مقسم فلا تكتمن الله إلخ» ألحق بهذا كتمان حصين ما عزم عليه من الخروج
وقول عنترة:
وكأنما التفت بجيد جداية ... رشأ من الغزلان حر أرثم
نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
فها هنا تداعي معان، إذ وجد عند الغانية التي يصف إسماحا ومنالة فهو لذلك شاكر. ولكن عمرا جاحد. عمرو هذا إما أبوه وإما عمه وإما صديق، وهو هنا يذكر منه نكرانا وجحودا، ويحذر من عواقب ذلك.
وألحق بعمرو هذا حنقه في آخر القصيدة على ابني ضمضم. والراجح انهما كانا ذوي شر عارم، فقد ترى ذكر زهير حصينا منهما، وقد يكون حصين هذا نفسه هو الذي شتم عنترة، فنكره عنترة بذكر أخيه معه، وكأن عنترة يقول أما عمرو فبكرة نعمتي قد خبث نفسي، وأما ابنا ضمضم حصين وأخوه فقد قتلت أباهما وكمثل مصرعه مخبوء لهما عندي لو يجسران فألقاهما.
стр. 2662
المقابلة التي تساوق تداعي المعاني وينبعث منها وتنبعث منه مع الموازنة، وحذو الشيء بعد الشيء على مماثل ذي مماثلة ما له من قبله أو من بعده، هي أكبر ما عليه الربط والوحدة في معلقة طرفة. وقد نبهنا إلى أن حركة الحدوج المهتزة اهتزازا شديدا- رمز انفعال الشاعر ذي الحيوية الشديدة- تنتظم الكلمة من عند «يجور بها الملاح طورا ويهتدي» إلى «تناول أطراف البرير وترتدي» - ينفض المرد- أتلع نهاض- اروع نباض- جس النادمى- سامي واسط الكور رأسها وعامت بضبعيها- كرأس الحية المتوقد- كسيد الغضا- رجعت في صوتها- خب آل الأمعز
كهاة ذات خيف جلالة ... عقلية شيخ كالوبيل يلندد
. ذلول بأجماع الرجال ملهد ....
وما أشبه من تتابع الصفات ومن ضروب التقسيم
صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد
هذا ...
وعينية أبي ذؤيب صار فيها بعد الدمعة الحارة، من حيث ذكروا عن عمر ﵁ قوله عنه إنه سلا إلى درجات من طلب العزاء وكل صورة فيها مقابلة وموازنة ومشابه مما قبلها.
أول شيء صورة الحمار الوحشي وآتنه وهؤلاء يصيبهن القدر بسهامه عند الورود في لحظة مأساة حاسمة:
فأبدهن حتوفهن فهارب ... بذمائه أو بارك متجعجع
والصورة على جودتها تنظر إلى قول علقمة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب
فالداحض هو هذا البارك المتجعجع
ثم صور أبو ذؤيب صراعا أشد- الثور والكلاب والصائد ذا الأسهم:
فبدا له رب الكلاب بكفه ... بيض رهاب ريشهن مقزع
فرمى لينقذ فرها فهوى له ... سهم فأنفذ طرتيه المنزع
فكبا كما يكبو فنيق تارز ... بالخبث إلا أنه هو أبرع
وهذه الصورة الجيدة، هي أيضا من قول علقمة: فداحض بشكته إلخ
ثم خاتمة القصيدة صراع فارسين مدججين بالسلاح- وهذه كما ترى درجة أعلى وأعنف
стр. 2663
من درجات القتال. والقدر في جميع ذلك بالمرصاد. وفي الحمار والثور كما في الفارسين كليهما من الحمية والثقة وحسن البلاء
متحاميين المجد كل واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع
ومن عجيب الشعر ميمية المرقش الأكبر. والمرقش جاهلي قديم.
وكأن الرواة لم يظفروا بكل أبيات هذه القصيدة. ولم يوفها الشراح حقها من الشرح.
وروى عن أبي عكرمة بعض خبر هذه القصيدة أنها رثي بها الشاعر ابن عمه ثعلبة بن عوف بن مالك ثم قال في شرح البيت:
ثعلب ضراب القوانس بالسيف وهادي القوم إذ أظلم
ثعلب اسم رجل ولم يرد ثعلبه. فتأمل هذا الاختلاف.
وقال الأستاذان أحمد محمد شاكر ﵀ والأستاذ عبد السلام محمد هارون في تحقيقهما المختصر من تحقيق المستشرق ليال لشرح ابن الانباري الكبير وهي من نادر الشعر الذي بدئ فيه الرثاء بالغزل. قلت ومن تأمل القصيدة وجد أنها فيها الرثاء وغير الرثاء، وليست هي حقا بمرثية وإنما الذي ذكر في البدء خبر من خبرها. وقد رأيت اضطراب الشارح في ثعلبة وثعلب ولولا رواية رواها ما وقع هذا الاضطراب إذ أمر الترخيم أول ما يتبارد إليك في مثل هذا الموضع. وقال في شرح البيت:
إن يغضبوا يغضب لذاك كما ... ينسل من خرشائه الأرقم
الخرشاء جلد الحية والأرقم الحية قال أبو جعفر. يغضب يعني الرئيس الممدوح غيره قشر كل شيء خرشاؤه. قال وكل منتفخ أجوف فيه خروق فهو خرشاء.
قلت فعلى هذا التفسير الثاني: كما ينسل من خرشائه الأرقم أي كما ينسل الأرقم- والمراد بالتشبيه غير واضح إلا أن يقال هو كالأرقم عنده السم والنكاية إذا غضب فسار ولكن سورة الحية وانسلاله ليس أمرا واحدا.
وقال الأستاذ أحمد محمد شاكر ﵀ والأستاذ عبد السلام محمد هارون يغضب يعني الممدوح. وهذا كما ترى مخالف لما تقدم من أن القصيدة مرثية.
ومن تأمل سياق أبيات القصيدة إلى قوله:
والوالدات يستفدن غنى ... ثم على المقدار من يعقم
وهو البيت السابع عشر، وجد أن الكلام محكم الترابط، وإن تك الأبيات الستة الأوائل نسيبا، والثلاثة التاليات رثاء، وسائر ما بقي حكمة وعزاء.
وقف الشاعر بمكان قفر. دار كانت دار أحباء فأقفرت منهم.
стр. 2664
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو كان رسم ناطقا كلم
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم
ديار أسماء التي تبلت ... قلمي فعيني ماؤها يسجم
أضحت خلاء نبتها ثئد ... نور فيها زهوه واعتم
ثئد أى ند وهذا أدل على خلائه إذ لو كان به أهل ونعم وشاء لكان قد بدا ذلك فيه.
صورة النبات والزهر هنا خبر عن أمر واقع، لا وقفة مع سحر الطبيعة. إلا أن الطبيعة أبت إلا أن تفرض على الشاعر الإحساس بجمالها
نور فيها زهوه واعتم
وفطن أبو تمام، وكان على الشعر مطلعا وبه خبيرا، أن هاهنا تأملة للجمال فقال بيته الجيد:
حتى تعمم صلع هامات الربا ... من نوره وتأزر الأهضام
ثم انتقل المرقش إلى التذكر، فتذكر الحبيبة والظعائن اللاتي كن معها وحزن لذلك:
بل هل شجتك الظعن باكرة ... كأنهن النخل من ملهم
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم
وصدق ابن المعتز أن البديع لم يبدأ ببشار ومسلم. ولو أصاب صاحب المقامات هذا البيت لعدمه مغنما.
قوله هل شجتك، هو المشعر بالحزن
قد كرره في قوله:
لم يشج قلبي ملحوادث إلا صاحبي المتروك في تغلم
أي كأن قال شجتني الحبيبة والظعائن عند هذا المكان المعتم بالنوار المقفر من الأحباب.
لا بل شجتني ذكرى أمض وأوجع- صاحبي المتروك في تغلم قتيلا، ولعله إنما وقف بتغلم.
وأتبع ذكر ثعلب بيتا واحدا ينعته به كما من قبل أتبع ذكر الظعائن بيتا واحدا ينعتها به:
ثعلب ضراب القوانس بالسيف وهادى القوم إذ أظلم
فمكان النشر، لأن الغانيات إنما هن تراء وعبير، اسم ثعلب علم واضح يدل على شخص رجل شهم واضح. ومكان «أطراف الأكف عنم» قوله: «ضراب القوانس بالسيف.» وجعل مكان «الوجه دنانير» باشراقها وحسنها: «هادى القوم إذ أظلم»
стр. 2665
إذ الهداية نور. فهنا مقابلة وموازنة كما ترى.
ثم كرر معنى الحزن:
فاذهب فدى لك ابن عمك لا يخلد إلا شابة وأدم
قالوا هما جبلان. ثم أخذ في باب من الحكمة والتعزى:
لو كان حى ناجيا لنجا ... من يومه المزلم الأعصم
في باذخات من عماية أو ... يرفعه دون السماء خيم
خيم اسم جبل بعينه
من دونه بيض الأنوق وفو ... قه طويل المنكبين أشم
الأنوق الرخمة قالوا لا تبيض إلا في أبعد ما تقدر علهي من الأمكنة- أي هذا الجبل بعيد العلو. وإنما ضرب المزلم الأعصم وهو الولع الذي مسكنه في الجبل البعيد مثلا لصاحبه المتروك في تغلم، أنه كان مثل ذلك الوعل في الامتناع ومأمولا له طول البقاء
يرقاه حيث شاء منه وأما تنسه منية يهرم
أي إن أنسأته المنايا فلم تعاجله، عمر العمر الطويل، ولكنها مما تعاجله أحيانا كما عاجلت هذا الصاحب المتروك قتيلا في ذلك المكان الموحش.
فغاله ريب الحوادث حتى زل عن أرياده فحطم
أي حتى زل عن ارياد الجبل فتحطم
ثم ختم التعزى بقوله:
ليس على طول الحياة ندم
هذا متصل بقوله: «وإما تنسه منية يهرم» فقصارى طول العيش الهرم، وإذن فلا ينبغي أن يندم المرء على فوت طول الحياة- إذ وراء المرء هذا الضعف الذي مع طول العمر ثم الموت.
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم
يهلك والد ويخلف مو ... لود وكل ذي أب ييتم
والوالدات يستفدن غنى ... ثم على المقدار من يعقم
أي يجدن ما يسد حاجتهن إلى الولد إذ يلدن، هذا غناهن، إذ ليس يلزم أن يكون مع الولد غنى المال، ويصحح ما نذهب إليه رواية من روى يستفدن غناء بفتح الغين، ثم من النساء من لا يلدن، بقدر مما قضى عليهن
بعد هذا يأخذ الشاعر في قرى آخر. ولو كان قوله:
стр. 2666
ما ذنبنا في أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم
من قصيدة أخرى، لصح القول بأن الأبيات السبعة عشر الأولى قصيدة رثاء. وهل يصح أن يقال هما قصيدتان منفصلتان ضمهما الرواة معا لمجرد تشابه الروي والوزن؟
ولقد قطع ابن قتيبة بأن هذه الميمية ليست بأهل أن تختار. واختيار الأشياخ قبل زمانه لها عمن اختاروها من أشياخهم يدفع ما ذهب إليه كل مدفع.
وآخر القيدة فيه أنفاس الحزن والتفكر والحكمة كأولها وذلك قوله:
لسنا كأقوام مطاعمهم ... كسب الخنا ونهكة المحرم
مع كون هذا فخرا فإنه مداخلته أنفاس حزينة تتأسف على كسب الخنا هذا وتتأسف على نهكة المحرم
إن يخصبوا يعيوا بخصبهم ... أو يجدبوا فهم به ألأم
وها هنا مرارة وهجاء. ولا ريب أنه عنى بني تغلب. والمشعر لنا بالحزن أن هاهنا خطيئة وندما
عام ترى الطير دواخل في ... بيوت قوم معهم ترتم
هل أكلوا الرمم أو أكلوا من لحم ميت؟
ويخرج الدخان من خلل الستر كلون الكودن الأصحم
الكودن ردئ من الخيل فجعل الدخان يتسرب بطيئا كمشية هذا الكودن الذي ليس بعربي
حتى إذا ما الأرض زينها النبت وجن روضها وأكم
فهذه هي الصورة التي وصفها حين وجد الديار خلت من أهلها مع عموم الخضرة والنوار لها- فهذا الجزء من القصيدة مرتبط بالذي تقدم.
ذاقوا ندامة فلو أكلوا الخطبان لم يوجد له علقم
فهم قد بغوا فأوحشت الديار وذهبت النعمة وقتل الفتيان وجاءت الثارات مكان عيش الائتلاف. والراجح أنه يشير هنا إلى ما كان من إسراف المهلهل وتجاوزه مقدار ما يوجبه القصاص
لكننا قوم أهاب بنا ... في قومنا عفافة وكرم
أموالنا نقى النفوس بها ... من كل ما يدني إليه الذم
هذا في الفداء. ولكنا نقاتل إذا لزم الحفاظ. ولكن الشاعر يتذكر عهد القتال هنا بمثل
стр. 2667
تذكره للظعائن ولصاحبه المتروك في تغلم
لا يبعد الله التلبب والغارات إذ قال الخميس نعم
والخميس هنا جيش الملك الممدوح
والعدو بين المجلسين إذا ... ولى العشى وتنادى العم
قوله بين المجلسين أي بين مجلس ومجلس وذلك في المشاهد العامة وعند حلول الأضياف في أمر جامع والشباب هم الذين يخدمون ويعدون بين المجلسين-
يأتي الشباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
أي تحل الدواهي، دواهي الشيب والضعف بين الشباب ومن قيل له كن حكما فإنما يقال له ذلك بعد ذهاب شبابه، فلا تغبط أخاك أن يصير حكما فقد فقد الشباب الذي هو أغلى وأجل قدرا.
هل صار المرقش حكما وهل يبكي شبابه هنا-
هذا أدنى ما يستفاد من قوله:
لا يبعد الله التلبب والـ ... ـغارات إذ قال الخميس نعم
والعدو بين المجلسين إذا ... ولى العشى وتنادى العم
يأتي الشباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
وبقيت الأبيات من قوله:
ما ذنبنا في أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم
إلى قوله: لسنا كأقوام مطاعمهم ... كسب الخنا ونهكة المحرم
ولا أشك أنه ههنا يشير إلى ما أشار إليه الحارث من بعد-[إذ قصة الحارث وعمرو بن هند وعمر بن كلثوم كل ذلك كان بعد زمان المرقش وإن كانت بعض قصص الرواة وأخبارهم تكاد تجعل من هؤلاء أبطالا ابديين لما تداخلهم من عناصر الأساطير] حيث قال:
كتكاليف قومنا إذ غزا المنذر هل نحن لابن هند رعاء
ما أصابوا من تغلبي فمطلول عليه إذا أصيب العفاء
فهذا يكذب الجاحظ أن الحارض لم ينتصف من تغلب أم قال لم يكد:
إذ أحل العلياء قبة ميسون فأدنى ديارها العوصاء
تأمل كيف جاء بعنصر مما يقع في النسيب ههنا وذلك قوله فأدنى ديارها العوصاء- وما يخلو قوله العوصاء من كنين معنى
стр. 2668
فتأوت له قراضبة من ... كل حي كأنهم ألقاء
كأنهم عقبان
فهدا هم بالأسودين وأمر الـ ... ـله بلغ تشقى به الأشقياء
فقوله «فتأوت له قراضبة» هو عينه قول المرقش حيث قال:
«حارب واستعوى قراضبة»
وهذا الغازي من ملوك جفنة فعل الأفاعيل فلم يكن من تغلب لملوك الحيرة من نصر، ولكن نصرتهم بنو يشكر وبنو بكر رهط المرقش ورهط الحارث- وانظر بعد الأبيات وشرح الشراح لكلامي الشاعرين. قال المرقش: -
ما ذنبنا في أن غزا ملك ... من آل جفنة حازم مرغم
مقابل بين العواتك والغـ ... ـف لا نكس ولا توءم
العواتك من الأزد والغلف من كندة قالوا عني غلفاء وسلمة عمي امرئ القيس فالغلف بتشديد اللام وفتحها من ولداه والعواتك جمع عاتكة من أسماء النساء اللاتي ولدنه وبنو جفنة فرع من الأزد
حارب واستعوى قراضبة ... ليس لهم مما يحاز نعم
فيحوزون ما ينهبون
بيض مصاليت وجوههم ... ليست مياه بحارهم بعمم
أي هذه صفتهم بيض منجردون كالصقور وجوههم حديدة صلته غير أنهم سباريت مجدبون ليست لهم بحار ذوات مياه تعم كملوك الحيرة وما يجندون من جنود، فمظهرهم انصلات ومخبرهم جوع وشراسة وشر وشره- وروى بعضهم بغمم بالغين المعجمة وضمتين أو ضم وفتح فمن روى بالمعجمة وضمة وفتحة فهو جمع غمة وهو من الكثرة وهو في معنى من روى بالمهملة وضمتين قال الشارح ومن رواه بالعين فقد هجاهم. يعني بالعين المهملة.
ومن روى بالمعجمة وضمتين فهو جمع غميم قال الشارح «يقال ماء غميم إذا لم يكن ظاهرا». ا. هـ وهذا ينبغي أن يكون مدحا ولا يعقل أن يمدح الشاعر القضاربة السباريت أن وجوههم مشرقة إلا على وجه بعيد أن يكون أراد التأكيد والمبالغة في معنى انصلاتهم وشجاعتهم وتوقد قلوبهم ووجوههم للحرب كقول الهذلي في تأبط شرا:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
ويجوز أن يكون عنى به على هذا الوجه مدح ملك الحيرة ومن معه.
وأقرب إلى الصواب رواية العين المهملة وأن ذلك هجاء، ثم أتبعه صفة ملك الحيرة، أن
стр. 2669
هؤلاء جاءوا بيضا مصاليت أهل شر، عقبان نهب وقتال، فانقض عليهم ملك الحيرة ومعه جيشه الكثيف وناصره من رهط المرقش
فانقض مثل الصقر يقدمه ... جيش كغلان الشريف لهم
أي ضخم كثير
إن يغضبوا يغضب لذاك كما ... ينسل من خرشائه الأرقم
ويجوز أن يكون هذا في وصف ملك جفنة الغازي ومعه جيش قراضيبه الذي هداهم بالأسودين أي التمر والماء ليكونوا أحرص على الحرب والنهب وقيل في الأسودين غير هذا.
وعلى الوجهين فالقصيدة خطاب مديح للملك ضمنه الشاعر أسى على ذهاب الشباب وتذكرا لابن عمه القتيل وللثارات والإحنة بين قومه والمهلهل. وألحق الحكمة بمعنى الحزن والتأمل في ما صارت إليه حال ابني وائل بعد أن بغى بعضهم على بعض. وكأن قد وقف بالذي قاله عند الملك موقف الحكم، فهذا قوله:
يأتي الشباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
والأقورين ملحق بجمع المذكر السالم أي الدواهي
وتأمله في ميمية المرقش هذه ترينا أن جوهر موضوعها يدور حول خصومات حرب البسوس وما كانت تلجئ إليه ملابساتها من التهادن والاحتكام والغدر والتربص وما إلى ذلك من حين إلى حين
ومما يشعر بمعنى الأسى والأسف على فوت الشباب قوله:
لا يبعد الله التلبب والغارات إذ قال الخميس نعم
نعم أي إبل نغير عليها ونسوقها
والعدو بين المجلسين إذا ... ولى العشى وتنادى العم
وقد نظر زهير بن أبي سلمى في معلقته:
أمن أم أوفي دمنة لم تكلم
وقد قابل بين صفة الظعائن التي في أول القصيدة، وبين ذكره الحرب الذي جاء به بعد قسمه. وقد أضمر ذكر الرحلة إذ وقوفه حيث وقف دلنا على أنه مرتحل، وهو المذهب، يدلك مثلا قول عنترة.
стр. 2670
فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لأقضى حاجة المتلوم
ثم قسمه بالبيت يدل على أن رحلته كانت إلى البيت، وكانت عهود الصلح وما أشبه تعقد عند الموسم.
وقوله:
فلما وردن زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم
وهذا مشعر بالأمن والرفه، يوازنه ويناسبه ما قاله من بعد:
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا ... بمال ومعروف من القول نسلم
وقوله:
رعوا ظمأهم حتى إذا تم أوردوا ... غمارا تفرى بالسلاح وبالدم
فهذه غير قوله: «وردن الماء زرقت جمامه»
فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم
وقد جمع زهير في طريقة ربطه بين ضروب من التدرج وتداعي المعاني والمقابلات وغير ذلك، لقوته في منهج القريض وافتنانه ومن نظره إلى المرقش، تفكره في أمر المنايا- قال المرقش
يرقاه حيث شاء منه وإما تنسه منية يهرم
فهذا قول زهير من بعد
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وفي زهير أسف كنين على هؤلاء الذين أصيبوا في تلك الحروب. وهو ممن أنسأته الأيام فهرم وسئم ووقف موقف من يقال له حكم ويغبط ولو فطن الفاطن لوجب ألا يغبط:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
وحذا زهير أمر حصين على غزوة الملك الذي غزا في ميمية المرقش وذلك حيث قال:
لعمري لنعم الحي جر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم
ولم يستغو حصين أحدا ولكنه قال أن سيفعل ذلك:
فشد ولم يفزع بيوتا كثيرة ... لدي حيث ألأقت رحلها أم قشعم
وقال: سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم
وقوله «أم قشعم» فيه معنى الصقر، لأن القشعم من نعوت النسور وهو في ميمية
стр. 2671
عنترة.
وقد تعلم قول المرقش
فانقض مثل الصقر يقدمه ... جيش كغلان الشريف لهم
لهم بكسر اللام وفتح الهاء وميم مشددة أي يلتهم ما أمامه من كثافته.
هذا ومن عجيب أمثلة المقابلة آخر لامية عبدة بن الطبيب التي في المفضليات (السادسة والعشرون) فقد نسب ووصف السير وافتن في صفة قتال الثور والكلاب.
ولي وصرعن في حيث التبسن به ... مضجرات بأجراح ومقتول
كأنه بعدما جد النجاء به ... سيف جلا متنه الأصناع مصقول
مستقبل الريح يهفو وهو مبترك ... لسانه عن شمال الشدق معدول
ثم انتقل إلى شريج من صفة القنيص وفتوة زمان الجاهلية وصفة السير إلى القادسية أما صفة القنيص فقوله:
لما وردنا رفعنا ظل أردية ... وفار باللحم للقوم المراجيل
ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
فهذا كقول امرئ القيس:
تمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذ نحن قمنا من شواء مضهب
مضهب أي مشوي على عجل لم ينضج كل النضج وفي بائية امرئ القيس صفة الاستظلال حيث طنبوا لثيابهم وجعلوا الدروع الماذية أوتادا.
وفي صفة السير إلى القادسية ذكره المراجيل، فهذه كثيرة، أكثر مما يكون مع أهل القنيص. وصفة اللحم حيث قال:
وردا وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول
فهذا ليس بثواء مضهب ولكن لحم في قدور كثيرة. والاكتفاء بتغيير الغلي اللحم يدل على صناعة مع إغذاذ في السير لا يمكن مثله من أناه تجويد إنها الطهاة طهيهم. وفي خبر القادسية فيما ذكره الطبري أن جند سعد ﵁ كانت أزوادهم من الحبوب وافرة ولكنهم قرموا إلى اللحم فاستاقوا من ماشية السواد. فهذا يناسب صفة الطبخ الذي لم ينهئه طابخه والمراجيل كما ههنا.
وقوله:
стр. 2672
ومنهل آجن في جمه بعر ... مما تسوق إليه الريح مجلول
كأنه في دلاء القوم إذ نهزوا ... حم على ودك في القدر مجمول
أي مذاب. فهذا من نعوت الفتوة وليس من نعت السير إلى القادسية إذ لا ينبئ عن تمام الاستعداد للحرب، وإنما جازف خالد حيث اجتاز بادية الشأم ففاجأ الروم على غير توقع منهم لمقدمه. وسيذكر عبدة في صفة سير الجيش أنهم كان معهم الماء وذلك قوله:
ثم ارتحلنا .....
وقوله ثم منبئ عن تراخي الزمان، أي هذا غير ذلك الارتحال إلى الماء الآجن الذي في جمه بعر:
ثم ارتحلنا على عيس مخدمة ... يزجي رواكعها مرن وتنعيل
يدلحن بالماء في وفر مخربة ... منها حقائب ركبان ومعدول
فهذه صفة جمع كبير
نرجو فواضل رب سيبه حسن ... وكل خير لديه فهو مقبول
رب حبانا بأموال مخولة ... وكل شيء حباه الله تخويل
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
وحق هذا أن يكون خاتمة، إلا أن في كلام الشاعر بقية، وقد أشعر بذلك عند البداية حيث قال
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول
حلت خويلة في دار مجاورة ... أهل المدائن فيها الديك والفيل
يقارعون رؤوس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل
فهؤلاء جند سعد وجيش عمر ﵄
ومقدمة القصيدة فيها خلط بين ذلك وبين شيء من سابق أمر عبدة فيه فتك وجاهلية. وكأن خولة كما هي حبيبة هي أيضا رمز عن جميع ما تولى من الشباب وجنونه وبقلبه إلى بعض ذلك حنين وهذا من ازدواجية دلالة الرمز شبيه بسعاد كعب. سعاد كعب رمز لضلال اتباع قريش، فيها فجع وولع- وكأن المطلع «بانت سعاد»
стр. 2673
ينظر إلى مطلع النابغة وصاحبته «إحدى بلى» التي أرادت غوايته وهو حاج، ورمز أيضا للنجاة بالوفود إلى الرسول ﷺ ونيل عفوه ورضاه وكأن المطلع «بانت سعاد» ينظر إلى مطلع ربيعة بن مقروم «بانت سعاد فأمسى القلب معمودا» وهذه القصيدة كالمجاراة لكعب في الوزن. والروي:
فخامر القلب من ترجيع ذكرتها ... رس لطيف ورهن منك مكبول
رس كرس أخي الحمى إذا غبرت ... يوما تأوبه منها عقابيل
وللأحبة أيام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل
هذا قريب في المعنى من مقال بشامة
أتتنا تسائل ما بثنا ... فقلنا لها قد عزمنا الرحيلا
وقلنا لها كنت قد تعلميـ ... ـن منذ ثوى الركب عنا غفولا
الأبيات .... ثم يقول عبدة: -
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
فخويلة بالمدائن يقارع قومها العجم وخولة بكوفة الجند. فهل خويلة كناية عن الشاعر نفسه على مذهب عمرو بن قميئة حيث قال:
قد سألتني بنت عمرو عن الـ ... أرض التي تنكر أعلامها
وأراد نفسه بقوله بنت عمرو كما سبق ذكر ذلك؟
وخولة التي بكوفة الجند كل ما كان من شباب وعرام وهوى ...
فعد عنها ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل
وصدق، لو يصح عزم امرئ على ذلك
ثم مضى ما شاء في صفة جد السير وضروب استطراد الوصف المتفرع عنه- ثم صرنا إلى حيث قال:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
فزعمنا أنه خاتمة لولا ما يشوش عليه من ظلال المقدمة- زعم الفيروز آبادي أن شوش وتشوش لحن ولحن الجوهري حيث ذكر ذلك في مادة «شيش» وفي اللسان ما يفيد أن أصل هذا القول من الأزهري، والإجماع منعقد على صحة ما نقله الجوهري وفوق كل ذي علم عليم-
стр. 2674
من أجل تشويش المقدمة والرس الذي كرس أخي الحمى:
.. إذا غبرت ... يومًا تأوبه منها عقابيل
عاد الشاعر إلى ذكر بعض ما كان على عهد السفه والشباب- وناسب قوله تأوبه أن يقول كما قال:
وقد غدوت وقرن الشمس منفتق ... ودوبه من سواد الليل تجليل
إلى التجار فأعداني بلذته ... رخو الإزار كصدر السيف مشمول
ثم وصف مجلس الخمر- وقد حال دون ذلك الإسلام والتحريم وعمر بن الخطاب- إلا أن يكون أصاب بعض اللمم فأسنده إلى زمان مضى، وذلك ما يتبادر إلى الوهم من قوله:
حتى اتكأنا على فرش يزينها ... من جيد الرقم أزواج تهاويل
فيها الدجاج وفيها الأسد مخدرة ... من كل شيء يرى فيها تماثيل
في كعبة شادها بان وزينها ... فيها ذبال يضيء الليل مفتول
لنا أصيص كجذم الحوض هدمه ... وطء العراك لدديه الزق مغلول
والكوب أزهر معصوب بقلته ... فوق السياع من الريحان إكليل
وهذا من صفة علقمة بن عبدة التي في آخر ميميتة (١).
مبرد بمزاج الماء بينهما ... حب كجوز حمار الوحش مبزول
والكوب ملآن طاف فوقه زبد ... وطابق الكبش في السفود مخلول
وما زادت لذاذات ترف العصر على هذا- أعني عصرنا هذا الذي يوسم باسم حضارة أوروبا.
يسعى به منصف عجلان منتطق ... فوق الخوان وفي الصاع التوابيل
ثم اصطبحت كميتا قرقفا أنفًا ... من طيب الراح واللذات تعليل
صرفًا مزاجًا وأحيانًا يعللنا ... شعر كمذهبة السمان محمول
تذري حواشيه جيداء آنسة ... في صوتها لسماع الشرب ترتيل
تغدو علينا تلهينا ونصفدها ... تلقى البرود عليها والسرابيل
ونبئت أنهم لا يزالون يصنعون كهذا الصنيع ببلاد المكسيك، فذلك يكون من عقابيل
стр. 2675
رس الجاهلية مما حمله العرب إلى الأندلس ولا يخفى أن الشاعر عند قوله:
تغدو علينا تلهينا ونصفدها ... تلقى البرود عليها والسرابيل
قد وفي الكلام حقه وهذه خاتمة حق خاتمة.
وقولنا إن الظن أن الشاعر أصاب لما مما يوقعه ذكره الفرش وذكره الدجاج وقد سبق قوله:
أخل المدائن فيها الديك والفيل
غير أن هذه أشياء من نعمة الحواضر، ولا سيمًا حواضر العجم، كان يتلذذ بذكرها أهل الجاهلية ويزعمون أنهم شربوا من خمر العجم والروم الغالية.
وهل ألحق عبدة هذه الأبيات بلاميته وكان قالها في الجاهلية؟ عسى ذلك. غير أنني أميل إلى ما قدمت ذكره أن القصيدة اللامية هذه كل واحد وأن هذه الخاتمة أوجبها عليه أول كلامه.
ومن المقابلة ما يخالطه نوع من المفاجأة. هذه المفاجأة بما تدخله من تحول من المباين إلى ما يباينه تكون هي في ذاتها علاقة ربط قوي. ومن أقوى أمثلة هذا الضرب صنيع الشنفري في التائية، وذلك حيث وصف المرأة ذات الحياء.
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت
ثم بعد أبياته الروائع المفعمات بالعاطفة، وقد فصلنا عنها حديثًا في الجزء الثالث من هذا الكتاب، قال:
فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت
فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وطلت
بريحانة من بطن حلية نورت ... لها أرج ما حولها غير مسنت
المسنت المجدب، والأرج المسنت لا يكون إلا أرج الرمم مما يقتله الجوع والعطش وتحلق فوقه الطير.
بعد هذا
وبا ضعة حمر القسي بعثتها ... ومن يغز يغنم مرة ويشمت
ثم وصف الغزوة ومشيه إليها
стр. 2676
خرجنا من الوادي الذي بين مشعل ... وبين الجبا هيهات أنشأت سربتي
أمشي على أين الغزاة وبعدها ... يقربني منها رواحي وغدوتي
أمشي على الأرض التي لن تضرني ... لأنكي قومًا أو أصادف حمتي
كل هذا شتان ما بينه وبين الريحان وأرج الحبيبة الذي حجر به البيت.
هذا الانتقال المفاجئ شبيه بما سماه أرسطو طاليس في حديثه عن المأساة في شعر اليونان بالتحول Peri Peteia. ولا ريب أن الشنفري تحول وحولنا معه من حال نعمة ولذة إلى حال شدة شرسة. وقد صنع هذا لا متشتت الفكر، منساقًا مع نظم الأبيات المفردة كما يظن من لا يتعمق فهم الشعر العربي ولا يتذوقه، ولكن متعمدًا إلحاق أمر بأمر، وربط لاحق بسابق، وإحداث عنصر من الموازنة والمقابلة بين متباينين جمعتهما تجربته وبيانه وكوصفه للفتاة ذات الخفر وتبلت إن تكلمك وصف أم العيال، وهي صاحبة تأبط شرًا، فخلع عليه من صفات الفتوة، ما جعله بإزاء ما ذكره وفصله من صفات الفتاة وفضائل أنثاها.
أم العيال: إذا أطعمتهم أوتحت وأقلت
وأميمة: [وازن بين أم العيال مكبرًا وأميمة مصغرًا]
تبيت بعيد النوم تهدى غبوقها ... لجارته إذا الهدية قلت
قال «قلت» عن أمية «وأقلت» عن أم العيال- في «أقلت» هذه الثانية صدى ومجاوبة لقلت تلك الأولى المنبئة عن الجود حتى عندما تقل الهدية.
أم العيال: مصعلكة لا يقصر الستر دونها
وأميمة: لا سقوطا قناعها
أم العيال: تجول كعير العانة المتلفت
أميمة: ولا بذات تلفت
أم العيال: ولا ترتجي للبيت إن لم تبيت
أي من البيات وهو الغزو ليلًا
أميمة: تبيت بعيد النوم ....
تحل بمنجاة من اللوم بيتها ... )
إذا هو أمسى (أي بعلها) آب قرة عينه
стр. 2677
أي آب مآبا سعيدًا أو إلى قرة عينه فنزع الخافض.
وقد جمع بين التجربتين معًا في خاتمة القصيدة عند حديثه عن نفسه- حديث سلوى عن نعمة العيش التي زلت كما قال في أول القصيدة:
فواكبدا على أميمة بعدما ... طمعت فهبها نعمة العيش زلت
لوالي السلوان سبيل
ألا لا تعدني إن تشكيت خلتي ... شفاني بأعلى ذي البريقين عدوتي
وإني لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومر إذا نفس العزوف استمرت
أبي لما آبى سريع مباءتي ... إلى كل نفس تنتحى في مسرتي
ولكن النفس التي تنتحى في مسرته وهي أميمة، قد بانت، فأبدل منها نفسًا أخرى يعزها إعزازًا ولكنها لا تنتحى في مسرته كل الانتحاء
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت ... ونحن جياع أي آل تألت
وأعلم أصلحك الله أيها القارئ الكريم أنه من باب هذا التحول ما مر بك من نحو قول علقمة بن عبدة
بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا
وقوله:
قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم
بل غير بعيد من هذا الباب قولهم دع ذا، ودعها، وعد عن كذا وكذا والإقبال على الجد بعد النسيب، ولكنا كما تقدم نبهنا إلى عناصر أخرى من الربط في جميع ذلك من تدرج وتداعي معاني وتفرع لاحق عن سابق ومفارقة أمر ثم الرجوع إليه كما نبه إلى ذلك ابن رشيق في حديثه عن التخلص وقد ممر في أول هذا الجزء.
وقولنا إن عنصر المفاجأة عند الشنفري وما أشبهه من الشعر مثل التحول الذي قاله أرسطو طاليس ليس ببعيد. وجواهر مذاهب البشرية تتقارب بل هي أمر واحد وسابحة في فلك واحد. وإنما يقع الاختلاف في الأشكال. والمثال ضربه أرسطو طاليس للتحول منه خبر أوديب. ومما يحسن ذكره في هذا الباب أن أوديب استنزل اللعنة على من قتل أباه وغشي أنه وقضى بعذاب أليم. فما كان ذلك الملعون المعذب آخر الأمر إلا إياه هو نفسه ولعمرك إن قول النابغة:
стр. 2678
ما جئت من سيئ مما رميت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
إذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند
من قبيل استنزال اللعنات الذي صنعه أوديب. فقط كان النابغة بريئًا. وكان أوديب غير برئ، وغير جلد الفؤاد على الإثم.
ومما يذكر في هذا المعراض أن قتل الأب وغشيان الأم مما يسمونه عقدة أوديب ليس ذلك بأمر انفردت به آداب اليونان، فمثله دائر في خرافات الأمم.
مما نختم به هذا الفصل مما يجري مجرى المقابلة قول أبي كبير الهذلي
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إلى من الرحيق السلسل
فقد أسف على فوات الشباب هنا. ثم تمثل هذا الذي أسف عليه في هذا الفتي الذي رغب أن يتزوج أمه ثم خافه وأحس فيه قوة الشباب المباين كل المباينة لما كان فيه هو من إقبال على ضعف المشيب وانهيار قواه وذلك قوله:
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقل
ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
ومبرا من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
حملت به في ليلة مزءودة ... كرهًا وعقد نطاقها لم يحلل
هذه أمنية مناها أبو كبير من أم تأبط شرًا التي لم يستطع إليها سبيلًا
فأتت به حوش الفؤاد مبطنًا ... سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
فإذا نبذت له العصاة رأيته ... ينزو لوقعتها طمور الأخيل
وإذا يهب من المنام رأيته ... كرتوب كعب الساق ليس بزمل
أي ليس بضعيف ولكن إذا نهض من المنام نهض قائمًا
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل
أي هو مطوي طيًا لضموره وقوة جسمه وذلك لاكتمال شبابه
وإذا رميت به الفجاج رأيته ... يهوي مخارمها هوي الأجدل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
стр. 2679
صعب الكريهة لا يرام جنابه ... ماضي العزيمة كالحسام المقصل
يحمي الصعاب إذا تكون كريهة ... وإذا هم نزلوا فمأوى العيل
ود أبو كبير لو هكذا كان هو.
وفي الأبيات بعد دقائق من معرفة العرب بالتربية ورعاية الصغار في أطوار الطفولة الأولى كقوله ومبرا من كل غبر حيضة أي بقايا الحيضة. وداء مغيل أي إن أمه لم ترضعه غيلًا أي على حمل وذلك فيما زعموا يضعف الناشئ، وأن المرأة إذ غشيت في حال خوف أو غصبت، كان ذلك أنجب للنسل. قالوا وكان تأبط شرًا امرأ قصيرًا وذلك قول قيس بن العيزارة:
فأكرم ببز جر شعل على الحصى ... ووقر بز ما هنالك ضائع
شعل هو تأبط شرًا. فإن صدق فهذه الصفة التي وصف بها أبو كبير تأبط شرًا- «وإذا رميت به الفجاج إلخ» تؤيد ما ذكره، وكأنه كرة تنزو إذ يهوي المخارم أو كما قال:
يهوى مخارمها هوى الأجدل
أي الصقر.
خامسًا: التخلص:
كل ما كنا فيه تخلص، غير أنا نخص في هذا الفصل تحت هذا العنوان مسائل منها الخروج وهو كثير. فقولهم «دع ذا» «وعد عن ذا» خروج. وقد بينا أن كثيرًا من «دع ذا» و «عد عن ذا» له صلة تسلسلية أو تدرجية أو قوة صلة ما بما تقدمه وما يجيء بعده من ذلك ما سبق به الاستشهاد من قول النابغة مثلًا:
فعد عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد
ونحو قول علقمه:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... كهمك فيها بالرداف خبيب
ونحو
فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع
قال ابن رشيق وقد ذكرنا بعض كلامه في أول الكتاب ومن المستحسن أن نورده كله هنا إذا اعتمدنا عليه في بعض ما نقول، وفصلنا من ذلك مواضع، فيما تقدم، وقد نلحق ببعضه شيئًا من التعليق من بعد إن شاء الله (١).
وأما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد وليس به، لأن الخروج إنما هو أن تخرج من
стр. 2680
نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تحيل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه كقول حبيب في المدح
صب الفراق علينا، صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقمًا
سيف الإمام الذي سمته هيبته ... لما تخرم أهل الأرض مخترمًا
ثم تمادى في المدح إلى آخر القصيدة.
وكقول أبي عبادة البحتري:
سقيت رباك بكل نوء عاجل ... من وبله حقًا لها معلومًا
ولو أنني أعطيت فيهن المني ... لسقيتهن بكف إبراهيمًا
وأكثر الناس استعمالًا لهذا الفن أبو الطيب، فإنه ما يكاد يفلت له ولا يشذ عنه حتى ربما قبح سقوطه فيه نحو قوله:
ها فأنظري أو فظني بي ترى حرقًا ... من لم يذق طرفًا منها فقد وألا
على الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلًا
فقد تمنى أن يكون له الأمير قوادًا- وليس هذا من قول أبي نواس
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هوانًا لعل الفضل يجمع بيننا
في شيء، لأن أبا نواس قال «يجمع بيننا» ثم اتبع ذلك ذكر المال والسخاء به فقال:
أمير رأيت المال في نقماته ... مهينًا ذليل النفس بالضيم موقنًا
(في الأصل في نعمائه وينكسر به البيت ولا يستقيم المعنى وهو خطأ إما من الطابع وإما من الناسخ).
فكأنه أشار إلى جمعه بينهما بالمال خاصة، يفضل عليه ويجزل عطيته فيتزوجها أو يتسرى بها، وأبو الطيب قال: «يشفع لي» والشفاعة رغبة وسؤال ثم أتبع بيته بما هو مقو لمعناه في القيادة فقال:
أيقنت أن سعيدًا طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلًا
فدل على أنه يشفع فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب فذاك، وإلا رجع إلى القهر والذي يشاكل قول أبي نواس قوله:
стр. 2681
أحب التي في البدر منها مشابه ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل
فلفظة الشكوى تحمل عنه كما حملت عن أبي نواس.
ومما سقط فيه- وإن كان مليح الظاهر- قوله يخاطب امرأة نسب بها:
لو أن فنا خسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل
وتفرقت عنه كتائبه ... وإن الملاح خوادع قتل
ما كنت فاعلة وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل
أتمنعين قرى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسل
بل لا يحل بحيث حل به ... بخل «ولا جور» ولا وجل
فحتم علي (فنا خسرو) بأن الغزل يعوقه، وأن كتائبه تتفرق عنه، وجعله يسأل هذه المرأة وتشكك هل تمنعه أم تبذل له، ثم أوجب أن البخل لا يحل بحيث حل، فأوقعه تحت الزنى أو قارب ذلك، ولعل هذا كان اقتراحًا من فنا خسرو، وإلا فما يجب أن يقابل من هو ملك الملوك بمثل هذا، وما أسرع ما انحط أبو الطيب، بينا هو يسأل الأمير أن يشفع إلى عشيقته صار يشفع للأمير عندهما».
قلت ما يخلو ابن رشيق في جميع هذا من خلط بين أدب البلاط، ما ينبغي أن يكون قلت ما يخلو ابن رشيق في جميع هذا من خلط بين أدب البلاط، ما ينبغي أن يكون عليه، وبين مذاهب الشعراء في الخيال والافتنان. وليس مذهب أبي الطيب في أبياته بجد مختلف عن مذهب أبي نواس، فمن أعان بالمال شفع. والطلب بدم المقتول أو من هو في حكم المقتول من ذلك غير بعيد. وحديثه عن فنا خسرو نهايته السؤال:
أتمنعين قرى فتفتضحي البيت
ثم قوله بل لا يحل إنما هو خروج وليس بقيادة كما زعم ابن رشيق ليرضي صاحبه أبا الحسن والله أعلم أي ذلك كان، ثم نرجع بالحديث إلى بقية كلام ابن رشيق:
«والاستطراد أن يبني الشاعر كلامًا كثيرًا على لفظة من غير ذلك النوع يقطع عليها الكلام وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول وكأنما عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وحل ما يأتي تشبيهًا وسيرد عليك في بابه مبينًا إن شاء الله تعالى. ومن الناس من يسمي الخروج تخلصًا وتوسلًا وينشدون أبياتًا منها:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به ولو كان من جرم
ولو أن جرمًا أطعموا شحم جفرة ... لباتوا بطانًا يضرطون من الشحم
وأولى الشعر بأن يسمى تخلصًا ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى ثم عاد إلى
стр. 2682
الأول» إلى آخر ما قاله مما تقدم ذكره في أول هذا الجزء حيث استشهد بشيء من عينية النابغة. ثم قال: «ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص حتى انقضت القصيدة، وهو مع ما أشرت إليه غير خاف إن شاء الله تعالى.
«وقد يقع من هذا النوع شيء يعترض في وسط النسيب من مدح من يريد الشاعر مدحه بتلك القصيدة، ثم يعود بعد ذلك إلى ما كان فيه من النسيب، ثم يرجع إلى مدح كما فعل أبو تمام وإن أتى بمدحه الذي تمادى فيه منقطعًا، وذلك قوله في وسط النسيب من قصيدة له مشهورة:
ظلمتك ظالمة البريء ظلوم ... والظلم من ذي قدرة مذموم
زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوي ورسوم
لا والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم
ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحرم
ثم قال بعد ذلك:
لمحمد بن الهيثم بن شبابه ... مجد إلى جنب السماك مقيم
ويسمى هذا النوع الإلمام
وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله «دع ذا» و «عد عن ذا» ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بإن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه. فإذا لم يكن خروج الشاعر إلى المدح متصلًا بما قبله ولا منفصلًا بقوله «دع ذا» و «عد عن ذا» ونحو ذلك سمى طفرًا وانقطاعًا وكان البحتري كثيرًا ما يأتي به، نحو قوله:
لولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل
إن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل
ولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة «إلى فلان قصدت» و «حتى نزلت بفناء فلان» وما شاكل ذلك» أ. هـ.
كما اهتم ابن قتيبة بقصيدة المدح كذلك اهتم ابن رشيق، وقد بسطنا القول في أهمية قصيدة المدح حتى كسدت سوقه وكان كسادها ببلاد المغرب والأندلس متأخرًا في الزمان عما أصابها بالمشرق.
стр. 2683
وقد ترى أن ابن رشيق فطن إلى أنه قد يكون لعد عن ذا ودع ذا وما أشبه اتصال بما قبله، وما سماه التخلص هو نص في معنى اتحاد القصيدة وتشابك أجزائها كما تقدم ذكره أول شيء. وقوله وكانت العرب لا تذهب هذا المذهب، عنى به الإلمام والخروج والنفي ما أحسبه إلا قد أراد به التقليل إذ قد مر بنا قول حسان:
إن كنت اذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجي الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
وقد اتبع أبو الطيب طريقة حسان حذوك النعل بالنعل حيث قال:
ولو كنت في أسر غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضار ... وأعطى صدور القنا الذابل
وصدق ابن رشيق إن أبا الطيب كان يكثر من هذا الضرب الذي صار يسمى حسن التخلص وأولى به اسم الخروج كقوله:
يودعننا والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
قواضم واض نسج داود عندها ... إذا دخلت فيه كنسج الخدرنق
أي العنكبوت.
وكصنيع أبي تمام في ظلمتك ظالمة البريء ظلوم صنع في:
أقبلتها غرر الجياد كأنها ... أيدي بني عمران في جبهاتها
ثم قال:
سقيت منابتها التي سقت الورى ... بندي أبي أيوب خير نباتها
ووقف أبو منصور الثعالبي عند هذه التائية وقفة طيبة، وكان بشعر أبي الطيب عارفًا وله محبًا وللشعر ذواقة وناقدًا وقد بينا ما نراه من تقديمه في باب النقد وإنكار من زعم أنه سطحي في كتابنا (مع أبي الطيب) وفي كتابنا (التماسه عزاء) وليس لعمري بسطحي من كتب الفصول التي كتب عن أبي الطيب والبديع والشريف الرضي وأبي فراس وأصحاب الصاحب، وهذا باب واسع ليس هنا مكانه.
ومن اساءات أبي الطيب في مسلكه سبيل حسن التخلص فصاربه إلى نوع من الإحالة:
стр. 2684
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرًا وابن إبراهيم ريعًا
غير أن أبا الطيب كما كان يسلك هذا الباب، كان يسلك غيره من أبواب الربط وله في ذلك افتنان أي افتنان. والمذهب الذي ذكره ابن رشيق للنابغة في العينية كثيرات أمثاله عند أبي الطيب. ومن أجود ما جاء له في هذا ميميتة.
ملمومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
وهي من روائع الشعر العربي كله وفيها أبيات صفة الحمى وفيها قوله الذي ختم به:
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
أبو الطيب عالم وحده.
ويشبه مذهب حسان وإن لم يخرج كخروجه لصلة كلامه صلة أوثق أوس بن غلفاء حيث بدأ بفخر ثم خلص منه إلى هجاء رجل بعينه وأصاب قومه وذلك قوله:
جلبنا الخيل من جنبي أريك ... إلى أجلى إلى ضلع الرخام
بكل منفق الجرذان مجر ... شديد الأسر للأعداء حام
أي يخرج الجرذان من نافقائها أي أجحارها لكثرة خيله وشدة وقع حوافرها.
أصبنا من أصبنا ثم فئنا ... على أهل الشريف إلى شمام
وجدنا من يقود يزيد منهم ... ضعاف الأمر غير ذوي نظام
ثم انصرف إلى هجاء يزيد، وهذا على شبهه بخروج حسان أقل احتيالًا منه لأن نفس الفخر وثيق الصلة بنفس الهجاء.
سادسًا: المخاطبة:
وهي ضرب من الاحتيال على الربط وحفظ الوحدة كان كثيرًا عند القدماء وما نص عليه ابن رشيق نصًا، غير أنه يدخل في مقاله «ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره ثم رجع إلى ما كان فيه».
فمن أمثلته ما صنعه عمرو بن كلثوم في المعلقة حيث خاطب بدءًا فقال:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا
ثم قال:
стр. 2685
قفي قبل التفرق يا ظعينًا
فجعل الساقية ظعينة وكل امرأة ظعينة، ولكنه أراد بها الكناية عن الأعداء لما قدمنا ذكره من غزلهم بنساء العدو، ثم لما ضمنه من معنى الفراق هنا.
ثم قال: قفي نسألك هل أحدثت صرمًا ... لوشك البين أم خنت الأمينا
بيوم كريهة إلخ
ثم كما قال ابن رشيق رجع إلى الغزل إلى قوله:
تذكرت الصبا واشتقت لما ... رأيت حمولها أصلًا حدينا
فقد وقع الفراق وقومها أعداء. وعاد الشاعر إلى الخطاب ولكنه خاطب رجلًا هذه المرة:
أبا هند فلا تعجل علينا
وقد مهد لخطاب أبي هند بقوله:
فأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسياف بأيدي مصلتينا
وهي أسيافه وأسياف قومه. هذا قريب من الخروج الذي تقدم ذكره. وأبو هند كأنه أبو الظعينة التي فارقت. وغير خاف أنه أراد به عمرو بن هند فجعله أباها كما ترى.
ثم قد صرح باسمه فيما بعد:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينًا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وأوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
ثم خلص إلى الفخر وتحدى بني بكر وبني الطماح والناس جميعًا، ومعلقة عنترة مرتبة على تسلسل وتدرج وتداعي معان كل أولئك معًا في إطار عادة الشعراء. إلا أنه جعل من الخطاب وسيلة قوية توسل بها إلى الربط.
خاطب دار عبلة أولًا. ثم صار إلى ذكر عبلة نفسها
وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم
وعاد إلى الطلل على النحو الذي نبه عليه ابن رشيق في «حييت من طلل» ثم إلى عبلة «علقتها عرضًا» - ثم خاطبها
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
стр. 2686
ثم انصرف إلى حمولة أهلها بعين عبد يحسن الحلاب والصر. وإن شئت جعلت هذا من عقدته بخزي لونه وهو قول يقول به بعض أهل العصر يريدون أن يضاهئوا به الفرنجة الأمريكيين وغيرهم أنه للعرب زنوج كما للفرنجة زنوج استعبدوهم. وفي بعض المعاجم في تعريف السودان أنهم عبيد العرب. وكان الجاحظ ﵀ سليل عبد أسود كان جمالًا لعمرو بن قلع الناسئ- أي من القوم الذين قال قائلهم:
ونحن الناسئون على معد ... شهور الحل نجعلها حرامًا
ولعله كان من البجاة أو ممن اختطفه البجاة من بلاد السودان أو الحبشة فبيع بتهامة.
وكان الجاحظ مما يأنس بالزنج وأخبارهم كحديثه عن الفاشكار الذي لم يكن يحسن الفشكرة أحد مثله، أحسبها تصفيف أعواد القمح بعد حصاده ورسالته عن السودان وفضلهم، وحكايته عن شيخ عظيم جهير الصوت يستقصي الإعراب وقد ولده رجل من أهل الشورى وكان- كما قال أبو عثمان- بقرب عبد أسود دقيق العظم دميم الوجه ورآني أكبره فقال حين نهض ورأى عظمًا: يا أبا عثمان لا والله لا يساوي ذلك العظم البالين بصرت عيني به في الحمام وتناول قطعة من فخار فأعطاها رجلًا وقال له حك ظهري، أفتظن هذا يا أبا عثمان يفلح أبدًا.
وأغلب الظن أن أبا عثمان قد ظن أنه لا يفلح ولولا ذلك ما ساق الخبر. وليحذر من يخوض في أمر عنترة. وقد جاء الأثر بإكبار النبي ﷺ أمره واستحسانه شعره إن صحت روايته، أن يكون ممن عسى ألا يفلح أبدًا أو لا يساوي ذلك العظم.
وقد كانت في عنترة سماحة خلق وكرم نفس وكبرياء ثقة بما عنده من بلاء لا كبرياء أست في الماء وأنف في السماء.
وكان عنده التعريض والتهكم بما كان يطعن به فيه من دونه، فإن يك هذا عقدة نقصه فذاك- مثل قوله:
كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
ومثل قوله: سودًا كخافية الغراب الأسحم.
ومثل قوله: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
ولو كان بنفسه سقم نقص ما قال هذا، وقد يسخر كما ترى بهؤلاء القائلين ويك عنتر أقدم. وزعم بعضهم وأظنه صاحب الموشح أن عنترة كان ممن خام ثم أقدم لقوله:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
وكان الرجل ذا علم بالحرب وخبر أنه كان يضرب الجبان لينخلع قلب الشجاع يشهد
стр. 2687
بهذا ثم وصف عنترة ثغرها:
إذ تستبيك بذي غروب واضح ... عذب مقبله لذيذ المطعم
وكأن فأرة تاجر البيت
أو روضة أنفًا ...
وبعد أبيات الروضة والذباب المترنم.
وهل تعصب أبو عثمان لابن عمة آبائه إذ زعم أن صفته الذباب من التشبيهات العقم التي لا تستطاع؟
وإذ هي:
تمسي وتصبح فوق ظهر حشية ...
التفت عنترة إلى نفسه، فهذا أول مجيئه بالغرض الذي من أجله سيقت القصيدة، وهو خروج خفي إذ هو تمهيد دقيق رشيق ....
وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وحشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم
والمرأة مما تشبه بالمهرة.
والصفات التي خلعها عنترة على مهرة بعضها منتزع من صفات الفتاة- عبل الشوى، وتوصف الفتاة بامتلاء العضد والساق وحسنهما.
نهد- وذلك ظاهر
نهد مراكله أي سام على جوافر وقوائم صلاب. وإن تك عبلة الموصوفة هنا ما هي إلا سمية التي قال فيها:
أمن سمية دمع العين تذريف
الأبيات الفائية التي طرب لها أبو العلاء في غفرانه (٣٢٥) ومع ذلك أدخله النار وقال «لقد شق على دخول مثلك النار» وصار به تداعي المعاني إلى أن يورد بيتا زعم أن سيبويه كان ينشده بكسر الهمزة كقولهم مغيرة بكسر الميم وهو
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
وليس البيت في نصوص الكتاب التي بأيدينا، ولكن فيها المغيرة بكسر الميم ومنتن ولعل ما بأيدينا من الكتاب نقصت منه مواضع فمثلًا البيت:
стр. 2688
أتيت مهاجرين فعملوني ... ثلاثة أحرف متشابهات
وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصًا وقريشيات
مذكور في الهوامش كأنه في شرح الأعلم للشواهد وليس في نص الكتاب، ولعل الأعلم أن يكون استشهد به، وهذا بعد باب آخر ونعود إلى ما كنا فيه.
وقد ذكروا أن سمية أغرت به أباه فضربه- فكأن قد رقت له وتجللته تحول بين أبيه وبينه إذ ضربه أبوه، وذلك قوله:
تجللتني إذ أهوى العصا قبلي ... كأنها رشأ في البيت مطروف
العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف
وقوله «رشأ في البيت» يشبه قول علقمة:
كأنها رشأ في البيت ملزوم
ومن علقمة أخذه. وكأنه نظر أيضًا إلى هذا التشبيه إذ وصف أمه فقال:
وأنا ابن سوداء الجبين كأنها ... ضبع ترعرع في رسوم المنزل
إن كانت أمك يا هذا رشأ
الساق منها مثل ساق نعامة ... والشعر منها مثل حب الفلفل
يعني امتلاء ساقها وغلظه.
وقوله «نبيل المحزم» يفيد ضمور مهره وضمور عبلته أيضًا.
على أنه من تمام أدبه لم يمض في صفة حصانه ولكن رجع إلى أمر محبوبته:
هل تبلغني دارها شدنية
وهذا قولنا أنه في تداعي معانيه وأخذ كلامه بعضه برقاب بعض التزم بإطار عادة الشعراء من نسيب فناقة- ثم بعد أن بعدت وتمنى أن تبلغه دارها
خطارة غب السري زيافة ... تطس الإكام بوخد خف ميثم
وشبه الناقة بالظليم
صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
وذكر جدها وجنونها في السير ثم بروكها وكأن صدرها ناي له هزيم- وهذا من أجمل الشعر
стр. 2689
بركت على جنب الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
إنما عنى صوت هزيم صدرها
بعد هذا عاد إلى المحبوبة فخاطبها،
أثنى علي بما علمت فإنني ... سمح مخالطتي إذا لم أظلم
وجعل ذلك ذريعة لمزيد من الدفاع والحديث عن نفسه والفخر الكريم النبيل مع اعتدال وأناة وتدبر كتدبره إذ قال:
لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
قال:
ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
ومن ها هنا أخذ يتقرب إلى عبلة. وقد ذكرنا في غير هذا الكتاب أن شكسبير قد تأثر بسيرة عنترة ومقاله في قصيدته هذه حيث صاغ ما صاغه على لسان القائد الذي سماه أوتيلو (وترجمها بعضهم عطيل وقد تكون من عطاء الله وقد تكون محرفة من اسم عنترة) إذ زعم في دفاعه عن نفسه أنه إنما سحر الفتاة بحديثه عن شجاعة نفسه وعن مغامراته. ولا تستبعد أن يكون شكسبير سمع في المجالس ممن كان له علم بالعربية وآدابها. وقد ذكرنا أن بيدويل وهو على زمان شكسبير كان بالعربية عالمًا ولا ريب أنه كان من علماء الملك جيمس الأول الذين صدر عنهم نص الكتاب المقدس الموثق عندهم. ومن قبل كما ألمعنا كان لشوسير بالعربية صلة وثيقة إذ قد سفر إلى إسبانيا وكانت الأندلس لم تزل لها بقية صالحة على زمانه، وقد ذكرنا أيضًا كتابته رسالة عن الإسطرلاب ما كان ليقدم مثله على مثلها من غير علم بالعربية، وقد تقدمه بزمان غير طويل من بني وطنه أحد أكابر علماء القسيسين بالعربية وهو روجر بيكون في القرن الثالث عشر الميلادي، ومن قبله في القرن الثاني عشر الميلادي «أد يلارد الباثي» الإنجليزي Adelard of Bath وهو معاصر لأبيلار الذي عشق ايليويز وهذا فرنسي.
وإنما نكرر هذا القول الذي ذكرناه من قبل لأن في زماننا هذا لن ننفك نحتاج إلى تأكيد الحجة حتى يعيها الغافل والمتغافل وبالله التوفيق.
ثم أنظر إليه كيف بعد قوله «وإذا صحوت» وما زال في معراض الفخر ببلائه في الحرب
стр. 2690
المراد به التقرب إليها، جعل لها مكانًا بمخاطبتها خطابًا خفيًا حيث قال:
وحليل غانية تركت مجدلًا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
أي رب حليل غانية مثلها- بل هي عنده أجمل الغواني وأحبه. ولذلك فهو حقيق ألا يخيم عن حمايتها بما وهبه الله من شجاعة وغيرة وصبر ونصر.
قوله «كشدق الأعلم» من قبيل قوله «كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم» قالوا كان يقال له عنترة الفلحاء وما أرى ذلك قيل إلا لأن شفته قد كانت غليظة. قال أبو الطيب يذكر كافورًا:
وأسود مشفرة نصفه ... يقال له أنت بدر الدجى
وأوصاف السودان- في ألف ليلة- قريبة من هذا، حتى إن بعضهم يوشك أن يكون مفترشًا بعض شفته.
سبقت يداي له بعاجل طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم
هذه هي الصورة الأولى- ثم قوله تمكو فريصته الصورة الثانية وفيها أنفاس أسف. كان حليل غانية محبوبة، والآن مجدل لجراحاته بالدم وذماء الموت صفير. قوله بعاجل طعنة ورشاش نافذة جعلهما معًا أمرًا واحدًا. وهذا أجود من قول قيس بن الخطيم:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وإنما قصد إلى تصوير الغيظ وحقد طلب الثائر. أما عنترة فصور محض لقاء فارس وفارس
متحاميين المجد كل واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع
إلا أن أحدهما يقال له الفلحاء ويقال له الأعلم، فلتعلمن أينا الفلحاء وأينا الأعلم.
ظاهر هذا الحقد ولكن باطنه لمتأمل الصورة أسف وحزن وتفكر في مصائر الأيام. لعله هو أن يكون، لو لم تعجل يده بسابق الخبرة المقتول، وإذ كانت فريصته هي التي تمكو- وليصرف الحلوة التي خاطبها أتبع ذلك قوله يخاطبها:
هلا سألت الخيل يا بنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
أنا أيضًا لقيت بلاء الحرب وأوجاعها فليس دهري القساوة وإنما هو الحفاظ وصدق القتال وليس ينجي من الغمرات شيء غيره.
стр. 2691
إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
لاحظ الربط بين خطابها مع الإعجاب بهذا المهر- سابح نهد- ثم هذا العطف عليه والكناية به عن نفسه: «تعاوره الكماة مكلم» ثم بين سبب هذا التكليم، أنه يعرض نفسه للطعان وللسهام وهي منايا تخطئ وتصيب ومن تعرض لها فقد أهدف
طورًا يجرد للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرموم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغي وأعف عند المغنم
أي في أيضًا مع كمال الفروسية ضربًا وطعنًا كمال آدابها، وفي ذكر العفاف تزكية لنفسه عندها، أنه حين ترك حليل الغانية مجدلًا عف فلم يروعها، إذ كان إنما يدافع عن حوزته وعن حريمه أيضًا وهو القائل:
أنا الهجين عنترة
كل امرئ يحمي حره
أي فرجه وعنى بذلك امرأته ونساءه:
أسوده وأحمره
والشعرات الواردات مشفره
وهذه لغة مكشوفة خشنة تناسب دفعه الظلم عن نفسه لما أراده أبوه أن يكر ولم يعده أن يحرره، ولكل مقام مقال. ثم جاء بعد صورة حليل الغانية بصورتين تدرج فيهما من هذه الصورة الأولى من بئيس إلى أباس منه إلى أشد من ذلك- فالثانية قوله:
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربًا ولا مستسلم
بل هو متحد قتول، فلهذا كره الكماة جانبه، والكماة جمع كمي وهو الشجاع المقاتل الذي قد كمي كل ضعف فلا يدري قرنه أين يصيبه. كمي يكمي (باب ضرب) أي ستر ومنه قولهم كمي شهادته أي سترها، وفي دارجة أهل المغرب يكمي أي يدخن التبغ لإدخاله دخانه في صدره كالشيء المكتوم (١)
جادت له كفي بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
فهذه الطعنة عاجلة نافذة إلا أنها دون مفاجأة الأولى التي كان نفاذها وانفجار الدم منها كأنهما شيء واحد حدث كله في وقت واحد، وقد بين عنترة ما صحب هذه الطعنة على عجلتها ونفاذها من جهد خبير بالقتال متمرس به:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمرحم
стр. 2692
وفي قوله «ليس الكريم على القنا بمحرم» من نفس الأسف والتفكر في مصائر الحياة قريب مما في قوله:
تمكو فريصته كشدق الأعلم
وقد فصل صورة هذا الأسف وروح المأساة في قوله من بعد:
فتركته جزر السباع ينشنه ... يقضمن حسن بنانه والمعصم
وذلك أنه كان مدججًا فما بدا له منه إلا هذا البنان والمعصم بحسنهما، وما كان لذلك من غناء له إذ عاجله هو بطعنة من مثقفه ذي الكعوب المقوم.
والصورة الثالثة لمقاتل متمرس شرس جريء بصير بالحرب واثق بنفسه عظيم الخنزوانة، وقد احتاج عنترة إلى رمحه وسيفه معًا ليقهره:
أول شيء كأن لم ير منه إلا هذه الدرع السابغة والهيئة المهولة الشخص، وكأنه شجرة من شجر المسرح.
والمبارزة التي يصفها عنترة كأنها مبارزة راجلين لا فارسين على جواديهما وكان هذا المبارز معلمًا وكنى عن جودة تصريفه القناة والسيف بقوله:
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
أشرب صفته إذ يلعب الميسر وإذ يسبأ الخمر لونًا من حركة أداة الحرب ومن الطعن ومشك السابغة التي هتك فروجها حتى أصاب مقتله
لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم
فالبنان الذي كان يصرف به السلاح والقداح والرأس الذي عليه الخوذة تبرق وقد كشر هو عن أنياب قد سال الدم عليهما وجمد وهو جسد ميت الآن. طعنه أولًا فهذا هتك فروج الدرع ولما أحدث به ذلك اضطرابًا علاه بالسيف القاطع فشق هامته أو كما قال: -
فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم
ثم ها هو ذا قتيلًا
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
قوله يحذى نعال السبت يفيد به إكفاءه عن سرجه حتى كأن قد ارتفعت قدماه وتدلى سائر جسده، كان كسرحة قائمة وهو الآن كأعجاز نخل منقعر
стр. 2693
وتأمل قوله بعد هذا مباشرةً وأغلب الظن أن هذا الترتيب صحيح:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
هو الآن في حومة الحرب.
ومما يشجعه على الإقدام أن يكون لقلب هذه المحبوبة فارس أحلامها.
لا يزعم عنترة بعد قهره هذا المعلم البئيس الباسل الذي بارزه أنه سبى ظعينته فقد سبق قوله «أعف عن المغنم». فانصرف كما ترى إلى نداء عبلة بحسرة بعدها. ثم أتبع ذلك وصفه الموجز لمغامرة غرامية تناسب ذكر عبلة وتناسب ما قدمه من انتصار وتنزل من بعده مكانًا مناسبًا له، وكأن ذلك هو المغنم وهو الجائزة.
قد ذكرنا من قبل أن ورود هذا النموذج الموجز في ميمية عنترة يصحح ما قدمناه من أن موضوع المغامرة الغرامية قد كان من أنماط النسيب معروفًا. وعليه ما رووه من كلام امرئ القيس ومن ساروا على نهجه من بعد. ومن هؤلاء بلا شك عمر بن أبي ربيعة:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسي أخبارها لي وأعلمي
قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتمى
وكأنما التفتت بجيد جداية ... رشإ من الغزلان حر أرثم
قوله وكأنما التفتت بجيد جداية اختصار لخبر اللقاء وينظر إلى مقال امرئ القيس
فسرت بها أمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرفل
تصد وتبدي عن أسيل إلخ
حسن هذه الحسناء جائزة ومغنم وشكر لهذا الصنيع الذي قدمه من نزوله يبارز حماة الحقائق ومن يكره نزاله من الأبطال ويرهب ولكن عمرًا- وكنى بعمرو عن عمه أو قبيلته أو أحد رجالها أو عن عدو له ممن يحسده وهو أسود على هذه الفعال البيض فلو قدر على طمسها لفعل
نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
صدق
ولقد حفظت وصاة عمر بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
لكريهة الحرب. وقوله ولقد حفظت وصاة عمر، إن رددته على عمرو على أنه عمه، فكأنه يقول قد حفظت وصاته، ومع ذلك لم يشكر بلائي. وأقرب من هذا أن يكون
стр. 2694
عمرو إما شخصًا بعينه وإما كناية تعم ثم قوله ولقد حفظت وصاة عمي مردود على خطابه المحبوبة وهي إما ابنة عمه كما يزعم أصحاب السير والأخبار والأساطير وإما جعلها ابنة عمه على عرف العرب إذا الحسناء التي تراد لتكون زوجة- سواء أكان ذلك مرادًا بالقوة أم بالفعل- يقال لها «ابنة عمي»، ثم مضى عنترة إذ عاد إلى خطابها يقص قصة شجاعته وإقدامه. وقد رأينا درجاته الثلاث مع الأقران الثلاثة. ثم الآن قد حمى الوطيس وجاءت ساعة الصبر وثبات الأقدام والمعرفة بالحرب متى يكون الإقدام ومتى يكون التوقف والتربص وانتظار فرص الهجوم.
علقمة صور لنا المعركة في عين أباغ- تلك التي قتل فيها ملك الحيرة وأسر أخوه شاس في جماعة بني تميم- بتصوير رسام كأنما يضع مشاهد هيجاء المعركة وأهوالها كلها على لوحة بخياله المهيمن وبقوله الناصع المبين.
أما عنترة قد نقلنا معه إلى وسط المعمعة لنشاركه في إحساسه وانفعالات نفسه وليعلمنا مما علمه واختبره بعض علم القتال- ثم لنتذكر أن هذا الخطاب موجه إلى ابنة هذا العم الذي قد حفظ وصاته ليكسب عطفها ومحبتها:
في حومة الحرب التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
يتقون به الأسنة لأنه قائدهم المتقدم أمامهم.
ثم هو الآن سيدهم. ومن شأن السيد أن يحمي عبده لأن العبد مال. العبد لا يحسن الكر ولكن يحسب الحلاب والصر.
ثم زعم بعضهم أن عنترة أقر ببعض الإحجام والجبن إذ قال «لم أخم عنها ولكني تضايق مقدمي» وأولى أن يقال إن هذا يقص علينا به خبر قول أبيه له «كر». وكأنه عندما يتقدم حين يحمي الوطيس يسمع هذا الصوت: «كر وأنت حر». ولكنه ليس بأهوج يكر ليكون درقة غيره من الأسنة، ولكن ليكون رأس سنانهم الطاعن في نحور العدو.
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
تضايق مقدمي. أي تضايقت فرصات الإقدام. ثم ها هم هؤلاء مقدمون يحرض بعضهم بعضًا. ورأت عينة اللاقطة مكامن ضعفهم.
لأمر ما كانت العرب في مقامات حروبها أيام الفتوح الأولى مما تقص قصص عنترة وتتناشد شعره.
стр. 2695
يدعون هنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
هؤلاء هم قومه كما سيقص علينا خبرهم من بعد. وذلك أن منهم من كان يتعجل في نفسه إلى القتال. وكان دأب العرب المراماة قبل الاشتباك. فكان لذع السهام والرماح مما يهيج إلى اندفاعات الإقدام. وكان عنترة بثباته وخبرته وصبره لا يقدم متهورًا. فكان ريثه ربما قلق له من يستعجلون الهجوم فيصيحون به يحضونه: «ويك عنتر أقدم» وكأنما ضمن هذا منهم مقالة «أي شيء تنتظر أيها العبد؟ »
وعلى العبد اعتمادهم، وفي قلوبهم حب له وإكبار.
قالوا كان عمار بن ياسر ﵁ في صفين يطعن بزج القناة في ظهر هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يقول له: تقدم يا أعور؟ وكان هاشم من أهل الحروب ذا علم بهن وكان عمار ﵁ لا يجهل ذلك من أمره بل قد كان منه على ثقة. فكان هاشم لا يتحرك لتحضيض عمار وطعنه بالزج في ظهره ولكن يتريث ليجد فرصة الإقدام حتى إذا وجدها اندفع بالراية يرقل- ومن أجل ذلك سموه المرقال- وهو يرتجز.
أعور يبغي أهله محلًا
قد عالج الحياة حتى ملا
يتلهم بذي الكعوب تلا
لا بد أن يفل أو يفلا
ومن صبر عنترة أنه كان لا يندفع والقوم يحضونه والرماح مشرعة والسهام تخطيء وتصيب حتى إذا كان وقت الإقدام وحانت فرصته كر وهو على بصيرة من أمره وعلى ثقة:
ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلم
وبعد هذه لمناجاة والرحمة لمهره رجع بنا إلى قوله من قبل: «يدعون عنتر والرماح كأنها البيت» وذلك قوله:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قبل الفوارس ويك عنتر أقدم
فويك عنتر تفسير ورجعة إلى «يدعون عنتر» وقد يظن بعض أهل العصر أن قوله «ولقد
стр. 2696
شفى نفسي وأبرأ سقمها» منبئ عن عقدة نقص ولو قد كان ذلك حقيقة أمره لكتمه ولم يصرح بشيء منه. وإنما شفى نفسه ثقته وإحساسه آن إذ دعوه بأنهم يكبرون قدره ومنهم محبون له.
والخيل تقتحم الخبار عوابسًا ... من بين شيظمة وأجرد شيظم
الخبار مالان واسترخى من الأرض. وقد يكون عنترة هنا يصف مكان خبار أي أرضًا ذات لين واسترخاء حيث وقعت المعركة. ويجوز أن تكون تلك الأرض لانت واسترخت لجرى الخيل عليها أو لتصبب العرق والدم. والوجه الأول أولى وأقرب في المعنى. وكما ترى قدم عنترة ذكر الخيل مجتمعة للدلالة على أنه أقدم وقال لهم الآن كروا فكروا جماعة معًا، والخيل مراد بها الأفراس والفرسان جميعًا وكلهم بهم عبوس. ثم أخلص عجز البيت كله للتنبيه على الخيل مفردات من بين شيظمة وأجرد شيظم أي طويل قوي الجسم فتيه وهي صفة توصف بها الخيل والإبل والناس وقد مر بك قول الشاعر يخاطب أمير المؤمنين عمر ﵁:
يعقلهن أجرد شيظمي
وما أحسبه عني بأجرد شيظم إلا حصانه، إذ هو الذي بدأ الكر، والأجرد القليل الشعر وقوله أجرد شيظم يدل على أن الشيظمة هي أيضًا جرداء وما يحسن ذكره هنا بين بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوي كواكبه
فقد قدم ذكر مثار النقع، أي ما أثير من الغبار. ولو قد كان فارسًا حقًا لبدأ بالخيل التي أثارته كقول عنترة ههنا وكقول أبي الطيب من بعد:
تثير على سلمية مسبطرًا ... تناكر تحته لولا الشعار
(على أن أبا الطيب قد نظر إليه وأخذ منه في هذا البيت كما قد نظر إلى عنترة أيضًا وإلى دبيب عقبان النابغة حيث قال بعد هذا البيت:
غبارًا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار
وهذا من مبالغاته)
وأحسب أن أبا تمام كأنما قد عمد في نفسه إلى أن يفسر قول بشار، حيث قال:
من لم يقد فيطير في خيشومه ... رهج الخميس فلن يقود خميسًا
стр. 2697
والأعمى يحس الغبار حيث يثور بخيشومه ثم بسائر ما عنده من حاسة اللمس وعندنا أن أبا تمام قد أخذ قوله «فيطير في خيشومه رهج الخميس» أخذًا حفيًا من بشار، فهذا مزعمنا أنه إنما فسره بهذا الأخذ ووضح بعض كنائن معناه.
وكثير ممن يتعاطون النقد وعلوم البلاغة ربما استشهدوا ببيت بشار على إحسانه الذي ضاهى به البصيرين. وبيان البيت بيان ضرير لمن تأمله للذي قدمنا من قوله بادئًا «كأن مثار النقع» ولأنه أيضًا لا يقصد إلى الجانب الأبصاري في قوله:
ليل تهاوى كواكبه
كما يقصد إلى الجانب الأسطوري. أي كأن أراد أن يقول: كأن مثار النقع يعيد على الناس يوم حليمة الذي هو ليس بسر- قالوا ثار النقع حتى بدت الكواكب. وكان بشار مما يذكر الناس بأنه من أولى الضرر، وألا ينتظروا منه أن يقول كما يقول ذو بصر، مثلًا قوله.
يا عين أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانًا
وقوله: وإنا لا نراك فألمسينا
وقوله في إحدى الرائيتين: ألصق بي لحية له خشنت ... ذات نصال كأنها الأبر
وفيها: قولي لها بقة لها ظفر ... إن كان في البق ماله ظفر
فهذا كله من حاسة اللمس لا البصر
وفي الرائية الأخرى:
أمتى بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر
فهذا من قرى إشارته إلى يوم حليمة، إذ يشير هنا إلى قول امرئ القيس:
وهي إذ ذاك عليها مئزر ... ولها بيت جوار من لعب
فجعل مكان المئزر وشاحًا وإنما كنت الجارية به كما لا يخفى.
ونرجع بعد إلى وصف عنترة البصير بعينه وقلبه معًا:
والخيل تقتحم الخبار عوابسًا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم
ذلل ركابي حيث كنت مشايعي ... قلبي وأحفزه بأمر مبرم
وهذا كأنه خاتمة- غير أنه ما زالت في نفسه بقية وهذه البقية قوية المناسبة لقوله «ذلل ركابي» وذلك قوله:
стр. 2698
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم اشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمى
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
قد رووا قبل هذا ثلاثة أبيات: فيهن تصريح برجعة إلى خطاب المحبوبة. على أن قوله «ولقد خشيت» منبئ عن أنه يخاطبها، وليس بحديث منه إلى نفسه فقوله «مشايعي قلبي» يمنع ذلك، لأن حديث النفس في هذا الموضع مشعر بضعف ليس في عنترة ولا في قصيدته هذه وكأن الذين رووا الأبيات الثلاثة بعد بيت «بأمر مبرم» وهي:
إني عداني أن أزورك فأعلمي ... ما قد علمت وبعض ما لم تعلمي
حالت رماح ابني بغيض دونكم ... وزت جواني الحرب من لم يجرم
ولقد كررت المهر يدمي نحره ... حتى اتقتني الخيل بابني حذيم
ولقد خشيت .....
(والذي علمته غيرة أهلها والذي لم تعلمه أمر القتال)
كأن الذين رووا هذه الأبيات الثلاثة تأولوا ولقد خشيت على خطاب النفس فعمدوا إلى رواية هذه الأبيات ليكون كل ذلك خطابًا. ومن تأمل وجد قوله: ما قد علمت إلخ كأنه تكرار لقوله: «هلا سألت الخيل يا بنة مالك» قوله: «وزوت جواني الحرب» كأنه من قول زهير:
تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم
ولقد كررت المهر، تكرارًا لما وصف به مهره، وفي الصياغة تكرار لقوله: ولقد حفظت ولقد خشيت.
هذا ومن المخاطبة مذهب الحارث في همزيته المعلقة. وفيه مشابه من مذهب عمرو بن كلثوم في النونية. غير أنه لم يتدرج من مخاطبة الظعينة إلى مخاطبة الخصوم، بل خلص إلى ذلك بعد النسيب خلوصًا مباشرًا:
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو هل لذاك بقاء
وقد كرره من بعد فقال:
أيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو وهل لذاك انتهاء
стр. 2699
وفي القصيدة بعد أمثال:
إن نبشتم ... أو نقشتم .... أو سكتم ....
وهلم جرا.
وعينية الحادرة نسيج وحدها في اعتمادها على شيء من ظاهر احتيال المخاطبة وباطن من استمرار صورة الثغر الحلو المبتسم الذي هو مخاطبه مع ما يلابس ذلك من معاني الشوق والحب، وقد سبق منا التنبيه إلى بعض ذلك في الجزء الثالث في باب الإيحاء بالتجارب الذاتية. أما احتيال المخاطبة فتكراره اسم المحبوبة عندما صار من النسيب إلى الفخر- قال في البيت التاسع:
أسمى ويحك هل سمعت بغدرة البيت
وقال في السادس عشر:
فسمى ما يدريك أن رب فتية البيت
ورب بتخفيف الباء وتشديدها يخل بالوزن والتخفيف والتشديد كلاهما قرأوا به في قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ التخفيف قراءة عاصم ونافع وأبي جعفر وسائر القراء على التثقيل.
وقريب من احتيال الحادرة هذا صنيع ثعلبة بن صعير في قصيدته،
هل عند عمرة من بتات مسافر ... ذي حاجة متروح أو باكر
وهي الرابعة والعشرون في المفضليات. البتات المتاع والزاد وما أشبه وهذا البيت مضمن خطاب عمرة إذ لم يجد لديها شيئًا فانصرف عاتبًا.
سئم الإقامة بعد طول ثوائه ... وقضى لبانته فليس بناظر
أي ليس بمنتظر
لعدات ذي أرب ولا لمواعد ... خلف ولو حلفت بأسحم مائر
وعدتك ثمت أخلفت موعودها ... ولعل ما منعتك ليس بضائر
مسكين! !
وأرى الغواني لا يدوم وصالها ... أبدا الذي عسر ولا مياسر
كأنه ينقض قول علقمة كله هنا وإنما دعاه إلى نقضه بهذا التعميم ما مني به الآن من مزاج سوداوي
وإذا خليلك لم يدم لك وصله ... فأقطع لبانته بحرف ضامر
стр. 2700
وهذا يشبه كلام لبيد، فإن كان سابقًا له فقد أخذ لبيد منه وإن كانا متعاصرين فالله أعلم أيهما أخذ من صاحبه، ولكن قول لبيد:
حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
أحسبه أخذه من بيان القرآن إذ سورة صاد مكية وفيها قوله تعالى: ﴿فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾ وكان لبيد يفد إلى مكة في أيام ما قبل الهجرة. وموضع الأخذ هنا الإضمار البحت اعتمادًا على علم السامع بمرجع الضمير. ويبقى لفظ «كافر» متنازعًا بين لبيد وثعلبة أيهما سبق إليه وهو عند ثعلية:
فتذكرا ثقلًا رثيدًا بعدما ... ألقت ذكاء يميتها في كافر
وغير ثعلبة اسم عمرته فصيرها سمية عند قوله:
أسمى ما يدريك أن رب فتية ... بيض الوجوه ذوي ندى ومآثر
حسنى الفكاهة ما تذم لحامهم ... سبطي الأكف وفي الحروب مساعر
باكرتهم بسباء جون ذراع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر
وهذا أدنى إلى وقت الشروق من قول لبيد «بادرت حاجتها الدجاج البيت» وجعل ثعلبة هذا مدخلًا إلى الفخر. ورب كما ترى عنده مخففة الباء.
وقد ضمن فخره قوله:
ولرب واضحة الجبين غريرة ... مثل المهاة تروق عين الناظر
قد بت ألعبها وأقصرهما ... حتى بدا وضح الصباح الجاشر
أي ذو الإشراق والسطوع قال الشارح الجشر تباشير الصباح- الجشر بفتح فسكون مصدر جشر. فالواضحة الجبين هي عمرة نفسها أو أخرى يغايظها بها على نحو قريب من نمط امرئ القيس إذ قال «فمثلك حبلى» في مغايظته لعنيزة صاحبة الغبيك.
وقول ثعلبة في آخر القصيدة
ولرب خصم جاهدين ذوي شذى
ليس (مع ما فيه من فخر) ببعيد المناسبة لما كان فيه من مخاصمة عمرة.
ومذهب لبيد في المعلقة في خطابه نوار قريب من طريقة ثعلبة والحادرة في مذهب هذا