← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وقيل في همزية الحارث إنه ارتجلها وأنشدها الملك وبينه وبين الملك سبعة ستر إذ كان أبرص يكره دنوه، فطرب له حتى أزال الحجب كلها وأجلسه معه في سريره. والخبر كأنه أسطوري المبالغة. وما أشك بعد أن له أصلاً لاتفاق الرواية عليه. وكلتا القصيدتين شكل واحد عند التأمل. وفي العشر شكل واحد أصل وهو في قصيدة النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند وقصيدة الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل وقصيدة عبيد شكلها من قرى شكل «قفا نبك» كما ذكرنا من قبل ولكن غرابة وزنها، وصاحبها شاعر فحل، مما حث على روايتها كما رويت ميمية المرقش: هل بالديار أن تجيب صمم وكما اختيرت كلمة سلمى بن ربيعة إن شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون وقد سبق الحديث عن هذا الجانب في معرض الحديث عن الأوزان في الجزء الأول وفي هذا الجزء أيضًا. قفا نبك، مخصرة الشكل. نقول هذا على وجه التشبيه. وذلك أن لها وسطًا كأنه في مجال ضيق وهو يفصل بين جزئها الأعلى وهو أولها وجزئها الأسفل وهو آخرها. وهذا الجزء الأوسط يذهب مذهب التأمل والتفكر والحكمة، وما قبله ذكريات ووصف وأشجان فؤاد وكذلك ما بعده وهو قوله. وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل

стр. 2732

فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهل منى ذلول مرحل وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوى كالخليع المعيل فقلت له لما عوى إن شأننا ... قليل الغنى إن كنت لما تمول كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته ... ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل وكقفا نبك كلمة علقمة الميمية وخصرها قوله: بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم والحمد لا يشتري إلا له ثمن ... مما يضن به الأقوام معلوم والجود نافية للمال مهلكة ... والبخل باق لأهليه ومذموم والمال صوف قرار يلعبون به ... على نقادته واف ومجلوم ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم والجهل ذو عرض لا يستراد له ... والحلم آونة في الناس معدوم ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لابد مهدوم وما قبل هذا صبابات وصفات وما بعده صفات وصبابات وامرؤ القيس أحذق إذ احتفظ بلون من الوصف وجعل الحكمة تأملاً. وذهب علقمة مذهب المثل فبدت أبيات الحكمة لغير من يتأملها كالمقحمة، وليس كذلك إذ النعامة وظليمها تصوير لما تمناه من ناجية تلحقه بما فارقه من نعيم وهو الأترجة وما الأترجة رمز له، ولذلك صح له من بعد أن يقول. قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم وتخصير بائية عبيد بن الأبرص قوله: فكل ذي نعمة مخلوسها ... وكل ذي أمل مكذوب وكل ذي إبل موروث ... وكل ذي سلب مسلوب وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب أعاقر مثل ذات رحم ... أو غانم مثل من يخيب

стр. 2733

من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب والله ليس له شريك ... علام ما أخفت القلوب أفلح بما شئت فقد ... يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب لا يعظ الناس من لم يعـ ... ـظ الدهر ولا ينفع التلبيب إلا سجيات ما القلوب ... وكم يصيرن شانئًا حبيب ساعد بأرض إن كنت فيها ... ولا تقل إنني غريب قد يوصل النازح النائي وقد ... يقطع ذو السهمة القريب والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب فهذا تخصير بطين إذ عدد الأبيات قبله مثله وهو في ذكر الدار وصبابات الحنين غير أن عبيدًا من حذقه ضمنه من معاني الأسى والحكمة والعظة التي في هذه الأبيات وما بعد ذكريات وأوصاف ولكن مطل عليها شبح الأسى وطيف الموت. وقد انتهت القصيدة بمصرع الثعلب لا نجاته ولكنه شبه فرسه بالعقاب. فهل كنى بالثعلب عن امرئ القيس وحجر وملك آل الحارث الكندي؟ وبانت سعاد، سيدة المدائح النبوية، مخصرة بأبيات الحكمة والتأمل إذ قال: تسعى الوشاة جنابيها وقولهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبل لا أبالكمو ... فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول فقد أتيت رسول الله معتذرًا ... والعذر عند رسول الله مقبول وما قبل هذه الأبيات نسيب ورحلة وصفات وما بعدها مدح مداخله وصف وفخامة تشبيه وبسط حجة. وقد حاكى كعب منهج أبيه في كلمته: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا وقد ذهب زهير بخصر هذه القصيدة مرة واحدة كما لو أسبغ عليها ثوب الذي قال، من شعراء الغزل:

стр. 2734

أبت الروداف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا وإنما ذهب بخصر هذا الشكل مذهبه في الاقتضاب، فكأن ذلك منه مبالغة في التخصير. وقصيدة طرفة المعلقة ذات تخصير ولكن فهيا غضبة الشاب ونخوته وحماسته فمن أجل ذلك جاء فيها بصفة الرحلة والناقة، وذلك أن خولة ظعنت فهو يتسلى عن بينها بالسفر: وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي ولا يخبرنا طرفة أنه يريد بينا عنها كما بانت منه، ولا أنه يريد لحاقًا. ولكن في فؤاده هما لا يعلم وجه تسل منه غير هذه العوجاء المرقال. وهي ناقته الفتية مثله. حتى سفره لا ترى له غاية. وإنما هو قلق ورواح واغتداء. أحلت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد ولكن إلى أين؟ مكان التخصير في هذه الدالية التي لم ير لبيد شيئًا يفوق شعره من الشعر بعد امرئ القيس غيرها هو قوله: وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هاذاك الطراف الممدد ألا أيها اللائمي أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقى العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكرى إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضى نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف المعمد كأن البرين والدماليج علقت ... على عشر أو خروع لم يخضد من هنا أخذ الأعشى قوله: تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريح عشرق زجل

стр. 2735

فجعله انصرافًا وعند طرفة هو إقبال أو إقبال أو إقبال وانصراف حملاً على قوله تروح وتغتدي ويجوز ويهتدى وتناول أطراف البرير وترتدي. كريم يروى نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غدا إينا الصدى أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد ترى جئوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزًا ناقصًا كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكا لطول المرخى وثنياه باليد ثم رجع إلى معنى اللوم وهو من الهم الذي أثاره مع بين خولة وما خولة كناية عنه ثم استمر في القصيدة. وهذه الأبيات تأمل وحكمه منفعلة ومداخلها معنى ما كان فيه من غضب الشباب ونخوته ونشوته وشيء من وصف الفتاة التي فيها كشبابه وحيوية حركته: غزالة تنفض، المرد، قلوص تروح وتغتدى وتذيل، وشجرة لأغصانها حفيف، أراكه ذات برير، عشر وخروع لم يخضد. هذه الأبيات الستة عشر فاصل واصل بين ما تقدم من وصف ونسيب وما خلا من نغمة فخر ونظرة تأمل وروح حكمة وفيه بعد حرارة العاطفة حتى في نعت الناقة الدقيق كما فيه هذا الوصف الحي لمجلس الطرب وقينته: نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بجس الندامى بضة المتجرد ومن وصف طرفة ولد الأعشى هريرته ومجلس شرابه فتأمل- وبين ما تلا من عراك وخصومة وشكوى ولوم مر واعتزاز بالنفس وافتخار وحكمة تتخلل ذلك وتداخله، ومن مشهور قوله في الملامة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وأحسب أن مقاله الجاحظ المشهورة التي أولها: «ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف» ولدها من قول طرفة هذا وهي له كالشرح. ومن مشهور فخره: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد

стр. 2736

ومن مشهور المثل السائر قوله في آخر القصيدة: ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويروى أن النبي ﷺ تمثل ببعضه. وفي هذا القسم الثاني من القصيدة وصف عقره ناقة شيخة العزيزة الكوماء ليشتوي منها أصحابه ومجلس شرابه. وقد ترى امرأ القيس عقر مطيته لفتيات يوم دارة جلجل، فأغناه ذلك عن نعت الرحلة وعن نعت الناقة أيضًا وأتاح له وصف الغبيط ومغامرته. وقد جاء بوصف لهو الصيد وقديره وشواء في آخر القصيدة يقابل به ما تقدم به في أولها من فعله وفعل الفتيات إذ «يرتمين بلحمها وشحم كهداب الدمقس المفتل.» والكهاة ذات الخيف الجلالة التي ذكرها طرفة في آخر قصيدته مقابلة للعوجاء المرقال التي في أولها. وقد أعلمنا أن الكهاة التي عقرها ليست له ولكنها: عقيلة شيخ كالوبيل يلندد ولعل العوجاء المرقال التي راح بها واغتدى هي أيضًا ليست له. وصحاب الميسر في آخر قصيده، في مقابلة مجلس الندامى الذي مر قبل التخصير. شكل قصيدة طرفة هو هكذا في جملته والتحوير الذي افتن به لاءم به أغراضه وروح انفعاله ونفس بيانه. ومعلقة زهير نمط عزيز. وليس بنمط أصل في المدح، إذ النمط القديم هو بائيه علقمة: - طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب هي أقدم من: - يا دار مية بالعلياء فالسند ولكنهم لم يذكروا علقمة في أصحاب المعلقات وإن عد من الفحول وأصحاب السموط. ولو قد كانت بائيته هذه في السبع أو العشر الطوال ما عدونا النص عليها أن شكلها هي هو الأصل مكان ما ذكرنا به كلمتي النابغة والأعشى. لعلهم لم يذكروا علقمة في أصحاب المعلقات لكيلا يضاهوا به امرأ القيس. وإنما ذكروا عبيدًا لغرابة وزن قصيدته واشتهارها. أما قولنا إن معلقة زهير نمط عزيز، فإن بيانها ومعانيها وإنسيانيتها كل ذلك في الذروة، ثم، وهو مقصدنا ههنا، في شكلها افتنان عظيم جدًا. حذف الرحلة.

стр. 2737

وأضرب عن ذكر الناقة المعتملة. وجاء بإبل الظعائن وإبل العقل والمفاداة، وكل ذلك جمال منظر ومخبر، لدلالته على السخاء والمعروف والسلم، ثم أشار بالناقة المعقورة إلى شؤم الحرب، وهي ناقة ثمود، وبالرحى إلى ما توقعه من أضرار. وإذ جعل الإبل جمالاً وسلامًا لم يجيء بذكرها تصريحًا في الدلالة على قبح الحرب وشرورها ولكن اكتفى بالتلميح، فلم يذكر ناقة ثمود نفسها ولكن عاقرها: فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم وقد شبه الحرب في اللقاح والنتاج بالإبل ولكنه أسند الفعل إليها وجعلها من البشر إذ نتجها غلمانًا وإنما تنتج الإبل السقاب. وما يخلو زهير إذ أضرب عن صفة الناقة المعتملة وأشار بما أشار به إلى العقر من نظر خفي إلى قول امرئ القيس: ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فواعجبا من كورها المتحمل من حيث إنه احتيال بياني. وقد كان مكان الحكمة، لو اتبع زهير شكل التخضير (كما سميناه وإنما هو اسم على التشبيه ولا مشاحة في الأسماء كما قال قدامة) بعد قوله ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشب ومفأم وإذا لكان قال بعده سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم إلى قوله: وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده ... وإن الفتى بعد السفاهة يحلم وكان قوله: سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن أكثر التسآل يومًا سيحرم يجيء بعد قوله: فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه ... صحيحات مال طالعات بمخرم لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم كرام فلا ذو الضغن يدرك تبله ... ولا الجارم الجاني عليهم بمسلم ولكن زهيرًا تصرف في الشكل المخصر، فجعل تخصيره تذبيلاً، وجاء بأبيات الحكمة آخر شيء، وقوله «سألنا فأعطيتم البيت» في رواية من رواه، وقد مر حديثنا عن ذلك، مقطع للقصيدة حسن.

стр. 2738

وهذا الذي نقول به من جعل زهير التخصير تذييلاً وتصرفه الذي تصرفه لا نبنيه على محض التخمين، ولكن لدينا ما يشهد بأن مثل هذا الصنيع والتصرف جائز. انظر قصيدتي ربيعة بن مقروم الضبي الثامنة والتاسعة والثلاثين في ترتيب المفضليات. أمن آل هند عرفت الرسوما ... بجمران قفرا أبت أن تريما و: ألا صرفت مودتك الرواع ... وجد البين منها والوداع وشعر ربيعة هذا ناصع واضح جميل. الميمية مخصرة لا ريب فيها وهي خمسة وأربعون بيتًا في رواية المفضليات والتخصير فيها بعد نهاية وصف الأتن وفحلها إذ رماها الصائد فأخطأ ونجت بأحث ما تقدر عليه من النجاء، وذلك قوله: وإن تسأليني فإني امرؤ ... أهين اللئيم وأحبو الكريما وأبني المعالي بالمكرمات ... وأرضى الخليل وأروي النديما ويحمد بذلي له معتف ... إذا ذم من يعتفيه اللئيما وأجزي القروض وفاء بها ... ببؤسي بئيسي ونعمي نعيما فهذا ظاهره فخر وباطنه حكمة إذ هذا الذي ذكره كله من الفضائل، وكانوا يمتدحون بسباء الخمر وإرواء الندامى، ويجوز أن يكون الإرواء بغير الخمر كاللبن والعسل والوجه أن يؤخذ هذا الكلام على عمومه فلا يخص به شراب دون شراب إلا أنه في الخمر أظهر. ثم أقبل ربيعة على مآثر قومه وصفة الشجاعة والسلاح وذكر أيام قومه أو كما قال: ولكن أذكر آلاءنا ... حديثًا وما كان منا قديمًا ودار هوان أنفنا المقام ... بها فحللنا محلاً كريما إذا كان بعضهم للهوان ... خليط صفاء وأما رؤوما تأمل جودة هذا البيت ونقاءه: وثغر مخوف أقمنا به ... يهاب به غيرنا أن يقيما جعلنا السيوف به والرماح ... معاقلنا والحديد النظيما يعني الدروع لأن حديدها منظوم نظمًا: - وجردًا يقربن دون العيال ... خلال البيوت يلكن الشكيما

стр. 2739

تعود في الحرب أن لا براح ... إذا كلمت لا تشكي الكلوما وهذا الفخر الذي فخر به لقومه، مع ما فيه من ذكر الفضائل، ليس له دخول في الحكمة كدخول الأبيات الأربعة التخصيرية التي مرت، ومن أدلة هذا الذي نذهب إليه قوله: إذا كان بعضهم للهوان ... خليط صفاء وأما رؤوما فهذا تعريض والتعريض ألصق بالفخر منه بالحكمة. وإن يك نفس الحكمة من كل ذلك قد يستفاد: العينية مذيلة. قسمها الأول كمثل قسم الميمية الأوسط الذي هو تخصيرها من عند البيت الرابع إلى الثامن، خمسة أبيات، هو قوله: فقد أصل الخليل وإن نآني ... وغب عداوتي كلأ جداع أي وبيء: وأحفظ بالغيبة أمر قومي ... فلا يسدي لدي ولا يضاع ويسعد بي الضريك إذا اعتراني ... ويكره جانبي البطل الشجاع ويأبى الذم لي أني كريم ... وأن محلي القبل اليفاع وأني في بني بكر بن سعد ... إذا تمت زوافرهم أطاع فهذا مما ظاهره فخر وباطنه الحكمة وهو من سننخ ما قاله في الميمية، وقبل هذه الأبيات ثلاثة هن في معنى ما وطأ به لتخصير ميميته من المخاطبة والمساءلة حيث قال: وإن تسأليني فإني امرؤ ... أهين اللئيم وأحبو الكريما ثم الأبيات الثلاثة من بعد، وهنا يقول: ألا صرمت مودتك الرواع ... وجد البين منها والوداع وهذا هو المطلع ثم المساءلة والجواب في قوله: وقالت إنه شيخ كبير ... فلج بها ــ ولم ترع ــ امتناع فإما أمس قد راجعت حلمي ... ولاح علي من شيب قناع فقد أصل الخليل وإن نآني ... وغب عداوتي كلأ جداع فهذا في معنى وإن تسأليني. ولو قد لزم ترتيب شكل المخصرة لكان قوله: وملموم جوانبها رداح ... تزجي بالرماح لها شعاع

стр. 2740

بعد قوله: «وقالت إنه شيخ كبير» وهو البيت الثاني ويجري الكلام مجرى المخاطبة الذي في ميمية عنترة وعينية الحادرة ويأتي التخصير من عند قوله «فإما أمس قد راجعت حلمي» إلى «وأني في بني بكر بن سعد» ثم يجيء القسم الثاني من قوله: «وما آجن» إلى آخر القصيدة. وإنما نزعم أن هذا قسم ثان من شكل أصله تخصيري لما فيه من الرجعة إلى ذكرى الشباب. فهو بمنزلة. وقد اغتدى والطير في وكناتها وبمنزلة: قد أشهب الشرب فيهم مزهر رنم وهاتان شكلهما أصل كما تقدم. فإن صح هذا الذي نراه من تصرف ربيعة بن مقروم، فاجعل لزهير تصرفًا شبيهًا به، ولا ريب أن جودة الشكل قد زيدت زيادة بينة بهذا التصرف. إذ موقع الحكمة في آخر معلق زهير رائع. وموقع الفخر الحكيم في أول عينية ربيعة أيضًا قوي رائع نبيل. ومن القصائد المخصرات تخصيرًا شديد الضمور لأمية عبدة بن الطبيب: هل حبل خولة بعد الهجر موصول وهي طويلة من نيف وثمانين بيتًا وتخصيرها أبيات عشرة هن قوله، وذلك من البيت التاسع بعد أربعين إلى السادس والخمسين. لما وردنا رفعنا ظل أردية ... وفار باللحم للقوم المراجيل وردًا وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل ثم ارتحلنا على عيس مخدمة ... يزجي رواكعها مرن وتنعيل يدلحن بالماء في وفر مخربة ... منها حقائب ركبان ومعدول الوفر بضم الواو وسكون الفاء جمع وفراء وهي قربة الماء. مخربة لها خرب جمع خربة وهي أذن القربة، كأنهم شبهوها بالآذان التي تكون فيها ثقوب الأقراط قال ذو الرمة: كأنه حبثي يقتفي أثرًا ... أو من معاشر في آذانها الخرب يعني الحبش والسودان إذ كانوا يثقبون آذانهم. نرجو فواضل رب سيبه حسن ... وكل خير لديه فهو مقبول رب حبانا بأموال مخولة ... وكل شيء حباه الله تخويل والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل والأبيات الأوائل من هذه في وصف السير، ولكنه سير إلى الجهاد فاتصالها بما صار إليه من معنى الحكمة والتحامها به جاعلها جزءًا لا ينفصل عنه فتأمل. هذا ومن باب

стр. 2741

التصرف أن يجتزئ الشاعر ببعض الشكل، فيعلم سامعوه أنما هذا حذو قصيدة كذا من عند قول شاعرها كذا. مثلاً كلمة عمرو بن الأهتم: ألا طرقت أسماء وهي طروق ... وزارت على أن الخيال يشوق يوشك أن يكون حذاها على بعض دالية طرفة، ولا سيما قوله: وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت ... مقاحيد كوم كالمجادل روق البرك جماعة الإبل. مقاحيد كوم عظام الأسنمة. المجادل القصور. روق: خيار بأدماء مرباع النتاج كأنها ... إذا عرضت دون العشار فنيق أي وقت نفسها منه بهذه الأدماء أي البيضاء الكريمة التي كأنها فحل لا أنثى من عظمها- الفنيق الفحل. أي كانت هذه أول ما واجهه من الإبل فعقرها ونحرها لضيوفه جازراه. بضربة ساق أو بنجلاء ثرة ... لها من أمام المنكبين فتيق وقام إليها الجازران فأوفدا ... يطيران عنها الجلد وهي تفوق فجر إلينا ضرعها وسنامها ... وأزهر يحبو للقيام عتيق بقير جلا بالسيف عنه غشاءه ... أخ بأخاء الصالحين رفيق فبات لنا منها وللضيف موهنًا ... شواء سمين زاهق وغبوق كانوا يستحسنون الضرع وروي كبدها وسنامها والأزهر ولدها الذي في بطنها، عتيق أي كريم، أخ يعني نفسه لكرمه ونحره هذه النفيسة وما في بطنها، وفسر بعضهم الأزهر بالدن وجعله يحبو لامتلائه ويجوز هذا التفسير على بعد، لأن السياق ونموذج طرفة المحذو عليه هذا القول يقتضي المعنى السابق. وبات له دون الصبا وهي قرة ... لحاف ومصقول الكساء رفيق أي لحاف يرقد عليه وكساء يتدثر به. وكل كريم يتقي الذم بالقري ... وللخير بين الصالحين طريق لعمرك ما ضافت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق نمتني عروق من زرارة في العلى ... ومن فدكي والأشد عروق مكارم يجعلن الفتى في أرومة ... يفاع وبعض الوالدين دقيق

стр. 2742

أرومة بضم الهمزة وفتحها والضم لغة الشاعر فهذا من مقال عمرو بن الأهتم إنما حذاه على قول طرفة وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... بواديها أمشي بعضب مجرد من عند هذا البيت إلى آخر القصيدة. وقد عذلت عمرو بن الأهتم امرأته وعذل طرفة عمه. وخلص طرفة من قوله الذي بدأ به إلى الفخر والحكمة وكذلك صنع عمرو وميمية المخبل: ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم مما جعل تخصيره تذييلاً. ذلك بأن النسيب ينتهي بعد وصفه الدار ونعته الرباب بأنها بردية سبق النعيم بها ... أقرانها وغلا بها عظم وتريك وجهًا كالصحيفة لا ... ظمآن مختلج ولا جهم كعقيلة الدر استضاء بها ... محراب عرش عظيمها العجم أغلي بها ثمنًا وجاء بها ... شخت العظام كأنه سهم بلبانه زيت وأخرجها ... من ذي غوارب وسطه اللخم وأنا كبيضة الدعص وتضل مدراها المواشط في ... جعد أغم كأن كرم هلا تسلي حاجة علقت ... علق القرينة حبلها جذم فلذلك على أنه قد تقطعت أسبابها أو يخشى أن تتقطع فهو يتوسل إليها توسلاً مخالطه يأس- وههنا محل التخصير، من حكمة وما أشبه مما تداخله الحكمة أو ينبئ عنها. ثم يجيء ذكر الدهر الذي مضى وكان أسعد وأرفه، وصحة النفس والوصل والعيش كل ذلك فيه أتم: ومعبد قلق المجاز كبا ... ري الصناع إكامه درم للقاربات من القطا نقر ... في حافتيه كأنها الرقم عارضته ملث الظلام بمذ ... عان العشي كأنها قرم أي كأنها فحل- وقلما تذكر الشعراء غير الناقة إلا أن منهم من ذكر البعير كالمنخل

стр. 2743

وكربيعة ابن مقروم في العينية التي مر ذكرها قبل وهو قوله: وماء آجن الجمات قفر ... تعقم في جوانبه السباع وردت وقد تهورت الثريا ... وتحت وليتي وهم وساع جلال مائر الضبعين يخدى ... على يسرات ملزوز سراع غير أن المخبل وصل تذكره الماضي بما كان من نسيبه ونعته وجعل الحكمة ذيلاً وتبع في ذلك مذهب زهير وقد شهد المخبل الإسلام فهو من المخضرمين فهذا عندما أنه حاكى زهيرًا وأبيات حكمته من قوله: وتقول عاذلتي وليس لها ... بغد ولا ما بعده علم فهذا فيه أنفاس صلة بقوله «هلا تسلى حاجة علقت». ومما يجعلون المحبوبة سائلة وعاذلة وهازئة وقد مرت من ذلك أمثلة: إن الثراء هو الخلود وإ ... ن المرء يكرب يومه العدم إن وجدك ما تخلدني ... مائة يطير عفاؤها أدم والمائة من الإبل مال دثر. عفاؤها وبرها وكنى بقوله يطير عفاؤها عن سمنها. ولئن بنيت لي المقشر في ... هضب تقصر دونه العصم لتنقبن عني المنية إن ... الله ليس كحكمه حكم إن وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشره الإثم وآخر هذه القصيدة فيه روح من الإسلام مع الحكمة التي ترى. وكلمة الأسود بن يعفر الدالية المليحة: نام الخلي وما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي تحذو حذو معلقة امرئ القيس، ولكن من عند ذكر الليل إلى آخر القصيدة، وهذا من الأسود بن يعفر حذق عظيم، إذ قد فقد بصره فهو في ليل، ومع الليل الهم والأحزان وطلب العزاء. وقد جعل أول قصيدته كله لذلك. ثم أردفه ذكر ملذات مضت وختم بالحصان ونشوة الرحلة. وكأن بعضهم لم ترضه هذه النهاية فجعل آخر القصيدة قوله: فإذا وذلك لامهاه لذكره ... والدهر يعقب صالحًا بفساد

стр. 2744

ولعل الأسود قاله ثم أضرب عنه والشعراء مما يفعلون ذلك، والقصيدة بدونه أجود وأتم إذ هو لا يعدو أن يكون صوتًا أجوف، وقد سبق ما هو أعمق منه وأوقع. أما القسم المنبئ عن الهم والليل فقوله بعد البيت الأول: من غير ما سقم ولكن شفني ... هم أراه قد أصاب فؤادي ومن الحوادث لا أبا لك أنني ... ضربت على الأرض بالأسداد فهذا مع الهم وبعده حزن لا أهتدي فيها لموضع تلعة ... بين العراق وبين أرض مراد ثم غلبه الحزن فأخذ في ذكر الموت على الطريقة القبرية الكفنية التي عند الممزق، ذرء منها: ولقد علمت سوى الذين نبأتني ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد إن المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي لن يرضيا مني وفاء رهينة ... من دون نفسي طارفي وتلادي ثم أخذ في التأسي: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد لا يعني بآل محرق ملوك الحيرة ولكن ملوكًا من غسان أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد أرضًا تخيرها لدار أبيهم ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت الرياح على مكان ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطراد فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يومًا يصير إلىبلى ونفاد أهل الخورنق إلخ عني بهم إيادا، والخورنق موضع، والسدير النخل، وسنداد بكسر السين وروى فتحها نهر، وكل هذه مواضع، وأنقرة من بلاد الشام لا يعني بلدة الأناضول الرومية وكعب بن مامة صاحب الكرم المشهور، وابن أم دؤاد هو أبو دؤاد الشاعر، كلاهما من إياد -ثم مضى يتأسى: -

стр. 2745

في آل غرف لو بغيت لي الأسى ... لوجدت فيهم أسوة العداد آل غرف من قومه بني تميم قيل هو زيد مناة نفسه وقيل أحد أبناء أبنائه فمن قال ذلك جعل زيدًا المذكور في البيت التالي من هذه السلالة وإلا فهو زيد مناة -الأسى بضم الهمزة وكسرها جمع أسوة بضمها وكسرها وهي ما يتأسى به وما يقتدى به وقرئ بكسر الهمزة وضمها في القرآن والعداد بضم العين وفتحها فالضم جمع والفتح مفرد أي من يعد ما يتأسى به. ما بعد زيد في فتاة فرقوا ... قتلاً وأسرًا بعد حسن تآدي أي فرقوا بسبب فتاة أبوا تزويجها كما أراد المنذر بن ماء السماء فغزاهم وفرقهم والتآدي حسن الحال فتخيروا الأرض الفضاء لعزهم ... ويزيد رافدهم على الرفاد أي وكانوا قد تخيروا الأرض الفضاء قبل أن يقع بهم هذا الخطب فهذا آخر التأسي ويقابله في النموذج الذي حذا على مثاله وهو «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» قوله: كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته في رواية من روى أبيات الذئب لامرئ القيس وهو الذي عليه الرواة غير ما طعن به الأصمعي ومن لم يروها فإنه يقابله منه قوله: ألا أيها الليل الطويل ألا انجل وما يلحق به من ذكر الأمراس والثريا. وبعد هذا ذكر الشباب وما تصرم من سعادة العيش ولذاته من عند قوله: «وقد أغتدي والطير في وكناتها» إلى وصف الخيل والصيد وشيم البرق والصوار والسيل إلى آخر القصيدة- وكذلك ها هنا أخذ الأسود بن يعفر في ذكر لذات الماضي اللاتي قد انقضين يحزن بذلك ويتسلى معًا، وهو من عند قوله: إما تريني قد كبرت وغاضني ... مانيل من بصري ومن أجلادي أو عصيت أصحاب الصبابة والصبا ... وأطعت عاذلتي ولان قيادي فلقد أروح إلى التجار مرجلاً ... مذلاً بمالي لينا أجيادي ثم يمضي في الذكريات. وقوله مرجلاً عني به شبابه إذ سواد الشعر ووفوره إنما يكون في

стр. 2746

ميعة الشباب ويعجبني قوله «لينا أجيادي» إذ يبس العنق وتغضنه من شواهد تقدم السن. وجعله جيادًا لترائيه به، يريه من جميع جوانبه وما حوله مما هو به مزدان. ولقد لهوت وللشباب لذاذة ... بسلافة مزجت بماء غوادي من خمر ذي نطف أغن منطق ... وافى بها لدراهم الإسجاد قالوا في الإسجاد أقوالاً وأدناها أي ليكسب دراهم موسمه. قالوا كانت على الدراهم صورة يكفرون لها ويسجدون وهي دراهم الأكاسرة وهذا تفسير الأصمعي. وقالوا الإسجاد عني به النصارى، أسجدتهم جزيتهم، وإنما يصح هذا المعنى إن كانوا يدفعون جزية للفرس أو لملوك الحيرة في الجاهلية أو جعل ما كان عليهم من ضريبة بمنزلة الجزية وعن أحمد بن عبيد ابن ناصح فيما روى ابن الأنباري الكبير الإسجاد أي التي جاء بها الخمار بعدما حال عليها الحوف وهو وقت الجزية. وأحسب أن المراد بالجزية هنا الضريبة التي تؤدى للملوك. ثم وصف الساقي هذا الذي عليه النطف أي الأقراط بفتح النون والطاء مفردها نطفة كشجرة، والنساء النواعم الحسان اللائي يتم بهن اللهو. يسعى بها ذو تومتين مشمر ... قنأت أنامله من الفرصاد أي من الخمر شبهها بالفرصاد وهو التوت لحمرتها والتومتان اللؤلؤتان والبيض تمشي كالبدور وكالدمي ... ونواعم يمشين بالأرفاد قالوا أراد بالأرداف وذلك لهزهن أردافهن تبرجًا. والبيض يرمين القلوب كأنها ... أدحى بين صريمة وجماد يعني كأنهن بيضات نعام من حسنهن محفوظات بين صريمة أي رمل وجماد أي مواضع غلاظ جمع جمد بضم الجيم والميم وجيم جماد مكسورة أو مفتوحة بمعنى الجماد المعروف أي بين رمل وأرض جماد ينطقن معروفًا وهن نواعم ... بيض الوجوه رقيقة الأكباد ينطقن مخفوض الحديث تهامسًا ... فبلغن ما حاولن غير تنادى وهذا من حلو الكلام ورقيقه. ثم أخذ في وصف ما راد من الأرض ونعت الحصان الذي راد به، وذكر الصيد من بعد: ولقد غدوت لعازب، متناذر ... أحوى المذانب مونق الرواد فهذا قريب من قول امرئ القيس «وقد أغتدى والطير إلخ»

стр. 2747

جادت سواريه وآزر نبته ... نفأ من الصفراء والزباد قطع نبات من هذين النوعين بالجو فالأمرات حول مغامر ... فبضارج فقصيمة الطراد وضارج ورد في شيم امرئ القيس البرق بمشهر عتد جهيز شده ... قيد الأوابد والرهان جواد وقيد الأوابد من امرئ القيس كما ترى. عتد: أي قادر على الجري هنا، أي عنده عدة الجري كما فسره الشارح. يشوى لنا الوحد المدل بحضره ... بشريج بين الشد والإيراد أي بمزيج من هذين الضربين من الجري والحضر بضم الحاء العدو بفتح فسكون. ثم ختم قصيدته بذكر الناقة وهو يناسب ما قدمه من الخمر والنساء والصيد، فبقي أن يذكر الصبابة والعشق واتباع الظعينة المعشوقة ولا يخفى أن هؤلاء اللاتي يمشين بالأرفاد إنما هن قيان وبغايا. وهو ما قدمه امرؤ القيس قبل ذكره الليل من حكايات الصبابة والشوق والدموع والغزل ويوم دارة جلجل وخدر عنيزة. ولم يحتج امرؤ القيس إلى اللحاق فقد عقر مطيته وبعير صاحبته. ولقد تلوت الظاعنين بجسرة ... أجد مهاجرة السقاب جماد أي قوية وورود الفتح في جيم جماد هنا يرجح أنها مكسورتها في «أدحي بين صريمة وجماد» عيرانة سد الربيع خصاصها ... ما يستبين بها مقيل قراد وأحسب أن هذا هو آخر القصيدة- لا البيت الملحق به «فإذا وذلك» ولا يصلح على التفسير الذي فسرناه. وفي النفس شيء من البيت الآخر أين الذين بنوا فطال بناؤهم ... وتمتعوا بالأهل والأولاد وهو بعد «نزلوا بأنقرة» وموضعه ناب هناك، وعجز البيت ذو ضعف ما- أحسبه في قوله «بالأهل والأولاد» فتأمله. ومما يجري مجرى التذييل الذي عند المخبل وجارى به زهيرًا وأصل الشكل المخصر عينية

стр. 2748

مالك بن نويرة: صرمت زنيبة حبل من لا يقطع ... حبل الخليل وللأمانة تفجع ويروى ولا الأمانة يفجع أي وحبل من لايخون الأمانة. والقصيدة مروية لمتمم بن نويرة وذكروا عن أحمد بن عبيد بن ناصح أن بعض الرواة يرويها لمالك. وعندي أن مذهب أسلوبها كأنه أقل حرقة تفجع من مذهب متمم في رثاء أخيه، إن كان قوله: أفبعد من ولدت نسبة أشتكي ... زو المنية أو أرى أتوجع مما يستعان به على نسبة الكلمة إلى متمم، لقول متمم في عينيته المنصوبة الروي المشهورة: وفقد بني أم تتالوا فلم أكن ... خلافهم أن أستكين وأخضعا ولم يفسروا لنا بيت متمم هذا تفسيرًا شافيًا. وينبغي أن يكون قد مات له من الإخوة من أمه وأبيه قبل مالك، مع الألى فصل ذكرهم من بعد ممن ذكرت لنا أسماؤهم ومقاتلهم وهو قوله: وغيرني ما غال قيسًا ومالكًا ... وعمرًا وجزءًا بالمشقر ألمعا أي الذين معًا وما غال ندماني يزيد وليتني ... تمليته بالمال والأهل أجمعا قالوا كان يزيد ابن عمه وقد خبرنا أنه ندمانه. فهذا يدل على أن كأنهما معًا. ونسيبة أم مالك ومتمم، والبيت ليست ضربة لازم أن يكون قاله متمم، فمالك كأخيه يبكي على من هلك من شقيق وشقيقة. ونسبة البيت احتجاجًا به، على أنه لمتمم توشك أن تفيد أن نسيبة لم تلد مع متمم إلا مالكًا وكأن متمم يريد أن يقول «أفبعد مالك» بقوله «أفبعد من ولدت نسبة» وكأنه يريده وحده بقوله «وفقد بني أم إلخ» فيكون هو وحده بني الأم- وهذا بعيد. وفي القصيدة بعد أشياء، ليست بدليل قاطع، ولكنها من ضرب ما يحدس به، توشك أن تنبئ بأن الكلمة لمالك لا لمتمم. منها أن متممًا زيد في شعره، وهذا قد ذكره ابن سلام، وأن العلماء أخرجوا ما زيد. فهذا مما أخرجه بعضهم. هذه واحدة.

стр. 2749

وثنتان مما يقع مثلهما عند الشعراء تهجس قلوبهم بالمعيتها عن بعض ما وراء الغيوب- أولاهما قوله: وللأمانة تفجع -أو- ولا الأمانة يفجع. فقد أؤتمن مالك على مال الصدقات فخان. والثانية ذكره الموت وتوقعه له وعجزه عن الدفاع عن نفسه. ولقد نظر بعين كشف إذ قال: قال: ولقد غبطت بما ألافي حقبة ... ولقد يمر على يوم أشنع فضمير الغبطة هنا المتكلم المفرد وفي عينية متمم جاء بنفس المعنى ولكن المتكلم فيه جمع: وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فهذا يشمله وأخاه. وكان مصدر خيره من أخيه ولذلك قال: وليست إذا ما الدهر أحدث نكبة ... ورزءًا بزوار القرائب أخضعا فخص نفسه بالزرء من بعده. والحزم بعد أن يوقف عندما وقف عنده قديمًا فنقول إن هذه العينية المرفوعة رويت لمتمم بن نويرة ورواها بعض الرواة لأخيه مالك. ونميل إلى هذا الوجه الثاني والله تعالى أعلم. أخر القسم الأول من هذه القصيدة في البيت الثاني عشر- وقد بدأ بذكر صرم صاحبته له، وأتبع ذلك بمكافأة له من مذهب لبيد في معلقته فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا ظلعت وزاغ قوامها ثم تسلى بناقة عنس جعلها رمزًا لمضائه وزماعه. وأتبع ذلك تشبيهًا لها بحمار الوحش كما صنع لبيد وقد شاركه في بعض اللفظ والصفات فكأنه نظر إليه وقد اشتهر أمر لبيد بالشعر في الجاهلية قبل زمان الهجرة. صرمت زنيبة حبل من لا يقطع ... حبل الخيل وللأمانة تفجع ولقد حرصت على قليل متاعها ... يوم الرحيل فدمعها المستنفع هذا كأنه من قول بشامة- و «ما كان أكثر ما زودت البيت.»

стр. 2750

جذي حبالك يا زينب فإنني ... قد استبد بوصل من هو أقطع قالوا أي قاطع وهذا ما ذهب إليه الشارح وروى قولاً عن أبي عمرو «هو الشيباني» أي أقطع مني وروى بصرم وهذا واضح على مذهب لبيد. ولو جاز القياس في هذا الموضع ما امتنع عندي أن يقاس بوصل من هو أقطع على قول الآخر: ولا بذات تقلت أي لا توصف بهذا فيقال تقلت، فهو حكاية. وعليه فمن هو أقطع من شأنه أن يكون لسان حاله: «أقطع» أي أنا أقطع وأبدأ الصرم وما هو بهذا المعنى. وهذا في جملة معناه مقارب لقول امرئ القيس لعنيزة: «فمثلك حبلى البيت» أي إن تتمنعي فرب كذا وكذا قد استطعت وصلها. وأنت إن تجذي حبلى يا زنيبة فقد انفرد لنفسي بوصل من يزعم أنه قاطع عسير المنال وهل يقوى هذا الوجه قوله زنيبة فهي موازنة وزنًا لعنيزة والمعنى كما ترى، على هذا التأويل، وعلى الشرح الذي شرحوا أيضًا. ويقويه أيضًا البيت الذي إذ يدل على صحة رواية «استبد بوصل من هو أقطع» لا «بصرم من هو أقطع» ويناسب المعنى الذي ذكرناه: ولقد قطعت الوصل يوم خلاجه ... وأخو الصريمة في الأمور المزمع وعند لبيد «ونجح صريمة إبرامها» فهذا قريب منه بمجدة عنس كأن سراتها ... فدن تطيف به النبيط مرفع قاظت أثال إلى الملا وتربعت ... بالحزن عازبة تسن وتودع تسن وتودع مثل مثل به واستعارة، أي هي عدة لمثل هذه المهمة من السفر كما السيف عدة للحرب يسن ويحفظ فهي مثله تسن بحسن الرعاية ثم تصان فلا تبتذل في غير وقت الحاجة حقًا. والأماكن التي ذكر الشاعر أن ناقته قاظتها أي قضت القيظ -زمن الحر- بها والربيع هي من جياد مراعي الإبل. قال الشارح، قال حنيف الحناتم وكان آبل الناس أي من أحسن الناس قيامًا على الإبل وكان أحد بني ثعلبة بن عكابة: «من قاظ الشرف وتربع الحزن وتشتى الصمان فقد أصاب المرعى». حتى إذا لقحت وعولي فوقها ... قرد بهم به الغراب الموقع أي لا يقدر الغراب أن يقع عليه لامتلائه وانملاسه، هكذا شرحه القاسم بن محمد بن بشار الأنباري أبو محمد، ثم قال، وهذا كقول الراعي: بنيت مرافقهن فوق مزلة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا قلت فينبغي أن يكون صواب عجز البيت:

стр. 2751

يهم بها القراد الموقع والقاف قد تنقط النقطة الفوقية الواحدة كما في الخط المغربي فإن كان الناسخ قد اعتاد ذلك فربما وهم إذ خط حينًا آخر بالحرف المشرقي والباء قد تحرف من الدال. ولا معنى لموقع الغراب على سنام صحيح ممتلئ وإنما تقع الغربان على الجروح أو ما تتوهم أنه جروح. قال علقمة: عقلاً ورقمًا تظل الطير تخطفه ... كأنه من دم الأجواف مدموم ولا فائدة في ذكر ابن الأنباري للقراد إن كان الذي في الشعر الغراب، وقد اتبع بيت الراعي قوله: «يقول فمغرز المرافق ليس به ضاغط ولا ناكت ولا حاز ولا عيب فآباطهن ملس لا يثبت بها القراد لانملاسها أي لا يجد ما يقيل فيه يزل عن موضعه لملاسته وامتلائه، وكقول امرئ القيس زيل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل وكقول الكلابي: دلنظ يزل القطر عن صهواته ... هو الليث في الجمازة المتحرد الدلنظ السمين قال أبو عمرو إنما هو الدلنظي وهو القصير السمين. أ. هـ.» - قلت فكل هذا قريب من قريب وليس فيه ذكر للغراب لماذا يخشى أن يزل، وإنما ينقر بمنقاره النقرة بعد النقرة فليس هو بقراد يريد أن يلصق ولا بقطر لا يمسكه مبتل وبر. ثم يقول في ناقته العنس: قربتها للرحل لما اعتادني ... سفر أهم به وأمر مجمع فكأنها بعد الكلالة والسرى ... علج تقاليه قذور ملمع هنا التشبيه بالحمار والقذور أتانه- قذور أي نفور قال الأنباري والقذور الظريفة الحسناء سميت بذلك لأنها كثيرة التقذر للأشياء- قلت هذا في النساء. أما هذه الأتان فهي مستعصية على فحلها لأنها وسقت وأشرق ضرعها للحمل. يحتازها عن جحشها وتكفه ... عن نفسها إن اليتيم مدفع اليتيم هو الجحش قالوا وحمار الوحش غيور يطرد عن إنائه جحاشها وربما كدم مذاكيرها. ويظل مرئتبًا عليها جاذلاً ... في رأس مرقبة ولأيا يرتع

стр. 2752

أي يرتفع على الأماكن العالية ليرى أثم صائد أو ما يكره، ولا يرعى إلا بعد لأي لفرط شفقته على أتانه وغيرته عليها. حتى يهيجها عشية خمسها ... للورد جأب خلفها متترع الجأب هو الحمار الغليظ. متترع: متسرع يعدو تبادره المخارم سمحج ... كالدلو خان رشاؤها المتقطع المحح الأتان الطويلة على الأرض، شبه سرعة مضيها في المخارم وهي الطرق الجبلية واحدها مخرم، بالدلو التي انقطع رشاؤها أي حبلها وأخذا هذا من قول زهير: يشج بها الأماعز فهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء وبيت زهير أوضح وأجود، إذ مالك أو متمم جعل الأتان مبادرة من تلقاء نفسها وزهير جعلها متسلطًا عليها يدفعها دفعًا فتهوى هويًا من سرعتها. ثم قول زهير: «أسلمها الرشاء» فيه فجاءة السقوط. وفي مقال مالك نوع من ريث: حتى إذا وردا عيونًا فوقها ... غاب طوال نابت ومصرع لاقى على جنب الشريعة لاطئًا ... صفوان في ناموسه يتطلع فرمى فأخطأها وصادف سهمه ... حجرًا ففلل والنضي مجزع أهوى ليحمي فرجها إذ أدبرت ... زجلاً كما يحمي النجيد المشرع فتصك صكًا بالسنابك نحره ... وبجندل صم ولا تتورع لاشيء يأتو أتوه لما علا ... فوق القطاة ورأسه مستتلع أي علا برأسه وراءها فوق ردفها وهما مغذان هربا. قوله «غاب طوال نابت ومصرع» كقول لبيد: محفوفة وسط اليراع يظلها ... منه مصرع غابة وقيامها وقد جعل لبيد القيام قافية وذلك في باب الفأل أجود وجعل مالك المصرع قافية فتأمل. وكذلك قوله وصادف سهمه حجرًا- وقد تم المعنى عند إخطاء الرامي فأبى إلا أن يتكسر النصل ويبقى النضي أي القدح الذي لا نصل فيه. وقد لقي مالك بسهمه من خالد حجرًا بئيسًا. ثم يجيء القسم الثاني من المذيل وهو في الأصل ثالث وفيه ذكر القنيص والفتوة وصفة الحصان

стр. 2753

ولقد غدوت على القنيص وصاحبي ... نهد مراكله مسح جرشع ضافي السبب كأن غصن أباءة ... ريان ينفضها إذا ما يقدع قالوا وكان لمالك جمة حسنة وكان يسمى الجفول. فحصانه كالرمز لنفسه: تثق إذا أرسلته متقاذف ... طماح أشراف إذا ما ينزع تئق أي ممتلئ حيوية وحدة وكأنه فوت الجواب جانئًا ... رئم تضايفه كلاب أخضع الجوالب أصحاب الصياح والجلبة في الرهان، يشوشون بذلك على الفرس السابق. جانئًا منحنيًا لأن الفرس لمام صيح به خضع عنقه ومر مسرعًا. رئم: غزال. قالوا قال الأصمعي كان هذا الوصف يرد من قوله وينسب فيه إلى الغلط لأن خير جري الذكور الاشتراف وخير جري الإناث الخضوع. وقد أحسن الشارح الرد على الأصمعي إذ قال: وإنما أراد أنه خضع ليعتمد في الجري كما يعتمد الظبي. قلت إن كان هذا الشعر قاله مالك فقد كان أعلم بالخيل وأدرب بأمرها من الأصمعي. والوجه ما قاله الشارح. تضايفه الكلاب أي تأخذ بجانبيه فيخضع الغزال عنقه ثم ينخرط جريًا. فهؤلاء الجوالب بمنزلة الكلاب. فله ضريب الشول إلا سؤره ... والجل فهو مربب لا يخلع قوله إلا سؤره ينبئنا به أنه يعطى الحليب أولاً، فلا يشرب أحد من أهل البيت إلا بعد أن يأخذ الفرس كفايته: فإذا نراهن كان أول سابق ... يختال فارسه إذا ما يدفع بل رب يوم قد حبسنا سبقه ... نعطي ونعمر في الصديق وننفع ثم أتبع هذا ذكر سباء الخمر وكرر لفظ السبق ومعناه يترنم بذلك ولقد سبقت العاذلات بشربة ... ريا وراووقي عظيم مترع جفن من الغربيب خالص لونه ... كدم الذبيح إذا يشن مشعشع ألهو بها يومًا وألهي فتية ... عن بثهم إذا ألبسوا وتقنعوا وروى أبلسوا وتقنعوا ويوقف شيئًا عند هذا البيت. ونتساءل هل نظمت هذه القصيدة عند شروعهم في الردة. وإلا فالمعنى إلا لباس والتقنع. قال الشارح: «أي من شدة همهم كأن لهم منه لباسًا وقناعًا» - وأبلسو أي وجموا من الهم. وأبسلوا رواية قال أي «أسلموا

стр. 2754

بجرائرهم». وإنما يكون الهم الذي معه الإبلاس والإبسال والتقنع عند توقع الأمر الخطير المفظع. وكأن أمر جيوش أبي بكر ﵁ لأهل الردة مفظعًا. ورووا مما كان أهل الردة يتناشدونه: ألا يا اصبحاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب ولا ندري وقد جاء بعد بيت الإلباس والتقنع بذكر الموت والتفكر في مصاير الأيام والبشر. وقد استهل التفكر بنوع مظلم كليل امرئ القيس قبري المعدن كأبيات الممزق، حزين روح الإقدام كأبيات ضبع الشنفرى- وأول ما استهل به ذكر الضبع ونبشها عن جيف الموتى، وتأمل بعد قوله الذي جعله تذييلاً حكميًا ذا عبرة وأحزان: يا لهف من عرفاء ذات فليلة ... جاءت إلي على ثلاث تخمع ظلت تراصدني وتنظر حولها ... ويريبها رمق وأنى مطمع فقد جعل نفسه هنا قتيلاً لا جنازة تنبش من قبر- قاتل حتى أثبته الجراح والضبع تراقبه حتى إذ مات أكلته. هكذا توهم نهايته وما باعد. ظلت تراصدني وتنظر حولها ... ويريبها رمق وأني مطمع وتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وليس حي يدفع لو كان سيفي باليمين ضربتها ... عني ولم أوكل وجنبي الأضيع هل نظم مالك هذا الشعر وهو أسير خالد ﵁؟ ولا أشك أن البحتري إلى هنا نظر إذ قال ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي ... درى الفاتك العجلان كيف أبادره وقد ذكروا كيف كان هلعه واختباؤه ولقد ضربت به فتسقط ضربتي ... أيدي الكماة كأنهن الخروع ذاك الضياع فإن حززت بمدية ... كفي وقولي محسن ما يصنع ولا يصنع ذلك إلا نادم- فهل ندم على أنه استأسر؟ ولعل هذا هو آخر القصيدة والأبيات التي أوهمت أنهم لمتمم وهن الثلاثة الأواخر: ولقد غبطت بما ألاقي حقبة ... ولقد يمر علي يوم أشنع ويكون المعنى ولقد غبطت لما يكفيني مالك ولقد مر علي يوم مصرعه وهو شنيع

стр. 2755

أفبعد من ولدت نسيبة أشتكي ... زو المنية أو أرى أتوجع ولقد علمت ولا محالة أنني ... للحادثات فهل تريني أجزع فهذا يشبه بعض ما في عينية الرثاء. هذا وشكل قصيدتي في عمرو والحارث أنهما خطبتان جمهوريتان. ومخاطبة الظعينة فرع من ذلك. وكذلك مخاطبة واحدة في عتاب أو خصومة أو ما أشبه. وقد عجل عمرو والحارث كلاهما بنسيبهما إلى موضوع خطابتهما. بل نسيبهما منذ البداية جلي أنه توطئة وتمهيد واستجلاب للأسماع لا نغم صبابة. وعند عمرو بدء بالخمر ودلالة ذلك على إدراك الثأر والانتصار. وبداية الحارث بظعينة آذنت وقد ملها. والغالب على الشعراء إذا أرادوا معنى الصبابة ولو رمزًا أن يزعموا أن الرحيل فاجأهم لا أنهم أذنوا به -والإيذان بالرحيل تصريح بالمصارمة. ثم عمرو والحارث كلاهما يخلصان آخر الأمر إلى الفخر ومواجهة «الجماهير» - قال عمرو: وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا والقبائل مخاطبة ههنا. هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارًا لكل حي عواء ثم مضى يعدد المآثر ويفصح بالحجج. مذهب الحارث وعمرو كليهما [وهو كما قدمنا شكل خطابي واحد] فيه هو نضج أسلوب المهلهل ومناقضيه. ويذكر عن الأصمعي أنه قال لو كانت للمهلهل ست قصائد مثل: أليلتنا بذي حسم أنيري لعده في الفحول. وحسب المهلهل أنه شرع لمن بعده مسلك الطويل في أشعار الفخر القبلي والثأر. وإنما كانت أبياتًا. فإن يكن المهلهل قد سبق إلى التطويل في هذا الباب، فحظه على الأقل أنه جوده وأحكمه حتى صلح لأن يتناقل ويروى. ولا ريب أن القصاص قد نحلوه هو وخصومه ما نحلوا. وفي الذي وصل إلينا من الشعر القديم كلمات عدة تنتهج منهج الحارث وعمرو في لهوجة النسيب وصرف العناية إلى المواجهة الجهيرة التي تخطب جمهورًا بمفاخر جمهور. من ذلك مثلاً قصيدة الحصين بين الحمام المرى جزي الله أفناء العشيرة كلها ... بدارة موضوع عقوقًا ومأثما وقصيدة الخصفي التي يرد عليها بها من مبلغ سعد بن ذبيان مألكا ... وسعد بن ذبيان الذي قد تختما

стр. 2756

وكثير مما يطول ويقصر في هذا المجال يجري مجرى هاتين الكلمتين من ذلك مثلاً نونية العدواني سواء اعتددت بنسيبها أم لم تفعل. وما نسيبها إلا خمسة أبيات ثم ما بعد ذلك منافرة وخصام وربما بلغ به تعريض الهجاء مثل قوله: عني إليك فما أمي براعية ... ترعى المخاض وما رأيي بمغبون كأنه يعرض به أن أمه أمة. ولم يرو المفضل فيما أسند إليه عن أبي عكرمة غير ثمانية عشر بيتًا لا نسيب بين يديها وروي غيره ستة وثلاثين بيتًا فزاد على الثمانية عشر ثلاثة عشر ثم أبيات النسب، والنون حرف ذلول ركوب، ولعله قد زيد في نونية ذي الأصبع كما قد زيد في نونية عمرو بن كلثوم وقيل بلغوا بها ألفًا، ولعله لو كان في عدوان عدد كما في تغلب، قد بلغ بها بعض ذلك. وعينية ذي الإصبع الأبيات العشرة التي أولها إنكما صاحبي لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا وروي ومهما أضق و «تسعًا» تسوغها، والمعنى متقارب. قوامها مذهب الخطبة كنونيته غير أنه أدخل فيها عنصر تأنيث عند قوله في سابع أبياتها: إما ترى شكتى رميح أبي ... سعد فقد أحمل السلاح معًا وهذا من أسلوب تذكر الشباب. وما أرى إلا أن ذا الإصبع عمد إلى ضرب من السخرية والتهكم بهذين السفيهين اللذين خاطبهما. وقد جعل بعض كلاهما كأنه كلام أنثى حيث قال: إنكما من سفاه رأيكما ... لا تجنبان السفاه والقذعا إلا بأن تكذبا على ولم .. أملك بأن تكذبا وأن تلعا لن تعقلا جفرة علي ولم ... أوذ نديمًا ولم أنل طبعا أي أنتما تؤذيان النديم وتنالان الطبع وهو اتساخ العرض. إن تزعما أنني كبرت فلم ... ألف بخيلاً نكسًا ولا ورعًا أي فقد كبرت ولكن سلا ما تأريخي، إني لم أكن نكسًا ولا ضعفًا جبانًا وزعمهما أنه كبر هذا كلام الأنثى، كقول الآخر: على ما أنها هزئت وقالت ... هنون أجن منشأ ذا قريب فإن أكبر فإني في لداتي ... وعصر جنوب مقتبل قشيب وقال الآخر: أما تريني قد بليت وغاضني ... ما نيل من بصري ومن أجلادي فلما جعلهما ذوي حديث أنثى هنا، عاد فزعم أنه إنما يخاطب أنثى حيث قال: إما ترى شكتي رميح أبي ... سعد فقد أحمل السلاح معًا وليس أسلوب الأعشى في «ودع هريرة» من شكل أسلوب الخطبة الشعرية الذي عند عمرو والحارث. ولكنه كما قلنا من قبل من معدن شكل مدحة النابغة، وإنما خلج أبواب الغزل والرحلة والشراب عن سمت جد الوصف إلى هزل من الفكاهة ليجعل ذلك توطئة لتوبيخ يزيد بني شيبان والطنز به مع التهديد والوعيد.

стр. 2757

وما أنصف ابن قتيبة العجاج حيث أخذ عليه زعمه أن من يحسن البناء لا يعجز عن الهدم، يجعل المدح بناء والهجاء هدمًا، فزعم ابن قتيبة أن العجاج أخطأ وأن المدح بناء والهجاء بناء، نعم بناء من حيث إنه لابد فيه من صناعة وحذق وتجويد. ولكنه من حيث منهج القول وشكله سلب لما يوجبه المدح. فهذا الجانب من أمره هدم، وكأنه هذا هو مراد العجاج. ومن أدل الشواهد على ذلك مثلاً قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول بيتًا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل فنقضه جرير بقوله: أخزى الذي سمك السماء مجاشعًا ... وبنى بناءك بالحضيض الأسفل بيتًا يحمم قينكم بفنائه ... دنس مقاعده خبيث المدخل والذي صنعه الأعشى لمن تأمله ينزل بخفة هزله منزلة النقض بالنسبة إلى وقار النابغة وحسن أدب علقمة. ولمزرد بن ضرار أخي الشماخ دالية طويلة في المفضليات مطلعها ألا يا لقوم والسفاهة كاسمها ... أعائدتي من حب سلمى عوائدي تهدد فيها رجلاً يقال له زرعة بن ثوب. وقص الشارح خبر هذه القصيدة قال (١: ١٢٨) «قال أحمد أخبرنا محمد بن عمرو بن أبي عمرو الشيباني إملاء علينا قال: كان أهل بيت من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان جاوروا في بني عبد الله بن

стр. 2758

غطفان، فذهب رجل من بني عبد الله إلى غلام من الثعلبيين يقال له خالد وهو أحد بني رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان، وللثعلبي إبل كرام جلة حسان، فلم يزل يخدع الثعلبي حتى اشترى الإبل منه بغنم. فرجع الغلام إلى أبويه فأخبرهما فقالا هلكت والله أهلكتنا. ثم إن أبا الغلام ركب إلى مزرد فقص عليه القصة فأخبره بالخبر. فقال مزرد أنا ضامن لك إبلك أن ترد عليك بأعيانها، ثم أنشأ يقول: ألا قل لعبد الله والجهل كاسمه ... أعائدتي من حب سلمى عوائدي قال أحمد فهذا كان سبب قول مزرد لهذه القصيدة. أ. هـ» فتأمل قوة الشعر. وقد جاوز مزرد التوبيخ إلى الهجاء المقذع. ولذلك استعدي ابن ثوب عليه عثمان بن عفان ﵁، فاعتذر إليه. ويوشك السياق أن يدل على أن ابن ثوب إما رد الإبل وإما أرضى أهل الغلام. وإلا فما كان مزرد ليعتذر إن كان ذلك البيع كما قصوا خبره قد كان غبنًا، والله أعلم. وقد جمع مزرد بن مذهب تهكم الأعشى وخطابة ذي الأصبع. وأصل ذلك كما قدمنا أسلوب الخطبة الشعرية الذي عند الحارث وعند عمرو بن كلثوم- قال مزرد: أزرع بن ثوب إن جارات بيتكم ... هزلن وألهاك ارتغاء الرغائد الرغائد أي عيش الخصب، فزعم أن الغلام المخدوع ابن جارات زرعة بن ثوب وأصبح جارات ابن ثوب بواشما ... من الشر يشويهن شي القدائد تركت ابن ثوب وهو لا ستر دونه ... ولو شئت غنتني بثوب ولائدي فهذا مما جاوز به إلى تناول الأعراض، إذ أقبل على ثوب نفسه بعد أن فرغ من ذم ابنه صقعت ابن ثوب صقعة لا حجي لها ... يولوول منها كل آس وعائد فردوا لقاح الثعلبي أداؤها ... أعف وأتقى من أذى غير واحد ثم قال: فيا آل ثوب إنما ذود خالد ... كنار اللظى لا خير في ذود خالد وفي سياق الشرح ما يدل على أن مزردا كان يزيد في هذه القصيدة حينًا بعد حين، يتغنى بالشر الذي أخذ في مسالكه من ممض القول ولاذعه. ومن هذا الباب قصائد عدة في المفضليات- مثلاً همزية عوف بن الأحوص (٣٥) ومع مرارته فيها كان أعف لسانًا من المزرد. وكأن مذهب المزرد كان من باب التهيئة والتمهيد لما جاء بعد من إقذاع الفرزدق وجرير. وأول همزية عوف بن الأحوص: هدمت الحياض فلم يغادر ... لحوض من نصائبه إزاء وهو فاتحة نسيب منبئة بغضب قريب مما صنع الحارث إذ قال: آنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وفيها يقول: فإنك والحكومة يا بن كلب ... علي وأن تكفنني سواء

стр. 2759

خذوا دأبًا بما أثأيت فيكم ... فليس لكم على دأب علاء ودأب هذا ابنه. فقد سلك سبيلاً من الإنصاف أسد مما فعل مزرد من بعد: وليس لسوقة فضل علينا ... وفي أشياعكم لكم بواء وما إن خلتكم من آل نصر ... ملوكًا والملوك لهم غلاء ولكن نلت مجد أب وخال ... وكان إليهما ينمي العلاء فهذا تهكم، أي أبوك وأمك ليسا من الملوك ولكن سوقة كسائر الناس وإنما يفخر المرء في النسب بأبويه. أبوك بجيد والمرء كعب ... فلم تظلم بأخذك ما تشاء أي فقد ظلمت لأنه ليس واحد من هذين بملك وإنما أنتم سوقة أو كما قال: ولكن معشر من جذم قيس ... عقولهم الأباعر والرعاء أي أنتم تدفع لكم الدية، الإبل ورعاؤها، فلم تطلبون القصاص، وفوق ما أنتم له أهل. والأمثلة في هذا الباب كثيرة. وبعض ما جاء فيه خطاب المرأة سنخه من هذا الباب ككلمة أبي قيس بن الأسلت: قالت ولم تقصد لقيل الخني ... مهلاً فقد أبلغت أسماعي وكلمتا سلمة بن الخرشب وعامر بن الطفيل (السادسة والسابعة بعد المائة من المفضليات) وقد يداخل جميع ذلك نفس من هجاء. ومن بين الطوال السبع قصيدتا عنترة ولبيد فرعان معًا من مذهب المدحة النابغية الشكل ونقيضتها الأعشوية، وعنترة أسبق من هذين كليهما، وإنما مقصدنا التنبيه على معادن الأشكال، ولا نزعم أن عنترة قد أخذ من هذين، بل قد نرى أن الأعشى في

стр. 2760

روضته كأنما نظر إليه وأخذ منه. وعلى تشابه شكلي «عفت الديار» و «هل غادر الشعراء» بينهما فرق نلفت النظر منه إلى أمرين، أولهما أن لبيدًا يبدأ بعفاء الديار مقدمًا عليه راضيًا عن قوله، وعنترة يبدأ بالتساؤل عن قيمة سؤال الديار وكأنه حائر كيف يبدأ. فقربنا عنترة إلى نفسه بهذه البداية الصادقة التساؤل. ولكن لبيدًا آثر أن يكون فخمًا وفي ذلك بعد ما. وثانيهما أن صاحبة لبيد، وقد سماها نوار ومعنى نوار النفور أو ذات الصد والتمنع، قد صارمته وصارمها. وليست كذلك صاحبة عنترة التي رحلت فجاءة: ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم فهو يريد أن يلحق بها. خطاب لبيد لصاحبته فيه شدة. صاحبته رمز خصومة. ولكن صاحبة عنترة حبيبة يريد أن يتودد إليها. حبيبة سواء أكان هي أنثى بشرًا هو عاشقها أم شيئًا آخر جعلها رمزًا له. وقد خلص لبيد آخر أمره إلى فخر من فخر خطب القبائل: إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشامها ومقسم يعطي العشيرة حقها ... ومغذمر لحقوقها هضامها فضلاً وذو كرم يعين على الندى ... سمح كسوب رغائب عنامها من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها وقد خلص عنترة إلى وصف ملحمي رائع وحماية فارس نبيل. نفس الخطابة أجهر شيئًا عند لبيد. ونفس التغني أعمق عند عنترة. وفي ترتيب السبع الطوال الذي في شرح ابن الأنباري الصغير معلقة عنترة رابعة بعد معلقة زهير. ولعل هذا أجدر بها من أن تجعل تالية لنون عمرو بن كلثوم. والسبع بعد كلهن روائع جياد. وكذلك الثلاث المتماتهن عشرًا. هذا وطرائق الأشكال الثلاثة اللاتي نعدهن أوصلاً قد خلط الشعراء بينها. وقد نبهنا من قبل إلى جعل سحيم وعمرو آخر قصائدهما في نعت الناقة وكذلك فعل الفرزدق في الرائية التي ذكر فيها زيادًا فجعل ذكره زيادًا مكان التخصير. وقد جعل أسلوب الخطبة يواجه بها شخص واحد أو جمهور يغلب، وكان ما يدعو إلى هذا الوجه من القول من أحوال العصر وفتنه كثيرًا. وقد تعلم خبر كعب بن معدان الأشقري إذ وفد علي الحجاج من قبل المهلب بن أبي صفرة بخبر النصر على الخوارج فأنشده: يا حفص إني عداني دونك السفر ... وقد سهرت فأذى جفني السهر

стр. 2761

فقال له الحجاج: أشاعر أم خطيب فزعم له الأشقري أنه هما معًا، وكذلك كان وكانت قصيدته. وقد سبق الاستشهاد بأبيات منها في معرض الحديث عن البحر البسيط. وهي تنظر في جملتها من حيث نفس الشكل، على اختلاف ما في تفاصيل الغرض، إلى كلمة لقيط الإيادي: يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... أهدت لي الهم والآلام والوجعا وكأن الحجاج أشار إلى هذا من طرف خفي إذ تمثل في حسن ثنائه على المهلب بأبيات منها: وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعًا حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحمًا ولا ضرعًا ولا ريب أن أبا تمام أخذ من هاهنا في قوله: من لم يقد فيطير في خيشومه ... رهج الخميس فلن يقود خميسًا إلا أنه أشربه ما ذكرنا من تفسير قول بشار «كأن مثار النقع» فأعطى مثار النقع هذه «أبعادًا» كما يقال بلغة أبناء الآن. وقد ذكروا أن بشارًا كان فيما كأنه خطيبًا، ونفس الخطيب في فخماته جهير، وقد وصفه صاحب الأغاني بجهارة الإنشاد وأنه به يروع القلوب. وأحسب أن ميميته التي قيل إن أصل أولها كان هكذا: أبا جعفر ما طيب عيش بدائم ... وما سالم عما قليل بسالم قد كانت أطول بكثير مما بلغنا، إذ قرنوها بميميات الفرزدق وجرير وهذه كانت طوالاً. وقد كان أبو تمام خطيب فؤاد وقلم مع مقدرة له فائقة على طرب الإيقاع والإطراب به. وحسبك شاهدًا: السيف أصدق أنباء من الكتب فقد جمع فيها بين متانة النظم، ووحدة الغرض، وجهارة صوت الخطيب، ورنين غناء الشاعر وموسيقاه. ومن قدمه بها على أبي الطيب فعسى ألا يكون بعيدًا من الصواب. وقد رتبها ترتيبًا بالغ البراعة. بدأ بمدح السيف وثني بالسخرية من المنجمين وأقاويلهم وأباطيلهم واندفع بعد إلى ذكر الفتح الجليل: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب هذا الغزل بالسيف والرمح جعله أبو تمام مكان النسيب. وما أشك أن أبا الطيب قد لبث دهرًا يود لو أن هذا كان قد ادخر له حتى يقوله هو- وقد حاوله في قوله: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم اكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم

стр. 2762

من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هلم بلم وهذا شعر جيد. وأصله من حيث هو بيان من هناك. وقال أبو الطيب: محب كنى بالبيض عن مرهقاته ... وبالحسن في أجسامهن عن الصقل وقال: وكان أطيب من سيفي مضاجعة ... أشباه رونقه الغيد الأماليد فكل هذا من بائية أبي تمام. وليس أبو الطيب وحده أخذ منه، فقد أصاب ابن الأثير إذ قال فيه إنه رب معان وصيقل ألباب وأذهان. ثم بعد هذا النسيب الحربي الحماسي، وقد ترى ما مهد به لذكر النجوم، وما زال أهل الحروب، حتى زماننا هذا يلجئون إلى استخبارها يريدون أن يهتكوا بذلك حجاب الغيوب، قال: أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصًا وأحاديثًا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب النبع شجر صلب والغرب رخو. قال التبريزي يقول هذه الأحاديث ليست بقوية ولا ضعيفة أي هي غير شيء. عجائبًا زعموا الأيام مجفلة ... عنهن في صفر الأصفار أو رجب وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب وصيروا الأبرج العليا مرتبة ... ما كان منقلبا أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب لو بينت قط أمرًا قبل موقعه ... لم تخف ما تحل بالأوثان والصلب ذكر التبريزي أن «مرتبة» تروى بتشديد التاء مفتوحة وهو عنده ضعيف ومكسورة وهو الوجه القوي عنده، وأن «ما كان منقلبا إلخ» بدل من «مرتبة» وليس مفعولاً وهو قول أبي العلاء ذكره المحقق في الهامش نقلاً عن ابن المستوفي وذكر رد ابن المستوفي على أبي العلا والذي رآه أبو العلاء كأنه نطق به عن لسان أبي تمام. وقوله ما كان منقلبًا أو غير منقلب فعند المنجمين أن الأبراج ثلاثة أقسام قسم منقلب ولا يعول فيما زعم التبريزي في تحقيق الأخبار إذ وردت وقت طالعه وما سوى المنقلب فهو غير المنقلب وهو ما يقولون له الثابت وهذا يعول عليه عندهم فيما ذكره التبريزي وذو الجسدين، وينبغي أن يكون هذا لا يعول عليه. والمنقلبة هي ما تمثل الأمزجة الأربعة وهي الحمل والسرطان والميزان والجدي والأمزجة هي الدم والصفراء والبلغم والسوداء والثوابت تمثل العناصر الأربعة ويقال للمنقلب بالإنجليزية cardinals وللثوابت fixed ولذوات الجسدين mutables يقضون بالأمر عنها إلخ. نظر أبو العلاء إلى مقال أبي تمام هذا وولد منه كلمته الميمية: لو كان لي أمر يطاوع لم يشن ... ظهر الطريق يد الحياة منجم يولي بأن الجن تطرق بيته ... وله يدين فصيحها والأعجم وقفت به الورهاء وهي كأنها ... عند الوقوف على عرين تهجم ويقول ما اسمك واسم أمك إنني ... بالظن عما في الغيوب أترجم

стр. 2763

وقول أبي تمام «ما دار في فلك» أي في طريق دائر، «وفي قطب» قال التبريزي القطب كل ما ثبت فدار عليه شيء وفي السماء قطب الشمال وقطب الجنوب. مراد أبي تمام أن الذين يحكمون به على النجوم ويستنبطونه منها، لا حقيقة له، ولم يدر منها في فلك ولا في قطب. ما هنا نافية، قوله الأوثان، فقد كان من المشركين عبدة الشعري وغيرها من النجوم فلو كانت تخبر شيئًا لخبرتهم بما سيكون من غلبة الإسلام عليهم. وما حل بالصلب جمع صليب فهو فتح عمورية. ثم أخذ أبو تمام في بيان أمر الفتح- إذ آخر كلامه يقول إليه: فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب

стр. 2764

وقد كان أبو تمام وصافًا للطبيعة، وهذه الصورة منتزعة من نعمة الغيث وبهجة نبت الربيع، وقد استمر بصورة النعمة الربيعة فأتبع أثواب الأرض القشب المنى الحفل أي الممتلئات الضروع كالنعم التي رتعت فدرت ضروعها ولكنها حلبها عسل وهذا مبالغة في معنى النعمة. يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... عنك المنى حفلاً معسولة الحلب تأمل هذا التجسيد للمنى، أي الآمال- أي قد تحققت فهذا احتفال ضروعها. أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب أم لهم لو رجوًا أن تفتدي جعلوا ... فداءها كل أم برة وأب فجعل عمورية أما مفداة- وقد خلص إلى ذكر قوتها وامتناعها في تأكيد معنى عظمة الفتح الذي ذكره. ثم انتقل من صورة الأم المفداة إلى صورة البكر العزيزة التي لا تنال. وكلا المعنيين لو تأملته راجع إلى قوله «بالأوثان والصلب» إذ عند النصارى ضرب من تأليه للعذراء أم المسيح سلام الله عليهما فأخذ أبو تمام قوله «أم لهم» من معنى الأم المقدسة، وأخذ معنى البكر العزيزة من معنى العذراء المقدسة، عمد إلى ذلك أو تداعت به المعاني. وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدودًا عن أبي كرب هو تبع ملك اليمن بكر فما افترعها كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب قال شكسبير في صفة كيلو بترة Age cannot wither her, nor custome stale Heer infinite variety, other woman cloy The appetites they feed, but she makes hungry Where most she satisfies وترجمة هذا على وجه التقريب كما ترجمناه في كتابنا التماسة عزاء بن الشعراء فلا العمر مبليها ولا عادة اللقا ... بها من مجاليها الصنوف تضيع سواها من النسوان يتخمن بالجدا ... وأقوى إذا ما أشبعتك تجيع ولا أستبعد بل أرجح أن يكون شكسبير قد نمى إليه علم ما عن هذا الوصف الذي

стр. 2765

وصفه أبو تمام لعمورية فرتب عليه ما رتبه فأجاد من نعته لكليو بترا. وقد ذكر ناقدوه (وهو كذلك) أنه أخذ من صفة «بلوتارك» كليو بترا والسطر الأول وأول الذي يليه شبه صياغة أبي تمام فيها شديد فتأمله. وقد مر بك عتق صلة الاستشراق الإنجليزي منذ زمان أديلارد البائي Adelard of Bath (القرن الثاني عشر) وروجر بيكون (القرن الثالث عشر) وشوسر (القرن الرابع عشر) وبدويل معاصر شكسبير ممن نعلم وغير هؤلاء ممن لا نعلم. ثم يقول أبو تمام: حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب وقد ذكرنا هذا البيت من قبل وما ضمنه أبو تمام من إشارة إلى بخيلة حميد بن ثور- «وزبدة الحقب» هذه هي الفتح وهو خلافًا لما استقراه أهل الصلب من نجومهم كربة سوداء أتتهم الكربة السوداء سادرة ... منها وكان اسها فراجة الكرب جرى لها الفأل نحسًا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرحب لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب كم بين حيطانها من فارس بطل ... قاني الذوائب من آنى دم سرب بسنة السيف والخطى من دمه ... لا سنة الدين والإسلام مختضب الرحب بكسر الراء جمع رحبة بفتح الراء والحاء وتسكن زعم التبريزي أنها رحاب ثم خففت والذي أنشده بفتح الراء والحاء كشجر جمع شجرة وهذا أوضح والذي ذكره التبريزي رواه قال والأصل أن يقال رحاب بالألف فحذفت لأنه حر لين كما قالوا ثلل في جمع ثلة والأصل ثلاث وذكر صاحب القاموس في جمع ثلة المفتوحة الثاء أنها كبدر (أي جمع بدرة) وسلال. فهذا كقول التريزي ولكنه في جمع رحبة بفتح الحاء وسكونها والراء مفتوحة ذكر صيغتي رحب ورحبات مع رحاب المكسورة الراء وذكر التسكين فيهما مع الفتح ولم يذكر كسر الراء من رحب ولا يحتج به على التبريزي. وروى التبريزي «بسنة السيف والحناء من دمه» والذي أثبتنا هو الذي اختاره البارودي وهو مروي واستحسنه التبريزي قال: «وبعضهم ينشد «بسنة السيف والخطى من دمه» وهو أجود في صحة المقابلة لأنه يقابل الدين والإسلام بشيئين ليسا في الحقيقة مختلفين، إذ كانا من آلة الحرب، وهو في الرواية الأخرى يقابل الدين والإسلام بالسيف

стр. 2766

والحناء وليس الحناء من جنس السيف. ويجوز رفع الحناء وخفضه فإذ خفض كان قوله «من دمه» في موضع الحال. أ. هـ» - قلت ورواية «بسنة السيف والحناء من دمه» جيدة، وههنا تورية واستخدام معًا. أي هذه سنة السيف أن يخضب ولا حناء له إلا الدم، فالحناء من دم هذا البطل ولك وجها الخفض والرفع اللذين ذكرهما وسنة السيف أيضًا حد السيف وطريقته الماضية القاطعة. فهذا موضع الاستخدام، إذ دل لفظ سنة السيف هنا على معنيين حده ومذهبه الذي يسير عليه وموضع تورية لما في معنى السنة عندنا معشر المسلمين، فالسيف اتبع السنة وجعل الحناء من دمه، لأن الصحابة كانوا يخضبون الشيب بالحناء قال التبريزي: لأن الصحابة والتابعين كانوا يرون من السنة أن يخضبوا شعورهم بالحناء والكتم وما يجري مجراهما من نبات الأرض، ويكرهون الخضاب بالسواد ويؤثرون الحمرة إلخ ما قاله أ. هـ». ثم أخذ أبو تمام في صفة ما وقع بعمورية من تخريب وتحريق، وهذا متمم لما صوره من قبل من هذا القتال بين حيطانها وهذا الدم الآني القاني السرب. لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يومًا ذليل الصخر والخشب وتلي بعد هذا صورة مفزعة من صور الخراب والحريق وشريج ما بين زهو منتصر وانكسارة منهزم وشكر مؤمن ويأس كافر غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب عين هذه الاختلاطة من الألوان جاء بها زاهية مشرقة مفرحة في قوله: تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر تأمل كيف جعل الضحى شحبا بالدخان وظلمته ومقمرا بدريا بالزهر ونعومة ألوانه وظلاله. فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا ولم تجب تصرح الدهر تصريح الغمام لها ... عن يوم هيجاء منها طاهر جنب فالغمام ظل ولأبي تمام ولع بصفة المزن والسحائب، بعضه من طول نظره في شعر العرب، وبعضه من تجربته البداوة وعيشها- وهو بعد القائل:

стр. 2767

ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب لذ شؤبوبها وطاب فلو تسـ ... ـطيع قامت فعانقتها القلوب فهي ماء يجري وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تذوب كشف الروض رأسه واستر الـ ... ـمحل منها كما استسر المريب أيها الغيث حيهلا بمغدا ... ك وعند السري وحين تؤوب شدد الطائي لام حيهلا كأنه وقف ثم وصف علىنية الوقف وروى بعضهم «حي أهلاً» وكأنهم يصلحون به قول حبيب وما جاء به حبيب أجود وكأن طريقه في فصيح الكلام واسع وكأن ظاهر قول سيبوبه يفيده، قال في باب الوقف في أواخر الكلم المتحرك: «وأما التضعيف فقولك هذا خالد وهو يجعل وهذا فرج حدثنا بذلك الخليل عن العرب. ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي سبسبا يريد السبسب وعيهل يريد العيهل، لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا يدخله ياء ولا واو في الكلام وأجروا الألف مجراها لأنها شريكتهما في القوافي ويمد بها في غير موضع التنوين ويلحقونها في غير التنوين» -يعني ألف الإطلاق نحو أقلي اللوم عاذل والعتابا- «فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام وجعلت سبسب كأنه ما لا تلحقه الألف في النصب إذا وقفت» يعني أنك إذا وقفت ولم تضعف قلت رأيت سبسبا، فإذا ضعفت قلت رأيت سبسب ولم تلحقها الألف في النصب حين لا تضعيف، فإذا جئت بها قافية صنعت بها صنيع سببًا في رأيت سبسبًا» مع التضعيف. قال سيبوبه: قال رجل من بني أسد: - ببازل يهماء أو عيهل وقال رؤبة: لقد خشيت أن أرى جدبًا ... في عامنا ذا بعدما ما أخصبا أراد جدبًا وقال رؤبة: بدء يحب الخلق الأضخما فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا فإن كان الحرف الذي قبل الآخر ساكنًا لم يضاعفوا نحو عمرو وزيد إلخ أ. هـ» قلت لم يقيد سيبوبه عبارته «إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا» كما قيدها من قبل حيث قال لأن التضعيف لما كان من كلامهم في

стр. 2768

الوقف، فهل اكتفى بقوله هذا أن يكرره وجعل عبارته هذه الثانية مردودة عليه أو أراد العموم هذه المرة وأن التضعيف مما يقع في كلام العرب لا يخص به قبيلة دون قبيلة؟ ثم إن سيبوبه يقول في أوائل كتابه «ومن العرب من يثقل الكلمة إذ وقف عليها ولا يثقلها في الوصل نحو سبسبًا وكلكلا لأنهم قد يثقلونه في الوقف فأثبتوه في الوصل كما أثبتوا الحذف في قوله لنفسه مقنعًا وإنما حذفه في الوقف قال رؤبة: - ضخم يحب الخلق الأضخما تروى بكسر الهمزة وفتحها وقال بعضهم «الضخما بكسر الضاد. أ. هـ» فهذا فيه ما ترى من عموم في الشعر لا يخص به القوافي ولكن الذي استشهد به قافية. وقال في باب الوقف «وقد استعملوا في شيء من هذا الألف في الوقف كما استعملوا الهاء لأن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها فمن ذلك قول العرب حيهلا فإذا وصلوا قالوا حيهل بعمر وإن شئت قلت حيهل كما تقول بحكمك.» وقال في موضع آخر «وحدثني من أثق به أنه سمع عربيًا يقول أعطني أبيضه والحق الهاء كما ألحقها في هنة وهو يريد هن» قلت فعلى قوله الأول يجوز أن تلحق الألف بعد حيهل المشددة للام من أجل الوقف كأنه قال حيهل مشددة كما قال أبيض مشددة وألحقها هاء ثم أبدل مكانها ألفًا. وأما التنوين فعلى التنكير، إذ قرأت حيهلا بمغداك منونًا حيهلا. فتأمل هذا التخريج. فهذا ما حثنا على القول بأن طريق «حيهلا بمغداك» بالتشديد كأنه واسع في العربية. وكأن في كلام التبريزي شيئًا من هذا المعنى حيث قال: «ويجوز أن يكون الطائي سمعها مشددة في شيء من شعر العرب ولو كانت قافية لجرت مجرى قوله: «كأن مهواها من الكلكل» ثم قال التبريزي «ومن روى حي أهلاً فهذه كلمة مرفوضة إلا أن يجعل حي في معنى هلم وينصب أهلاً بفعل مضمر ويجوز أن تكسر الياء في معنى التحية أي حي أهلاً حاضرين بمغداك» - قلت فهذا يبين فضل مقال حبيب على قول من راموا إصلاحه. والعرب قد تجري الوصل مجرى الوقف فتصل بما تقف به وعليه رواية بيت امرئ القيس: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل لا بل عليه إلحاق الألف سبسبا وأخصبا إذ هو ترنم، والشعر كله ترنم. هذا ولما ذكر أبو تمام الغمام في قوله «تصرح الدهر تصريح الغمام لها» وجاء بطاهر

стр. 2769

وجنب، خرج من صف ما كان وصفه من الدمار والنار إلى صفة نشوة النصر وما يصنعه أهل الفتح من الإباحة: لم تطلع الشمس فيهم يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب فهذه إباحة، قتل وسباء. فالباني على أهله قتل وأخذت امرأته. والغازي العزب بات وله صاحبة فليس بعزب. وزعم بعض المعاصرين أن بائية أبي تمام كلها مدارها على الجنس. وصدق ابن قتيبة قبل دهر «فرويد» بأن الجنس كل ضارب فيه بسهم وآخذ منه بنصيب حلال أو حرام. ولكن ليس معنى ذلك أن نلتمس الجنس فنجده في كل مقال. وتشبيه أبي تمام لعمورية بالبرزة المستعصية والبكر المطلوبة بأشد الطلب قريب جميل. وصفته ما وقع من تحريق وتقتيل وسباء عمل شاعر متقن، وقد انتبه ونبهنا إلى الجانب غير الحسن من ذلك، مما ينبئ بدقة إحساسه المرهف كل إرهاف وإنسانية نفسه مع التزامه بهذا التغني الواضح القوي الجهير بنصر الخلافة والإسلام والعرب وذلك قوله: ما ربع مية معمورًا بطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب يعني أبو تمام أنه معمور بحسن نعت غيلان له، إذ لم يكن حقًا معمورًا لما وقف غيلان عنده في مثل قوله: وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه فقد جعله غيلان هنا معمورًا بالذكرى، وكقوله: خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوي فابكيا في المنازل لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجى البلابل وقوله: أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق ثم أكثر ما يصفه غيلان وأكثر ما يصف الشعراء الربوع حين تبدل من أهلها أصناف الوحش وتصير رياضًا ومراتع، فهذا لها حسن وعمران، وقد نعلم شغف حبيب

стр. 2770

بالرياض. فقوله: معمورًا يطيف به غيلان، منبئ بأنه عمران من إطافة غيلان به وغيلان هو ذو الرمة. أما ربع عمورية فخرب. وهو أبهى ربا من ربع مية على ما فيه من خراب، لهذا النصر، وهذه الاستباحة التي هي جزاء المجاهد المنتصر في هذه الدنيا ﴿ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب هذا البيت نفيس حقًا. ربعها الخرب فيه هذا السباء وهؤلاء المستباحات وخدودهن النواعم يتفطرن خجلاً ذا انكسار. وهذه المدينة التي افتتحت، هي أيضًا بكر، ولكن خدها ضارع ترب، إذ كانت ذات كبرياء وأنف شامخ. هذا الإذلال لها والترتيب مدعاة للحزن. قول الشاعر «خدها الترب» مشعريًا بأساه لهذه الذلة بعد العز. ولا شيء أعظم من نشوة الانتصار عليها بعد ما كان لها من طول استعصاء وامتناع- هذه الخدود المتفطرات خجلاً اشتهيت بنشوة الظفر، فهذا الخد الترب أشهى إلى نظر المنتصر المستبيح من هذه الخدود المدميهن الخجل. والمنظر بعد فظيع سمج. والنصر يجعل هذه السماجة الفظيعة أمرًا عظيم الجمال: هنا إنسانية أبي تمام الضخمة ودقة إحساسه المرهف. فأمر هذه القصيدة ليس كله أو عموده شبق جنسي فروئدي، فتأمل. سماجة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته عن سوء منقلب أخذ هذا أبو الطيب- أخذه كله بنظر شديد إلى ما ذكره حبيب من نصر واستباحة: فلم ينج إلا من حماها من الظبي ... لمى شفتيها والثدى النواهد تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد فهذا عين مقال أبي تمام أن حسن منقلب المنتصرين جاءت بشاشته بعد سوء المنقلب
следующие страницы →