والحناء وليس الحناء من جنس السيف. ويجوز رفع الحناء وخفضه فإذ خفض كان قوله «من دمه» في موضع الحال. أ. هـ» - قلت ورواية «بسنة السيف والحناء من دمه» جيدة، وههنا تورية واستخدام معًا. أي هذه سنة السيف أن يخضب ولا حناء له إلا الدم، فالحناء من دم هذا البطل ولك وجها الخفض والرفع اللذين ذكرهما وسنة السيف أيضًا حد السيف وطريقته الماضية القاطعة. فهذا موضع الاستخدام، إذ دل لفظ سنة السيف هنا على معنيين حده ومذهبه الذي يسير عليه وموضع تورية لما في معنى السنة عندنا معشر المسلمين، فالسيف اتبع السنة وجعل الحناء من دمه، لأن الصحابة كانوا يخضبون الشيب بالحناء قال التبريزي: لأن الصحابة والتابعين كانوا يرون من السنة أن يخضبوا شعورهم بالحناء والكتم وما يجري مجراهما من نبات الأرض، ويكرهون الخضاب بالسواد ويؤثرون الحمرة إلخ ما قاله أ. هـ».
ثم أخذ أبو تمام في صفة ما وقع بعمورية من تخريب وتحريق، وهذا متمم لما صوره من قبل من هذا القتال بين حيطانها وهذا الدم الآني القاني السرب.
لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يومًا ذليل الصخر والخشب
وتلي بعد هذا صورة مفزعة من صور الخراب والحريق وشريج ما بين زهو منتصر وانكسارة منهزم وشكر مؤمن ويأس كافر
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب
حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمس لم تغب
ضوء من النار والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب
عين هذه الاختلاطة من الألوان جاء بها زاهية مشرقة مفرحة في قوله:
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
تأمل كيف جعل الضحى شحبا بالدخان وظلمته ومقمرا بدريا بالزهر ونعومة ألوانه وظلاله.
فالشمس طالعة من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا ولم تجب
تصرح الدهر تصريح الغمام لها ... عن يوم هيجاء منها طاهر جنب
فالغمام ظل ولأبي تمام ولع بصفة المزن والسحائب، بعضه من طول نظره في شعر العرب، وبعضه من تجربته البداوة وعيشها- وهو بعد القائل:
стр. 2767
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
لذ شؤبوبها وطاب فلو تسـ ... ـطيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماء يجري وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تذوب
كشف الروض رأسه واستر الـ ... ـمحل منها كما استسر المريب
أيها الغيث حيهلا بمغدا ... ك وعند السري وحين تؤوب
شدد الطائي لام حيهلا كأنه وقف ثم وصف علىنية الوقف وروى بعضهم «حي أهلاً» وكأنهم يصلحون به قول حبيب وما جاء به حبيب أجود وكأن طريقه في فصيح الكلام واسع وكأن ظاهر قول سيبوبه يفيده، قال في باب الوقف في أواخر الكلم المتحرك: «وأما التضعيف فقولك هذا خالد وهو يجعل وهذا فرج حدثنا بذلك الخليل عن العرب. ومن ثم قالت العرب في الشعر في القوافي سبسبا يريد السبسب وعيهل يريد العيهل، لأن التضعيف لما كان في كلامهم في الوقف أتبعوه الياء في الوصل والواو على ذلك كما يلحقون الواو والياء في القوافي فيما لا يدخله ياء ولا واو في الكلام وأجروا الألف مجراها لأنها شريكتهما في القوافي ويمد بها في غير موضع التنوين ويلحقونها في غير التنوين» -يعني ألف الإطلاق نحو أقلي اللوم عاذل والعتابا- «فألحقوها بهما فيما ينون في الكلام وجعلت سبسب كأنه ما لا تلحقه الألف في النصب إذا وقفت» يعني أنك إذا وقفت ولم تضعف قلت رأيت سبسبا، فإذا ضعفت قلت رأيت سبسب ولم تلحقها الألف في النصب حين لا تضعيف، فإذا جئت بها قافية صنعت بها صنيع سببًا في رأيت سبسبًا» مع التضعيف. قال سيبوبه:
قال رجل من بني أسد: -
ببازل يهماء أو عيهل
وقال رؤبة:
لقد خشيت أن أرى جدبًا ... في عامنا ذا بعدما ما أخصبا
أراد جدبًا وقال رؤبة:
بدء يحب الخلق الأضخما
فعلوا هذا إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا فإن كان الحرف الذي قبل الآخر ساكنًا لم يضاعفوا نحو عمرو وزيد إلخ أ. هـ» قلت لم يقيد سيبوبه عبارته «إذ كان من كلامهم أن يضاعفوا» كما قيدها من قبل حيث قال لأن التضعيف لما كان من كلامهم في
стр. 2768
الوقف، فهل اكتفى بقوله هذا أن يكرره وجعل عبارته هذه الثانية مردودة عليه أو أراد العموم هذه المرة وأن التضعيف مما يقع في كلام العرب لا يخص به قبيلة دون قبيلة؟ ثم إن سيبوبه يقول في أوائل كتابه «ومن العرب من يثقل الكلمة إذ وقف عليها ولا يثقلها في الوصل نحو سبسبًا وكلكلا لأنهم قد يثقلونه في الوقف فأثبتوه في الوصل كما أثبتوا الحذف في قوله لنفسه مقنعًا وإنما حذفه في الوقف قال رؤبة: -
ضخم يحب الخلق الأضخما
تروى بكسر الهمزة وفتحها وقال بعضهم «الضخما بكسر الضاد. أ. هـ» فهذا فيه ما ترى من عموم في الشعر لا يخص به القوافي ولكن الذي استشهد به قافية. وقال في باب الوقف «وقد استعملوا في شيء من هذا الألف في الوقف كما استعملوا الهاء لأن الهاء أقرب المخارج إلى الألف وهي شبيهة بها فمن ذلك قول العرب حيهلا فإذا وصلوا قالوا حيهل بعمر وإن شئت قلت حيهل كما تقول بحكمك.» وقال في موضع آخر «وحدثني من أثق به أنه سمع عربيًا يقول أعطني أبيضه والحق الهاء كما ألحقها في هنة وهو يريد هن» قلت فعلى قوله الأول يجوز أن تلحق الألف بعد حيهل المشددة للام من أجل الوقف كأنه قال حيهل مشددة كما قال أبيض مشددة وألحقها هاء ثم أبدل مكانها ألفًا. وأما التنوين فعلى التنكير، إذ قرأت حيهلا بمغداك منونًا حيهلا. فتأمل هذا التخريج.
فهذا ما حثنا على القول بأن طريق «حيهلا بمغداك» بالتشديد كأنه واسع في العربية. وكأن في كلام التبريزي شيئًا من هذا المعنى حيث قال: «ويجوز أن يكون الطائي سمعها مشددة في شيء من شعر العرب ولو كانت قافية لجرت مجرى قوله: «كأن مهواها من الكلكل» ثم قال التبريزي «ومن روى حي أهلاً فهذه كلمة مرفوضة إلا أن يجعل حي في معنى هلم وينصب أهلاً بفعل مضمر ويجوز أن تكسر الياء في معنى التحية أي حي أهلاً حاضرين بمغداك» - قلت فهذا يبين فضل مقال حبيب على قول من راموا إصلاحه.
والعرب قد تجري الوصل مجرى الوقف فتصل بما تقف به وعليه رواية بيت امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل
لا بل عليه إلحاق الألف سبسبا وأخصبا إذ هو ترنم، والشعر كله ترنم.
هذا ولما ذكر أبو تمام الغمام في قوله «تصرح الدهر تصريح الغمام لها» وجاء بطاهر
стр. 2769
وجنب، خرج من صف ما كان وصفه من الدمار والنار إلى صفة نشوة النصر وما يصنعه أهل الفتح من الإباحة:
لم تطلع الشمس فيهم يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب
فهذه إباحة، قتل وسباء. فالباني على أهله قتل وأخذت امرأته. والغازي العزب بات وله صاحبة فليس بعزب. وزعم بعض المعاصرين أن بائية أبي تمام كلها مدارها على الجنس. وصدق ابن قتيبة قبل دهر «فرويد» بأن الجنس كل ضارب فيه بسهم وآخذ منه بنصيب حلال أو حرام. ولكن ليس معنى ذلك أن نلتمس الجنس فنجده في كل مقال. وتشبيه أبي تمام لعمورية بالبرزة المستعصية والبكر المطلوبة بأشد الطلب قريب جميل. وصفته ما وقع من تحريق وتقتيل وسباء عمل شاعر متقن، وقد انتبه ونبهنا إلى الجانب غير الحسن من ذلك، مما ينبئ بدقة إحساسه المرهف كل إرهاف وإنسانية نفسه مع التزامه بهذا التغني الواضح القوي الجهير بنصر الخلافة والإسلام والعرب وذلك قوله:
ما ربع مية معمورًا بطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
يعني أبو تمام أنه معمور بحسن نعت غيلان له، إذ لم يكن حقًا معمورًا لما وقف غيلان عنده في مثل قوله:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه
فقد جعله غيلان هنا معمورًا بالذكرى، وكقوله:
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوي فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجى البلابل
وقوله:
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
ثم أكثر ما يصفه غيلان وأكثر ما يصف الشعراء الربوع حين تبدل من أهلها أصناف الوحش وتصير رياضًا ومراتع، فهذا لها حسن وعمران، وقد نعلم شغف حبيب
стр. 2770
بالرياض. فقوله: معمورًا يطيف به غيلان، منبئ بأنه عمران من إطافة غيلان به وغيلان هو ذو الرمة. أما ربع عمورية فخرب. وهو أبهى ربا من ربع مية على ما فيه من خراب، لهذا النصر، وهذه الاستباحة التي هي جزاء المجاهد المنتصر في هذه الدنيا ﴿ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظر من خدها الترب
هذا البيت نفيس حقًا.
ربعها الخرب فيه هذا السباء وهؤلاء المستباحات وخدودهن النواعم يتفطرن خجلاً ذا انكسار.
وهذه المدينة التي افتتحت، هي أيضًا بكر، ولكن خدها ضارع ترب، إذ كانت ذات كبرياء وأنف شامخ. هذا الإذلال لها والترتيب مدعاة للحزن. قول الشاعر «خدها الترب» مشعريًا بأساه لهذه الذلة بعد العز.
ولا شيء أعظم من نشوة الانتصار عليها بعد ما كان لها من طول استعصاء وامتناع- هذه الخدود المتفطرات خجلاً اشتهيت بنشوة الظفر، فهذا الخد الترب أشهى إلى نظر المنتصر المستبيح من هذه الخدود المدميهن الخجل.
والمنظر بعد فظيع سمج.
والنصر يجعل هذه السماجة الفظيعة أمرًا عظيم الجمال:
هنا إنسانية أبي تمام الضخمة ودقة إحساسه المرهف.
فأمر هذه القصيدة ليس كله أو عموده شبق جنسي فروئدي، فتأمل.
سماجة غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب
وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته عن سوء منقلب
أخذ هذا أبو الطيب- أخذه كله بنظر شديد إلى ما ذكره حبيب من نصر واستباحة:
فلم ينج إلا من حماها من الظبي ... لمى شفتيها والثدى النواهد
تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
فهذا عين مقال أبي تمام أن حسن منقلب المنتصرين جاءت بشاشته بعد سوء المنقلب
стр. 2771
الذي حل بالمنهزمين.
ومن ثم أخذ أبو تمام في تعليل أسباب النصر وأن الخليفة بما حباه الله من تأييده كان هو السبب فيه.
لم يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السمر والقضب
هذا مردود على قوله «حتى إذا مخض الله السنين لها» أي هذا النصر قد كمنت عواقبه عصورًا طويلة بين السيوف والرماح. حتى اختارها المعتصم بالله وداهم بها العدو فقهره.
وما خلا أبو تمام من نظر قوي إلى طريقة علقمة في بائيته حيث قال:
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب
فجعله هو سبب النصر. ويوشك الصولى أن يكون قد تنبه أو نبه إلى هذا الوجه حيث قال في البيت التالي:
ومطعم النصر لم تكهم أسنته ... يومًا ولا حجبت عن روح محتجب
أن أول من قال بهذا علقمة بن عبدة فقال ومطعم النصر يوم النصر إلخ- قلت ورواية علقمة المعروفة: «ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه البيت» -وما أشك- والله أعلم- أن حبيبًا تعمد الإشارة إليه ولوى قوله «ومطعم النصر» منه. قال في هامش شرح التبريزي [دار المعارف تحقيق د. محمد عبده عزام. الطبعة الرابعة ص ٥٨ هامش ٥ من ج] وله رواية أخرى في لـ: ومطعم الغنم يوم الغنم. قلت هذه الرواية لا نعلم غيرها. وليس في الشرح الكبير سواها ولا في طبعة مطبعة المعارف ١٣٦١ هـ ص ٢٠١.
لم يغز قومًا ولم ينهد إلى بلد ... إلا تقدمه جيش من الرعب
لو لم يقد جحفلاً يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب
هذا من المبالغة، ويبرره أن المعتصم كان مشغولاً بالجيوش، فتركه كانوا إذا رأى عرضهم كأنما هم امتداد لنفسه. وقد كان يخيل لنا أن هذا خبر وليس بمبالغة وأن المعتصم به أشجع من عنترة الذي ليس كسيرته الحربية من سيرة. ثم ثبت عندنا بعد أن عنترة أعظم شأنًا في باب الشجاعة الفردية البطولة.
رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غير الله لم تصب
стр. 2772
ويروى لم يصب بالياء والتاء أجود وأراد الإشارة إلى آية الأنفال أي أنت إنما خرجت غضبًا لله ولو كنت خرجت لغير ذلك ما انتصرت وما يكون لك أن تخرج لغير ذلك، إذ أنت خليفة الله، كل أمرك في الله ولله.
من بعد ما أشبوها واثقين بها ... والله مفتاح باب المعقل الأشب
أشبوها أي حصنوها حتى صارت كالشجر الملفت [هذا لفظ التبريزي ولعله من أبي العلاء] بما حولها من كثرة السلاح. ومن شاء جعل هذا المعنى جنسيًا
وقال ذو أمرهم لا مرتع صدد ... للسارحين وليس الورد من كثب
هذه فكرة الروم، وخلفائهم الإفرنج عن العرب والمسلمين، أنهم بدو يطلبون المرعى وموارد الماء،
أمانيا سلبتهم نجح هاجسها ... ظبي السيوف وأطراف القنا السلب
خفف الأماني، والسلب أي الطوال جمع سلب بفتح فكسر
إن الحمامين من بيض ومن سمر ... دلوا الحياتين من ماء ومن عشب
هذا تهكم بهم من أبي تمام إذ قالوا لا مرتع ولا ورد- قال بلى، فالمرتع والورد سيوفنا ورماحنا. مناياهن هن الدلاء التي نصيب بها الحياة- حياة المرتع (العشب) والمورد (الماء) - وهيأ هذا من مقاله ما سيجيء به بعد من خبر المرأة التي قالت وامعتصماه وهم يظنون أن لا معتصم لها من أجل أنه لا مرتع صددا أي قريبًا له ولا ورد من كثب أي من قريب.
لبيت صوتًا زبطريًا هرقت به ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب
لما جعله ولي أمر الدين جعل لا لذة له إلا لأهل، ولا خمر له إلا إغفاءة النوم. فنفض إغفاءة النوم وترك الحلائل من أجل الغيرة والنجدة. وعسى بعض هذا أن خيل به لمن خيل له أن فكرة الجنس هي الغالبة على أبي تمام في هذه البائية، وإنما قصد أبو تمام إلى معنى قول الآخر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وقول الآخر:
стр. 2773
إذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها
وذكر كأس الكرى لأن عادة العرب أن تترك الخمر إذ غزت وقد أراق الربيع بن زيادة زقاق خمره لما بلغه مقتل مالك بن زهير وحرم النساء وقال:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
فجعل كأس المعتصم التي أراق كأس كراه كما تقدم ذكره. وأحسبه أخذ تصير الكرى كأسًا من قول تأبط شرا:
فاحتسوا أنفاس نوم فلما ... هوموا رعتهم فاشمعلوا
ولا يلام على أخذ وهو بعد صاحب ديوان الحماسة.
قالوا- وهو الذي في شرح التبريزي: زبطري منسوب إلى زبطرة وهي بلد فتحه الروم فبلغ المعتصم فيما قيل أن امرأة قالت في ذلك اليوم وامعتصماه فنقل إليه ذلك الحديث وفي يده قدح يريد أن يشرب ما فيه فوضعه وأمر بأن يحفظ فلما رجع من فتح عمورية شرب.» أ. هـ
عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحصب
أجبته معلنًا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب
أي أجبت الصوت الزبطري
حتى تركت عمود الشرك منعفرا ... ولم تعرج على الأوتاد والطنب
أي قصدت مدينة الكفر المستعصية فعفرت خدها وهو المعنى الذي كان فيه من خراب عمورية فعاد إلى صفة الحرب، وبعد أن وصف حال المعتصم وصف حال عدوه، وجعل هذا في مقابلة ذلك.
لما رأى الحرب رأى العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب
فهذا تفسير اقتصادي للحرب والمعنى قديم ويدعي السبق فيه لكارل ماركس وسبقه في طريقة تأويل بعض أحداث التأريخ في ضوئه لا في نفس المعنى وقد زعم «براتراند رسل» في تأريخ الفلسفة الغريبة أن أفلاطن سبق ماركس ولكن المعنى أقدم من ذلك لمن تأمله.
غدا يصرب بالأموال جريتها ... فعزه البحر ذو التيار والحدب
هيهات زعزعت الأرض الوقور به ... عن غزو محتسب لا غزو مكتسب
стр. 2774
فالغزو للاكتساب قديم واضح الأمر. ولكن الغزو للاحتساب، هو الذي ينبعث من روح الإيمان والدين. ومن أجل ذلك لبى المعتصم الصوت الزبطري وهراق كأس الكرى، هذه التي حاولت أساطير الأخبار أن تجعلها كأس نبيذ- وترجع بروحها الإسلامي إلى روح جاهلي كروح الربيع بن زياد. والمعتصم بالله لم يكن أدبيًا ناقدًا كأبيه الرشيد ولا فلسفيًا جدليًا كأخيه المأمون، ولكنه كان جنديًا أمة تركية، أقرب إلى سذاجة صدق العقيدة مما تصوره هذه الأسطورة، والله أعلم.
لم ينفق الذهب المربي بكثرته ... على الحصى وبه فقر إلى الذهب
أي إن المعتصم ما كان ليقبل رشوة مال من توفلس الذي أراد أن يدرأ خطر الحرب بعطاء الجزية، ذلك بأن المعتصم صاحب دولة غنية، ما أنفق ما أنفق من ذهب لكي يرشى بمثله ولكن ليصول لدينه وينتقم ممن غضوا من قدره.
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
وهذا كان رأي بلال والأنصار ﵃ في أمية بن خلف.
ولى وقد ألجم الخطى منطقه ... بسكتة تحتها الأحشاء في صخب
هذا البيت غاية في جودة التعبير. وجعل الصخب في مقابلة السكتة. وأخذ المعنى فأجاد الأخذ من قول عمرو بن معد يكرب، وقد اختاره هو في حماسته،
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
فقد صخبت أحشاء عمرو ههنا بأسف شديد مع زعمه أن الخطى ألجمه لفرار قومهم وهزيمتهم. ولم يعن أبو تمام بالصخب وجيب القلب وحده كما يفهم من شرح التبريزي ولكنه عنى الخوف وهواجس الأسف والحزن. وقوله من بعد يؤيد قولنا هذا:
أحذى قرابينه صرف الردى ومضى ... يحنث أنجى مطاياه من الهرب
موكلاً بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفة الطرب
قال أبو الزكرياء: «المعنى أن هذا الرجل يعلو ما ارتفع من الأرض لينظر إلى الطرق هل فيها من يتبعه أ. هـ». وقوله من خفة الطرب يشير إلى نحو قول توبة:
وأشرف بالقور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وفيه أيضًا إشارة إلى إشراف حمار الوحش، إذ في فعله خفة طرب إذ هو مع حلائله:
يأحزة الثلبوت يربأ فوقها ... قفر المراقب خوفها آرامها
ويدلك أنه مما خلا من إشارة إلى حمار الوحش ذكره الظليم من بعد، وهذه معان يدعو بعضها بعضًا والقارئ الكريم يعلم صلة بينها:
إن يعد من حرها عدو الظليم فقد ... أوسعت جاحمها من كثرة الحطب
من حطب هذا الجاحم أعداء الله الذين انكبوا فيه. وعاد أبو تمام إلى ما بدأ به من السخرية. وقد كان سخر بالنحوم والكوكب والغربي ذي الذنب. فآن أن يسخر بالرواية وزخرفها وما قيل إنها -أي عمورية- لا تفتح قبل نضج التين والعنب. ومما ينبه إليه ها هنا أن قوله «عدو الظليم» فيه وحي رجعة إلى قوله في أول القصيدة: «زعموا الأيام مجفلة» والإجفال للنعام. وقد أجفلوا هم. فتأمل.
стр. 2775
تسعون ألفًا كآساد الشرى نضجت ... جلودهم قبل نضج التين والعنب
يا رب حوباء لما اجتث دابرهم ... طابت ولو ضمخت بالمسك لم تطب
هذا قريب من قوله ما ربع مية وسماجة غنيت. أي طابت النفس بسرور النصر وذلك أطيب من المسك. وذكر المسك لقولهم ما كان الطيب إلا المسك برفع المسك وهو من كلمات الكتاب فأحسبه يشير إلى ذلك.
والحرب قائمة في مأزق لجج ... تجثو الكماة به صغرًا على الركب
صغرا أي تصاغوا لكي يقدروا على المأزق اللجج ولعل الرواية الصحيحة لحج بحاء مهملة مكسورة وجيم معجمة وشرح التبريزي يدل على ذلك إذ لحج بالحاء المهملة والجيم من باب فرح هي المناسبة لسرحه إذ شرح فقال: لحج في الشيء إذا نشب فيه فلم يخلص وقد يقال مكان لحج أي ضيق- كل ذلك في الطبع (ص ٧١) بجيمين وفي مادة لحج في القاموس لحج السيف كفرح نشب في الغمد ومكان لحج ككتف والملاحج المضايق. قلت كل ذلك بحاء مهملة قبل الجيم وليس شيء في مادة اللجاج بمطابق ما وقع في شرح التبريزي من تحريف طابع أو ناسخ وأحسب رواية مختارات البارودي لحج بحاء مهملة فجيم وهو الصواب. صغرًا بضم الصاد بعدها غين معجمة ساكنة مصدر صغر ككرم. والصورة مأخوذة من صفات أيام صفين وأبو تمام كان أعلم بذلك من حاق الممارسة للحروب.
كم نيل تحت سناها من سنا قمر ... وتحت عارضها من عارض شنب
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب
стр. 2776
رجعة أبي تمام هنا إلى ما كان ذكره من باب بأهل وعزب، إجمال بعد تفصيل. بدء هذا الإجمال قوله تسعون ألفًا إذ رجع به إلى روح مطلعه ثم أتبع ذلك روح صفته للحرب والفتح والحريق والاستباحة ثم يختم بمدح وحكمة تقرع الأسماع وتبقى في القلوب. وقوله إلى المخدرة العذراء- عنى عمورية، ثم ما في عمورية من عذارى سبين فافترعن.
كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب
بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانًا من الحجب
هذا لعب لفظي معنوي مرقص. البيض السيوف. والبيض أبدانًا: نساء الروم وحجب السيوف أغمادها. وحجب النساء معروفة. فهذه البيض إذا سلت، صارت هي أحق بالروميات من خدورهن.
وهذا كله ثمرة الفتح والنصر المبين.
خليفة الله جازي الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقضب
فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
كما بينك وبين رسول الله ﷺ أقرب النسب- هذا متضمن
أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب
فقد سمى أبو تمام بلاد الروم الرجل المريض. ثم رد الإفرنج هذا الاسم على المسلمين من بعد فسموا تركيا رجل أوروبا المريض. ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ ﴿ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله﴾.
وزعم التبريزي أنه يقال «إنما يقال لملوك الروم بنو الأصفر لأن حبشيًا كان غلب على بلادهم فنكح فيهم فولد له أولاد يخالط بياضهم صفرة من سواده فازدادوا بذلك حسنًا» - أ. هـ. قلت أبي العرب أيام عزهم إلا أن يجعلوا الحبش الذين غلبوهم على اليمن، غلبوا الروم أيضًا. ولا يعلم على وجه الحقيقة لماذا كانت تسمى العرب الروم بني الأصفر، ولكن يغلب على الظن إن المراد بذلك شعور رؤوسهم إذ كان يوستنيان ملك الروم ومن قبله روسا في أصولهم في شعورهم غير ما اعتادوه من لون السواد. ولذلك قالوا صهب السبال. كما قالوا زرق العيون. قال عبد الله بن سبرة يصف الرومي:
стр. 2777
أحم أزرق لم يشمط وقد صلعا
وليس قول حبيب «صفر الوجوه» بمبعد هذا الذي ذهبنا إليه من قصد الشعر، والصفرة والحمرة والصهبة كل ذلك في ألوان الشعر مباين لما يألف العرب ومثال حبيب الذي قاله اجتهاد منه وافتنان.
هذا، وقد جعل الدكتور طه حسين «ليالي بعد الظاعنين شكول» أميرة شعر أبي الطيب. وهي من الجياد الروائع. وليس مذهب أسلوبها كمذهب «السيف أصدق». وقد نبه الدكتور طه ﵀ على أن أبا الطيب جاري فيها مجاراة استحسان لا محاكاة أو معارضة كلمة السموأل الحماسية. ولله دره ناقدًا متذوقًا. فالسمؤال يقول:
لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حلمنا وفحول
وأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غرر مشهورة وحجول
وأسيافنا في كل غرب ومشرق ... بها من قراع الدارعين فلول
وكلمة السمؤال جرى فيها على مخاطبة امرأة من العرب كما يدل عليه السياق ومحل استشهادنا هذا الضمير الجهير «نا» وإياه اتبع أبو الطيب إذ يقول:
تمل الحصون الشم طوال نزالنا ... فتلقي إلينا أهلها وتزول
وإنا لنلقي الحادثات بأنفس ... كثير الرزايا عندهن قليل
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
وذكر العقول هنا وثبة من وثبات أبي الطيب ترفعه فوق المحاكاة البحتة. وفي هذه اللامية ضروب من المخاطبة، آنا يخاطب سيف الدولة وآنا يجرد من نفسه آخر يخاطبه:
سوى وجع الحساد داو فإنه ... إذا حل في قلب فليس يحول
وحينًا يخاطب الدمستق. ولا ريب أن القصص الحربي عنتري الروح يخاطب به التي لقيها بدرب القلة أو زعم ذلك.
ليست «ليالي بعد الظاعنين شكول» من ضرب «السيف أصدق» في نوع شكلها. ليس صاحبها على جهارة صوته فيها بخطيب. ولكنه صائح وصادح.
القصيدة التي فيها منهج بائية حبيب ميميته.:
стр. 2778
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وهي فخمة جزلة، غير أن فرق ما بينها وبين بائية حبيب كفرق ما بين سيف الدولة والمعتصم.
وأفخم من «على قدر أهل العزم تأتي العزائم» وأشد شبهًا ببائية حبيب واتباعًا لها ميميته التي قيل إنها أخر ما أنشده سيف الدولة:
عقبى اليمين على عقبى الوغي ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وهذا المطلع فيه نفس من مطلع البائية لما فيه ما بين اليمين والوغي من مقابلة غير بعيدة جدًا من مقابلة ما بين السيف والكتب- وسرعان ما قال أبو الطيب بعد هذا المطلع بأبيات قلائل.
أين البطاريق والحلف الذين حلفوا ... بمفرق الملك والزعم الذي زعموا
فهذا فيه أنفاس:
أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف منها ومن كذب
وقد أبدع أبو الطيب في تصوير حركة الجيش غير أن نموذج البائية أمامه ومن جيد صناعته فيها قوله:
فما تركن بها خلدًا له بصر ... تحت التراب ولا بازًا له قدم
ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم
ترمي على شفرات الباترات بهم ... مكامن الأرض والقيعان والأكم
فهذه صفة غارة وحركة. وكأن قول حبيب:
غدًا يصرف بالأموال جريتها فعزه البحر ذو التيار والحدث
دعا أبا الطيب إلى صفة حركة العبور. وقد جاء بصورة جيدة منها في اللامية إذ قال:
ورعن بنا قلب الفرات كأنما ... تخر عليه بالرجال سيول
يطارد فيه موجه كل سابح ... سواء عليه غمرة ومسيل
تراه كأن الماء مر بجسمه ... وأقبل رأس وحده وتليل
وهذا وصف مشاهد، عظيم حيوية الحركة. وقد ألم أبو الطيب بصورة النيران والحريق، ولكنه أشرب ذلك الحركة وسرعة مجاوزته، ولقد علم إبداع حبيب في هذا الباب، فاكتفى منه بأخذة خلس لا يزيدها:
стр. 2779
تسايرها النيران في كل مسلك ... به القوم صرعى والديار طلول
وفي الميمية أقام شيئًا يسيرًا عند صفة العبور بالسفن، كأنه يريد بذلك أن يربى على الأوصاف التي في بائية أبي تمام وأعرض عن ذكر النار إلا تلميحًا في معرض تشبيه السيوف بها:
عبرت تقدمهم فيه وفي بلد ... سكانه وهم مسكونها حمم
فهذه صفة الحريق ثم عدل عن ذلك فجعل السيوف هي النار:
وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
هندية إن تصغر معشرًا صغروا ... بحدها أو تعظم معشرا عظموا
وقد أخذ أبو العلاء من هاهنا إذ قال:
ليست كنار عدي نار عادية ... باتت تشب على أيدي مصاليتا
ولا تلهينك الإشارة إلى «يا سليمي أوقدي النارا» عن أصل أخذه. ثم جاء أبو الطيب بنعت سفن العبور- وكما قدمنا دعاه إليه تيار البحر وحدبه عند أبي تمام:
قاسمتها تل بطريق فكان لها ... أبطالها ولك الأطفال والحرم
تلقى بهم زبد التيار مقربة ... على جحافلها من نضحه رثم
الرثم بياض في شفاه الخيل وجحا فلها شفاهها المفرد جحفلة والمراد هنا صفة سفينة بياض الماء حول مقدمها كأنه رثم حول جحفلة فرس. وزبد التيار هذه صدى مباشر من «فعزه البحر ذو التيار والحدب». وذكروا عن أبي الطيب أنه كان ينكر أن يكون يأخذ من المحدثين وأنه إنما كان يأخذ من القدماء. فإن صحت هذه الرواية فما يكون عدا بها الكتابة، إذ شعر أبي تمام مشحون بالقدماء، لا يخلو من نظر في شعره من أن ينظر فيما يضمنه أو يشير إليه من شعرهم.- ثم بعد قوله: تلقى بهم زبد التيار قوله:
دهم فوارسها ركاب أبطنها ... مكدودة وبقوم لا بها الألم
يريد السفن، فالدهم من صفة الخيل وركوب الأبطن من نعت السفن.
وخاتمة هذه الميمية فيها صدى من خاتمة أبي تمام، وذلك قول أبي الطيب:
القائم الملك الهادي الذي شهدت ... قيامه وهداه العرب والعجم
ابن المعفر في نجد فوارسها ... بسيفه وله كوفان والحرم
وهذا قريب من قول أبي تمام «خليفة الله جازى الله سعيك عن إلخ» - ثم
стр. 2780
أضرب أبو الطيب عن هذا القري، وكأن قد أقر في نفسه بسبق أبي تمام في البائية: -
لا تطلبن كريمًا بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
واستشهد بهذين البيتين ابن الأثير في المثل السائر ينبه بهما على فضله. وقد أشرنا في كلمتنا التي بعنوان «إلى ليلاه الخجول» إلى أخذ أندرو مارفيل ANDREW MARVELL من أبي تمام في مطلع قصيدته التي مدح بها زعيمه البريطاني Oliver Crom well (١)
This time to leave the Books in dust,
An oly th'unused Amours rust.
So restless Crom wel could not cease
In the inglorious Arts of Peace
But through Adventrous war
Urged his active star.
لقد آن أن ينبذ الكتاب إلى التراب
وأن يصقل من الدرع صدأ الإهاب
وما كان لكرومويل القلق الفؤاد
أن يكون إلى فنون دعة السلم ذا إخلاد
ولكن في مصادمة حومة القتال
احتث نجم طالعه الفعال
قالوا وكان كروميل عاكفًا على درس وكتب ثم ترك ذلك وانبرى للحرب فكان ما كان من ظفره- وهذا من استهلال أندرو مارفيل مأخوذ من استهلال أبي تمام على الأرجح.
والشبه ظاهر.
وقال أندرو مارفيل في آخر هذه الكلمة:
But thou the wars and Fortune's son
March indefatigably on:
стр. 2781
And for the last effect
Still keep thy sword erect
Besides the force it has to fright
The spiril's of the shady night
The same arts that did gain
A Pow'r must it maintain
أما أنت فابن الحروب والجد السعيد
لاتني في سيرك الشديد
ولكي يكون لك الأثر البالغ الأخير
فإن حسامك مصلت شهير
إذ قوته كما تخيف أشباح ظل الظلام
فإن الفنون التي نيلت بها السطوة بها أيضًا تستدام
هذه ترجمة تقريبية.
وعين هذا المعنى في ميمية أبي الطيب إذ يقول:
أهي الممالك عن فخر قفلت به ... شرب المدامة والأوتار والنغم
مقلدًا فوق شكر الله ذا شطب ... لا تستدام بأمضى منهما النعم
وكأن أبا الطيب رام بهذه الميمية أن يضاهي أبا تمام لا في المعاني فحسب وأن يربي عليه بذكر السفن والعبور أيضًا، ولكن تعمد مع ذلك أن يقارب بعدد أبياتها عدد أبيات «السيف أصدق» إذ هي نيف وستون بيتًا، وأبو الطيب أحرص على الإيجاز منه على الإطالة. وهذه الميمية (١) على جودتها لا تبلغ بين السيفيات مبلغ: -
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وهذه نفسه فيها كأن فيها قصدًا إلى مجاراة بائية أبي تمام:
أهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجع طالبه
إذا فيها شيء من مشابه تفخيمه. وقد نبه الدكتور طه حسين ﵀ على محاسنه بما لا مزيد عليه في هذا الموضع.
ومن أعجبها إلى قوله في غزلها:
стр. 2782
سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه
حبيب كأن الحسن كان يحبه ... فآثره أو جار في الحسن قاسمه
تحول رماح الخط دون سبائه ... وتسبى له من كل حي كرائمه
ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره ... وآخرها نشر الكباء الملازمه
وزعم بعض شراح شعر أبي الطيب أن ههنا من المبالغة. وليس الأمر على ما توهمه.
وقوله:
وما استغربت غيني فراقًا رأيته ... وما علمتني غير ما القلب عالمه
فلا يتهمني الكاشحون فإنني ... رعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه ... فكيف توقيه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبا وعقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
ثم بعد هذا يجيء مدحه الجيد وفخره الرصين:
سلكت صروف الدهر حتى لقيته ... على ظهر عزم مؤيدات قوائمه
مهالك لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه
لا يكثر أبو الطيب من الإشارة إكثار أبي تمام ولا يظهرها إظهاره. ولكنه يخفيها وكأنها وحي يلحن به. وجلى ههنا أنه يشير إلى نعت الشعراء الذئب وإلى حديث الجاحظ عن الطير والحيوان. شعر أبي الطيب لمن تأمله مليء بالإشارة الخفية وهذا من معدن ميله إلى الإيجاز.
ثم أنه كان ينشد شعره فضلاء أذكياء، فإما فطنوا إلى مراده بما رزقوه من سعة الاطلاع، وإما تفطنوا إليه من بعد فأدركوا مغامض معانيه مثلاً قوله:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت ذابت في الخدور العواتق
والرواية الأخرى (حاضت في الخدور العواتق) ولعلها هي الأولى وعيبت علي أبي الطيب وما أشك أنه يشير إلى نفسه من فسر قوله تعالى ﴿أكبرنه وقطعن أيديهن﴾ بمعنى الحيض والله أعلم.
ومثلاً قوله: -
стр. 2783
أمنعمة بالعودة الظبية التي ... بغير ولي كان نائلها الوسمي
الوسمي المطر الأول والولي بعده- قال ابن الرومي، وكان أبو الطيب من حمله ديوانه ورواته، يصف روضة: -
شكرت نعمة الولي على الوسـ ... ـمى ثم العهاد بد العهاد
وأشار إلى هذا المعنى في قوله
من يزره يزر سليمان في الملـ ... ـك جلالاً ويوسفا في الجمال
وربيعًا يضاحك الغيث فيه ... زهر الشكر من رياض المعالي
ورياض المعالي من أنفاس النسيم ونفحاته. ولا غرو فقد كان يحب البرية مع كثرة أسفاره. وهو بعد القائل
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى ... إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا
والقائل
كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل
والقائل
رعى الله عيسًا فارقتنا وفوقها ... مها كلها يولي بجفنيه خده
بواد به ما بالقلوب كأنه ... وقد رحلوا جيد تناثر عقده
إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده
وحال كإحداهن رمت بلوغها ... ومن دونها غول الطريق وبعده
ثم يقول بعد بيت (مهالك لم تصحب إلخ) من الميمية، وإنما استطردنا عن ذلك فطال الاستطراد قليلاً: -
فأبصرت بدرًا لا يرى البدر مثله ... وخاطبت بحرًا لا يرى العبر عائمه
عجبت له لما رأيت صفاته ... بلا واصف والشعر تهذي طماطمه
وكنت إذا يممت أرضًا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه
لقد سل سيف الدولة المجد معلمًا ... فلا المجد مخفيه ولا الضرب ثالمه
على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السماوات قائمه
وشعر أبي الطيب الجيد في سيف الدولة خاصة كثير مشهور. ولعل أميرة القصائد السيفيات كلهن، وليست بأطولهن، ميميته العتابية:
стр. 2784
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن لجسمي وحالي عنده سقم
وهي خطابية جهيرة. غير أن شكلها لمن تأمله أقدم معدنا وجوهرًا من خطابيات أبي تمام وبشار. إذ أبو الطيب كما يغرف من بحر التجارب وكما يحتوي محاسن حبيب والوليد وابن الرومي وينتهب منها ومن غيرهم من مفلقي المحدثين، يتجاوز هؤلاء على أخذه منهم وانتهابه، إلى شعراء الجاهلية، بنظر شديد يجمع فيه بين الأصالة المبدعة والحذو البارع المفتن.
في هذه الميمية العكاظية- قالوا إنه أنشدها في محفل من العرب، وقال أبو منصور ما معناه أن أكثرها على جودتها يدخل في باب إساءة الأدب بالأدب- حذو ما على شكل التخصير القديم. أي الشكل الذي يفصل الشاعر بين أول قسم منه وآخر قسم بالحكمة أو ما يجري مجراها. وقد ضربنا أمثلة من تصرف الشعراء في هذا البا. منهن لامية كعب ابن زهير. وحذو هذه اللامية في الشكل وفي معدن الوزن حذا أبو الطيب. ولا غرو فهي اعتذار ضمنه التماس يتبرأ به كأنما هو عتاب رقيق:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
لقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بإذن الله تنويل
حتى وضعت يميني لا أنازعها ... في كف ذي نقمات قيله القيل
فلهو أهيب عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغم بضراء الأرض مسكنه ... من بطن عثر غيل دونه غيل
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحم من القوم معقور خراديل
هل أراد بقوله «عيشهما» ههنا «خبزهما»؟ في بعض اللغات السامية أن اللحم هو الخبز؟
إذا يساور قرنًا لا يحل له ... أن يترك القرن إلا وهو مجدول
منه تظل سباع الجو خائفة ... ولا تمشي بواديه الأراجيل
ولا يزال بواديه أخو ثقة ... مطرح البز والدرسان (١) مأكول
حذا أبو الطيب على: «بانت سعاد». وإنك لتحس عنده أنفاس إيقاعها وصدى من روح صياغتها. قال كعب:
стр. 2785
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
صدى من هذا في قول أبي الطيب:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
وقال كعب:
لقد أقوم مقامًا لو يقوم به ... يرى ويسمع ما لو أسمع الفيل
لظل يرعد .....
فأصداء من هذا وأنفاس من روحه في قول أبي الطيب:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
صحبت في الفلوات الوحش ....
ثم أليس ثم صدى من قول كعب في بانت سعاد:
حتى وضعت يميني ما أنازعها ....
في قول أبي الطيب: -
قد رزته وسيوف الهند مغمدة ....
وقد ذكر أبو الطيب الهيبة في قوله: «واصطنعت لك المهابة إلخ» وذكر نيوب الليث وهوله في قوله: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة» وأشار بل صور ضغمه حيث قال: «حتى أتته يد فراسة وفم». وفي «بانت سعاد» نعت الهيبة وتصوير الضيغم الذي يغدو:
فيلحم ضرغاين عيشها ... لحم من القوم ....
«بانت سعاد» كما ذكرنا من قبل مخصرة، حذيت على نهج «إن الخليط أجد البين فانفرقا» وأصل جميع ذلك «قفا نبك» «وهل ما علمت وما استودعت» وما أشبه من كلام القدماء قبل زهير. ومثل بانت سعاد ميمية أبي الطيب هذه، هي أيضًا مخصرة.
قسمها الأول أقام فيه الممدوح مقام المحبوب، فهو نسيبي السنخ. وقد نبه أبو منصور على حسن هذا المذهب من أبي الطيب ومحبوب أبي الطيب، الذي هو ممدوحه، جعل له من صفات سعاد كعب مشابه. أليس كعب يقول:
أكرم بها خلة لو أنها صدقت ... موعودها أو لو أن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها ... فجع وولع وإخلاف وتبديل
стр. 2786
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول
ولا تمسك بالوعد الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل
وقد قال أبو الطيب:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن لحالي وجسمي عنده سقم
«سعاد» كعب قد بانت فهو يروم اللحاق بها وهي رمز السعادة والنجاة التي طلبها في نصر أمر الجاهلية، فخانه ذلك الطلب، فهو الآن يرومها عند الرسول ﵊.
ومحبوب أبي الطيب لم يبن. وكأن قد اقترب بينه. قلب كعب متبول متيم مرهون مكبول ولكن قلب أبي الطيب وحاله معًا سقيمان.
مالي أكتم حبًا قد برى جسدي ....
فهو حب صادق
وتدعي حب سيف الدولة الأمم
والدعاوى فيها الكذب. محبو سيف الدولة غير أبي الطيب فيهم فجع سعاد وولعها وإخلافها وتبديلها- وهب ما يدعونه حبًا:
إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم
الحب المدعي دعوى. والحب الذي قد برى الجسد وأسقم القلب والحال. هذه القسمة الضيزى فجع وولع. فقد لبس محبوب أبي الطيب من صفات محبوبة كعب هاهنا.
قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم
فكان أحسن خلق الله كلهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيم
هذا مدح. والنسيب فيه ذكر الوجد وفيه التغزل بذكر المحاسن. وهكذا صنع كعب. إلا أن كعبًا بعد المطلع قدم ذكر المحاسن:
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول
ثم بعد أن وصف ثغرها وشبهه بالراح
شجت بذي شبم من ماء محنية ... صاف بأبطح أضحى وهو مشمول
стр. 2787
صار إلى شكوى الوجد والإخلاف والتبديل.
وعكس أبو الطيب هذا الترتيب. وأبت «شبم» إلا أن تجيء في صدر المطلع منبئة بوحي خفي عن أخفى نظر أبي الطيب إلى «بانت سعاد» وتأثره بها عفوًا أو عن عمد. وعند من يكون كأبي الطيب- ويحسن ههنا الاستشهاد بقوله:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
عند من يكون كأبي الطيب مما يجتمع التأثر العفوي مع العمد. إذ هو ﵀ قد كان من الشاعرية في الذروة، التي يذوب فيها قطر الصنعة ومعادنها في حديد الطبع فينشأ من ذلك فولاذ واحد عزيز عديم النظير.
ومضى أبو الطيب شوطًا حسنًا من المدح:
فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهم
وفصل أبو الطيب معنى المهابة كما ترى
ألزمت نفسك شيئًا ليس يلزمها ... أن لا يواريهم أرض ولا علم
أكلما رمت جيشًا فانثنى هربًا ... تصرفت بك في آثاره الهمم
عليك هزمهم في كل معترك ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا
أما ترى ظفرًا حلوا سوى ظفر ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم
أي سوى الظفر الذي تحوزه السيوف الهندية، يأيها السيف الصارم المجرب الذي لا ينبو.
كان أبو الطيب قد لمح تلميحًا بشكواه التي أورده مورد شكوى النسيب ثم صار منها إلى مدح مطرب كغزل النسيب، فلما بلغ به أوجه، رمى بأول أسهم العتاب:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
هذا البيت الثاني عشر هو أول تخصير القصيدة.
وقد يذكر القارئ الكريم موضع التخصير في «قفا نبك» أنه وصف الليل وشكواه وشكوى الزمان.
ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وأنه في ميمية علقمة حيث أبيات الحكمة التي في طيها أسف شديد:
بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
стр. 2788
وهنا هذه البطولة الفكرية التي جهر بها الشاعر جسور القلب لا يبالي، وسماها أبو منصور إساءة الأدب بالأدب (١). ومع ذلك نص على هذه القصيدة أنها من المختار.
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
هم الظلم وأنا الأنوار- ومهدت هذه المقابلة لقوله من بعد «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي».
ولا يخفى أن قوله: «يا أعدل الناس إلا في معاملتي» بعد ما كان أطرب سيف الدولة به من المدح في قوله: «أما ترى ظفرًا حلوًا سوى ظفر» فيه المقابلة التي هي قريب مما سماه أرسطو طاليس بالتحول: (Peripety) في حديثه عن المسرح.
ويستوقفني هنا، لو يذكره القارئ الكريم، مقال شارلس ليال الذي أوردناه في أول هذا الجزء، حيث قال في بعض ما قاله عن شكل الشعر العربي القديم: «وأبعد من ذلك أن يقال مسرحي لأن الشخص الوحيد والمقياس الوحيد المعروفين للمتكلم هما نفسه ومثله الأعلى الذي يعتقده» أ. هـ. ليت شعري هل أحس «ليال» بوجود عنصر مسرحي في شعر العرب الذي اطلع عليه ثم أعياه أمر هذا العنصر إذ لم يجد فيه لا تعدد الشخصيات ولا محاكاة طبيعة أعمال الناس وأقوالهم على الحد الذي حده أرسطو في مسرحيات يونان وسير عليه من بعد في آداب الروم والفرنجة؟
يخطئ من يحسب أن «ليال» أراد بقوله هذا أن يصف شعر العرب بأنه غنائي بالمعنى الاصطلاحي عندهم، أي ذاتي محدود بذلك أن تكون له أبعاد تتخطى الذات إلى ما وراءها من آفاق الفكر والخيال. فقد احترس من أن يفهم عنه هذا الفهم بقوله «هما نفسه ومثله الأعلى» فجعل المثل الأعلى رديفًا وصنوًا وقرينًا للنفس. في المسرحية يصير المثل الأعلى بطلاً أو أبطالاً وشخصيات بينهن حوار من أقوال وأفعال. وعند الشاعر العربي تبطل هذه المحاكاة ويصير الشاعر بخياله وانفعاله هو البطل والأبطال
стр. 2789
والشخصيات جميع أولئك معًا. وبطلان المحاكاة لا يجعل الشاعر غنائيًا بالمعنى الاصطلاحي الآنف الذكر أي ذاتيًا محدود المدى بالذات، فقد أخرجه تقمصه المثل الأعلى وما يحف به من حدود ضيق الذات. ومن أجل ذلك ما زعمت العرب أن للشاعر رئيًا وقرينًا. ومن أجل ذلك ما زعم أبو عمرو بن العلاء أن شعراء العرب في العرب بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في بني إسرائيل. ومن أجل ذلك ما قال عمر ﵁ إن الشعر كان علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه.
وقفنا هذه الوقفة التي كأنما هي استطراد وليست به، لنقرر معنى ما قدمناه من تشبيه نحو المقابلة التي في قول أبي الطيب «يا أعدل الناس إلخ» بعد مقاله «أما ترى ظفرًا حلوا سوى ظفر» بالتحول المسرحي. ولا نزعم بعد أن ها هنا عنصرًا مسرحيًا إلا على سبيل التقريب والمجاز، على نحو ما يكون قد سبق منا من القول من قبل. ولكن الذي نقطع به أن العنصر البياني الذي اشتق منه النوع المسرحي، موجود في هذا الشعر وفي كثير من جياد القصائد عند القدماء والمحدثين الذين جاءوا بعدهم من شعراء بني العباس والعصور التي تلتهم. وليس قولنا العنصر البياني الذي اشتق منه النوع المسرحي بأمر من المغالطة اللفظية. فقد كفانا توضيح هذا الجانب من حيث معدنه ومعناه، الفيلسوف أرسطو طاليس إذ ذكر أن كلا المسرحية والملحمة محاكاة للطبيعة- تعتمد الملحمية على القصص وتعتمد المسرحية على محاكاة الأفعال ومواجهة الناس بها.
المواجهة مع ما يكون معها من ضروب التأثير بالحكمة والحماسة والفكاهة وحلو الكلام ومره، ذلك هو العنصر البياني الأصل. والتعبير المسرحي فرع، وقد عابه أفلاطون لما فيه من الاستتار والتمويه. وهذا بعد باب آخر.
وعند الشاعر العربي عنصر المواجهة صلتا، وقد فصلنا القول من قبل في أمر ما يجعله الشاعر درعًا لمقاتل نفسه حين يجهر بالقول من عدوان الناس.
ولقد نعلم أن تلك الدرع على سبوغها كثيرًا ما كانت تهتك أو تنتهك عن المقاتل. وحسبك شاهدًا في الأولين طرفة. وفي الآخرين أبو الطيب. هذا الذي نحن في معرض الحديث عنه. وقد كادت هذه الميمية تقتله. ولعل شيئًا من صداها لم يخل من مشاركة في مقتله. ولقد زعموا أن غلامًا له قال له لما أراد الفرار ألست القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قالوا فقال له ما معناه قتلتني قتلك الله وكر راجعًا فقتل. فهذا الخبر أصح أم لم يصح فيه نوع من الدلالة على ما قدمنا.
стр. 2790
ثم يقول أبو الطيب، وههنا عنصر البطولة ومقاربة روح النبوءة الذي جر عليه مقتله من بعد، والله تعالى أعلم:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
مناسبة هذا المعنى لقوله «الأنوار والظلم» من قبل لا تخفى
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
إذا نظرت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم
ومهجة مهجتي من هم صاحبها ... أدركتها بجواد ظهرة حرم
رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
هذا البيت صدره من قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
وكأنه تفسير لقول امرئ القيس:
وللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب
وهذا الذي عابته أم جندب، وكانت هي المحكمة ولها حكمها مسمطًا. وقد ذهب أبو الطيب إلى استجادة كلام امرئ القيس. وكأنه في البائية «أغالب فيك الشوق» صغا شيئًًا إلى مذهب علقمة. ولو قد كانت أم جندب حكيمة لقالت أنتما كركبتي البعير. وأبى الناس إلا أن يحطوا مع امرئ القيس أنها صبت إلى علقمة، فزعموا أن امرئ القيس كام مفركًا، وأن أم جندب قالت له إنك سريع الإراقة بطيء الإفاقة. وهذا مع ظاهر طعنه في امرئ القيس كأنما هو فرع من مذمة النساء وجرى على مذهب من قال:
لا تركنن إلى النسا ... ء ولا تثق بعهودهنه
فرضاؤهن وسخطهن ... معلق بفروجهنه
وهذا القول ليس بمنصف إذ لو قطعنا بصدقه على جميع الناس لزم أيضًا أن نقطع بصدقه على جميع الرجال.
هذا وفي قول أبي الطيب من بعد:
ومرهف سرت بين الجحفلين به ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم
стр. 2791
أخذ من خبر أبي دجانة ﵁ إذ تبختر بسيف رسول الله ﷺ يوم أحد وكان ﵁ من الأبطال وأبلى البلاء الحسن.
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
والحق أن فروسية أبي الطيب كلها إنما كانت فروسية القرطاس والقلم. وينبغي أن يحمل كثير مما يفتخر به فارسًا على هذا الوجه. وقد بسطنا جوانب من هذا المعنى في كلمتنا «شاعرية المتنبي».
صحبت في الفلوات الوحش منفردًا ... حتى تعجب مني القور والأكم
وهذا معنى يدور كثيرًا في شعر أبي الطيب، وقد غرفه من بحر تجربته إلا أن النقاد أبو إلا إن يتهموه بالأخذ من الصعاليك ومحاكاتهم، في مثل قوله:
ومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل
ومثل قوله:
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
ولا ريب قد حذا على نحو:
وقنة كسنان الرمح بارزة ... ضحيانة في شهور الصيف محراق
بادرت قنتها صحبى وما كسلوا ... حتى نميت إليها بعد إشراق
بشرثة خلق يوقى البنان بها ... شددت فيها سريحًا بعد إطراق
ونحو:
ويوم من الشعرى يذوب لوابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ
نصبت له وجهي ولا كن دونه ... ولا سترإلا الأتحمي المرعبل
وفي ترجمة أبي منصور له ما يفيد أنه قضى فترة من عمر شبابه صعلوكًا أو كالصعلوك، فقرًا، وتجشم أسفار، وتوقع مكاره. وهو بعد القائل:
أجارك يا أسد الفراديس مكرم ... فتسكن نفسي أم مهان فمسلم
ورائي وقدامي عداة كثيرة ... أحاذر من لص ومنك ومنهم
فهل لك في حلفى على ما أريده ... فإني بأسباب المعيشة أعلم
إذًا لأتاك الخير من كل وجهة ... وأثريت مما تغنمين وأغنم
فقد سمع زئير أسد الفراديس وأحست نفسه الخوف منها، ولكنه لما صار إلى قول الشعر مزج تجربته هذه بالأخذ من كلام القتال الكلابي حيث قال في صحبته النمر ما
стр. 2792
قال- من ذلك:
فأغلبه في صنعة الزاد إنني ... أميط الأذى عنه وما إن يهلل
فقول أبي الطيب «فإني بأسباب المعيشة أعلم» من هاهنا.
وما خلا أبو الطيب، في ذكر الفروسية والفخر بها، من أخذه من عنترة وعنترة بيانه من الأصل البياني الأول، الذي أسلوب الملاحم فرع منه، وذلك أنه لا يقص علينا سيرة بطل آخر يحاكي أفعاله بقول يزينه، ولكنه يقص سيرة نفسه علينا، يمزج بين الغرف من بحر تجربتها ومن المثل الأعلى، الذي هو حينًا من لبه- كما قال:
ذلل ركابي حيث كنت مشايعي ... لبي وأحفزه بأمر مبرم
وحينًا من وصاة عمه- كما قال:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وفي معنى عمه بعض الدلالة على ابنة عمه. وكأن العم كناية عن الحسب والشرف وابنة العم كناية عن المحبوبة- فالعم كما ترى هو الولي الذي يغار عليها ويشترط الشروط على من يلتمس الصهر عنده.
هذا وبعد أن قال أبو الطيب «صحبت في الفلوات الوحش مغتربًا» أعلن عزمه على الرحلة والفراق:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
هذا هو البيت الرابع والعشرون. وبيت «القور والأكم» قبله هو آخر تخصير القصيدة، وهذا البيت أول قسمها الثالث. غير أننا نلفت نظر القارئ الكريم إلى تصرف تصرفه أبو الطيب في التخصير، هو من سنخ تخلصه في سائر أجزاء القصيدة. وذلك أنه وشح التخصير أو قل نطقه بأبيات كأنها خروج منه إلى القسم الثالث، ولكنها ليست بخروج، فطال بذلك التخصير بعض الطول للوصل الذي بينه وبين القسم الثالث وهو من عند قوله:
ومهجة مهجتي من هم صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرم
إلى قوله:
صحبت في الفلوات الوحش ...
وإنما زعمنا أن هذا نطاق لقوة الشبه بينه وبين ما يقع بحسب عادة الشعراء في القسم الثالث من الذكرى نحو: «وقد أغتدى والطير» في «قفا نبك» ونحو «قد أشهد الشرب فيهم مزهر رنم» في «هل ما علمت». ولكنه ليس حقًا مبدأ قسم ثالث، إذ مبدأ القسم الثالث من عند «يا من يعز علينا». وفيه عودة إلى ما بدأ به التخصير وهو قوله «يا أعدل الناس إلا في معاملتي» وقد فصل هنا ما أجمله هناك:
стр. 2793
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
فهذا إنذار طيه غضب. وقوله وجداننا إلخ يفهم منه أيضًا معنى:
«وجدانكم كل شيء بعدنا عدم» والبيت التالي قوي للدلالة على ذلك:
ما كان أخلقنا منك بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
قيل رماه سيف الدولة بدواة لما قال هذا فقال:
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لرجح إذا أرضاكم ألم
وهذا عين الألم. والبيت يحمل في نفسه طابع أنه جيء به على البديهة لاتصال البيت بعده بالبيت الذي سبقه، وهو كالمعترض، فلذلك حسن موقعه:
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
ثم احتد أبو الطيب مرة أخرى. إذ مما أثار ذلك ذكر الذمم، وإخفارها مما يغضب له ويثار
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
العتب هنا شديد مر. وأحسب أن هذا ما عناه أبو منصور إذ نعته بأنه داخل في باب إساءة الأدب بالأدب (الأدب الأولى من قولك أديب شاعر ناثر رواية هلم جرا والأدب الثانية أي حسن السلوك والتهذيب أو العكس) وقد يعتذر لأبي الطيب أن هذا موضع التفات، فيكون قوله «كم تطلبون لنا عيبًا» أراد به عيابيه عند الأمير. ويقوي هذا الوجه بيت الافتخار الذي يتلوه، إذ يحسن موقعه أنه أراد به مواجهة أعدائه لا سيف الدولة. وقد ذكروا أن ابن خالويه رماه بمفتاح فشجه. فنتساءل: هل التفت أبو الطيب التفات تعريض به أو أشار أو جاء بوحي في إنشاده بشيء من ذلك؟
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
فالغمام سيف الدولة. ومن عنده الديم ابن خالويه وأبو فراس ولفهم. وليت تفيد محض التمني الأماني ضلال. فلم يبق لأبي الطيب إلا أن ينجو ويفارق:
стр. 2794
أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركن ضميرًا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
قالوا وكان صاغه أولاً: «ليحدثن لسيف الدولة الندم» والكناية في هذا الموضع أجود من التصريح. ثم في «من ودعتهم» عموم يدخل فيه مع سيف الدولة من عسى أن لو شاء انتصر له.
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم
إذ هذا يكون رحيل فراق القلوب. وقد كشف هذا المعنى من بعد إذ قال:
شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
كأن يبقى للكسب بحيث لا ود ولا صديق. وما أسرع حينئذ ما يكون أعداؤه إلى الطعن فيه والحط من قدره. فتمكنهم مقاتله من حيث لا يحتسب ولا يقدر على جنة أو انتصار.
ثم يجيء الغضب، أنفًا من هذا الشر، ومن كسب يصم:
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
هذا قريب من قوله «أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم» لأن في ألوان الرخمات. وإنما صيدهن الرمم.
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
فقد سلم أبو الطيب هنا بأن للعجم شعرًا. وما أرى دعاه إلى هذا التسليم إلا قصده إلى أن يجرد أعداءه من كل فضيلة يمت بها إلى بيان الشعر، ما عرفته العرب وارتضته وهو الشعر، وما زعمت أمم العجم له من ضروب بيانها أنه شعر. وقد كان كان أبو نصر الفارابي عالمًا بفلسفة يونان وشعرها، يدل على ذلك ما بسطه من قول عن القافية في الموسيقا الكبير. ولا يستبعد أن يكون أبو الطيب قد لقيه وأفاد منه علمًا. وقد ذكروا أنه كان كثير النظر في كتب الفلسفة: وهو بعد القائل:
стр. 2795
من مبلغ الأعراب أني بعدها ... شاهدت رسطًا ليس والإسكندرا
ورأيت جالينوس دارس كتبه ... متفلسفا متبديا متحضرا
وزعم الحاتمي أنه أخذ كل حكمه من أرسطو طاليس. وهذا باطل. فقد كان أخذ أبي الطيب من شعراء العرب قدمائهم ومحدثيهم على رأس هؤلاء المحدثين أبو تمام ثم ابن الرومي والبحتري وأبو نواس ومسلم وبشار ثم سائر المحدثين من بعد. وكان أبو الطيب بدقائق أسرار الشعر عالمًا.
ثم ختم القصيدة بقوله:
هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم
قوله مقة لا ريب يشير به إلى قوله في شعر له في سيف الدولة من قبل إذا ألمت به علة:
وقد يؤذي من المقة الحبيب
أي إن كرهت بعضه فاذكر آنه إنما دعاني به إليه حبك. وقوله: «قد ضمن الدر» جعله في مقابلة «بأي لفظ تقول الشعر» - أي هذا الذي أجيء أنا به هو الدر. أما هؤلاء فليس لهم من لفظ الشعر إلا الآجر والبعر وما أشبه. وبيت الختام فيه عودة إلى المعنى الذي استهل به. كما أن فيه إدلالة انتصار.
إن تك ميمية أبي الطيب هذه من أصل البيان الذي البيان المسرحي فرع منه، وقد بينا مرادنا من هذا القول، فإن بائية حبيب من أصل البيان الذي البيان الملحمي فرع منه. ولا نقول بمفاضلة بين الأصول بنحو مما يقول به نقاد الإفرنج من المفاضلة بين ما هو عندنا فروع من هذه الأصول. على أن نقاد الإفرنج قد قرنوا هو ميروس بالمسرحيين وربما فضلوه عليهم. وإلى نحو هذا القول ذهب نقاد الطليان في دانتي بحسب ما ذكرته الموسوعة البريطانية في الباب الذي عقدته للشعر.
هذا ومن جياد أبي الطيب التي شكلها من ذوات التخصير:
حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم
وهي من فرائده وقلائده، كما كان يقول أبو منصور فيما يروم مدحه من إحسانه. وليست هذه القصيدة من حيث أغراضها حقًا في رثاء فاتك ولكنها في التأمل والحكمة ورثاء فاتك جيء به على وجه العظة والاعتبار. كما أن هجاء كافور جيء به في العينية التي رثى بها أبو الطيب فاتكًا لا لأن هجاءه من غرضها، ولكن لزيادة شعور التفجع
стр. 2796
رثى بها أبو الطيب فاتكًا لا لأن هجاءه من غرضها، ولكن لزيادة شعور التفجع من طريق المقابلة، وذلك قوله:
قبحًا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبح برقع
أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع
أيد مقطعة حوالي رأسه ... وقفا يصيح بها إلا من يصفع
أبقيت أكذب كاذب أبقيته ... وأخذت أصدق من يقول ويسمع
وتركت أنتن ريحة مذمومة ... وسلبت أطيب ريحة تتضرع
ثم رجع إلى الرثاء
هذا، والقسم الأول من القصيدة من قوله: «حتام نحن نساري النجم في الظلم» إلى قوله:
مكعومة بسياط القوم نضربها ... عن منبت العشب نبغي منبت الكرم
وقد زعم ابن رشيق أن أبا الطيب كان يعمد إلى التهيب بذكر الخيل ويؤثرها على الإبل.
وهذه القصيدة، والمقصورة
ألا كل ماشية الخيزلي
وغيرهما مما يشهد بأنه كما كان صاحب خيل كان أيضًا كثير الرحلة بالإبل وصافًا لها في شعره عارفًا بأصناف جيادها، من ذلك ذكره إبل البجاة الصهب وهي من أسرع الإبل وهو قوله:
وكل نجاة بجاوية ... خنوف ومابي حسن المشي
ولكنهن حبال النجاة ... وكيد العداة وميط الأذى
أستهل أبو الطيب بذكر السرى. فليله ليس كليل النابغة في:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وفي قوله:
كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرًا ... وهمين هما مستكنًا وظاهرًا
وليس كليل الراعي إذ قال:
ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا
على أنه قد أخذ من النابغة قصة مراعاة النجم، ومنه ومن الراعي ومن غيرهما كالأسود ابن يعفر في:
نام الخلي وما أحس رقادي
شكوى السهر وفقد الرقاد.
بداية أبي الطيب المضمرة نسيب، وأحبابه هؤلاء الملوك الذين هم شر فجعًا وولعًا من سعاد كعب بن زهير وأكثر إخلافًا وتبديلاً.
وهو بعد القائل:
فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم
هذا يقوله بلسان الجراء. ولكن هذه الميمية مخالطها الغضب والحزن وصرف الرجاء عمن كان ظنه موضعًا للرجاء.
стр. 2797
لذلك كانت بدايته المظهرة بالسرى والرحلة والدأب، فرارًا من هذا الحب الكاسد الفاسد. بدايته كأنها بعد دموع كدموع علقمة ولكنها ليست بدموع شوق، ولكن دموع ملامة لنفسه على الذي سبق منه من الشوق. وبرحلة على عكس ما تمناه علقمة إذ قال:
هل تلحقني بأخرى الحي إذ شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم
إذ هي رحلة فراق وفرار
حتام نحن نساري النجم في الظلم ... وما سراه على خف ولا قدم
ولا يحس بأجفان يحس بها ... فقد الرقاد غريب بات لم ينم
هذا المعنى نابغي مردود على بداية النسيب المضمرة، إذ ههنا هو بمصر ساهر يراعي النجم الذي في المطلع هو مرتحل يساريه. ولقائل إن يزعم أنه في البيت الأول بمصر
стр. 2798
ومساراته فكرية مجازية وهذا الوجه يضعفه قوله من بعد:
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم
فهذا منبئ عن السفر. وقد شكا أبو الطيب وخط الشيب وجهه شكوى خفية حيث قال:
ومن هوى الصدق في نفسي وعادته ... رغبت من شعر في الوجه مكذوب
لم يخل أبو الطيب من عقدة كافورية في هذا البيت وفي قوله من بعد:
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احكتمتا من الدنيا إلى حكم
ثم أخذ في السير. وبدأ ذلك بنوع من رثاء النفس. كأنه قد أحس ملالاً من طول الدأب الذي لا نهاية له. وكأنه قد جعل الماء رمزًا لهذا المعنى، وكأنه يرثي للماء من طول رحلته، آنا هو سائر في السحاب. وآنا آخر هو سائر في القرب على ظهور الإبل
ونترك الماء لا ينفك من سفر ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم
مكان الرمز في قوله (ونترك الماء لا ينفك من سفر) أي لولانا لكان قد استقر حيث يجد من الأرض قرارًا.
ثم أحس أبو الطيب أنفاس النجاة والحرية المخالطة لهذا السير، فوجد لذلك هزة طرب أريحي ونشوة من انتصار:
لا أبغض العيس لكني وقيت بها ... قلبي من الحزن أو جسمي من السقم
طردت من مصر أيديها بأرجلها ... حتى مرقن بنا من جوش والعلم
تبرى لهن نعام الدو مسرجة ... تعارض الجدل المرخاة باللجم
ههنا نفس من علقمة، إذ علكومه التي تمنى بها النجاة
стр. 2799
كأنها خاضب زعر قوادمه ... أجني له باللوى شري وتنوم
يظل في الحنظل الخطبان ينفقه ... وما استطف من التنوم مخذوم
فوه كشق العصا لأيا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
حتى تذكره بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم
ومن هذه الأبيات أصداء في قول أبي الطيب «ما سار في الغيم منه» وفي قوله «تبرى لهن نعام الدو» عنى بها الإبل وقد قرنها بالخيل من غير ما تفضيل للخيل عليها كما زعم له ابن رشيق وذلك في قوله «تعارض الجدل المرخاة باللجم» - وقوله من بعد «تخدى الركاب» وسنعود إن شاء الله إليه بالتنبيه في موضعه فيه أصداء من «يظل في الحنظل الخطبان إلخ» وقوله من بعد:
في غلمة أخطروا أرواحهم ورضوا ... بما لقين رضا الأيسار بالزلم
تبدو لنا كلما ألقوا عمائهم ... عمائم خلقت سودًا بلا لثم
يعني لمات الشباب الغدافي
بيض العوارض طعانون من لحقوا ... من الفوارس شلالون للنعم
قد بلغوا بقناهم فوق طاقته ... وليس يبلغ ما فيهم من الهمم
قوله في «غلمة» يحمل أنفاسًا من قول علقمة
وقد أصاحب فتيانًا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
يدلك دلالة قوية على أبا أن أبا الطيب لم يغب عنه قول علقمة إذ جعله نموذجًا آيات بينة منها قوله «رضا الأيسار بالزلم» وقبل بيت علقمة هذا قوله «لو ييسرون بخيل قد يسرت بها البيت» وقد قال علقمة بعد هذا البيت
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم
حام كأن أوار النار شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم
стр. 2800
فقد ذكر أبو الطيب تسويد الشمس «بيض أوجهنا» المعنى الذي فيه العقدة الكافورية التي أشرنا إليهم آنفًا. ثم ذكر العمائم في قوله «تبدو لنا كلما ألقوا عمائهم» فدل على أنهم سافروا يقون أنفسهم بذلك من أوار الشمس كما قد صنع أصحاب علقمة.
ثم بما كان في نفسه من هوى الصدق وعادته نجد أبا الطيب ينبهنا أنه إما اقتدى بعلقمة تلميحًا كالتصريح وذلك قوله بعد هذا البيت «قد بلغوا بقناهم إلخ»:
في الجاهلية إلا أن أنفسهم ... من طببهن به في الأشهر الحرم
قوله «في الجاهلية» تنبيه وإشارة إلى وصف شعراء الجاهلية الموامي والمياه الأواجن وصحبة القفار. وما ذكره هو خاصة في هذه القصيدة يومئ بإصبع إلى ميمية علقمة
ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة ... فعلموها صياح الطير في البهم
ناشوا هذه قرآنية من قوله تعالى ﴿وأنى لهم التناوش﴾ بهمز الواو وترك الهمز. وقال الراجز: -
باتت تنوش الحوض نوشًا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا
وقوله فعلموها صياح الطير ينبئ عن تجربة وهو في قوله:
وملمومة سيفية ربعية ... يصيح الحصى فيها صياح اللقالق
واللقالق ضرب من الطير. وأصل المعنى من عنترة: «تمكو فريصته كشدق الأعلم والمكاء صفير وصلة الصفير بالطير لا تخفى».
تخذي الركاب بنا بيضًا مشافرها ... خضرًا فراسنها في الرغل والينم
مكعومة بسياط القوم نضربها ... عن منبت العشب نبغي منبت الكرم
هذان البيتان نجد فيهما صدى من خطبان علقمة وتنومه الذي ينقف الظليم ما استطف منه وأبي سوط علقمة الذي ذكره في قوله: «تلاحظ السوط شزرًا وهي ضامرة، وهذا قبل بيت الظليم ونعته، إلا أن يكون له صدى منبئ عن أصل مكان الأخذ الذي أخذه أبو الطيب- وهو قوله «مكعومة بسياط القوم» وسائر البيت من قول حبيب:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود
ثم يأتي بعد ذلك القسم الأوسط من القصيدة. وقد صنع فيه صنعًا قريبًا مما صنع في «واحر قلباه ممن قلبه شبم» وذلك أنه جاء بالتخصير المحض ثم وشحه قبل أن يصير إلى القسم الثالث من القصيدة الذي هو نهايتها وأوله «توهم القوم».
أول التخضير «وأين منتبه». وأنزل رثاء فاتك منزلة العظة والاعتبار والحكمة:
وأين منبته من بعد منبته ... أبي شجاع قريع العرب والعجم
لا فاتك آخر في مصر نقصده ... ولا له خلف في الناس كلهم
من لا تشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم
عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم
هاهنا مرارة بالغة كأن قد عاد بها عودًا قاتمًا إلى قوله من قبل:
ونترك الماء لا ينفك من سفر ... ما سار في الغيم منه سار في الأدم
стр. 2801
إلى مه وإلى من هذا السير وقد عدم فاتكًا. وما أمامه إلا العدم وكأنما هو سائر بآماله إليه هل عند الدنيا زيادة على هذا العدم يبتغي أن تزيده إياها؟ فيم هذا العناء وإلام هذا السير؟
ومتصل بالسير ذكر الإبل. وفيه أنفاس من ذكريات الماضي ومن هاهنا مبدأ التوشيح والتنطيق:
ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم
جاء ذكر الأصنام وتفسير رمزها أوضح في المقصورة حيث قال:
وقد ضل قوم بأصنامهم ... وأما بزق رياح فلا
ومراده بالأصنام هنا كافور وكثير غيره ممن قصدهم ولم يجدهم عندهم إلا قليلاً مما كان يأمله كأنه لا شيء. ولعله لا يخرج سيف الدولة كل الإخراج من نفحة هذا الذم. إلا أن قصده إلى كافور أوضح، لأن عهده به كان أقرب، وأمله فيه كان أضخم لما كان يعتقده في نفسه من نقص فيه ربما ييسر له سبيل ذلك. فكانت خيبة ذلك الأمل شديدة مرارة الوقع.
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
стр. 2802
وما كان مجد كافور بالسيف ولكن بالدهاء مع الذكاء
اكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن عل بلم
فهذا آخر التخصير وماله من وشاح
وآخر القصيدة ذكريات وحكمة وعزاء وأسى واعتذار عن هذا الدأب الذي إنما هو عناء وضياع وقت في غير ما طائل:
توهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقرب ما يدعو إلى التهم
القوم هم كافور وسائر الملوك ولعل القصد إلى سيف الدولة هنا أظهر لأن دلالة ما يلي من الأبيات عليه أقوى:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي الرحم
هنا إشارة إلى بيت طرفة
فلا زيارة إلا أن تزورهم ... أيد نشأن مع المصقولة الخذم
من كل قاضية بالموت شفرته ... ما بين منتقم منه ومنتقم
صنا قوائمها عنهم فما وقعت ... مواقع اللؤم في الأيدي ولا الكزم
فسروا هذا البيت بأن المراد أنهم لم يسلبونا سيوفنا، فقد نجونا منهم وهي بأيدينا التي لا هي ذوات قصر ولا بذوات لؤم. والكزم قصر اليد. ومعناه هنا الجبن لأن الشجاع يمضي قدمًا كما قال قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وفي القاموس: «وككتف الرجل الهيبان» أي الهيوب والكزم بالتحريك البخل وقصر في الأنف والأصابع. وفي قول أبي الطيب معنى القصر والبخل والجبن جميعًا. وعندي أن قوله صنا قوائمها كأن قد قال صناها عنهم ثم اعتذر بأن ذلك لم يكن بسبب أن قوائمها وقعت من أيدينا موقع لؤم وجبن. وأضرب أبو الطيب عن ذكر السبب الذي من أجله صان سيوفه عن تضريب أعناق هؤلاء الملوك. وقد كان قال من قبل:
وجنبني قرب السلاطين مقتها ... وما يقتضيني من جماجمها النسر
وقال:
стр. 2803
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجر
وكأن أبا الطيب بقوله: «صنا قوائمها عنهم» يتندم على تركه قتالهم واستبداله ذلك بالتقرب منهم فحسبوه عجزًا «وفي التقرب ما يدعو إلى التهم» وكأنه يعتذر مع ذلك بأن ما ترك من قتلهم أو قتالهم إنما كان صيانة لهذه السيوف. فإلى متى هذه الصيانة؟ لا عجب إذن أن بادر أعداؤه فقتلوه مرجعه من عضد الدولة. فقد جمع من المال وبعد السمعة ما كان عسى أن يهيئ له سبيل الوثوب- على أني أرجح أن هوس طلب السلطان الذي اتهمه به أبو منصور ما كان إلا أحلام شاعر وأن معاركه التي خاضها أو كان ينبغي بعد أن يخوضها ما كانت إلا معارك هذا القريض. وصدق الله : ﴿يقولون ما لا يفعلون﴾.
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم
برفع منظره أي ما بدا شاقًا كريهًا فليهن أمره عندك إذ هذه الدنيا ما هي إلا حلم، ومن نصب منظره عمم المعنى، أي كل ما تراه فليهن عليك إذ حقائق هذه الدنيا كباطل الأحلام
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
ذكر الغربان مفردها وجمعها كثير عند أبي الطيب. وهنا لا يخلو من أن يكون فيه صدى من غربان علقمة التي هي طير في أول الميمية (عقلاً ورقمًا تظل الطير تخطفه) وهي غربان سافرة في آخرها حيث قال: (ومن تعرض للغربان يزجرها البيت)
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
هذا المعنى يتكرر عند أبي الطيب «إذا رأيت نيوب الليث» «ولما صار ود الناس خبا»
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
ثم تبلغ الحكمة ذروتها في قول بعد، ويخالط ذلك نفس المأساة والغناء الحزين: -
سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم
الدهر يعجب من حملي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحطم
يقول شكسبير في كلمته المشهورة على لسان هامليت: (٣ - ١ - س ٥٦ - ٩٠)
To be or not to be: That is the question
стр. 2804
البقاء أم اللابقاء- ذلك هو السؤال
في السطر (٧٦) ... ... who would fardels bear,
من كان يحتمل هذه الأعباء (١) ...
هل اطلع شكسبير على قول أبي الطيب: «الدهر يعجب من حملي نوائبه؟ » أليست في حكمته في هذه القطعة من مشهور قوله أنفاس من أصداء حكمة أبي الطيب:
وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
فيزعم بعض البلاغيين أنا ها هنا إيجازًا بالحذف أي فساءنا والمعنى يفسد بهذا التفسير، والصواب أن نأخذه كما أعطاه الشاعر، ومن أتبعه «فساءنا» تفسيرًا له فقد حد من سعة آفاقه.
ما أشد تقلب قلوب البش ولا سيما الشعراء. قد قال أبو الطيب في مقطوعة له نونية نظمها بمصر قبل نظمه هذه الميمية:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا
تولوا بغصة كلهم منـ ... ـه وإن سر بعضهم أحيانا
فهل أراد بقوله: «أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرهم» تفسير قوله من قبل «وغن سر بعضهم أحيانا» فهؤلاء البعض، إنما كان سرورهم على زمان شبابه وهو المرموز له بقوله «أحيانا»، أو رجع أبو الطيب عن ذلك القول بنسبة العناء والشر إلى زمانه هو؟ ها هنا تقلب قلب الشاعر. وذلك أن روح الميمية روح حزن وغضب وهجاء.
وقد صار من بكاء فاتك وهجاء حاسده الخصي الأوكع إلى الأسف على نفسه والعبرة بموت فاتك وهجاء الناس كلهم، فكلهم خصي أوكع ودهرهم هرم برم.
وما خلا أبو الطيب في اختتامه هذه الميمية الرائعة بالزمان الهرم من تأثر بأواخر أبيات ميمية علقمة حيث ذكر النوق الحسان ومعها صغارها تتزعم ووراءها فحل أكلف مختبر كثير اللحم.
стр. 2805
فحل علقمة فتي قوي ضخم كالفيل أسود كالليل الظليل ليس بأسيود رهل خصي رخو مداهن ككافور وأشباه كافور ممن ليسوا بسود ولا خصيان ولكنهم - أو كما قال:
كأن الأسود اللابي فيهم ... غراب حوله رخم وبوم
رحم الله أبا الطيب. إنما كان شارعًا عظيم الخيال ضعيف المحال.
وقد كان ناقدًا ذواقة مبينا عالما بمكان نفسه من ذلك كله عالما أيضًا بأنه غير مصيب على ما يحسنه من جزاء مكافئء له. وقد أحسن إذ يقول لسيف الدولة:
ومالي ثناء لا أراك مكانه ... فهل لك نعمى لا تراني مكانها
وكأن قال «وكم لك من نعمى أنا استحقها وعداي الذين سيتغلبون على آخر الأمر عندك لا يرونني أهلا لذلك ولا مكانا له».
وفي هذه النونية أبيات جياد في نعت بعض ما كان من زخارف وتصاوير على ما أهدى له سيف الدولة من ثياب الدياج.
ترينا صناع الروم فيها ملوكها ... وتجلو علينا نفسها وقيانها
ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها ... فصورت الأشياء إلا زمانها
وهذا من عجيب القول وبعيد أغواره إذ الزمان هنا عنده بعد من الأبعاد عجز الرسام أن يقيده أو يرمز له بقيد كما قد فعل بالبعاد المكانية.
وما ادخرتها قدرة من مصور ... سوى أنها ما أنطفت حيوانها
فهذا ينقل معني حيوية ما صورته من حيوان إذ لم تدخر قدرة تصويرية إلا أتت بها إلا أن ينطق الحيوان. وما خلا أبو الطيب هنا من أخذ دقيق من قول أبي عبادة
يغتلى فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
هذا
ومن أعجب شعر أبي الطيب ميميته:
ملومكما يجل عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
وهي قصيدة عتابية، عاتب بها كافورا كما عاتب سيف الدولة «بواحر قلباه» من قبل، غير أنه رام فيها أن يكون ألأبق، وأبعد عن تهمة إساءة الأدب بالأدب، فلم يكافح كافورا بخطاب. كلا ولم يقارب أن يكافحه بتلميح. ومع هذا فقد روى عنه أنه