ثم خروج الدابة الغريبة ... من الصفا بهيئة عجيبة
وهي المذكورة في سورة النمل ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابةً من الأرض تكلمهم﴾
ثم طلوع الشمس من مغربها ... صاعدة قاصدة مشرقها
وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ [في أواخر سورة الأنعام]- قيل طلوع الشمس من مغربها وحين ذلك لا تقبل التوبة ممن لم يكن تاب من قبل.
كانت قصيدة «ود دوليب» يعرفها فقراء الدامر وغيرهم ويحفظها من يعقل من الصغار وتكتب في الألواح أحيانًا. وفي وصف علامات الساعة أن القرآن يرفع من السطور ومن الصدور وأن الناس يعيشون كالأنعام يأكلون ويشربون ويتسافدون. أم ليس في قول الشاعر: -
يحيا به الناس أفراحًا سواسية ... كأسًا بكأس وإغراء بإغراء
بعض الإشارة إلى هذا المعنى. هذه القبلات العلانية في السينما. هذا المادة التي لا تهاب
يعبرون كما شاؤوا وما عرفوا ... متنا يعالج أدواء بأدواء
داء الأنانية والمادية بخوف المجهول،
ثم خروج الدابة الغريبة ... من الصفا بهيئة عجيبة
هذا أحد المتون مما كان وما زالت تتداوى به البقية الباقية من تراث الفقراء.
ها هنا عند شاعرنا مع الإعجاب (يعبرون كما شاؤوا خوف الساعة وعلاماتها- تأمل قوله (وما يسعى لإمساء) لكفر هذا الغرب لا ينتظر ظلام «إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت» وتأمل قوله: «وإغراء بإغراء». هل الدابة الغريبة هي هذا الناس بعد أن تمسخهم المادية قردة وخنازير ثم يقع بهم الخسف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب؟ حتى الغربيون أنفسهم منهم من فزع من مادية حضارة عصره وسماها الدابة The Animal
والذي يدلنا على فزع شاعرنا من جراءته وثورته التي كأنها شعوبية يسارية الظاهر التجاؤه إلى تراث العقيدة السنية القديم العميق:
أتعرف الشرق كان الشرق في بلد ... قد استراح إلى يأس وإرجاء
стр. 3012
الشرق الأولى هي العبارة المعاصرة التي يرد بها دار الإسلام كما مر في شعر محرم والشرق الثانية بمعنى الشروق والضوء. الصبح الآن من الغرب ولكنه من قبل كان ها هنا ونحن صرفناه عن دارنا يوم استرحنا إلى اليأس وفرضنا التحكيم على علي وهوله كاره، ثم داهنا وأدهنا من بعده وصرنا مرجئين وأطلق العنان للدهاة وللملوك وللجبارين.
خان الحضارة في صفين إلخ
أي صلة هذا وبين قضايا اللغة والشعر الحديث والثورة الجريئة اللسان- نعم الشك والفزع وجذور الإيمان التي في الجنان
أم أنت تسخر مني إلخ
الشاعر يخاطب محافظه ثائره، الذي نسى العصر ودابته مع عمار بن ياسر ومع الحسين بن علي ﵃ نعم «أنا» المحافظ أسخر مني أنا الثائر، والثائر المعترف في بمحافظته يسخر من ذلك أيضًا- وترى ما هو إلا تكرار للغناء القديم، قوافل الأوزان الخليلية التي تقف على الأطلال وتسائلها
هل غادر الشعراء من متردم
وعبدان العصا هم هذه الشراذم التي تطرب لتهديم الأوزان واضطرابها، هؤلاء هم عبيد العصا. «عبيد الشيخ» رمز به الشاعر لنفسه حين حاول التحرر من الوزن، مضطربًا به عن عمد، كاضطراب عبيد بن الأبرص في:
أقفر من أهله ملحوب
هذا وفي الثلث الأخير من القصيدة يعرض الشاعر لثلاثة أغراض، أحدها بقية ثورة وتهيب ولا يخلو من غموض وهو قوله:
هاتوا ابن أحمد ترضيني حكومته ... إذا تملأ من نقلي وصهبائي
يطوي الموازين في بغداد منتجعًا ... باريس عالم إيقاع وأزياء
تنسيه صيحته في البئر قيدها ... في دفتر ندب الأطلال بكاء
وفي هذا من مقارنة الشعوبية والثورة على قديم التراث باسم العصر الحديث. وفي قوله: «حكومته» صدى من صفين وتحكيمها وفي خطب على وردت «الحكومة» بمعنى التحكيم وأراد شاعرنا: «يرضيني حكمه» ولكن بشرط أن يتملأ من فتنة العصر
стр. 3013
الحديث ويطوي موازين عصر بغداد- إذ كان الخليل بالبصرة وكانت بغداد قصبة الدنيا آنئذ- منتجعًا باريس بما فيها من فن وموسيقا وأوبرا وترف مادي وأدبي. إذن لأنسته فتنتها عمل العروض واستعانته بسماع صدى صيحته في البئر وتقييده ذلك في الأعاريض
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ماذا وقوفي على رسم عفا ... مخولق دارس مستعجم
وهلم جرا
الغرض الثاني الاستدلال بثورة بيكاسو الفنان وتجديده، وزعم شاعرنا أنه كان ينظر ثم لا يجعل فنه بعد ذلك مستعبدًا لقوانين الظلال والرؤية والضوء، بل يجرد انفعاله إزاء ما يرى في هيئة أشكال، يحنط فيها أشباح لذته كما تحنط الموميات فهو بدلاً من أن يرسم الجميلة بظلال وأضواء تبين زاهر ملامحها، يشق هذا المنظر الجميل بمبضع تشريحي، فلا يبقى إلا الهيكل العظمى، فيكسو هذا الهيكل لحمًا موميائيًا معبرًا عما أصاب هو من لذة. عمل وتعب تأوله الشاعر الرسام أنه هو مذهب بيكاسو. ولعل أمر ما صنعه بيكاسو لم يكن أكثر من محاولة يائسة للتجديد، إذ مع ما كان له من مهارة، قد سبقه الفنانون الأولون واللاحقون بهم من بعدهم، وكان يعلم في نفسه تقصير ما يستطيعه من إبداع، أقصى ما كان يستطيعه من إبداع، عن مدى غوية (١٧٤٦ - ١٨٢٨ م) والغريكو من فناني قطره، بله من سبقوه في عصر قريب من التأثيريين ومن إليهم ومن تقدمهم وهلم جرا.
ثم يقول المهدي ﵀.
إن كانت اللغة الفصحى فهل سمعت ... سحر الطبيعة من صمت وإيماء
هل ههنا يوازن الفنان المهدي بين القدرة صاحب الريشة المصورة وصاحب القلم المبين، هل هو ثائر على أن ضحى الأول من نفسه هو من أجل الإخلاد إلى الثاني- التصوير حرم، والبيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة، إلا أن يكون شيء غير ذي حيوية أو بمنزلة اللعب للأطفال كالخيل المجنحة التي ذكر بعض رواة الحديث أن رسول الله ﷺ رآها عند عائشة ﵂ مرجعه من تبوك فقالت إنها خيل الملائكة؟
стр. 3014
والغرض الثالث وهو ختام القصيدة وزبد معناها، اعتراف صريح بتمرد على ما أحاط به من بيئة محافظة من نفسه ونشأته ولغته وثقافة آبائه الفقراء الدامر المجاذيب ومجدهم وأورادهم واحتفالهم بالمولد:
صلينا مشتاقين ... ليست الكونين
صلينا مشتاقين ... لقرة العينين
وبرجية المعراج:
ردف السلام ... للنبي الإمام
صاحب المقام ... يوم الازدحام
وجهه كالسراج ... نوره وهاج
ليله المعراج ... كبروا له التاج
ومن أخريات نماذجهم وكبرياتهم والده الأستاذ العلامة الحافظ الشاعر المثقف أستاذ العربية بكلية غوردون وقد تخرج منها من قبل في أول دفعة كما تخرج ابنه هذا الشاعر من بعد، بارعًا في معارفها وفي اللغة الإنجليزية وآدابها وأفنديا مبنطلاً من صميم الجيل المتحرر الواعد الحديث.
ومع التمرد انتماء عميق وقيد الانتماء عتيق.
ضحكت منطلق الأنفاس مبتهجًا ... مع الحياة أحبتني وأهوائي
سكرت حبًا على صحو يلازمني ... في ظلمة الخمر حبًا غير نساء
في التعبير هنا عناء حبيبي المعدن. سكر الشاعر بحب العصر وفتنته ومع هذا السكر صحو ملازم هو الشعور بالانتماء والقديم- ولأمر ما حين شبه الشاعر افتنانه بحب التحرر الحديث بسكر الخمر ولذتها، جعل الخمر والسكر ظلمة- ولا يخفي أن الصحو الذي هو نور هو هذه المحافظة وهذا الانتماء.
أصارع الشعر كي تبدو حقيقته ... فيها حقيقة ميلادي وإنشائي
الرسم ذوبان في فتنة العصر الحديث. الشعر يتيح لي عرض الصراع الذي في نفسي بين الثورة والمحافظة. عدوى هذه الثورة وهي أنا. لا بد من القيد لترويضها وتذليلها. أنا ابن اللغة الفصحى وقيودها. لعنة على هذه الحرجات العربية الثورية التي تمزق عني ثوب مجدي القديم. مجد فقرائي علماء السيرة أهل الأوراد والأذكار والإسراء والمعراج.
стр. 3015
قيد بنفسي لا أنفك أضربه ... حتى أسالم في جنبي أعدائي
نشأت في اللغة الفصحى مقدسة ... حتى اكتهلت وما فارقت صحرائي
مقدسة، لبدئها بحفظ القرآن وحرصها على قيم بلاغته. وفارقت صحرائي أي بلدي الدامر التي وصفها بوركهاردت وبروس وأعجبوا بما فيها من سخاء وعلم وفضل وشيم نبيلات.
أتعرف العرب الأمجاد في بلد ... به تحطم معراجي وإسرائي
الأمجاد صفة للعرب أي هل تحس من عرب ماجد في هذه العاصمة الكافرة، في هذا العصر الحديث؟
القصيدة رصينة ولكن انفعال عاطفة الشاعر فيها غير شاف لما خالطه من شك وتهيب وجسارة يخالها غموض. بهذا هذه القصيدة من أجود أنواع التعبير عن مشكلة العارف بهذه اللغة المتذوق لروائعها إزاء ما يحيط به من فتنة محاربتها والتنكر لأساليبها- هذا الذي قارب شاعرنا المهدي التصريح به في قوله:
(أتعرف العرب الأمجاد إلخ) قد صرح به تصريحًا فيه حمية أهله الجعليين حيث قال في قصيدة عنوانها «يوم الماهية»: (١)
وقفت إلى الصراف والدين واقف ... بكشف كحبل البئر أهوى إلى الورد
(كان الناس إلى عهد قريب لا يعرفون الماء عندنا إلا من الآبار)
سلامًا على الصرف أضحى أصابعًا ... تراقص بين الخضر والحمر والربد
كان المهدي محاسبًا فنظره إلى الصراف عن مراقبة عارفة والخضر أوراق الجنيه والحمر والربد ما دونها إلى قطع البرونز
أوقع في كشف المواهي فليتهم ... وقد نقدوا صانوا حيائي من النقد
أي وقد أعطوني النقد، والنقد الثانية أي الطعن والوخز والعيب لأن في فرض التوقيع نوعًا من إذلال
أقلب أوراقًا وصفرًا وفضة ... أعد فلوسي كم خسرن على العد
صكوك بلوناها طويلاً وضيعت ... هداي وسماني أولو الرشد بالمهدي
أكل غنى بات في الناس آمرًا ... يجوز له أكل الجهود بلا جهد
ورب جنيه بات عندي أصره ... يطير إلى البنيان طاروا إلى الهند
البنيان طائفة من الهندوس كان منهم بالسودان تجار كثيرون وما زالت منهم بقية ويظهر أن صلتهم بهذه البلاد ضاربة في القدم.
стр. 3016
أجور ألفناها وورد مكدر ... وحمد لرب الماس أشبه بالجحد
فليتن بعت المش في الحي كاسبًا ... وأعليت من أطباقه شرف المجد
لأن الطبق له حافة ناتئة تظلل رأس من يحمله وتبدو كأنها شرفة بالنسبة إلى جسم حاملها- فليتني بتخفيف كسرة نون الوقاية بلا إتباع لها بياء المتكلم
عجبت لنفسي كيف أصبحت جالسًا ... إلى مكتب أبلى حياتي بالجرد
وصاحوا أتى الصراف أهلاً بطائف ... يزور على طول الترقب والوعد
وأمسى أبو حيان عندي مقلبًا ... كتابًا وأقلامًا حرثن بلا حصد
وقد أحرق أبو حيان كتبه واعتذر عن ذلك في رسالة له حزينة
تجردت إلا من خلال كريمة ... خشيت عليها الصبر فقدًا على فقد
يعلمني الإيثار قومي ثراؤهم ... من الدين والأحساب والكرم العد
أي الغزير الكثير كعد الماء الذي لا ينقطع مدد عينه
ومرت ضحى سيارة ذات غبرة ... وزهو على الدنيا مصعرة الخد
أي صاحبها يصعر خده زهوًا وغرورًا
من الحلب الأشرار فيها مغامر ... رآني فحياني حريصًا على ردي
وأعرض عنه حاقرًا منه نفخة ... ألم يدر أن الزيف محتقر عندي
الحلب أصل معناها الأخلاط من الناس لا أصل لهم وتطلق في العامية على الغجر ومن هم كالغجر من نابتة العصر الطارئين على البلاد.
هذه الأبيات من قصيدة طويلة آثر الشاعر فيها كما قدمنا البيان الصارح مع حرارة نفس وانفعالة ثورة أصالة ليس معها شك أو تردد- ومع ذلك تصوير بليغ وأنفاس سخرية وفكاهة.
وشعر المهدي الجيد كثير لا تتسع له صفحات هذا المجال المحدود ودونك نموذجًا أخيرًا هذه الأبيات من قصيدة له بعنوان «غارة طليانية» يصف بعض تجاربه إذ تطوع في الجندية الإضافية بالعاصمة سنة ١٩٤١ م إلى حين:
يقول البريطاني دافع ولا أرى ... دفاعًا ومالي في بلادي موطن
وراطنته حينًا وأصغيت معجبًا ... لصوتي كأني كافر متمدن
يقوا تطوع قلت لا ثم ردني ... أخ ضيق العينين كالتيس أرعن
يخوفني مكر الخواجة حاقدًا ... على وسجني إن تمردت ممكن
стр. 3017
ولي إن تعلمت السلاح وسيلة ... بها يستشفى حقد أعانيه مزمن
وأصبحت جنديًا فجاءت مغيرة ... وزامرة صاحت ففر المؤذن (١)
الزامرة صفارة الإنذار- وأغارت طائرة طليانية
أمد حبالاً من شواظ متينة ... وأمسك أقطار السماء وأطعن
هذا وصف جيد وكان المهدي ﵀ يطلق النار من مدفعه الرشاش بالخرطوم البحرية حين أغارت الطائرات الطليانية ذات عشاء
عجبت لهذا الإنجليزي لابدا ... بخندقه والطير فوقي تدندن
لبد يلبد من بابي نصر وفرح
وألقت رعودًا قاصفات ولذنى ... من الخوف موت فيه من خاف يأمن
لذ من باب فرح لذنى الشيء ولذذته، وجهان
ومالي إلا موطن ليس حكمه ... إلي ولكني أسير مسجن
ومن فوق رأسي خوذة مستديرة ... وكمامة بلعومها ليس يؤمن
الخوذة بضم الخاء لا فتحها كما ضبط خطأ في الديوان. وكانت الكمامة للوقاية من الغاز السام ولم يستعمل في معارك الحرب الثانية، وقوله: «ليس يؤمن» لأن الكمامات التي صرفت للمطوعة كانت قديمة يخشى ألا تقي مما جعلت وقاية منه
وأطلق نيرانًا تعاوى وترتقي ... لها شعل بالليل تهذي وترطن
هي الحرب جاءتنا ونصلى أوراها ... وما بلدي روما ولا هي لندن
والطائرات المغيرة بأمر روما والمدافع ترميها بأمر لندن وضلع الشاعر مع الألمان غيظًا على الاستعمال البريطاني، وكذلك كان كثير من العرب
سلام على الألمان ذقنًا هزيمة ... معًا وأتى روميل فالثأر ممكن
وصف الشاعر لحبال الذخيرة حي دقيق.
وتعجب الشاعر من نفسه كيف نطوع ليدافع كما قيل وزعم عن الوطن والوطن ما زال تحت المستعمر، وذلك قصر السردار، الحاكم العام البريطاني يشرف على النيل ببياضه من شاطئ الخرطوم المقابل، إذا كان هو عند مدفعه بالخرطوم البحرية على الشاطئ الشمالي من النيل الأزرق، ألا يوجه مدفعه إليه فيدكه دكًا- نسى الشاعر ﵀ أنه
стр. 3018
مدفع رشاش لن يضيع في الجدران الضخمة كبير شيء ولكن عسر أن تصيب طلقة منه السردار نفسه. وفي الصبح جاء الضابط المسئول (١) فطلب عهدة الذخيرة وعدها كما يتطلب ذلك نظام الفرنجة الدقيق، فغضب الشاعر على الصاغ البريطاني غضبة مضرية- قال وهو قصص جيد ذو حيوية وروح فكاهة ساخرة مع النمط العربي الرصين
عجبت لنفسي في قيودي محاربًا ... على النيل والسردار في القصر يكمن
ويا مدفعي الصخاب لودرت دورة ... عليه شفاني قصره وهو مثخن
ألم نحتمل غوردون رأسًا بحربة ... لخا صيحة بالنصر والفخر تعلن
ويا كسلا صبرًا ولا بأس إنها ... حروب وإني بالمقادير مؤمن
وقعت كسلا في قبضة الطليان، فقوله: «ولا فرق» أي كله استعمار،
ولا بأس أن نشقى بحرب لعلها ... تدك بلاد الإنجليز وتدفن
وصبحني في أول الصبح ميجر ... يعد رصاصي وهو للعد محسن
هذه شهادة المحاسب والشاعر المراقب
فصحت به حاربت عنك فهل ترى ... أبيع رصاصي وهو صنف مدون
وهذه غضبه وطني وحجة مدني إداري، وما حارب هوعن البريطاني حقًا ولكن عن وطنه.
فقام ولم يغضب وسلمت عهدتي ... إليه وحياني الكدوس المدخن
كان رئيس المصلحة التي كان يعمل فيها المهدي الميجر «فلي» فيجوز أنه كان الميجر الذي عد الرصاصات المائة وخمسين رصاصة كما بين الشاعر من بعد، ويجوز أنه يكون قد جاء «ميجر» حربي وعدها بحضرة الميجر «فلي» ولكن السياق يدل على أن الذي تولى ذلك هو «فلي» وكان إداريًا حازمًا ووصفه الشاعر هنا ببرود وتعال ومظهر تهذيب- حياه، ولكن بنزع غليونه من فمه حينًا يسيرًا
ليسقط «فلي» وليعل في الحرب هتلر ... فقوموا بني السودان فادعوا وأمنوا
كما كان يدعو فقراء الدمراء ويؤمنون كلما حزبهم أمر يخشونه، يقرأون يس أربغين ومائة وألفا- آمين آمين كل منهم يؤمن بعدد ما قرأ ثم اكتمل العدد أذن «الفكي» الكبير ءآمين
стр. 3019
ومن يرد شرًا لنا يقود ... فكيده في نحره يعود
ومن يرد شرًا لنا يجر ... فسقفه من فوقه يخر
حياه فلى بالغليون المدخن وأعفاه من التطوع، أنغ أن يكون دفاعًا عنه هو، وأعطاه مكافأة وبرر تصرف إعفائه له بتقرير إداري
وأبعدني من خدمة الجيش صارفًا ... مكافأة عن خدمتي ليس تسمن
جنيه ونصف كل قرش بطلقة ... وما لحياتي عنده من يثمن
لا يخفى ما ههنا من مرارة
وسجل في التقرير أني مشاغب وأسعدني أني طليق ملجن
التلجين هو أن تجتمع لجنة وتصدر تقريرًا بالاستغناء عن كذا وكذا وأكثر ما كان يطلق التلجين على الأشياء والمعدات التي يستغنى عنها، فالملجن كأنه غير صالح ليستفاد منه.
وهذا وقد كال هذا الكتاب ولا أريد أن أخرج به عن جادة ما وضع له من تتبع قضايا الوزن والجرس والبيان وأشكال تقصيد القصيدة وأطوارها وما طرأ عليها من معاني العصر الحديث وهزاته وتحدياته وهي عبارة لا تعجبني، أعدها من هذا الجند الغريب الذي طرأ على لغتنا وأساليبنا. لا أريد أن أخرج إلى باب من التراجم والاختيار فذلك يصير بنا إلى بحر لا ساحل له. والمحسنون ممن لا يزال يؤثر مذاهب الجزالة قد جعلوا بحمد الله يكثرون في بلدنا وفي سائر البلاد العربية، كما أن بدعة الشعر الذي يقال له حر قد جعلت كبرى غمراتها توشك أن تنحسر والله المستعان وبه التوفيق.
وقد كان الشيخ مصطفى السقا ﵀ أشار علي حيت تولت شركة مصطفى البابي الحلبي طبع الجزئين الأول والثاني ونشرهما سنة ١٩٥٥ م ١٩٥٦ م ذكر لي أنه يستحسن أن أكتب عن الموشحات، وحسن ما أشار به ﵀ وجزاه خيرًا عن كل ما أسدى إلي من خير ولكن الموشحات باب قائم بنفسه، تدخل فيه مع عامية الأندلس أساليب المورسكيين وما يصل ذلك بما تطور منه في بروفنس وأقاليم فرنسة وأوروبا في العصور التي يقال لها الوسطى، فخذا يطلب تخصيصًا وانصرافًا جديدًا إلى بابه من البحث، ولعل غيري أن يكون أجدى كفاية وأدرى دراية بذلك مني في هذا المضمار، وكل ميسر لما خلق له وليس من الحكمة أن يقدم المرء على ما عسى ألا يكون له محسنًا- إن الله يحب المتقن عمله.
وفي النفس شيء من باب من أبوب الشعر الحديث لا يسمح الطول الذي طاله هذا الكتاب والجهد الذي كلفنيه من الإقبال على شيء منه الآن- وذلك هو الجانب
стр. 3020
المسرحي فإن نسأ الله في العمر سبحانه ، وأعان بمدد منه من صبر وصحة وعمل وتوفيق فآمل أن أفرد لذلك بحثًا. رحم الله أحمد شوقي فهو أول من جود المسرحية العربية وروض الأوزان والديباجة الناصعة عليها. ونظرت عرضًا في أوائل مسرحية مجنون ليلى:
وأنت إذا ما ذكرنا الحسين تصاممت
«بشر هامسًا ومتلفتًا كأنما يخشى أن يسمعه أحد»
لا جاهلاً موضعه
ولكن أخاف امرأ أن يرى ... على التشيع أو يسمعه
حبست لساني عن مدخه ... حذار أمية أن تقطعه
إذا الفتنة اضطرمت في البلاد ... ورمت النجاة فكن إمعة
«ليلى»
ابن ذريح نحن في عزلة ... فهل على مستفهم منك باس
دار النبي كيف خلفتها ... كيف تركت الأمر فيها يساس
«ابن ذريح»
تركتها يا ليل مضبوطة ... يحكمها وال شديد المراس
إن حديث الناس في يثرب ... همس وخطو الناس فيها احتراس
«ليلى»
ابن ذريح لا تجر واقتصد ... أحلام مروان جبال رواس
يؤسسون الملط في بيتهم ... والعنف والشدة عند الأساس
«تتضاحك الفتيات وتقول إحداهن للأخرى»
«فتاة»
ليلى على دين قيس ... فحيث مال تميل
وكل ما سر قيسًا ... فعند ليلى جميل
«ابن ذريح»
ما الذي اضحك منس الظـ ... ـبيات العامرية
ألأني أنا شيعيـ ... ـي وليلى أموية
اختلاف الرأي لا يفـ ... ـسد للود قضية
«الخ الخ.١. هـ
стр. 3021
أحسن أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إذ يقول: في الكامل في معرض تقديمه أبياتًا دالية لابن مناذر رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي قال: «فله في شعره شدة كم العرب بروايته وأدبه وحروة كلام المحدثين بعصره ومشاهدته، ولا يزال قد رمى في شعره بالمثل السائر والمعنى اللطيف واللفظ الفخم الجليل والقول المتسق النبيل وقصيدته لها امتداد وطول» - وكذلك مسرحية مجنون ليلى وما جمع شوقي ﵀ من تجديد إلى حسن صياغة وصفاء ديباجة ومحافظة على الوزن والفصاحة وتعبير عن معان عصرية بروح حضرية- هذا ولنجعل ما ألمعنا إليه وما نسأل الله أن يعيننا على أن نفي ما وعدنا فيه خاتمة لصفحات هذا الكتاب ....
والمرء مظنة الزلل وتعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونسأل القبول وله الحمد أولاً وأخيرًا وكان الفراغ منه في الليلة الخامسة عشرة من ربيع الأول سنة ١٤١١ هـ (أي مساء ٣ من نوفمبر سنة ١٩٩٠ م) في مدينة الخرطوم أعني الفراغ من الفصل الأخير بعد مراجعته كما تقدم من ذكر ذلك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مؤلفه عبد الله بن الشيخ الطيب بن عبد الله بن الطيب بن محمد بن
أحمد بن الفقيه محمد المجذوب
رضي الله عنه