← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

فهذا سعر سلس وفيه روح رقيق من عاطفة وذكرى. بحر الأبيات ورويها على قرى: «يا من لقلب طويل البث محزون» وفيه من ألفاظها وضرب صياغتها كقوله: «وللصبا بشذاكم لا تداويني» فهذا فيه حذو من قول العدواني» ولا دماؤكم جمعًا ترويني» وكقوله: «مشتت وحبيب لا يواتيني» فهذا فيه من قول العدواني «وأصبح الوأي منها لا يواتيني» وفي القصيدة بعد من أنفاس ابن زيدون في النونية وبعض طريقة لفظها كهذه الأبيات الأخيرة من عند قولة: «من لي بعهد وصال إلخ» وكقوله من بعد: بجنيك من خده وردًا بنسرين وفي هذه القصيدة من المدح الجيد قوله: إني أوتيت من العليا إلى حرم ... قبل الإناخة بالبشرى يحييني ينتابه الناس أفواجًا كأنهم ... جاءوا لنسك على صهب العثانين يعني الإبل ترى الملوك قيامًا عند سدته ... وتنظر ابن سبيل وابن مسكين ذا يطلب العفو عن عقبي جريرته ... وذا يؤمل فضلاً غير ممنون نزلت منه إلى جم فواضله ... عبد العزيز ثمال المستميحين بكسر نون الجمع وهي لغة صحيحة وروى القافية يسيغها ها هنا كما قال ذو الإصبع: إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبيين ثم يقول ابن عثيمين بعد أبيات: فدم سليما قرير العين مبتهجًا ... بالآل والحال في عز وتمكين واشدد عرى الدين والدنيا بمنتجب ... من عنصر السادة الغر الميامين يعني ابنه الملك سعود وكان آنئذ ولي عهده، ﵏ جميعًا: فرع الأئمة والأذواء من يمن ... أهل القباب المطاعيم المطاعين غمر الندى نجلك الميمون طائره ... سعود أهل التقى نحس المناوين

стр. 2977

بتنوين دال سعود ونقل حركة الهمزة ولك منع سعود من الصرف وقطع الهمزة والأول أحب إلى وكسر النون الجمع كما ترى تلتك في خلقك السامي خلائقه ... تلو المصلي المجلي في الميادين هكذا وأحسبه «يتلو المصلي المجلي» والمعنى المستقيم بهذا ومصدر تلا، تلو بضم التاء، واللام لا بفتح وسكون إلا لمن زعم العموم قياسًا للثلاثي المتعدي كقول ابن مالك فعل قياس مصدر المعدي ... من ذي ثلاثة كرد ردًا وفي الذي قدمناه مندوحة عن الضرورة ومخالفة المنقول، هذا ثم ختم بقوله: ثم الصلاة وتسليم الإله على ... من خص بالخلق المحمود في نون وآله الغر والأصحاب كلهم ... ما ناح ورق بملتف البساتين وتأمل بعد هذه الأبيات العينية من حيث رصانة سبكها وزنة حرف الروى والخروج بعده وفحولة النفس: أهاج له ذكر الحمى ومرابعه ... لجاجة شوق ساعدتها مدامعه فبات بليل الجيب مضطرم الحشى ... كأن بسفا البهمى فرشن مضاجعه يمد إلى البرق اليماني طرفه ... لعل الحمى والخبت جيدت مراتعه منازل خاللت السرور بربعها ... ليالي يدعوني الهوى فأطاوعه أرب عليها كل محلولك الدجى ... أحم الرجى مستعجمات مطالعه هذا البيت خاصة قوي الرنة شديد الأسر غيلاني المعدن. الرجى الناحية، عنى أن السحاب المحلولك النواحي سوادًا قد ألح عليها بالهطول، وجعله أحم الرجى لسواده ودوى رعوده كأن ذلك صوت الرحى، وإذا الرعد يحدو المطر والحداء ضرب من الغناء والغناء سليل القريض، فقد نسب إلى الرعد مطالع كما للقصيد مطالع وهن ابتداءات هديره، وجعلهن مطالع مستعجمات، وكأن ها هنا توليدًا خفيًا من قول حميد المشهور:

стр. 2978

فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًا شاقه صوت أعجمًا وقد مر في صفة الحمامة في الجزء الثالث من المرشد: إذا ما بكت فيه السحائب جهدها ... ضحكن بنوار النبات أجارعه وقفت بها والصحب شتى سبيلهم ... عذول ومعذول وآخر سامعه فكاتمتهم ما بي وبالقلب لوعة ... إذا اضطرمت تنقد منها أضالعه وهكذا هلم جرًا. والبحر والروي يشعران بمجاراة خفية لحبيب وأبي الطيب معا في كلمتيهما: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجح طالبه وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وكأن عين رويه صدى من عين روى البحتري في: منى النفس من أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادة ولوعها وقد تعلم أيها القارئ الكريم أصلحك الله كيف سمح المتوكل إذا زعم أن عينها نثير القيء والتهوع في خبر ذكروه وما أحسبه خفي عن ابن عثيمين ﵀ فقد كان واسع الاطلاع ضليعًا في علم العربية. ومن جيد شعره في المدح والحكمة قوله للملك عبد العزيز رحمهما الله تعالى: يأيها الملك الميمون طائره ... اسمه هديت مقال الناصح الحدب اجعل مشيرك في أمر تحاوله ... مهذب الرأي ذا علم وذا أدب وقدم الشرع ثم السيف إنهما ... قوام ذا الخلق فب بدء وفي عقب هما الدواء لأقوام إذا صعرت ... خدودهم واستحقوا صولة الغضب واستعمل العفو عمن لا نصير له ... إلا الإله فذاك العز فاحتسب واعقد مع الله عزمًا للجهاد فقد ... أوتيت نصرًا عزيزًا فاستقم وثب وأكرم العلماء العاملين ركن ... بهم رحيمًا تجده خير منقلب واحذر أناسًا أصاروا العلم مدرجة ... لما يرجون من جاه ومن نشب هذا وفي علمك المكنون جوهره ... ما كان يغنيك عن تذكير محتسب

стр. 2979

وخذ شوادر البين، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه والسلام من بعد كما قد مر ذكره ولا يخلو ابن عثيمين ﵀ مع رصانته وجودة ديباجته من بعض الكلال والسرد أحيانًا، وقل كاتب أو ناظم يسلم مما يؤخذ عليه، والسرد أهون خطبًا من الركاكة واللين، وربما قصد أحيانًا قصد عمد إلى بعض ما شذ هذا من مذاهب العلماء معروف كقوله: فقلدوا أمركم من فيه رشدكمو ... يا المسلمون وشدوا منه بالعضد أم لعله لم يقل إلا «يا مسلمون» وبها الوزن مستقيم وأرجح والله أعلم أنه تعمد هذا حذوا على «فيا الغلامان اللذان فرا»، والخطأ النسخي لا يستبعد (١) ومن أمثلة الديباجة الرصينة الشيخ محمد سعيد العباسي ﵀، وإليك هذه الدالية من شعره وكان ﵀ مما يواتيه طبع سمح في هذا الضرب والعروض من البسيط. باتت تبالغ في عذلي وتفنيدي ... وتقتضيني عهود الخرد الغيد وقد نضوت الصبا عني فما أنا في ... إسار سعدي ولا ألحاظها السود سئمت من شرعة الحب اثنتين هما ... هجر الدلال وإخلاف المواعيد لا تعذليني فإني اليوم منصرف ... يا هذه لهوى المهرية القود هنا محاولة فيها رقة لمكافأة صدهن بصد مثله، وقد كره أبو السائب المخزومي التخشين في هذا الباب في قوله من قال: وكنت إذا حبيب رام هجري ... وجدت وراي منفسحًا عريضًا وهو مذهب لبيد: «فاقطع لبانة من نعرض وصله» في الميمية المعلقة، وكان العباسي ﵀ بها سافر السفر الطويل في بادية غرب السودان وكان السفر إلى حين قريب بالجمال. وقوله «المهرية» أراد الإبل النجائب ومن أنجب الإبل البجاوية الصهب وما أشبه أن يكون العباسي كانت له راحلة منها. لم يبق غير السرى مما تسر له ... نفسي وغير بنات العيد من عيد وبنات العيد الإبل النجائب ينسبن إلى العيد فحل مشهور وأصل كلام العباسي ﵀ بيت حبيب: (٢)

стр. 2980

حين أغادر كل يوم بالفلا ... للطير عيدًا من بنات العيد. ثم قول العباسي ﵀: المدنياتي من رهطي ومن نفري ... والمبعداتي من أسري وتقييدي أثرتها وهي بالخرطوم فانتبذت ... تكاد تقذف جلمودًا بجلمود تؤم تلقاء من نهوي وكم قطعت ... بنا بطاحًا وكم جابت لصيخود عدى جابت باللام وأحسبه بذلك فصيحًا في هذا الموضع لما في اللام من مناسبة لقوم تؤم تلقاء من نهوى فلم يجعل «من» يتسلط عليها الفعل «تؤم» من غير حاجز: نجد يرفعنا آل ويخفضنا ... آل وتلفظنا بيد إلى بيد وشد ما عانقت بالليل من عنق ... يضني ومن حيف أخدود فأخدود حتى تراءت لحادينا النهود وقد ... جئنا على قدر حتم وموعود النهود بلد بغرب السودان كان منها نهود- أي نهوض- القوافل وقاصدي الموارد والمراعي في حر الصيف وهي في إقليم كردفان غرب مدينة الأبيض في طريق دارفور. معالم قد أثارت في جوانحنا ... شوق الغوير لمهضوم الحشى رود ثم كأنه استحيا من هذا الغزال فقال: استعفر الله لي شوق يجدده ... ذكر الصبا والمغاني أي تجديد وتلك فضلة كأس ما ذممت لها ... طعمًا على كبر برح وتأويد وفي هذا البيت حرارة من عاكفة وجانب من رقة وكبعض مذهب الشريف الرضي شيئًا ما. وكان أبوه رحمه الله تعالى، شيخًا معتقدًا وكان هو خليفته من بعده، تلاميذه وتلاميذ أبيه يكرمونه ويتلقاه من يتلقاه منهم بالحفاوة البالغة والاحترام والترحيب. وكان ﵀ قد درس العربية والقرآن في صباه، ثم نال حظًا من الحياة العصرية والتدريب العصري في الحربية بمصر حين ألحق بها، ثم تخلي عن ذلك وانصرف إلى سبيل آبائه في العلم والتصوف. مذهب الشريف مع سماحة ذات ظرف ساذج سهل أظهر في هذه الأبيات:

стр. 2981

درس العربية والقرآن في صباه، ثم نال حظًا من الحياة العصرية والتدريب العصري في الحربية بمصر حين ألحق بها، ثم تخلى عن ذلك وانصرف إلى سبيل آبائه في العلم والتصوف مذهب الشريف مع سماحة ذات ظرف ساذج سهل أظهر في هذه الأبيات: وكم برزن إلى لقياي في مرح ... وكم ثنين إلى نجواي من جيد لو استطعن وهن السافحات دمي ... رشفنني رشف معسول العناقيد يا دار لهوى على النأي اسلمي وعمي ... ويا لذاذة أيامي بهم عودي ثم سلا عن هذا إلى غناء الحمامة: وذات طوق نزلنا تحت دوحتها ... وقد تغنت بأهزاج على عود وأحسبه على كثرة ما ورد في غناء الحمامة لم يخل هنا من نظر إلى قول المعرى إذا لمست عودًا برجل حسبتها ... ثقيلة حجل تلمس العود ذا الشرع أي تلمس العود الأوتار- واحد الشرع بكسر الشين شرعة- وقد أخذ المعري من شاعره الكبير أبي الطيب حيث يقول: - إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابته أغاني القيان ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان وقد يتشابه الوصفان جدًا ... وموصوفاهما متباعدان وقد مر حديث فيه طول عن هذه الأبيات النونية فقلت حييت هل تدرين ما فعلت ... بنا التباريح من وجد وتسهيد حتى أجدت لنا لحن القريض قرى ... وما بخلت على ضيف بموجود (١) هذا مأخوذ من المثل المعروف في عاميتنا: «الجود من الموجود ولو من قطع الجلود» أنت الجواد على العلات فاتخذي ... فينا جميلاً ومن هذا القرى زيدي وسائر الكلمة جيد. وللعباسي بسيطة أخرى يذكر «مليط» بفتح الميم وتشديد اللام المكسورة، وهي بلدة على واد خصيب في غرب السودان غير جد بعيدة البعد عن الفاشر، موقعها شمالي

стр. 2982

بالنسبة إلى الفاشر: حياك مليط صوب الرائح الغادي ... وجاد واديك ذات الجنات من وادي فكم جلوت لنا من منظر عجب ... يشجي الخلي ويروي غلة الصادي أنسيتني برح آلامي وما أخذت ... منا المطايا بإيجاف وإيخاد كثبانك العفر ما أبهى مناظرها ... أنس لدى وحشة رزق لمرتاد وذلك أنها تحتفظ بالماء في جوف تربة ومالها فتزرع وما حولها مجدب فباسق النخل ملء الطرف يلثم من ... ذيل السحاب بلا كد وإجهاد هل يعني بلا كد من الزارعين ولا إجهاد؟ المعروف في النخل أنه على شدة حاجته إلى الماء لا يصلحه كثرة هطول المطر عليه ورد الكد والإجهاد إلى اللثم يجعل العبارة ذات ضعف، فالمعنى الأول كأنه هو الوجه الأفضل على ما فيه مما ذكرنا من أمر إفساد المطر النخل إن كثر عليه. والورق تهتف والأظلال وارفة ... والريح تدفع ميادًا لمياد سياق هذا البيت وسلاسته تقوي رد نفي الكد والإجهاد إلى لثم فروع النخل أذيال السحاب- على هذا التأويل قوله: «بلا كد وإجهاد» مع كونه لا يخلو من ضعف لا يخلو أيضًا من وجه يسوغه على تعب ما لو استطعت لأهديت الخلود لها ... لوكان شيء من الدنيا لإخلاد أحسبه حمل الإخلاد معنى التخليد وفيه نظر أنت المطيرة في ظل وفي شجر ... فقدت أصوات رهبان وعباد. أعيذ حسنك بالرحمن مبدعه ... يا قرة العين من عين وحساد هذا بيت فيه عذوبة وضعت رحلي منها بالكرامة في ... دار ابن بجدتها نصر بن شداد فاقتادت اللب مني قود ذي رسن ... ورقاء أهدت لنا لحنًا بترداد هاتي الحديث رعاك الله مسعفة ... وأسعدي فكلانا ذو هوى بادي فحركت لهوى الأوطان أفئدة ... وأحرقت نضو أحشاء وأكباد

стр. 2983

هوى إلى النيل يصبيني وساكنه ... أجله اليوم عن حصر وتعداد وحاجة ما يعنيني تطلبها ... لولا زماني ولولا ضيق أصفادي يا سعد سعد بني وهب أرى ثمرًا ... فجد فديتك للعافي بعنقاد قوله: «نضو أحشاد وأكباد» وقوله: «عن حصر وتعداد» فيها بعض الوهي وما بعد قوله: «حاجة» ليست للنفي ولكن للإبهام وهي جيدة والبيت ممهد للذي بعد وفيه ما ترى من الإشارة إلى قول سيدنا عمر: «يا سعد سعد بني هيب» ﵄، وجعل الشاعر ذلك رمز كنى به عن بعض حاجات نفسه فيه وفيه روح من صبابة وعاطفة ووجدان وقوله: «بعنقاد» حسن الموقع في هذا الموضع- قال تأبط شرًا وأورده أبو العلاء في رسالة الغفران: وقد لهوت بمصقول عوارضها ... بكر تنازعها كأسًا وعنقادًا ثم انقضى عصرها عني وأعقبه ... عصر الشباب فقل في صالح بادا وفي هذه الدالية أبيات خاطب بها الحمامة جعلها خاتمة لها ورقاء إنك قد أسمعتني حسنًا ... هيا اسمعي فضل ثنائي وإنشادي إنا نديمان في شرع الهوى فخذي يا بنت ذي الطوق لحنا من بنى الضاد فربما تجمع الآلام إن نزلت ... ضدين في الشكل والأخلاق والعاد لا تنكريني فحالي كلها كرم ... ولا يريبك اتهامي وانجادي أحسبه أراد هنا معنى مجازيًا، أي الافتنان في ضروب القول مما يقع فيه التعبير العاطفي المنحى فربما ظن ظان أنه لا يلائم وقار الشيوخ. وفي قوله: «فربما تجمع الآلام» نظر إلى قول شوقي: إن المصائب يجمعن المصابينا وإلى أبي الطيب وقد يتشابه الوصفان جدًا ... موصوفاهما متباعدان ورحم الله العباسي فقد كان رقيق الإحساس فصيحًا يغرف بسماحة طبعه من بحر ولإيقاعه رنين وعذوية

стр. 2984

هذا وقد كنت جعلت هذا آخر أبواب الكتاب وقلت إنه لا يتسع المجال للخوض في ضروب تجديد العصر، فأقل ما يقال في ذلك أن المعاصرة حجاب. وكان الفراغ من ذلك كله في مدينة فاس حرسها الله تعالى لليلتين بقيتا من شعبان سنة ١٤٠٣ هـ وذلك يوافق ٩ من شهر يونيه سنة ١٩٨٣ م ثم بدا لي الآن بعد أن حيل خروج الكتاب كله منشورًا مطبوعًا أن استدرك شيئًا مما فاتني ذكره. من ذلك الإلماع إلى مكان شاعر العراق محمد مهدي الجواهري بين الآخذين بمذهب الجزالة في هذا العصر وله طول نفس وقوة أداء ولكن تشقيق الجدل والسياسة ربما كدر من صفاء ديباجته- وهو بعد يحسن أن يترنم ترنمًا بحتري الإيقاع كقوله: في قصيدة بعنوان ساعة مع البحتري في سامراء أكبرت شاعر جعفر وشعوره ... يستوجب الإكبار والترفيعا ولمست في أبياته دعة الصبا ... ولداته والخاطر المجموعا ولا أدري معنى المجموع إلا أن تكون رويا مقمحا إذا وصف الخاطر بالمجموع يحتاج إلى تأويل كقولك أمر مجموع أي مجمع عليه وقد لا يخلو ذلك من تكلف ولئن تشابهت المناسب أو حكى ... مطبوع شعري شعره المطبوعا فلو قد قال: مطبوع نظمي لكان ذلك أصح فلكم تخالف في المسيل جداول ... فاضت معًا وتفجرت ينبوعًا وهذا توليد من أبي الطيب في بيته الذي كثر التوليد منه والأخذ: وقد يتشابه الوصفان جدًا ... وموصوفاهما متباعدان ثم يقول: - عبث الوليد بشرخ دهر عابث ... وصبا فنال من الصبا ما اسطيعا يشير هنا كما ذكر في الهامش (ديوانه الطبعة الخامسة ص ٤٢١) إلى كتاب المعري عن نقد بعض ما وقع في شعر البحتري الذي سماه «عبث الوليد» واسم البحتري الوليد بن

стр. 2985

عبيد فهنا تورية ونما رفيعًا في ظلال خلائف ... في ظلهم عاش القريض رفيعًا لا عن بيوت المال كان إذا انتمى ... يقصي ولا عن بابهم مدفوعًا قدروا له قدر الشعور وأسرجوا ... أبياته وسط البيوت شموعًا وهذا غناء سلس ذو عذوبة، ثم ألتوى بالجواهري الطريق إلى مقالة السياسة وشعور القومية الحديثة الأوربية المعدن، تحاكيه وتباريه، وهذا ديدن قد غلب» ضيف العراق نعمت من خيراته ... وحمدت فيه قرارة وهجوعًا إن تعقد الحفلات كنت مقدمًا ... أو تنبر الأمراء كنت قريعًا ضبطت تنبر بضم التاء وما أحرى هذا أن يكون خطأ مطبعة إذ نبر (باب ضرب) ثلاثي ويجوز أنه مضارع من «انبري له» أي اعترض. هذا ولعل قولنا «ألتوى بالجواهري شعور القومية الحديثة وهو ديدن قد غلب» حيث قال يخاطب البحتري: ضيف العراق نعمت من خيراته ... وحمدت فيه قرارة وهجوعًا أن يكون على خلاف وجه آخر أراده الجواهري وهو أشبه بمذهبه وعلمه بالشعر وذلك أن يكون قصد إلى الإشارة إلى قول البحتري المشهور: حنت قلوصي بالعرق وشاقها ... في ناجر برد الشأم وريفه ومدافع الساجور حيث تقابلت ... بالضفتين تلاعه وكهوفه فهل أراد عتابه على هذا الحنين إلى برد الشأم وريفه؟ فإن يكن شيئًا من ذلك أراد فقد جعل المعري من قبله عتاب البحتري وملامته مركبًا قال: وقال الوليد النبع ليس بمثمر ... وأخطأ سرب الوحوش من ثمر النبع وقال: ذم الوليد ولم أذمم دياركم ... فقال ما أنصفت بغداد حوشيتا فإن لقيت وليدًا والنوى قذف ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتًا ثم رجع الجواهري إلى معاني الثورة المحتدمة في نفسه فقال يخاطب البحتري ويذكره بأن العراق أحسن ضيافته إذ ضيافته إذ لم يكن عراقيًا مولدًا ودارًا

стр. 2986

وأظن أنك لو نمتك ربوعه ... لشكوت منه فؤادك المصدوعا كما يشكو الجواهري ولكنت كالشعراء من أبنائه ... ممن تجوهل قدرهم فأضيعا وهذا من الشعراء ديدن قديم لك في التي راشت جناحك رفقة ... لولا جلادتهم لماتوا جوعًا ولا تمنع جلادة صاحبها أن يموت جوعًا أو عطشًا إن لم يجد من ذلك أدني حاجته. وهل عنى بالرفقة أولى الجلد ابن الرومي إذ عاصر البحتري ولم يصب من الحظوة كما أصاب؛ أو هل عني نفسه وفي قوله: «في التي راشت جناحك» يعني العراق ولعل الكاف ها هنا عنى بها غير البحتري وجعله رمزا، وما أقرب هذا من مذهب ابن الرومي إذا حسد الغصون المجازية وذمها في قوله: نعم ألبستهم نعم اللـ ... ـه ظلال الغصون منها الرطاب إن تلك الغصون تصبح عند ... ظالمات فهل لها من متاب ومن غضبات الجواهري التي قد يخال أنهن مدنيات له يسار مركس وقل شاعر فحل يكون من يسار مركس قريبًا، قوله: خبت للشعر أنفاس ... أم اشتط بك إلياس أم الحي وقد أغفيـ ... ـت إبلاس وإخلاس كأن لم يعترف ناسًا ... فهل أنت به الناس ويا رب المقاييس ... ترى أعياك مقياس أكفرا بالقياسات ... وما قيس ومن قاسوا أم الخير شكا الندر ... ة حيث الشر أكداس أم الثروة للقبح ... وعند الحسن إفلاس أم العبد الأحرا ... ر قوام ونخاس أم الفكر بأظلاف الـ ... وحوش الغبر ينداس أحسبه لو جعل مكان الوحوش كلمة أخرى لربما كان أصح إذ ليس للوحوش، إن أريد بها السباع أظلاف، وغير السباع يقال لهن الوحش كالوعول والظباء وما أشبه، وقد أراد أمثال الدواب من البشر فهذا مقالنا لو جعل كلمة أخرى وذلك كثير وما جاء به له وجه وفوق كل ذي علم عليم.

стр. 2987

أم الأصنام أرباب ... أم الأرؤس أعجاس جمع عجس بفتح فضم كعجز أم الموت غشى الحي ... فما في الدار أحلاس غشى كسعي لهجة طيئ وما في الدار أحلاس أراد به ما في الدار وهو حلس داره أي لا يفارقها لكبر سن أو نحو ذلك فأحسبه تصرف في استعمال هذا اللفظ وعسى أن يصلح. أدر كاسك با خوس ... فقد صوحت الكاس في الهامش (٣٥٧) (١): باخوس إله الخمر عند الإغريق ويريد به الشاعر هنا نفسه- ولا يخفي أنه باخوس هنا من الجند الغريب واستمع قرعة واقرأ قوله: عدا على كما يستكلب الذيب ... خلق ببغداد أنماط أعاجيب خلق ببغداد منفوخ ومطرح ... والطبل للناس منفوخ ومطلوب خلق ببغداد ممسوخ يفيض به ... تأريخ بغداد لا عرب ولا نوب لا الأريحي الذي ضمت ملاعبها ... ولا التقي الذي ضمت محاريب هذا من مر الهجاء، أن يكون صاحب الملاعب واللهو غير ذي أريحية فيه ذو سماجة وأن يكون مظهر الدين يصلي به في المحاريب غير ذي تقوى ولكن من أهل النفاق. لو شئت مزقت أستارًا مهلهلة ... فراح سيان مهتوك ومحجوب أي فراح الشأن- سيان خبر مقدم والجملة خبر راح واسمها ضمير الشأن إني لأعذر أحرارًا إذا برموا ... بالحر يلويه ترغيب وترهيب والصابرين على البلوى إذا عصفوا ... بالصابر الشهم آدته المطاليب فما لعبدان أهواء وعندهم ... في كل يوم من التغرير أسلوب

стр. 2988

وما لهذا الجبان النكس قد هزئت ... منه ومن صحبه الغيد الرعابيب منافقون يرون الناس أنهمو ... شم أباة أماجيد مصاحيب وأنهم قادة صيد وأنهموا ... غر المصابيح والدنيا غرابيب ما أغرب الجلف لم يعلق به أدب ... وعنده للكريم الحر تأديب (١) هذا، وممن عسى أن يحسن الإلماع إلى حسن ديباجته الأستاذ أحمد محرم ﵀. وقد أورد الأستاذ محمد إبراهيم الجيوشي في كتابه عنه، (شاعر العروبة والإسلام) (٢) اختيارًا حسنًا من شعره ما نورده إن شاء الله هنا منه، مثلا قوله: إليك دموعي في الصحيفة فاقرئي ... رسالة أشواقي إليك وأشجاني فإن تطلبي مني دليلاً على الهوى ... فهذا دليلي في هواك وبرهاني فيا هند عذرًا إن جزعت فإن لي ... تباريح من شوقي إليك وتحناني ولا تنكري هذي الدموع تذكري ... عصارة قلبي في هواك ووجداني ويا هند إن جئت الشهيد تذكري ... شهيد هوى ما دان يومًا بسلوان زعم الأستاذ الجيوشي أن اسم الفتاة «رفقة» ومكانه في نص الديوان فراغ وأن الوزن يستقيم بـ «رفق» مناداة مرخمة. وقد وضعنا اسم «هند» لأن رمزيته واضحة كليلى ولبنى وسعدى وسلمى وما أشبه وكرهنا أن نضع «رفق» لما فيه من الظن والقول بما لا نعلم إذ ما ذكروا من عشق محرم لرفقة هذه لا دليل عليه. ولقد أحسن أبو الطيب ﵀ إذ قال في رثائه لخولة أخت سيف الدولة رحمهما الله تعالى: كأن «فعلة» لم تملأ مكارمها ... ديار بكر ولم تخلع ولم تهب وقال: أجل قدرك أن تسمى مؤبنة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب

стр. 2989

فإنه لم يرد «بفعلة» إلا «خولة» ولم يكتم اسمها لدفع حرج ولكن أدبًا وإجلالاً لقدرها. ويعجبني من أبيات له في قصة تحرير المرأة (١) أغرك يا أسماء ما قال قاسم ... أقيمي وراء الخدر فالمرء واهم ذكرتك إني إن تجلت غيابتي ... على ما نمى من ذكرك اليوم نادم تضيقين ذرعا بالحجاب وما به ... سوى ما جنت تلك الرؤى والمزاعم سلام على الأخلاق في الشرق كله ... إذا ما استبيحت في الخدور الكرائم أقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي ... بقومك والإسلام ما الله عالم لنا من بناء الأولين بقية ... تلوذ بها أعراضنا والمحارم أسائل نفسي إذا دلفت تريدها ... أأنت مع البانين أم أنت هادم ليس جمال هذه الأبيات من قوة الحجة والجدل ولكنه من صدق العاطفة وسلامة الديباجة ولا يعجبني قوله: «في الشرق كله» إذ فيه كالتسليم بأن أوربا مركز الدنيا تنسب إليها الجهات. ويقولون الآن الشرق الأدنى والشرق الأوسط- الأدنى إلى ماذا والأوسط مماذا؟ وذكر صاحب كتاب شاعر العروبة والإسلام أن أحمد محرم ﵀ كان له رأي حسن في «قاسم أمين» الرجل المصري على ما كان يأخذه عليه من قوله في تحرير المرأة وقد رثاه فذكر من ذلك في رثائه له، قال: إذا رأى الرأي لم تنكص عزيمته ... خوف الملام ولم يقعد به اللدد رمى الحجاب فلولا الله يمسكه ... لانشق أوخار أوخرت به العمد قوله: «فلولا الله يمسكه» كأنه يشير به إلى قول المعري «فلولا الغمد يمسكه لسالاً» وذلك أن لولا بعدها غالبًا حذف الخبر كما ذكر ابن مالك.

стр. 2990

لم يبغ حتى رمى شرًا بأمته ... وإنما خانه رأي ومعتقد إنا نعيش بواد غير مؤتمن ... تنزو القلوب به ذعرًا وترتعد تعدو الذئاب به والويل إن غفلت ... عين الربيئة أو أغفى به الرصد وقوله: «أغفى به الرصد» فيه وهي ما وسائر الكلام ذو جزالة سلس. هذا ومما فاتني ذكره (وليس هذا موضعه ولكنه لا يحسن أن يترك وقد طال هذا الكتاب فيقع فيه النسيان والسهو والتكرار، كما صنع الجاحظ وكما وعد أبو الفرج ولم يفه، وما بمثل ما صنعا يقاس هذا الصنيع وأين الظالع من الضليع) التنبيه على ما كان للطهطاوي من سبق في مجال نهضة الشعر إذ كان من أوائل من أدخلوا عليه روح المقالة وكما تعلم كانت أكثر عيون الشعر في المديح النبوي. أرسل الشيخ رفاعة إلى السودان مع رفاق له في مهمة تعليمية، وكأن ذلك لم يخل من بعض التخفيض لمنزلته ونوع من النفي له ولم تعجبه الإقامة في الخرطوم، ونظم قصيدة من بحر الوافر دالية على قرى كلمة أبي الطيب: أحاد في سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي أو على قرى كلمة حبيب: سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضر منه وبادى قال ﵀ فذكر تأخر السودان وخشونة بعض جوانب الحياة والمجتمع فيه: رعى الحنان عهد زمان مصر ... وأمكر ربعها صوب العهاد رحلت بصفقة المغبون عنها ... وفضلي في سواها في المزاد وما السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادى بها ريح السموم يشم منها ... زفير لظى فلا يطفيه وادي أنت «السودان» كتأنيث «مصر» على العلمية. ولقد فرض الاستعمار هذا الاسم على بلادنا فرضًا ثم تمسكت به حركة الخروج من الاستعمار باسم الدعوة القومية الحديثة. واسم السودان إنما هو اختصار لقول العرب ومن أخذ عنهم بلاد السودان ويطلق ذلك على البلاد الواقعة جنوب الصحراء من بحر الهند وبحر القلزم إلى المحيط الأطلسي الكبير، ولقد استقلت بلاد أخرى في أفريقيا كانت تحت حكم فرنسا وكان اسمها السودان الفرنسي فسمت نفسها السودان، فحدث من ذلك أيما التباس ففطن أهلها ورجعوا إلى اسم قديم وهو «مالي» كما رجع من قبلهم الرئيس نكروما من ساحل

стр. 2991

الذهب إلى اسم قديم ادعاه لبلده هو «غانا» كما فر هيلاسلاسي من اسم الحبش إلى اسم «أثيوبيا» وكان هذا يطلقه اليونان القدماء لكبريائهم، ينبزون به سواد الواننا، على بلادنا دون بلاده وقبل أن «أثيوبيا» اشتقاقها من الطيب إذا كان يجلب من بلاد كوش وما وراءها، وفيه نظر، وكان يقال لبلادنا السودان الإنجليزي المصري بعد أن شارك الإنجليز أسرة محمد علي في إدارته وتولى أمره. وإنما كان اسم بلدنا سنار على اسم عاصمة السلطنة التي كانت قائمة على أمرها فيما بين ١٥٠٠ إلى ١٨٢١ م. وقيل إن الملك عمارة مؤسس سلطنة الفنج لقى فتاة اسمها سنار فتفاءل بحسن طلعتها فسمى بلدته باسمها ويجوز أن يكون الاسم اختزل من سنمار «أي القمر» ويجوز غير ذلك وكان قومنا يقال لهم السنارية وعلى ذلك رواق السنارية بالأزهر الشريف هذا ثم أخذ الشيخ رفاعة في ذم الناس والبلاد وبعض ما ذكره ملاحظات قيمة تدخل فيما يقال له الآن علوم الاجتماع أو «انثوبولوجيا»، قال: وليس هذا بموضع عتب عليه كما سأذكر من بعد إن شاء الله تعالى: فلا تعجب إذا طبخوا خليطًا ... بمخ العظم مع صافي الرماد أحسب هذا ما يسمى «ملاح المرس» وكان يصنع فيما بلغني من قصب يحرق وعظم يترك حينًا ثم يطبخ وهو طعام عام مسنت ولا يخفى أن الرماد يستعان به على هواء البطن ولطخ الدهن في بدن وشعر ... كدهن الإبل من جرب القراد أحسبه أصاب في الصدر وأخطأ في عجز البيت وبلاد السودان جنوب مصر حارة جافة ولأهلها بجفافها وعلاج ما ينشأ من ذلك من أثر على البشرة دراية وقد كان الصفار في جيل مضى والكبار لا يبيت أحدهم إلا بعد أن يمسح بزيت السمسم جسمه وكان البداة يضعون على رءوسهم الودك وكان للنساء خبرة بصناعة أدهان ذات طيب فائق من الودك بعد أن يسلأ ثم يخلط بالصندل والعطور الهندية ولا أشك أنه عطر النجاشي المذكور في السيرة وتمكن به عمرو بن العاص أن يشي بعمارة بن الوليد ويوقعه فيما وقع فيه من آبدة وكانت في وادي النيل عندنا حضارة لم يكلف رفاعة ﵀ نفسه عناء تتبعها، ولا يلومنه على ذلك أحد لما كان من غيظه من شبه النفي الذي وقع ثم كأنه صادف عام وباء فدخل عليه مع الغيظ خوف شديد. ويضرب بالسياط الزوج حتى ... يقال أخو بنات في الجلاد

стр. 2992

يضرب مبني للمعلوم وذلك أن «العريس» يقف أمامه صف من الشبان يضرب كلا منهم على جلد ظهره سوطًا أو سوطين أو يزيد، حسب ما يتفق عليه أنه ثمن الشبال- أو شر الشبال «والشبال» أن تدنو الفتاة التي ترقص بعد أن كشفت رأسها، ولا تفعل ذلك في هذا الموقف الفارح المحتفل به، إلا الحرائر، من الشاب الذي يحجل أمامها فتشير بشعرها ثم تغطية مجفلة، هذا هو الشبال ولا ترقص البنات إلا بعد أن يحدد «شر» الشباب، «ولا بد دون الشهد من إبر النحل» - وإنما كان يتقدم للسوط الشبان تعزيزًا «للعريس» وتأييدًا له. ومن أدب الوقوف للسوط أن يكون الفتى ثابتًا كأنه جدار، ولا يختلج منه خد أو طرف أو ما يدل على ألم. وقد يداخل الشبان تنافس فيرفعون «شر الشبال» وإنما يقدم على ذلك الباسلون الذين يقال لهم: «إخوان البنات» أي حماتهن. والسوط مصنوع من جلد فرس البحر (العينسيت- الكلمة مقاربة لقولهم عنس في العربية). وما في السودان قط مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادى بها ريح السموم يشم منه ... زفير لظى فلا يطفيه وادي قوله: «فلا يطفيه وادي» كقوله: من قبل «وفضلي من سواها في المزاد» ولا يخلو من نفس عامي. فلا تعجب إذا طبخوا خليطًا ... بمخ العظم مع صافي الرماد ولطخ الدهن في بدن وشعر ... كدهن الإبل من جرب القراد قولنا من قبل إن ما ذكره في عجز البيت غير صحيح فقد بينا أمر دهن الجلد، وقال الشنفري: بعيد بمس الدهن والفلى عهده ... له عبس عاف من الغسل محول فافتخر بصعلكته وجعل منها ألا يدهن رأسه. وقال يزيد بن الطثرية وهو إسلامي: فيسلك مدرى العاج في مدلهمة ... إذا لم تفرج غما صؤابها والصؤاب صغار أولاد الثمل وإنما احتاج إلى تفريج لماته لما بها من ذهن وفي خبر كعب بن عجرة أنه جهده ترك الدهن من أجل عبادة الحج فيما يبدو حتى جعل القمل يتناثر من لمته فأمر بالهدى ونزلت فيه ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه﴾ [البقرة: ١٩٦] والعجب للطهطاوي أن يكون خفي عنه مثل هذا مع وافر علمه ونسبه الشريف.

стр. 2993

ويضرب بالسياط الزوج حتى ... يقال أخو بنات في الجلاد ويرتق ما بزوجته زمانًا ... ويصعب فتق ذاك الانسداد يشير بهذا إلى عادة خفض النساء وأعياه النظم هنا فزعم أن الرتق للزوجة وإنما تختن الفتاة وهي صغيرة فقد تبالغ الخاتنة فينشأ من ذلك ضرر عظيم كأن تصير الفتاة رتقاء لا يستطاع جماعها، والختانة قديمة في العرب وفي حديث أم عطية ذكر ابن الأثير في أخريات مادة خفض. «إذا خفضت فأشمي» قال الخفض للنساء كالختان للرجال وفي مادة «نهك» وفي حديث الخافضة قال لها أشمي ولا تنهكي أي لا تبالغي في استقصاء الختان ١ هـ؟ » فاستقصاء الختان كالعرب عادة قال جرير والتغلبية قي ثنيي عباءتها ... بظر طويل وفي باع ابنها قصر لأنها من قوم نصارى ذمهم جرير بأن نساءهم لا يخفضن فجعله سبة: وقال الفرزدق: وما وجعت ازدية من ختانة ... ولا شربت في جلد حوب معلب يجعل الختانة الموجعة كشرب اللبن من إناء الجلد أمرًا خصت به العرب. والحرب عني به البعير لأنه يزجر بحوب. والختانة الموجعة استقصاء ولكنه لا يبلغ به من الفساد ما زعم الطهطاوي إلا في حالات تشذ وليس الشذوذ بما يصح تعميمه وما منعت ختانة من افتضاض طبيعي ولا منعت من نفاس، وليس في هذا تزكية لها فالوجه ما أمر به صاحب الشرع ﷺ وما أمر إلا بالإشمام. وقد يبالغ في بعض البلاد، (وليس قطرنا ولا أحسبه في قطر أفريقي) في ختانة الرجال وفي الكتاب المقدس في خبر غيره أبناء يعقوب على سباء وقع لنسائهم أن ختانة بني إسرائيل لرجالهم كانت يبالغ فيها حتى يلزم المختون الفراش من وجع الجراح. ومن تعب النظم في هذا البيت قطع همزة الانسداد. وإكراه الفتاة على بغاء ... مع النهى ارتضوه باتحاد هذا باطل. ولعله أنكر أن يكون لبعضهم مملوكات وأن يهدي المملوكة فهذا قبل أن يمنع الإفرنج بيع الرقيق وملك المملوكين بدعوى التحرير، وإنما منعوا ضربًا وأبقوا ضروبًا لعلها شر مما منعوا، وفو قوله تعالى: ﴿فك رقبة﴾ مذهب واضح لمن كان يرغب في محض التقوى، وما سوى ذلك فما يعتذر به بعض من يدعون التفكير من معاصرينا

стр. 2994

إلى مطاعن الإفرنج ليس بكبير شيء فتأمل. وقال أبو الطيب في مدحته للملوك: من كل موهوبة مولولة ... كاسرة زيرها ومثناها فلعل من أهدى مملوكة ممن عسى أن يكون رفاعة شهد ذلك منه ما خرج به عن مذاهب العلية وأهل الثراء. وقد كان أخذ الرقيق من مرتبات الموظفين أول أيام حكم محمد علي باشا ثم نهى عنه احترامًا لفرنسة وبريطانيا ذكر ذلك الدكتور مكي سبيكة ﵀ في تأريخة، وقول الطهطاوي «ارتضوه باتحاد» لا يخفي ضعف القافية منه. لهم شغف بتعليم الجواري ... على شبق مجاذبة السفاد وهذا أمر خاص بالنساء ومعروف عند العرب منه شكوى الذب شكا إلى علي أنه كلما دنا إلى امرأته قالت قتلتني وما كان أغنى رفاعة عن ذكره. قال أحد المادحين يذكر الصوفية وإقامتهم الليالي يذكرون الله ويسبحون بسبحات خرزها من ثمر «اللالوب» في كل سبحة ألف حبة يعد بها المسبح مثلاً ١٢٩ ×١٢٩ من عدد «يا لطيف»، فهذا قد يقضي فيه ليلة بأكملها: يا ليلى النوم تركوه يا ليلى اللالوب بكوه «ليلى» اسم الحضرة العلوية الصوفية النبوية، جعل «اللالوب» كالعرائس يبكين تغنجًا ودلالاً فافهم حفظك الله: قوله ﵀: «لهم شغف» أبدة، إذ كثير من الشبان ربما فاجأهم هذا من تدبير اللواتي وصفهن الكتاب المحكم بالكيد العظيم في ليلة الدخلة ويذكر أن الشيخ الدردير ﵁ أهدى له بعض مريديه مملوكة لقنت هذا العلم ففزع من أمرها ثم أحبه حبًا فالله أعلم أي ذلك كان من خبر الرواة. ولا يلام الشيخ رفاعة على إنكاره ما أنكر وتفرنجه بالزعم أن إهداء الجواري من البغاء المنهي عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا﴾ وكانت قريش في جاهليتها تفعله. فقد بلغ من رقة التأثر بما فتنه من حضارة مبلغًا، ولعل ما أصابه من ذلك في زمانه دون ما أصابنا من ذلك في هذا الزمان. وقال الحارث بن أبي ربيعة وكان في وجه الحرب عاملاً لابن الزبير ﵄ يزجر أخاه عمر إذ بعث إليه يطلب منه جارية: بعثت إلي تستهدي الجواري ... لقد انعظت من بلد بعيد

стр. 2995

ثم يقول الشيخ رفاعة: وشرح الحال عنه يضيق صدري ... ولا يحصيه طرسي أو مدادي وضبط القول بالأخبار يزري ... وشر الناس منتشر الجراد أي هذا قليل من كثير وليس الخبر كالعيان والشر الذي رأيناه كالجراد المنتشر ولولا البعض من عرب لكانوا ... سوادًا في سواد في سواد أي سواد وجوه وقلوب وعيون فالعياذ بالله من ذلك. وهذا البعض الذي أشار إليه كثير قديم يرجع زمان أوائله إلى ما قبل الجاهلية والله أعلم وحسبي فتكها بنصيف صحبي ... كأن وظيفتي لبس الحداد وسخطته ههنا لا تخفى وتداخل ذلك مع الأسى روح النكتة القاهرية وقد فارقت أطفالاً صغارًا ... بطنطا دون عودي واعتيادي افكر فيهم سرًا وجهرًا ... ولا سمري يطيب ولا رقادي وطالت مدة التغريب عنهم ... ولا غنم لدي سوى الكساد وهل تجارة أكسد من أن يغادر القاهرة إلى خرطوم ذلك الزمان وما خلت العزيز يريد ذلي ... ولا يصغي لأخصام لداد فصرح هنا بما كان يحسه قلبه من أن بعثه للسودان ضرب من النفي ومنبئ عن سخط عليه من الخديوي عزيز مصر أو جفوة «وتلك التي يهتم منها وينصب» كما قال النابغة وفي الأبيات التي ذكر فيها أطفاله وأسرته صدق حنين واسماح أسلوب. وعلى طول القصيدة لم تجده عند العزيز. فعدل إلى الاستغاثة فنظم تخميسًا لقصيدة الشيخ عبد الرحيم البرعي: خل الغرام لصب دمعه دمه ... حيران توجده الذكرى وتعدمه وعسى أن يكون توسل بالسيد البدوي حامي طنطا قدس الله سره. فكان ذلك أجدى عليه من: وما السودان فيه مقام مثلي ... ولا سلماي فيه ولا سعادى فاستجيب له وعاد ﵀ إلى مصر. وفي معجم البلدان لياقوت حيث ذكر بلاد النوبة شبهها ببلاد اليمن وذكر أن في عيش أهلها شدة.

стр. 2996

وقال العباسي ﵀: أحبتي خذي الدمو ... ع بعدكم غيث همي صيرت عن كره قري السـ ... ـودان لي مخيمًا ولي بمصر شجن ... أجري الدموع عندما فارقت مصر ذاكرا ... أرجاءها والهرما والنيل والجزيرة الـ ... فيحاء والمقطما ربوع خير طالما ... أسدت إلي أنعما مصر وأيام الشبا ... ب الغمض من لي بهما لله محبوب رأي ... حبة قلبي فرمى أعيذه من جائر ... حكمته فاحتكما مررت بالحي ضحى ... أروض مهرًا أدهما مرتديًا من الشا ... ب صافيًا منمنما لقيته في أربع ... بيض كأمثال الدمى شابهن أزهار الربيـ ... ـع وحكين الأنجما قوله: «صيرت عن كره» أي غير اختيار لا يعني عن بغض، وقد عرضت في «ذكرى صديقين» (١) لهذه الأبيات ثم قلت: «ورب آخذ على العباسي قوله: صيرت عن كرة قرى السـ ـودان لي مخيما ولا آخذه عليه فإن قلب الشعر كما وصفه أبو الطيب- وهذا من آيات الصدق والصفاء. الإشارة إلى قوله: وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يابنة القوم قلب هذا، والأستاذ محمد عبد القادر كرف (١٩١٢ - ١٩٨٩ م) ممن ينبغي التنبيه على مكانه في الرصانة وكان معاصر للتجاني يوسف بشير رحمهما الله من أديبين كبيرين وقرينًا له

стр. 2997

في درس جامع أم درمان وصديقًا وشاعرًا موهوبًا مثله مؤثرًا للجزالة شديد الأسر وكان عالمًا ومعلمًا محسنًا متقنًا وجميل الخط أريحي النفس كريم الخلق جوادًا برًا بالأقربين والإخوان نزيهًا محبوبًا عز فقده وقل في الناس نده توفى ﵀ يوم ١٣ من المحرم سنة ١٤١٠ هـ= ١٥ من أغسطس ١٩٨٩ م. كتب إلي منذ تسعة عشر عامًا قصيدة من المتقارب إخوانية نونية علائية رنة الروى أثبتها ههنا كما جاءني نصها البديع البارع منه إلى الأخ الفذ حامل لواء الفصحى وصاحب المرشد الدكتور عبد الله الطيب أقدم هذه القافية العسية له ولمن أحبه وعرف قدره. عطفت فلم ألو عنك الأعنة ... وكم لي من حنة بعد حنة. وعجت ومن لوعتي مزهر ... له نبرات القوافي المرنة وهشت لي الدار واستبشرت ... مقاصيرها والرياض المغنة وإذ جئتها خلتني مذنبًا ... صليت بنار وبدلت جنة وكائن دلفت إلى ظلة ... لديها وروض أنيق وكنة وقد وشت الجدر المشرقات ... بنان قريز لدا وهي المفنة وقد أشربت من ضروب الوفا ... ء حتى غدت وهي أخت وحنة تبادر ما أوجبته الحقوق ... عليها وتلزم ما العرف سنه ولم نلق إلا الندى عندها ... وإلا فتى آثر الدهر فنه أقام على الجد لا ينثني ... ومن قدم جنب اللهو سنه وشتان ما واهن عزمه ... وذو ثقة واعتزام ومنة وأتحفنا وهو طلق الجبين ... بما ليس تلفيه إلا لدنه (١) وعندي لك الود أخلصته ... نقيًا وناهيك ما القلب كنه

стр. 2998

وإنك دهقان هذا القريض ... سبقت الندامى وأفرغت دنه لصدرك زمزمة تستجيب ... إلى جرسه أو بغام وغنة وكالشفري إذ يرود الشعاف ... وإذ هو حلس لكهف أجنة وفي النفس شنشنة من عكاظ ... ومن ذي المجاز ومن ذي المجنة نثرت فجاوزت شأو البيان ... ولم تأت قافية ذات ظنة وجاهدت في الله لا في الطماع ... وذلك فضل حباه ومنه وطاعنت حتى انزوى الأرذلون ... وبوأتهم من بوار أكنة وأرزمت تخطف ألبابهم ... كما ترزم الغيمة المرجحنة وظن امرؤ السوء أن يدعى ... عليك الشنار فكذبت ظنه إلى أن غدوت وأنت الفرند ... له فوق هام الأعادي دنة وأنت المجلى إذا أخرت ... هوادي الفحول الخناذيذ عنه (١) وما إن ينوشك سهم الدعي ... ودونك من عصمة الله جنة ألا حي بالشاطئ الدامري ... ربوعًا على حجره مطمئنة (٢) بني نقر إذ هم المتقون ... وإذ دأبهم في كتاب وسنة (٣) إذا أطفأ الدهر نار القرى ... فنار المجاذيب نار مبنة وما ضنكت أو عفا قدرها ... إذا ألف النكس لومًا وضنة وتالين من حولها يجأرون ... لهم أرج مستطاب وبنة وحي أخا الرشد واصدح له ... بقافية ذات ردف ضفنة وقل للفتى العبقري السما ... ت وابن الثقات وعلق المضنة تولت سني الصبا الحافلات ... ولم تبق إلا العجاف المسنة (٤) فليتن في النعق نعف الرباب ... وفي كاهلي فضل حبل وشنة (٥)

стр. 2999

أصادي النجوم فإما خبت ... غمست لها أعيني في الدجنة طليق الجناحين أغشى الوهاد ... وأعلو الذرى قنة بعد قنة وألقاك في زمر الأولين ... على شارف أو قلوص زفنة (١) وتختال تحتي ذات البغام ... لها خطرات وللنسع أنة ونضرب في التيه لا نرعوي ... جموحًا ونصحب في الدو جنة (٢) أو أني ذو صولة فاتك ... أغير وحولي الطبول المطنة ودوني من خثعم فيلق ... يغمغم تحت الظبا والأسنة فذرني والمقرفين الغواة ... أولى الضغن والفتكات المجنة (٣) عسى الدهر يحسر من كيدهم ... ويفلق هام العبدي الأقنة فأوجههم كالحات قباح ... وأبدانهم منتنات مصنة وإنهم مذ أصابوا الحياة ... خساس النفوس ومذ هم أجنة وأنهم قذر لو دنت ... أكفهم من طعام تسنه محمد عبد القادر كرف العاشر من ذي الحجة ١٣٩١ هـ السادس والعشرين من يناير ١٩٧٢ م هذا والعلامات المشروح عليها الهامش من صنع مؤلف هذا الكتاب وجلي واضح ما في هذه القصيدة من برهان واضح على ما أوتى صاحبها من الفصاحة وقوة الشاعرية وسحر البيان. قوله: «وقد وشت الجدر المشرقات» يمدح به لوحات رسم السيدة قريزلدا زوج المؤلف، وقوله: «ودوني من خثعم فيلق» يشير به إلى أصول نسبه في شرق السودان بأقطار جبال البحر الأحمر وسواكن وما بين شاطئ البحر الأحمر الغربي والشرقي من شوابك الأرحام والنسب نبه عليه من قبل الرحالة ابن بطوطة في صفة رحلته إذ زار ذلك الإقليم في المائة التاسعة. وصفة الشنفري التي وصف بها نفسه فيها شبه شديد بما عليه مظهر فتيان البجاة أخل الحروب، قال: ويوم من الشعري يذوب لوابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ نصبت له وجهي ولا كن دونه ... ولا ستر إلا الأتحمى المرعبل وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائد من أعطافه ما ترجل بعيد بمس الدهن والفلى عهده ... له عبس عاف من الغسل محول هذا وكنت وعدت نفسي أن أجيب الأستاذ كرفا ﵀ بكلمة على روى كلمته ووزنها. أردت شيئًا شبيهًا بما صنعه أبو العلاء حين وافته قصيدة لأحد معاصريه من الشرفاء أهداها إليه مطلعها:

стр. 3000

غير مستحسن وداد الغواني ... بعد سبعين حجة وثمان فأجابه أبو العلاء بالكلمة السقطية المشهورة: عللاني فإن بيض الأماني ... فنيت والظلام ليس بفاني عنى ظلام عينيه وظلام الزمان حوله بالفتن والحروب وقال فيها: قد أجبنا لفظ الشريف بلفظ ... وأثبنا الحصى من المرجان أي بدلاً من المرجان وفي مكانه. ولعمري لقد كانت أبيات المعري من نفس المرجان لا بدلاً منه، ولم أكن أشك أن نونية كرف ﵀ عطفت فلو ألو عنك الأعنة ... وكم لي من حنة بعد حنة هي المرجان. وكأن قد خشيت أن تكون الإجابة عنها بمعارضة لها في البحر والروى إنما ذلك حصى. فأخرني هذا التهيب عن المسارعة بجوابها. ثم إن السنين تعاقبت وتعرضت للنونية المذكورة بإلماع وحسن ثناء في ذكرى صديقين (١) وتحدثت عنها من مذياع أن درمان وعلمت أن ذلك وقع من الأستاذ كرف ﵀ موقعًا حسنً وكنت أزوره من حين إلى حين فعقدت العزم أن أنظم نونية جوابه حصى أو مرجانًا وإذا بالمنية تبادر إليه. ناداني أستاذ العربية الدكتور بابكر دشين وأنا أجتاز بعض الطريق فقص على النبأ الحزين. لكل أجل كتاب، وإذا بهذه المرثية تنثال علي مع الدموع: - سقت قبرك الديمية المرحجنة ... ياكرف الخير والموت سنة وأسكنك الله دار المقامـ ... ـة ترضى بها نفسك المطمئنة كما لغة للكتاب العزيز ... عراها بدرسك وثقتهنه وتصبر حتى عقول التلاميـ ... ـذ بالفهم تلفى إليها ركنه وقد كنت في الشعر تعطي الغريب ... معانيه واضحًا شرحهنة وتشده عربي السليقـ ... ـة والصوت ذو نبرات وغنة بهيًا به وشجيًا به ... وأشجانه عن سواه شجنه (٢)

стр. 3001

وتكتبه مثل خط ابن مقلـ ... ـة تشرق أسطار نسخ ضمنه وللنحو عندك إتقانه ... إذا ما البديهيات فيه امتحنه وتحفظ آي الكتاب الحكيم .. وفيك مع الحفظ تجويدهنه وفقه المشايخ أحرزته ... وتلك المتون تدبرتهنه (٣) ومع عزة النفس فيك القناعـ ... ـة إن القناعة كنز وجنة وذاك بلا كلفة منك تأتيـ ... ـه إن التكلف لا أحمدنه (٤) ومن تخذ الكبر سمتا فرب ... عزيز بكبر خطوب أهنه وكنت امرأ صدره قد حوى الـ ... ـعلوم وحاز من الشعر فنه وصنو التجاني ديباجة ... معا لكما القول مرخى الأعنة وشرفتما قومنا بالبيا ... ن الذي ليس فيه عيوب يشنه وخلدتما معهدًا سوحه ... بذكر كما خالد ذكرهنه (٥) وهبت الفصاحة ثم البديـ ... ـع أبياته الغر حبرتهنه وأغراض شعر الزمان الحديث ... تناولتها بضرب رصنه (٦) أسيت لفقدك كنت امرأ ... صحيح المودة ما فيه ظنة وكم من سجية بر له ... وكم من عطاء له لم يمنه وقد ذقت في دارك الطيبات ... وشاهدت من فضلك الجم قنة (٧) وألفيت فيك الأديب اللبيـ ... ـب الذي ليس كالضعفاء الأظنة (٦) ومن قلبك فيه ضوء البصير ... ة ذرهم قلوبهم في أكنة عرفتك في عنفوان الشباب ... ب والضاد عندي علق المضنة إذا الحرب نيرانها مشعلات ... وهتلر غاراته شنهنه وإذا وضعت حرب أهل الصليـ ... ـب أوزارها المشرعات الأسنة (٩) وأعجبني منك حب الأصيل ... وعبك من منطق العرب دنه كأن العنطنطة العنس بالد ... وتحتك بارت زفوفًا زفنة (١٠)

стр. 3002

كأنك بالنعف نعف الرباب ... ولم تلف ثم الضعيف الضفنة (١) ولك تقم رجليك يوم الكلاب ... بأميك والجري حاذي حذنة (٢) نبذت جوار الدنية نبذًا ... كنبذ أبي بكر ابن الدغنة (٣) ونبذ ابن مظعون ابن المغير ... ة لا يبتغي لسوى الله منه (٤) وجنات روض السهيلي ردت ... وروضات جنات أخرى كهنة (٥) ورمت الوجادات في الخرد العيـ ... ـن أي عين نشوان إذ هن عنه (٦) وشخ أبي روف الطيب الفـ ... ـذ والشرد الحوش مما فتنه (٧) أجلك قد كان دأبًا له ... ويقرع غيرك إن زار سنه (٨) تذكرت لما دعانا معًا ... ومجلسه ذاك لا أنسينه تهلل منبلجًا كالغماما ... ت برق الخريف سرى بينهنه وكان جميل المحيا نبيلاً ... له لم كيزيد يزنه (٩) ولحيته كثة زانت الخـ ... ـد والأنف يا شؤم يوم أطنه وما كان بعد بني قصره ... ولكنه له دار طين زونة وكل المساكن في أم درما ... ن كن مداميك طين يطنه (١٠)

стр. 3003

وفي جانب الحوش كانت له ... من الشعر خيمة بدو وشنة (١١) ويا ربما ارتبط الصافنات ... وسيف له وسنان أسنة (١) وقد كان يلبس زيًا سريًا ... يسر العيون إذا ما شفنه (٢) ومدت سماطًا لنا أريحيـ ... ـته بجفان ملاء مفنة وأنشدنا كلمات حسانًا ... رصانًا بوشي بديع وزنه (٣) ولحن طويس بما بال همـ ... ـك أنشده يا طويس تغنه (٤) وجاذبنا من كلام الأوائـ ... ـل أخبار إنس وأخبار جنة وأمر الخلافة والأمر من بعد .... ـد حين العصائب للملك دنه (٥) وأنشدته أنا بائية ... فسر وهم لبين بزنة (٦) وعندك نصر لما قلته ... شواهد في ابن عقيل مبنة ويا نعم ساعات ذات اللقاء ... ويا طيبهن ويا حسنهنه ظللنا نساقي سلاف القريـ ... ـض صرفًا وكاساته ما صبنه (٧) لدن غدوة ذاك حتى دنا الـ ... ـعشاء وأذان بر أذنه (٨) وما زالت الناس عند السذاجـ ... ـة عاداتهم فيهم لم يخنه ولم تكن اللغة المجتباة ... تصدت لها شبهات رطنه وكيد الشعوبية المحدثين ... أولاك أولو عتكات مصنة (٩)

стр. 3004

أولاك هم المقرفون الغواة ... أولو الضغن والفتكات المجنة (١٠) وتلك لقاءات فكر وذكر ... سعدت بها في فؤادي خزنه عرفتك في فتية كالنجوم ... وكان سناك يضئ الدجنة نعاك إلى صديق حبيب ... درى أن قلبي لك الحب كنه (١) رآني أبادر عرض الطريق ... مغذا فألمع لي أن تأنه نعاه إلي فللنبأ المـ ... ـر أحسست أغوار قلبي حزنه لقد كنت أنوي زيارته أمـ ... ـس حنت إليه من النفس حنة سبقت إليه. قضاء المهيمـ ... ـن يمضي ونحن العبيد الأقنة (٢) وفي عالم الذر كان الكتا ... ب من قبل أن البطون الأجنة تذكرت إنشاده الشعر حتى ... له في الشغاف من القلب رنة إذا أنشد الشعر ألفيته ... تكشف أسراره المستكنة (٣) لمعرفة عنده بالبيان ... إذا ما خفاياه لم يستبنه أسيت على فقده إنه ... لقد كان ريحانة ذات بنة (٤) ومات وما قدرته بلاد ... كم العبقريات فيها دفنه وكم من نفوس وهن النفيسا ... ت فيها لعمري غبنا غينه

стр. 3005

أخي هاك مني هذي الدموع ... دموعي هذه القوافي المرنة لمثلك فلتنح الباكيات ... بأدمعهن غزارًا هتنه وكم لم عندي من عهد ود ... وكم لك من ذكريات يصنه ونونية لك طوقتنيها ... لشدتها الجزلة الأسر طنة فهذا جوابي ولكن عدت ... سماعك أقضية قد أحنه (١) سقت قبرك الديمة المرجحنة ... وأسكنك الله في الخلد جنة (٢)

стр. 3006

رحم الله كرفا فقد كان شاعرًا فحلاً ولمحمد المهدي مجذوب رحمه الله تعالى (١٩١٨ - ١٩٨٢) قصيدة بعنوان «اللغة حجاب (١)» نوردها هنا كاملة لأنها تتناول موقفًا له بما نال من ثقافة عصرية من درسه الإنجليزية والمنهج الحديث في المدارس العصرية إلى كلية غوردون وقد كان والده الأستاذ محمد مجذوب جلال الدين من كبار أساتذة العربية فيها، وبما نشأ عليه من ثقافة دينية عربية عريقة في أهل بيته- قال: سئمت من لغة الإعراب قيدني ... فيها بياني من حفظ وإملاء (٢) لم يشفها الزيت غرافًا وما برحت ... تذري المدامع في أطلال أسماء (٣) أرح قوافلها الحسرى بمنزلة ... لا في الجزيرة أو في تيه سيناء جرحى ينوح وراء الروح منتظرًا ... إطلاق نفسي من أمسي وإبرائي أشتاق صوتي لا ما كنت آخذه ... من صوت غيري لا يدري بأبنائي (٤) أجهر بنفسك وانفض ما شعرت به ... ولا تبال بأفعال وأسماء واسمع بسمعك صوتًا تستريح له ... كما تبسم وجه البدر في الماء هل يمسك الشعر ميزان يكيل به ... مقلدون بلا وحي وإصغاء مضى ابن أحمد محمودًا ومن ورثوا ... أوزانه الآن مثلي غير أكفاء (٥) سمى البحور تعالى البحر عن صفة ... وعن قواف تحاكي عي فأفاء حتام أذهل في آثار شاردة ... وكيف أعقد آفاقًا بإرشاء إني وثبت مع العميان أحسبني ... لا أستقر على أحضان ظلماء

стр. 3007

ناد العبيد عبيد الشعر هل حصدوا ... إلا ندامة مداح وهجاء (١) يلقى الربيع روايات وعنعنة ... عمياء تسأل في آثار عنقاء (٢) هومير ينشد مسحورًا ملاحمه ... وينشدون مديح الإبل والشاء من مغرب الشمس جاء الصبح منطلقًا ... يمسى مضيئًا وما يسعى لإمساء يحيا به الناس أفراحًا سواسية ... كأسًا بكأس وإغراء بإغراء يعبرون كما شاؤوا وما عرفوا ... متنا يعالج أدواء بأدواء أتعرف الشرق كان الشرق في بلد ... قد استراح إلى يأس وإرجاء خان الخضارة في صفين من بخلوا ... على ابن فاطمة الزهراء بالماء أم أنت تسخر مني ليس في وتري ... إلا قوافل أوزان وضوضاء هون عليك جزاك الله صالحة ... إن بت أتبع إقواء بإيطاء أزريت بالشعر والفصحى مقدسة ... فاحمل علي وما يعدوك إزرائي (٣) أما سمعت بعبدان العصا طربوا ... لما أخل عبيد الشيخ بالباء أصابر اللوم أحيانًا وأغفره ... ولا أنام على هون وإغضاء هاتوا ابن أحمد ترضيني حكومته ... إذا تملأ من نقلي وصهبائي (٤) يطوى الموازين في بغداد منتجعًا ... باريس عالم إيقاع وأزياء تنسيه صيحته في البئر قيدها ... في دفتر ندب الأطلال بكاء

стр. 3008

بيكاس جرد أشكالاً حقيقته ... لم يخفها بين أظلال وأضواء (١) يرنو ويخرج في عينيه من أبد ... كالموميات بألوان وأصداء كم شف نفسًا كساها لحم لذته ... بها يعود إلى بوح وإفضاء إن كانت اللغة الفصحى فهل سمعت ... سحر الطبيعة في صمت وإيماء ضحكت منطلق الأنفاس مبتهجًا ... مع الحياة أحبتني وأهوائي سكرت حبًا على صحو يلازمني ... في ظلمة الخمر حب غير نساء أصارع الشعر كي تبدو حقيقته ... فيها حقيقة ميلادي وإنشائي قيد بنفسي لا أنفط أضربه ... حتى أسالم في جنبي أعدائي نشأت في اللغة الفصحى مقدسة ... حتى اكتهلت وما فارقت صحرائي أتعرف العرب الأمجاد في بلد ... فيه تحطم معراجي وإسرائي نسج هذه القصدة متين محكم، وقال شاعرنا يخاطب نفسه بثورة العصر على قيود اللغة وإعرابها «ولا تبال بأفعال وأسماء» وقد بالى هو بذلك فقوله «أشتاق صوتي» أدق تعبيرًا مما لو قال «أشتاق صوتي» أدق تعبيرًا مما لو قال «أشتاق إلى صوتي» وكلا الوجهين صحيح والتمييز بين الصحيحين أدخل في ملكة البيان. ولله المثل الأعلى، حاء بالفعلين مضارعًا وماضيًا في سورة الكهف (اسطاع واستطاع) قال تعالى: ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا﴾ وهذا يتضمن معنى إشارة الخضر ﵇ إلى ما كان من عجلة موسى ﵇ لم تسطع تتضمن معنى العجلة عن تريث للصبر حتى يتبين ما هناك. وقال تعالى: ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا﴾ فالظهور ومحاولة الصعود في ذلك تعجل يتضمنه معنى التعبير بـ (اسطاعوا) والنقب وما فيه من أداة وعمل فيه بطء يتضمنه معنى التعبير بـ (استطاعوا) - والله تعالى أعلم نعوذ به أن نقول في كتابة بما لا نعلم. وقال شاعرنا «وعن قواف تحاكي عي فأفاء» يعتذر عن التزامه القافية وكأن تكرار الروى برتابته فيها فأفأة من غير فصيح اللسان. وهذا النعت صحيح حيث تكون القافية مغتصبة متكلفة وإيقاع الشعر غير رنان. وهنا تواضع به كالمعتذر للخليل أن نظامه المحكم نعجز عنه الآن ونضعف عنه. سمى الوزن بحرًا لأنه عنده ذو سعة ممتدة النغم، ونحن إنما ندركه الآن بتضييق مجاله في حدود وصفنا له بالأوتاد

стр. 3009

والأسباب والفواصل والأعاريض والضروب. ونحن الذين ورثنا أوزانه غير أكفاء لهن، ومن شواهد انعدام الكفاءة (١) بيننا وبينها أننا نتصيد القوافي، نذهل عن المعنى وعن أنفسنا في طلب قافية شاردة شرود- شاردة إذا كلما طلبناها أمعنت في الفرار، شرود أي جيدة، إذ كذلك نريدها، فلا نظفر بلا إلا ضعيفة، ذلك بأن إيقاع بحر الشعر واسع كالبحر وآفاقه ونحن نمد بحبال تصيدنا نريد أن نعقد الأفق البعيد بقافية. الكلمة التي في آخر البيت «نعقد آفاقًا بإرشاء» كلمة إرشاء، مصدر بكسر أولها الرباعي أرشى الدلو يرشيها أي جعل لها رشاء بكسر الراء وهو حبل البئر والجمع أرشية وفي طبع الديوان خطأ، إذ الهمزة تحت الألف دالة على الكسرة وقد طبعت فوق الألف في الديوان. وزعم شاعرنا لنفسه أن يتبع «إقواء بإيطاء» وقد مر تعريف الإقواء والإيطاء في الجزء الأول من هذا الكتاب، وليس في هذه القصيدة إيطاء أو إقواء. قوله: «في أطلال أسماء» وبعده بثلاثة أبيات «بأفعال وأسماء» ليس بإيطاء لاختلاف الكلمتين معنى ولفظًا، الأولى علم مؤنث أصله «وسماء» أي جميلة قلبت واوه ألفًا والثانية جمع «اسم» وليس في القصيدة إقواء. قوله: إلا قوافل أوزان وضوضاء إن عطفت ضوضاء على قوافل رفعتها فكان هذا إقواء ولكن ضوضاء معطوفة على أوزان، وتوهم الشاعر الإقواء لأن ههنا إشارة إلى الحارث بن حلزة حيث قال: أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من مناد ومن مجيب ومن تصـ ... ـهال خيل خلال ذاك رغاء وفي القصيدة بين الإقواء المشهور الذي آخره «ملك المنذر بن ماء السماء» والروى كله مرفوع. قول محمد المهدي ﵀: «أما سمعت بعبدان العصا البيت» - منع «عبيد» من الصرف جائز ويجوز أن يكون الشاعر قد نون اسم عبيد [هو عبيد بن الأبرص]

стр. 3010

وأدغم التنوين في الشين المشدد تبعا لقراءة أبي عمرو في «أهلك عادا الأولى» [عاد أولاً] (١) وبها قرأ المهدي ﵀ في صباه. المهدي في هذه القصيدة صاحل ثورة ومحافظة معًا، وقد اجتهد في معاني الثورة ولكنه كأنه عير مقتنع بصحتها كما هو مقتنع بالقيد والمحافظة. من أجل هذا في أداء الأجزاء الثائرة من القصيدة نوع من عناء فكري وغموض مع جهارة المنحى الخطابي ووضوحه. الشاعر مقدام جرئ على التعبير الثوري، ولكنه في نفس الوقت فزع الروح من هذه الجراءة نفسها غير مقتنع حقًا بها- خذ مثلاً قوله: - ناد العبيد عبيد الشعر هل حصدوا ... إلا ندامة مداح وهجاء يلقى الربيع روايات وعنعنة ... عمياء تسأل في آثار عنقاء هومير ينشد مسحورًا ملاحمه ... وينشدون مديح الإبل والشاء هنا شيء من روح «عاج الشقي على رسم يسائله» وقد بينا أن هذا من مذهب الشعراء قديم ضجر قريب الأمد. من مغرب الشمس جاء الصبح منطلقًا ... يمسي مضيئًا وما يسعى لإمساء يحيا به الناس أفراحًا سواسية ... كأسًا بكأس وإغراء بإغراء هل هنا إعجاب مفرط بأساليب الأدب وبالمدينة الحديثة والحضارة الغربية؟ نعم ولكنه إعجاب مشوب بخوف فقراء «الدامر» وعلماء الإسلام المغروس في النفوس منذ النشأة الأولى. قال الفكي ود دوليب من علماء السودان في القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري) (٢) واختلفوا في رابع القرون ... هل ناقص أو كامل التكوين أي هل تقوم الساعة في أوله وقبل أن يكتمل

стр. 3011

ثم خروج الدابة الغريبة ... من الصفا بهيئة عجيبة وهي المذكورة في سورة النمل ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابةً من الأرض تكلمهم﴾ ثم طلوع الشمس من مغربها ... صاعدة قاصدة مشرقها وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ [في أواخر سورة الأنعام]- قيل طلوع الشمس من مغربها وحين ذلك لا تقبل التوبة ممن لم يكن تاب من قبل. كانت قصيدة «ود دوليب» يعرفها فقراء الدامر وغيرهم ويحفظها من يعقل من الصغار وتكتب في الألواح أحيانًا. وفي وصف علامات الساعة أن القرآن يرفع من السطور ومن الصدور وأن الناس يعيشون كالأنعام يأكلون ويشربون ويتسافدون. أم ليس في قول الشاعر: - يحيا به الناس أفراحًا سواسية ... كأسًا بكأس وإغراء بإغراء بعض الإشارة إلى هذا المعنى. هذه القبلات العلانية في السينما. هذا المادة التي لا تهاب يعبرون كما شاؤوا وما عرفوا ... متنا يعالج أدواء بأدواء داء الأنانية والمادية بخوف المجهول، ثم خروج الدابة الغريبة ... من الصفا بهيئة عجيبة هذا أحد المتون مما كان وما زالت تتداوى به البقية الباقية من تراث الفقراء. ها هنا عند شاعرنا مع الإعجاب (يعبرون كما شاؤوا خوف الساعة وعلاماتها- تأمل قوله (وما يسعى لإمساء) لكفر هذا الغرب لا ينتظر ظلام «إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت» وتأمل قوله: «وإغراء بإغراء». هل الدابة الغريبة هي هذا الناس بعد أن تمسخهم المادية قردة وخنازير ثم يقع بهم الخسف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب؟ حتى الغربيون أنفسهم منهم من فزع من مادية حضارة عصره وسماها الدابة The Animal والذي يدلنا على فزع شاعرنا من جراءته وثورته التي كأنها شعوبية يسارية الظاهر التجاؤه إلى تراث العقيدة السنية القديم العميق: أتعرف الشرق كان الشرق في بلد ... قد استراح إلى يأس وإرجاء

стр. 3012

الشرق الأولى هي العبارة المعاصرة التي يرد بها دار الإسلام كما مر في شعر محرم والشرق الثانية بمعنى الشروق والضوء. الصبح الآن من الغرب ولكنه من قبل كان ها هنا ونحن صرفناه عن دارنا يوم استرحنا إلى اليأس وفرضنا التحكيم على علي وهوله كاره، ثم داهنا وأدهنا من بعده وصرنا مرجئين وأطلق العنان للدهاة وللملوك وللجبارين. خان الحضارة في صفين إلخ أي صلة هذا وبين قضايا اللغة والشعر الحديث والثورة الجريئة اللسان- نعم الشك والفزع وجذور الإيمان التي في الجنان أم أنت تسخر مني إلخ الشاعر يخاطب محافظه ثائره، الذي نسى العصر ودابته مع عمار بن ياسر ومع الحسين بن علي ﵃ نعم «أنا» المحافظ أسخر مني أنا الثائر، والثائر المعترف في بمحافظته يسخر من ذلك أيضًا- وترى ما هو إلا تكرار للغناء القديم، قوافل الأوزان الخليلية التي تقف على الأطلال وتسائلها هل غادر الشعراء من متردم وعبدان العصا هم هذه الشراذم التي تطرب لتهديم الأوزان واضطرابها، هؤلاء هم عبيد العصا. «عبيد الشيخ» رمز به الشاعر لنفسه حين حاول التحرر من الوزن، مضطربًا به عن عمد، كاضطراب عبيد بن الأبرص في: أقفر من أهله ملحوب هذا وفي الثلث الأخير من القصيدة يعرض الشاعر لثلاثة أغراض، أحدها بقية ثورة وتهيب ولا يخلو من غموض وهو قوله: هاتوا ابن أحمد ترضيني حكومته ... إذا تملأ من نقلي وصهبائي يطوي الموازين في بغداد منتجعًا ... باريس عالم إيقاع وأزياء تنسيه صيحته في البئر قيدها ... في دفتر ندب الأطلال بكاء وفي هذا من مقارنة الشعوبية والثورة على قديم التراث باسم العصر الحديث. وفي قوله: «حكومته» صدى من صفين وتحكيمها وفي خطب على وردت «الحكومة» بمعنى التحكيم وأراد شاعرنا: «يرضيني حكمه» ولكن بشرط أن يتملأ من فتنة العصر

стр. 3013

الحديث ويطوي موازين عصر بغداد- إذ كان الخليل بالبصرة وكانت بغداد قصبة الدنيا آنئذ- منتجعًا باريس بما فيها من فن وموسيقا وأوبرا وترف مادي وأدبي. إذن لأنسته فتنتها عمل العروض واستعانته بسماع صدى صيحته في البئر وتقييده ذلك في الأعاريض قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل ماذا وقوفي على رسم عفا ... مخولق دارس مستعجم وهلم جرا الغرض الثاني الاستدلال بثورة بيكاسو الفنان وتجديده، وزعم شاعرنا أنه كان ينظر ثم لا يجعل فنه بعد ذلك مستعبدًا لقوانين الظلال والرؤية والضوء، بل يجرد انفعاله إزاء ما يرى في هيئة أشكال، يحنط فيها أشباح لذته كما تحنط الموميات فهو بدلاً من أن يرسم الجميلة بظلال وأضواء تبين زاهر ملامحها، يشق هذا المنظر الجميل بمبضع تشريحي، فلا يبقى إلا الهيكل العظمى، فيكسو هذا الهيكل لحمًا موميائيًا معبرًا عما أصاب هو من لذة. عمل وتعب تأوله الشاعر الرسام أنه هو مذهب بيكاسو. ولعل أمر ما صنعه بيكاسو لم يكن أكثر من محاولة يائسة للتجديد، إذ مع ما كان له من مهارة، قد سبقه الفنانون الأولون واللاحقون بهم من بعدهم، وكان يعلم في نفسه تقصير ما يستطيعه من إبداع، أقصى ما كان يستطيعه من إبداع، عن مدى غوية (١٧٤٦ - ١٨٢٨ م) والغريكو من فناني قطره، بله من سبقوه في عصر قريب من التأثيريين ومن إليهم ومن تقدمهم وهلم جرا. ثم يقول المهدي ﵀. إن كانت اللغة الفصحى فهل سمعت ... سحر الطبيعة من صمت وإيماء هل ههنا يوازن الفنان المهدي بين القدرة صاحب الريشة المصورة وصاحب القلم المبين، هل هو ثائر على أن ضحى الأول من نفسه هو من أجل الإخلاد إلى الثاني- التصوير حرم، والبيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة، إلا أن يكون شيء غير ذي حيوية أو بمنزلة اللعب للأطفال كالخيل المجنحة التي ذكر بعض رواة الحديث أن رسول الله ﷺ رآها عند عائشة ﵂ مرجعه من تبوك فقالت إنها خيل الملائكة؟

стр. 3014

والغرض الثالث وهو ختام القصيدة وزبد معناها، اعتراف صريح بتمرد على ما أحاط به من بيئة محافظة من نفسه ونشأته ولغته وثقافة آبائه الفقراء الدامر المجاذيب ومجدهم وأورادهم واحتفالهم بالمولد: صلينا مشتاقين ... ليست الكونين صلينا مشتاقين ... لقرة العينين وبرجية المعراج: ردف السلام ... للنبي الإمام صاحب المقام ... يوم الازدحام وجهه كالسراج ... نوره وهاج ليله المعراج ... كبروا له التاج ومن أخريات نماذجهم وكبرياتهم والده الأستاذ العلامة الحافظ الشاعر المثقف أستاذ العربية بكلية غوردون وقد تخرج منها من قبل في أول دفعة كما تخرج ابنه هذا الشاعر من بعد، بارعًا في معارفها وفي اللغة الإنجليزية وآدابها وأفنديا مبنطلاً من صميم الجيل المتحرر الواعد الحديث. ومع التمرد انتماء عميق وقيد الانتماء عتيق. ضحكت منطلق الأنفاس مبتهجًا ... مع الحياة أحبتني وأهوائي سكرت حبًا على صحو يلازمني ... في ظلمة الخمر حبًا غير نساء في التعبير هنا عناء حبيبي المعدن. سكر الشاعر بحب العصر وفتنته ومع هذا السكر صحو ملازم هو الشعور بالانتماء والقديم- ولأمر ما حين شبه الشاعر افتنانه بحب التحرر الحديث بسكر الخمر ولذتها، جعل الخمر والسكر ظلمة- ولا يخفي أن الصحو الذي هو نور هو هذه المحافظة وهذا الانتماء. أصارع الشعر كي تبدو حقيقته ... فيها حقيقة ميلادي وإنشائي الرسم ذوبان في فتنة العصر الحديث. الشعر يتيح لي عرض الصراع الذي في نفسي بين الثورة والمحافظة. عدوى هذه الثورة وهي أنا. لا بد من القيد لترويضها وتذليلها. أنا ابن اللغة الفصحى وقيودها. لعنة على هذه الحرجات العربية الثورية التي تمزق عني ثوب مجدي القديم. مجد فقرائي علماء السيرة أهل الأوراد والأذكار والإسراء والمعراج.

стр. 3015

قيد بنفسي لا أنفك أضربه ... حتى أسالم في جنبي أعدائي نشأت في اللغة الفصحى مقدسة ... حتى اكتهلت وما فارقت صحرائي مقدسة، لبدئها بحفظ القرآن وحرصها على قيم بلاغته. وفارقت صحرائي أي بلدي الدامر التي وصفها بوركهاردت وبروس وأعجبوا بما فيها من سخاء وعلم وفضل وشيم نبيلات. أتعرف العرب الأمجاد في بلد ... به تحطم معراجي وإسرائي الأمجاد صفة للعرب أي هل تحس من عرب ماجد في هذه العاصمة الكافرة، في هذا العصر الحديث؟ القصيدة رصينة ولكن انفعال عاطفة الشاعر فيها غير شاف لما خالطه من شك وتهيب وجسارة يخالها غموض. بهذا هذه القصيدة من أجود أنواع التعبير عن مشكلة العارف بهذه اللغة المتذوق لروائعها إزاء ما يحيط به من فتنة محاربتها والتنكر لأساليبها- هذا الذي قارب شاعرنا المهدي التصريح به في قوله: (أتعرف العرب الأمجاد إلخ) قد صرح به تصريحًا فيه حمية أهله الجعليين حيث قال في قصيدة عنوانها «يوم الماهية»: (١) وقفت إلى الصراف والدين واقف ... بكشف كحبل البئر أهوى إلى الورد (كان الناس إلى عهد قريب لا يعرفون الماء عندنا إلا من الآبار) سلامًا على الصرف أضحى أصابعًا ... تراقص بين الخضر والحمر والربد كان المهدي محاسبًا فنظره إلى الصراف عن مراقبة عارفة والخضر أوراق الجنيه والحمر والربد ما دونها إلى قطع البرونز أوقع في كشف المواهي فليتهم ... وقد نقدوا صانوا حيائي من النقد أي وقد أعطوني النقد، والنقد الثانية أي الطعن والوخز والعيب لأن في فرض التوقيع نوعًا من إذلال أقلب أوراقًا وصفرًا وفضة ... أعد فلوسي كم خسرن على العد صكوك بلوناها طويلاً وضيعت ... هداي وسماني أولو الرشد بالمهدي أكل غنى بات في الناس آمرًا ... يجوز له أكل الجهود بلا جهد ورب جنيه بات عندي أصره ... يطير إلى البنيان طاروا إلى الهند البنيان طائفة من الهندوس كان منهم بالسودان تجار كثيرون وما زالت منهم بقية ويظهر أن صلتهم بهذه البلاد ضاربة في القدم.
следующие страницы →