فإن كنت تنفر من اللغات العامية أيها القارئ، فليس أمامك إلا أحد أمرين:
١) إما أن تستحدث أوزانا جديدة كل الجدة وتخترع لها ما يلائمها من قيود.
٢) وإما أن تقول بتوسيع الذخيرة ودراسة اللغة كما ينبغي.
أما الوجه الأول، قد فات المناسب منذ القرن الثالث الهجري، والإقدام على التجديد في الأوزان الآن، معناه أن نحدث تغييرًا جوهريًا في ناحية جوهرية من نواحي اللغة العربية لازمتها أكثر من ستة عشر قرنا. وإحداث تغيير كهذا في لغة عريقة في القدم مليئة بالتقاليد المعتقة، مطلب عزيز جدا تحقيقه، أدخل في باب الأوهام والتخيلات منه في باب المعقول المقبول، اللهم إلا أن تكون اللغة العربية بدعا بين اللغات.
والوجه الثاني هو الرأي الصواب وإن كنت أراك تنفر منه. وكيف يجوز لك أن تقول سأكتب وأنظم بالعربية الفصيحة، ومع ذلك فلن أبالي بتوسع ذخيرتي فيها ولا بتجويد نحوها وصرفها، ورحم الله الشيخ الطيب السراج (١) إذ سمع مثل هذا القول من بعضهم فقال: أيجوز لك أن تقول وأنت تكتب نثرًا بالإنجليزية: I goes أو تقول: They is، فيكيف تحرص على سلامة الإنجليزية ولا تحرص على سلامة العربية؟
حتى وإن أبيت وقلت: فإن كان لا بد من دراسة الأصول ومعرفة اللغة، فأنا أنظم وأكتب بالعامية، فإني لا أجد مفرًا من أن أذكرك بأنك مع هذا لن تستغني عن الفصحى، لأنها أصل العامية ومنبعها، ولأنها ولأنها مستودع التراث الديني والأدبي، الذي لا يمكن أن نفصل عنه أنفسنا بحال من الأحوال.
стр. 37
ومن أجل هذا كله فإني سأنتقل بك من هذا التمهيد الذي مهدته، إلى حديث عن أصول الصناعة الشعرية، من حيث القوافي والأوزان، بحسب ما يمكن استقراؤه من أشعار العربية، ومؤلفات علمائها -إذ كل ذلك لازم للأديب، ولا غنى للناقد عنه، وأول ما أبدأ بالحديث عنه: القافية.
стр. 38
المبحث الأول
عيوب القافية ومحاسنها وأنواعها
قد تحدثنا عن عيوب القافية الموحدة الملتزمة من وجهة النظر المعاصرة، والآن ندير دفة الحديث إلى جانب آخر، فنحدثك عن عيوبك القافية، ثم عن محاسنها من وجهة النظر التقليدية، وفي عرف أرباب الصناعة.
أجمع العلماء على استقباح: الإيطاء، والإقواء، والسناد، والإكفاء، والإصراف والإجازة، والتضمين، إن وقع شيء منها في كلام الشاعر.
أما الإيطاء، فهو تكرار القافية بعينها. والإقواء: هو المخالفة بين حركات الإعراب في القوافي، كأن تجئ ببعضها مرفوعا وببعضها مجرورا. والإكفاء، والإجازة، والإصراف: قيل هي الإقواء نفسه. وقيل: هي اختلاف حركات التوجيه (١)، والدخيل (٢). وقيل: اختلاف أحرف الروي مع تقارب بينها في المخارج، كأن يجيء الشاعر بطاء فيما رويه دال، أو ميم فيما رويه نون، وأنشدوا لابنة أبي مسافع، ترثي أباها وكان قد قتل دون جيفة أبي جهل ببدر (٣):
وما ليث غريفٍ ... ذو أظافير وإقدام
стр. 39
كحبي إذ تلاقوا و ... وجوه القوم أقران
وبالكف حسام صا ... رم أبيض خذام
وقد ترحل بالركب ... فما تخني بصحبان
أي لا تقول لهم سفها.
والسناد: يطلق على عيوب كثيرة، أهمها أن تخالف بين أنواع الردف (١) (ما لم يكن واوا أو ياء ناشئتين عن إشباع). والتضمين: هو أن تعلق قافية البيت على ما بعدها، فلا تكاد تستقل بنفسها، كما في قول الفرزدق يصف امرأة (٢):
فلو أن ذرًا أو أباه رأى التي ... رأيت أبت عيناه أن تتأخرا
إذن لرأى مثل التي ظل راينا ... إلى فرعها داود حتى تحدرا
إليها من المحراب وهو على الذي ... يفصل فيه كل شيءٍ مسطرا
والإشارة في أول بيت إلى أبي ذر، وفي الثاني إلى قصة داود وكانت له تسع وتسعون امرأة. والشاهد في قوله: تحدرا (٣). والفرع: هو الشعر.
وهذه الاصطلاحات التي ذكرناها قديمة موروثة عن العرب الأوائل، ويدل على ذلك اختلاف العلماء في تفسيرها. وقد ورد بعضها في الشعر الأموي. وقال ابن الرقاع (أغاني الدار ٩ - ٢١٧):
وقصيدةٍ قد بت أجمع شملها ... حتى أقوم ميلها وسناها
стр. 40
وقد ورد بعضها في الأخبار القديمة، كما ورد في الخبر الذي روي عن النابغة أنه كان يقوي أو يكفئ (اللسان، كفأ) وكالخبر الذي رووه عن بشر بن أبي خازم في الإقواء (المفضليات، شرح الأنباري، بيروت? ? ? ? -٦٥٨ - ٣٤). وقد جمع المعري هذه الاصطلاحات في بيتين من شعره في سقط الزند، قال يصف الغراب:
من شاعر للبين قال قصيدة ... يرثي الشريف على روي القاف
بنيت على الإيطاء سالمة من الـ .. إقواء والإكفاء والإصراف (١)
وقال يصف البدو:
بناة الشعر ما أكفوا رويًا ... وما عرفوا الإجازة والسنادا (٢)
وفي مقدمة اللزوميات كلمة وافية عن القافية ومستلزماتها وعيوبها، وكذلك في كتاب العمدة لابن رشيق. وكل ما يهمنا أن نعقب على كلام النقاد، في أربعة من هذه العيوب، وهي الإقواء والإيطاء والسناد والتضمين.
الإقواء
كان الشعراء الأوائل يتحاشون الإقواء بالفتح بالكلية مع أحرف الروي المكسورة أو المضمومة، كما كانوا يتحاشون الإقواء بالكسر أو الضم مع حرف الروي المفتوح، فلا تجدهم يجيئون بقواف نحو: آبا، آبو، أو كتبًا، كتبي، كتبوا في قصيدة واحدة. إلا أنهم كثيرًا ما كانوا يأتون بالقوافي المكسورة مع المضمومة والعكس بالعكس، وهذا ما وقع للنابغة في داليته:
стр. 41
من آل مية رائج أو مغتدي ... عجلان ذا زادٍ وغير مزود
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك نبأنا الغداف الأسود (١)
والبوارح: هي ما يتشاءم به من طير.
ويظهر أن الأذواق الجاهلية كانت تقبل هذا، ولعل السبب في قبولها له أنهم كانوا يقفون كثيرًا بالسكون في القوافي المطلقة فيقولون: مزود، والأسود (٢) ولكن أذواق المحدثين وأكثر شعراء الإسلام نبت عن الإقواء فتجنبوه في منظوماتهم.
وقد كان هذا من المتأخرين تحسين وتجويدًا في الصناعة. ألا تجد الإقواء حين يقع في القطع والقصائد الجاهلية كثيرًا ما يفسد موسيقاها وينقص من قدرها؟ ألا تجدك تود أن لم يقل الحرث في معلقته:
ملك المنذر بن ماء السماء
стр. 42
وأن عبدة بن الطيب لم يقو في قوله:
ينحزن من بين محجون ومركول (١)
والقصيدة من روي "بانت سعاد".
وقد أحس علماء الشعر بجمال قوافي المولدين والمجودين من الإسلاميين مثل القطامي وذي الرمة، فأرادوا أن يبالغوا في هذا التحسين بزيادة القيود وحث الشعراء على أن يلتزموا الإعراب حتى في القوافي المقيدة (الساكنة). ومثل هذا الالتزام عسير جدًا. وقد كان الشعراء أحكم وأعقل من أن يأبهوا له أو يعيروه نظرة، ولو قد فعلوا لكان النظم في القوافي المقيدة من أشق الأشياء، ولصعب على أبي الطيب مثلًا أن ينظم قصيدته:
أزائر يا خيال أم عائد ... أم عند مولاك أنني راقد (٢)
وهي كلمة لو أطلقت قوافيها لاختلفت حركات الإعراب فيها أشد اختلاف، لأن فيها نحو: "وانثني راشد" و "ألصق ثديي بثديك الناهد".
الإيطاء
اصطلح العلماء على جواز إعادة القافية بعينها بعد سبعة أبيات أو عشرة. وحظر الإيطاء على وجه العموم أمر يتقبله الذوق، لأن الذوق السليم يكره التكرار ما لم يدع إليه داع قوي، إلا أن الإصرار على الحظر في كل حالة وكل مناسبة، وبغض النظر عن مقتضيات الظروف التي تدعو إليه خطأ عظيم. وهاك على سبيل المثال قول الأعشى (ديوانه، جاير أوروبا سنة ١٩٢٧ ص ٣٣ - ٥١ إلى ٢٥٧):
стр. 43
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواءً ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخيرٍ إذا لم ترم
أي لم تبرح.
ويا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
أفي الطوف خفت علي الردى ... وكم من ردٍ أهله لم يرم
أي كم من هالك لم يفارق أهله.
فالفعل المضارع «ترم» و «يرم» مستعمل في قافيتي البيت الثاني والخامس، ولا يفصل بين هذين البيتين إلا بيتان اثنان. ومع ذلك فهذا الإيطاء ليس بمكروه موقعه في السمع. بل هو مناسب للمقام، وملائم جدًا لما سبقه من تكرار «أبانا» و «يا أبتا» و «عندنا».
فهذا يوضح لك ما ذكرته من أن الإيطاء، وإن كان في الكثير الغالب غير مقبول، قد يحسنه المقام المناسب له أحيانًا.
والغالب على نقاد الشعر أن يعيبوا تكرار الضمير المتصل في قوافي الشعر، وأن يشموا في تكراره نوعًا من الإيطاء، وإن كان تكراره في القوافي يجئ حسنًا أحيانًا، كما في قول ذي الأصبع (المفضليات ٣٢٥ - ٣٢٦):
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبٍ ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي ... فإن ذلك مما ليس يشجيني
ولا يرى في غير الصبر منقصة ... وما سواه فإن الله يكفيني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عني سوف يغنيني
стр. 44
يا عمرو إن لاتدع سبي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
يعني على جمجمتك، ومن الجمجمة تخرج الهامة، وهي طائر خرافي.
هذا، والضمير «ني» (١) كما ترى، معاد في كل بيت مما روينا، وهو مكرر في اثنين وعشرين بيتًا من قصيدة ذي الإصبع هاته، وعدة أبياتها ستة وثلاثون والقوافي الأربع عشرة التي ليست بضمير المتكلم مع نون الوقاية، فيها كلمة «مكنون» مكررة مرتين، و «لين» ثلاث مرات. وكأن الشاعر اعتبر الضمير «ني» جزءًا من الكلمات التي وصله بها، وهو كذلك في السمع. وموقعه حسن جدًا كما ترى، والإيطاءات التي في القصيدة لا تعيبها، بل لا يكاد يشعر بها السامع.
وقد غالى ابن رشيق في مسألة الإيطاء والتقفية بالضمائر، فمنع أن تجيء أمثال «تكره» و «نصره» قوافي في القصيدة الواحدة، لأن هاء «تكره» أصلية، وهاء «نصره» ضمير (٢).
وعندي أن التدقيق في القيود إلى هذا الحد فيه تعنت، ويكفي أن نقول على وجه الإجمال: إنه خير للشاعر أن يتجنب الضمائر في التقفية، وألفات التثنية، وواو الجماعة ونونها، وياء التثنية ونونها، ما أمكنه ذلك. ولكن علينا في نفس الوقت أن نعترف بأن الشاعر الحاذق، قد يأتي بكل هذه في المقام المناسب، فيضطرنا إلى قبوله كما فعل ذو الإصبع، وكما فعلت الشاعرة في قولها:
أعمرو علام تجنبتني ... أخذت فؤادي وعذبتني
فلو كنت يا عمرو أخبرتني ... أخذت حذاري فما نلتني (٣)
стр. 45
وكما فعل الوليد بن يزيد في قوله:
أراني قد تصابيت ... وقد كنت تناهيت
ولو يتركني الحب ... لقد صمت وصليت
إذا شئت تصبرت ... ولا أصبر إن شئت
ولا والله لا يصـ ... ـبر في الديمومة الحوت
سليمى! ليس لي صبر ... وإن رخصت لي جيت
فقبلتك ألفين ... وفديت وحييت (١)
فهذا شعر من الطراز الخفيف غير المحتفل له، يجوز للشاعر فيه أن يكفئ ويساند ويوطئ ما شاء. ولو كان الوليد قد حرص على القيود، لربما كان ذلك قد أفسد عليه نغمته الرقيقة الحلوة.
السناد
أنواع السناد المعيبة خمسة، هي: (١) الجمع بين ذي الردف وغيره.
(٢) الجمع بين المؤسس وغيره. (٣) الجمع بين ردفين متباينين. (٤) اختلاف التوجيه. (٥) اختلاف الدخيل.
أما مثال الأول فكأن تجمع بين «لدن» و «لين» في التقفية، الأول غير ذي ردف، والثاني ذو رِدْف، وأجاز بعض النقاد مجيء مثل «لدن» مع ذي الردف الواوي الساكن، نحو «لون» (٢)، ومنعوه مع غير ذلك من الأرداف، نحو: «لين» و «دون».
стр. 46
ومثال الثاني أن تجمع بين مثل: «ناصرًا» و «أخرًا». «ناصرًا»: قافية مؤسسة بالألف بعد النون، و «أخرًا»: ليست مؤسسة. ومثال هذا النوع من السناد قول أمرئ القيس (١).
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا
كذلك جدي ما أصاحب صاحبًا ... من الناس إلا خانني وتغيرا
«فآخرا» مؤسسة، «وتغيرا» غير مؤسسة. وسائر قوافي القصيدة ليست مؤسسة.
ومثال الثالث أن تجمع بين نحو: «سرينا» و «سمونا» في قوافيك، وبين نحو: «أولينا» و «رعينا». وبين نحو: «أكرمونا» و «عفونا». وجائز أن تجمع بين «أولينا» و «أكرمونا».
ومثال الرابع أن تأتي بمثل: «مغتفر، منتصر، نكر» قوافي في قصيدة واحدة. فحركات الفاء والصاد والنون التي قبل الساكن الأخير كلها تسمى توجيهًا. والنقاد يشترطون أن تكون حركة التوجيه في القوافي المقيدة (الساكنة) واحدة.
ومثال هذا السناد من شعر امرئ القيس (٢):
فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر
стр. 47
فحركة الطاء كما ترى ضمة، وحركة الصاد والحاء من «خصر ومستحر» كسرة.
ومثال الخامس أن تجمع بين نحو: «خاملو» و «تخاذلوا» و «تحاملوا» في قوافيك: وأجازوا في الضرورة أن تجيء نحو: «تخاذلوا» و «خاملو»، وحظروا «خاملوا» أو «تخاذلوا» مع نحو: «تحاملوا»، وأنشدوا للنابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو إمة وهو طائع
بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍ ... يزرن إلالًا سيرهن التدافع (١)
فالدخيل في القافية الأولى وهو الهمزة مكسور، وفي الثانية مضموم، وهو في سائر القصيدة مكسور.
وإذا تأملت هذه الأنواع الخمسة التي ذكرناها، لم تجد فيها شيئًا معيبًا حقًا إلا نوعين: المثال الأول وقبحه لا يحتاج إلى تدليل، والضرب الثاني من المثال الثالث، وحسبك من قبحه قول عمرو بن كلثوم في المعلقة:
كأن متونهن متون غدرٍ ... تصفقها الرياح إذا جرينا
وقد لام المعري عمرو بن كلثوم علي سناده هذا في رسالة الغفران (٢) فاعتذر عمرو بأن أبيات المعلقة في جملتها سليمة، ولا يضيرها مع كثرتها أن يكون واحد منها قبيحًا، كما لا يضير أبا العشرة أن يكون أحدهم دميمًا، إن كان الباقون صباحًا.
هذا، والأنواع الأربعة الباقية ليست بقبيحة حقًا، وإنما تحسن أو تقبح بحسب مواقعها. تأمل سناد أمرئ القيس في «آخرا» و «تغيرا» أتجده قبيحًا؟
стр. 48
وكذلك اختلاف التوجيه في أبياته «فتور القيام إلخ» ألا تحس أن موقع ذلك كله حسن لا شذوذ فيه؟ والواقع أن اختلاف حركات التوجيه، وحركات الدخيل بخاصة، أمر شائعٌ مقبولٌ في الشعر، واشتراطات العلماء التي ذكروها، تحكم وتعنت ليس إلا.
التضمين:
سبق الكلام عن ماهية التضمين، وأجازه العلماء إذا كانت القافية لا تعتمد كل الاعتماد على ما بعدها، كما في قول الفرزدق:
فلم أر يومًا كان أكثر باكيًا ... وأكثر لطًا للخدود الذوارف
من اليوم للحجاج إذ يندبونه ... وقد كان يحمي مضلعات المكالف (١)
وحظروه إذا كانت القافية لا تستقل عما بعده، كما في قول النابغة:
وهم وردوا الجفار على تميمٍ ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواطن صادقات ... أتينهم بود الصدق مني (٢)
وعندي أن كلًا النوعين من التضمين ليس بعين كبير، وكثيرًا ما يحسن موقعه إذا كان البحر قصيرًا، أو كان الشعر قصيصًا آخذًا بعضه برقاب بعض، أو خطابيًا حاميًا، كبيتي النابغة هذين في موضعهما من قصيدتها. ومن خير أمثلة التضمن في الشعر القصصي، قول ابن أبي ربيعة من الرائية «أمن آل نعم»:
فبت رقيبًا للرفاق على شفًا ... أحاذر منهم من يطوف وأنظر
إليهم متى يستمكن النوم فيهم ... ولي مجلس لولا اللبانة أوعر
стр. 49
ومن الشعر الخطابي قول زهير:
ولا تكونن كأقوام علمتهم ... يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا
طابت نفوسهم عن حق خصمهم ... مخافة الشر فارتدوا لما تركوا (١)
الردف المشبع:
هو مثل «هودو» و «عيدو» و «صالحونا» و «طيبينا». وبحسب نظام التقفية العربية، يجوز للشاعر أن يجمع بين ذوات الواو وذوات الياء اللائي من هذا النوع، كما في قول العبدي:
أفاطم قبل بينك متعيني ... ومنعك ما سألت كأن تبيني
ولا تعدي مواعد كاذباتٍ ... تمر بها رياح الصيف دوني (٢)
وكما في قول أبي تمام:
إن كان مسعود سقى أطلالهم ... سيب الشئون فلست من مسعود
رحلوا فكان بكاي حولًا بعدهم ... ثم أرعويت وذاك حكم لبيد (٣)
والمستشرقون يعيبون نحو هذا من قوافي العربية، وهذا افتيات وتكلف، إذ في الإنجليزية مثلًا، يجوز الجمع في القوافي بين نحو: «بو» و «دو»، وهذا شر من الجمع بين نحو: «عيدو» و «دودو».
والقرابة بين الواو والياء قريبة جدًا في بنية العربية، ولأمر ما تقبل القدماء
стр. 50
نحو إقواء النابغة وبشر والحرث، الذي جمعوا فيه بين روي مكسور وآخر مضموم.
وهل الضمة والكسرة إلا فرع من الواو والياء؟
لزوم ما لا يلزم
يطلق هذا الاصطلاح على القيود التي يلتزمها بعض الشعراء، من دون أن تكون الصناعة ملزمة لهم بذلك، وأهم هذه القيود التطوعية أن يلتزم الشاعر قافيتين، كما فعل المعري في اللزوميات وبعض الدرعيات. وهذا النوع من الالتزام لما لا يلزم قديم، جاء بعضه في الشعر الجاهلي، وأكثر منه يزيد بن ضبة (١) من شعراء الإسلام، وكثير عزة. وقد أكثر منه الشعراء جدًا فيما بعد المعري، لا سيما في المغرب، ويظهر أن عمر الخيام كان يلتزمه في شعره العربي، فقد رووا له:
إذا رضيت تفي بميسور بلغةٍ ... يحصلها بالكد كفي وساعدي
أمنت تصاريف الحوادث كلها ... فكن يا زماني موعدي أو مواعدي
أليس قضا الأفلاك في دورها بأن ... تعيد إلى نحسٍ جميع المساعد
فيا نفس صبرًا في مقيلك إنما ... تخر ذراه بانقضاض القواعد (٢)
ولزوم ما لا يلزم قيد ثقيل للغاية، وقل أن تتيسر معه الإجادة، إلا ما كان من أمر كثير والمعري في بعض لزومياته.
القوافي المقيدة:
وهي ما يكون حرف الروي فيه ساكنًا. مثل:
стр. 51
تميم بن مر وأسياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر
واستعمال القافية المقيدة بعد المد كثير جدًا نحو: «غادر» و «ناصح» و «عليم» و «مغربان». ولكن استعمالها من غير أن يسبقها مد غير كثير، وفيه عسر شديد في البحور الطوال، إلا بحري الرمل والمتقارب لخفتهما، فمثال الأول قول سويد ابن أبي كاهل:
بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها ما اتسع (١)
ومثال الثاني بيت أمرئ القيس الذي تقدم.
وعامة البحور القصار يصلح فيها التقييد من غير اعتماد على مد قبله، كما في ميمية البحتري المعروفة:
قل للخليفة جعفر الـ ... متوكل بن المعتصم
المجتدي للمجتدي ... والمنعم ابن المنتقم (٢)
وبحر البسيط بخاصة من أشق مسالك القافية المقيدة المسبوقة بحرف متحرك، اللهم إلا أن يكون الروي المقيد هاء كما في قول الآخر:
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقًا مثل وشي اليمنة الحبره (٣)
وبحر الخفيف يشبه البسيط في هذه الناحية، ويجوز أن يأتي فيه نحو:
стр. 52
أنت مولاي شاخص مستصحب ... وضياعي إليكم سوف ينسب (١)
وبحر الوافر يجيء فيه التقييد مع عسر شديد. والكامل والرجز يقبلان التقييد، والجياد المقيدات فيهما قليل، من ذلك قافية رؤبة الرجزية:
«وقاتم الأعماق خاوي المخترق»
وإليها يشير المعري في قوله:
مالي غدوت كقاف رؤبة قيدت ... في الدهر لم يطلق لها إجراؤها
مل المقام فكم أعاشر أمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها
والطويل أصلح الأوزان الطوال للروي المقيد، كما في كلمة لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
إذا حان يومًا أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجهًا ولا تخلقا شعر
وقولًا هو المرء الذي لا حريمه ... أضاع، ولا خان الصديق ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (٢)
وهذا البيت مما تعب النحويون وأتعبوا الناس بالاستشهاد به.
ومن ذلك كلمة أبي عرارٍ، وهي حماسية مشهورة:
أرادت عرارًا بالهوان ومن يرد ... عرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم (٣)
وإن عرارًا إن يكن غير واضحٍ فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
стр. 53
وقد تجيء قافية الطويل منتهية بالماء الساكنة، بعد حرف روي ملتزم، على حد ما ذكرناه في بحر البسيط، فتحسن جدًا كما عند النابغة (١):
وإني لألقى من ذوي الضغن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره
كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره
إلخ ... والأبيات مشهورة.
ومن أعسر القوافي المقيدة، قافية المترادف، وهي التي يتوالى في آخرها ساكنان. وأعسر ما تكون عندما يكون الساكنان صحيحين، نحو قول عدي بن أبي الزغباء الأنصاري:
أنا عدي والسحل ... أمشي بها مشي الفحل (٢)
وهذا نمط صعب، والشعراء يتحامونه إلا في المشطورات القصار، وقد ركبه المعري في قوله:
يا شائم البارق لا تشجك الـ ... ـأظعان فوضن إلى أرض بين
أبين للأوطان في عازب الر ... وض، فما وجدك لما أبين (٣)
وهي كلمة طويلة يعجبني منها هذان البيتان.
وشبيه بالصحيحين الساكنين في العسر، أن يكون الحرف السابق للروي الساكن، واوًا أو ياء ساكنة مفتوحًا ما قبلها، كما في قول الراجز:
стр. 54
مالك لا تنبح يا كلب الدوم ... قد كنت نباحًا فمالك اليوم (١)
وهذا النوع نادرٌ لا يكاد يجيء إلا في مشطورات السريع، وقل أن تجده في القصائد الطوال، ولا أعرف من ذلك إلا كلمة جيدة للمعري في الدرعيات مطلعها (٢):
ما نخلت جارتنا ودها ... يوم تراءت بكثيب النخيل
وفيها في صفة الدرع:
يحسبها الضب إذا ألقيت ... في أرضها الغبراء ثنون سيل
يشتد خوفًا بعد إخباره ... حسيله عنها وأم الحسيل (٣)
ما ذية هم بها عاسل ... من القنا لا عاسل من هذيل (٤)
فمن لبسطام بن قيس بها ... ذخيرة أو عامر بن الطفيل
أعدها الشيخ معد لما ... يطرقه من لف خيل بخيل (٥)
كانت لهودٍ عدة قبل أد ... يان يهودٍ حدثت من قبيل
بدلت من لونٍ الصبا شاملًا ... جونا بلونٍ كبياض الأجيل (٦)
فارتحل النضر لرع سوى ... ربعي فرارًا من أبيه شميل (٧)
стр. 55
والمرء يحتال ويغتال ما ... عاش ويأتال بقصدٍ وميل (١)
والود غرار ونجوى عليـ ... ـىٍ ولديه غير نجوى كميل (٢)
من حب عبد الدار ما أبعدت ... بين أخاها عن وصايا حليل (٣)
والدهر إعدام ويسر وإبـ ... ـرام ونقض ونهار وليل
يفني ولا يفنى ويبلي ولا ... يبلى ويأتي برخاء وويل
وهذا الكلام له من نفسه شفيع إلى القلب.
القوافي الذلل:
هي الباء والتاء والدال والراء والعين والميم والياء المتبوعة بألف الإطلاق. والنون في غير التشديد أسهلها جميعًا، لما يعتريها من حالات الإسناد والجمع والتثنية، ولما يقع فيها من الصفات على وزن فعلان، والجموع على فعلان وفعلان. والإجادة فيها عسيرة ليسرها، وما يتبع ذلك من الإسهاب والثرثرة. والنونيات الجياد تكاد تعد على الأصابع. والتاء قريبة من النون في السهولة إذا جاءت مكسورة في قافية المتدارك (٤)، نحو:
стр. 56
وإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت هزم القدور فملت (١)
دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيديَّ من قمع العشار الجلَّةِ
وكثيرا جدًا مجيئها علي هذا الروي في الطويل، كما في مفضلية الشنفرى:
ألا أم عمرو أجمعت فاستقلّتِ
وهي سهلة أيضًا إذا جاءت في قافية المتواتر مسبوقة بألف المد، بل هي أسهل في هذه القافية منها في قافية المتدارك، لكثرة جموع التأنيث السالمة، والإجادة في التاء كصاحبتها النون القليلة. وجيادها أقل عددًا من جياد النون ولا سيما في قافية المتدارك، لأنها فيها رتيبة جدَّا، إذا تعتمد التقفية فيها على تأئي التأنيث، خاصة الساكنة منهما، وهذا أمر يشتم منه الإيطاء. وقد أدرك كثيرِّ عزَّة هذا الضعف، فالتزم اللام المشددة مع التاء ليقويها، ولم يتابعه علي ذلك الشعراء المحدثون من بعده، وليتهم فعلوا، فإن شعر المحدثين المستعمل لهذه القافية، لا توجد فيه قصيدة جيدة واحدة -بحسب علمي- تصلح للاختيار. ومن باب الإنصاف للمحدثين الأوائل أن نذكر أنهم تحاموها إلا ما ندر. وقد أكثر منها المتأخرون، حتى ألف ابن الفارض تائيته الكبرى، وهي كرقَى العقارب (لا أعني بذلك مدحها)، وقافية المتواتر أكثر حظا من الجياد، وبحسبها تائية دِعْبل "مدارس آيات" وهي من السهولة بحيث التزم فيها شعراء غير المعري قيودًا لا تلزم، ولم يُسفُّوا (٢)
وقد أطال المعري فيها جداً مع التزاماته الشديدة، ولا سيما في تائيته:
стр. 57
تَرَنّمْ في نهارِك مُستعينًا ... بذكرِ الله في المُتَرَنماتِ (١)
وتائيته:
سحائبُ مبْرقاتٌ مرعداتُ ... لمهجَةِ كلٌ حي مُوعداتُ (٢)
وكلاهما يغلب عليه النظم، والثانية أجزل.
والعين فيها شيء من عسر بالنسبة إلي غيرها من الذلل، وجيادها كثيرة. والميم واللام أحلى القوافي، لسهولة مخارجهما، وكثرة أصولهما في الكلام من غير إسراف. وروائعهما كثيرة. والباء والراء والدال تليانهما. والياء المتبوعة بألف الإطلاق كثيرة جدًا. وخاصةً في الطويل، وأكثر اعتماد الشعراء في قوافيها علي ياء المتكلم، وجموع المنقوص بالكسرة. والإسفاف فيها كثير للغاية، وجيادها قليلة، نحو يائيات عبد يغوث، ومالك بن الريب، وسُحَيم عبد بني الَحسحاس.
والحروف المشددة كلها عسرة، لا سيما إن حافظ الشاعر على تشديد الرويّ من المطالع إلى النهاية، وهذا قليل. وبعض الأحرف الذلل يصير صعبًا، إذا شدّد كاللام والنون، وبحسبك كلمة الحماسي:
إنَّ بالشِّعبِ دون سَلْعٍ ... لقتيلا دَمُه ما يُطَلُّ
والكاف أعسر ما تكون إذا جاءت مضمومة كما عند زهير (٣).
بان الخليطُ ولم يأوُوا لَمنْ تَركُوا ... وَزَوَّدُوكَ اشْتِياقاً أيةً سَلَكُوا
والشاعر في مثل هذه القافية لا يستطيع أن يستعين بالضمائر، لأنها لا تجيء
стр. 58
مضمومة والإجادة في مثلها تدل على فحولة متأصلة، وذلك ما فعله زهير، والنقاد الأوائل يقدمون كافيته هذه علي جميع الكافيات. وإذا جاءت الكاف مفتوحة أو مكسورة فأمرها أيسر، لإمكان استعمال الضمائر. ومع هذا فأكثر الشعراء الفحول قد أقلوا منها علي هذا النحو. وقد ركبها أبو تمام في بعض طويلياته، فلم يأت بطائل. ومن أحسن ما جاء منها، مقطوعة تأبط شرًا الحماسية:
وإني لُمْهد من ثنائي فقاصدٌ ... به لابن عم الصدق شُمْسٍ بن مالك
وقد استعمل المتنبي الكاف المفتوحة في الوافر، فأجاد جدًا، وذلك قوله:
فَدىَّ لك من يقصر عن مداكا ... فلا مِلكٌ إذن إلا فَدَاكا (١)
وقد جاء بالكاف أصلية في أكثر من نصفها، ولم يستعملها ضميرية في أكثر من ثلاث أبيات متتابعات، كما في قوله:
إذا التوديعُ أعْرض قالَ قلبي ... عليك الصَّمتَ لا صاحبتَ فاكا
ولولا أنَّ أكثر ما تمنى ... معاودةٌ لقلتُ ولا مُناكا
قد استشفيتَ مِنْ داءٍ بداءٍ ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا
والقاف حرف متحامىَّ عنه، وجياده ليست كثيرة، ومن أرواعها قافية زهير (٢):
إنَّ الخليطَ اجد البينَ فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا
وقافية البحتري (٣):
стр. 59
أأفاق صبُّ مَن هوى فأفيقا
وهي دون قافية زهير في القوة. وقافية قُتيلة بنت الحرث الحماسية، وقافية عمرو بن الأهتم المفضلية. ومقطوعات القاف الجيدة أكثر من طوالها الجيدة.
والفاء صعبة جدًا، ويخيل لي أنها أصعب من القاف، ومع أصولها في المعاجم أكثر من أصول القاف، ومع عسرها ففيها جيد كثير، ومن ذلك جمهرية الفرزدق (١) وفائية جران العود التي يقول فيها:
وقلنَ تمتع ليلةَ النأيِ هذه ... فإنك مرجوك غدًا أو مُسيفُ
وأمسكن دوني كل حُجزةِ مِئزر ... لَهُنَّ وطاح النوفلي المزخرفُ
(وديوانه مطبوع). هذا في شعر الأوائل. ومن جيادها في شعر المحدثين فائية الخليع، ولم أظفر منها إلا بأبيات هي:
تَركوا نساءَ أبيهمُ هَمَلا ... والمحصناتُ صواريخٌ هُتُفُ
تالله بعداك لا يدُومُ لَهُم ... عز ولا يبقى لُهم شَرَفُ
ولأبي تمام فائية في أبي دُلف، يقول فيها: "هذا أبو دُلفٍ حسبي به وكفى (٢) "، استجادها البديعي في هبة الأيام. وعندي أنها ليست بشيء بالقياس إلي
стр. 60
إحسان أبي تمام المعروف، ولأبي دُلامة فائية حلوة، كتبها يستجدي بها أحد الأمراء، جارية، ولولا بعض الخُبْث في أخرياتها لأنشدتها كاملة هنا، لجمال ما فيها من القصص (١). ومن خير فائيات المحدثين، مرثية المعريَّ في الشريف الموسويَّ (٢).
أوْدى فَلَيْتَ الحاثانِ كَفاف ... مالُ المسيف وعنبر المستافِ
ولابن الفارض كلمة مشهورة يقول فيه:
وعلمت أنَّ المُستحيلَ ثلاثةٌ ... الغولُ والعَنقاء والخلُّ الوَفيِ
حسنة لولا لين في لغتها.
ومقطوعات الفاء أجود من طوالها على وجه الإجمال. ومن أحسن ما قرأته منها، قول أحد الشراة وقد لامه قطري بن الفجاءة علي قعوده، وكتب إليه (٣):
أبا خالدٍ يا أنفر فلست بخالد ... وما جعل الرَّحمن عُذرًا لقاعد
فأجاب:
لَقَدْ زادَ الحياة حُباً إلي حُبا ... بناتي إنهن من الضعافِ
أُحاذر أن يرين الفقر بعدىِ ... وأن يشربن رنقا بعد صافِ
وأن يعرين إن كُسىَ الجوارى ... فتنبو العين عن كَرَمٍ عجافِ
ولولا ذاك قد سومت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كافِ
أبانا من لنا إن غبت عنا ... وصار الحيَّ بعدك في اختلافِ
وكهذه في الحسن كاملة امرأة عُبيد الله بن العباس حين قتل بُسر بن أرطاة
стр. 61
العامري "عامر قريش" ولديها (١):
ها من أحسَّ بُنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدفُ
ها من أحسَّ بُنيي اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مُختطف
ها من أحسَّ بُنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
نُبئت بُسراً وما صدقت ما زعموا ... من قتلهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودَجي طِفلي مُرهفة ... مشحوذةَ وكذاكَ الإثمُ يُقترف
من ذُلَّ والهةِ حسرى مسلبةِ ... علي صبيين ضلا إذا مضى السلف
ومن المقطوعات الجياد قول عنترة (٢):
أمن سمية دمع العين تذريف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروفُ
تجللتني إذا أهوى العصا قبلي ... كأنها رشا في البيت مطروف
العبدُ كعبدكم والمال مالكم ... فهل عذابكِ عني اليوم مصروف
والجيم حرف خداع، ظاهرهُ فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، والمتخيرات فيه ليلة جدا. وأكثر ما استعملت الجيم عند القدماء في الوافر والطويل والرزجر، وجاء شيء منها في البسيط. وأكثر جيميات الوافر تتبع نهج ابن حسان، إذا يقول لابن أم الحكم (٣):
وأما قولك الخلفاء منا ... فهم منعوا وتينك من وداجِ
ولولاُهم لكنتِ كحُوتِ بحرٍ ... هوى في مُظلم الغمرات داجِ
стр. 62
وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يشجج رأسهُ بالفهرِ واج
وقد سلك هذا المسلك أبو دُلامة في جيميته الحلوة (١):
أفي صفراءً صافيةٍ المزاجِ ... كأن لهيبا لهب السراجِ
واتبع هذا المنهج أبو العلاء في إحدى درعياته (٢)، ولا بأس بها.
وطويليات الجيم رأسها جيمية الشماخ، وهي صلبة الأسر، تغلب عليها محاكاة لبيد. وعارضها علي بن العباس الرومي بجيمية مضمومة الروي في رثاء أحد الأشرف، مطلعها:
أمامك فانظر أي تهجيك تنهجُ ... طريقان شتى: مستقيم، وأعوجُ
وهي مشهورة، ولم يخلها أبو الفرج من ذم في كتابه "مقاتل الطالبيين". وقد كثرت معارضات هذه القصيدة بين المتأخرين، ولا سيما مداح النبيَّ، ومن ذلك كلمة البُرعي (٣):
متى يستقيم الظَّلَّ والعود أعوجُ ... وهل ذهب صِرف يساويه بهرج
وهي في ديوانه الذي بأيدي الناس، وهي متوسطة.
والرجزيات الجيميات لم أجد فيها شيئًا أستحسنه إلا ما رواه المعري في بعض مؤلفات لراجز لم يسمه، يقول:
تالله للنوم علي الديباج ... علي الحشايا وسرير العاجِ
стр. 63
مع الفتاه الطفلة المغناج ... أفضل يا عمرو من الإدلاج
وزفرات البازل العجعاج
(وهذا يعده العروضيون من السريع، وفيه نظر)
وللعجاج جيمية طويلة آية في الغرابة والجفاء مطلعها:
يا صاح هل هاجك شجا ... من طلل كالأتحمي أنهجا (١)
ومن أجود ما قرأته في روي الجيم قصيدة جرير (٢):
هاج الهوى لفؤادك المهتاج ... فانظر بتوضيح باكر الأحداج
وفيها يقول مادحًا للحجاج:
من سد مطلع النفاق عليهم ... أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار علي النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
إن ابن يوسف فاعلموا وتيقنوا ... ماضي البصيرة واضح المنهاج
ماضٍ علي الغمرات يمضى همه ... والليل مختلف الطرائق داج
منع الرشا وأراكم سبل الهدى ... واللص نكله عن الإدلاج
فاستوثقوا وتبينوا طرق الهدى ... ودعوا النجي فلات حين تناج
يا رب ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دم الأوداج (٣)
إن العدو إذا رموك رميتهم ... بذرا عماية أو بهضب سُواج
والحاء المهملة دون الجيم في العسر، وجيادها أكثر، والمختار منها من شعر
стр. 64
الجاهلية كلمة أوس بن حجر في المطر (وتنسب إلى عبيد بن الأبرص، وربما كان ذلك أصح).
وفي الإسلام حائية جرير (١) في عبد الملك بن مروان، ومن أجمل ما جاء فيها (سوى الأبيات المعروفة):
وقومٍ قد سموت لهم فدانوا ... بدهم في ململمة رداح
أبحت حمى تِهامة بعد نْجد ... وما شيء حميت بمستباح
لكم شم الجبال من الرواسي ... وأعظم سيل مُعتلج البطاح
دعوت الملحدين أبا خُبيب ... جماحاً هل شفيت من الجماح (٢)
فقد وجدوا الخليفة هبرزيًا ... ألف العيص ليس من النواح
فما شجرات عيصك في قريش ... بعشات الفروع ولا ضواحي
رأي الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح
ولذى الرمة حائية جميلة يروى له منها (٣):
ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حُرة ... شعاع الضحا في متنها يتوضح
وقد عابها الفرزدق (٤)، وله وجه في ذلك وسنعرض له إن شاء الله في جزء آخر من هذا الكتاب. ولجرير علي هذا الروى كلمة حسنة يهجو بها الأخطل، ونقضها عليه الأخطل (٥). ولابن هرمة ساقة الشعراء مقطوعة حائية حسنة، رواها
стр. 65
الجاحظ، في وصف المطر، اتبع فيها طريقة أزوس بن حجر، ومنها:
ألم تأرق لضوء البرْ ... ق في أسحم لماحِ (١)
كأعناق نسا الهنـ ... ـد قد شيبت بأوضاح (٢)
تؤام الودق كالزاحـ ... ـف يزجى خلف أطلاح (٣)
ثقال المشيِ كالسكرا ... ن يمشي مشية الصاحي
كأن العازف الجني ... أو أصوات أنواح (٤)
علي أرجائه الغر ... تُهديها بمصباح (٥)
وحائيات المحدثين لا تحصى عددًا. والغث فيها كثير، والجيد عزيز. وفي الحماسة منها مقطوعة حسنة لمطيع بن إياس (في باب المراثي) مطلعها:
قلت لحنانة دلوح ... تسح من وابل سحوح
ولأبي نواس حائية مشهورة مطلعها:
ذكر الصبوح بسحرةٍ فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا
وعند أنها ليست من روائعه، وإن كانت حسنة في بابها، ويعجبني منها قوله:
قال ابغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوءُها مصباحا
стр. 66
وهذا من إحسانه المشهور. والبراعة في الصورة الحية التي أجملها، لا في تشبيه لون الخمر بالضوء، فهذه قديم مبتذل.
ولمهيار حائيات كثيرة باردة النفس، ولكنه أحسن في بعضها إذ يقول (١):
اذكرونا ذكرنا عهدكم ... رب ذكرى قربت من نزحا
واذكروا صبا إذا غنى بكم ... شِرب الدمع وعاف القدحا
والبيتان مشهوران.
ومقطوعات الحاء أحسن من مطولاتها، علي وجه الإجمال، وأجود وأحق بالاختيار من ذلك حائية (٢) ابن الإطنابة التي تمثل بها معاوية، وحائية نضلة القبيح (٣).
والسين قليلة الأصول في المعاجم- أصولها أقل عددًا من أصول الفاء أو القاف، ومع ذلك ففيها جيد كثير، وأكثره في الخفيف والمنسرح والسريع، مثال المنسرحيات سينية أبي زبيد (٤):
تكف عنه كف بها رمق ... طيرًا عكوفًا كزور العرس
عما قليل علون جُثته ... فهن من والغ ومنتهس
ومثال الخفيفات سينيه شبل أو سديف فيما ذكروا (٥)، وهي من أعنف الشعر،
стр. 67
وذلك حيث يقول يخاطب عبد الله بن علي، ويحرضه على بني أمية:
ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللـ ... ـه بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيـ ... ـدا وقتيلا بجانب المهراس
وسينية البحتري، ومن الخفيف، مشهورة، وهي من روائع الشعر في كل زمان ومكان. وقد جمعت فنونًا من براعة التصوير والتأمل والموسيقا والذوق المهذب، وبعض الناس يوازنون بينها وبين سينية شوقي، وذلك عندي من العناء والتكلف.
وسينيات السريع أقدمها قصيدة أبي داود الإيادي، والتي أنشر بعض رفاتها العلامة الميمنى في طرائفه الأدبية (دار الترجمة والنشر) (١)، وقد جاراها جماعة من الشعراء وأهمهم من المحدثين أبو تمام في كلمته:
جرت له أسماء حبل الشموس ... والهجر والوصل نعيم وبوس (٢)
وفيها أبيات حسنة في نعت الخيل، ومنها:
وإن غدا يرتجل المشي فالـ ... ـموكب في إحسانه والخميس
كأنما خامرة أولق ... أو غازلت هامته الخندريس (٣)
وللمعري من هذا الوزن قصيدة في رسالة الغفران نسبها إلى جنية أبي هدرش مطلعها:
مكة أقوت من بني الدردبيس ... فما لجني بها من حسيس (٤)
стр. 68
وهي قصيدة وحشية الألفاظ. وقسط عظيم من جمالها يرجع إلى وعورة ألفاظها، التي تمثل جو الجن خير تمثيل. وفيها من الخيال الغريب والسخرية الخفية اللطيفة، والفكاهة العابثة ضروب وأنواع. أذكر منها على سبيل المثال قوله يصف خيل الجن:
تحملنا في الجنح خيل لها ... أجنحة ليست كخيل الأنيس
وأينقٌ تسبق أبصاركم ... مخلوقة بين نعام وعيس (١)
وقوله يتحدث عن مكر الشياطين:
ونخرج الحسناء مطرودة ... من بيتها عن سوء ظن حديس (٢)
نقول: لا تقنع بتطليقة ... وأقبل نصيحًا لم يكن بالدسيس
حتى إذا صارت إلى غيره ... عاد من الوجد بجد تعيس
نذكره منها وقد زوجت ... ثغرًا في مدامٍ غريس (٣)
ونخدع القسيس عن فصحه ... من بعد ما ملئ بالأنقليس (٤)
أصبح مشتاقًا إلى لذة ... معللا بالصرف أو بالخفيس (٥)
أقسم لا يشرب إلا دويـ ... ـن السكر والبازل دون السديس (٦)
стр. 69
قلنا له ازدد قدحًا واحدًا ... ما أنت تزداده بالوكيس (١)
يحميك في هذا الشفيف الذي ... يطفئ بالقر التهاب الحميس (٢)
فعب فيها فوهى لبه ... وعد من آل اللعين الرجيس
حتى يفيض الفم منه على ... نمر قتيه بالشراب القليس (٣)
انظر إلى الصورة الأولى: صورة الزوج الذي يطلق امرأته ثلاثًا، ثم يندم بعد ذلك ولات ساعة مندم. ثم إلى الصورة الثانية: صورة القسيس المتقشف يزل ليلة، فيشرب حتى يتحبب وتسوء حاله، فيعربد ويقيء على فراشه- تأمل إلى صياغة المعري لهاتين الصورتين البارعتين، وترصيعه لهما بحوار ماكر خبيث، وتعليقات غايةٍ في السخرية مثل قوله: نذكره منها البيت. وقوله: "حتى يفيض الفم منه" البيت.
هذا والبسيط يلي الخفيف والسريع والمنسرح في كثرة السينيات، ومن جيد ما جاء فيه سينية الحطيئة في هجو الزبرقان، وهي مشهورة. ومن أحسن ما قرأته في رويها (٤) وبحرها قول أحد الهذليين يرثي:
يا مي إن تفقدي قومًا ولدتهم ... أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس (٥)
عمرو وعبد منافٍ والذي عهدت ... ببطن عرعر آبي الضيم عباس (٦)
стр. 70
يا مي إن سباع الجو هالكة ... والعين والعفر والآرام والناس (١)
يا مي لن يعجز الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخر به الظيان والآس (٢)
في رأس شاهقةٍ أنبوبها خصرٌ ... دون السماء لها بالجو قرناس (٣)
يا مي لن يعجز الأيام مبترك ... في حومة الموت رزام وفراس (٤)
أحمي الصريحة، أحدان الرجال له ... صيدٌ، ومجترئٌ بالليل هماس (٥)
والطويل فيه مقطوعات حسنة على السين منها الحماسية:
تقول وصكت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
ومنتها سينية أبي نواس المشهورة "ودار ندامى عطلوها وأدلجوا" (٦).
والوافر بكيء بالسينيات، ومن خير ما جاء فيها مرثية الخنساء لأخيها:
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس
ولشوقي سينية من الوافر مطلعها: (الشوقيات ٢ - ٦٢):
تحية شاعر يا ماء جكسو ... فليس سواك للأرواح أنس
стр. 71
وفيها أبيات حسنة سنعرض لها فيما بعد.
وفي الكامل سينيات عدة، والجيد فيها قليل، نحو كلمة أبي تمام (١):
هل في وقوفك ساعة من باس ... نقضي حقوق الأربع الأدراس
وكلمة الرضى (٢):
شرف الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباس
ومن شر سينيات الكامل قصيدة أبي الطيب "هذي برزت لنا" وتأثر فيها إحدى سينيات أبي تمام (٣).
وقد عثرت على أبيات على السين في المتقارب جيدة جدًا، رثى بها العبلي جماعة الأمويين الذين قتلهم عبد الله بن علي عند نهر أبي فطرس. قال (٤):
تقول أمامة لما رأت ... نشوزي عن المضجع الأملس
أبي ما عراك فقلت الهموم ... عرون أباك فلا تبلسي
عرون أباك فحبسنه ... من الذل في شر ما نحبس
أولئك قومي أناخت بهم ... نوائب من زمن متعس
فصر عنهم بنواحي البلاد ... فملقى بأرض ولم يرمس
أفاض المدامع قتلى كدىً ... وقتلى بكثوة لم ترمس
وبالزابيين نفوس ثوت وقتلى بنهر أبي فطرس
стр. 72
هم أضرعوني لريب الزمان ... وهم ألصقوا الرغم بالمعطس (١)
إذا ركبوا زينوا الموكبين ... وإن جلسوا زينة المجلس
وإن عن ذكرهم لم ينم ... أبوك وأوحش في المأنس
والأبيات الأخيرة تنظر إلى قول المهلهل:
نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وتحدثوا في شأن كل عظيمة ... لو كنت شاهد أمرها لم ينبسوا
القوافي النفر:
هي الصاد، والزاي، والضاد، والطاء، والهاء الأصلية، والواو. أما الزاي فجاءت فيها كلمات نادرة كمجمهرة الشماخ، وهي من غريب الكلام، وكزائية الخنساء في صخر (٢):
تعرقني الدهر نهسًا وحزا ... وأوجعني الدهر قرعًا وغمزا
وهي جيدة جدا. وكزائية المتنخل الهذلي التي يقول فيها (٣):
لا در دري إن أطعمت زائركم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز
وهي أجود ما قرأته على الزاي. وقد طال العهد بنصها. فأخشى أن أفسد روايتها إن اعتمدت على الذاكرة وأوردت لك منها أبياتًا.
стр. 73
وللمتنبي زائية نسيج وحدها في الصفاقة، جمع فيها بين "الخازباز" و "سكر الأهواز" (١). وما كان أغناه عن ذلك.
والصاد قطب أشرس، ولأمية بن عائذ الهذلي فيه كلمة سخيفة. ولعدي بن زيد فيه سريعة غريبة في بابها، رواها المعري في الغفران (٢)، والصناعة ظاهرة فيها، ولا يستبعد أن يكون أكثرها منتحلا، إذ ليست من القصائد التي نص الجمحي على ثوبتها أعدي في طبقاته. وقد ركب الصاد من المحدثين كلا المعري وابن دريد (٣) فلم يأتيا بطائل.
والضاد أيسر من الصاد شيئًا. وجاءت فيها مجمهرة الطرماح، وهي آخر قصائد الجمهرة. ومما أنشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية، ضادية جيدة لعمارة ابن عقيل. ولأبي تمام ضادية في ابن أبي دواد (٤) ما كان يخسر شعر العرب شيئا أو لم تنظم، والعجب للبارودي كيف جعلها من مختاراته. وقد سلمت للمعري ضاديتان حسنتان، إحداهما في سقط الزند، ومطلعها (٥):
منك الصدود ومني بالصدود رضا
والأخرى في اللزوميات، ومطلعها (٦):
لأمواه الشبيبة كيف غضنه
وقد اختار الأولى المرحوم الأستاذ أحمد الزين في أوائل أعداد الثقافة، وأثنى
стр. 74
عليها ثناء حسنًا. وتحدث العلامة طه حسين عن الثانية في "مع أبي العلاء في سجنه" ولحديثه يرجع الفضل في اطلاعي عليها.
وقد ركب شوقي رحمة الله الضاد في قصيدته "أيها المنتحي بأسوان دارًا"، (٢ - ٦٥) فصعد وأسف، وإن قوله:
قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكًا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين في الماء بضا ... سابحات به وأبدين بضا
يذكرني بنقد الأوائل لبيت جميل:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
فقد قالوا إن صدره يمثل أعرابيًا في شملته، والعجز يمثل مخنثًا من مخنثي العقيق. وبيت شوقي الأول جد كله وجلال، أما الثاني فإسفاف أيما إسفاف، وكأنه أراد أن يتملق به بعض القراء ممن يثيرهم ذكر البضاضة وما إليها من مناظر "البلاج". وأحسن ما جاء في ضادية شوقي هذه مطلعها، وما بهده صناعة وتكلف.
وقد قارب الإحسان في قوله:
شاب من حولها الزمان وشابت ... وشباب الفنون ما زال غضا
رب نقش كأنما نفض الصا ... نع منه اليدين بالأمس نفضا
وهذا المعنى كثير الدوران في شعره.
والطاء منها مجمهرة المتنخل، وهي حسنة، ومنها بيت النحويين:
فحور قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم في المروط وفي الرياط (١)
стр. 75
وللمعري طائية أجاد في أولها وتعمل في سائرها، ومطلعها (١):
لمن جيزة سيموا النوال فلم ينطوا ... يظللهم ما ظل ينبته الخط
ولدعبل مقطوعات حسنة في الطاء. منها ما قاله في أبراهيم بن المهدي، لما ادعى الخلافة في بغداد ولم يكن في خزائنه شيء، وطالبه الجند بالرزق، فجعل يماطلهم، قال يخاطب الجند ويصف حال إبراهيم:
فسوف تعطون حنينيةً ... يلذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوداكم ... لا تدخل الدار ولا تربط
وهكذا يرزق أجناده ... خليفة مصحف البربط (٢)
والهاء الأصلية عسرة للغاية، وثقيلة غاية الثقل، وقد نظم فيها رؤبة أرجوزة طويلة جاء فيها بنحو "المدة" لغة في "المدح" وهي مما ينتفع به أصحاب المعاجم، لا أصحاب الذوق.
والواو الساكنة كما في "عصوا" قبيحة إن بني شاعرٌ عليها قصيدة كاملة. وكما في "رضوا" و "ولوا" ضعيفة لا تستقل في النطق أو السمع بنفسها. وقد روى المعري في مقدمة اللزوميات أبياتًا من هذا الروي ليحيى ابن أم الحكم.
وأشق الواوات في القوافي هي التي تأتي في أواخر بعض الأسماء المنقوصة، نحو "مرعو"، والروي يكون في هذه الحالة "وى" وليزيد بن الحكم الكلابي كلمة طويلة من هذا القري اختارها صاحب الأمالي (أمالي الدار ١ - ٧٨)، مطلعها: