← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفيها أبيات حسنة سنعرض لها فيما بعد. وفي الكامل سينيات عدة، والجيد فيها قليل، نحو كلمة أبي تمام (١): هل في وقوفك ساعة من باس ... نقضي حقوق الأربع الأدراس وكلمة الرضى (٢): شرف الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباس ومن شر سينيات الكامل قصيدة أبي الطيب "هذي برزت لنا" وتأثر فيها إحدى سينيات أبي تمام (٣). وقد عثرت على أبيات على السين في المتقارب جيدة جدًا، رثى بها العبلي جماعة الأمويين الذين قتلهم عبد الله بن علي عند نهر أبي فطرس. قال (٤): تقول أمامة لما رأت ... نشوزي عن المضجع الأملس أبي ما عراك فقلت الهموم ... عرون أباك فلا تبلسي عرون أباك فحبسنه ... من الذل في شر ما نحبس أولئك قومي أناخت بهم ... نوائب من زمن متعس فصر عنهم بنواحي البلاد ... فملقى بأرض ولم يرمس أفاض المدامع قتلى كدىً ... وقتلى بكثوة لم ترمس وبالزابيين نفوس ثوت وقتلى بنهر أبي فطرس

стр. 72

هم أضرعوني لريب الزمان ... وهم ألصقوا الرغم بالمعطس (١) إذا ركبوا زينوا الموكبين ... وإن جلسوا زينة المجلس وإن عن ذكرهم لم ينم ... أبوك وأوحش في المأنس والأبيات الأخيرة تنظر إلى قول المهلهل: نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس وتحدثوا في شأن كل عظيمة ... لو كنت شاهد أمرها لم ينبسوا القوافي النفر: هي الصاد، والزاي، والضاد، والطاء، والهاء الأصلية، والواو. أما الزاي فجاءت فيها كلمات نادرة كمجمهرة الشماخ، وهي من غريب الكلام، وكزائية الخنساء في صخر (٢): تعرقني الدهر نهسًا وحزا ... وأوجعني الدهر قرعًا وغمزا وهي جيدة جدا. وكزائية المتنخل الهذلي التي يقول فيها (٣): لا در دري إن أطعمت زائركم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز وهي أجود ما قرأته على الزاي. وقد طال العهد بنصها. فأخشى أن أفسد روايتها إن اعتمدت على الذاكرة وأوردت لك منها أبياتًا.

стр. 73

وللمتنبي زائية نسيج وحدها في الصفاقة، جمع فيها بين "الخازباز" و "سكر الأهواز" (١). وما كان أغناه عن ذلك. والصاد قطب أشرس، ولأمية بن عائذ الهذلي فيه كلمة سخيفة. ولعدي بن زيد فيه سريعة غريبة في بابها، رواها المعري في الغفران (٢)، والصناعة ظاهرة فيها، ولا يستبعد أن يكون أكثرها منتحلا، إذ ليست من القصائد التي نص الجمحي على ثوبتها أعدي في طبقاته. وقد ركب الصاد من المحدثين كلا المعري وابن دريد (٣) فلم يأتيا بطائل. والضاد أيسر من الصاد شيئًا. وجاءت فيها مجمهرة الطرماح، وهي آخر قصائد الجمهرة. ومما أنشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية، ضادية جيدة لعمارة ابن عقيل. ولأبي تمام ضادية في ابن أبي دواد (٤) ما كان يخسر شعر العرب شيئا أو لم تنظم، والعجب للبارودي كيف جعلها من مختاراته. وقد سلمت للمعري ضاديتان حسنتان، إحداهما في سقط الزند، ومطلعها (٥): منك الصدود ومني بالصدود رضا والأخرى في اللزوميات، ومطلعها (٦): لأمواه الشبيبة كيف غضنه وقد اختار الأولى المرحوم الأستاذ أحمد الزين في أوائل أعداد الثقافة، وأثنى

стр. 74

عليها ثناء حسنًا. وتحدث العلامة طه حسين عن الثانية في "مع أبي العلاء في سجنه" ولحديثه يرجع الفضل في اطلاعي عليها. وقد ركب شوقي رحمة الله الضاد في قصيدته "أيها المنتحي بأسوان دارًا"، (٢ - ٦٥) فصعد وأسف، وإن قوله: قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكًا بعضها من الذعر بعضا كعذارى أخفين في الماء بضا ... سابحات به وأبدين بضا يذكرني بنقد الأوائل لبيت جميل: ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب فقد قالوا إن صدره يمثل أعرابيًا في شملته، والعجز يمثل مخنثًا من مخنثي العقيق. وبيت شوقي الأول جد كله وجلال، أما الثاني فإسفاف أيما إسفاف، وكأنه أراد أن يتملق به بعض القراء ممن يثيرهم ذكر البضاضة وما إليها من مناظر "البلاج". وأحسن ما جاء في ضادية شوقي هذه مطلعها، وما بهده صناعة وتكلف. وقد قارب الإحسان في قوله: شاب من حولها الزمان وشابت ... وشباب الفنون ما زال غضا رب نقش كأنما نفض الصا ... نع منه اليدين بالأمس نفضا وهذا المعنى كثير الدوران في شعره. والطاء منها مجمهرة المتنخل، وهي حسنة، ومنها بيت النحويين: فحور قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم في المروط وفي الرياط (١)

стр. 75

وللمعري طائية أجاد في أولها وتعمل في سائرها، ومطلعها (١): لمن جيزة سيموا النوال فلم ينطوا ... يظللهم ما ظل ينبته الخط ولدعبل مقطوعات حسنة في الطاء. منها ما قاله في أبراهيم بن المهدي، لما ادعى الخلافة في بغداد ولم يكن في خزائنه شيء، وطالبه الجند بالرزق، فجعل يماطلهم، قال يخاطب الجند ويصف حال إبراهيم: فسوف تعطون حنينيةً ... يلذها الأمرد والأشمط والمعبديات لقوداكم ... لا تدخل الدار ولا تربط وهكذا يرزق أجناده ... خليفة مصحف البربط (٢) والهاء الأصلية عسرة للغاية، وثقيلة غاية الثقل، وقد نظم فيها رؤبة أرجوزة طويلة جاء فيها بنحو "المدة" لغة في "المدح" وهي مما ينتفع به أصحاب المعاجم، لا أصحاب الذوق. والواو الساكنة كما في "عصوا" قبيحة إن بني شاعرٌ عليها قصيدة كاملة. وكما في "رضوا" و "ولوا" ضعيفة لا تستقل في النطق أو السمع بنفسها. وقد روى المعري في مقدمة اللزوميات أبياتًا من هذا الروي ليحيى ابن أم الحكم. وأشق الواوات في القوافي هي التي تأتي في أواخر بعض الأسماء المنقوصة، نحو "مرعو"، والروي يكون في هذه الحالة "وى" وليزيد بن الحكم الكلابي كلمة طويلة من هذا القري اختارها صاحب الأمالي (أمالي الدار ١ - ٧٨)، مطلعها:

стр. 76

تكاشرني كرها كأنك ناصح .... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي وهي جيدة في بابها، كما قال صاحب الخزانة (١: ١١١) وأحسبه عني بقوله "في بابها": "في رويها" لغرابته. وقد قال عنها الأستاذ كامل كيلاني في هوامشه على ما اختاره من رسالة الغفران (رسالة الغفران لكامل كيلاني ٧٧): "هي من أجمل الشعر العربي، وأدقه في شرح النفوس وتحليلها، مع براعة في الأداء وقوة الشاعرية". وهذا عندي مبالغة. وأحسن ما في القصيدة ما جاء في أبيات الشواهد: جمعت وفحشًا غيبة ونميمة ... خصالا ثلاثًا لست عنها بمر عوي (١) وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي (٢) فليت كفافًا كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي (٣) يضاف إليها قوله: وما برحت نفسٌ حسودٌ حشيتها ... تذيبك حتى قيل هل أنت مكتوي؟ القوافي الحوش: هي الثاء، والخاء، والذال، والشين، والظاء، والغين، وكلها قد ركبها الشعراء، فلم يجيئوا إلا بالغث، أما الثاء فبحسب الناقد منها ثائية أبي تمام (٤)، وثائية ابن دريد (٥) فكلاهما عاهة. وأما الخاء فما دخلت شعرًا إلا أفسدته. وقد رويت منها أشياء كريهة. والذال على قبحها قد استعملها كثير من المحدثين الأوائل، وأحسب

стр. 77

أنه جرهم إلى الخطل حرصهم على استعمال "بغداد" و"كلوذا" و"ناباذ" وشبه ذلك من أسماء المواضع الذالية في قوافي الشعر. وقد كانت هذه المواضع حبيبة إليهم جدا، لما كانوا ينعمون فيها باللهو والغزل والخمر. وقد اختار لهم المختارون قطعا من ذالياتهم هذه، وعندي أنها كلها من الشعر المتكلف. ولا أستثني من ذلك ذاليات أبي نواس. وقد ركب المتنبي الذال في قصيدته: "أمساور أم قرن شمس هذا"؟ (ديوانه: ٦٣) ولو أن مساورًا كان أجازه عليها بعشر صفعات ما كان ظلمه. ومن أصفق ما قرأته من الذاليات قول أحد الفقهاء يمدح أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي: لعلي بن عقيل البغدادي ... مجد لفرق الفرقدين محاذي قد كان ينصر أحمدًا خير الورى ... وكلامه أحلى من الآزاذ وإذا تلهب في الجدال فعنده ... سبحان فيه في التجاوب هاذي ما أخرجت بغداد فحلا مثله ... لله در الفاضل البغداذي (١) ولم أجد في الشين شيئًا يستحق الرواية إلا بيتًا واحدًا في قطعة أنشدها ثعلب في مجالسه، وأتأثم من روايته فلينظر. وقد ركبها المتنبي (٢) فجاء بالشاس والقماش في قوافيه، وكاد يأتي "بناش" التي افتراها التوحيدي على الصاحب (٣). والظاء فظيعة، والغين مثلها، إلا أن أبا العتاهية تكلفها في بعض ما روي له. والقوافي الحوش جميعها قد جاء بها المعري في لزومياته، وما كان أغناه عنها. والهمزة قريبة من القوافي الذلل، لكثرة ما ورد فيها من الكلمات ذوات الألف

стр. 78

الممدودة للتأنيث والإلحاق، هذا زيادة على اللواتي فيهن الهمزة أصلية. ومع هذا فهي ليست من الذلل حقا. والشعراء يتنكبون طريقها كما قال المعري (١). والسبب في ذلك عندي، هو أن مخرجها فيه قبح. ألا ترى أن الهمزات الممدودة للتأنيث كانت فب الأصل هاءات تأنيث أو تاءات تأنيث. ثم مال بها كسل المتكلمين إلى جهة الألف، ثم بالغ بعضهم في مد الألف حتى وصل بها إلى النهاية وهي همزة فيما زعم سيبويه. يؤيد هذا ما نراه من أن هاءات التأنيث في العبرية تنطق ألفات وتكتب هاءات، والعبرية أخت العربية. ثم ألا ترى أن أكثر الهمزات التي تجيء في أوساط الكلمات إن هي إلا نتيجة عجز من الناطقين أن يخرجوا الحرف الأصلي على صحته؟ دليل ذلك ما نراه في اللهجة المصرية العامية من استعمال الهمزة مكان القاف، وما نجده في اللهجة اللندنية الإنجليزية من استبدال التاء بالهمزة بين الطبقات التي لا تتكلف الفصاحة. وهذا كله يقوي حجتنا في أن الهمزة حرف هجين. ويزيد هذه الحجة قوة، ما نراه عند فصحاء العرب من استعمال التسهيل، ومن الامتناع عن تحقيق الهمزتين المتجاورتين ذواتي الحركة الواحدة. وما دام أمر الهمزة كذلك، فليس ببدع أن نجد الشعراء قد تنكبوها في الكثير الغالب. وثم سبب آخر، غير ما ذكرناه، دعاهم إلى تنكبها، وهو أن أكثر ما تجيء الهمزة سهلة إذا كانت بعد ألف ممدودة، لا في نحو "أهنأ" و "مكفؤة" و "مروءة"، فهذه الثلاث حوش. وتوالي الألفات الممدودة في قصيدة طويلة فيه الإيطاء. ومع هذا فقد جاءت في الهمزة كلمات جياد، أكثرها في البحر الخفيف سنتحدث عنها في أثناء الحديث عن الخفيف إن شاء الله.

стр. 79

هاءات القوافي: قد يتصل حرف الروي إما بهاء متحركة، وإما بهاء ساكنة. وقل من الشعراء من يجعل الهاء هي حرف الروي، وأمثل لك ببيت لبيد: "عفت الديار محلها فمقامها"، الروي هنا هو الميم. لو كان لبيد بني معلقته على الهاء وحدها لكان قد جاء فيها مثل: منالها، سعادها، لقاؤها. ونحو هذا يكون إجازة وإكفاء. أما الهاء المتحركة، فإما أن تكون حركتها ضمًا، وتتبعها واو في النطق، نحو: (بيت مصنوع): أهلا بشهر قد أطلت صدودهو ... فالآن أكرم حين جاء وفودهو وإما أن تكون كسرة تتبعها ياء في النطق، نحو قول شوقي: وطوى القرون القهقرى حتى أتى ... فرعون بين طعامه وشرابهي وهاتان كثيرتان في الشعر، وجيدهما ليس بكثير. ولعل السبب في ذلك هو أن حركتي الكسرة والضمة تتنافران مع ضمير الغائب، وهو حلقي من سنخ الألف. وإما أن تكون الحركة فتحة تتبعها ألف في النطق، كما في معلقة لبيد. وهذه أكثر ورودًا في الشعر من أختيها على كثرتهما، والإجادة معها كثيرة. والهاء الساكنة حسنة في الطويل، لأنها تقوم مقام الاطلاق، وفيها من الفخامة ما ليس في الإطلاق. وقد افتن ابن قيس الرقيات، فاستعملها بكثرة في الطويل وغيره، وجارى بها فواصل الآي، واتبع طريقته بشار في كلمته: يا منظرًا حسنًا رأيته ... في وجه جاريةٍ فديته وإن كان لم يبدع إبداعه. وجاء المعري بعد هذي بزمان، فافتن في استعمال

стр. 80

هاءات السكت، وأغرب فيها مع إجادة في ذلك، لا سيما فيما نظمه في الوافر. وقد التزم في كل ذلك ما لا يلزم. وأجود قصائده من هذا النوع عندي درعيته (التنوير ٢: ٣٠١ - ٤) عليك السابغات فإنهنه ... يدافعن الصوارم والأسنه وهي عندي من عيون الشعر العربي، وأسلوبها غاية في الطرافة. والمعري يتحدث فيها بلسان عجوز توصي ابنها أن يستكثر من الدروع، ويلهو عن أمر النساء، ويعرض عن الزواج، وتقول له: عليك السابغات فإنهنه ... يدافعن الصوارم والأسنه (١) ومن شهد الوغى وعليه درع ... تلقاها بنفس مطمئنه فحن إلى المكارم والمعالي ... ولا تثقل مطاك بعبء حنه (٢) وهذه وصية غريبة للغاية، إذ المعروف عن الأمهات أنهن يلححن على أبنائهن في أمر الزواج. وعجوز المعري هذه، بعد أن بدأت كلامها بهذا الأسلوب المثالي العالي، تهبط من سمائها، لتخاطب ابنها بلسان العاطفة الأرضية، فتقول له: إنه إذا تزوج، فستكون زوجته امرأة شابة مغرورة بجمالها وشبابها، وفي هذا ما يفسد جو الصفاء بينهما (أي أمه) وبينه، إذ ليست .. ........... كعابٌ ... ملائمة عجوزا مقسئنه ترى تنومها وترى ثغامي ... فتهزأ من منهبلة مسنه (٣) فإن يبيض للحدثان فودي ... فقد أغدو بفود كالدجنه (٤)

стр. 81

إذا ما السارحات نطرن فيه .... عجبن لما سرحن وما دهنه ألا ترى إلى هذه العجوز الهمة، كيف تتكلف النصيحة لابنها، وتدعي الشفقة عليه، والبر به، ثم لا تستطيع بعد ذلك أن تملك نفسها من وصف أيام شبابها الذي ولى، وجمالها الذي زال- وفي هذا وحده ما يسقط حجتها في تهجين الزواج، ويكشف عما في سويداء نفسها من الغيرة الشديدة على ابنها، والحرص على ألا تستبد به امرأة غيرها. وبعد هذا تأخذ العجوز في ذم الخاطبات، وتحذير ابنها من مكرهن. وهنا يعطينا المعري صورة لجانب حيوي من جوانب عصره ومجتمعه. تأمل إليه كيف يتحدث بلسان العجوز عن أولئك الدلالات الداهيات، اللائي كن يتقاضين الأجور من أهل الفتيات، ليلتمسن لهن أزواجًا: يقلن فلانة ابنة خير قومٍ ... شفاءٌ للعيون إذا شفنه (١) ولسيت بالمعنة في جدالٍ ... وإن جدلت كما جدل الأعنة (٢) رزان الحلم لو رزئت سهيلا ... أو الجوزاء ما نهضت مرنه (٣) رجاحٌ لا تحدث جارتيها ... بنجوى من حديثك مستكنه (٤) كأن رضابها مسك شنين ... على راح تخالط ماء شنه (٥) تغنت من غنى مالً وصبرٍ ... وأما بالقريض فلم تغنه (٦)

стр. 82

وهكذا يصفن الفتاة التي يبغين تحبيبها إلى الفتى الراغب في التأهل، حتى يصورنها له بصورة الكمال الذي لا بعده، وعندئذ يقلن له: فلا تستكثر الهجمات (١) فيها ... فإعراسٌ بتلك دخول جنه ولم لا يكون بمنزلة الدخول في الجنة والفتاة الموصوفة في الغاية العالية من شرف العشيرة، وبهجة الطلعة، وغضارة الشباب، وكمال الأنوثة، وفرط الحياء، وتمام العفاف، وكرم الخلق - ولكن ألا يمكن أن تكون كل هذه الصفات مبالغا فيها؟ لا، بل أليس الراجح أن هؤلياء الخطابات ذوات لسن وبلاغة، مع جراءة على الكذب، وزخرفة الأباطيل! وهنا تحذر العجوز ابنها من كيدهن قائلة: أولئك ما أتين ينصح خلٌ ... وما دن الميلك ولا يدنه ولو طاوعتهن لجئن يومًا ... بأخت الغول والنصف الضفنه أي المترهلة. وأي شيء أدهى من السعلاة أخت الغول، ومن النصف المترهلة، التي خير نصيفها ما ذهبت به الليالي؟ وكم من فتى غرته هؤلاء الخاطبات، فأعرس بمن كان يظنها شقيقة البدر، وقسيمة الشمس. فإذا بأسمج من قرد، وأيبس أديما من شن بال. هذا، وأحسب المعري في درعيته هذه وفي غيرها من درعياته، يكني بالدرع عن هذا القانون الصارم الذي فرضه على نفسه من التبتل (٢). وفي هذه الدرعية

стр. 83

خاصة، أظنه كنى بالمرأة العجوز عن أمه، ويقوي هذا الظن أن المعري كان مشغوفا جدا بأمه، وقد حزن غاية الحزن لفراقها، وكانت هي برة به إلى حد بعيد، ويظهر أنها كانت تؤثره بالعطف، وتقدمه على إخوته لعماه وضعفه. ولا يستبعد أن اعتماده عليها، وقيامها عليه، ولد في نفسه تلك العقدة الغريبة، التي يسميها علماء النفس "مركب أو ديب". هذا، وللمعري غير هذه الهائية من الجياد، هائية أخرى تقاربها في الحسن، في لزوم مالا يلزم، مطلعها (١): تهاون بالظنون وما حدسنه ... ولا تخش الظباء متى كنسنه وفيها شطحات من حرية الفكر، وقد تحدث عنها الدكتور طه حسين بما لا مزيد عليه في كتابه "مع أبي العلاء في سجنه". ومن الهائيات الحسنة التي لا أملك نفسي من الإشارة إليه هنا، قصيدة لبسط ابن التعاويذي، أولها (٢): با؟ ؟ ذبت في الحب ... له شوقًا وصبوه كلما زاد جفًاء ... زاد من قلبي حظوه

стр. 84

شقوتي ما تنقضي في ... حبه والحب شقوه بحت شجوا فيه والمحـ ... ـزون لا يكتم شجوه وهي طويلة حلوة الألفاظ، وإن كان قد ساند في بعض أبياتها، وفيها أبيات يصف بها برد بغداد، ويستهدي ممدوحه "فروة تكسبه حولا على البرد وقوة" ظريفة جدا. حركات الروي: الفتحة -في القوافي غير الموصولة بضمير أو نحوه- تأتي بالإطلاق. وفي الإطلاق كالصياح، لأنه ألف ممدودة طويلة، ومخرجها من أقصى الحلق. ولذلك فالفتحة دون صاحبتيها، الكسرة والضمة. والشعراء لا يكثرون منها. وأحسن ما تجئ في القوافي الموصولة "بها" التأنيث، لأنها في هذه الحالة، تكون كالجزء من الضمير الموصولة به القافية، لمكان الألف منه. وتحسن في الحروف الشفهية كالميم والباء، لأن مخرجها مباين مخرج ألف الاطلاق. وقد يحسن مجيئها مع اللام والراء أحيانا. ومجيئها مع الياء حسن جدا. وإذا جاءت ألف الإطلاق نفاذًا للضمير "ها" كما في معلقة لبيد "عفت الديار محلها فمقامها"، فالضمة أحسن مجري يسبقها، كما في ميمات لبيد المضمومة. والكسرة شيء بين بين كما في قول باعث بن صريم من شعراء الحماسة: سائل أسيد هل ثأرت بوائلٍ ... أم هل شفيت النفس من بلبالها والفتحة قبيحة، وقد يحسنها أن يكون حرف الروي لاما، كما في قول الأعشى: وإذا تكون كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الدارعون نزالها

стр. 85

ومجيئها مع الهمزة شين، وقد يقع في الشعر الحسن، فيوشك أن يكدره، كما في قول ابن الخطيم: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها (١) ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها ومجيء الفتح مع حرف الحلق -ماعدا الهاء- قبيح للغاية، ويسبب البحة في الإلقاء. وقد جاء به أبو نواس وغيره مع الحاء، فقل إحسانهم فيه، ويحسبك أن تسمع: "آحا، آحا، آحا" مرتين أو ثلاثًا لتميل. والهمزة والعين أقبح كثيرا من الحاء، مع حركه الفتح، ولا يأتي بها في قصائد طويلة إلا سقيم الذوق، وقد حاء ابن الرومي بالهمزة المفتوحة في قصيدته الطويلة الفاترة " أيها القاسم القسيم رواء" وجاء بها البحتري في كلمه على هذا الروي (٢)، ولا أدري ما دعاه إلي ذلك وهو سليم الذوق. والضمة والكسرة متقابلتان، وهما أكثر شيء في الشعر، وأعنى بقولي "متقابلتان" أن بينهما نوعًا من ضدية. فالضمة حركة تشعر بالأبها والفخامة، والكسرة تشعر بالرقة واللين. ومن تأمل الشعر العربي، وجد أرق قصائده مكسورات الروي في الغالب، وأفخمها مضموماته في الغالب، ووجد شعراء الرقة يملون إلى استعمال الكسر، وشعراء الفخامة يملون إلى الضم. زهير مثلا يجيد في مضموماته أكثر من مكسوراته، ومعلقته ليست فيما أرى من جيده البالغ (٣). وأمرؤ القيس يحسن في الكسر أكثر من الفتح. والفرزدق ميال إلى الضم، وجرير إلي الكسر، والمتنبي إلي الضم، والبحتري إلي الكسر، والشعراء المعاصرون يكثرون

стр. 86

من الكسر، لما يشعرون به فيه من لين وانكسار يلائم العواطف الرقيقة المنكسرة التي يريدون أن يعبروا عنها. تعقيب واستدراك: لا يخفي علي القارئ أن الملاحظات العامة التي أدلينا بها هنا عن حروف الروي وحركاتها، مفترض فيها أن الأوائل كانوا ينطقون هذه الحروف والحركات كما ننقطها الآن. وهذا ليس بالصحيح. ففي كتاب سيبوبه (١) ما يدل علي أن الظاء كانت من فصيلة الذال، وهي كذلك في اليمن الآن، بحسب ما خبرني الأستاذ السيد محمد عبده غانم، ولكنها عندنا من فصيلة الزاي. والقاف كانت تنطق كثير من فصحاء العرب كما تنطق الآن في السودان وبعض أنحاء مصر والحجاز، أو قريبا من ذلك، وهي الآن في النطق مقلقله مطبقه غير مجهورة، وسيبوبه ينص على جهرها. والصاد كانت أخت الزاي، يدل علي ذلك قولهم "فزد" في "فصد"، وهي عندنا أخت السين. والضاد لا أخت لها، حتى أنها لو أزيل عنها الإطباق صارت لا شيء. ونحن ضادنا ليست كذلك، وإنما هي الضاد الضعيفة، وأهل اليمين ينطقون الضاد قريبة من الظاء، وكذلك يفعل عرب الكبابيش بالسودان. وإن كانت الضاد العربية هي ضاد سيبوبه، فليس أكثر العرب الآن من الناطقين بالضاد. علي أن تفريغ سيبويه علي ائمخارج الفصيحة، ما يدل علي أن نطقنا في جملته كانت له مشابه من نطق العرب الفصحاء. وفي كلام العلماء بعد سيبوبه عن المخارج، ما يرجع أن نطقنا الفصيح الآن، لا يختلف كثيرا عن نطق فصحاء البغداديين أيام المتوكل ومن جاءوا بعده. فلعل هذا يبرر أكثر التخريجات التي خرجناها، أو شيئا منها على الأقل.

стр. 87

خاتمة عن جودة القوافي: خير القوافي ما يلزم ألفاظ البيت، ولم يجئ كالواغل، مثال ذلك قول ابن أذينة في الحماسة: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوي لها ومثال الرديئة قول أبي تمام: كانوا برود زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا (١) وكقوله: لولا حداثتها وأني لا أري ... عرشًا لها لحسبتها بلقيسا (٢) وأحسن المحدثين قافيه فيها أرى أبو عبادة البحتري (٣)، ومن شرهم طريقة في القوافي ابن الرومي، فقد كان يتعسف ويطيل ويمل، وقد حسب الأستاذ العلامة العقاد أن كثرة الغريب في قوافي هذا الشاعر، تدل على أنه كان ذا ذخيرة لغوية عظيمة. ولو قد كان الأمر كذلك، لكان الغريب قد تجاوز قوافي أبياته إلى حشوها، كما في شعر المعري والطائي، وأرجح أن ابن الرومي كان يستعين على قوافيه بالمعاجم. فإذا أراد أن ينظم علي الهمزة مثلا جمع مئات من ذواتها، ثم جعل يصنع الأبيات، ويأتي بالقوافي الغريبة في أواخرها. ألا تجد قوافي نافرة كل النفور عن

стр. 88

سائر ألفاظ أبياته؟ تأمل على سبيل المثال قصدته "أنت ملاي شاخص مصحوب" (١). وقصيدته: "أمامك فانظر أي نهجيك تنهج" (٢).

стр. 89

المبحث الثاني أوزان الشعر وموسيقاها الفصل الأول تمهيد: موسيقا الشعر أمران: النغم المنتظم، وهو التفعيلات. وجرس الألفاظ. وسنتحدث هنا عن النوع الأول، ونرجئ الحديث عن الثاني الى حين نتكلم عن الصياغة والبيان. ولا أريد أن أعني القارئ بالحديث عن التفعيلات، من حيث زخافاتها وعللها، فهذا أمر قد فرغ العروضيون -محدثوهم وقدماؤهم- من درسه. ومرادي أن أحاول بقدر المستطاع تبيين أنواع الشعر التي تناسب البحور المختلفة. وقد يقول قائل: ما معنى قولك هذا؟ أتعني أن أغراض الشعر المختلفة تتطلب بحورًا بأعينها (١)، وتنفر عن بحور بأعينها؟ هذا عين الباطل! ألسنا نجد مراثي في الطويل، وأخر في البسيط، وأخر في المنسرح، وهلم جرا؟ ألا يدل هذا على أن أي بحر من البحور يصلح أن ينظم فيخ لأي غرض من الأغراض الشعرية؟ وجوابي عن مثل هذا السؤال: بلى، كما يبدو ويظهر، ولكن كلا وألف كلا، لو تأمل الناقد ودقق وتعمق. فاختلاف أوزان البحور نفسه، معناه أن أغراضًا مختلفة دعت إلى ذلك، وإلا

стр. 90

فقد كان أغنى بحر واحد، ووزن واحد، وهل يتصور في المعقول أن يصلح بحر الطويل الأول للشعر المعبر عن الرقص والنقزان والخفة، أو يظن من الممكن أن تصاغ كلمة الأخطل (١): خف القطين فراحوا منك أو بكرو ... وأعجلتهم نوى في صرفها غير في بحر الرجز المجزوء والمخبون، الذي منه قول شوقي (٢): فم اجتماعنا هنا ... يا عضرفوت ما الخبر لا أدر تلك ضجة ... حضرتها فيمن حضر ومن كابر في مثل هذا، فإنما يغالط نفسه في الحقائق، ويسومها طلب المحال. النمط الصعب (١) هذه الكلمة وصف بها أبو عبيد البكري -لامية تأبط شرًا الحماسية، في شرحه لكتاب الامالي المعروف بسمط اللآلئ، واستعرتها هنا لأصف بها ثلاثة من البحور النادرة في الاستعمال. وهي: المديد: (العروض الأولى والثانية)، ومثال العروض الأولى: إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلا دمه ما يطل

стр. 91

ومثال العروض الثانية: لا يغرن امرأ عيشه ... كل عشٍ صائر للزوال والخفيف الثاني ومثاله: رب خرق من دونها قذف ... ما به غير الجن من أحد والبسط الثالث، ومثاله: ماذا وقوفي على رسم عفا ... مخلولقٍ دارس مستعجم وقد يجئ مثاله كما في قول لآخر: يا صاح قد أخلفت أسماء ما ... كانت تمنيك من حسن الوصال أما المديد فهو بحر بين الرمل والخفيف. ووزنه: (تن ت تن، تن ت تن، تن ت تن تن) ×٢ وقد يجئ على: (تن ت تن تن، تن ت تن، تن ت تن أو تن ت تان) ×٢ والنغمتان الرئيسيتان فيه: "تن" و "ت تن" سهلتان بسيطتان، وفيهما قعقهة وتقطع، من نوع التقطع الذي تسمعه بين دقات القاطرة. وليس من غريب المصادفات أن القصيدتين اللتين اختارهما الأوائل منه، كلتاهما مرثيتان ثائرتان مفعمتان بروح الانتقام، وهما رائية المهلهل: يا لبكر أنشروا لي كليبًا ... يا لبكرٍ أين أين الفرار

стр. 92

ولامية تأبط شرا (١): إن بالشعب الذي دون سلعٍ ... لقتيلا دمه ما يطل

стр. 93

فبحر المديد فيه صلابة ووحشية وعنف، تناسب هذا النوع من الشعر. ولا يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب. وقد أعجب به نيكلسون جدًا في أثناء حديثه عن تأبط شرًا في كتابه الكبير "بالإنجليزية" عن تاريخ الأدب العربي، وحاول تقليده في اللغة الإنجليزية، ولكنه لم يوفق. وبحر المديد على بساطة نغمه يعسر على الناظم. لأن تفعيلاته تطلب كلمات متقطعة نحو "يا" "لبكر" "أنشروا" "لي" "كليبًا" ونحو: "خبر" "ما" "نابنا" "مصمئل"- وأحسب أن هذا العسر هو الذي جعل الشعراء يتحامونه. ثم إن مثل هذا التقطع في ذاته شيء لا يقبله الذوق إلا في الحالات النادرة، كموقف الغضب الشديد، الذي يسبب التمتمة والعي.

стр. 94

والخفيف الثاني شبيه بالمديد في الصلابة مع ثقل وبطء (إن لم يدخله الخبن) (١) نحو البيت: "رب قفر من دونها قذفٍ إلخ"، وإذا دخله الخبن زالت عنه صلابته شيئًا فيما يتراءى لي، مثل قول الشاعر: والمنايا بين غادٍ وسارٍ ... كل حي برهنها غلق ولم أظفر من كلام الأوائل في هذا بغير الشواهد العروضية، وما تكلفه ابن عبد ربه في العقد الفريد، كما أظفر بشيء فيها من كلام المحدثين، إلا قطعة متوسطة النظم في ليالي الملاح التائه، لعل محمود طه (ص ٧). والبسط الثالث وزن قديم مهجور، وهو عبارة عن وزن البسيط محذوفة منه التفعيلة الأخيرة من كل وزن البسط: (تن تن ت تن، تن ت تن، تن تن ت تن) ×٢ وزن البسيط الثالث: (تن تن ب تن، تن ت تن، تن تن ت تن) ×٢ أو -وهذا هو الأكثر: تن تن ت تن، تن ت تن، تن تن ت تن، في الصدر تن تن ت تن، تن ت تن، تن تن ت تان، في العجز ومثال هذا قول المرقش في المفضليات: يا ابنة عجلان ما أصبرني ... على خطوب كنحتٍ بالقدوم (٢)

стр. 95

كأن فيها عقارًا قرقفًا ... نش من الدن فالكأس رذوم (١) في كل ممس لها مقطرة ... فيها كباء معد وحميم (٢) لا تصطلي النار بالليل ولا ... توقظ للزاد بلهاء نئوم أرقني الليل برق ناصب ... ولم يعني على ذاك حميم وليلةٍ بتها مسهرةٍ ... قد كررتها على عيني الهموم لم أغتمض طولها حتى انقضت ... أكلؤها بعد ما نام السليم (٣) ولهذه الكلمة نظائر في الشعر القديم. وقد مات هذا الزون في العهد الإسلامي، وهجره المحدثون الى عصرنا هذا. وقد ندت آذانهم عن نغمه، وصار الإتيان به مستقيمًا منتظمًا شيئًا عسيرًا عليهم. وفي الحق إنه وزن بدوي قريب من الزجر، لا يختلف عنه الا في تحريف في النغمة الوسطى. ومع أن هذا الوزن قد مات في الفصيح منذ العهد العباسي، فإنه لا يزال يستعمل في اللهجة السودانية الدارجة، مع إسقاط الإعراب (مستقل فعل أو فاعل مستقل) مثاله: شي لله برجالة البركل ... السهرانه الليل ما بتكسل (٤) التمساح تمساحًا جسر ... وامره عليكم ما بتعسر

стр. 96

فهذا يدلك على بداوته، لأن هذا الزون السوداني كالمجزوء من "الكان وكان"، والكان وكان محرف عن البسيط، وقد ذكره العروضيون، ونبهوا على أنه استعمل في بغداد (ولا يزال يستعمل في البلاد العربية). ولم يذكروا هذا الوزن السوداني المجزوء عنه. ولا يعقل أن يكون السودانيون اخترعوا هذا الوزن بالسودان. لأن كل أوزانهم لها مشابه من الأعاريض المعروفة. والأرجح أن الأذواق الحضرية البغدادية التي كرهت مثل وزن المرقش في فصحاها، وآثرت البسيط، كرهت هذا الوزن السوداني في عاميتها، وآثرت "الكان وكان". واحتفظ البدو بهذا الوزن، وعنهم وصل إلى السودان، إذ أكثر عرب السودان بدو، رحلوا في القرن الحادي عشر الميلادي أو قبله بدهور إلى وادي النيل، عن طريق السويس والبحر الأحمر (١). الأوزان المضطربة (٢): هذه الأوزان ليست مضطربة في الحقيقة، وإنما كرهتها آذان العلماء الأوائل، فاعتبروها كأنها غير مستقيمة. وهي "أ" وزن المرقش الأكبر في مفضليته: "هل بالديار أن تجيب صمم". وقد جعله ابن عبد ربه من السريع. و"رب" وزن الآخر: لو وصل الغيث لأبنين امرأ ... كانت له قبة سحق بجاد وهو وزن مخلوط، صدره من الرجز، وعجزه من البسيط المجزوء. و"جـ" الوزن الثالث متخلع البسيط (وهذه تسمية من عندنا). وهو

стр. 97

البسيط الذي أوله مجزوء، وعجزه مخلّع، كما في بيت عبيد بن الأبرص من المعلقة: وكل ذي إبل موروثها ... وكل ذي نعمة مسلوب وهذه الأوزان جميعها مهجورة، وقد سبق الكلام عنها في أول حديثنا عن النظم. هذا، وعندي أن وزن المرقش ليس من السريع، كما زعم ابن عبد ربه، ولكنه شيء وسط بين الكامل الأحذ والسريع الذي دخلته العلل (١). الأوزان القصار (٣): وهذه هي: ١ - الكامل القصير. ٢ - البسيط المخلع. ٣ - الهزج. ٤ - الرجز القصير. ٥ - الرمل القصير. ٦ - المنسرح القصير. ٧ - الخفيف القصير . ٨ - المضارع. ٩ - المقتضب. ١٠ - المجتث. ١١ - المتقارب القصير. ١٢ - الخبب. الخفيف القصير: له ثلاثة أنواع: الأول كما في قول المعري (التنوير): يا لميس ابنة المضلـ ... ـل مني بزاد ليس واديك فاعلميـ ... ـه لقومي بواد وهذا على قصره نمط عسير، لأن صدره يختلف عن عجزه - صدره: تن ت تن تن، ت تن ت تن. وعجزه: ت ت تن تن، ت تن تن.

стр. 98

وهذا الاضطراب جعله غير مرغوب فيه عند الشعراء. والنوع الثاني كما في قول الآخر: الطلول الدوارس ... غادرتها الأوانس ومثاله من الشعر "في مدح الرسول للشيخ ابن الشيخ الطاهر المجذوب السوداني": ما القوافي المباني ... ما اختيار المعاني بعد سبع المثاني ... ما عسى أن يقالا وهذا نغم حلو رشيق للغاية، والألفاظ طيعة فيه، وما عليك إذا أردت النظر فيه إلا أن تجيء بكلمة من طراز "يا فعيل" وتتبعها بكلمة أخرى من وزن "الفُعول" أو "الفِعال" أو "التفعي" مضافة إليها مثلا: يا لطيف التثني ... وكثير التجني

стр. 99

ومثال آخر: يا كثير العناد ... أنت حب الفؤاد وهذا البحر يصلح للتغني بالألفاظ العذبة، والعواطف الرقيقة في غير تعمق ومع هذا، فالمنظوم فيه ليس بكثير ولا مشهور. اللهم إلا المتصوفة, فإنهم قد استفادوا به كثيرًا في أناشيدهم. والمتصوفة قوم أهل ذوق ولطف. فيا حبذا لو اقتدى بهم بعض الشعراء المعاصرين ممن يرغب إلى الرقة، فلا يكاد يستطيع عن الكامل وأشباهه من البحور الركب حولا (١). الخبب والرجز القصيران والمتقارب المنهوك: الخبب بحر دنيء للغاية، وكله جلبة وضجيج, وهو ثلاثة أنواع: أولها عبارة عن وزن "فاعلن" مكررًا ثماني مرات، كأن تقول: كاتب جالس لاعب ضارب ... قاتل ضاحك سامع كاذب وثانيها، عبارة عن وزن "فعلن" مكررًا ثماني مرات نحو: فرح طرب نزق جزع ... شره أشر حمق سقم ضربت ضحكت لعبت خرجت ... نعست سهرت سمعت طربت وثالثها، أن تكرر "فعلن" بسكون العين ثماني مرات. نحو: قتل ذبح ضرب طرح ... حب بغض صدق نصح ولك أن تخلط بين هذه التفعيلات، وأن تحذف بعضها لتأتي بمجزوءات منها. ولا يخفى أن هذا الوزن رتيب جدًا، وقد أهمله الخليل، وأظنه تعمد ذلك، واستدركه عليه سعيد بن مسعدة الأخفش.

стр. 100

ولا يصلح لشيء فيما نرى إلا للحركة الراقصة الجنونية، وقد استفاد منه الصوفية في بعض منظوماتهم التي تنشد لتخلق نوعًا من "الهستريا"، مثل الكلمة المنسوبة للغزالي في دلائل الخيرات: الأزمة مفتاح الفرج والرجز أعلى مرتبة من الخبب - أعني القصير من الرجز. وأوزانه على كثرتها تدور كلها حول ثلاثة أنواع: أولها، أن تكرر كلمة "مستفعلن" أربع مرات، ومثاله من الشعر قول دريد بن الصمة: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع (١) وكالتفريع من هذا أن تقول: قد كان لا يعرف يأ ... سًا أو يحس الوجلا يمزج بالشباب وهـ ... ـو كالمدام الأملا فالآن إذ زال الشبا ... ب سله ماذا فعلا ووزن النوع الثاني من الرجز القصير يجيء بأن تكرر "مستفعلن مستفعل"، أو "مُستخرج مستخرِجْ" مرتين. وهذا بحسب نظام العروضين ليس من الرجز، ولكن من المنسرح المنهوك. وعندي أن هذا تكلف، ولأن يعد رجزًا أشبه. ويجيء الوزن الثالث من الرجز القصير بتكرار نحو "معلم" أربع مرات،

стр. 101

(ويعادل هذا من أوزان العروضين "متفعلن" وهو نفس "مستفعلن" وهو نفس "مستفعلن" دخله الخبن: وهو حذف الثاني الساكن) ومثاله قول شوقي (مجنون ليلى ص ٧٩ - ٨٠): نقول حين نصطدم ... بسادة أو بخدم صمم صمم صمم صمم ... عمى عمى عمى عمى والوزنان الأول والثاني من الرجز القصير خفيفان، وفيهما حركة سعرية متلاحقة، ولذلك فإنهما يصلحان للأناشيد المدرسية وما بمجراها من أشعار الصغار. وقد وفق أحمد شوقي في استعمالها في منظر العفاريت من "مجنون ليلى"، فنغم البحرين (ويمكن استعمائهما معًا لتشابههما) قد أشاع في المنظر نفحة مرحة تناسب عفاريت الشعر الظرفاء الذين خلقهم خيال الشاعر. وهاك مثالا من هذا المنظر: نشيد الجن: هذا الأصيل كالذهب ... يسيل بالمرعى عجب على الوهاد والكثب الرقص يبعث الطرب ... هلم يا جن العرب هلم رقصة اللهب ... إذا مشي على الحطب نحن بنو جهنما ... نغلي كما تغلي دما (١) نثور في الأرض كما ... ثار أبونا في السما نحن الرعود القاصفه ... نحن الرياح العاصفه والظلمات الزاحفه ... عرمرمًا عرمرما لنا وما لنا صور ... نرى ونسمع البشر ولا يرون من حضر ... منا ومن تكلما نقول حين نصطدم ... بسادة أو بخدم

стр. 102

صمم صمم صمم صمم ... عمى عمى عمى عمى هبيد: فيم اجتماعنا هنا ... يا عضر فوت ما الخبر لا أدر تلك ضجة ... حضرتها فيمن حضر فسل أخاك عسرًا ... ماذا هناك يا عسر؟ عسر: نحن مسوقون إلى ... ما ليس ندري كالبقر الأموي: بني الجن في أرضكم عابر ... من الإنس يرسف في ضره إلخ إلخ رحم الله شوقيًا، فقد كان عامر النفس بالمرح والنشوة مع زهو في ذلك. وقد أصاب في اختيار الرجز القصير لهذا النشيد الحلو المهتز الفرح الذي وضعه على ألسن الجن. تأمل اضطراد النغم وسلاسته. وأكاد أزعم أن الشاعر لم يختر اسم عضرفوت لأحد عفاريته إلا بعد أن فرغ من كتابته أو صياغته، وأوحى إليه هذا التوفيق أن يرفد عضر فوتًا بجني آخر يجعله في القافية، ويسميه عسرًا، ثم بغير ذلك من أسماء الجنان. ومن حذق شوقي وبراعته أنه حول الوزن إلى غير الرجز عندما أخذ في الحوار، وخرج من النشيد (قوله بني الجن).

стр. 103

هذا، والرجز القصير، كإله اليهود، رب غيور في ملكه الصغير من دولة الأناشيد، ولا يغفر أن يشرك معه غيره، مما ليس من سنخه، في أنشودة بحال من الأحوال، ولا حتى أخوه الرجز الثاني، فقول شوقي: نحن بنو الجبار ... العلم المنار (وقد حذفناه فيما ذكرنا من أنشودة الجن) ينبو عنه السمع شيئًا في موضعه من النشيد المذكور آنفًا. فإذا كان الرجز الثاني ينبو مع الرجز القصير، فكيف بغيره؟ وقد أساء إلياس أبو شبكة (الألحان، المكشوف، ١٩٤١ راجع ص ١٢ وص ٣٢) في أنشودته: حقولنا، سهولنا، كلها طرب، كلها غنى. الشمس فيها ذهب، والسواقي منى. إلى الحصاد، جنى الجهاد، قلب البلاد، يحيا بنا. هيا احصدوا وأنشدو، الحب قلب ويد. فهذا مجرد عبث, وأكثر ديوان الألحان كذلك. المتقارب المنهوك: وزن هذا البحر "فعولن فعولن" كأن تقول: "كريم كريم" هذا بيت شعر، وكأن تقول: حمار بليد، ويجوز أن تقول: يصوم يقوم، فتحذف ما يقابل التنوين، وهذا اسمه القبض، وهو حذف الساكن الخامس من "فعولن" فتصير "فعول". ولا يخفى عليك أيها القارئ أن هذا الوزن قريب من الخبب في الخسة والدناءة، وقد مر عليك مثال منه في تمهيدنا في أول الكتاب، وهو:

стр. 104

"أشير إليك، بطرف ردائي" خلاصة: البحور القصار التي تحدثنا عنها إلى الآن كلها لا يصلح فيها النظم إلا لمجرد الدندنة والترويح عن النفس بجرس الألفاظ، وفيها جميعًا رتابة تشينها. وبحران منها فقط لهما نغم حلو يتقبله السمع ويرتاح إليه، إن وفق الشاعر في ذلك إلى السلاسة وتجويد اللفظ، وهما الخفيف الذي في نحو: "يا لطيف التثني"، والرجز الذي في نحو: "يا ليتني فيها جذع" والرجز أقواهما. البحور الشهوانية: (٤) ١) البسيط المنهوك (١): وزنه: مستفعلن فاعلن، أو: مستعلن فاعلن في الصدر والعجز. ويجوز فيه: متفعلن فاعلن × ٢. وهاك عبثًا في وزنه: مستفسر عارف ... مستبسل صابر مرابط هاجم ... مجتهد عالم وقال شوقي: طال عليها القدم ... فهي وجود عدم قد وئدت في الصبا ... وانبعثت في الهرم ٢) المتقارب القصير، ووزنه: (ترن تن تن تن ترن) × ٢، وإذا حذفت منه "ت" التي في أوله صار مثل البسيط المنهوك، ومثاله من الكلام الفارغ: حمار كبير جرى ... حمار صغير خرج

стр. 105

فتاة كبدر الدجى ... لها ناظر ذو دعج ونظم منه ابن عبد ربه للتمثيل: أأحرم منك الرضا ... وتذكر ما قد مضى وتعرض عن هائم ... أبى عنك أن يعرضا قضى الله بالحب لي ... فصبرًا على ما قضى رميت فؤادي فما ... تركت به منهضا "وقوسك شريانة ... ونبلك جمر الغضا" والشريان: نوع من السدر. ٣) المتقضب، وله وزنان، الأول: (تن تتن تتن تتن) ×٢. أو (تن تن تن. تتن تتن) ×٢ وهو نادر، والشائع الأول، ومثاله: يا حبيب يا حبب ... تم ترم ترن تررن الغرام تم تررم ... حره هو اللهب وبيته من الكلام القديم: هل على ويحكما إن لهوت من حرج ومثله لشوقي: حف كأسها الحبب ... فهي فضة ذهب ووزن المقتضب الثاني: (تن تتن تتن) ×٢ نحو: "هل وفي ولم"، و"بع وقل وصم" ومثاله من العبث: طار صقرنا ... جاء كلبنا قال شاعر ... كان عندنا

стр. 106

صوف قطنا ... يشبه الفنا (١) ومن هذا قول شوقي: مال واحتجب ... وادعى الغضب ليت هاجري ... يعرف السبب ٤) المضارع، ووزنه: (تتن تن. تتن. تتن تن) ×٢ نحو: "مضى عاد صام أقبل"، ومثاله من العبث: كلام الفتى كثير ... وعقل الفتى قليل وهامت به فتاة ... فؤادي بها عليل ففي بيته زواج ... ودقت له طبول وقال أبو العتاهية منه: دعاني إلى سعادا ... دواعي هوى سعادا وزعم المعري في الفصول والغايات أنه لم ينظم فيه القدماء. ٥) المنسرح القصير، ووزنه: (مستفعل مفعولات) ×٢، ومثاله من الحرف "لم هل وفي عن لولاك"، ومن الأفعال: "قاتل وحارب ضاربن" ومن العبث: هذا وهذا هذاك ... والنجم بعض الأفلاك وباء من عاداك ... بالكفر بعد الإشراك وسخطة من مولاك ... وكل ذا من جراك

стр. 107

ومثاله في المنظوم ما نسبوه إلى الشق، وهو نوع من الشياطين، يخاطب أحد القرشيين: علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول اضربهم بالهذلول ... ضرب غلام بهلول والهذلول: سيفه. وهذا الوزن من الرجز، إذ تفعيلاته "مستفعلن مستفعيل" فلو حذفت إشباع العين حصلت على "مستفعلن مستفعل" وهو وزن كلمة شوقي: "نحن بنو الجبار". وقد يقصر هذا الوزن جدًا حتى يصير على "مستفعلن مستفع" نحو: عندي لكم أخبار ... يا حبذا الأخبار قد سمروا المسمار ... في باب تلك الدار وهذا يشبه وزن "القوما" الشعبي نحو: يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات كلمة عامة: هذه البحور سميناها "شهوانية" لأن نغماتها لا تكاد تصلح إلا للكلام الذي قصد منه قبل كل شيء أن يتغنى به في مجالس السكر والرقص المتهتك المخنث. ولو تأملتها جميعًا وجدت في نغمها شيئًا يشعر بالشهوانية، ولسمعت من نقرات تفاعيلها موسيقا ذات لون جنسي، خذ كلمة شوقي في البسيط المنهوك (٢ - ١١١ - ١١٥). طال عليها القدم ... فهي وجود عدم قد وئدت في الصبا ... وانبعثت في الهرم بالغ فرعون في ... كرمتها من كرم

стр. 108

ومنها في صفة الرقص ونسائه: تمرح في مأمن ... مثل حمام الحرم مؤتلف سربها ... حيث تلاقى التام مندفعات على ... مختلفات النغم بين يد في يد ... أو قدم في قدم تذهب مشي القطا ... ترجع كر النسم تجمع في ذيلها ... تتركه لم يلم ترفل في مخمل ... نم ولما ينم وفي المتقارب المجزوء (القصير) نغمة أشد شهوانية من هذه. وقد وجدت في ياقوت ما يدل على أن هذا البحر كان يستعمل في رقصات الأعراس، فقد ذكر ما يشعر بذلك في ترجمته لأحمد بن كليب النحوي الأندلسي (١). وكان أحمد هذا مبتلى بعشق غلام يدعى أسلم، فجعل ينظم فيه الشعر حتى شاع ذلك عنه، وروي شعره، وتغنى فيه، ورقص عليه، ومما ذكر ياقوت أنه تغني فيه ورقص عليه في الأعراس قوله: أأسلمني في هواي ... أسلم هذا الرشا غلام له مقلة ... يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيُسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى

стр. 109

وليس في هذه الأبيات كبير طائل، وإنما أعجب الناس وزنها الفاجر، وقافيتها الوحشية، التي تناسب ما ذهب إليه من معاني الرفث. والمقتضب يدلك على دعارته قول شوقي: مال واحتجب ....... (القصيدة). وقوله: حف كأسها الحبب ....... (القصيدة). والوزن الثاني أشد دعارة. ويبدو لي أن شوقيًا كان منفعلا حقًا حين نظم "حف كأسها"، وهاك على سبيل المثال أبياته منها: الحرير ملبسها ... واللجين والذهب والقصور مسرحها ... لا الرمال والعشب فالقدور بان ربًا ... بيد أنها تثب يلعب العناق بها ... وهو مشفق حدب فهي مرة صعد ... وهي مرة صبب الرؤوس مائلة ... في الصدور تحتجب والنحور قائمة ... قاعد بها الوصب والنهود (١) هامدة ... والخدود تلتهب والخصور واهية ... بالبنان تنجذب وليس في هذا كثير معنى، وإنما هي شهوة تحولت ألفاظًا، ولبست هذا النغم.

стр. 110

والمضارع يكفيك من لينه أن أول من نظم فيه أبو العتاهية، على ما ذكره المعري في الفصول والغايات، وقد كان أبو العتاهية مخنثًا أو أمره. والمنسرح القصير ربما ينبو عنه ذوق الحضر الآن، وربما كان المتحضرون ببغداد لا يميلون إليه. ولكن هذا لا يقدح في زعمنا أنه ذو "لون جنسي"، فالبدو كالحضر يحسون بالشهوة و"الكبت". وقد كان هذا الوزن من أنغام الرقص الشهواني عندهم. أليس أصحاب السِّير يروون لنا أن هندًا وصويحباتها كن ينقرن بالدفوف متبرجات، ويمشين بين الصفوف يوم أحد ويتغنين: وبها بني عبد الدار ... وبها حماة الأدبار ضربًا بكل بتار إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق (١) هذا، وأهل مكة لم يكونوا بدوًا. ولكن أذواقهم بالنسبة إلى من جاء بعدهم من متحضرة بغداد ومتحضرة العصر الحاضر، أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة، ولا تقل لي: إن المثل الذي استشهدت به واحد، لا تقوم به حجة، أو تعارضني بأن هذا الكلام قد قيل في ساحة الحرب، وليس في ذلك ما يدل على الشهوانية، فإني قد قدمت لك ومهدت، بأن هذا النوع من الأنغام كان (ولا يزال كما سأبين بعد) شهوانيا بالنسبة إلى البدو والعرب الأولين. والغرام والشهوة والحرب كانت مرتبطة معًا في حياتهم، وثيقة الصلة فيما بينها. ويصدق ذلك ما نجده في أراجيز أبطالهم، وهم بإزاء الصوارم والقنا، وبمرأى ومسمع من الموت، بأمثال قول الكناني (٢):
следующие страницы →