فلا فزت من مر الليالي براحةٍ ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبًا
على أن أفواف القوافي ضوامنٌ ... لشكرك ما أبدى دجى الليل كوكبا
ثناءٌ تقصّى الأرض نجدًا وغائرًا ... وسارت به الركبان شرقًا ومغربًا
فهذا هو الشعر الصريح الناصع. وقد أخلص أبو عبادة المدح، كما أجاد الوصف، كل ذلك في لفظ نقي مهذب مصقول، وقد وازن ابن الأثير بين كلمته هذه وبين كلمة أبي الطيب المتنبي التي يقول فيها:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا
وردٌ إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا
متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌ ... في غيله من لبدتيه غيلا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا
في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
يطأ الثرى مترفقًا من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا
ويرد عفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا
قصرت مخافته الخطا فكأنما .. ركب الكمي جواده مشكولا
ألقى فريسته وزمجر دونها ... وقربت قربًا خاله تطفيلا (١)
فتشابه القربان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا
أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدًا مفتولا
ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا
ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
وكأنما غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا
أنف الكريم من الدنية تاركٌ ... في عينه العدد الكثير قليلا
стр. 457
والعار مضاض وليس بخائفٍ ... من حتفه من خاف مما قيلا
خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا
سمع ابن عمته به وبحاله ... فمضى يهرول أمس منك مهولا
وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا
تلف الذي اتخذ الجراءة خطةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
ففضل أبا الطيب قائلاً: «وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق، وتتقيه العصبية أذكره، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددًا وأسد مقصدًا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدتيه على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت سوى ذلك. وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيتٍ واحدٍ وهو قوله:
أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا
ثم إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيأته، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئة مشيئته واختياله، ووصف خلق بخله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء. ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج بذلك في أحسن مخرج وأبرزه في أشرف معنى. وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه. والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك، فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني» (المثل السائر ٤٩٥ - ٤٩٦).
وعندي أن ابن الأثير قد جار في الحكم على أبي عبادة. نعم أبو عبادة لا يعطينا من صورة الأسد في هوله وزمجرته وقضقضته وتمرده ما يعطينا المتنبي. ولكن المتنبي قصر في المدح، وأعطى ممدوحه النصيب الأخس في المبارزة. وقوله: «أمعفر
стр. 458
الليث .. البيت» على جماله لا يخرج عن حد المبالغة، إذ نحن نعلم أن بدرًا لم يقتل الأسد وإنما قتله أعوانه، وحتى إذا صح لبدر أنه جدّل الأسد بضربة من سوطه مفاجئة، فليس في ذكر كبير مدح، فالزرافة وهي أجبن من الصافر (١) ترمح الأسد فتلقيه على الأرض، ثم يثب عليها فيمزّقها إربًا إربًا. وقد صرّح المتنبي بأن الذي خذل الأسد ليس بدرًا الممدوح وإنما هو كثرة الأعداء مع عون القدر، وتلمح ذلك في قوله: «أنف الكريم ... البيت». وهذا وقد أربى أبو عبادة على المتنبي بأنه رسم لنا صورة كاملة للأسد وهو ملك في أجمته العاشبة -والأسود تسكن أماكن العشب- وأبرز لنا ألوانها المختلفة ثم ترك لخيالنا أن يتأمل الأسد يخطر بلبدته ولونه الأدهس، مدلاً بقوته وسلطانه. وهذا منهج من القول لا يقوى عليه المتنبي مع ما أوتيه من مقدرة. ثم إن البحتري برّز على المتنبي بصفة المبارزة، وقد أضفى عليها كل ما يستطاع إضفاؤه من الجلالة والرهبة، مع ميل إلى جانب الممدوح وإشادة ببسالته. والمتنبي مال ميلاً بينا إلى جانب الأسد حتى كاد ينسب ميتته إلى القضاء، وذلك قوله «خذلته قوته ... البيت» وقد بلغ من ميل المتنبي مع الأسد أنه تمنى له أن لو كان قد اتخذ الفرار خطة فنجا، ثم اعتذر له بأنه آثر الحمية والحفاظ ودرء العار. وكأن المتنبي تصور نفسه في ذلك الأسد، فنسب إليه من الكرامة والشمم ما كان يدعيه لنفسه. وقد افتضح المتنبي بعد فراغه من نعت المعمعة فلم يستطع أن يقول في ممدوحه شيئًا ألا الكفر والمبالغة التي لا طعم لها، نحو قوله:
لو كان علمك باءلاله مقسمًا ... في الناس ما بعث الإله رسولا
ولكن البحتري كان كالفرس الجواد، بلغ غاية حضره ثم لم تزل فيه بقيةٌ مصطفاة لممدوحه الكريم يختم بها حر كلامه. على أني لا أبغي أن أتنقص أبا الطيب حقه، فإنه قد أبلغنا صورة مفزعة مرعبة لن نفتأ نعدها على كر الليالي من حسنات
стр. 459
الشعر العربي. ولو كان الغرض الذي نظم فيه الشاعران هو مجرد نعت الأسد لكنت فضلت المتنبي بدون شك. ولكن غرض قصيدتها كان المدح أول من كل شيء (١).
ومن إحسان البحتري الذي لا يجاري في الوصف الملحمي، نعته لأسطول المسلمين في أثناء قصيدة مدح بها أحمد بن دينار. قال (٢):
غدوت على الميمون صبحًا وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر
أطل بعطفيه ومر كأنما ... تشرف من هادي خصانٍ مشهر
إذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيبًا في ذؤابه منبر
ولا أستحسن عجز هذا البيت على سلامته.
إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحًا عقابٍ في السماء مهجر
إذا ما اتكا في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء بردٍ محبر
وحولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دار عين وحسر
تميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر
إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتر
صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضرابٌ كإيقاد اللظى المتسعر
يسوقون أسطولاً كأن سفينه ... سحائب صيف من جهامٍ وممطر
وذلك لتفرقها مع كثرتها:
كأن ضجيج بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عودٍ مجرجر
стр. 460
وذلك لانتظام الصوت لا لحلاوة النغم.
تقارب من زحفيهم فكأنما ... تؤلف من أعناق وحشٍ منفر
فمارت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطعةٍ منهم وهامٍ مطير
على حين لا نقعٌ تطرحه الصبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطر (١)
وهذا البيت الأخير من التفاتات البحتري البارعة، ومن سهله الممتنع.
وقد أتيح للطويل بعد البحتري شاعرٌ آخر بلغ به غايات بعيدة في صفات الملاحم وذلك هو أبو الطيب، وشعره في هذا الباب من الكلم البواقي. وقد أنصفه الدكتور طه حسين حق الإنصاف في معراض كلامه عن سيفياته، فلا أجد من طائل في تطويل الكلام بذكر اختيارات منها. وأبو فراس الحمداني قد أحسن في رومياته، إلا أنها أدخل في باب التحسر منها في باب الملاحم، ونعته لمشاهد الحرب وللوقائع فيها ليس بكثير، ولا يبلغ فيه إحسان أبي الطيب.
стр. 461
وقد سلك أحمد شوقي قري المتقدمين في نظمه ملاحم العثمانيين في بائيته المطولة:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب
ولكنه رغم صحة ذوقه في اختياره لما اختاره لها من أغراض، لم يوفق في الأداء وما ذلك إلا لأنه لم يكن من رجال الطويل. ولم يتح له الإحسان في أكثر ما نظمه فيه. وإنك لتحس وأنت تقرأ بائيته هذه أن شويًا قد تاه في يهماء لم يكن من خبرائها، وأطاف بربوع ليس يها ميه، ووقع في كثير من الهجنة والركاكة مما كان أخلق به أن ينزه قلمه عنه. ولكن الرجل ﵀ كان كثيرًا ما يخطئ في تقدير ملكته ولا سيما في باب استعراض الوقائع ونعتها وسردها.
هذا ولا يذهبن بك ما ذكرناه عن الطويل إلى أن هذا البحر اختص بشعر الملاحم دون سواها. فكل ما أوردناه إنما هو للدلالة على أن خفاء الجرس في هذا البحر جعله أكثر الأوزان صلاحية للأوصاف الملحمية الوثيقة الصلة بتراث الماضي وتاريخه.
وحقيقة الطويل أنه بحر الجلالة والنبالة والجد، ولو قلنا إنه بحر العمق لاستغنينا بهذه الكلمة عن غيرها، لأن العمق لا يمكن أن يتصور بدون جد، وبدون نبل وجلالة. وما يتعمق المتعمق إلا وهو جاد، أيًا كان ما تعمق فيه. ولهذا فإنك لا تجد قصائد الطويل الغرر إلا منحوًا بها نحو الفخامة والأبهة من حيث شرف اللفظ وهدوء النفس، واستثارة الخيال، وتخير المعاني. خذ على سبيل المثال قول النابغة الذبياني يتبرأ ما قُذف به عند النعمان (مختارات الشعر الجاهلي ٢٠٤).
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلاً على الأقارع
أتاك امرؤ مستبطنٌ لي بغضة ... له من عدو مثل ذلك شافع
стр. 462
يعني له ناصرٌ وشافع على مثل حاله من استبطان البغضاء لي.
أتاك بقول هلهل النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع
أتاك بقولٍ لم أكن لأقوله ... لو كبلت في ساعدي الجوامع
خلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وهل يأثمن ذو إمة وهو طائع
أي ذو دين وخلق ومروءة. وقوله وهو طائع، يعني من دون إكراه.
بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍ ... يزرن إلالا سيرهن التدافع
عليهن شعثٌ عامدون لحجهم ... فهن كأطراف الحني خواضع
لكلفتني ذنب امرئٍ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
فإن كنت لاذو الضغن عني مكذبٌ ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمونٌ بشيءٍ أقوله ... وأنت بأمرٍ لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فهذا كلام لا تخفى أبهته ورواؤه وجلالته: والمقام الذي قيل فيه، والغرض الذي من أجله صنع، كل ذلك يستدعي مثل هذا النفس النبيل.
وهاك مثالاً آخر من شعر امرئ القيس يصف رحلته إلى قيصر:
سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا ... وحلت سليمي بطن قو فعرعرا
كنانيةٌ بانت وفي الصدر ودها ... مجاورةٌ غسان والحي يعمرا
ولعمري إني لأعجب للعرب الأقدمين لا يكادون يشببون بامرأة إلا أن تكون من قبيلة معادية. هذا امرؤ القيس كما ترى يشيب بامرأة من كنانة وقد كانوا أعداءه لقرابتهم لبني أسد بن خزيمة الذين قتلوا حجرًا. وهذا لبيد يشبب بامرأة من مرة، وقد كان بين عارم وبني ذبيان ما كان يوم الرقم. وهذا عنترة يزعم أنه يقتل رهط
стр. 463
محبوبته. وهذا عامر بن الطفيل يشبب بأسماء الفزارية، وهذا الحارث بن حلزة يُسكن حبيبته الخلصاء في ديار بني تميم حيث يقول:
بعد عهدٍ لنا ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء
ولم يكن بين تميم وبكر إلا السيف.
وقد وهم الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء شيئًا، فحسب أن التشبيب بنساء الأعداء أمرٌ ابتدعه شعراء المسلمين، وسماه الغزل الهجائي؛ وقال في أثناء الحديث عنه إنه فنٌّ «شديد الخطر» على الناقد من حيث إنه «يلبس عليك أمر الشاعر، ويجعل حكمك على عاطفته عسيرًا جدًا. فأنت لا تكاد تتبين اجاد هو في غزله أم لاعب، أمادح هو صاحبته لأنه يحبها أم لأنه يكره أهلها. وأنت مضطر أن تنظر إلى هذا الغزل من حيث هو فنّ مجرد من النفسية الصادقة للشاعر ومن عواطفه الحقيقية» (حديث الأربعاء ١: ٢٤٧). وأشهد لقد نزل الدكتور طه حسين هنا على حكم المنطق والفكر بحسب مقدمات القضايا التي أوردها، مع أنه كان يحس بذوقه وسلامة طبعه صدق العاطفة في كثير من هذا الشعر المتغزل فيه بنساء الأعداء، ويدلك على ذلك اعترافه بأنه «مضطر إلى أن يُنظر إلى هذا الغزل إلى آخر ما قاله».
وأحسب أن الدكتور طه لو كان تنبه إلى أن هذا المنهج من التغزل في نساء الأعداء ليس بإسلامي الأصل، وأنه جاهليّ موغلٌ في القدم، وثيق الصلة بتراث العرب وحضارتهم، ما كان حكم عليه بأنه فرنٌ مجرد صفر من العاطفة. وكيف يكون خاليًا من العاطفة ما يستمد أصله من جوهر حياة الناس وأسها. ولا شك أن شأن السر في تغزل العرب بناء أعدائهم هو أنهم كانوا يرون هؤلاء النساء في المرابع والمراتع، فيقعن من قلوبهم، ثم يعزمون بعد تفرق الأحياء على الغارة ليستبوهن ويستصفوهن لأنفسهم، وهذا يوضحه نحو قول عنترة:
стр. 464
علقتها عرضًا وأقتل أهلها ... زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم
وما تمنع الرجل بغضته لرهط امرأةٍ أن يتعشقها ويقتل أهلها ليظفر بها. بل الغالب في الرجال -حتى في حالات المصاهرة المعتادة- ألا يكون بينهم وبين أصهارهم كبير حب. كما أن النساء لا يكون بينهن وبين أحماتهن إلا العداوة.
هذا، والحديث ذو شجون ونرجع بعد إلى ما كنا فيه من ذكر رائية امرئ القيس:
بعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج في جنب تيمرا
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دومٍ أو سفينًا مقيرا (١)
أو المكرعات من نخيل ابن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا
عنى بالمكرعات: النخيل الباسقات اللائي نبتن على حافة الماء وكرعن منه وروين. ثم أخذ بعد هذا في صفة النخيل فأجاد وأمتع. وتأمل هذه الصورة التي يرسمها لك، من موضع النخيل وراء الصخور التي تلي قصر المشقر، حيث كان يقيم عامل كسرى على البحرين، ومن سموقهن، وحملهن للبسر الأحمر، وتحدب أصحابهن عليهن من بني الربداء بأطراف القنا، يمنعونهن بذلك من الطامعين، قال:
سوامق جبارٍ أثيثٍ فروعه ... وعالين قنوانًا من البسر أحمرا (٢)
ولا أنبهك إلى جمال عطف الفعل في قوله «وعالين» على ما سبقه من قوله «أو المكرعات».
حمته بنو الربداء من آل يامنٍ ... بأسيافها حتى أقر وأوقرا
стр. 465
وأرضى بني الربداء واعتم زهوه ... وأكمامه حتى إذا ما تصهرا (١)
والتمر الجيد اللحيم يصفر أول أمره أو يحمر، ثم يصير منصفًا ومجزعًا ثم يشمله اللين ويتهصر وحينئذٍ يحين قطاعه:
أطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحيرا (٢)
فهذه صورة تامة للنخل في الواحات المخصبة، لو رسمها لك فنان بألوان الزيت ما عد ما ذكره امرؤ القيس، ولما يتركه امرؤ القيس لخيالك من سبح، أروع بكثير مما يرقمه لك الفنان بريشته.
وأخذ امرؤ القيس بعد هذا في صفة وادي الساجوم وقد تتابعت فيه الظعن، وعليهن الرقم والهوادج الموشاة.
كأن دُمى سقفٍ على ظهر مرمرٍ ... كسا مزبد الساجوم وشيا مصورا
وأحسب أن امرأ القيس يشير هنا إلى الدمى التي كان رآها بكنائس الشام وأديرته. وقد أحسن كل الإحسان في قوله «مزبد الساجوم» إذ هذا ينقل إليك صورة الوادي وقد طما عليه السراب، والأحداج تطفو فيه وتغرق، وكأنهن الصور على سقف المرمر لما ينسجمن في هيئة زخرفية مع أكناف الوادي وعساقيله.
غرائر في كن وصونٍ ونعمةٍ ... يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرا
وريح سنا في حقةٍ حميريةٍ ... تخص بمفروكٍ من المسك أذفرا
وبانًا وألويًا من الهند ذاكيًا ... ورندًا ولبني والكباء المقترا
فهذا وصف لا يصدر مثله إلا عن ملك أو ربيب نعمة. وبأمثاله تدرك ما كانت
стр. 466
عليه اليمن من صخب وخفض في الجاهلية إذ منها ومن الهند كانت تجيء هذه الكماليات الأرستقراطية التي يذكرها امرؤ القيس.
ثم أخذ الشاعر في صفة اليسير والرحلة فقال:
تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت ... على خملي خوص الركاب وأوجرا
فلما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينك منظرا
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
بسيرٍ يضج العود منه يمنه ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
عنى بذلك نفسه.
ولم ينسني ما قد لقيت ظعائنًا ... وخملاً لها كالقر يوما مخدرا (١)
كأثلٍ من الأعراض من دون بيشةٍ ... ودون الغمير عامدات لغضورا
وهذا ديار بني أسدٍ ومرتادهم. ويعجبني من امرئ القيس تقطيع كلامه بالذكريات هكذا، وموافاتك بهذه المناظر الرائعة في لفظ مفعم بما كان يعتلج في صدره من حنين.
ثم أخذ في وصف الناقة في لفظ رصين حتى انتهى إلى ذكر نفسه وحروبه، فقال -والضمير راجع إلى الناقة-:
عليها فتى لم تحمل الأرض مثله ... أبر بميثاقٍ وأوفى وأصبرا
هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍ ... بني أسدٍ حزنًا من الأرض أوعرا
وفسر الصعيدي هذا البيت فقال: الحزن: الوعر من الأرض، وأوعر صفة مؤكدة يعني أنه قهر الآلاف من بني أسد حتى هاجروا من السهل إلى الوعر (٢).
стр. 467
وهذا التفسير مضطرب. ورواية البكري للبيت في معجم ما استعجم توضح معناه وهي:
هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍ ... بني أسدٍ قفا من الحزن أوعرا
أي هو الذي جاء بالآلاف من كندة واليمن من جو ناعط، يا بني أسد، فأنزلهم في أرض الحزن ذات القفاف، ليغزوكم بهم. والحزن في ديار تميم، وتميم كانوا من أحلاف امرئ القيس، وذلك قوله:
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر
وناعط: جبل باليمن. والجو: الوادي. والقف: الصلب من الأرض.
ثم قال امرؤ القيس بعد هذا:
ولو شاء كان الغزو من أرض حمير ... ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا
فهذا يفسر ذلك- عنى أنه لم يترك الاستنصار بقومه من اليمن لتخاذلهم عنه، فقد غزا بهم من قبل، وإنما تعمد أن يستنفر الروم ليردع بذلك العرم ويكون له حديث باقٍ بينهم.
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
وإني زعيمٌ إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا (١)
على لا حبٍ لا يُهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطئ جرجرا (٢)
والرواية المشهورة (الديافي) وجرسها أجود. وهذا البيت مما يعجب أهل
стр. 468
اللغة لأن الشاعر أثبت فيه المنار لينفيه. وقد استشهد به أصحاب الحديث في تفسير قولهم «كان مجلس رسول الله لا تنثى فلتاته» أي لم تكن فيه فلتات فتنثى.
على كل مقصوص الذنابي معاودٍ ... بريد السرى بالليل من خيل بربرا
أقب كسرحان الغضى متمطرٍ ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا (١)
إذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبي في دفه ثم فرفرا (٢)
وصف في هذه الأبيات خيل البريد المقصوصة الأذناب، المعودة على سير الليل في طرق لواحب إذا سلكتها الإبل أنكرتها وحنت إلى أهلها. ويعجبني وصف الشاعر لحصان البريد كيف ينشط عندما يزجر ويمشي مشية فيها عجرفية، ثم قال:
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريجٍ في قرى حمص أنكرا
نشيم بروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا
من القاصرات الطرف لودب محولٌ ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
تأمل إلى هذا الاستطراد الرائع من ذكر الرحلة إلى ذكر أيام لذاته اللائي انقضين، وانظر إلى هذا النعت المطرب الدقيق لابنة عفزر، ذات البشر المصون الذي يؤثر فيه الذر على ثوب الحرير الهفهاف الملامسه. وهذا الوصف يذكرني ما زعموه من جمال «ماريا ستوارت» أن بشرتها كانت من الصفاء والرقة بحيث كان مجالسها يرى مستن الراح في حلقها حين تشرب. ثم انظر في الأبيات التي تلي، فما أحسبك تجد مثلها في صدق الحنين:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريبٌ ولا البسباسة ابنة يشكرا
أرى أم عمرٍ دمعها قد تحدرا ... بكاءً على عمروٍ وما كان أصبرا
стр. 469
ألا ترى إلى دقة حس هذا الرجل، كيف لما ذكر حبائيه البسباسة وأم هاشم وابنة عفزر ذكر عمرو بن قميثة، وأن له نساءً وراءه أقوى صلةً، وأحق بواجب الذكر وأدعى ذكرهن إلى اللوعة المحرقة من هؤلاء، منهن أمه التي تركها وراءه ويمم شقة بعيدة لا يدري ماذا يكون مصيرها؟
إذا نحن سرنا خمس عشرة حجةً ... وراء الحساء من مدافع قيصرا
إذا قلت هذا صاحبٌ قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا
كذلك جدي ما أُصاحب صاحبًا ... من الناس إلا خانني وتغيرا
وإني ليحيرني مجيء هذا البيت الأخير والذي قبله في موضعيهما هذا بعد ذكر الشاعر لعمرو خليله. أترى أن عمرًا هذا لم يكن من أخلائه القدماء وأنه تبدله من آخر كان أدنى إلى قلبه وآثر مكانه عنده؟ أم ترى أن امرأ القيس جعل يحس جفوة من عمرو ويحتجن عليه هنات، ويترقب يومًا تنقطع فيه عرى المودة؟ ومهما يكن من شيء فهذان البيتان يشيران إلى أمر قويّ الصلة برحلة امرئ القيس، داخل في صميم العلاقة التي كانت بينه وبين رفقائه في السير.
وكنا أُناسًا قبل غزوة قرملٍ ... ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا
وما جبنت خيلي ولكن تذكرت ... مرابطها من بربعيص وميسرا
وقد عيب هذا على امرئ القيس، فقيل إن تذكر خيله لمراتعها وهي في غمرة الحرب لهو الجبن بعينه. وهذا نقد صائب في بابه. ولكن القائلين به نسوا أن الشاعر نظم هذه الأبيات وهو مغتربٌ ملتاع، فأورد هذا الاعتذار لهزيمته، لا يريد محض الاعتذار، وإنما أراد أن يمثل به جانبًا مما كان يثور بفؤاده من نزاع إلى موطنه.
ألا رب يومٍ صالحٍ قد شهدته ... بتاذف ذات التل من فوق طرطرا
ولا مثل يومٍ في قداران ظلته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا
стр. 470
لضيقه وعُسره.
ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا ... نقادًا وحتى نحسب الجون أشقرا
وهذا آخر القصيدة بحسب الرواية. وكلام امرئ القيس أبدًا ينتهي وأنت في حاجة إلى المزيد منه. وهذه القصيدة من أروع ما جاء في تصوير الغُربة واضطراب عاطفة المسافر وقد كساها الشاعر من تدبيجها بالذكريات وأسماء المواضع جوًا حزينًا جليلاً يملك على الشامع أنحاء لبه.
هذا، وإذ نحن بصدد الحديث عن امرئ القيس، فقد كان لهذا الشاعر فضل عظيم على من بعده في أنه طول الغزل في بحر الطويل، وفصل في أحاديث النساء، وأقاصيص الصبا والفتك. وقد كان مُغرى كلفًا بالغواني. ومع ذلك فقد كان مُفركًا (١) لديهن. ولعل هذا العيب فيه يفسر لنا ما نجده في شعره من تقص لأسرار الحب، وكشف عما ينبغي أن يخبأ منها وفخر في ذلك وتزويد، ويشبهه في هذه الناحية من أدباء العصر الإنجليز الكاتب د. هـ. لورنس. وامرؤ القيس أعف وأنبل منه على كل حال. وقد أبن هذا الكاتب معاصروه بالاعوجاج والضعف الجنسي. وربما كان ذلك صوابًا، لأنك تقرأ كلامه فتحس فيه روحًا من الشر وفقدان المروءة، على أنك تقرأ وصفًا أكثر تفصيلاً من وصفه في كتاب ألف ليلة وليلة وبعض قصص شوسر، فلا تجد فيه ما ينفر، ولا تحس فيه إلا العبث.
ولما كان الطويل بحر جد وعمق فإن مُجرد العبث الغزلي لا يكاد يستقيم فيه ولذلك آثر عمر وأضرابه الأوزان القصار لعبثهم ومزاحهم. وإنما يصلح فيه الغزل إذا مازجته نفحة من جد وعمق، كالذي تجده عند امرئ القيس من الاهتمام بإحياء الذكريات أكثر من العمد إلى مجرد قصها عليك. وطريقته هذه تمتاز بالتمهل والتأمل
стр. 471
والتهالك، ولا تكاد تخلو من أسى خفي يشعر بأن الرجل لم يبلغ من حد المتعة كل ما يزعمه. خذ على سبيل المثال قوله في اللامية:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي (١)
وهذا البيت وحده ينث بما تحته، وقد روى الرواة «السر» مكان اللهو ولم يرضوا بتركها غامضة، ففسروها تفسيرًا فيه تهمة بينه لامرئ القيس.
كذبت لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يُزن بها الخالي
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال
يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذُبال
كأن على لباتها جمر مُصطل ... أصاب غضى جزلاً وكُف بأجزال
وهذا البيت بارع ماهر كما ترى. ولا أجد تشبيهًا للبة الفتاة ذات النحر المورد أجود من تشبيهه بالنار المتوهجة، كما في هذا البيت:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تُنسيني إذا قمت سربالي
تأمل قوله «بيضاء العوارض» - وهي الأسنان. وأي ثغر أحلى من ذلك الذي صفت ثناياه وبرقت. ولقد كان العرب مفتونين بذكر الثغور الواضحة حتى إنهم لا يكادون يستفتحون ذكر النساء بغيره. ولا تجد مثل ذلك في شعر الفرنجة، وإنما يذكر الإفرنج القبل والنفس من دون تعرض للأسنان. وما ذلك إلا لأن الغالب على سكان البلاد الباردة تنكت الأسنان وسقمها دون صفائها وبياضها.
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير مجبال
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
стр. 472
أي بعد.
نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رُهبان تُشب لقفال
سموت إليها بعد أن نام أهلها ... سمو جباب الماء حالاً على حال
فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
فلما تنازعنا الحديث وأسهلت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيئ الظن والبال
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سقف وليس بنبال
أيقتلني أني شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي (١)
وهذا تشبيه بليغ للغاية.
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال
وماذا عليه أن ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقيال (٢)
وأحسبه أراد في هذا البيت تشبيه الحسان بالصور التي على المحاريب، وهذا أجود عندي من تشبيههن بالغزلان الحية.
стр. 473
وبيت عذارى يوم دجن ولجته ... يطفن بجباء المرافق مكسال (١)
سباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمام وإكمال (٢)
نواعم يُتبعن الهوى سُبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال
ولعل في هذا البيت الأخير ما يُصحح رواية من روى أن امرأ القيس كان يتعشق امرأة أبيه. إذ لو أن معشوقته كانت امرأة رجل آخر كائنًا من كان، فإن في الاعتذار بخشية الردى ضعفًا لا يلائم مذهبه، وقد كان قدم الفخر بأنه يتسور على العقائل ولا يخشى بأس رجالهن لاعتصامه بسيفه ونبله.
كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسأب الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كُري كرة بعد إجفال (٣)
ثم أخذ امرؤ القيس بعد ذلك في ذكر الصيد في أبيات معروفة لدى الطلاب المدارس الثانوية لأنها في المنتخب وما بمجراه من كتب الاختيار. ثم ختم كلمته بقوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مُؤثل ... وقد يُدرك المجد المُؤثل أمثالي
وما المرء ما دامت حُشاشة نفسه ... بُمدرك أطراف الخطوب ولا آل (٤)
وعندي أن هذه القصيدة أجود كثيرًا من «قفا نبك»، وفيها روح الملك
стр. 474
تشتملها من أولها إلى آخرها. وغزلها على ما فيه من رقة، بين فيه عنصر العُمق والتأمل (١).
هذا ومذهب ابن أبي ربيعة في الغزل يشابه مذهب امرئ القيس من ناحية واحدة، وهي القصص، ويخالفه من عدة نواح: منها أن ابن أبي ربيعة كان محببًا لدى النساء، محبًا لهن، فارغًا للهو وتقري الجمال كل الفراغ، وكان شعره رُقى يرقيهن بها، ولطائف يتلطف بإهدائها إليهن، ولم تكن سبيله في وصف الغراميات سبيل امرئ القيس من إحياء الذكريات- نعم قد كان أكثر شعره استعراضًا لحوادث مضت، ولكنه كان يُراد به التسجيل والإمتاع. والقصص لذاته لا استثارة ماض من لهو حدث أو متوهم وإسباغ ثوب من سحر الذكرى وأسى الحنين وتحرق الحرمان عليه، وذلك ما يفعله امرؤ القيس. وبحسبك أن تقرأ لابن أبي ربيعة قوله (٢):
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر
وغاب قُمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رُعيان ونوم سمر
ونفضت عني العين أقبلت مشية الـ ... ـحباب ورُكني خيفة القوم أزور
فحييت إذ فاجأتها فتولهت ... وكادت بمكنون التحية تجهر
وقالت وعضت بالبنان فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر
أريتك إذ هنا عليك ألم تخف ... رقيبًا وحولي من عدوك حُضر
فوالله ما أدري أتعجيل حاجة ... سرت بك أم قد نام من كنت تحذر
وفي هذا البيت مما يعجب النحويين رد ضمير المؤنث في قوله «سرت بك» إلى المذكر «تعجيل» لإضافته إلى «حاجة» وهي مؤنث. وقد ذكر سيبويه هذا الضرب
стр. 475
من الكلام في أوائل كتابه وأشار إلى ما لا يحسن منه. ومثاله في قبح ذلك «جاءت عبد أمك».
وإذا شئت ألا تتابع النحويين على زيفهم جعلت «سرت بك» صفة للحاجة واستمررت في القصيدة:
فقلت لها بل قادني الشوق والهوى ... إليك وما عين من الناس تنظر
ولعل هذا الكلام يبدو لك شديد الشبه بمقالة امرئ القيس. ولكن ثم فرقًا دقيقًا آمل أن تكون تنبهت له، وهو أن امرأ القيس ادعى لحبيبته كذبًا أن الناس قد ناموا وذلك قوله «حلفت لها بالله حلفة فاجر» - وفي ذلك حرص شديد على أن يستخر لك باستمتاعه ولذته. ومثل هذا الحرص لا تكاد تطمئن إليه النفس إلا وهي محجمة. أما ابن أبي ربيعة، فقد أعلمك بدءًا أن الناس قد ناموا، وأن الليل قد هدأ وهجع، فصار احتجاج الفتاة على الشاعر نوعًا من الدلال واصطناع الجزع، بينما هو في حالة امرئ القيس حقيقة لم تكن الفتاة لتطمئن إلى لذة وهي عالمة بها. ومن هنا ترى أن المتعة التي يصفها لك ابن أبي ربيعة صافية لا يشوبها كدر، بينما التي يصفها امرؤ القيس محفوفة بالمكاره، ليس أقلها خوف الفتاة واضطرابها.
فيا لك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر
وهذا الإجمال عندي أصدق في وصف الاستمتاع من تفصيل امرئ القيس:
ويا لك من ملهى هناك ومجلس ... لنا لم يُكدره علينا مكدر
وعجز هذا البيت قد أصاب فيه كبد ما كنا بصدده من الموازنة.
يُمج ذكي المسك منها مُفلج ... رقيق الحواشي ذو غروب مُؤشر
يرف إذا يُفتر عنه كأنه ... حصى برد أو أقحوان منور
стр. 476
ألم أقل لك أن العرب لا تنفك تغني بحُسن الثغر ما دامت في الدنيا عروبة؟
وترنو بعينيها إلي كما رنا ... إلى ربرب وسط الخميلة جُؤذر
فلما تقضي الليل إلا أقلة ... وكادت توالي نجمه تتغور
أشارت بأن الحي قد حان منهم ... هبوب ولكن موعد لك عزور
وفي هذا إشارة خفية إلى أنها قد لذها منه ما لذة منها، وامرؤ القيس لا يذكر شيئًا شبيهًا بذلك، لأنه إنما كان همه نفسه.
فما راعني إلا مُناد برحلة ... وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر
فلما رأت من قد تثور منهم ... وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت أباديهم فإما أفوتهم ... وإما ينال السيف ثأرًا فيثأر
وأين هذا من كلام امرئ القيس بسيفه ومسنونته الزرق وثقته بأنه لن يقتل؟
فقالت أتحقيقًا لما قال كاشح ... علينا وتصديقًا لما كان يُؤثر
فإن كان ما لا بد منه فغيره ... من الأمر أدنى للخفاء وأستر
أقص على أختي بدء حديثنا ... ومالي من أن تعلما متأخر
لعلهما أن تبغيا لك مخرجًا ... وأن ت ترحبا سربًا بما كنت أحصر
أي أضيق وأحرج به.
فقامت كئيبًا ليس في وجهها دم ... من الحزن تُذري عبرة تتحدر
فقالت لأختيها أعينًا علي فتى ... أتى زائرًا والأمر للأمر يُقدر
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا ... أقلي عليك الهم فالخطب أيسر
يقوم فيمشي بيننا مُتنكرًا ... فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومُعصر
стр. 477
فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي ... ألم تتق الأعداء والليل مُقمر
وقُلن أهذا دأيك الدهر سادرًا ... أما تستحي أو ترعوي أو تُفكر
وهذا كلام يكتفي بنفسه عن الشرح والتعليق. ولعلك تقول: أليس أولى بهذا الكلام أن لو كان جاء به صاحبه في غير الطويل، لخلوه مما كنت ذكرته من الجد، وهذا لهو كله. وجوابي على ذلك أن هذا الكلام على عبثه جاد. وقد كان ابن أبي ربيعة رجل هوى وغرام. وله في تصوير غرامه مذاهب. فمن ذلك أن يورده على سبيل التظرف والملح، وعندئذ يختار له القصار من البحور. ومن ذلك أن يشيد به، ويفخمه، ويظهره مظهر الجليل من الأعمال، ويحتفل له احتفال زهير لصلح عبس وذبيان. وعندئذ يعمد إلى الطويل، ويتخير له ما يلائمه من جزالة اللفظ ورصانته، وهذا ما فعله في الرائية التي اخترنا منها ما اخترناه، وما فعله في عينيته:
ألم تسأل الأطلال والمُتربعا ... ببطن حُليات دوارس بلقعا
وفي هذه العينية من الاحتفال للغزل ومواعد الغرام ما لا تكاد تجده في شعر آخر. ومذهب الشاعر بعد في كلا القصيدتين العينية والرائية، مذهب «ارستقراطية» وعز وخفض، وكذلك مذهبه في اللامية:
جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي (١)
стр. 478
وكل هذه الطويليات التي ذكرتها تباين مذهب ابن أبي ربيعة في قصائده التي من البحور القصار، إذ هذه الطوال تنضح باللذة والمتعة والانتشاء: إنما هي رُقى كان يخادع بها النساء. والمزح المحض والشيطنة أغلب وأظهر فيها من حاق القصص. وقد أساء ابن أبي ربيعة في اختياره الطويل لكلمته:
وناهدة الثديين قلت لها اتكي ... على الرمل من جبانة لم تُوسد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كُلفت ما لم أعود
فلما دنا الإصباح قالت فضحتني ... فقم غير مطرود وإن شئت فازدد
فهذا كلام خال من رونق القصص، واتساع الخيال، كما أنه منحو فيه منحى العبث والسطحية. ولعل عمر لم يقله إلا قصد التظرف، ولعل ما يشير إليه به من حادثة لم يقع. ولو جاء بهذا الكلام في المنسرح لكان له وجه، ولكنه ناب جدًا عن الطويل. وفيه مع ذلك من سوء التأتي ما فيه، فقوله: «قلت لها اتكي» قبيح جدًا وقوله: «فقلت على اسم الله»، لا يناسب المقام، ويشعر بتبذلها. وعروة بن الورد يقول:
يعاف وصال ذات البذل قلبي ... ويتبع المُمنعة النوارا
وما لها تسمى الله كأنها مُقدمة على طعام؟ أم لعل ابن أبي ربيعة أراد أن يتفقه؟ فقد زعم الغزالي أن بعض الفقهاء كانوا يكبرون في مثل هذه المواقف حتى يسمع تكبيراتهم من في الدار من خدم وحشم.
ولو قد كان ابن أبي ربيعة سلك وزنًا خفيفًا كما فعل الأعشي في قوله:
стр. 479
فدخلت إذ نام الرقيب فبت دون ثيابها
حتى إذا ما استرسلت من شدة للعابها
قسمتها قسمين كل مسود يُرمى بها
كالحقة الصفراء صاك عبيرها بملابها
لكان قد قارب.
ولعلك تقول: إنك لتلوم ابن أبي ربيعة على مذهب سلكه قبله سُحيم العبد في يانيته المشهورة:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
وهذه كلمة طويلة فيها من الرفث ضروب وضروب، ومع ذلك فقد أجمع النقاد على استحسانها. فما بال الطويل قبلها وصلح لها، ولم يصلح لدالية عُمر وهي من نفس الطراز؟ ومثل هذا القول يُغفل جانبًا من يائية سُحيم، على غاية عظيمة من الأهمية وهو أن سُحيمًا كان لا يقصد إلى محض الغزل، وذكر الاستمتاع، وكان لا يقصد إلى الظرف والملح والعبث مثل ابن أبي ربيعة في خفافه، وفي نحو داليته التي قدمتها، وإنما كان ينحو منحى شبيهًا بامرئ القيس مع خلاف يسير، ووجه الشبه أن الشاعرين كانا لا يُهمهما غير أنفسهما، الأول من حيث إنه كان ملكًا يغتصب لذته ويفخر بها مع ضعف كان فيه بحسب ما ذكرناه، والثاني كان عبدًا حاقدًا على سادته، يُعد الظفر بالعقائل الحرائر مجدًا ونصرًا، ويبالغ في تصوير استمتاعه مدفوعًا بدافع خفي من طلب النكاية بمن سموه عبدًا. تأمل قوله:
ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديًا
فبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا (١)
وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ستر إلا ثوبها وردائيًا
стр. 480
أُفرجها فرج القباء وأتقي ... بها القطر والشفان من عن شماليًا (١)
هذه رواية أبي عبيد في شرح الأمالي:
تُوسدني كفًا وتثني بمعصم ... علي وتحنو رجلها من ورائيًا
ورواية الخزانة: «وتحوي رجلها».
فما زال ثوبي طيبًا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليًا
وقد زعموا أن عمر بن الخطاب لما سمع هذا الكلام قال لسحيم: «إنك مقتول» وكأنه غار منه. وقد كان آخر أمره كما تنبأ له عمر وإن كان في خبر مقتله اختلاف واضطراب. ولو نظرت في الأبيات التي قدمناها لك من يائيته أحسست فيها ما زعمناه في فخر ونار في الفؤاد منشؤها الشعور بالنقص. انظر إلى قوله: «أفرجها فرج القباء» ألا تجد فيه روحًا من التشفي؟ وقد يُعزز هذا لك أنه لما اقتيد ليقتل لقيته إحدى من كان بينه وبينهن أمور ثم فسدت مودتهما، فضحكت منه، فقال لها:
فإن تضحكي مني فيا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المُفرج
وفي قوله: «وأتقي بها القطر والشفان» ما يُوضح لك روح التشفي الذي فيه تمام التوضيح، ولو كان حرًا سليم دواعي الصدر من طلب الانتقام من الأحرار بهتك نسائهم وفضيحتهن والفتك بهن، لكان قد قال: «وتتقي بي القر والشفان» ولجعل نفسه وقاية لها، ولم يفتخر باتخاذها حشية وغطاء، بل لكان قد أعرض عن مثل هذا القول، واكتفى بالتلميح من التصريح. وقل مثل ذلك في بيته: «تُوسدني كفًا إلخ»، فهذا قريب من قري (د. هـ. لورنس)، وفيه من الشر ما فيه.
ويمثل لك نفس الحسحاس أصدق تمثيل بيتان قالهما قبل أن يقتل:
стр. 481
شدوا وثاق العبد لا يغلبكم ... إن الحياة من الممات قريب
فقلد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على جنب الفراش وطيب
ولعل قوله: «وطيب» يغفر له كل ما في هذين البيتين من حقد دفين، ويُشعر بأن الرجل ما زالت فيه بقية صالحة من الخير، وأنه مع اتخاذه المتعة وسيلة للانتقام، فإنها كانت تجد جانبًا من صدره مفعمًا بالأريحية.
ويائيته من أجود الشعر لفظًا، وأنصعه معنى، وأدقه تصويرًا، وأفشاه بأسرار ما كانت تنطوي عليه نفسه، وإن نقم عليه الناقد أمثال قوله «وتتقي بي القطر» و «أفرجها» فإنه لا يملك إلا أن يُحس المدح لمثل قوله: «ألكني إليها عمرك الله يا فتى»، ولمثل قوله «فما زال بُردي طيبًا من ثيابها». ويعجبني جدًا قوله في اليائية:
تريك غداة البين كفًا ومعصمًا ... ووجهًا كدينار الأحبة صافيًا
وما أدري ما فضل دينار الأحبة على غيره، وإنما هو جنون الشعراء، ولعله عنى بدينار الأحبة، ذلك الذي يهبه له من يمقه من المُجدين، فقد كان الرجل أسيفًا لا يستنكف من العطاء، وكان شاعرًا ينتظر الجدوى، وكان في الناس من يعطف عليه لجودة شعره ورقة حاله:
فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جُؤجؤًا متجافيًا
ويجعلها بين الجناح ودفه ... ويُفرشها وحفا من الزف وافيًا
بأحسن منها يوم قالت أراحل ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا
ويعجبني قوله:
كأن الصبيريات يوم لقيننا ... ظباء حنت أعناقها للمكانس
وهن بنات القوم إن يشعروا بنا ... يكن في ثُبات القوم إحدى الدهارس
стр. 482
وكم قد شققنا من رداء مُنير ... على طفلة ممكورة غير عانس
إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك حتى كُلنا غير لابس
ومما رواه له صاحب الأغاني، وذكر أنه قُتل به:
وماشية مشي القطاة اتبعتها ... من الستر تخشى أهلها أن تكلما
فقالت صه يا ويح غيرك إنني ... سمعت حديثًا بينهم يقطر الدما
فنفضت ثوبيها ونظرت حولها ... ولم أخش هذا الليل أن يتصرما
أُعفي بآثار الثياب مبيتها ... وألقف رضًا من وقوف تحطما
وتلمح نشوة الظفر الذي تشوبه شوائب اللوم في قوله: «فنفضت ثوبيها»، ولا يملك حر ممن قيل في عقيلته أو كريمته مثل هذا إلا أن تأكل الغيرة قلبه.
هذا وللغزليين العذريين ومن بمجراهم مذهب آخر في الطويل غير مذهب عمر وامرئ القيس، وسُحيم، وهو أيضًا ملائم حق الملاءمة اللنغم المتلطف الرائث في تفعيلات هذا البحر، ومُفعم بمعاني الجد والعمق التي تصلح له، وذلك مذهب جميل في الدالية واللامية. وكلاهما من المأثور المعروف. (وفي اللامية بيت مشكل وهو قوله:
ثلاثة أبيات فيبت أحبه ... وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي
وربما سقطت في الرواية أبيات قبله، ولم أستطع بعد أن أكشف عن خبيء معناه، ولا أدري ما كنه هذين البيتين اللذين كان ينفر منهما الشاعر).
ومذاهب الشعراء الأعفة قريب من مذهب جميل. وفيها جميعها غناء ينضح بالأسى من الحرمان. وهاك قول يزيد بن الطثرية (الحماسة):
عُقلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل
تقيظ أكناف الحمى ويُظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل
فياخلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل
стр. 483
ويا من كتمنا حُبه لم يُطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل
فديتك أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأنصاري لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول
وكقول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكني عهدي بالنضال قديم
فهذا كله كلام صاف ناصع. وأبو حية النميري أقوى وأحر وأفحل قولاً من يزيد. وأمثلة هذا الشعر كثيرة في ديوان الحماسة، وفيما اختاره صاحب لأغاني من كلام قيس بن ذريح. وكلام أبي حية خاصة من أجود ما جاء في هذا الباب وأصدقه لهجة، وأحلاه بداوة، وأنقاه من الشوائب.
وقد عقد الدكتور طه حسين للغزل العذري وما بمجراه فصولاً طوالاً في كتابه حديث الأربعاء، وأنصف شعراء الغزل، ونبه على محاسنهم بما لا مزيد عليه. غير أنه بخس كثير عزة شيئًا من حقه. لا بل كثيرًا من حقه. قال في آخر فصله عنه (حديث الأربعاء ١: ٢٨٥ - ٢٨٦): «أختم الحديث بهذه الأبيات التي تكاد تكون وحدها كل ما بقي من غزل كثير، وأنا أرى فيها من جودة اللفظ ورصانة الأسلوب شيئًا كثيرًا، ولكنها خالية خلوًا تامًا من صدق اللهجة وحرارة العاطفة:
خليلي هذا رسم عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت
إلى آخر ما اختاره من القصيدة».
وما أحسب الدكتور طه حسين إلا قد وجد فيما اختاره من تائية كثير هذه،
стр. 484
متعة فنية أكثر من مجرد الرصانة اللفظية- متعة فنية مصدرها لون عاطفي ما، لا يضيره أن يكون خاليًا من نوع الحرارة التي عند العُذريين.
نعم، لا يستطيع أحد أن يرد بحق ما يزعمه الدكتور من أن التائية في جملتها خالية من حرارة الوجد، وفاقدة لمثل الصدق الذي عند جميل، وأنها ذات طابع فكري، وأن الجهد والصناعة تغلبان عليها. ولكنها مع ذلك ذات نفس شعري يصحبه لون من عاطفة، كما قدمت، يرتفع بها عن مجرد التفيهق والصناعة.
وقد أضرب الدكتور طه عن ذكر لامية كثير الطويلة: «قفا ودعا ليلى أجد رحيلي» (١)، وعن ذكر كثير من النتف الغزلية الصالحة التي نظمها هذا الشاعر نحو قوله:
وما زلت من ليلي لدن طر شاربي ... إلى اليوم أُخفي حُبها وأُداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة ... وتحمل في ليلى علي الضغائن
ونحو قوله:
وكنت إذا ما زرت ليلى بُخفية ... أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تُعيدها
ونحو قوله:
رهبان مكة والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب رُقودًا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزة رُكعًا وسجودًا
وقوله:
عشية سُعدى لو تبدت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج
قلى دينه واهتاج للشوق إنها ... على الشوق إخوان العزاء هيوج
стр. 485
وإن كانت التائية تشكو شيئًا من جفاف فاللامية لا تشكو شيئًا من ذلك. بل هي من أملأ الشعر بمعاني الغرام.
ولست بمنكر ما ذكره الدكتور طه حسين في مقدمات كلامه عن كثير عزة من أنه كان دميمًا، وأن عشقه لم يكن كعشق جميل، وأنه يكذب فيه كما ذكر الرواة ولكني أقول: إن هؤلاء الرواة لم يستندوا فيما زعموه من كذب كثير على استقراء شعره، وإنما اعتمدوا على الأخبار المنقولة. وهذه الأخبار المنقولة كانت تلقى بلا تأريخ ولا ضبط. فهم يقولون: كان كثير يكذب في حبه، ولا يذكرون إن كان ظهر هذا الكذب منه وهو شيخ، أو ظهر منه وهو شاب. ومن يدري فلعل هذه الأخبار التي يروونها عن كذب كثير تمثل أول مبدأ العلاقة بينه وبين عزة، فقد كان حينئذ راوية لجميل، ومتتلمذًا له، ومحاكيًا، شأنه في ذلك شأن أكثر التلاميذ. ولا يستبعد أن يكون كثير رغب في عزة طلبًا لأن تكون له صاحبة كما لأستاذه صاحبة، وكما للشعراء الآخرين صواحب. كما لا يُستبعد أن تكون عزة أيضًا قد كانت تتوق إلى أن يكون لها شاعر يشبب بها، ويذكر محاسنها، كما لبثينة وغيرها من المذكورات، شعراء يشببون بهن، والزهو في النساء، والتطلع إلى الشهرة، والرغبة في المدح، أمر شائع لا يحتاج إلى دليل. ومن يدري فربما كانت عزة هذه غير جميلة، وإنما كان لها وجه كسائر وجوه النساء، يذوي زهره إذا لفحته سمائم ما بعد العشرين من السنين؟
كل هذا جائز. وكله يوافق ما ذكره الرواة من أخبار كثير. ولكن ألا يجوز أيضًا أن يكون عزة مالت إلى كثير بعد أن شبب بها وأطنب وأجاد في مدحها، وأن يكون كثير أحس بميل إليها لما وجدها تستحسن ثناءه وتظهر له ارتياحًا كالشكر على ما قاله؟
وربما كانت التائية من أوائل ما تكلفه كثير في مدح عزة، وعلى هذا فلا غرابة أن نجدها كالخالية من الحرارة، ولكن فيها لونًا عاطفيًا خاصًا، هو فيما أزعم طلب
стр. 486
الزلفى والقربى. وقد تقول هذا هو التعليق بعينه، ولا أدفع ذلك، ولكني أزعم أنه كان تملقًا ذا باعث قوى من طموح كثير وزهوه، ورغبته في الظفر بما اشتهر به أستاذه من العشق.
وجواز أن تكون العلاقة بين كثير وعزة قد تطورت إلى حب أكيد ليس بافتراض بعيد. فالرغبة في الحب كثيرًا ما تولد الحب. وادعاء الغرام كثيرًا ما يعقبه الغرام. وقديمًا قالوا: لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا. والمدح مهما كان يُلين قلب الممدوح. وقد كان بشار يُدرك حقيقة ذلك حين قال:
عُسر النساء إلى مُياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا
وقد بين أبو حامد الغزالي كيف يصير التكلف طبعًا خير تبيين في كتابه الإحياء، حينما تعرض للحديث عن علاج الحسد والبغضاء، وذلك حيث يقول، (والضمير موجه إلى الحاسد): «وأما العمل النافع فيه هو أن يحكم الحسد، فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه، فإن بعثه الحسد على القدح في محسوده، كلف لسانه المدح له والثناء عليه، وإن حمله على التكبر عليه، ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه. وإن بعثه على كف الإنعام عليه، ألزم نفسه الزيادة والإنعام عليه. فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود، طاب قلبه وأحبه. ومهما ظفر حبه، عاد الحاسد فأحبه، وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد، لأن التواضع والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المُنعم عليه ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان. ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولاً طبعًا أخرًا. ولا يصدنه عن ذلك قول الشيطان له: لو تواضعت وأثنيت عليه، حملك العدو على العجز أو على النفاق أو الخوف، وأن ذلك مذلة ومهانة. وذلك من خدع الشيطان ومكايده. بل المجاملة تكلفًا كانت أو طبعًا تكسر سورة العداوة من الجانبين، وتُقل مرغوبها، وتُعود القلوب
стр. 487
التآلف، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض. فهذه أدوية الحسد، وهي نافعة جدًا، إلا أنها مرة على القلوب جدًا. ولكن النفع في الدواء المر. فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء. وإنما تهون مرارة هذا الدواء. أعني التواضع للأعداء، والتقرب إليهم بالمدح والثناء، بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها، وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله» (الإحياء طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية مصر ١٣٥٧ هـ، ٩ - ١٤٩ - ١٥٠).
فالغزالي كما ترى يدعي أن تكلف الوداد يمحو الحسد والبغضاء، ويحل المقة والمحبة مكانهما، فكيف إذا كانت القلوب خالية من حسد وبغض، وكان دافعها في التكلف هو طلب الحسب ليس إلا. وقد تكلف كثير حب بني مروان رغبة في عطائهم فأخلص فيهم القول، فجزوه بما يستحقه من محبة وتقريب مع علمهم بتشيعه. ولا أحد في هذا الباب أصدق من قول كثير نفسه لعبد الملك بن مروان:
وما زالت رُقاك تسل ضغني ... وتُخرج من مكانها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابت حية تحت اللصاب
فهذا كلام صادق لا مرية في صدقه. وليس بغريب أن يكون نحو منه جرى بين الشاعر وصاحبته عزة، اللهم إلا أن تحتج بأن كثيرًا كان أشد رغبة في المال، وفي رضا الخلفاء منه في العشق والنساء. ومهما أصبت في هذه الحجة فلن تستطيع نفي الرجولة عن كثير بحال من الأحوال، ولن تستطيع أن تنفي أن الرجال مهما اختلفوا فإن أفئدتهم لن تخلو من نزاع إلى النساء.
ولامية كثير كما قدمنا من أملأ الشعر بمعاني الغرام. وفيها من صدق العاطفة ما لا يمكن دفعه. وأسلوبها فيه طابع كثير من طلب التجويد وإعمال الفكر. وحق له أن
стр. 488
يفعل ذلك، فالرجل لم يصل إلى الغرام إلا بعد جهد وتكلف: ويعجبني من هذه القصيدة قوله في مطلعها (١):
ألا حييا ليلى أجد رحيلي ... وآذن أصحابي غدًا بقفول
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
ويعجبني قوله في آخرها:
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذن لغليلي
توليت محزونًا وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلى بغير قتيل
لقد أكثر الواشون فينا وفيكم ... ومال بنا الواشون كل مميل
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقصى بكل سبيل
ومن إحسانه الذي لا يدفع في هذه القصيدة قوله:
لقد كذب الواشون ما بُحت عندهم ... بليلى ولا أرسلتهم برسيل
فإن جاءك الواشون عني بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بحبول (٢)
فإن طبت نفسًا بالعطاء فأجز لي ... وخير العطايا ليل كل جزيل
وإلا فإجمال إلي فإنني ... أحب من الأخلاق كل جميل
وإن تبذلي لي منك يومًا مودة ... فقدمًا تخذت القرض عند بذول
وإن تبخلي يا ليل عني فإنني ... تُوكلني نفسي بكل بخيل
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا أرضى له بقليل
وليس خليلي بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل
стр. 489
ولكن خلي من يُديم وصاله ... ويحفظ سري عند كل دخيل
ولم أر من ليلى نوالا أعده ... ألا ربما طالبت غير مُنيل
يلومك في ليلى وعقلك عندها ... رجال ولم تذهب لهم بعقول
يقولون ودع عنك ليلى ولاتهم ... بقاطعة الأقلاان ذات حليل
فما نقعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيل (١)
فهذا الكلام صادق اللهجة، وفيه مع ذلك انكسار وتذلل يناسب مذهب كثير في الغرام وأنت ترى فيه إعمال الروية والفكر. والبيتان الأخيران فيهما لوعة لاذعة، وحر يلفح. فإن كان كثير قالها كاذبًا- وهذا بعيد- فقد علمه تكلف الغرام كيف يُصيب صفة الغرام.
والأبيات التالية (من هذه القصيدة) من جيد الغزل وناصعه:
تذكرت أسرابًا لعزة كالمها ... حُبين بليط ناعم وقبول (٢)
وكنت إذا لاقيتهن كأنني ... مخالطة عقلي سلاف شمول
تأطرن حتى قلت لسن بوارحا ... رجاء الأماني أن يقلن مقيلي
انظر إلى قوله: «رجاء الأماني» ألا تحس فيه دقة وإفصاحًا بما يجول في الصدر أحيانًا من هواجس وُمنى:
فأبدين لي من بينهن تجهمًا ... وأخلفن ظني إذ ظننت وقيلي
فلأيًا بلأي ما قضين لبانة ... من الدار واستقللن بعد طويل
فقلت وأسررت الندامة ليتني ... وكنت امرأ أغتس كل عذول
سلكت سبيل الرائحات عشية ... مخارم نصع أو سلكن سبيلي
стр. 490
فأسعدت نفسًا بالهوى قبل أن أرى ... عوادي منأى بيننا وشغول
ندمت على ما فاتني يوم بنتم ... فيا حسرتا أن لا يرين عويلي
كفى حزنًا للعين أن رد طرفها ... لعزة عير آذنت برحيل
ولا يخفى على القارئ أن صوت الحرمان في كلام كثير أقوى من صوت المنالة، وأسفه عليه أشد من صبره. وجلي أن كثيرًا لم يكن في أصل نفسه عُذري المزاج، ولكن شهوانيه وإنما حمله على العذرية دمامته وقماءته وزهوه وكبرياؤه، فاصطلى بنار من الغليل يلمحها المرء في كل بيت من أبياته هذه. وما كان أصدقه عن نفسه إذ يقول:
تمتع بها ما ساعفتك ولا يكن ... عليك شجًا في الحلق حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكف تلين
وقد جسر بشار فنقد البيت الثالث من هذه الأبيات، وزعم أن كثيرًا لو جعل محبوبته «عصا من زُبد» لكان قد أساء. ثم قال: هلا قال كما قلت:
إذا قامت لحاجتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران
وهذا تدليس من بشار، إذ لم يكن قصد كثير أن يصف عظام محبوبته كما هو واضح من السياق.
هذا، ولم نعد أن ذكرنا لك من أصناف الشعر الصالحة للطويل ما يجري مجرى الحماسة والنسب والمدح والعتاب والاعتذار. وإن كنا قد أجملنا أول الأمر أن هذا البحر صالح لكل ما فيه جد وعمق. ومما هو عميق جدًا، وجاد حقًا، ويستقيم على الطويل كل الاستقامة، شعر الفكاهة، الخالص لها. وقد يتراءى للمرء أن الفكاهة لا جد ولا عُمق فيها. ولكن هذا ليس بصحيح. فالفكاهة أنواع، منها ما يصدر عن
стр. 491
سرعة الخاطر، ومنها ما يصدر عن التورية والطباق والطباق اللفظي والتلاعب بالأفكار، ومنها ما يصدر عن التهكم والسخرية. وأعمقها جميعًا الفكاهة الخالصة، ثم السخرية الخفية المدخل التي يكون موضوعها أمرًا عامًا، لا شخصًا بعينه فإن ذلك يحصر دائرتها ويدخلها في دائرة الحقد، ويبعدها عن العمق، ويقلل من قيمتها، ويضعف من قوتها. ومن الشعراء الذين عُرفوا بالفكاهة والدعابة والسخرية وكان الطويل مسلكًا مهيعًا لهم، أبو مكية الفرزدق بن غالب. وقد كان هذا الرجل مع دعابته ذا جد وشكيمة وكان شديد التعصب لقومه، شديد النقمة على الولاة، نقادة لأحوال عصره السياسية هجاء مُقذعًا في الهجاء. ولعل الإقذاع في الهجاء كان أضعف ملكاته على إكثاره منه كما أن الفكاهة مع الكبرياء القبلية والشعور بالعزة كانت أعظم دوافعه، وأجود ما ينظم فيه. ومن دقة حسه، وصدقه، وسعة أفقه، أنه لم يكن يقصر موضوع فكاهته على نقد غيره من الناس أو تصويرهم، وإنما كان يتناول نفسه فلا يألو: خذ مثلاً قوله يصف إحدى لياليه الفاجرة بالمدينة: (٢٥٩ - ٢٦١).
فما زلت حتى أصعدتني حبالها ... إليها وليلي قد تخامص آخره
ولا أحسب شعر بن أبي ربيعة على إكثاره في الغزل ولقاء الفتيات قد جاء فيه ذكر الحبال
فلما اجنمعنا في العلالي بيننا ... ذكي أتى من أهل دارين تاجره
نقعت غليل النفس إلا لبانة ... أبت من فؤادي، لم ترمها ضمائره
ولكن الفرزدق لا يكتفي بهذا، فهو لم يعف لتقوى أو حياء أو مروة كما قد يتبادر إلى ذهنك لو سمعت هذا البيت وحده مفردًا، أو كان الشاعر أنهى كلامه عنده. وإنما عف لأسباب أخر ليس فيها من دوافع العفة شيء، وهو لا يريد أن يخفيها عنك، وإن هبط ذلك بقدره في عينك، وهذا منه غاية في الصدق:
стр. 492
فلم أر منزولاً به بعد هجعة ... ألذ قرى لولا الذي قد نحاذره
أحاذر بوابين قد وكلا بها ... وأحمر من ساج تئط مسامره
فقلت لها كيف النزول فإنني ... أرى الليل قد ولى وصوت طائره
فقالت أقاليد الرتاجين عنده ... وطهمان بالأبواب كيف تُساوره
أبا لسيف أم كيف التسني لموثق ... عليه رقيب دائب الليل ساهره
وازن هذا الكلام بما أوردته لك من رائية ابن أبي ربيعة ولامية امرئ القيس- ذانك يُهونان الأمر على صاحبتيهما، الأول يحلف لها أن المكان خال، ويثبت جأشها بما يدعيه من صدق القتال أوان الجد، والثاني يجعلها هي المتولهة الخائفة ثم يظهر أمامها الرجولة قائلاً إنه سيبادي الأعداء فأما نجا وإما قتل. ولكن الفرزدق لا يزعم شيئًا من هذا، بل يؤكد لك أنه كان في غمرة الخوف حينما كان في غمرة الوصال. وأن خوفه قد حال بينه وبين كامل الاستمتاع، فقد كان يحاذر البوابين، وكان في الوقت نفسه يفكر في الفرار، فيروعه الباب الساجي الضخم، ويهول الفرزدق أمر هذا الباب حتى ينقل لك صوت أطيطه ومنظر مساميره المرعبة في جملة واحدة «تئط مسامره» وأنت تعلم أن المسامير لم تكن تئط وإلا لكان الباب ركيكًا، وإنما كان يئط هو كله عند انفتاحه وانسداده- وسياق الكلام يشعر أن الفرزدق لم ير الباب إلا مُوصدًا، لأنه صعد بسلم من حبال، فذكره لأطيطه ولصوت مساميره، كل ذلك من صنع الخيال الخائف المرتعد.
ثم لم يكتف الفرزدق بهذا، فجعل نفسه الجازع المتوله لا المرأة، وصور المرأة بصور الذي يريد أن يسخر به، فهو يناشدها أن تنتبه إلى طلوع الفجر، وهي تروعه بذكر البواب، وأن لا سبيل إلى الفرار إلا عن طريقه، وأن لديه مفاتيح الرتاجين وأن لديه كلبًا ضخمًا رابضًا اسمه «طهمان» ينبهه من غفوته، ويساور من يهم بتخطي الباب خارجًا أو داخلاً. ثم تبالغ المرأة في تخويف الفرزدق فتقترح عليه
стр. 493
أن يستعمل السيف للخلاص. وذلك بالنسبة إليه داهية الدواهي وقاصمة الظهر. فماذا كان جوابه؟
فقلت ابتغي من غير ذاك محالة ... وللأمر هيئات تُصاب مصادره
وهذا الكلام أولى به المرأة من الفرزدق. وفي رائية عمر تجد أن أختي الخليلة هما اللتان قالتا هذا الكلام:
لعل الذي أصعدتني أن يردني ... إلى الأرض إن لم يقدر الحين قادره
فجاءت بأسباب طوال وأشرفت ... قسيمة ذي زور مخوف تراتره (١)
أخذت بأطراف الحبال وإنما ... على الله من عوص الأمور مياسره
فقلت اقعدا إن القيام مزلة ... وشدا معًا بالحبل إني مخاطره
ولا حاجة بي إلى أن أنبهك إلى ما في هذا الكلام من الفكاهة والصور المضحكة والتصوير البارع للاضطراب والمخافة.
وإذا قلت قد نلت البلاط تذبذبت ... حبالي في نيق مخوف مخاصرة (٢)
ولو قد قال «مخاطره» لاستقام الكلام، ولكن الفرزدق أراد لأن يشعرك أنه لم يكن خائفًا فحسب، وإنما كان خصرًا مقرورًا، لا سيما وقد خرج من مكان دفيء.
مُنيف ترى العقبان تُقصر دونه ... ودُون كُبيدات السماء مناظره
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يُرجى أم قتيل نُحاذره
ولكن الفرزدق لم تعجبه هذه الفكاهة، إذ أنه لم يأمن بعد، وما يدريه فربما يبصره البوابان في حباله فيهجمان عليه؟
стр. 494
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... ووليت في أعجاز ليل أبادره
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت ... مُغلقة دوني عليها دساكره (١)
وكأن الفرزدق يحمد الله على أن حاله ليست حالها- إذ كان يرى في الأبواب والحجرات العالية خطرًا عظيمًا، وداعيًا للرعب، حتى وإن لم تكن ريبة.
وقال من أخرى وذكر خوفه زيادًا أيام فر من البصرة واستجار بسعيد بن العاصي في المدنية (ديوانه ١٨٠):
إذا شئت غناني من العاج قاصف ... على معصم ريان لم يتخدد
لبيضاء من أهل المدينة لم تعش ... ببؤس ولم تتبع حمولة مُجحد
والمجحد: الفقير.
نعمت بها ليل التمام فلم يكد ... يُروي استقائي هامة الحائم الصدي
وقامت تُخشيني زيادًا وأجفلت ... حوالي في برد رقيق ومُجسد
فقلت ذريني من زياد فإنني ... أرى الموت وقافًا على كل مرصد
وهذه الأبيات يفسدها التعليق، على أني أجد قوله: «قامت تخشيني زيادًا وأجفلت إلى آخر ما قال» في الذروة من البلاغة وحسن التصوير. ولا يخفى على القارئ أن خوف الفرزدق من زياد- على أنه لا يطنب في تصويره، إطنابه في الرائية- كان عميقًا جدًا ألا تراه يقرن ذكر الرجل بالموت، ويستعجل اللذات قبل لقائه؟
ومما يدخل في هذا الباب -من جهة الفكاهة لا تصوير الخوف- قوله يذكر رجلاً من بلعنبر كان دليلاً عبد الله بن عامر بن كُريز أمير البصرة، وكان
стр. 495
الفرزدق في الركب، وضل بهم الدليل في الصحراء فعطشوا، وجعلوا يتصافنون الماء، بأن يضعوا في الإداوة حجرًا يتخذونه مقياسًا لما يشربه الشارب فلا يزيد عليه. فذكر الفرزدق أن هذا العنبري جاء بحجر ضخم كالأثفية ليكون حظه من الماء عظيمًا، ثم إنه جعل يستزيد الفرزدق فيزيده حتى أوشك أن يكون له شأن كشأن كعب بن مامة وزعم بعض الرواة أن الفرزدق ضن بنفسه ولم يعطه شيئًا من الماء، قال يهجو العنبري في ضلاله (ديوانه ٨٤٢):
ما نحن إن جارت صدور ركابنا ... بأول من غرت هداية عاصم
وكان اسم العنبري عاصمًا:
أراد طريق العنصلين فياسرت ... به العيس في نائي الصوى مُتشائم
أي أراد طريق اليمامة فأخطأه وسلك طريقًا نائي الصوى أي العلامات قاصدًا حقه الشام مع أن الرشاد والهداية قصد اليمن.
وكيف يضل العنبري ببلدة ... بها قُطعت عنه سيور التمائم
فإن أمرأ ضل البلاد التي بها ... تغبر ثديي أمه غير حازم
رأى الليل ذا غول عليه ولم تكن ... تُكلفه المعزى عظام المجاشم
ثم أخذ الفرزدق في وصف العطش وأمر المصافنة:
ونحن بذي الأرطى يقيس ظماءنا ... لنا بالحصى شربًا صحيح المقاسم
فلما تصافنا الأدواة أجهشت ... إلي غضون العنبري الجراضم
وجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليسقى عليه الماء بين الصرائم
أي الرمال جمع صريمة.
فضاق عن الأثفية القعب إذرمى ... بها عنبري مُفطر غير صائم