← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى عليّ أما يقيني فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين (١) ورحت بها تعارض مسبطرّا ... على صحصاحه وعلى المتون (٢) ويلحق بهذه الأبيات قوله: فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني (٣) وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني وفي هذا البيت الأخير مجاز مرسل كريم، وهو نسبة الابتغاء إلى الشر، والشر لا يبتغي، وإنما المرء به الأعداء والجدود العواثر. ولله درّ الدكتور طه إذ يقول في حديث الأربعاء (١: ١٦٦): «وانظر إلى هذا البيت الأخير خاصة كيف صور الشاعر فيه أجمل تصوير مكر الأقدار بالناس، فهم يبتغون الخير حين يقصدون إلى أمر من الأمور، ولكن الشر كامن لهم، يرصدهم حينًا، ويسعى إليهم حينًا آخر، وهم لا يدرون أينتهون إلى ما يريدون من خير أم يقعون فيما يريدهم من شر. أهـ». ومن خير ما يستشهد به في التدليل على طبيعة نغم الوافر شعر ابن أبي ربيعة

стр. 422

الذي جاء في هذا الوزن. فقد ثبت عندك أيها القارئ وعند أكثر النقاد أن ابن أبي ربيعة ينهج نهج الحوار، ويصطنع المغازلة و «المشاغبة»، وهذا نهج تناسبه الأبحر القصار، ولا يكاد يُصلح له الوافر لما فيه من إسراع وتدفع وخطابة وإنشاء. وإنك إذ تقرأ وافريات ابن أبي ربيعة تلفيه يخالف فيها مذهبه المعهود كل المخالفة، حتى إنك لتلتمس شخصه الذي تعرف، فلا توشك أن تلم به، إلا متخفيًا دقيقًا يقارب أن يطل ولا يفعل. خذ مثلاً قوله في عائشة بنت طلحة: لعائشة ابنة التيمي عندي ... حمى في القلب، لا يُرعى حماها يُذكرني ابنة التيمي ظبيٌ ... يرود بروضةٍ سهلٍ رباها فقلت له وكاد يراع قلبي ... فلم أر قط كاليوم اشتباها سوى حمشٍ بساقك مستبين ... وأن شواك لم يشبه شواها (١) وأنك عاطل عارٍ وليست ... بعارية ولا عطلٍ يداها وأنك غير أفرع وهي تدلى ... على المتنين أسحم قد كساها ولو قعدت ولم تكلف بود ... سوى ما قد كلفت بها كفاها (٢) أي لو لم تسلب من القلوب سوى قلبي لكفاها ذلك، وهذا إما أن يحمل على غرور المخزومي، وإما على أنه كان قد بلغ من المحبة الغاية التي لا يستطيع أحد أن يربي عليها. أظل إذا أكلمها كأني ... أكلم حية غلبت رقاها تبيت إلى بعد النوم تسري ... ولو أمسيت لا أخشى سراها وهذا معنى لطيف- أي أرى خيالها حتى حين أرقد ولم تكن في بالي قبل الرقاد.

стр. 423

ولا يخفى عليك أيها القارئ أن مذهب هذه الأبيات ليس ما نعهده من مذهب ابن أبي ربيعة، ولا أرتاب في أن طبيعة الموسيقا الوافرية هي التي اضطرته أن يورد قوله على هذا الأسلوب، ويترك ما هو أقدر عليه، من المذهب الحواري والتلطف والتظرف ومجيء مثل هذه الأبيات من ابن أبي ربيعة كالشيء الشاذ ولذلك تستحسن لا لأنها غاية في ذاتها. فأرجو أن يقوي هذا عندك ما تقدمت إلي به آنفًا من أن بحر الوافر يتطلب أداء خاصًا. وهاك مثلاً آخر من ابن أبي ربيعة يؤيد ما زعمت [١: ١٤٥]: تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينًا أراك اليوم قد أحدثت شوقًا ... وهاج لك الهوى داءً دفينًا وكنت زعمت أنك ذو عزاءٍ ... إذا ما شئت فارقت القرينا بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم لقيت لها خدينا - أي صاحبه فقلت شكا إلى أخٌ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فقص علي ما يلقى بهندٍ ... فذكر بعض ما كنا نسينا وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا وكم من خلة أعرضت عنها ... بغير قلي وكنت بها ضنينا أردت بعادها فصددت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا ومذهب هذه الأبيات أشبه بمذهب عروة بن أذينة، منه بمذهب المخزومي. اللهم إلا البيتين الرابع والخامس ولا سيما قوله: «كبعض زماننا إذ تعلمينا» فهذان فيهما لمحة من نفس ابن أبي ربيعة المألوف. أم ترانا نتوهم ذلك لطول ما عرفنا هذا الشاعر، ولا شك أن هذه الأبيات التسعة أدخل في سنخ الوافر من الهائية التي في ابنة طلحة، إذ لم ينظمها الشاعر بقصد الغزل، وإنما نظمها بقصد البكاء على الشباب

стр. 424

والتجمل والتصبر على ما فاته من لذاته. وفي البيتين الأخيرين ما يؤيد مزعم من يقولون بأن ابن أبي ربيعة تنسك في أخريات أيامه، لأن فيهما «رواقية» لا تخفى ولا سيما البيت الأخير. وافريات المعاصرين: الوافر من الأوزان الخصبة، إذ لم يخل من نظم حسن حتى في العصور المظلمة التي تلت سقوط بغداد. والمعاصرون يتعاطونه كثيرًا، ومنهم من ينسون أن له حقوقًا عليهم أهمها تجويد الأداء، وإعطاء التفعيلات نصيبها الوافي مما يلائمها من الألفاظ. فيوقعهم هذا النسيان في الأوابد. مثال ذلك قول أحمد رامي [الشعر المعاصر ٢٣٠]. نعم أهوى ولا أُخفي غرامي ... ومن شرف الهوى أني صريح وأما إن سئلت هل اصطفتني ... سكت فما استرحت ولا أريح والمعنى واضح، وقد حاول فيه الشاعر طباقًا فتعثرت عليه الألفاظ. ومن لي أن أقول تعلقتني ... وقلب الغانياث مدى فسيح وهذا اللت والعجن معناه: أتمنى أن تحبني، ولكن من يثق بحب الغواني؟ تلاقيني فتخلص لي نجيًّا ... وألمس حبها فيما يلوح وأراد الشاعر قوله: «فنخلص لي نجيا» أن يقتبس من القرآن: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فأخطأ فهم الآية. وقوله: «ألمس حبها» استعارة أفرنجية، وشر منها قوله: «فيما يلوح» فهو هجين كودنٌ، مسلوخ من كليشهات الفرنجة النثرية. ومثال آخر قول إلياس قنصل [نفسه ٢٤٤]:

стр. 425

أنرضى بالهوان ونحن قوام ... ملأنا صفحة التأريخ فخرًا وهذا بيت مستقيم اللفظ. بلينا بالتخاصم وهو داءٌ ... عضال ينخر الأخلاق نخرًا ولا أعلم «نخر» فعلاً متعديًا في اللغة، وإنما يقال نخر العظم: أي بلى، ونخرت العشية: أي تفتتت، ونخر الرجل ينخر نخيرًا، والنخير أخو الشخير. ولا تقل لي مثل هذا النقد «فقهي» - فهذا إما نظم بالعربية الفصيحة وإما بسواها. فإن كان بالفصيحة وهذا ما يزعم مؤلفه وناقدوه فاللحن فيها في نحو أو صرف هجنة لا تغتفر. ثم قال: فأنهكنا وغادرنا شعوبًا ... ممزقة تجر الغل جرا وهذا تخليط- إذ ليس بعد التمزيق إلا البلى المحض. ومثل هذا الكلام قد يقبل من تلميذ يعالج الشعر. أما من شاب أو كهل يجسر على نشر شعره فلا. ونحن أمام غاصبنا سجود ... ننفذ أمره سرًا وجهرًا فهذا كلام «ساذج» شبيه بكلام الصحف الركيك، لا سيما قوله «ننفذ أمره». وآبدة الأوابد قول إلياس: قيود الذل فلتكسر ويكفي ... على حمل الأذى والذل صبرا ولا أدري ما معنى قوله «صبرًا» ولا موقعه من الأعراب -وكأنه أراد أن يقول وكفانا ما صبرناه على الأذى إلخ- وعلى هذا فالواجب رفع الصبر، ونصبه لحن. ويزيد هذا اللحن قبحًا، وقوعه بعد قوله «قيود الذل فلتكسر» وهو تركيب قديم المنحى، مثله قول الآخر:

стр. 426

وقائلة خولان فانكح نساءهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا ولا جدوى في أن أستكثر لك من مثل هذه الشواهد الضعيفة، ففي ديوان الشعر العصري منها ضروب. ومن المجيدين في الوافر من شعراء العصر المرحوم شوقي، على أن الوافر لم يكن بواديه الطبعي وإنما كان يعتسفه اعتسافًا. وله فيه قصائد طوال، ومنها كلمته المشهورة «قفي يا أخت يوضع خبرينا» وقد شان بعض أجزائها السرد الجاف، وحسبك شاهدًا من ذلك قوله: وتاج من فرائده ابن سيتي ... ومن خرزاته خوفو ومينا ومن طواله الحسنة: «سلام من صبا بردى أرق» وهي مشهورة، ولم يخل فيها من إسفاف، وأحسب سبب ذلك أنه تكلف أن يتملق روح القومية والوطنية في سورية، ولم يكن شوقي في قرارة نفسه قوميًا ولا وطنيًا، وإنما كان «إنسانًا» إسلامي النزعة. ومن قوله الذي يدوي دوي الطبل ولا طائل تحته في هذه القصيدة: وللحرية الحمراء باب ... بكل يدٍ مضرجةٍ يدق وللمستعمرين وإن ألانوا ... قلوب كالحجارة لا ترق بني سورية اطّرحوا الأماني ... وألقوا عنكم الأحلام ألقوا فهذا كلام يصفق له في حزته (١) ثم لا تبقى منه باقية. ويعجبني من سينية له في ديوانه الثاني اسمها «كوك صو» قوله: حملن اللؤلؤ المنثور عينًا ... كما حملت حباب الماء كأس كأن سوافر الغادات فيها ... ملائك همها نظر وهمس

стр. 427

كأن براقع الغادات تهفو ... على وجناتها غيم وشمس كأن مآزر العين انتسابا ... زهور لا تُشم ولا تُمس وكم كان شوقي يود لو يشمها ويمسها. وإذن لقال فيها غير ما قال جرير في نساء الراعي: «تطلّي وهي سيئة المعرّي» البيت- ومما يمثل روح شوقي خير تمثيل قوله في هذه القصيدة يخاطب ماء كوك صو، ويوازن بينه وبين النيل: وكان النيل يُعرس كل عامٍ ... وأنت على المدى فرح وعرس وقد زعموه للغادات رمسًا ... وأنت لهمهن الدهر رمس وردنك كوثرًا وسفرن حورًا ... وهل بالحور إن أسفرن بأس كلا ورب الكعبة. ولا يفتك أن هذه الأبيات قد قيلت في زمن كان السفور فيه منفورًا عنه في بلاد الإسلام لم تقدم عليه إلا تركيا. هذا ولشوقي في الوافر -سوى ما أجاد فيه- أوابد مضحكات لا بأس بذكر واحدة منها، ومن شرف المرء أن تعد معايبه، وهي قوله: وكل مسافر سيئوب يومًا ... إذا رُزق السلامة والإيابا ولا أكاد أفهم للإياب هنا معنى إلا أن يكون أراد الشاعر «تذكرة الإياب» - وشوقي كثيرًا ما يُسف حين يطلب الحكمة وضرب الأمثال. ولحافظ وافريات أشهرها «بنات الشعر بالنفحات جودي»، وهي كلمة شعبية يغلب على أسلوبها اللين والضعف. ومما يحيرني أن حافظًا على سعة اطلاعه لم يكن يحسن الأداء في النظم. وكثيرًا ما أعجب كيف لم يفطن لذلك من نفسه فيقلع عن صناعة الشعر. وقاتل الله أبا تمام إذ يقول: ويُسيء بالإحسان ظنًا لاكمن ... هو بابنه وبشعره مفتون

стр. 428

فإن فتنة المرء ببنيه وبشعره كثيرًا ما تُعميه عن الحق. ولا ريب أن فتنة المرحوم حافظ بشعره أعمته عن مواضع الضعف فيه. ومن الغريب حقًا أن تجد هذا الرجل الرفيع النثر يرضى لنفسه بالركاكة في الشعر وأسلوب الصحافة المبتذل فيجيء بمثل قوله: بحمد الله ملككم كبير ... وأنتم أهل مرحمةٍ وجود خذوه فأمتعوا شعبًا سوانا ... بهذا الفضل والعلم المفيد وكقوله: وهل في دار ندوتكم أناس ... بهذا الموت أو هذا الجمود فهذا نثر صحفيّ ليس فيه رونق الشعر. على أني لا أنكر له في هذه القصيدة أبياتًا صالحة كقوله: أذيقونا الرجاء فقد ظمئنا ... بعهد المصلحين إلى الورود ومنوا بالوجود فقد جهلنا ... بفضل وجودكم معنى الوجود إذا اعلولي الصياح فلا تلمنا ... فإن الناس في جهد جهيد على قدر الأذى والظلم يعلو ... صياح المشفقين من المزيد جراح في النفوس نغرن نغرا ... وقد كن اندملن على صديد إذا ما هاجهن أسىً جديدٌ ... هتكن سرائر القلب الجليد إلى من نشتكي عنت الليالي ... إلى العباس أم عبد الحميد ودون حماهما قامت رجال ... تروعنا بأصناف الوعيد والأبيات الثلاثة الأول لا تخلو من ابتذال، ولكن سائر هذه القطعة جيد،

стр. 429

وفيها ما يصلح له الوافر من انفعال وخطابة. وقد وفق فيها حافظ ﵀ إلى لفظ سلس وأداء مستقيم. وبحسبنا هذا القدر عن بحر الوافر. الطويل والبسيط: هذان البحران في الشعر العربي بمنزلة السداسي عند اليونان، والمرسل عند الإنجليز، والمزدوج عند فرنجة القرن الثامن عشر. والبسيط منهما يحل المكان المتقدم في شعر العامة باسم «الكان وكان» أو «الدوبيت» علاوة على أنه مقدم مرموق المكان بين أشعار الفصحاء (١). أما الطويل، فوزنه من المتقارب كله. وأقرب وسيلة إلى معرفة رنته أن تأتي بتفعيلة من المتقارب التام. ثم بتفعيلة من الهزج، وتكرّر ذلك أربع مرات على التوالي. وهاك أمثلة توضح ذلك: تفعيلة المتقارب هي «فعولن» وتعادلها كلما «دجاج»، وتفعيلة الهزج هي مفاعلين، وتعادلها كلمة «دجاجات»، فتفعيلات الطويل هي إذن: دجاج دجاجات دجاج دجاجات ... دجاج دجاجات دجاج دجاجات فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلين فعولن فعولفعو، فعولن فعولفعو ... فعولن فعولفعو، فعولن فعولفعو فهو كما ترى من المتقارب. ولا يجيء تامًا على هذه الصيغة في الكلام المنظوم، فالشعراء أحكم من أن يأتوا به رتيبًا هكذا، ولكنهم يجرون فيه أنواعًا من التغيير والتنويع. وقد حصر العروضيون هذه التغييرات في ثلاثة أنواع سموها الطويل

стр. 430

الأول والطويل الثاني والطويل الثالث، ثم كل واحدٍ من هذه الأنواع تدخله ضروب من التنويع. وخذ مثالنا الأول الذي بدأنا به، وهو: (دجاج دجاجات دجاج دجاجات) ×٢ هذا أكمل أوزان الطويل ولا يجيء إلا في الأبيات المصرعة من الطويل الأول كما في قوله الشاعر (امرئ القيس): قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان وأكثر ما يجيء الطويل الأول على هذا الوزن: دجاج دجاجات دجاج دجاجة ... دجاج دجاجات دجاج دجاجات كلاب كثيرات كلاب كثيرة ... كلاب كثيرات كلاب كثيرات أسود وأفيال أسود وأنمر ... أسود وأفيال أسود وأفيال ومثاله من الشعر «للمعري»: فيا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال وإن أستطع في الحر آتك زائرًا ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال تمنيت أن الخمر حلت لنشوةٍ ... تجهلني كيف اطمأنت بي الحال مقلٌ من الأهلين يسرٍ وأسرةٍ ... كفى حزنًا بينٌ مشتٌ وإقلال والطويل الثاني وزنه: دجاج دجاجات دجاج دجاجة ... دجاج دجاجات دجاج دجاجتو عجاج عجاجات عجاج عجاجة ... عجاج عجاجات عجاج عجاجتو ديار ديارات ديار مفاعلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

стр. 431

ومثله من الشعر «للمتنبي»: عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى ... محب لها في قربه متباعد مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد والطويل الثالث وزنه في حال التصريع: دجاج دجاجات دجاج دجاج ... دجاجن دجاجات دجاج دجاج ديار ديارات ديار ديار ... ديار ديارات ديار ديار كلاب كلابات كلاب كلاب ... كلاب كلابات كلاب كلاب ومثاله من الشعر قول أبي فراس (١): أكل خليلٍ أنكدٌ غير منصف ... وكل زمانٍ بالكرام بخيل نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم وجهول وفارق عمرو بن الزبير شقيقه ... وخلى أمير المؤمنين عقيل فيا حسرتي من لي بخل موافقٍ ... أقول بشجوي مرةً ويقول مما تقدم ترى أن وزن الطويل يدور كله على «فعولن مفاعيلن» فوزنه الأول: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن والثاني: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

стр. 432

ووزنه الثالث: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن ... فعولن مفاعيلن فعول فعولن والتصريع يجعل صدر الوزن الأول في طول عجزه كما في: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان وقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي والوزن الثاني لا يؤثر فيه التصريع، فصدره أبدًا مساوٍ لعجزه، قال أبو الطيب في مطلع قصيدة من الوزن الثاني وصرّع. عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد وقال منها ولم يصرع: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد فواضح أن التصريع لم يؤثر في الوزن كما ترى. والطويل الثالث يقصر صدره ويصير مثل عجزه كالأمثلة التي قدمناها لك منه وكقول أبي فراس: مصابي جليل والعزاء جميل ... وظني بأن الله سوف يديل فصدر هذا البيت كعجزه، وفي سائر القصيدة هو أطول من عجزه نحو: وفارق عمرو بن الزبير شقيقه ... وخلي أمير المؤمنين عقيل وتفعيلات الطويل تحدث فيها تغييرات كثيرة بعضها من اللطف بحيث توشك

стр. 433

أن تخفي على السمع، وبعضها واضح يدركه السمع لأول وهلة، كما في قوله امرئ القيس: ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل وكقول الآخر (المفضليات): أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا فالأول في حشو صدره نقص. والثاني في عجزه زيادةٌ تسمى ترك الاعتماد. وكثيرًا ما يحذف الشعراء أول حرف متحرك في الطويل، كواو العطف مثلاً، وهذا يسمى الخرم، ومثله قول المتنبي: لا يحزن الله الأمير فإنني ... سآخذ من حالاته بنصيب فهذا البيت يقيمه أن تقول: ولا يحزن الله الأمير إلخ ولكن هذا مبدأ الكلام ولا حاجة للواو. وبعد فهذه تفاصيل لا يحتاج إليها الأديب إلا قليلاً. وبحسب المرء أن يدرك جملة الوزن، فإن اختلّ فيه شيء يسير فذلك أمر موكول إلى الذوق. وقد كان الجاهليون لا يبالون بالاختلال اليسير في الطويل خاصة وبحسبك أن تنظر في «قفا نبك» المعلقة لترى حقيقة ذلك. وكان البحتري من المتأخرين يحاكي الجاهلين في هذا التساهل من غير ما إسراف كما في قوله (١): نزور أمير المؤمنين ودونه ... سهوب البلاد رحبها ووسيعها

стр. 434

فالوزن هنا مستقيم، ولو قال: «سهوب بلادٍ» لكان أشد استقامة، ولكن قوله «سهوب البلاد» أحلى وأوقع. ومثله قوله (١): تشق عليه الريح كل عشيةٍ ... جيوب السحاب بين بكرٍ وأيم فهذا يكون أشد استقامة إن قلت: «جيوب سحاب»، ولكنه كما جاء أسمح وأوقع. وقد اتبع المعري سبيل البحتري قليلاً كما في قوله (٢): غدت معقل الزراد قبل مزرّدٍ ... وغارته وقبل غارة سنجال والغالب على المحدثين المحافظة على عمود الوزن، وتجنب الزحاف. وقل أن تجده عند المتنبي، وأما أبو تمام فالغالب عليه تركه، ولكنه يُغرب حين يجيء به، كما في قوله (٣): يقول فيسمع ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الإله فيوجع وزن البسيط البسيط من الرجز في سنخ وزنه، وله نوعان: النوع الأول كما في كلمة النابغة الدالية: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد والنوع الثاني كما في كلمته الرائية:

стр. 435

عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار أما مثال الوزن الأول من الكلمات فهو: لم يحضروا حضروا لم يسجدوا سجدوا ... لم يكذبوا كذبوا لم يعبدوا عبدوا الدار واسعة والناس طائعة ... والشمس طالعة لم يصعدوا صعدوا في داركم أسد في داركم ولد ... مستفعلن فعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ... مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن وهذا هو مقياس الوزن عند العروضيين، وتتعاوره «فاعلن» و «فعلن» في نصف كل شطر، ولا يكاد يحس بين تعاورهما اختلافٌ بين. والوزن الثاني مثاله: لم يحشروا حشروا لم يسجدوا ساج ... لم يكذبوا كذبوا لم يعبدوا عاج الدار واسعة والناس طائعة ... والشمس طالعة لم يصعدوا صاع في داركم أسد في داركم ولد ... مستفعلن فعلن مستفعلن فاع مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ... مستفعلن فاعلن مستفعلن فاع والفرق بين هذا الوزن وسابقه كما ترى في آخر البيت، حيث تنقص التفعيلة عن حدها فيصير مكان عبدوا: عاد، أو عاب، أو عاج، ومكان «فعلن» فاعي أو فاعن. وكما في الوزن الأول، فإن نصف كل شطر من هذا الوزن تتعاوره «فعلن» و «فاعلن» وذلك لا يُحدث كبير اختلاف. وهاك مثال الأول من الشعر: نُبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأرٍ من الأسد

стр. 436

فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي إذن فعاقبني ربي معاقبةً ... قرت بها عين من يأتيك بالفند ومثال الثاني: أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تأمل نظرةً حار ألمحةٌ من سنا برقٍ رأى بصري ... أم ضوء نعم بدا لي أم سنا نار بل ضوء نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين أثوابٍ وأستار تلوث بعد افتضال الدرع مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري والطيب يزداد طيبًا أن يكون بها ... في جيد واضحة الخدين معطار والوزنان كما ترى لا اختلاف بين صدور الأبيات فيهما. ولكن الاختلاف في الأعجاز. نعم حين يحصل التصريح في الوزن الثاني، وعجزه يتساويان كما قدمنا لك في بيت النابغة: عوجوا فحيوا لنعلمٍ دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤيٍ وأحجار فصدر هذا البيت أقصر من قوله: «أقول والنجم إلخ» من القصيدة نفسها. وتفعيلات البسيط تحدث فيها تغييرات عدةٌ، كتعاقب «فاعلن» و «فعلن» في حشو البيت. وأحيانًا يكون الوزن «مفتعلن فعلن إلخ» وأحيانًا: «متفعلن فعلن إلخ» وكل هذا يقبله السمع، وإن كان التغيير الأول يجيء أحيانًا كالثاني، كما في قول قيس بن رفاعة: من يصل ناري بلا ذنب ولا ترةٍ ... يصل بنار كريمٍ غير غدار فقوله «يصل بنار» فيه نقصٌ، ولو كان قال: «يصلى بنارٍ» لاستقام الوزن على الأصل، ولكن هذا يخالف الإعراب.

стр. 437

وكقول الأخطل: مُفترش كافتراش الليث كلكله ... لوقعةٍ كائنٍ فيها له جزر فقوله «مفترش» فيه كالاضطراب. والقدماء لم يكونوا يبالون بمثل هذا. ولكن المتأخرين يتحامونه إلا ما ندر. وكأنما يريدون أن يعوضوا بتصحيح الوزن عما يعوزهم من جودة الأسلوب. كلمة عامة عن الطويل والبسيط الطويل والبسيط أطولا بحور الشعر العربي، وأعظمها أبهةً وجلالةً، وإليهما يعمد أصحاب الرصانة. وفيهما يفتضح أهل الركاكة والهجنة. وهما في الأوزان العربية بمنزلة السداسي عند الإغريق، والمرسل التام عند الإنجليز. والطويل أفضلهما وأجلهما وهو أرحب صدرًا من البسيط، وأطلق عنانًا، وألطف نغمًا. ذلك بأن أصله متقاربي، وأصل البسيط رجزي، ولا يكاد وزن رجزي يخلو من الجلبة مهما صفا. ومما يدلك على سعة الطويل، أنه تقبل من الشعر ضروبًا عدة كاد ينفرد بها عن البسيط. مثال ذلك أن الشعراء الغزليين على عهد بني أمية أكثروا من النظم فيه على أنهم أقلوا جدًا من البسيط. وقد أخذ الطويل من حلاوة الوافر دون انبتاره، ومن رقة الرمل دون لينه المفرط ومن ترسل المتقارب المحض دون خفته وضيقه، وسلم من جلبة الكامل وكزازة الرجز وأفاده الطول أبهةً وجلالةً. فهو البحر المعتدل حقًا. ونغمه من اللطف بحيث يخلص إليك وأنت لا تكاد تشعر به. وتجد دندنته مع الكلام المصوغ فيها بمنزلة

стр. 438

الإطار الجميل من الصورة، يزينها ولا يشغل الناظر عن حسنها شيئًا. والطويل في هذه الناحية يخالف سائر بحور الشعر. خذ قول متمم بن نويرة مثلاً (١). وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفارقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معًا تقول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك حديثًا ناعم البال أفرعا فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة حزنٍ تترك الوجه أسفعا وفقد بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم أن أستكين وأضرعا (٢) قعيدك ألا تُسمعيني ملامةً ... ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا (٣) وقصرك إني قد شهدت فلم أجد ... بكفي عنهم للمنيةِ مدفعا أقول وقد لاح السنا في ربابه ... وغيث يسح الماء حتى ترفعا (٤) سقى الله أرضًا حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا (٥) وآثر سيل الواديين بديمةٍ ... ترشح وسميًا من النبت خروعًا (٦) فوالله ما أسقي الديار لحبها ... ولكني أُسقي الحبيب المودعا (٧)

стр. 439

تحيته مني وإن كان نائيًا ... وأمسى ترابًا فوقه الريح بلقعا ألا تجدك وأنت تقرأ كلام متمم هذا لا تكاد تحس له بوزن، وإنما تشعر بمعناه ولفظه يلجأن إلى قلبك ولوجًا. وما ذلك لأن الشاعر قد أغفل ناحية الموسيقا في نظمه، كلا، ولا لأن البحر نفسه فاتر الموسيقا، فلهذه الأبيات رنةٌ موسيقية قوية. غير أنها مع قوتها كالمنزوية وراء كلام الشاعر ومعاني ألفاظه، لا تزاحمها بالجلبة والطنة إلى سمعك كما تفعل رنة الكامل ورنة الوافر. وإذ قرأت أبيات متمم، فانظر في أبيات متمم، فانظر في أبيات أوس بن حجر هذه (١): أيتها النفس أجملي جزعًا ... إن الذي تحذرين قد وقعا إن الذي جمع السماحة والنـ ... جدة والحلم والقوى جمعا الألمعي الذي يظن بك الظنـ ... ـن كأن قد رأى وقد سمعا والمخلف المتلف المرزأ لم ... يمتع بضعفٍ ولم يمت طبعا (٢) والحافظ الناس في تحوط إذا ... لم يرسلوا تحت عائذٍ ربعا (٣) وعزت الشمال الرياح إذا ... بات كمي الفتاة ملتفعا (٤) وشبه الهيدب العباب من الـ ... أقوام سقبا ملبسا فرعا (٥) وكانت الكاعب المخبأة الـ ... حسناء في زااد أهلها سبعا

стр. 440

أودى فما تنفع الإشاحة من ... شيءٍ لمن قد يحاول البدعا ليبكك الشرب والمدامة والـ ... فتيان طرا وطامعٌ طمعا وذات هدمٍ عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا (١) والحي إذ حاذر الصباح وإذ ... خافوا مغيرًا وسائرا تلعا وازدحمت حلقتا البطان بأقـ ... وام وجاشت نفوسهم فزعا فقس أبيات أوسٍ هذه إلى جنب أبيات متمم وهي من المنسرح، تجد أن نغمها شديد الوضوح، ظاهر الجلبة، لا ينزوي وراء كلام الشاعر، وإنما يسارع إلى السمع معه. وكأن قصيدة أوس هذه كان أريد منها النوح والتعداد قبل كل شيء. ولا تكاد تحس فيها من العمق ما تحسه في كلام متمم. فكلام متمم مع هدوئه يجرح في أعماق القلب، ويكاد يلذعك منه حر الزفرات والأنات. ولكن كلام أوس مع ما فيه من التفجع لا يبلغ ذلك المبلغ. ولا تقل لي إن هذا الاختلاف منشؤه اختلاف المعاني والأغراض، وليس ناشئًا من اختلاف بين جوهري الطويل والمنسرح. فلست أدفع أن الشاعرين قد اختلفت أغراضهما وإنما أزعم أن ذلك الغرض الذي أراده متمم ما كان ليظهر إلا في الطويل. وإن الغرض الذي أراده أوس لا يستقيم على الطويل البتة لما فيه من قصد النياحة والتعداد وإظهار اللوعة لا إخفائها، وهي متمكنة فاضحة، كما تجد عند متمم. ولا أوضح في البرهان على هذا الزعم من أحيلك على ما ذكرته من رثاء لبيد لأربد أخيه في المنسرح، ورثائه له في الكامل، ورثائه له في الطويل، فقد سبق أن ذكرت لك أن مرثيته المنسرحية: أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد

стр. 441

نائحة ظاهرة النياحة، وهي تجري من هذا الوجه مجرى عينية أوس، وإن كان النوح فيها أصدق وأحر. ومرثيته الكاملية: طرب الفؤاد وليته لم يطرب ... وعناه ذكرى خلة لم تصقب صلبة عنيفة، وهي تفارق من هذه الناحية، مذهب النوح وتسلك مسلك المرارة وإظهار الجزع. وتشبهها في هذه الناحية مرثية أبي ذؤيب: أمن المنون وريبها تتفجع ... والدهر ليس بمعتبٍ من يجزع إلى قوله: وتجلُّدي للشامتين أُريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع غير أن مرثية أبي ذؤيب تنتهج بعد ذلك منهجًا فاترًا لا روح فيه. وقد سبق الكلام على ذلك في عرض الحديث عن البحر الكامل. أما عينية لبيد الطويلة: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع فهي أدخل في باب الرثاء المحض والحزن العميق من كلتا المرثيتين الدالية والبائية. وترى الشاعر فيها يحاول أن يخفي لوعته وجزعه، ويأبي ذلك إلا أن يتضح من أثناء تأملاته البعيدة الغور. ولا تكاد تحس لوزنها إلا انسجامه مع اللفظ والمعاني في لطف وخفاء وهو بذلك يكسب الأداء جلالة وتؤدة تلائم مقام الأسف على فقدان الأخ المرموق. ألا ترى إلى شاعرٍ واحدٍ وهو لبيد كيف نوع أوزانه حين اختلفت أغراضه، واختار الطويل لأسماها وأرفعها جميعًا وأقيمها من الناحية الفنية وأبلغها في التأثير.

стр. 442

وتجري مجرى عينية لبيد ومتمم في منحاهما الجليل النبيل الموجع، دالية دريد ابن الصمة في أخيه التي مطلعها: أرث جديد الحبل من أم معبد وهي مشهورة، ورائيته: يقولون لي هلا بكيت وقد أرى ... مكان البكا لكن بُنيت على الصبر فقلت أعبد اله أبكي أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر وعبد يغوثٍ تحجل الطير حوله ... وعز المصاب حثو قبرٍ إلى قبر فإما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واترٍ يسعى بها آخر الدهر فأنا للحم السيف غير نكيرةٍ ... ونلحمه حينًا وليس بذي نكر يُغار علينا واترين فيشتفي ... بنا إن أُصبنا أو نغير على وتر فهذا الكلام بين النبل، بعيد الغور، مفعم بمعاني الوجه تحسه رائثًا. وفيه من معاني العنف ما يعجز عنه العجل. ووازن بين كلام طرفة في المعلقة حيث يقول: يلوم ولا أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن معبد على غير شيءٍ قلته غير أنني ... نشدت فلم أُغفل حمولة معبد وقربت بالقربى وجدك إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهد وإن أدع للجلّى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد بلا حدثٍ أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي (١) فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدي

стр. 443

ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسال أو أنا مفتدى وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهند وكلام أبي تمام في إحدى ميمياته حيث يقول يذكر خروج تغلب على عمرو بن طوق التغلبي: مالي رأيت ثراكم يبسًا له ... مالي أرى أطوادكم تتهدم ما هذه القربى التي لا تتقى ... ما هذه الرحم التي لا تُرحم حسد العشيرة للعشيرة قرحةً ... تلدت وسائلها وجرحٌ أقدم تلكم قريشٌ لم تكن آراؤها ... تهفو ولا أحلامها تتقسم حتى إذا بُعث النبي محمدٌّ ... فيهم غدت شحناؤهم تتضرم عزبت حلومهم وما من معشر ... إلا هم منهم ألبُّ وأحزم إن تذهبوا عن مالكٍ أو تجهلوا ... نعماه فالرحم الضعيفة تعلم كانت لكم أخلاقه معسولةً ... فتركتموها وهي ملحٌ علقم حتى إذا أجنت لكم داواكم ... من دائكم إن الثقاف يقوم فقسا لتردجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحم وبين قوال العدواني حيث يقول: عذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضًا ... فلم يبقوا على بعض وفيهم كانت الحكا ... م والماضون بالقرض وفيهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض ومنهم حكمٌ يقضي ... فلا ينقض ما يقضي فهذه الكلمات الثلاث جميعها في موضوع واحد وهو تشقق الرحم، وظلم ذوي القرابة بعضهم بعضًا. ولكن مسالك الشعراء الثلاثة اختلفت بحسب الأغراض التي

стр. 444

أرادوها. فطرفة أراد التظلم، فجاء شعره مرًا محضًا، مفعمًا بمعاني الغيظ، وأبو تمام أراد التبكيت والتوبيخ، فأخرج كلامه مخرج الخطابة والعظة. وذو الإصبع أراد التحسر لحال قومه، فجرى كلامه مجرى الغناء الحزين، على أن فيه نفسًا من التذكير والعظة. ولعلك تحس أن كلامي العدواني وأبي تمام متقاربان متشابهان. وأزعم أن أكبر قسط من التشابه راجع إلى ما بين الهزج والكامل من شبه في خفة الجرس، وكلام طرفة مباينٌ للكلامين كل المباينة. وأكاد أجزم أنه لو أجراه على الكامل ما صلح، لأن روحه روح وجعٍ وألم يسيل مسيل النهر الكثير الماء، وهذا لا يصلح له بالكامل بجرسه الذي يناسب الرقص والترنم والزجر وما إلى ذلك. ولا الهزج يصلح له لأنه بحر خفيف قصير، ولا الرمل ولا الرجز لقرب غورهما وعلو جرسهما. وإنما يصلح له الطويل لامتداد نفسه وخفاء جرسه. ولأمر ما فضل الشعراء الأولون بحر الطويل على غيره في باب القصص المتصل بماضيهم وأخبارهم وأساطيرهم وملاحم قبائلهم في الأزمان السالفة، فإن حظه من ذلك هو الأوفر بالنسبة إلى غيره من البحور. ومنحى الشعراء فيه يناسب معاني التغني بجلالة الماضي وعنصر القصص والنعت فيه من الطراز الذي يدعو السامع لأن يُصغي ويتفهم قبل أن يهتز ويرقص كما في متقاربيات الأعشى. وشعر السير والأخبار كثيرًا جدًا في العربية، وربما خُيل لبعض الباحثين أن ليس في الاستشهاد به كبير غناء، لأن أكثره متكلف منتحل لا يصلح للاستشهاد. وهذه الحجة -مع فرض التسليم بطرف منها وهو الانتحال- باطلةٌ، لأن القاص المنتحل، كغير المنتحل، يتعمد أصلح البحور لقصصه، ومن غرائب الاتفاق أن يجمع أكثر المنتحلين على اختيار الطويل. أليس في هذا ما يدل على أن الأوائل كانوا يتقصدون هذا البحر دون غيره؟ أم ليس في خفاء جرس هذا البحر واعتداله وطول نفسه ما يعين على القصص؟ على أننا لا نسلم بأن إشعار السير والملاحم والأساطير في جملتها منتحلة.

стр. 445

فالمنتحل منها وإن كثر يمكن تمييزه ونقده. وللنقد العلمي المتقن مقاييس وأمور يُعرف بها الصريح من الهجين، أهمها الأسلوب ثم الرواية الصحيحة. والراجح أن الرواية الصحيحة في باب الشعر كانت تُعوّل على ما سطر في كتب الأولين أكثر مما تعوّل على مجرد الحفظ المتوارث من جيل إلى جيل (١). وقد كانت العرب تلقى القصص في أشعارها على سبيل التلميح والإشارة، وتفترض أن السامع عالم بالتفاصيل والحوادث- ولا تكاد تشدّ عن هذا المنهج إلا في أوصاف الوحش، فقد كانت لها فيه طريقة واحدة متفق عليها، تجدها في أشعار هذيل وأشعار لبيد والشماخ، وحتى في أشعار الأخطل وذي الرمة والكميت والطرماح من المتأخرين ولا يخالجني شك في أن أوصاف الوحش لم يكن يراد منها في الأصل مجرد الوصل أو مجرد القصص، وإنما كانت لها قيمةٌ رمزية تقليدية اتصلت اتصالاً وثيقًا بمبنى القصيدة القديمة، وربما كان كل ذلك يرجع في أصله الأول إلى مرجع ديني وثني موغل في الأولية. وسائر قصص العربية الوارد في الشعر تلميح وخطف، مثال ذلك قافية تأبط شرًا التي في أول المفضليات، فالشاعر فيها يفترض أنك كنت معه إذ نجا من بجيلة، وكرائية الحارث بن وعلة الجرميّ، التي يصف فيها فراره يوم الكلاب الأول، وكقصيدة عروة بن الورد الرائية التي يذكر فيها كيف خدع فرهن امرأته، حيث يقول:

стр. 446

سقوني الخمر ثم تكتفوني ... عبداة الله من كذبٍ وزور والأمثال على ذلك أكثر من أن تحصى. وليكاد المرء يجزم أن الشعر القصصي الذي ينسب إلى الجاهلية ثم يتوفر فيه التفصيل وحبك القصة حبكًا تامًا، لابد أن يكون منتحلاً، مثال ذلك الكلمة المنسوبة إلى الحطيئة: وطاوى ثلاثٍ عاصب البطن مرملٍ ... ببيداء لم يعرف بها ساكنٌ رسما ولكأن العرب كانت تروي أخبارها منثورة، ثم تذكر بعد ذلك أقوال الشعراء لتثبتها وتقررها وتدونها -فمعرفة القصة تفترض أولاً، ثم يأتي الشعر عليها كالتعليق- وهكذا طبيعة الشعر العربي الجيد كما وصفها أبو عبادة البحتري فأحسن: والشعر لمحٌ تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه وكما قال عبد الله بن المعتز: إن ذا الشعر فيه ضيق نطاقٍ ... ليس كل الكلام بما شاء قالا يُكتفى فيه بالخفي من الوحي ... ويحتال قائلوه احتيالا وهذه الطريقة العربية القديمة أثرها واضحٌ في كتب الإخباريين الإسلاميين وربما كان أثرها عظيمًا في تشجيع المنتحلين على الانتحال ليستدلوا به على صدق أخبارهم. هذا ولما كان البحر الطويل رحيب الصدر، طويل النفس فإن العرب قد وجدت فيه مجالاً أوسع للتفصيل (في داخل نطاق التلميح والإشارة) مما كانت تجد في غيره من الأوزان. ولهذا فقد كان أصلح من غيره لتسجيل الأخبار والأساطير. وربما اتفق لشاعر فيه أن يذكر أهم معالم القصة كما اتفق لقيس بن العيزارة الهذلي (ديوان

стр. 447

هذيل الأول- أوروبا) في عينيته التي وصف فيها روعته عندما أسرته بنو فهم، قال (١): غداة تنادوا ثم قاموا وأجمعوا ... بقتلي سلكي ليس فيها تنازع وقالوا: عدو لا هوادة عنده ... وهاجٍ لأرحام العشيرة قاطع فقلت لهم شاءٌ وجاملٌ ... فكلكم من ذلك المال شابع ويأمر بي شعلٌ لأقتل مقتلاً ... لعمر الإله بئس ما أنت صانع إلى أن يقول: وقال نساءٌ لو قُتلت لساءنا ... سواكنٌ ذو الشجو الذي أنا فاجع رجالٌ ونسوانٌ بأكناف بيشةٍ ... إلى حثنٍ تلك العيون الدوامع وهذه القصيدة مع اشتمالها على تفاصيل مهمة تترك لك جانبًا كبيرًا لتعرفه عن السكري وأشياخه كما في قوله: فويل أم بزجرٌ شعلٌ على الحصى ... ووقر بز ما هنالك ضائع فهذا البيت لا تدرك معناه إلا إذا كنت قد علمت بدءًا أن تأبط شرًا (شعلاً) كان رجلاً قصيرًا، وكان قد استلب سيف قيس وتقلد به، وجعل يخطر به، وكان السيف أطول من تأبط شرًا، فجعل ينجر على الأرض. ومثل هذه التفاصيل التي تعطيك المعالم، وتترك بعد ذلك لك جانبًا عظيمًا، لا سيما إن كنت تعرف القصة، فيها ذخيرةٌ واسعة من الفن، وغذاء للعقل المتأمل وقد كانت العرب. بحق ترى في تاريخها وأساطيرها وأخبار وقائعها مادةً للتفكر والتأمل والعظة

стр. 448

وكان إيثارها للطويل في هذا المضمار توفيقًا عظيمًا. تأمل مثلاً، قول الأخنس بن شهاب التغلبي (المفضليات): لكل أناسٍ من معد عمارةٌ ... عروضٌ إليها يلجئون وجانب لكيزٌ لها البحران والسيف كله ... وإن يغشها بأسٌ من الهند كارب تطاير من أعجاز حوش كأنها ... جهامٌ أراق ماءه فهو آئب وبكرٌ لها بر العراق وإن تشأ ... يحل دونها من اليمامة حاجب وصارت تميمٌ بين قف ورملةٍ ... لها من جبالٍ منتأى ومذاهب وكلبٌ لها خبتٌ ورملة عالجٍ ... إلى الحرة الرجلاء حيث تحارب وبهراء حقًا قد علمنا مكانهم ... لهم شركٌ حول الرصافة لاحب وغارت إيادٌ بالسواد ودونها ... برازيق عجم تبتغي من تضارب ونحن أناسٌ لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث مع ما نلفى ومن هو عازب فهذا موجز لتاريخ العرب من بني عدنان، ولم يكن القصد منه مجرد تعداد القبائل. وإنما كان يرمي الشاعر ليستثير في ذهن السامع أخبار الأيام والتواريخ. وبيته الأخير وإن كان ينزع منزع الفخر فيه إشارة واضحة إلى أن تغلب قد أُجلوا من ديارهم بعد يوم قضة، فصاروا يتجولون بنواحي الجزيرة. وقد جعل الشاعر من هذا موضعًا للفخر، إذ ذكر أنهم قومٌ لا حجاز بأرضهم، وإنما حجازهم السيوف. وهذا الفخر لا يخفى ما تحته من تحسر على أيام كانت تغلب بتهامة، وكانت فيها شوكة ربيعة. وقد أحس أبو عبيد البكري بما في هذه الأبيات من قيمة تاريخية، فجعلها خاتمة لفصله الطويل عن أخبار ربيعة في مقدمة كتابه معجم

стр. 449

ما استعجم (١). وهاك مثالاً آخر من شعر القبلية والملاحم: قال عمرو بن الخثارم الأنماري يذكر خروج بجيلة وخشعم ابني أنمار إلى السراة وخبر إجلائهم عنها بني ثابر من العرب العاربة (٢): نفينا كأنا ليث دارة جلجل ... مدل على أشباله يتهمهم فما شعروا بالجمع حتى تبينوا ... بنية ذات النخل ما يتصرم شددنا عليهم والسيوف كأنها ... بأيماننا غمامة تتبسم وقاموا لنا دون النساء كأنهم ... مصاعيب زهر جللت لم تخطم ولم ينج إلا كل صعلٍ هزلجٍ ... يخفف من أطماره فهو محرم ونلوي بأنمار ويدعون ثابرًا ... على ذي القنا ونحن والله أظلم حبيبية قسرية أحمسية ... إذا بلغوا فرع المكارم تمموا منحنا حقالاً آخر الدهر قومنا ... بجيلة كي يرعوا هنيئًا وينعموا وكقول ثعلبة بن غيلان يذكر خروج إياد من تهامة (٣): بها قطعت عنا الوذيم نساؤنا ... وخرست الأبناء فيها الخوارس إذا شئت غناني الحمام بأيكةٍ ... ولي سواءٌ صوتها والعرانس تجوب بنا الموماة كل شملةٍ ... أذا أعرضت منها القفاز البسابس

стр. 450

فيا حبذا أعلام بيشة واللوى ... ويا حبذا أخشافها والجوارس أقامت بها جسر بن عمر وأصبحت ... إياد بها قد ذل منها المعاطس (١) تبدل دعمي بدعوى أخيهم ... سباسب آلٍ تحتويها الفوارس والملاحم المتصلة بخروج إياد من الجزيرة وحروبهم مع العجم كثيرة، وروايتها من الدقة والصحة بحيث لا يكاد الشك يتطرق إليها، ولا ريب أن بعضها كان مكتوبًا كخبر لقيط الإيادي. وفيها معين خصب للباحث في عادات الجاهلية وطبائعها، أذكر من ذلك على سبيل المثال خبر قتالهم لكسرى أنو شروان وذبحهم الضحية البشرية قبل بدء المعركة. وقد اتلأب تحبير القصص الملحمي الشعري في الطويل في صدر الإسلام وعهود بني أمية، ووجد من أيام صفين والجمل، والفتن التي تلتهما معينًا ثرًا يستمد منه. ولا تكاد صفحةٌ من كتاب صفني لنصر بن مزاحم تخلو من بيت طويل. بلى، إن رواة الشعر والأخبار أجمعوا كلهم على أن علي بن أبي طالب لم يصح له من الشعر إلا قوله يمدح صاحب لوائه على ربيعة: لمن رايةٌ خضراء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمها حضين تقدما فقدمها حمراء حتى يرد بها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما وهذان البيتان من الطويل، وحضين هذا هو ابن المنذر من سادة ربيعة، وعمر عمرًا طويلاً.

стр. 451

ومن خير ما يروونه من ملاحم صفين قول العبسي يذكر قتله لمحمد بن طلحة السجاد: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم يُذكرني حم والرمح دونه ... فهلا تلاحم قبل التقدم ضممت إليه بالسنان ثيابه ... فخر صريعًا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًّا ومن لا يتبع الحق يندم وفي هذه الميمية نفسٌ من كلمة جابر بن حنى التغلبي صاحب امرئ القيس التي يقول فيها: نطيع ملوك الأرض ما قصدوا بنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم وقد نظم الخوارج جل شعرهم في الطويل، وما أحسب ذلك إلا لأنهم وجدوا في نغمه الصلاحية للجد الصريح الذي لا تفسده قعقعةٌ ولا جلبة. وقد سلم لهم فيه كلام ملحميّ غايةٌ في الجودة، نحو ميمية قطري المشهورة: فيا كبدا من غير جوعٍ ولا ظما ... ويا كبدا من حب أم حكيم فلو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم ونحو كلمة يزيد بن حبناء: كفى العدل إن العيش ليس بدائم ... ولا تعجلي باللوم يا أم عاصم فإذا عجلت منك الملامة فاسمعي ... مقالة معنيّ بحقك عالم ولا تعذلينا في الهدية إنما ... تكون الهدايا من فضول المغانم ولم يرد أن الهدايا تكون مما يفضل من الغنائم، وإنما أراد أن الهدايا تكون من المغانم التي هي فضول، فأضاف الصفة إلى الموصوف، وهذا مذهب مستقيم في العربية.

стр. 452

ثم إن الشاعر بعد أن اعتذر بأنه لم يغنم مالاً فيهدي منه، أردف ذلك باعتذار آخر ذكر فيه أنه كان مشغولاً بجلاد الأبطال، والدفاع عن حوزة الدين، وأن ذلك لم يُفرغه إلى جمع المغانم من ثياب وعرض زائل، وذلك حيث يقول: لقد كان في القوم الذين لقيتهم ... بسولاف شغل عن بزوز اللطائم توقد في أيديهم زاعبية ... ومرهفة تفري شئون الجماجم ومما يجري مجرى أشعار الخوارج في ذكر الملاحم، قصائد الشيعة المكتمات، وقد روي لنا الطبري بائية طويلة منها منسوبة إلى أعشى همدان، وفيها من التفصيل القصصي ما يخالف مذاهب العرب، كما أن أسلوبها في جملته لين ضعيف، وقد كانت كثير من أشعار الإسلاميين في الكوفة والعراق تشكو هذا الضعف. وأجود من ملاحم الشيعة تلك الطويليات الروائع المنسوبة إلى عبيد الله بن الحر، وهي أشبه بشعر الخوارج في صلابتها، وتمهل جرسها ودلالتها على الإقدام والبسالة، من ذلك كلمته التي مطلعها: يقول أمير غادرٌ حقُّ غادر ... ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة وهذه الكلمات كلها مذكورة في تاريخ الطبري (الجزء الرابع والخامس) واختار الفرزدق وجرير بحر الطويل لقصائدهما المطولة التي ذكرا فيها ملاحم القبائل، كالميميات، وكحائية جرير في هجو الأخطل، وفائية الفرزدق، واتبعهما في هذا المسلك بشارحين عرض لمدح مروان بن محمد في بائيته التي يقول فيها: إذا الملك الجبار صعر خده ... مشينا إليه بالسيوف نضاربه وميميته: أبا جعفرٍ ما طيب عيشٍ بدائم ... ولا سالم عما قليل بسالم

стр. 453

على الملك الجبار يقتحم الردى ... ويفجؤه في الجحفل المتلاحم تقسم كسرى رهطه بسيوفهم ... وأمسى أبو العباس أحلام نائم عنى به فيما زعموا الوليد بن يزيد، وكان يكنى بالعباس، وربما يكون قد عني أبا العباس السفاح، ثم لما حوّل القصيدة في هجاء أبي مسلم فسر التفسير الذي ذكره الرواة. ومروان قد دارت على رأسه الرحا ... وكان لما أجرمت نزر الجرائم وقد ترد الأيام بيضًا وربما ... وردن كلوحًا حاسرات العمائم فرم وزرًا ينجيك يا بن سلامةٍ ... فلست بناجٍ من مضيمٍ وضائم وقد حاول أبو تمام هذا النهج الملحمي في بعض طويلياته كما فعل في كلمته: على مثلها من أربع وملاعب ... أُذيلت مصونات الدموع السواكب ولكنه كان بطبعه ميالاً إلى الطنطنة والدندنة، والطويل قلما يصلح لذلك، وطويليات أبي تمام في جملتها ليست من بارع شعره- وإن كان قد سلمت له في هذا البحر أبيات في غاية الجودة، كقوله في الشعر: ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أُعقبت بسحائب وكقوله: وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك من كل جاذب بأنك لما اسحنكك الأمر واكتسى ... أهابي تسفي في وجوه التجارب تجللته بالرأي حتى أريته ... به ملء عينيه مكان العواقب وقد كان أبو تمام ﵀ يجترئ على أمثال «اسحنكك» و «اطلخم»، مما عده

стр. 454

المتأخرون متنافرًا وحشيًا، لثقته بملكته في العربية وحرصه على مذهب الأوائل في الرصانة. وقد وُفق البحتري في الطويل أكثر من أبي تمام، وهذا وحده يدل على أنه كان أقوى طبعًا منه، وأقعد في باحة الشعر، وأخصب جنابًا من صاحبه. لأن الطويل ميدان الوصف والملحمة والتأمل والبلاغة الحرة، من غير ما اعتماد على دندنة النغم، وجلبة التفاعيل. وناهيك بعينيته في حرب تغلب: منى النفس من أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادةٍ وولوعها وقد تحدث عنها الدكتور طه حسين بما لا مزيد عليه في كتابه من حديث الشعر والنثر فليرجع إليها هناك. وقصيدة البحتري في وصف الذئب من روائع الكلام، وفيها قد جلى عن تملكه لعنان الألفاظ أيما تجلية، وما أحسب النابغة لو سمعها كان يستنكف أن تنسب إليه، من حيث رصانتها وقوة طبعها. وهي مشهورة، وقد أوردها أصحاب المنتخب في أدب العرب. والوصف الملحمي فيها بين واضح. ومن روائع البحتري في الطويل قوله في الفتح بين خاقان يصف لقاءه للأسد. قال (١): وقد جربوا بالأمس منك عزيمةٍ ... فضلت بها السيف الحسام المجربا غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يُحدد نابًا للقاء ومخلبا يحصنه من نهر نيزك معقل ... منيع تسامى روضه وتأشبا يرود مغارًا بالظواهر مكثبًا ... ويحتل روضًا بالأباطح معشبًا يُداعب فيه أقحوانًا مفضضًا ... يبص وحوذانا على الماء مُذهبا إذا شاء غادى عانةً أوغدا على ... عقائل سربٍ إن تقنص ربربا

стр. 455

يجر إلى أشباله كل شارقٍ عبيطًا مدمى أو رميلاً مخضبًا ومن يبغ ظلمًا من حريمك ينصرف ... إلى تلفٍ أو يُثن خزيان أخيبا شهدت لقد أنصفته يوم تنبري ... له مصلتًا عضبًا من البيض مقضبًا فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكًا إذا الهيابة النكس كذبًا هذا البيت من الضرب الرفيع الذي يعجب به أصحاب الاستعارة. وقد ذكر عبد القاهر في أسراره هذا النوع من تثنية المستعار مع المستعار له كأنهما شيء واحد، وأطنب في مدحه واستشهد عليه بقول الفرزدق: «أبى أحمد الغيثين صعصعة الذي» إلخ ... البيت (١) هزبرٌ مشى يبغي هزبرًا وأغلبٌ ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا وقد احسب ابن الأثير (٢) هذا البيت مأخوذًا من كلام بشر بن عوانة «هزبرا أغلبا لاقى هزبرا» ونسى أن بشر بن عوانة من مخترعات الهمذاني، وزمانه بعد زمان البحتري. أدل بشغبٍ ثم هالته صولةٌ ... رآك لها أمضى جنانًا وأشغبا فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا فلم يغنه أن كر نحوك مقبلاً ... ولم يُنجه أن حاد عنك منكبا حملت عليه السف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أو لا تبق للسيف مضربا ألنت لي الأيام من بعد قسوةٍ ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأمسى نازح الدار أجنبا

стр. 456

فلا فزت من مر الليالي براحةٍ ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبًا على أن أفواف القوافي ضوامنٌ ... لشكرك ما أبدى دجى الليل كوكبا ثناءٌ تقصّى الأرض نجدًا وغائرًا ... وسارت به الركبان شرقًا ومغربًا فهذا هو الشعر الصريح الناصع. وقد أخلص أبو عبادة المدح، كما أجاد الوصف، كل ذلك في لفظ نقي مهذب مصقول، وقد وازن ابن الأثير بين كلمته هذه وبين كلمة أبي الطيب المتنبي التي يقول فيها: أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا وردٌ إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌ ... في غيله من لبدتيه غيلا ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا يطأ الثرى مترفقًا من تيهه ... فكأنه آسٍ يجس عليلا ويرد عفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا قصرت مخافته الخطا فكأنما .. ركب الكمي جواده مشكولا ألقى فريسته وزمجر دونها ... وقربت قربًا خاله تطفيلا (١) فتشابه القربان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدًا مفتولا ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا وكأنما غرته عين فادنى ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا أنف الكريم من الدنية تاركٌ ... في عينه العدد الكثير قليلا

стр. 457

والعار مضاض وليس بخائفٍ ... من حتفه من خاف مما قيلا خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا سمع ابن عمته به وبحاله ... فمضى يهرول أمس منك مهولا وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا تلف الذي اتخذ الجراءة خطةً ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا ففضل أبا الطيب قائلاً: «وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق، وتتقيه العصبية أذكره، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددًا وأسد مقصدًا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدتيه على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت سوى ذلك. وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيتٍ واحدٍ وهو قوله: أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا ثم إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيأته، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئة مشيئته واختياله، ووصف خلق بخله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء. ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج بذلك في أحسن مخرج وأبرزه في أشرف معنى. وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه. والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك، فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني» (المثل السائر ٤٩٥ - ٤٩٦). وعندي أن ابن الأثير قد جار في الحكم على أبي عبادة. نعم أبو عبادة لا يعطينا من صورة الأسد في هوله وزمجرته وقضقضته وتمرده ما يعطينا المتنبي. ولكن المتنبي قصر في المدح، وأعطى ممدوحه النصيب الأخس في المبارزة. وقوله: «أمعفر

стр. 458

الليث .. البيت» على جماله لا يخرج عن حد المبالغة، إذ نحن نعلم أن بدرًا لم يقتل الأسد وإنما قتله أعوانه، وحتى إذا صح لبدر أنه جدّل الأسد بضربة من سوطه مفاجئة، فليس في ذكر كبير مدح، فالزرافة وهي أجبن من الصافر (١) ترمح الأسد فتلقيه على الأرض، ثم يثب عليها فيمزّقها إربًا إربًا. وقد صرّح المتنبي بأن الذي خذل الأسد ليس بدرًا الممدوح وإنما هو كثرة الأعداء مع عون القدر، وتلمح ذلك في قوله: «أنف الكريم ... البيت». وهذا وقد أربى أبو عبادة على المتنبي بأنه رسم لنا صورة كاملة للأسد وهو ملك في أجمته العاشبة -والأسود تسكن أماكن العشب- وأبرز لنا ألوانها المختلفة ثم ترك لخيالنا أن يتأمل الأسد يخطر بلبدته ولونه الأدهس، مدلاً بقوته وسلطانه. وهذا منهج من القول لا يقوى عليه المتنبي مع ما أوتيه من مقدرة. ثم إن البحتري برّز على المتنبي بصفة المبارزة، وقد أضفى عليها كل ما يستطاع إضفاؤه من الجلالة والرهبة، مع ميل إلى جانب الممدوح وإشادة ببسالته. والمتنبي مال ميلاً بينا إلى جانب الأسد حتى كاد ينسب ميتته إلى القضاء، وذلك قوله «خذلته قوته ... البيت» وقد بلغ من ميل المتنبي مع الأسد أنه تمنى له أن لو كان قد اتخذ الفرار خطة فنجا، ثم اعتذر له بأنه آثر الحمية والحفاظ ودرء العار. وكأن المتنبي تصور نفسه في ذلك الأسد، فنسب إليه من الكرامة والشمم ما كان يدعيه لنفسه. وقد افتضح المتنبي بعد فراغه من نعت المعمعة فلم يستطع أن يقول في ممدوحه شيئًا ألا الكفر والمبالغة التي لا طعم لها، نحو قوله: لو كان علمك باءلاله مقسمًا ... في الناس ما بعث الإله رسولا ولكن البحتري كان كالفرس الجواد، بلغ غاية حضره ثم لم تزل فيه بقيةٌ مصطفاة لممدوحه الكريم يختم بها حر كلامه. على أني لا أبغي أن أتنقص أبا الطيب حقه، فإنه قد أبلغنا صورة مفزعة مرعبة لن نفتأ نعدها على كر الليالي من حسنات

стр. 459

الشعر العربي. ولو كان الغرض الذي نظم فيه الشاعران هو مجرد نعت الأسد لكنت فضلت المتنبي بدون شك. ولكن غرض قصيدتها كان المدح أول من كل شيء (١). ومن إحسان البحتري الذي لا يجاري في الوصف الملحمي، نعته لأسطول المسلمين في أثناء قصيدة مدح بها أحمد بن دينار. قال (٢): غدوت على الميمون صبحًا وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر أطل بعطفيه ومر كأنما ... تشرف من هادي خصانٍ مشهر إذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيبًا في ذؤابه منبر ولا أستحسن عجز هذا البيت على سلامته. إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحًا عقابٍ في السماء مهجر إذا ما اتكا في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء بردٍ محبر وحولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دار عين وحسر تميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتر صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضرابٌ كإيقاد اللظى المتسعر يسوقون أسطولاً كأن سفينه ... سحائب صيف من جهامٍ وممطر وذلك لتفرقها مع كثرتها: كأن ضجيج بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عودٍ مجرجر

стр. 460

وذلك لانتظام الصوت لا لحلاوة النغم. تقارب من زحفيهم فكأنما ... تؤلف من أعناق وحشٍ منفر فمارت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطعةٍ منهم وهامٍ مطير على حين لا نقعٌ تطرحه الصبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطر (١) وهذا البيت الأخير من التفاتات البحتري البارعة، ومن سهله الممتنع. وقد أتيح للطويل بعد البحتري شاعرٌ آخر بلغ به غايات بعيدة في صفات الملاحم وذلك هو أبو الطيب، وشعره في هذا الباب من الكلم البواقي. وقد أنصفه الدكتور طه حسين حق الإنصاف في معراض كلامه عن سيفياته، فلا أجد من طائل في تطويل الكلام بذكر اختيارات منها. وأبو فراس الحمداني قد أحسن في رومياته، إلا أنها أدخل في باب التحسر منها في باب الملاحم، ونعته لمشاهد الحرب وللوقائع فيها ليس بكثير، ولا يبلغ فيه إحسان أبي الطيب.
следующие страницы →