← Адаб

Адаб · id 150936

المرشد إلى فهم أشعار العرب

عبد الله الطيب المجذوب

Полный текст (3 021 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عندك معنى ما قدمته؛ خذ قول النابغة في رائيته: «عوجوا فحيوا لنعم»: رأيت نُعمًا وأصحابي على عجل ... والعيس للبين قد شُدت بأكوار فكان ذلك مني نظرة عرضت ... حينا وتوفيق أقدار لأقدار وقد نكون ونعم لاهيين معًا ... والدهر والعيش لم يهمم بإمرار أيام تخبرني نُعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري أقول والنجم قد مالت أوائله ... إلى المغيب تثبت نظرة حار ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم ضوء نُعم بدا لي أم سنا نار بل ضوء نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين أثواب وأستار تُلوث بعد افتضال البرد مئزرها ... لوثًا على مثل دعص الرملة الهاري (١) والطيب يزداد طيبًا أن يكون بها ... في جيد واضحة الخدين معطار وقد سبق أن استشهدنا ببعض هذه الأبيات، وناهيك بحسنها وما يسيل من جوانبها من رقة الحنين. وهاك مثالاً آخر من شعر القطامي (٢): ما اعتاد حب سُليمى حين معتاد ... ولا تقضي بواقي دينها الطادي (٣) إلا كما كنت تلقى من صواحبها ... ولا كعهدك من غراء وراد (٤) ما للكواعب ودعن الحياة كما ... ودعنني واتخذن الشيب ميعادي أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صُداد (٥)

стр. 527

إذ باطلي لم تقشع جاهليته ... عني ولم يترك الفتيان تقوادي كنية القوم من ذي الغيضة احتملوا ... مستحقبين فؤادًا ماله فاد (١) بانوا وكانت حياتي في اجتماعهم ... وفي تفرقهم موتى واقصادى مُحددين لبرق صاب في خيم ... وبالقرية رادوه برواد ولا يفوتني أن أذكر لك هنا أن الإكثار من أسماء المواضع من مستلزمات النسيب لأنها معالم الذكرى. أرمي قصيدهم طرفي وقد سلكوا ... بطن المجيمر فالروحاء فالوادي يخفون طورًا وأطوارًا إذا طلعوا ... طودًا بدا لي من أجمالهم بادي تأمل هذا الشاعر واقفًا يرقب الظعن، وهي موغلة في الصحراء لا يريم مكانه ليتزود منها أخر نظرة، وكلما غابت عنه وابتلعتها الأهضام جعل يعلل نفسه بأن علل أن تصعد طودًا فتبدو مرة أخرى، ولا يزال هكذا يرقب الأفق حتى يفني الأفق نفسه من أمام البصر. وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيدننا من كل مُصطاد يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه باد فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي ولا حاجة بي أن أدلل أن هذا الكلام حنين محض انتظمه الوزن والقافية. وقريب من أبيات القطامي هذه في الروح والمذهب قول جرير: بأن الخليط ولو طُووعت ما بانا ... وقطعوا من حبال الوصل أقرانًا قد كنت في أثر الأظعان ذا طرب ... مُروعًا من حذار البين محزانًا

стр. 528

لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت ... أسباب دنياك من أسباب دنيانا يا أم عثمان إن الحب عن عرض ... يُصبي الحليم ويبكي العين أحيانًا كيف التلاقي ولا بالقيظ محضركم ... منا قريب ولا مبداك مبدانا يارب عائذة بالغور لو شهدت ... عزت عليها بدير اللج شكوانا إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا يصر عن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانًا طار الفؤاد مع الخود التي طرقت ... في النوم طيبة الأعطاف مبدانًا بتنا قرانًا كانا مالكون لها ... يا ليتها صدقت بالحق رؤيانا قالت تعز فإن القوم قد جعلوا ... دون الزيارة أبوابًا وخزانًا لما تبينت أن قد حيل دونهم ... ظلت عساكر مثل الموت تغشانا ماذا لقيت من الأظعان يوم قنًا ... يتبعن مُغتربًا بالبين مظعانًا أتبعتهم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانًا كأن أحداجهم تُحدي مُقفية ... نخل بملهم أو نخل بقرانا (١) ترمي بأعينها نجدًا وقد قطعت ... بين السلوطح والروحان صوانًا يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكنو الريان من كانا وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من قبل الريان أحيانًا هبت شمالاً فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصفاة التي شرقي حورانا (٢) هل يرجعن وليس الدهر مُرتجعًا ... عيش بها طالما احلولى وما لانا فهذه الأبيات من رقيق النسيب وحلوه، ولا أحسب جريرًا قالها في حادث بعينه،

стр. 529

وجرير فيما رووا كان عفا راعيًا لحقوق الإحصان، وإنما قالها ليفصح بها عما كان يملأ جوانب صدره من حنين إلى أيام الشباب التي قضاها بالبادية، وإلى سويعات السعادة التي اختلسها من سوالف الأيام. وقد يكون موضوع النسيب الحزين الباكي حادثًا من حوادث الغرام الحقيقية وقع للشاعر فيما مضى، كما قد يكون موضوعه توديعًا لحبيب لما تنقطع أواصر العلاقة به، وتكون عاطفة الحنين، ولوعة التذكر أقوى في هذه الحالة. فمثال ذلك كلمة ابن زريق المشهورة، وهي -وإن كان في بعض متنها وهي- جيدة غاية الجودة في جملتها، لا سيما قوله منها: أستودع الله في بغداد لي قمرًا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه وكم تشفع بي ألا أفارقه ... وللضرورة حالاً لا تشفعه ثم يقول فيها يلوم نفسه على ما تجشم من اغتراب: إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه كأنما هو من حل ومُرتحل ... مُوكل بفضاء الله يذرعه والله قدر بين الناس رزقهم ... لم يخلق الله مخلوقًا يضيعه وهذا الشطر الأخير على سذاجته شفاف بصدق العاطفة، ومما يجري هذا المجرى من استعراض الذكريات لأيام الصفو والوصال نونية ابن زيدون المشهورة. ولا تخلو بعض أبياتها من تكلف إلا أن فيها مواضع غاية في الحسن، وقد تأثر ابن زيدون فيها مذهب جرير في نونيته شيئًا ما، ومن أجود ما قاله فيها (١):

стр. 530

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقًا إليكم ولا جفت مآفينا نكاد حين تُناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا إذ جانب العيش طلق من تألفنا ... ومربع اللهو صاف من تصافينا يا ساري البرق غاد القصر واسق به ... من كان صرف الهوى والود يسقينا ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا ... من لو على البُعد حيًا كان يُحيينا واسأل هنالك هل عنى تذكرنا ... إلفًا تذكره أمسى يعنينا ربيب مُلك كأن الله أنشأه ... مسكًا وقدر إنشاء الورى طينًا يا روضة طالما أجنت لواحظها ... وردًا جلاه الصبا غضًا ونسرينا كأننا لم نبت والوصل ثالثنا ... والسعد قد غض من أجفان واشينا سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا أما هواك فلم نعدل بمنهله شُربًا ... وإن كان يُروينا فيظمينا (١) لم نجف أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه ولم نهجره قالينا نأسى عليك إذا حُثت مشعشعة ... فينا الشمول وغنانا مغنينا لا أكوس الراح تبدي من شمائلنا ... سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا عليك منا سلام الله ما بقيت ... صبابة بك نخفيها فتخفينا

стр. 531

فهذا كلام يجمع -إلى صدق العاطفة- سلامة الذوق وتهذيبه، وفيه رقة الحضارة وتهذيبها، ونعمة الملك، وأبهة الإمارة. ولابن زيدون في ولادة بنت المستكفي، بسيطيات كلها تجري هذا المجرى الرفيع الناعم الحواشي. من ذلك قوله (ديوانه ١٠٩): كيف اصطباري وفي كانون فارقني ... قلبي وها نحن في أعقاب تشرين شخص يذكرني فاه وغرته ... شمس النهار وأنفاس الرياحين وإن بُعدت وأضنتني الهموم فقد ... عهدته وهو يُدنيني فيسليني والله ما فارقوني باختيارهم ... وإنما الدهر بالمكروه يرميني وما تبدلت حُبًا غير حبهم ... إذا تبدلت دين الكفر من ديني أفدي الحبيب الذي لو كان مقتدرًا ... لكان بالنفس والأهلين يفديني وبحسبنا هذا القدر من الاستشهاد على ما في البسيط من الصلاحية لتقبل العنيف والرقيق الباكي من الكلام. وأحسب السر في صلاحيته لهذين النقيضين هو أن نغمه يتطلب عاطفة قوية -أنى كان نوعها- يعبر عنها الشاعر تعبيرًا خطابيًا جهيرًا، ويلزم مع ذلك جانب الجلالة والرفعة. وهاتان الصفتان هما اللتان تجمعان بينه وبين الطويل. هذا، والبسيط بحر مُعرض عنه بين المعاصرين، لا يكاد ينظم فيه إلا من يُدعون بأصحاب المدرسة القديمة. وهذا أمر يثير الأسف، لأن وزن هذا البحر جميل لا يستأهل الإهمال (إن لم يُتح له مكان الصدارة)، وفي نغمه اتساع للكلام القوي، والعواطف الحرة. وقد أكثر منه المرحوم شوقي (من بين طبقة المعاصرين الأولى) ولكن معظم نظمه فيه من الضرب المتوسط بما في ذلك نونيته التي جارى بها ابن زيدون: يا نائح الطلح أشباه عوادينا ... نشجي لواديك أم نأسى لوادينا (١)

стр. 532

وهو طويلة جدًا، وقد اشتط فيها في محاكاة ابن زيدون، فقصر ذلك به عن غاية الإجادة. ذلك بأن المُجاري ينبغي أن يكون له كلام من عند نفسه فيجاري ويباري، أما أن يتكلف الوزن والقافية وما يتبع ذلك من وشي البيان والبديع، ثم يعمد إلى معاني النموذج الذي احتذاه فيسلخها، فليس بمجاراة ولا مباراة، وإنما هو تكلف وصناعة. وأجود ما جاء في نونية شوقي هذه هو قوله: ماذا تقص علينا غير أن يدًا ... قصت جناحك جالت في حواشينا (١) رمى بنا البين أيكا غير سامرنا ... أخا الغريب وظلا غير وادينا آهًا لنا نازحي أيك بأندلس ... وإن حللنا رفيفًا من روابينا وقال في مصر: على جوانبها رفت تمائمنا ... وحول حافاتها قامت رواقينا (٢) ملاعب؟ ؟ ؟ فيها مآربنا ... وأربع أنست فيها أمانينا بنا فلم نخل من روح يراوحنا ... من بر مصر وإحسان يغادينا كأم موسى على اسم الله تكفلنا ... وباسمه ذهبت في اليم تُلقينا فهذا جيد القصيدة، وهو كما ترى متوسط وفيه حشو كثير. ولحافظ كلمات في البسيط [منها مرثيته لمحمود سامي الباردوي، «ديوانه ٢: ٣١»] هي دون كلمات شوقي بكثير.

стр. 533

وأفحل الذين تعاطوا هذا البحر من شعراء العصر المتقدمين هو محمود سامي البارودي، بلا أدنى ريب، وله فيه روائع خالدة، أذكر منها على سبيل المثال قوله (١): يا حبذا جرعة من ماء محنية ... وضجعة فوق برد الرمل بالقاع يا هل أراني بذاك الحي مُجتمعًا ... بأهل ودي من قومي وأشياعي\ منازل كنت فيها في بُلهنية ... ممتعًا بين غلماني وأشياعي إذا أشرت لهم في حاجة بدروا ... قضاءها قبل أن يرتد إلماعي يخشى البليغ لساني قبل بادرتي ... ويُوعد الجيش باسمي قبل إيقاعي فاليوم أصبحت لا سهمي بذي صرد ... إذا رميت ولا سيفي بقطاع أبيت في قُنة قنواء قد بلغت ... هام السماك وفاتته بأبواع يستقبل المزن ليتيها بوابله ... وتصدم الريح جنبيها بزعزاع (٢) يظل شمراخها يبسًا وأسفلها ... مكللاً بالندى يرعى به الراعي تكاد تُلمس فيها الشمس دانية ... وتحبس البدر عن سير وإقلاع أظل فيها غريب الدار مُبتئسًا ... نابي المضاجع من هم وأوجاع لا في سرنديب خل أستعين به ... على الهموم إذا هاجت ولا راعي يظنني من يراني ضاحكًا جذلاً ... أني خلي وهمي بين أضلاعي لكنني مالك حزمي ومنتظر ... أمرًا من الله يشفي برح أوجاعي فإن في مصر إخوانًا يسرهم ... قربي ويعجبهم نظمي وإبداعي فهذا كلام حر فحل جزل، ومثله عزيز نادر، وقد كان شعر الباردوي ﵀ كله من هذا القري.

стр. 534

هذا، ولم تجيء في الشعر العصري قصيدة من هذا النفس العالي بعد موت البارودي إلا أشياء نادرة، منها رائية المرحوم فؤاد بليبل التي في أول ديوانه، ومسلك الجزالة فيها بين، وإن كان لا يبلغ هذا المبلغ (١). ومنها أيضًا بائية الشيخ حمزة فتح الله: «حمد السرى يا أخي العود والناب» (٢) وهي قوية رصينة يغلب عليها مذهب العلماء. وقد وصف فيها الشيخ حمزة رحلته إلى نروج وجاء فيها بكثير من الغريب، ولكنه مع ذلك كان بين الصدق، وحار العاطفة. وأحسب إيراده للغريب فيها هو في ذاته نوع من الصدق، لأن الرجل قد كان محبًا للغة العرب كلفًا بأوابدها. وقد وفق جدًا في نعت السفر، والقصيدة في جملتها ناصعة خالية من تلفيق الألفاظ ورصها من غير ما ذوق. وتجري مجرى قصيدة الشيخ حمزة هذه نونية للشيخ الطيب السراج [من علماء السودان] مدح بها الإمام يحيى عاهل اليمن ﵀، وتعرض فيها لصفة البحر وقد أنشدني الأخ الفاضل الأديب الدكتور محمد الحسن أبو بكر طرفًا منها، فعلق منه بذاكرتي قوله: يأيها الملك المرجو نائله ... والمستغاث به في مُخلف المُزن (٣) إليك جئت من السودان ترفعني ... إلى لقائك أشواقي وتخفضني مهاجرًا من بلاد الشرك ليس لنا ... عنها مراغمة إلا إلى اليمن أهل المصانع من غُمدان تحسبه ... إذا دجا الليل سح العارض الهتن (٤)

стр. 535

ومن ذمرمر أو صرواح أو هكر ... أو أهجر الهجر أو ناهيك من فدن (١) أو ذاك بيون أو ذا موكل وهنا ... سلحين أو تلعم أو دورم العنن هكذا أنشدنيه، «تلعم» بالعين أخت الغين، و «دورم» بفتح الدال وإسكان الواو (٢). وجاء منها في صفة البحر: جزعته بأمون جسرة أجد ... عُبر الهواجر من شيزي ذرا حضن (٣) كأنما الجيش لاقى الجيش فاضطربوا ... إذا تلاطمت الأمواج بالسفن والأبيات التي ذكرتها فيها غريب كثير. وهي مع ذلك جيدة. والشيخ السراج كالشيخ حمزة شديد الغرام باللغة القديمة، شديد النفور من بهرج المدنية الحديثة، ألا تراه يسميها شركًا في قوله «مهاجرًا من بلاد الشرك» (٤)، والسودان بعد لم ير من شمس الحضارة المعاصرة إلا بصيصًا خافتًا؟

стр. 536

وإلى هنا أمسك بالقلم عن الحديث في بحر البسيط. ونكون بذلك قد استوفينا جميع البحور التي ذكرها أصحاب العروض، وظل عليها مدار الشعر العربي منذ عهد طويل. ولله الحمد أولاً وأخيرًا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

стр. 537

خاتمة تحدثنا، أيها القارئ الكريم، فيما سبق، عن كل ما يتعلق بموسيقا الشعر ونظمه، من حيث القوافي وأنواعها، وعيوبها ومحاسنها، ومن حيث الأوزان والبحور وتفاعيلها وأجناسها وما يتفرع منها، وما تصلح له من قريان القول وتجنبنا في كل ذلك، ما استطعنا، أن نرهقك بالمصطلحات العلمية، والقواعد الكثيرة التي أثقل بها العلماء كأهل العروض، وبقيت ناحية واحدة مهمة من نواحي الموسيقا الشعرية لم نحدثك عنها، وهي ناحية الجرس اللفظي. وأنت تعلم أن الجرس اللفظي مهم جدًا في إبراز موسيقا الأوزان؛ كما أنه مهم جدًا من حيث إنه المكون للكلمات التي يكون بها أداء الشاعر، وعن طريقها تظهر المعاني التي يقصد إليها. وبما أن الناقد لا يستطيع أن يفصل الألفاظ عن معانيها ودلالاتها إلا متكلفًا متعنتًا، فقد آثرنا أن نؤجل الحديث عن الجرس اللفظي إلى حين نتكلم عن ناحيتي اللفظ والمعنى في الصناعة الشعرية، وعسى أن نوافيك بهذا البحث في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وبالله التوفيق، وعليه الاعتماد. انتهى الجزء الأول

стр. 538

المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها - (مج: ٢/ الجزء الثاني/في الجرس اللفظي) -

стр. 539

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها

стр. 540

[تقدمة الجزء الثاني] الإهداء إلى جميع من أعانوا على خلق هذا الكتاب، بما تولوه من إرشادي وتعليمي ونقدي، أولهم أبي ﵀. عبد الله الطيب

стр. 541

كلمة شكر للدكتور طه حسين لما قرأت تلك المقدمة البارعة الرائعة، الصادقة النبيلة، التي حلّى بها علَّامة العرب، وعميد الأدب، الدكتور طه حسين، صدر كتابي الأول، لم أملِك نفسي أن نظمت هذه الأبيات، وبعثت بها إليه، حفظه الله وتولاه: عصتني الطيعات من القوافي ... فما أدري وحقك ما أقول وأعياني البيان، وكيف يجزى ... جميلك أيها الشيخ الجليل عرفتك في الصبا، وغبرت دهرًا ... وحبك في الجوانح ما يحول عرفتك في صحائف مشرقاتٍ ... كأن سوادها الطرف الكحيل كسحر النيل سحرك في فؤادي ... وفيض بيانك الثر النبيل أُحس تدفق التيار فيه ... بواسق من جوانبه النخيل ورت بك يا فتى الفصحى زنادي ... وألقى ستره عني الخمول وطلت إلى الذرا ورأيت نفسي ... يهز خبيئها الزهو الجميل حمدت سراي نحوك يوم أسعى ... ويحدو همتي أمل طويل تحف بي المخاوف ما ثلاثٍ ... كأن غموض أوجهها طلول أخاف شماتة الأعداء إما ... رجعت ولا لقاء ولا قبول وكم من حاسد قد ود أني ... بعيد العون ناصره ذليل وكم من وامقٍ يبغي صلاحي ... وحار فما يرى كيف السبيل بلوتك أريحي القلب شهمًا ... له الغايات والسبق الأصيل يخلد في كتاب العرب فردًا ... كما خلد المبرد والخليل بما أمليت من كلمٍ بواقٍ ... على مر الحوادث لا تزول يضن بها على عبث الليالي ... ويرويهن بعد الجيل جيل عبد الله الطيب

стр. 542

اعتراف وتقدير تركت مخطوطة هذا الكتاب، منذ تسعة أشهر، عند سيدي الأستاذ الجليل الشيخ "مصطفى السقا". وقد تطوع مشكورًا بتصحيح تجاربها، والإشراف على سير طباعتها. وقد والله كانت مخطوطة رديئة الورق، رديئة الكتابة، متشابهة الحروف متداخلة السطور تكلف الناظر فيها الجهد الشاق، فضلا عن القارئ المحقق المتدبر. وما هي إلا أسابيع حتى جاءت الملازم الأوليات، ناصعة، بهوامشها قلم الأستاذ، يصحح الخطأ، ويستعيد النظر في مختلف الروايات، ويشير إلى هذا المرجع وذاك .. لقد كان الأستاذ السقا وعدني بأن يقوم بأمر هذا الكتاب كقيامي. وشهد الله لو كنت مكانه لعجزت كل العجز أن أحقق تحقيقه، أو أتقن إتقانه. فله مني الثناء الحسن العاطر، وله عند قُراء العربية الكرام، الذين ينظرون في هذا الكتاب -وآمل أن يحمدوه- يدٌ لا تنكر، بهذا العمل القيم الكريم الذي تولاه. فجزاه الله خير الجزاء. ولو شاء -أجزل الله ثوابه- لأنشد قول الحماسي: يديت على ابن حسحاس بن وهبٍ ... بأسفل ذي الجذاة يد الكريم قصرت له من الحماء لما ... شهدت وغاب عن دار الحميم أنبئه بأن الجرح يشوي ... وأنك فوق عجلزةٍ جموم ولو أني أشاء لكنت منه ... مكان الفرقدين من النجوم ذكرت تعلة الفتيان يومًا ... وإلحاق الملامة بالمليم وإذن لقلت له قول قيس بن زهير، في الربيع بن زياد: لعمرك ما أضاع بنو زيادٍ ... ذمار أبيهم فيمن يضيع بنو جنية ولدت سيوفًا ... صوارم كلها ذكر صنيع شرى ودي وشكري من بعيدٍ ... لآخر غالبٍ أبدًا ربيع عبد الله الطيب

стр. 543

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطبة الكتاب أحمد الله حمدًا كثيرًا. وأصلي وأسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرت لك أيها القارئ الكريم، في خاتمة الجزء الأول من كتابي هذا، أني سأؤجل الحديث عن الجرس اللفظي، إلى حين أتحدث عن ناحيتي اللفظ والمعنى في الصناعة الشعرية. وقد بدا لي بعد الروية، أن وجه الحزم إفراد بابٍ كامل تام للجرس وحده، وقد فعلت ذلك في هذا السفر، الذي هو الآن بين يديك. وأسأل الله أن تجد فيه لذة ومتعة وفائدة. أما بعد، فقد سألني بعض اٌخوان، بعد ان تصفح فصولًا من كتابي الأول: ما الذي تدعيه من الابتكار في هذا المؤلف؟ فذكرته ما قلته في الخطبة، من أني لا أدعي ابتكارًا، ولا اختراعًا، وما استشهدت به من كلام زهير بن أبي سلمى: ما أرانا نقول إلا معارًا ... أو معادًا من قولنا مكرورا فهل لي أن أذكرك بكل هذا مرة أخرى، أيها القارئ الكريم؟ وهل لي أن أزيد إيضاحًا فأقول: إن شوارد العلم كالأبكار الحسان، تزداد بهاءً مع تكرار النظر. فإن رأيت، أصلحك الله، ان تشاركني بالنظر المكرر المعاد إلى بهاء العلم، فعلت إن شاء الله. وأسأل الله المهيمن البارئ، أن يوفقنا جميعًا إلى سبيل الرشد والسداد. المؤلف

стр. 544

الباب الأول الجرس (١) هذا الحرف لم يكن يستعمله الأوائل استعمالًا اصطلاحيًا كما نفعل الآن. وإنما كانوا يستعملون لفظتي البلاغة والفصاحة، ويختلفون بعد في مدلوليهما. والذي كان راجحًا عندهم أن الفصاحة تتعلق باللفظ، والبلاغة بالمعنى. قال أبو هلال العسكري (٢): "ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ، والبلاغة تتناول المعنى أن الببغاء يسمى فصيحًا، ولا يسمى بليغًا، إذ هو مقيم الحروف، وليس له قصد إلى المعنى الذي يؤديه". اهـ. وقال في موضع آخر (٣): "قالوا: وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة، سمي بليغًا، ولم يسم فصيحا". اهـ. فهذا كله يدل على أن الفصاحة بالمعنى الاصطلاحي القديم، كان يراد بها رنين الألفاظ. وهذا قريب من مرادنا بكلمة الجرس. وكثيرًا ما كان الأوائل يستعملون لفظة الجزالة، يعنون بها رنين اللفظ. ولكن هذه اللفظة كانت تستعمل في أغراض عديدة، وتسلك بها مسالك متشبعة. والبحث في ذلك يطول. والراجح عندي أنها كانت تصف الأسلوب عامة، ولا سيما إذا كان يشتم منه النفس الجاهلي. وقد تورط أبو هلال فاشترط الجزالة لجودة الكلام، وعرف الجزل من القول، بأنه الذي "تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها (٤) " (وما لبث أن نقض مقالته هذه، حين تعرض لأبيات من شعر تأبط شرًّا، منها في صفة الظليم:

стр. 545

أزف زلزج هزرفي زفارف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا (١) فوصف هذا بأنه من "الجزل البغيض الجلف ... الذي ينبغي أن يتجنب مثله (٢) " وكأني به قد احتاج إلى المشايخ والمعاجم في تفهم هذا البيت، ولم يستطع أن ينكر جزالته، وأيقن أنه مما لا تفهمه العامة حين تسمعه، ولا تقدر على أن تأتي بمثله فلم يملك إلا ذمه. هذا، ومما يلحق بكلمتي "الفصاحة" و"الجزالة" مما كان يراد به نعت الألفاظ ورنينها "حسن الرصف" و"الفخامة" و"شدة الأسر" و"صفاء الديباجة" و"السلاسة". و"الفصاحة"، أدخلها جميعًا في جوهر الاصطلاح. وكلمة "الجرس" التي نستعملها نحن المعاصرين، أدل منها على القصد، فصوتها نفسه يشعر بمعناها. وهي بعد لفظ واسع المدلول، ينضوي تحته كل ما يتعلق بدندنة الألفاظ في البيان الشعري. فالوزن والقافية على ذلك طرفٌ منه. وتبقى بعد الوزن والقافية فضلة، هي مرادنا من هذا الباب. وهذه الفضلة يدخل فيها الجناس والطباق، وسائر المحسنات اللفظية، مع تركيب الكلام، وترتيب الكلمات وتحيرها، وكل ما من شأنه أن يعين على تجويد البنية والرنين في أبيات الشعر. وتقابل كلمة "جرس" من الاصطلاحات الإنجليزية، كلمة: " Rhythm". وعلى سبيل مثال Rhythm ونظائرها في اللغات الإفرنجية، حذا النقاد المعاصرون منا، في استعمال كلمة "جرس". ومن العجيب حقًا، أن النقاد القدماء ضل عنهم أن يستعملوا كلمة "جرس" استعمالًا اصطلاحيًا، وهي أدل - كما قدمنا- من كلمة "الفصاحة"، مع أنهم كانوا

стр. 546

حريصين على البديع، وتسمية أنواعه، والإصطلاح لها. وأحسب أن للدين يدًا في هذا، فقد كانت الموسيقا والغناء، لولا تعشق بعض العلية من الخلفاء والأمراء: وبعض أهل الذوق من المتصوفة لها، بالمرتبة السفلى، والحضيض الأوهد، في نظر الناس. وقد كان الفقهاء يختلفون في تحريم الغناء وتحليله، وهذا وحده قد كان كافيًا ليذب المتحرجين عنه، أخذ بالحديث: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمورٌ مشتبهات ... إلخ". ولا نعلم شريفًا شغل نفسه بالغناء، أيام دولته الكبرى بالحجاز على عهد بني أمية، اللهم إلا ما كان من أمر الوليد بن يزيد، ورأي المسلمين فيه معروف، وأخبار سماع عبد الله بن جعفر كانت تروى على أنها نادرة من النوادر، ومع هذا فلم يفت الرواة أن يخبرونا بما كان من لوم معاوية له في ذلك (١). ويذكر لنا صاحب الأغاني أن إسحاق بن إبراهيم كان من العلماء الفضلاء، ولكن الغناء قد غض من منزلته، حتى أنه لما طمع أن يؤذن له في لبس السواد مع القضاة، زجره المأمون عن ذلك (٢) وكان إبراهيم بن المهدي يكره أن يعد في المغنين، وقد هجاه دعبل أمر الهجاء، بصنعته هذه، حينما تولى الخلافة ببغداد، وذلك حيث يقول: إن كان إبراهيم مضطلعًا بها ... فلتصلحن (٣) من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلٍ ... ولتصلحن من بعده للمارق أني يكون وليس ذاك بكائنٍ ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق ويذكر أبو الفرج أن الواثق كان يتعاطى الغناء، ويحذق جانبًا منه، إلا أنه كان يكتم ذلك أشد الكتمان (٤). فهذا كله يدلك على كراهة الأوائل للغناء والموسيقا، وتحرجهم منها.

стр. 547

ولما كان المقصود من علم البلاغة هو إظهار الإعجاز ودلائله، فلا يخفى أن نعت أي شيء من كتاب الله أو أحاديث رسول الله، بأنه ذو جرس وذو دندنة وذو موسيقا، أو مشتمل على صفة من صفات الغناء، يدخل في باب الزندقة. ولهذا فضل العلماء أن يستعملوا كلمة "الفصاحة" المشتقة من البيان والظهور، على استعمال أي كلمة تشتم منها رائحة الترنم والنغم، لوصف الجانب اللفظي من أسلوب القرآن. ونحن في هذا العصر لا ننظر إلى الغناء أو الرسم أو أي من الفنون التي كانت يتحرج أوائلها منها، نظرة شزر. ونقاد الإفرنج الذين نقتري سبيلهم في منهج البحث، ما زالوا -مذ كانوا- يعدون الغناء والموسيقا من الفنون الرفيعة. وأثر الدين المسيحي في هذا لا يخفي، لأن العبادات والطقوس الكنيسية تعتمد كثيرًا على الترنم والآلات الطرب، فلا غرو أن تنبه النقاد الغربيون إلى دقائق في ناحية الرنين اللفظي، لم ينتبه لها العسكري وأضرابه. فصاحة الكلمة والكلام عالج علماء البلاغة ناحية الجرس باسم الفصاحة والسلاسة والطلاوة، في غير ذلك من الألفاظ، كما قدمنا، في بابين مهمين: باب المعاني، وباب البديع. والذي قيل في باب المعاني أهم بكثير في نظرنا، مما قيل في باب البديع، لأن البديع كله يدور على إحصاء المحاسن اللفظية وتسميتها. وأما المعاني فيبحث في الأصول التي تلزم للكلام الجيد، ويحاول إبراز ماهيتها، وتخريج وجوهها المختلفة، على منهج منطقي فلسفي. والمبحث الذي يهمنا في باب المعاني، هو تلك المقدمات التي يبدأ بها البلاغيون عن فصاحة الكلمة والكلام. وأنقلها هنا مختصرة عن الصفحات الأول من قسم البلاغة، من كتاب المرحوم حفني ناصف "قواعد اللغة العربية"، وهو كتاب معروف مقرر في مدارس مصر والسودان. قالوا:

стр. 548

١ - تكون الكلمة فصيحة إذا سلمت من الغرابة، ومن تنافر الحروف. ومثلوا للغرابة بنحو جحمرش، وللتنافر بنحو النقاخ والهعخع. ونظم هذه القاعدة صفي الدين الحلي في أبيات مشهورة، منها قول: إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والنقاخ والعلطبيس لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئز النفوس (١) ٢ - ويكون الكلام فصيحًا إذا خلا من تنافر الكلمات، والتعقيد اللفظي، والتعقيد المعنوي، وضعف التأليف. ويفهم من هذا وجوب أن يتركب الكلام من كلمات فصيحة، فمثال التنافر قول الآخر: وقبر حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر وينسب هذا البيت إلى الجن، ويزعمون أنها قالته بعد قتلها حرب بن أمية. وكان قد نافر هاشم بن عبد مناف، فغلبه هاشم، وخرج أمية من مكة، فأصابته الجن في بعض الطريق. ومثال التعقيد: قول أبي الطيب من كلمته "لك يا منازل": جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل ومثال التعقيد المعنوي: قول الآخر، أظنه العباس بن الأحنف: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا فمراده من الجمود غامض. وقول الطائي: رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيه ما ماريت في أنه برد

стр. 549

وهذا مما عابه الآمدي، وزعم أنه خارجٌ عن مذهب العرب في نعت الحلم (١). ومثال ضعف التأليف قول الآخر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار وبين القاعدتين الأولى والثانية خصوصٌ وعمومٌ. فلا بد للكلام الفصيح من أن تكون كلماته فصيحة. ولا يترتب على فصاحة الكلمات كون الكلام فصيحا. مثال ذلك بيت مسلم المشهور: سلت وسلت ثم سل سليلها ... فغذا سليل سليلها مسلولا فكلماته إن أفردتها فصيحة، وهي معًا أبعد شيء عن الفصاحة، لمكان التنافر بينها، فيما زعموا. ومثل هذا قول الطائي: كريم متى أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي فقد كرهوا توالي الحلقيين في "أمدحه أمدحه"، وعندي أن هذا ليس بقبيح. وتوالي الحلقيين كثير في الكلام الفصيح، منه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. والذي استشهد بكلام أبي تمام هذا، لم يتدبر قرآنه، ولا يحضرني اسمه. هذا، والذي ذكره العلماء في باب فصاحة الكلام، فيه أشياء لا تمس "الجرس" من قريب، وإنما تتصل بباب الأسلوب والبيان، كالتعقيد المعنوي وضعف التأليف. [وذكرهما في التعبير من كلمة الفصاحة]. ويستنتج من قاعدة فصاحة الكلمة، أن الكلمات تكون حسنة وقبيحة في

стр. 550

ذواتها وهذا كان رأي أكثر النقاد، ولا يزال يقول به جماعة من المعاصرين. وكان بعض القدماء ينكره، ويزعم أن الكلمات كلها حسنة في ذواتها، حتى يلحقها النظم، فتعلوا أو تسفل. ونقل ابن الأثير رأي هؤلاء، من دون أن يسميهم، ليخسر منه في مثله السائر (١). وابن الأثير كان من القائلين بنظرية الحسن والقبح في ذوات الكلمات، شأنه في ذلك شأن أبي الهلال العسكري، والجاحظ في البيان والتبيين. وعلى آراء ابن الأثير في الغرابة والتنافر اعتمد المتأخرون. وأنقل للقارئ هنا طرفا منها. قال، بعد أن مهد لقضيته بأن الألفاظ هي من حيز الأصوات: "فالذي يستلذه السمع منها، ويميل إليه، هو الحسن. والذي يكرهه وينفر منه، هو القبيح. ألا ترى السمع يستلذ صوت البلبل من الطير، وصوت الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمير، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس؟ والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والديمة حسنة، يستلذها السمع، وأن لفظة البعاق قبيحة، يكرهها السمع. وهذه اللفظات من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد. ومع هذا فإنك ترى لفظتي المزنة والديمة وما جرى مجراهما، مألوفة في الاستعمال، وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكًا، لا يستعمل وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة، أو من كان ذوقه غير سليم، لا جرم أنه ذم وقدح فيه، وإن كان عربيًا محضًا من الجاهلية الأقدمين. فإن حقيقة الشيء إذا علمت، وجب الوقوف عندها، ولم كان ظاهرًا بينا لأنه مألوف في الاستعمال. وإنما كان مألوفًا في الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك. والذي يدرك بالسمع، إنما هو اللفظ، لأنه صوت يتألف من مخارج الحروف. فما استلذه السمع فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح (٢) ".

стр. 551

ويستنتج من كلام ابن الأثير هذا، أن الكلمة تكون قبيحة إذا كانت غريبة غير مألوفة، وكونها غريبة غير مألوفة ناشئ من قبح مخارجها. وهذا منطق فاسد، والأساس الذي بني عليه، وهو أن الألفاظ من حيز الأصوات، أساس واه، لأننا نستحسن أصوات البلابل، ونستقبح أصوات الغربان، من حيث أنها جرس محض. أما الألفاظ فلا نقدر أن نتصورها بدون معانيها. خذ مثلًا كلمة "نهيق"، أليست هذه الكلمة حكاية لصوت الحمار المجمع على قبحه؟ أهذا يجعلها قبيحة في ذاتها؟ لو جاز أن يقال هذا، لحرم على الشعراء أن يصفوا الأصوات القبيحة جملة، لا، لبطل التعبير عن مظاهر القبح الموجودة في الدنيا مرة واحدة. ومما يؤخذ على ابن الأثير أيضًا، فرضه أن المألوف في الاستعمال من الكلمات كان وسيظل مألوفًا، لطبيعة حسنة راسخة في سنخه. وقد أباح لنفسه - دفاعًا عن هذه النظرية - أن يعيب على الجاهلي المحض استعمال كلمة "بعاق". والذي لا شك فيه. أن الكلمة ربما تكون مألوفة اليوم، غير مألوفة غدًا. وقد ذهب عبد القادر الجرجاني إلى القول الذي كرهه ابن الأثير، من أن الألفاظ كلها متساوية، حتى يفرق بينهما النظم. قال: " ... ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي يكون بها الكلم إخبارًا أو أمرًا أو نهيًا أو استخبارًا أو تعجبًا، وتؤدي في الجملة معنى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضم كلمة إلى كلمة، وبناء لفظة على لفظة - هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة: تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ماهي موسومة به، حتى يقال: إن "رجلًا" أدل على معناه من "فرس" على ما سمي به؟ وحتى يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأ عنه، وأبين كشفًا عن صورته من الآخر؟ فيكون "الليث" مثلًا أدل على السبع المعلوم من الأسد، وحتى أنا لو أردنا الموازنة بين لغتين، كالعربية والفارسية، ساغ لنا

стр. 552

أن نجعل لفظة "رجل" أدل على الآدمي الذكر من نظيره في الفارسية؟ وهل يقع في وهم -وإن جهد- أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ننظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعمله، وتلك غريبة وحشية؟ أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعد؟ وهل تجد أحدًا يقول "هذه اللفظة فصيحة" إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها؟ وهل قالوا: "لفظة متمكنة، ومقبولة"، وفي خلافة: "قلقة، ونابية، ومستكرهة" إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقًا للتالية في مؤداها؟ وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] "، فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وأن لم يعرض لها الحسن والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأن الفضل نتج ما بينها، وحصل من مجموعها؟ إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت، لأدت من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل "ابلعي" واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وما بعدها. وكذلك فاعتبر سائر ما يليها. وكيف بالشك في ذلك، ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت ثم أمرت. ثم في أن كل النداء بـ "يا" دون "أي" نحو: "يا أيتها الأرض"، ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال: ابلعي الماء. ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها. ثم أن قيل "وغيض الماء"، فجاء بالفعل على صيغة "فعل" الدالة أنه لم يغض إلا بأمر آمر، وقدره قادر، ثم

стр. 553

تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: "وقٌضي الأمر". ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، وهو "استوت على الجودي"، ثم إضمار السفينة قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة. أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها، تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك، لما بين الألفاظ والمعاني من الاتساق العجيب؟ قد اتضح إذن، اتضاحًا لا يدع مجالًا للشك، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمٌ مفردة. وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك، أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. هـ" (١). ويؤخذ علي عبد القاهر، أن في كلامه نوعًا من التناقض، من حيث إنه يسلم أن الكلمات منها الغريب الوحشي، ومنها الذي يكد اللسان، ثم ينفي بعد هذا كله أن تكون الكلمات متفاضلة غير متساوية قبل أن يشملها النظم. وربما يعتذر لعبد القاهر عن هذا بأنه كان يرى الألفاظ في جملتها غير متفاضلة، وأن فضل المستعمل على غير المستعمل، والخفيف على الثقيل طفيف، بحيث يمكن تجاهله، وأن النظم إذا أجاده صاحبه، قد يسبغ على كلمة وحشية رونقها لا يتهيأ ولا يتأتي إذا وضعنا مكانها كلمة أخرى مألوفة، وقد يتيح لكلمة ثقيلة، تكد اللسان من العذوبة ما لا يتوفر لو استبدلناها بأخرى مما يحسب خفيفًا سهلًا. ولابن الأثير أن يتعرض على هذا الاعتذار باعتراضات كثيرة: منها أن في تسليم عبد القاهر نفسه بأن في الكلمات ما يكون ثقيلًا كادًّا للسان من طبيعة مخرجه،

стр. 554

ما يدل على صدق النظرية القائلة بحسن ذوات الكلمات وقبحها. ومثل هذا الاعتراض لا بد أن يجر إلى اعتراض آخر، وهكذا حتى نخوض ونلجج في بحر طويل عريض من السفسطة. هذا، ومع أن نظرية عبد القاهر ليست دقيقة سليمة كل السلامة، كما بينت، فهي عندي أعمق غورا من نظرية ابن الأثير. لأن ابن الأثير لم يزد على أن قسم كل الموسوعة اللغوية إلى قسمين: حسن وقبيح. وبني كل ذلك على أساس واه سطحي جدًا. أما الجرحاني فقد تنبه إلى ما للتركيب والنظم من تأثير عظيم على رنين الكلمات، وموقعها من الأسماع والقلوب. وأكبر ما يؤاخذ به، هو أنه نسب كل حسن وقبح في الألفاظ إلى التركيب وحده. وحتى على تقدير أن الموسوعة اللغوية خالية مما يكد اللسان، وخالية من المألوف وغير المألوف، وما تفعله الكلمات فيه، منظومة ومفردة من تأثير. ولا شك أن الإنسان بطبيعته لا مفر له من أن ينفعل انفعالًا ما، نحو ما يقع في حيز إدراكه، والألفاظ المفردة، كالمنظومة، كلها واقعة في حيز الإدراك. وباختلاف الناس تختلف الانفعالات، ومن هنا يحدث التفاضل في الألفاظ المفردة، قبل أن يلحقها النظم، ولولا ذلك ما كان يجد ابن الأثير من يهتم بما ذكره، فضلا عن أن يؤيده. أصول الألفاظ: الناظر في جملة الألفاظ المودعة في القواميس والدائرة على الألسن، يجدها من فصيلتين: فصيلة وصيفية، وأخرى رمزية. والنوع الوصفي من الألفاظ هو أيضًا من ضربين: ضرب محتفظ بوصفيته، وآخر كالفاقد لها، أو فقد لها بالكلية، وهذا يمكن إدخاله ضمن الفصيلة الرمزية. أما النوع المحتفظ بوصفيته، فهو نحو: زحير، وزفرة، وصهصلق، وأملس، وزمهرير. ونعني بالوصفية هنا: أن الواضع راعي في

стр. 555

مدلولات هذه الكلمات، صفاتها الواضحة، المدركة بالحواس، وحاول تقليدها بحروف فيها مشابه من هذه الصفات: واضع زحير، وزفير، وصهصلق، ونهيق، وصلصلة، وخرير، ونظائرها، مثلا، راعي ناحية الصوت في المدلولات، فقلدها بحركات وسكنات تشابهها. وواضع خشن وأملس، التمس محاكاة الملاسة والخشونة بالأحرف المكونة لهاتين الكلمتين. ولا شك أنه اهتدى إلى هذه الأحرف بعد موازنة أثرها في حلقة ومجاري صوته، بالأثر الذي أحسه إصبعه أو جلده من مقاربة الأشياء الملس، والأشياء الخشنة. وواضع زمهرير لابد أن يكون أراد محاكاة الرعدة التي تحدث من البرد، بأحرف ترتعد لها أسلة لسانه، أو تجاويف حلقة. وأمثال هذه الكلمات التي ذكرناها، موجودة في سائر اللغات، نحو كلمة Hiss ولفظة Bang و Flash الإنجليزيات. والحديث العهد بالعربية، كالحديث العهد بالإنجليزية، يحس في كل هذه الكلمات التي قدمناها تعبيرًا قويًا، ويقبلها بمجرد تلقيه لها. ولو أمكن أن توصف لفظة بالحسن لذاتها، لكان هذا النوع من الألفاظ أولى شيء بهذا الوصف، لأنها ليست مجرد رموز، وإنما كل واحدة منها قطعة فنية في ذاتها. والذين يقولون بأسبقية الشعر على النثر، يرون فيها حجة قوية لهم. إذ أن واضعها لابد أن يكون قد أحس بشعور قوي إزاء المدلولات التي صاغها من أجلها، ولابد أن سامعيه قد أدركوا مراده بمجرد نطقه بها - فإن لم يكن هذا شعرًا، فماذا يكون؟ والراجح عندي أن هذا النوع من الكلمات كان أسبق إلى الوجود من غيره. لا أعني في صيغته هذه النهائية التي نلقاه في قواميسنا، ولكن في صيغته الأصلية الأولى قبل أن تتلاعب به يد الزمن. غير أن أمرًا واحدًا يمنعنا هذا النوع من الألفاظ بالحسن المتأصل. وهو أنه عرضة للاستعمال السيء، كما أنه عرضة للابتذال وعوامل التطور التي يخضع لها كل شيء.

стр. 556

والصنف الثاني من ألفاظ الفصيلة، وهو الفاقد -أو الشبيه بالفاقد- لوصفيته نعني به نحو القريحة والذكاء والطبع [بالتحريك، بمعنى الطمع]، فهذه كلمات بنيت على المجاز والتشبيه. فالذي وضع القريحة، مريدا بها الفطنة، شبه مدلوله بقريحة البئر أو بالماء القراح، ثم استعار المشبه به للمشبه، والذي وضع الذكاء لنفس المعنى، شبه مدلوله بالنار المشتعلة. [إذ أصل الذكاء هو الاشتعال] ثم استعار المشبه به للمشبه]. وواضع الطبع، شبه الطمع الشديد بالصدأ يركب القلب، وأصل الطبع: الصدأ. وواضع كلمة "خفق" للفضاء العريض، أجراها على المجاز المرسل بعلاقة الحالية، لأن الخفق: هو اضطراب الريح. وهلم جرا. وأكثر الكلمات من هذا النوع تنسى أصولها، وتصير رمزية محضة. ولكن بعضها يبقى فيه نفس من أصله الأول. والفحول من الشعراء هم أحرص الناس على تذكر الأصول في هذا الباب، لأن ذلك يعينهم على الدقة في التعبير، التي هي مراد الشاعر. وقل أن نجد منشئًا فحلًا يصف القريحة بأنها وقادة، أو الذكاء بأنه منساب فياض متدفق، وإن كان مثل هذا يجوز بعد اكتشاف النفط، فهو سائل ومشتعل. وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا وأما القسم الرمزي من الألفاظ، فهو نحو: "أسد، وبيت، وسمكة، وسافر، ومسافر، وثمر، وزهر، وأزهر، وفرحان، ومجتهد"، وأكثر هذه الجوامد والمشتقات التي تدور في اللغة. وغير خاف أن الدلالة فيها جميعها ترجع إلى التواضع والإصلاح. ولو كانت وضعت "حمارًا" أو "سبح" لمدلول "ذهب" لجري العرف على ذلك. والراجح أن أكثر هذه الكلمات لها أصول وصفية، ولكن الزمن قد جر عليها ذيل العفاء. فهي الآن رموز لا أكثر ولا أقل. وهذه لا يعقل أن توصف ذواتها بحسن أو قبح.

стр. 557

الألفاظ والبيئة: إن أردنا تشبيه البيئة بشكل هندسي، فأشبه الأشكال بها هو المكعب. ويكون الزمان والمكان بمنزلة الطول والعرض. ويكون المجتمع بطبقاته المتمايزة بمنزلة الارتفاع، والأنسان الواحد واقع تحت أبعاد البيئة الثلاثة معًا، وهي تحدد موضعه من الدنيا، ويضاف إلى كل ذلك نفسه وذاته، وبها يتميز عن سواه ممن ينتمون إلى عصره ومكانه وطبقته الاجتماعية، حتى إن منهم من يكون له أخًا أو توأمًا. والألفاظ تابعة للإنسان لاحقة به، فهي تقع تحت تأثير جميع هذه العوامل التي تفعل فيه، فلا بد من. اعتبارها جميعًا حين نعرض لدراسة الألفاظ، لا سيما ونحن نطلب هذه الدراسة سعيًا وراء القيم الجمالية الفنية المتعلقة بالألفاظ، وهذه القيم تظهر نسبتها جلية، إذا أدخلنا عامل البيئة في حسباننا. الزمن: نحن إذ نتحدث عن أثر الزمن على الألفاظ هنا، إنما نعني أثره على ألفاظ اللغة الواحدة، التي تم نضجها واستواؤها [لو كان يتم لشيء في هذه الدنيا نضج واستواء] وصارت لها قواعد ثابتة، وأصول معروفة، كاللغة العربية مثلًا، إذ الحديث عن أثر الزمن في الماضي السحيق، والحديث عما عسى أن يكون أثره في المستقبل البعيد، يخرج بنا من مجال نقد الشعر إلى فلسفة اللغة، وربما إلى الفلسفة المحضة. وكاتب هذه السطور لا يملك من أدوات ذلك كثيرًا أو قليلا. وأوضح آثار الزمن في ألفاظ اللغة الواحدة أنه يلعب بحظوظها، فتارة يذيعها، ويشيعها، وتارة يخفيها وينفيها. آنا يقرنها بهذا المعنى، وآونة بذلك المعنى، تبعًا لتباين العصور وتطور الأذواق، وتنوعها بحسب طبقات المجتمع والعوامل الثقافية والنفسانية والأخلاقية التي تؤثر فيها. خذ مثلا أثر العصور في اللغة الواحدة، تجد أن بعض العصور تميل إلى الزخرفة في التعبير، وبعضها إلى البساطة،

стр. 558

ومنها ما يؤثر اللفظ القيصر، ومنها ما يؤثر التطويل. وحظوظ الكلمات تنخفض وترتفع تبعًا لهذا. ثم إن ظروف الحياة في عصرٍ ما، كثيرًا ما تباين العصور التي قبله أو بعده. فالجاهلي مثلًا، لم يكن يهتم بالتجارة أو المعاملة المالية اهتمام البغدادي العباسي. وهذا لم يكن يعرف شيئًا عن السكك الحديدية التي هي من الأشياء المألوفة في حياة العصري. ومثل هذا التباين قد ينشأ منه تباين في مدلول الكلمة الواحدة، مع احتفاظها بمعناها الأصلي. كملة "سكة" مثًلا ترتبط في ذهن الجاهلي بسكة النخل، وفي ذهن العباسي إن لم يكن من طلاب الأحاديث والمرتادين لمجالس أبوي العباس، ترتبط بسكة النقد، وفي ذهن المعاصر ترتبط بالسكة الحديدية. وكل هذه الارتباطات تضفي جانبًا من الغموض على معناها الأصلي، وتحصر دائرتها في الاستعمال. وخذ كلمة تجارة مثًلا، أتظن الجاهلي كان يلبسها لونًا قريبًا مما نلبسه إياها نحن الآن حين نقول " كلية التجارة" مثًلا؟ وانظر إلى قول النهشلي: ولقد أروح على التجار مرجًلا .... مذلا بمالي لينا أجيادي (١) ألا تجدك، مع علمك بأنه قصد الخمارين بقوله "التجار" في هذا البيت، لا تستطيع أن تصرف عن ذهنك صورة "الدكاكين" ذوات الرفوف التي نراها في مدننا العصرية؟ وهنا ننبه إلى عامل نفسي مهم، له صله وثيقة جدًا بكل ما تحدثه العصور من تطورات في اللغة الواحدة وفي غيرها، وهو عامل تداعي المعاني. وأثر هذا العامل في تكوين الأذواق من عصر إلى عصر بليغ للغاية. انظر مثًلا كلمة "صرم" بمعنى "هجر" كيف ربطها الذوق منذ أواخر العهد العباسي إلي اليوم بكلمة "ثرم" التي تنطق عند العامة في بعض بلدان العرب (٢) (بإبدال الثاء صادًا، فكان هذا سببًا

стр. 559

لتهجينها حتى لو وردت في شعر جاهلي قديم. وبحسبك أن تنظر إلى الدواوين القديمة التي تخرجها المطابع الآن، لتجد أن المحققين لا يكادون يحجمون عن تغير المصدر "صرم"، الكثير الورود في الشعر القديم بمعني الهجر، إلى المصدر "صرم" فرارًا من المعني القبيح، مع أن الصرم بفتح الصاد عند الأوائل كان يسري علي جملة القطع، لا على الهجر خاصة. وأحسب أن أدباء قبل خمسين عامًا لم يكونوا يجدون غضاضة في "صرم" الجاهلية، لجهلهم "بصرم" العامية. أما الآن، وقد استعارت دارجة الشوارع هذه اللفظية من الدراجة المصرية أو السورية، فجملة السودانيين يحسون نحو هذه لكلمة بنحو مما كان يشعر به ابن الأثير. وما قلناه عن "صرم" يصح أن يقال عن "كنيف" الجاهلية، بمعنى المكان الذي تكتنفه الأشجار أو نحوها، وعن "مستراح" بمعنى مكان الاستراحة، وهي الآن معناها المرحاض، وعن "نكح" بمعنى تزوج، وعن "أتى يأتي" إن ورد في نحو قول شوقي: وطوي القرون القهقري حتى أن ... فرعون بين طعامه وشرابه إن كان عامل تداعي المعاني أظهر في هذا الحرف الأخير من عامل التطور الزمني. الزمن وتطور الأخلاق: الشعور الأخلاقي يتطور من عهد إلى عهد. فتسقط قيم، وترتفع قيم. وقد تبقي القيم في جوهرها واحدة دهورًا طويلة، ولكن مظاهر التعبير عنها تختلف وتتابين، خذ الفحش "بالمعنى الجنسي" مثلا. ما أحسبه إلا قد كان ممقوتا منذ زمن بعيد، وبين أمم عديدة. ولكن لا شيء أكثر تفاوتًا من الطرق التي يعبر بها الناس عن استنكارهم للفحش، منظر الفتيات العاريات الأفخاذ في البلاجات الحديثة فاحش جدًا في نظر الكثرة الكاثرة من المسلمين. والطريقة الصريحة التي يتحدث بها كثير من المسلمين عن بعض الأمور الجنسية فاحشة جدا في نظر فتيات البلاج من الإفرنج

стр. 560

ومن إليهم. وتأمل جريرًا والفرزدق، كيف يشعر العربي، لا بل الشرقي المعاصر ... لا بل قد كان العباسي يقشعر من إقذاعهما! ألا تري أنهما لم يكونا ليفحشا كل هذا الفحش لو كان الشعور الأخلاقي على عصرهما ينفر من ذلك؟ وقس عليهما أصحاب الغزل بالمذكر، وابن حجاج وابن سكرة والواسانى وجماعة ممن ذكرهم صاحب اليتيمة. وما أحسب القارئ العصري إلا مشمئزًا نافرًا لو وقع بصره على بعض الألفاظ التي وقعت في أشعار هؤلاء، والغالب على عصرنا هذا بين طبقات المثقفين وأشباه المثقفين دقة الحس في المقامات العامة، إزاء كل لفظ من ألفاظ الجماع الصريحة، والألفاظ التي لها مساس بالفضلات الجسمية. وهذه الدقة في الحس ناشئة عن نوع من النفاق الاجتماعي، مصدره الشعور الأخلاقي السائد- وهو شعور مستمد من القيم البرجوازية الأوربية، وأوضح دليل أقدمه لك في هذا الصدد- سوى ما سبق من الأمثلة- هو أن الفقهاء، وقد كانوا أجرأ الناس على ذكر ألفاظ الجماع في معرض الدرس ورسائل الطهارة وما بمجراها، لا يكادون يقدمون اليوم على التلفظ بأمثال " ألطفت المرأة: أي أدخلت يدها بين شفريها"، وأمثال: "حتى تغيب الحشفة في فرج" ونحو: "مذي وودي ومني" في المقالات التي ينشرونها في الصحف العامة والمجالات الدينية. وقد كانت مجالس الفقه في الزمان الماضي هي المكان "المحترم" الذي يمكن أن ينفس المرء فيه عن الكبت الأخلاقي المتعلق بالألفاظ، إن لم يكن هذا المرء من شعراء المجون والسخف أو هواتهما. وقد تغيرت الأحوال الآن، فأصاب الفقهاء لفح من تزمت البرجوازية الأوروبية، عن طريق طبقة المثقفين من الأفندية، فجعلوا يتزمتون كما تقضي روح العصر. وأوصدت الأبواب أمام الأشعار الخليعة، فانزوت إلى أركان يلحظها منها الذوق العصري شزرًا. وأصبح المجال "المحترم" الوحيد الذي يمكن أن ينفس فيه المرء عن رغبته في التعبير الفاحش، هو مجال علوم النظر الحديثة وخاصة علوم الاجتماع كالأنثروبولوجيا. وللبروفسور مالينوسكي في وصف القبائل الهمجية، مثل سكان

стр. 561

مالنزيا وجنوب الباسفيك، شطحات شبيهة بشطحات أبي حامد الأسفرايينى في معرض تعيين مواقيت الإمساك عن العلاقات الجنسية في شهر رمضان. والحق أن محل تصريح بالألفاظ الجنسية وما إليها، لا هو الفقه، ولا هو علوم النظر، لأن هذه جميعًا تحاول علاج الأشياء من ناحية موضوعية، واتخاذها مجاًلا للتنفيس عن هذا العبث الإنساني، يفسد موضوعيتها إلى حد كبير. وقد خطا الطب والبيولوجيا -عن طريق المصطلحات الجافة- خطوات نحو التحرر من هذه الذاتية العابثة. ولا بد أن تلحق بهما الأنثروبولوجيا وعلوم الاجتماع، إذ لا يستغنى علم حديث عن المصطلحات. فإن فعلت كل هذه ذلك، فإن من المؤسف حقًا أن يفتح الناس بابًا علميًا آخر ليتخذوه مجالا للعبث، ريثما ينضج ويكتمل، أو يذوى ويموت. ذلك بأن الموضع اللائق حقًا للتصريح بالألفاظ الجنسية ونحوها، هو مجال الأدب بفرعيه: الشعر والنثر. وما زال تدخل العامل الأخلاقي، أو النفاق الاجتماعي منذ زمن بعيد (قد زاد سطوته في عصرنا الحاضر) يحد من حرية الأدب في هذا المضمار، ويجبره على الثورة وآنًا تكون ثورته من النوع الفاسق المخمور، كما في شعر أبو نواس، وآنًا من النوع الضاحك المستهتر إلى درجة الكلبية، كما في شعر ابن حجاج وابن سكرة، وقد تكون من الضرب الحانق المعقد ساخر الملتوى، كما في أدب د. هـ. لورنس، أو المسلي المتخابث، كما في قصص ألف ليلة وليلة وأساطير شوسير. ومن الأنصاف لمؤلفي ألف ليلة وليلة ولشوسير وبو كاشيو وصاحب والأغاني، أن نقول: إن صراحتهم ليس فيها عنصر التحدي والشذوذ، الذي نجده عند أبي نواس وبشار وابن حجاج ود. هـ. لورنس وبعض المعاصرين، وإنما قد أطلقوا أقلامهم في غير ما خوف ولا وجل ولا طلب لتحدي الشعور الأخلاقي والمقاييس الاجتماعية. والفضل في ذلك يرجع إلى أنهم لم يعيشوا في بيئة القرن العشرين المعقدة، ولا بيئة القرن التاسع عشر الأوربية، كما يرجع إلي صفاء نفوسهم وانبساطها.

стр. 562

المكان: نتحدث هنا عن أثر المكان في اللغة الواحدة. ثم نذكر القارئ بما ذكرناه آنفًا من أن المكان ما هو إلا أحد أبعاد البيئة الثلاثة، وكل ما هو واقع تحت تأثيره فهو أيضًا واقع تحت تأثير الزمان والعصور والطبقات وما إلى ذلك. وأثر المكان في ألفاظ اللغة الواحدة أوضح من أن يدلل عليه، بحسبك برهانًا تعدد للهجات. مثًلا كلمة "حبوبة" في الشام معناها: "حبيبة، أو خطيبة"، وفي السودان معناها "جدة". ولو سأل شامي سودانيًا "ما عمر حبوبتك"؟ ربما أجاب: ثمانون أو تسعون، ولا يملك الشامي إلا أن يدهش إزاء هذا الجواب، ويعجب لهذا الذي يخطب من ذهب الدهر بكلها، وقد عير الشعراء من خطب النصف من نساء، وقالوا فيها: وإن أتوك وقالوا إنها النصف ... فإن أفضل نصفيها الذي ذهبا ومعاجم اللغة مفعمة بالاختلافات التي تحملها كلمة واحدة بين لهجات العرب الكثيرة، كلمة تخوف مثًلا معناها عند هذيل: التنقص، وقد وردت في التنزيل بهذا المعنى، وقد زعموا فيها زعموا أن مالك بن نويرة لم يقتله إلا جهل ضرار بن الأزور بلغة قريش، فقد أمره خالد أن يدفئ قتيله، فما كان منه إلا أن أبرده بردًا لا دفء بعدة إلا في نار جهنم (١). ومن أبلغ آثار المكان على الكلمات "سوى اختلاف معانيها وتنوع مدلولاتها من موضع إلى موضوع"، ما يضيفه على الكلمة الواحدة من لون حسن أو لون قبيح

стр. 563

من دون تأثير كبير في جوهر مدللوها. مثال ذلك كلمة "طياز" (١)، فهذه الكلمة تستعمل في مصر مكان "أرادف" المستعملة بشمال السودان، و"كفل" و"صلب" المستعملين في وسطه وسائر أجزائه. ولن يفكر سوداني قط أن يستعملها هذا الاستعمال، لأن معناها عنده مرتبط بلون قبيح يدخلها في فصلية الألفاظ الفاحشة. وكلمة "طيب" لها لون خاص في مصر لا يوجد في السودان، وهكذا، ولا فائدة في الاستكثار من الأمثلة ما دام المقصود واضحًا بينًا. الطبقات: كما يؤثر المكان والزمان في الكلمات، فتختلف معانيها وألوانها ودرجاتها من الحسن والقبيح، تبعًا لاختلاف الأمكنة والأزمنة، فكذلك تفعل الطبقات الاجتماعية: الألفاظ المتداولة المألوفة بين السودانيين الآن مثًلا، غير تلك التي كانت مألوفة بالأمس، وغير تلك المألوفة في مصر الآن أو بالأمس، وهي بين السودانيين أنفسهم تتابين، فألفاظ العلية غير ألفاظ السفلة، وألفاظ أهل الحرف والصناعات مباينة لألفاظ أهل الأقلام والمثقفين. وألفاظ المتصعلكة غير ألفاظ المهذبين المحترمين. لا بل إن النساء يتداولن ألفاظ لا يتداولها الرجال. وهن في كل ذلك يختلفن باختلاف طبقاتهن. وهذا الذي نراه من تباين ألفاظ اللهجة الواحدة المستعملة في السودان تبعًا لتباين الطبقات، موجود نظيرة في الشام وفي مصر وغيرها من الأقطار الناطقة بالعربية. والطبقة التي كان أمرها عاليًا في دولة الأدب إلى القرن الماضي في الشرق العربي، هي طبقة العلية من علماء وأمراء وحاشية تدور حولهم. ثم آل أمر الأدب إلى الطبقات المتوسطة في عصرنا الحاضر، وليس معنى كلامنا هذا أن طبقات السفلة

стр. 564

والعامة والسوقية والغوغاء لم يكن هم أدب في الماضي، كلا، ولكن أدبهم كان من نوٍع محتقر، لم تتسع له صدور الكتب. وانفراد العلية بأمر الأدب في الماضي، كان يملي على الكتاب والشعراء ذوقًا خاصًا في تخير لألفاظ، هذا الذوق تسيطر عليه الرغبة في تملق الفضائل الاجتماعية التي يحرص عليه العلية، والازدراء لكل شيء يصدر من السفلة، فكلمات السوقية والغوغاء كان محرمًا علي الأديب استعمالها، خشية أن يتسرب منها قمل أو بق إلى ملاء الأمير أو الوزير، أو ثياب الحاشية الظرفاء. والكلمات التي لا تستعملها السوقة، ولكن يجوز أن يربطها العقل بظاهرة سوقية، تجري هذا المجري. وقد عابوا علي المتنبي قولة: وكل طريق أتاه الفتى ... علي قدر الرجل فيه الخطا لا لشيء إلا لأنه استعمل مثلا تنطق به العامة. وقد مات كثير من الكلمات القديمة المعبرة لتعاطي العامة إياها، وسمي هذا التعاطي بالابتذال والسوقية، وكلمة: "علق" التي يتمثل بها البلاغيون كثيرًا، ما دهاها فأنزلها من مرتبة "العلق النفيس" إلى معني الأبنة، إلا استعمال الدهماء لها، ممن تكون المحبة والغرام والشوق والعشق ونظائرها من الكلمات عندهم من قبيل مرادفات المعنى الآخر. ومنذ استولت الطبقات المتوسطة علي دولة الأدب، أخذ كثيرٌ من أساليب العلية الماضيين وألفاظهم في الانقراض، "وحسبك دليلا على ذلك، أننا لا نستعمل الآن طريقة القاضي الفاضل في استهلال الرسائل، ولا نتكلف الكلمات الديوانية التي كان يتكلفها كتاب القرن الماضي"، كما تسرب كثير من الكلمات التي كانت تعد مبتذلة وسوقية إلى ساحة الأدب الرفيع. ولا أشك أن انتشار القراءة مكان الأمية التي كانت غالبة على الناس، تغلب الصحافة علي ميدان التعبير في أكثر البلاد. سيجلبان تغيرًا عظيمًا جدًا في الأساليب الأدبية. وشد ما أخشى أن يصير تملق الدهماء هو الغرض الأدبي الأول. وهذا بطبيعة

стр. 565

الحال سيميت أكثر الألفاظ التي تستحسن الآن، ويبدل مكانها ما نسميه سوقيًا ومبتذلا. ولعل جريدة الـ Daily Mirror البريطانية، مثالٌ من أمثلة هذا الاتجاه الخبيث في الأدب الحديث. هذا، ومما يلائم ما نحن بصدده، أن نذكر أن بعض الشيوعيين قد بلغ بهم الجنون المذهبي، والتطرف السياسي، أن شغلوا أنفسهم دهرًا بتحديد موقف اللغة من الطبقات. وقد كان بعضهم فيما نمي إلينا ينادون بمحو اللغة الروسية الأدبية محوًا تامًا، زاعمين إنها كانت لغة "الأرستقراطية" و"البرجوازية" و"الظلم" وهلم جرًا، ويدعون إلى استبدالها بلغة أخرى شعبية، أشد اصطباغًا بلون "الواقع المادي" كما يقولون، ولكن ستالين تدخل في الأمر، لا أدري أبا لحجة أم بالسيف، وأقنع المتطرفين بأن اللغة القديمة، إن كانت من اختراع ضباع القياصرة والأرستقراطية، فهي صالحة كل الصلاحية لخدمة "الكادحين"، والتعبير عن آلامهم وآمالهم. فارعوى المتطرفون وأنابوا. وكفي عزاءً لهؤلاء المتطرفين، أن الصحافة الحديثة الهجينة سائرة في ضوء نظرياتهم بخطا حثيثة. وعندما تنتصر الألفاظ السوقية "الواقعية" على ألفاظ المتأدبة من الطبقات الوسطى، التي ورثوها عن العلية والأرستقراطية الماضين، فمرحي مرحي لعلق وصرم بالمعنى المبتذل، والويل لعلق مضنة، ولنحو "ولشر واصل خلةٍ صرامها"، ومن يدري فربما امتدت أيدي الحظوظ حتى تنتشل أمثال جحمرش، وخنفقيق، وزلخة، من أعماق المعاجم، لعدم ارتباطها الآن بطبقة من الطبقات. ولعلها -أعني جحمرشا وأخواتها- لو أتيح لها أن تتمثل بالشعر الآن، أن تنشد من قول أبي العلاء المعري بيتيه: سيطلبني رزقي الذي لو طلبته ... لما زاد والدنيا حظوظ وإقبال إذا صدق الجد افتري العم للفتي ... مكارم لا تكري وإن كذب الخال
следующие страницы →