مالنزيا وجنوب الباسفيك، شطحات شبيهة بشطحات أبي حامد الأسفرايينى في معرض تعيين مواقيت الإمساك عن العلاقات الجنسية في شهر رمضان.
والحق أن محل تصريح بالألفاظ الجنسية وما إليها، لا هو الفقه، ولا هو علوم النظر، لأن هذه جميعًا تحاول علاج الأشياء من ناحية موضوعية، واتخاذها مجاًلا للتنفيس عن هذا العبث الإنساني، يفسد موضوعيتها إلى حد كبير. وقد خطا الطب والبيولوجيا -عن طريق المصطلحات الجافة- خطوات نحو التحرر من هذه الذاتية العابثة. ولا بد أن تلحق بهما الأنثروبولوجيا وعلوم الاجتماع، إذ لا يستغنى علم حديث عن المصطلحات. فإن فعلت كل هذه ذلك، فإن من المؤسف حقًا أن يفتح الناس بابًا علميًا آخر ليتخذوه مجالا للعبث، ريثما ينضج ويكتمل، أو يذوى ويموت. ذلك بأن الموضع اللائق حقًا للتصريح بالألفاظ الجنسية ونحوها، هو مجال الأدب بفرعيه: الشعر والنثر. وما زال تدخل العامل الأخلاقي، أو النفاق الاجتماعي منذ زمن بعيد (قد زاد سطوته في عصرنا الحاضر) يحد من حرية الأدب في هذا المضمار، ويجبره على الثورة وآنًا تكون ثورته من النوع الفاسق المخمور، كما في شعر أبو نواس، وآنًا من النوع الضاحك المستهتر إلى درجة الكلبية، كما في شعر ابن حجاج وابن سكرة، وقد تكون من الضرب الحانق المعقد ساخر الملتوى، كما في أدب د. هـ. لورنس، أو المسلي المتخابث، كما في قصص ألف ليلة وليلة وأساطير شوسير. ومن الأنصاف لمؤلفي ألف ليلة وليلة ولشوسير وبو كاشيو وصاحب والأغاني، أن نقول: إن صراحتهم ليس فيها عنصر التحدي والشذوذ، الذي نجده عند أبي نواس وبشار وابن حجاج ود. هـ. لورنس وبعض المعاصرين، وإنما قد أطلقوا أقلامهم في غير ما خوف ولا وجل ولا طلب لتحدي الشعور الأخلاقي والمقاييس الاجتماعية. والفضل في ذلك يرجع إلى أنهم لم يعيشوا في بيئة القرن العشرين المعقدة، ولا بيئة القرن التاسع عشر الأوربية، كما يرجع إلي صفاء نفوسهم وانبساطها.
стр. 562
المكان:
نتحدث هنا عن أثر المكان في اللغة الواحدة. ثم نذكر القارئ بما ذكرناه آنفًا من أن المكان ما هو إلا أحد أبعاد البيئة الثلاثة، وكل ما هو واقع تحت تأثيره فهو أيضًا واقع تحت تأثير الزمان والعصور والطبقات وما إلى ذلك. وأثر المكان في ألفاظ اللغة الواحدة أوضح من أن يدلل عليه، بحسبك برهانًا تعدد للهجات. مثًلا كلمة "حبوبة" في الشام معناها: "حبيبة، أو خطيبة"، وفي السودان معناها "جدة". ولو سأل شامي سودانيًا "ما عمر حبوبتك"؟ ربما أجاب: ثمانون أو تسعون، ولا يملك الشامي إلا أن يدهش إزاء هذا الجواب، ويعجب لهذا الذي يخطب من ذهب الدهر بكلها، وقد عير الشعراء من خطب النصف من نساء، وقالوا فيها:
وإن أتوك وقالوا إنها النصف ... فإن أفضل نصفيها الذي ذهبا
ومعاجم اللغة مفعمة بالاختلافات التي تحملها كلمة واحدة بين لهجات العرب الكثيرة، كلمة تخوف مثًلا معناها عند هذيل: التنقص، وقد وردت في التنزيل بهذا المعنى، وقد زعموا فيها زعموا أن مالك بن نويرة لم يقتله إلا جهل ضرار بن الأزور بلغة قريش، فقد أمره خالد أن يدفئ قتيله، فما كان منه إلا أن أبرده بردًا لا دفء بعدة إلا في نار جهنم (١).
ومن أبلغ آثار المكان على الكلمات "سوى اختلاف معانيها وتنوع مدلولاتها من موضع إلى موضوع"، ما يضيفه على الكلمة الواحدة من لون حسن أو لون قبيح
стр. 563
من دون تأثير كبير في جوهر مدللوها. مثال ذلك كلمة "طياز" (١)، فهذه الكلمة تستعمل في مصر مكان "أرادف" المستعملة بشمال السودان، و"كفل" و"صلب" المستعملين في وسطه وسائر أجزائه. ولن يفكر سوداني قط أن يستعملها هذا الاستعمال، لأن معناها عنده مرتبط بلون قبيح يدخلها في فصلية الألفاظ الفاحشة. وكلمة "طيب" لها لون خاص في مصر لا يوجد في السودان، وهكذا، ولا فائدة في الاستكثار من الأمثلة ما دام المقصود واضحًا بينًا.
الطبقات:
كما يؤثر المكان والزمان في الكلمات، فتختلف معانيها وألوانها ودرجاتها من الحسن والقبيح، تبعًا لاختلاف الأمكنة والأزمنة، فكذلك تفعل الطبقات الاجتماعية: الألفاظ المتداولة المألوفة بين السودانيين الآن مثًلا، غير تلك التي كانت مألوفة بالأمس، وغير تلك المألوفة في مصر الآن أو بالأمس، وهي بين السودانيين أنفسهم تتابين، فألفاظ العلية غير ألفاظ السفلة، وألفاظ أهل الحرف والصناعات مباينة لألفاظ أهل الأقلام والمثقفين. وألفاظ المتصعلكة غير ألفاظ المهذبين المحترمين. لا بل إن النساء يتداولن ألفاظ لا يتداولها الرجال. وهن في كل ذلك يختلفن باختلاف طبقاتهن. وهذا الذي نراه من تباين ألفاظ اللهجة الواحدة المستعملة في السودان تبعًا لتباين الطبقات، موجود نظيرة في الشام وفي مصر وغيرها من الأقطار الناطقة بالعربية.
والطبقة التي كان أمرها عاليًا في دولة الأدب إلى القرن الماضي في الشرق العربي، هي طبقة العلية من علماء وأمراء وحاشية تدور حولهم. ثم آل أمر الأدب إلى الطبقات المتوسطة في عصرنا الحاضر، وليس معنى كلامنا هذا أن طبقات السفلة
стр. 564
والعامة والسوقية والغوغاء لم يكن هم أدب في الماضي، كلا، ولكن أدبهم كان من نوٍع محتقر، لم تتسع له صدور الكتب. وانفراد العلية بأمر الأدب في الماضي، كان يملي على الكتاب والشعراء ذوقًا خاصًا في تخير لألفاظ، هذا الذوق تسيطر عليه الرغبة في تملق الفضائل الاجتماعية التي يحرص عليه العلية، والازدراء لكل شيء يصدر من السفلة، فكلمات السوقية والغوغاء كان محرمًا علي الأديب استعمالها، خشية أن يتسرب منها قمل أو بق إلى ملاء الأمير أو الوزير، أو ثياب الحاشية الظرفاء. والكلمات التي لا تستعملها السوقة، ولكن يجوز أن يربطها العقل بظاهرة سوقية، تجري هذا المجري. وقد عابوا علي المتنبي قولة:
وكل طريق أتاه الفتى ... علي قدر الرجل فيه الخطا
لا لشيء إلا لأنه استعمل مثلا تنطق به العامة. وقد مات كثير من الكلمات القديمة المعبرة لتعاطي العامة إياها، وسمي هذا التعاطي بالابتذال والسوقية، وكلمة: "علق" التي يتمثل بها البلاغيون كثيرًا، ما دهاها فأنزلها من مرتبة "العلق النفيس" إلى معني الأبنة، إلا استعمال الدهماء لها، ممن تكون المحبة والغرام والشوق والعشق ونظائرها من الكلمات عندهم من قبيل مرادفات المعنى الآخر. ومنذ استولت الطبقات المتوسطة علي دولة الأدب، أخذ كثيرٌ من أساليب العلية الماضيين وألفاظهم في الانقراض، "وحسبك دليلا على ذلك، أننا لا نستعمل الآن طريقة القاضي الفاضل في استهلال الرسائل، ولا نتكلف الكلمات الديوانية التي كان يتكلفها كتاب القرن الماضي"، كما تسرب كثير من الكلمات التي كانت تعد مبتذلة وسوقية إلى ساحة الأدب الرفيع.
ولا أشك أن انتشار القراءة مكان الأمية التي كانت غالبة على الناس، تغلب الصحافة علي ميدان التعبير في أكثر البلاد. سيجلبان تغيرًا عظيمًا جدًا في الأساليب الأدبية. وشد ما أخشى أن يصير تملق الدهماء هو الغرض الأدبي الأول. وهذا بطبيعة
стр. 565
الحال سيميت أكثر الألفاظ التي تستحسن الآن، ويبدل مكانها ما نسميه سوقيًا ومبتذلا. ولعل جريدة الـ Daily Mirror البريطانية، مثالٌ من أمثلة هذا الاتجاه الخبيث في الأدب الحديث.
هذا، ومما يلائم ما نحن بصدده، أن نذكر أن بعض الشيوعيين قد بلغ بهم الجنون المذهبي، والتطرف السياسي، أن شغلوا أنفسهم دهرًا بتحديد موقف اللغة من الطبقات. وقد كان بعضهم فيما نمي إلينا ينادون بمحو اللغة الروسية الأدبية محوًا تامًا، زاعمين إنها كانت لغة "الأرستقراطية" و"البرجوازية" و"الظلم" وهلم جرًا، ويدعون إلى استبدالها بلغة أخرى شعبية، أشد اصطباغًا بلون "الواقع المادي" كما يقولون، ولكن ستالين تدخل في الأمر، لا أدري أبا لحجة أم بالسيف، وأقنع المتطرفين بأن اللغة القديمة، إن كانت من اختراع ضباع القياصرة والأرستقراطية، فهي صالحة كل الصلاحية لخدمة "الكادحين"، والتعبير عن آلامهم وآمالهم. فارعوى المتطرفون وأنابوا. وكفي عزاءً لهؤلاء المتطرفين، أن الصحافة الحديثة الهجينة سائرة في ضوء نظرياتهم بخطا حثيثة. وعندما تنتصر الألفاظ السوقية "الواقعية" على ألفاظ المتأدبة من الطبقات الوسطى، التي ورثوها عن العلية والأرستقراطية الماضين، فمرحي مرحي لعلق وصرم بالمعنى المبتذل، والويل لعلق مضنة، ولنحو "ولشر واصل خلةٍ صرامها"، ومن يدري فربما امتدت أيدي الحظوظ حتى تنتشل أمثال جحمرش، وخنفقيق، وزلخة، من أعماق المعاجم، لعدم ارتباطها الآن بطبقة من الطبقات. ولعلها -أعني جحمرشا وأخواتها- لو أتيح لها أن تتمثل بالشعر الآن، أن تنشد من قول أبي العلاء المعري بيتيه:
سيطلبني رزقي الذي لو طلبته ... لما زاد والدنيا حظوظ وإقبال
إذا صدق الجد افتري العم للفتي ... مكارم لا تكري وإن كذب الخال
стр. 566
المودة:
أو الموضة، وهي كلمة إفرنجية يقابلها بالإنجليزية fashion و"المودة" بنت البيئة والتطوير الزمني. فهي على هذا فرع من ذوق العصر والمكان والطبقة. وهذا أوان تذكير القارئ بمكعب البيئة الذي وصفناه آنفّا. "فالمودة" تختلف من عصر إلى عصر في الطبقة الواحدة، ومن طبقة إلى طبقة في العصر الواحد، ومن بين فترة إلى فترة في العصر الواحد والطبقات المختلفة، كما أنها تختلف باختلاف الأمكنة في كل ذلك.
وأهم ظواهر "المودة"، أنها قصيرة العمر، وأنها مع ذلك لا تموت مرة واحدة- أعني كأنها شيء جديد. وإذا كسدت سوقها في مكان ما، فربما تنفق في مكان آخر. "والمودة" تتناول الحديث والألفاظ كما تتناول غير ذلك من مظاهر الحياة، كالملبس والمأكل والأغاني وضروب التسلية، ومختلف مذاهب السلوك العام والخاص. والأدباء، من ناثرين وناظمين، من أشد الخلق تأثرّا بعامل " المودة"، بالرغم مما يدعونه من الحرص على الخلود، والارتفاع فوق القيود المادية التي تمثلها عناصر البيئة المختلفة خذ هذه الألفاظ: القيثارة، الأزاهر، الأحلام، الظلال، الأشباح، الأحاسيس، المشاعر، البلبلة، الرفش، المعول، الآهات، الإشعاع، الهدهدة، يناغي، يناغي، ينغم، وهلم جرّا، ألا تجدها محببة إلى طائفة كبيرة من أدباء اليوم؟ أتحسب أن لها في ذواتها جرسا مفرحا؟ لا شك أن بعض التافهين يحسب ذلك، ممن قصاراهم في النقد أن يسهموا ويخفضوا من جفونهم، ويدعوا أنهم قد غرتهم سبحات نور الفن، ولكن مالنا وللتفاهمين. فالذي لا يقبل الجدل أن " المودة" هي التي حسنت هذه الكلمات.
وهنا نتساءل عن الأسباب التي تبعث "المودات" من حين إلى حين. والجواب عن هذا يطول، وربما أخرجنا عن غرض هذا الكتاب، وبحسبي أن أقول: إن الفراغ والنفاق والضعف البشري والزهو وطلب التنبجح، كل ذلك من بواعث "المودة"، وإن شئت أن تضيف إلى هذه المناقص شيئّا مما ذكره فرويد وتلاميذه،
فأنت في حل من ذلك. وفي دولة الأدب خاصة يكفي أن نشير هنا إلى أن تطور المذاهب الفنية، والآراء السياسية والاجتماعية، له أكبر أثر في بعث " المودات" الأدبية.
مثلّا المذهب الوراء الوقعي (١) في النون الجميلة، أدي إلى اختراع ألفاظ] أو استعمال ألفاظ [خاصة بين الفنانين، سرعان ما تلقفتها جمهرة الأدباء، وصارت "مودة" بينهم إلى حين. والأدباء مبتلون بادعاء المعرفة لما لا يحسنونه منذ أن وضع ابن قتيبة كتاب "أدب الكاتب"، وقبل ذلك بدهور. والمذهب المادي الجدلي في السياسية أدي الى اختراع ألفاظ خاصة، سرعان ما التقطها الأدباء، ولهجوا بها في نثرهم وشعرهم. والأدباء في الشرق أسرع تهافتّا إلى "المودات" من إخوانهم الغربيين، لفقدان الأصالة الفكرية بينهم في الكثير الغالب، هم يعوضون عن هذا الضعف باستحداث "المودات"،
إذ "المودة" أبدا تلبس لونّا براقاّ، يجعلها للناقد السطحي أشبه شيء بالأصالة.
стр. 567
خذ الكلمات: "كفاح"، "كدح"، "استغلال"، "تمييع" وهلم جرا. فكل هذه كلمات حسنتها "مودة" عابرة وثيقة الاتصال بالمذهب اليساري السياسي، وجعلت لها عند بعض عشاق هذا المذهب، من متوسطي الثقافة، رنيناّ خاصاّ، ومما يحسن ذكره في هذا المجرى، أن كلمة peace الإنجليزية، ومعناها "السلام"، قد ألبسها استعمال الشيوعين ورفقائهم لها صبغة خاصة، حتي إن جريدة الأبزيرفر the observr والتيمس the times وضرائبها من الصحف الرزينة، اضطرت إلى طبع هذه الكلمة بين علامات التنصيص هكذا " peace" كلما دعت الحاجة إلى ذكرها، وما لبث هذا التنصيص أن برز في صور صوتية على ألسن الخطباء وفي المجالس، حتي صار في ذاته "مودة".
стр. 568
ومن أهم ظواهر "المودات" أبد الدهر أنها تثير حولها جدلًا كثيرًا. ولا يمكن
أن يقف المرء منها موقف المحايد. فأنت إما تعجبك الجمة الغلامية في شعور النساء، وإما لا، وإما تميل إلى "ذنب البطة" في رؤوس الرجال، وإما لا. والغريب في الأمر أن تحمسك لهذا أو ذاك يبوخ مرة واحدة بمجرد اختفاء "المودة". وكذلك تعصبك على هذا أو ذاك. فانظر كيف تعبث المودة بالعقول؟ وعل هذا أن يعين على تفهم أثرهم البليغ في الأدب، وعبثها بأساليبه وألفاظه، وتحكمها المفرط في أذواق المؤلفين والنقاد.
المزاج والألفاظ:
المزاج فرع من البيئة، وهو خاص بالأفراد. وبما أن الأفراد يختلفون في الآراء والأهواء، وفي كثير من الطبائع والمشارب، سواءٌ أكانوا في عصر واحد، أم من طبقة واحد، أم من بلد واحد، أم من أب وأم وظروفٍ متشابهة كل التشابه، فالألفاظ تتأثر بهذا الاختلاف جدا. والعوامل النفسانية المتعددة كالشعور بالنقص، وكمحبة النفخ، والرغبة في الشذوذ، وكتداعي المعاني، وكانقسام الشخصية، على تفاوت كل ذلك في الضعف والقوة بحسب الأنفس الواقعة تحت تأثيره، يخلق أمزجة مختلفة في تذوق الألفاظ. كلمة "سلسل" قد تبدو لطيفة مليحة عندي أنا، ولكن آخر ممن لا يستطيع أن يصرف ذهنه عن "سلس البول" الذي مر به في دروس الفقه، قد لا يستحسنها. وكلمة شجاع قد يمر بها قارئ في موضع فلا يرى بها باسًا، ويراها آخر فتثير القيء في حلقه، والمرأة التي يدعوها زوجها "يا حبيبتي" و"روحي" في مقام التهكم، ربما تنفر من هذين اللفظين إن عرضا لها في شعر أو نثر. والخطام الذي يعجبه رسم الميم على الورقة، قد تروقه أمثال مكلوم ومحروم ومزكوم ومحزوم. وإن كان يجد عناء في رسم الدال، فربما يكره نحو: ودود، ومودة، ودار، ودهماء. وقد
стр. 569
يعجب بعض الناس الصفير الذي في حرف الصاد لارتباطه في عقلهم الباطن بمعنى من المعاني، فيودون أن لو كان الشعر جمعيه من قبيل قول أبي الطيب:
وأمواه تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
ومهما يكن من شيء، فالمزاج لا يخضع لأحكام المنطق، وما من ناقد أو شاعر أو ناثر، إلا وهو واقع تحت سيطرته. وكثيرة من النقاد يتجنون في أحكامهم على الشعراء بحكم المزاج فقط. أذكر من هذا الباب أن المرحوم الرافعي تجني على العقاد جنايات عدة من هذا القبيل، في كتابه على السفود. مثلاّ نقده: "آه يقرب البعيد الخ" فقد حكم مزاجه، وافترض أن البعيد هنا بمثابة "ابن الكلب البعيد". وكثير من الشراء تستلطف أمزجتهم كلمات خاصة، فيتعبون الناس بتكرارها. من ذلك "قم" في شعر شوقي، و"ذا" عند المتنبي. والناثرون يجرون هذا المجرى.
وعامل المزاج كما لا يخفي داخل تحت تأثير العوامل التي ذكرناها آنفّا، إذ هو لا يسلم من أن يصطبغ بلون البيئة على أية حال. إلا أنه لقوة اتصاله بصميم الفردية
الإنسانية أهم العوامل جميعًا. وله القوة المرجحة في ازدراء بعض الألفاظ، واحترام بعضها. وبما أنه موغل في الذاتية، فهو العقبة الكئود في سبيل النقد، كلما أدار أن يطلق أحكامًا عامة، ويضع مقاييس تقاس بها القيم الأدبية. ومع هذا فالناقد الحق لا يني يبحث عن وجه علمي صاف، يهتدي به في دراساته. وهذا مطلب عزيز، وقصارى جهده أن يقتدي ما استطاع بأذواق النقاد الأفذاذ الذين سبقوه، ثقة بأن أمزجتهم قد ارتفعت عن مستوي الذاتية المعتاد، لما صقلها من مواظبة العلم والدرس والتجربة والتحري. ولكن تحديد النقاد الأفذاذ نفسه محل للجدل. وجميع ما ذكرنا من العوامل يؤثر فيه تأثيرًا شديدًا.
مقاييس الألفاظ:
مما تقدم يري القارئ أن ابن الأثير على سطحيته لم يكن مخطئاّ كل الخطأ حين
стр. 570
زعم أن الكلمات تنقسم إلى حسن وقبيح بطبيعتها، إذ أحكام البيئة والمزاج و"والمودات" تلون كثيرًا من كلمات اللغة بألوان من الحسن والقبح، لا يستطيع المرء أن يصرف ذهنه عنها. وخطأ ابن الأثير الأساسي في أنه لم ينتبه إلى ان هذه القسمة نشؤها ظروف الحياة الطارئة، واستعمال الناس الخاضع لقوانين التغير، لأنفس طبيعة اللغة من حيث مخارجها. وقد جر هذا الخطأ ابن الأثير إلى أن يفرض ذوقه وذوق طبقة خاصة من معاصريه، على الأدب العربي جميعًا، من لدن معد بن عدنان إلى يومنا هذا.
ومذهب الجرجاني: في أن الألفاظ في مجردة من الحسن والقبح، حتى تحسنها التراكيب أو تقبحها، على عمقه ومتانته، مبني على تناسي العنصر البشري، كما قد أسلفنا من قبل، ولو قد كان الناس كلهم يفكرون تفكيرًا علميًا موضوعيًا، لحق عليهم أن يتقيدوا بقواعد عبد القاهر (١)، في حكمهم على الأساليب الأدبية، ولكانت هذه القواعد نهاية في الجودة والدقة. ولكن الناس يحسنون ويقبحون ويستهجنون ويستملحون، بحسب امزجتهم وبيئتهم و"موداتهم". وما أكثر ما يقسمون الموسوعة اللغوية بأجمعها إلى حسن قبيح، قبل أن تنظمها التراكيب. متأثرين بظروف حياتهم، وأذواق عصورهم. ولا شك أن التأليف يتأثر جدًا بكل هذا. أي الأدباء يقدم على استعمال كلمة يستسخفها معاصروه، مهما تكن قوية في أداء المعاني التي يريدها؟ وأيهم لا يطبوه استحسان معاصريه لبعض الألفاظ، أن يستعملها، كيما يسرهم بها، ويكسب ثناءهم؟ قليل جدًا من الادباء من يأنفون من تملق معاصريهم. وهؤلاء مبخوسو الخط في الكثير الغالب.
والحق، أنه لا مذهب الجرجاني، ولا مذهب ابن الأثير يصلح اساساّ لأن
стр. 571
تقاس به ملاحة الألفاظ أو سماجتها، وما تمتاز به قوة جرسها أو ضعفه. لا بل إن كون الألفاظ بطبيعتها أحياء متحركة متغيرة متجددة، يجعل أي مقياس يقاس به جمالها نسبيًا جدًا. وعندي أن أفضل ما يعتمد عليه الناقد في هذا الباب، هو القاعدة القديمة: "البلاغة الإيجاز".
ذلك بأن المعاني هي المرادة بالألفاظ. والمعني قد يكفي في التعبير عنه لفظ واحد. كما قد يحتاج إلى أكثر من ذلك. فمتي زاد الأداء اللفظي عما يحتاج إليه المعني من كلمات، كي يصير ظاهرًا واضحًا، فتلك الزيادة إما ناشئة عن عي، وإما عن قصد إلى التزيين والتحسين. ومحل الخلاف ليس هو الزيادات الناشئة عن العي والعجز. وانما هو الزيارات التي اريد بها التزيين. فهذه تخضع لحكم البيئة، وتختلف نظرات الناس إليها باختلاف الدهور والأمكنة. وإذا جاز لنا أن تشبه المعاني المؤداة في القدر الذي تطلبه من الكلمات، بالصور البشرية العارية، فالزيادات المراد بها التحسين والتزيين، تكون بالنسبة إليها، بمثابة الثياب والأصباغ والحلي والتهيؤ، وما إلى ذلك بالنسبة الي الصورة البشرية. والمشاهد في كل بيئة، وفي كل دهر] إلا بين طبقات من المتنطسين [أن الحسناء الحالية مفضلة على الحسناء العاطلة. ولكن الغريب في الأمر أن ما يعد حليًا ههنا، قد يعد شيئاّ هناك. مثلا، بعض الحسناوات المصريات يشمن خدودهن وأذقانهن بالخضرة الثابتة. ويخبرنا ليبد أن العربيات الحسنان كن يجعلن على أيديهن كففا من النؤور يجددن خضرتها كلما بهتت، قال في المعلقة:
أو رجع واشمةٍ أسف نؤورها ... كففا تعرض فوقهن وشامها
وفي شعر هدبة ما يفيد أن الغواني كن يضعن على أنوفهن الجادي، فيبدون كأنهن راعفات، قال:
تضمخن بالجادي حتى كأنما السأنوف إذا استعرضتهن رواعف (١)
стр. 572
والغربيات الإفرنجيات، يضعن الحمرة على الشفاه. والشرقيات يتحلين بالذهب، ويخضبن بالحناء، وبعض الزنجيات يثقبن شفاههن حتى تصير كمشافر البعران. وما زالت الموسى تجري في خدود الحسناوات من السودان منذ دهر بعيد. وقل ان تجد قومًا ألفوا عادة، يستحسنون غيرها، فالزنجية ذات المشفر المثقوب، كريهة المنظرة عند البجاوية ذات الأنف الذي فيه البرة. والهندية التي ترسل شعرها طويلا متدليا، وتكشف عن ساعد، وتضع على جبهتها نقطة حمراء، سمجة الصورة في عين أمثال مارلين مونرو، ممن يصففن الجمم، ويرسمن الحواجب بالقلم.
وبعد أيها القارئ، فلعل هذه الأمثلة توضح لك أن التحسين والتزيين أمر نسبي للغاية. وأزيدك إيضاحا: فالمرأة الجميلة التي لا تعمد إلى نوع من التحسين والحلي، ولا تغير صورتها التي براها عليها خالقها بأي
تغيير، مقبولة عند أكثر أجيال الناس. نعم، قد تقول لها بعض نساء الزنج: هلا ثقبت شفتك وضخمتها يا هذه؟
وقد تقول لها بعض الهنديات: هلا تحليت الذهب ونقطت الجبهة؟ وقد تقول لها بعض المصريات: اسم الله على هذا الحنك، لو جعلت عليه سمة خضراء تصير لها جميع القلوب هواء؟ وربما رغبت بعض قهرمانات السودان النيلي في تشليخها، وفيما هو شر من ذلك، لو قد وجدن إليه سبيلا. ولكنهن جميعا قد يحسدنها في السر على سلامة بشرتها من الصنعة والتغيير.
وكذلك الأسلوب والتعبير، فالايجاز هو المقياس الصحيح لجمال اللفظ وصورته وجرسه. وما من لفظ أدي المعني أداء تاما من دون زوائد، ألا كان خاليا من العيب، لا تنقصه من آلة الجمال الا الزينة التي هي موضع جدل وخلاف، كما أن قيمتها نسيبة إلى حد بعيد، بحيث لا يدري أهي، في الحقيقة، قبح أم حسن.
وحد الإيجاز ان يكون اللفظ مقتصدا فيه اقتصادا لا يخل بالغرض، ولا تنفعه الزيادة. ومهما من تعبير أوجز فيه صانعه، واستوفى الغرض، إلا كان جرسه
стр. 573
حسن الواقع في النفس، إذ النفوس يعجبها وقع اللفظ القصير، إن كان يحوي الفكرة الطويلة والمعني الضخم.
ضرورة التحسين:
إذن فالمقياس الصحيح الذي نخرج به من هذا التمهيد، لمعرفة جودة الجرس اللفظي، هو الايجاز، ويترتب على هذا احدى نتيجتين:
أولا- أن نحكم على كل أداء زاد فيه اللفظ على المعني، بأنه غير جيد محتجين بأن الذي عسى أن يكون فيه من المحاسن اللفظية، إنما هو حسن اصطناعي وهمي، لا حقيقة له، إلا من جهة نسبية بحتة، شأنه الشفة الزنجية المثقوبة، والجبهة الهندية المنقوطة، والحنك المصري الموشوم، والخد السوداني "المشلخ".
ثانيا- ألا نرفض الزوائد إذا وجدناها في أداء ما، وألا نحكم عليها بالصناعة والنسبية والوهمية، التي تجعلها فاقدة القيمة. ولكن نكلف أنفسنا الجهد الجهيد في أن نعرف الذوق العام، والتقاليد الأدبية، ظروف البيئة الفنية، التي دعت إلى مثل هذه الزوائد وهذا يتطلب منا دراسة لتأريخ البيئات الأدبية، و"الموضات" الأسلوبية المختلفة. فاذا فرغنا من كل ذلك وعرفناه جيدا، نظرنا إلى ما يقع بأيدينا من آثار شعرية أو نثرية، فيها زوائد المحسنات، بالنظر إلى بيئتها وتقاليدها، وحكمنا عليها في ضوء المعرفة التي ألممنا بها.
والسبيل الأولى فيها تطرف وإجحاف بواقع الأمور. فمع أن الجمال العاري من الزينة] تذكر تشبيه الصورة البشرية الذي قدمناه [مقبول على وجه الاجمال، الزينة في حد ذاتها شيء كالضروري بالنسبة إلى الطبيعة البشرية، لا يمكن تجاهله مهما يكن اعترافنا بما يدخل الزينة من اختلاف البيئات والأمزجة.
стр. 574
ألا ترى أن الصورة الآدمية لا تتعري من زينة الملبس وما بمنزلته الا نادرا؟
ألا ترى أن الجمال العاري نفسه لا يخلو من زينة وزركشة تخطها يد الله، فضلا عن، وزيادة على، سلامة التقاطيع، واستقامة القامة، وصحة البنية، وغير ذلك من الصفات التي يكون بها افصاح الخالق بمعني الصورة البشرية من غير ما زوائد؟ خذ نونات الخدود مثلا، وجعودة الشعر، وبلاتينيته، والخال الذي في الخد، وشدة اللعس في الشفة، وغير ذلك من هذه المظاهر الطبيعية التي تزيد جمال الجميل- ألا ترى أن كل ذلك ضرب من التزيين والتحسين زاد على مجرد السلامة والقبول والبهجة؟ فإذا كان المبدع الصانع الخالق نفسه لا يدع ما يخلقه من زخرفة وتزيين، أليس أقرب في حق البشر أن يكونوا أشد رغبة في التزيين، وأقوي تعلقا به؟ ثم ألا تحسب أن البشر إنما أخذوا فكرة التزيين نفسها عما خطته يد القدرة والطبيعة؟ خذ مثلا صبغ الشفاه بالإثمد في السودان. ألا يخطر ببالك أن ذلك محاكاة من الناس لما يرونه في بعض الشفاه من لعس طبعي؟ وكذلك الصبغ بالحمرة عند الافرنج؟ - ألا ترى أنه محاكاة لما يرونه من تورد طبعي في بعض الشفاه الحسان؟
هذا، وكما أن الرغبة في التحسين ناشئة عن طلب الزيادة على جمال الطبيعة، بمحاكاة بعض مظاهره، فهي أيضا ناشئة عن الرغبة في الحد والتقليل من قيمة الجمال الطبيعي، ويبدو لي أن للحسد ضلعًا قويًا في هذه الظاهرة الثانية من مظاهر التحسين.
ألا ترى أن الانسان إذا استحسن صفة ما في شخص آخر، بدا له أنه يضاهي ذلك الإنسان في تلك الصفة، وتمنى أن لو قد كان ذلك الإنسان ليس بأكثر منه حسنا، أو ليس بمالك لتلك الصفة التي تكسبه ما تفرد به من الجمال؟ لا، بل لتمنى أن لو يجد سبيلا إلى أن يسلبه تلك المزية سلبا حتى يكون مساويا له، غير متميز عنه بشي. ألا تري معي أن صبغ الشفاه بالإثمد يراد منه حرمان اللعساء لعسها الطبعي، كما يراد منه إكساب غير اللعساء لعسا صناعيا؟ وقل مثل ذلك في اسفاف اللثات النؤور
стр. 575
والكحل، ووشم الخدود بالخضرة، وثقب الآذان، وتضخيم الشفاه، وغير ذلك من ضروب التشوية التي تسمي زينة وتجميلا. إن الناس ينفسون على الجميل جماله، وعلى (الممتاز امتيازه). ومن أجل هذا فهم يحتالون على المساواة بشتى الطرق. ولعل التجميل التقليدي، الذي يرثه مولود عن والد، وجيل، وتختلسه أمة عن أمة، ويحاكي فيه شعب شعبا، من اخطر ما عثرت عليه البشرية من أسلحة المساواة.
هذا، ونعود الآن إلى ما كنا فيه.
والسبيل الثانية فيها تكلف شديد. لأن معرفة الأذواق و"المودات" القديمة تتطلب أمرين:
أولا: تحليل المادة التي بأيدينا من أدب القدماء، وعمل قوائم "بالكليشيهات" التي كانت تغلب في هذا العصر أو ذاك -وهذا أمر ممكن مع بذل الجهد الجهيد- أقول: ممكن من وجهه النظر الدراسية البحتة، إلا أنه لابد من التنبيه على أن ظروف الحياة في بلادنا لا تمكن من هذا النوع من الدراسات، الذي يحتاج قبل كل شيء الى التوفر والتجرد والمعونة المالية من الدولة أو الهيئات العلمية.
وثانيا: معرفة آراء القدماء وأحكامهم على تلك "الكلشيهات" التي سنحصل عليها بعد تحليل المادة، وعلى ما بمجراها من أساليب التعبير. وهذا أمر في غاية الصعوبة، وهو الى الاستحالة أقرب، لأنه ليس بأيدينا نبراس يكشف لنا عن آراء القدماء وأحكامهم، اللهم إلا نتفا ولمعا ضئيلة. ولا يمكن إصدار الأحكام العامة من جهتنا في ضوء اللمع الضئيلة، والنتف المبعثرة، وعلى هذا فسيكون عمدتنا التخمين والحدس ومهما صدقنا في ذلك، فإننا لا نحصل على نتائج وافية شافية.
وإذن فيلزمنا أن نمزج بين السبيلين، الأولي والثانية، وذلك بأن نجعل طلب
стр. 576
الايجاز المحض، والإعراض عن الزوائد، نصب أعيننا، وفي نفس الوقت نحاول معرفة بعض وجوه الزينة اللفظية، التي ما فتئت تروق الأدباء، وذلك باستقرائها من المختارات الجياد، المجمع على تقديمها وتفضيلها. هذا ولا بد قبل الاستقراء من الإلمام ببعض المبادئ الجمالية العامة، التي تسيطر على فكرة التزيين والتحسين في عقول البشر.
стр. 577
الباب الثاني
حقيقة الجمال
ما زال الفلاسفة من لدن أفلاطون يكتبون عن الجمال. وقد لاحظ الكاتب عن الجماليات في الموسوعة البريطانية (١)، أن أمر الشعور بالجمال وتقديره والإعجاب به، مرجعه أول من كل شيء إلى الذات، وإلى أعماق القلوب، غير أنه مادام الشعور بالجمال كله، تابعا على الإدراك الحسي، فإنه لا مندوحة عن التساؤل: أمن الممكن إدراك حقيقة الجمال إدراكًا موضوعيًا علميًا تحليليًا، كما هي الحال في كل الأمور التي يكون علم الإنسان بها وتقديره لها متأتيًا عن طريق الإدراك الحسي؟
وقد زعم الفيلسوف الألماني "كانت" أن الجمال ليست له حقيقة موضوعية.
وكيف تكون له حقيقة علمية موضوعية والناس إنما يقيسونه بمقياس الذوق؟ ولأمر ما، اختاروا الذوق، ليعبروا عن ذلك المقياس الذي يقيسون به الجمال، إذ قل إن تجد الناس أكثر اختلافاّ وتبايناّ في حاسة من الحواس، منهم في حاسة الذوق! وقد ذهب "كانت" إلى أبعد من هذا، فزعم أن تقدير الجمال والاعتناء بقيمته، ظاهرة اجتماعية، وأنه لو أتيح لأمرئ أن يكون بمعزل عن سائر البشر، لهان عليه أن ينظف منزله (٢).
стр. 578
وإذ قد نفى "كانت" أن تكون للجمال حقيقة موضوعية، فقد أثبت له حقيقة ذاتية. ومراده من ذلك، أن كل فرد منا يحس بالجمال ويقدره، ونحن في جملتنا متشابهون فبناء على هذا، لابد أن يكون إدراكنا للجمال متشابهاّ، ويستنتج من ذلك إمكانية وجود حقيقة للجمال بالنسبة إلينا معشر البشر، وتكون هذه الحقيقة مدركة إدراكًا ذاتيًا شخصياّ، لا موضوعياّ، بخلاف الحقائق العلمية، كحقيقة الجاذبية مثلا، التي تفعل فعلها، ويصدق تعرفيها، بغض النظر عن الذات المشاهدة لها.
هذا ولا يملك المرء إلا أن يستحسن ما قد ذهب إليه "كانت" من التفريق بين حقيقة الجمال، والحقائق العلمية. إلا أن وصفه لحقيقة الجمال بانها لا موضوعية محل للنظر (١). وهنا نتساءل: ما هو مراد "كانت" من الموضوعية أمر يصدق صدقًا ضروريًا بدهيًا، وليس على الباحث إلا استخلاصه بواسطة الاستقراء العلمي المنطقي الصحيح، الذي لا يتأثر بالعواطف. فلا أدري كيف يستطيع نفي الموضوعية عن حقيقة الجمال وحده هذا النفي الجازم، ولا ينفيها عن غيرها من الحقائق؟ حقًا، إن استبعاد العواطف الذاتية في اثناء البحث عم حقيقة الجمال، فيه عسر شديد. وكذلك في البحث عن أي حقيقة أخرى عسر شديد. وقد يجوز للمتطرف أن ينكر الموضوعية الحقة، حتى للنظريات العلمية الجافة. وقد أنكر الغالي موضوعية للزمان والمكان، وجعل كل ذلك أمرًا نسبيًا، ناشئًا عن انحصار الذهن البشري وذاتيته المتأصلة (٢) وقد أنكر الفيلسوف البريطاني "برتراند راسل" على "كانت" مذهبه في القول بضرورية بعض البديهيات، وانبعاثها من إلهام فكري حق محض، مدعيًا أن لا بدهيات، وأن حقيقة الأعداد مثلا، وإنما انبعثت من التجربة الحسية (٣)، وهي من أجل ذلك عرضة لكل الشكوك
стр. 579
والريب التي ذكرها "هيوم" وغيره. ومهما يكن من شيء، فلا ريب أن تأصل الذاتية في التفكير الإنساني حقيقة لا مدفع لها، ولا مفر منها.
والذي يجدر بالعاقل أن يقصد إليه، هو الجد، ومحاولة التجرد من الأهواء، وطلب الاستناد على الأدلة التي يقبلها العقل والمنطق المتماسك. فان كان هذا هو المراد بالموضوعية فليست حقيقة الجمال بعسير دخولها في هذا النطاق.
نعم، قد يجد الباحثون عسرًا في اتباع الأسلوب الاستقرائي وهم يتحدثون عن الجمال، وقد يلقون مشقة في تجنب الإلقاء بالقضايا العامة الصادرة عن الهوى.
ولكن ليس معنى ذلك استحالة الوصول إلى نتائج منطقية مرضية، في داخل حدود الطاقة البشرية على أنه ينبغي لنا أن نستفيد من وصف "كانت" لحقيقة الجمال بأنها لا موضوعية، ومن تفريقه بينها وبين الحقائق العلمية الجافة، ذلك بأن الحقائق العلمية الجافة، ليست في القرب من خويصة النفس بمنزلة الحقيقة الجمالية- أعني بذلك أنه من الممكن توهم بعد هاتيك وانعزالها عنا، وكوننا منها بمنزلة المتفرج، في حين أن حقيقة الجمال تتصل بنا اتصالا مباشراّ، لا يبرح أن يلون نظرتنا بالوان، ربما حالت بيننا وبين الجد المحض في تعرف كنها، وإدراك جوهرها.
هذا، ولا اريد أن أعني القارئ بنقل ما قاله الفلاسفة عن حقيقة الجمال، وعندي أنها حقيقة حسية، تدركها انت بالحواس، وبخاصة السمع والبصر. وحدها:
أن كل ما سر النفس من طريق الحواس الخمس (أم هي ست أم سبع) ولا سيما العين (١) والاذن، هو جميل. والجمال خصال مدركة بالحواس، وبخاصة هاتين الحاستين معاّ، أو منفردتين، من شأنها أن تسر النفس. فمثال المسموع: الصوت
стр. 580
الحسن. ومثال المرئي: المنظر الحسن، ومثال المسموع المرئي: الشلال مثلا، فإن له منظراّ حسناّ، وخريراّ حسناّ. ولله در الشاعر المبدع محمد المهدي المجذوب ﵀ (٢)، إذ يقول في نعت بعض الفاتنات:
شعرها العسجدي ينثال كالشلال ينصب في قرار النفوس
وأول القصيدة:
تلك لوسي فجنباني لوسي ... رب كأسٍ تدير أعتى الرؤوس
هذا ولعلك، تقول: لماذا خصصت السمع والبصر دون سائر الحواس، والجواب عن ذلك، أني وجدت أن المذوقات والمشمومات والملموسات جميعًا أدخل في حاق الالتذاذ الجسدي، من المرئيات والمسموعات.
وكأن ما يلذك شمه أو ضمه أو ذوقه، يعطيك شعورًا جسديًا محضًا، خاليًا من الأبعاد الزمانية والمكانية، بخلاف المسموع والمرئي، فانهما لا يخلوان من بعدي الزمان والمكان.
والبعد المكاني أوضح في المرئي. والبعد الزماني أوضح في المسموع. والعين أقدر على ادراك المكان من الأذن. والأذن أقدر على إدراك الزمان من العين. والمكان أوضح للذهن الواعي من الزمان لتحيزه، وظهوره بمظهر الاستقرار والجمود، بحيث يمكن المرء من اختيار دقائقه وتفصيلاته اختبارًا كاملا، ولذلك كان استعمال المرئيات في معرض التوضيح والتبين، شائعاّ عند العلماء والنقاد والوصافين، ولذلك أيضاّ كثر تشبيه كثير من المدركات المسموعة، بالمدركات المرئية، بغرض التوضيح والإظهار. والزمان أعلق بالذهن الواعي، وبالنفس المحسة من المكان، لأنه أشبه بطبيعة الحياة، التي هي زمان يمر، وأنفاس تتعاقب، فلذلك كان التعبير عن طريقة أقوي وأشد، أليس عامل الزمان في المسموعات أوضح وأبين من عامل المكان؟ - خذ الكلمات مثلا، أليست صبغة الزمان أغلب عليها؟
стр. 581
ولعل هذه التفرقة بين المرئيات والمسموعات، تهدينا إلى إدراك السر في ارتفاع الشعر والموسيقا، عن الرسم والنحت والبناء. وجميع هاته فنون عبر بها البشر عن أروع ما شعروا به، وبأبهر ما قدروا عليه، ألا ترى أن المكان هو البعد البارز في الرسم والنحت والبناء؟ والمكان مع أنه من ظواهر الحياة، نجد أنه صنو الجانب المادي الفاقد للروح منها، فهذا يجعل التعبير عن طريق هذه الفنون أدنى إلى المادة، وأبعد الزماني، والزمان كأنه صنو الروح، التي إنما تمر أنفاسًا، وخفقات خفقات.
وقد جعل أرسطا طاليس الشعر في المنزلة العليا من الفنون، ولا أشك أنه أعلى منزلة من الموسيقا، لأن هذه يغلب عليها الزمان غلبة بينة، بحيث يصير عامل المكان المتجلي في نفس هيولي الأصوات ضئيلا خافتًا، كأنه لا موجود، أما الشعر وإن غلب الزمان عليه، فان للمكان فيه بروزًا ما-فهذا يجعله أشبه بحاق الحياة، من كلا الرسم والموسيقا اللذين يذهب أحدهما إلى المادة مذهبًا بعيدًا، ويذهب الآخر إلى الروح مذهبًا بعيدًا.
هذا، وحقيقة الجمال -مسموعًا كان أو مرئيًا- تدور كلها على أمرين:
الكل، والتفصيل. فالكل في المرئي يتجلى في الشكل والهيئة العامة، والتفصيل يتجلي في الألوان ومظاهر الضوء والظلام، التي بها تبرز حقيقة المرئي بروزًا كاملا. والكل في المسموع هو عبارة عن نوع رنته، وطبيعة جرسها. والتفصيل: عبارة عن تموجاتها ودخائلها.
فكل الصوت هو الذي يميز صوت البلبل من صوت الحمار، وتفصيل الصوت، هو الذي يميز، بين صوت بلبل وآخر. (هذا تمثيل، كما يقول سيبويه)، والحقيقة العميقة أن التمييز الحق بين صوت وآخر، يحصل بالكل والتفصيل معًا.
стр. 582
وعنصر الجمال في الكل والتفصيل، مرئيًا كان موضوعًا أو مسموعًا، يدور على الانسجام. فما الانسجام؟
حقيقة الانسجام:
الكل هو كالشكل، والتفصيل هو كالصبغة، والانسجام يقع في الكل وفي التفصيل وبين الاثنين معًا، وبذلك يتم الجمال. أما الانسجام في الشكل، وخير لنا هنا أن نستعمل المرئيات، لأن التعبير عنها أوضح- فيتجلى في أمرين: وحدة الشكل في مجموعه، واختلافه في تفصيلاته. خذ مثلا "مسجدًا"، وحدته تتجلي في كله معًا.
واختلاف تفصيلاته يتجلى في أن الطول منه غير العرض، والباب غير الشباك، والمئذنة غير السقف ومن الباب والشباك والمئذنة والطول والعرض، ومن كون هذه جميعًا منضوية تحت وحدة، يتكون شكل الجامع. فالذي يلائم بين هذه الأجزاء المتباينة، حتى إنك تراها متباينة، ثم في نفس الوقت تراها منضوية تحت وحدة واحدة، هو الانسجام.
والتفصيل فرع من الشكل، وهو لون الشكل وصبغته، مثل كون الجامع مبنيًا من آجر أحمر، أو من حجر، وكون شبابيكه من زجاج أبيض أو ملون، وكون أطرافه فيها زركشة، وغير ذلك من الدقائق، التي هي بدورها متباينة، ثم هي في نفس الوقت متحدة مع شكل الجامع، ومنضوية تحته انضواء كاملا. والذي مكنها من ذلك، عامل الانسجام.
وعلى هذا، فيمكن تعريف الانسجام بأنه: هو العنصر الذي يجمع بين الوحدة والتباين حتى يصير الشكل واحدًا، ثم لا يغفل حاسة الادراك بعد، عن التنبه في نفس الوقت إلى أجزائه المتباينة مع الشكل، كان الجمال وإذا طبقت هذا الحد على المسموعات صدق، وذلك بأن يكون للنغمات "كل واحد"، وتكون بعد
стр. 583
فيها تفاصيل متعددة متباينة، والسمع يدركها متباينة، ثم هو بعد ذلك يجمع بينها وبين كل النغمة، ويدرك جميع ذلك كأنه كل واحد.
هذا، ولعلك تتساءل: كيف أمكن لعامل الانسجام أن يوحد بين المتباينات من تفاصيل الشي، ويجعلها مع الشيء نفسه "كلا" واحدًا؟ وأجيب عن هذا بدءًا بالتنبيه على ألا يفهم من الانسجام وتسميتنا إياه عاملا، أنه شيء منفصل، يضاف إلى المتباينات فيجمعها، كما يضاف الوسيط إلى بعض المواد، فيحدث من جراء إضافته التفاعل الكيماوي. كلا. فالانسجام هو سر ينبعث من نفس طبيعة الوحدة والتباين. ونقيضه الاضطراب والتشويش. وعن التشويش والاضطراب يكون القبح.
ويكون الانسجام من توازن أجزاء الكل الواحد. وهذا التوازن ينشأ من أمرين: (١) تكرار وحدة الكل- وأعني بالوحدة هنا الجزي الأساسي. (٢) وتنويع هذه الوحدة. ألا ترى إلى المرئيات الجميلة، إنما تكون كلها عبارة عن خطوط تتوازي وتتقاطع، ودوائر تتكرر في نظام خاص، وزخارف إنما هي مكونة من
خطوط ودوائر وما إلى ذلك، قد كررت ونوعت. فالوحدة إما الخط، وإما الدائرة، وإما شيء من نوعهما. والتكرار هو إعادتك للوحدة التي بدأت بها على نظام مخصوص والتنويع هو أن تستبدل الوحدة بعد فترة، بوحدة أخري مباينة لها شيئًا يسيرًا وتعيد هذا النسق فيما بعد. ويكون الحاصل وحدة زخرفية قوام الوحدة فيها هو التكرار. وقوام الانسجام فيها هو التنويع، وانطواؤه في سجل التكرار.
والحق أن التكرار من أعمق ظواهر الحياة. أليس الليل والنهار يتكرران؟
أليس النفس يتكرر؟ أليس خفق القلب ودورة الدم، كل ذلك يتكرر؟ والتنويع يمنع الرتابة، خذ مثلا على ذلك هذا الحرف: تن واجعله بمثابة الوحدة. لو كررت تن تن
стр. 584
تن هكذا إلى ما لا نهاية، حصلت على الرتابة المطلقة. ولو جئت بوحدة مباينة ل (تن) هذه مباينة يسيرة مثل (تا)، وكررت بعد ذلك هكذا:
تن تا تن تا تن تا
بعدت عن الرتابة الأولي. وكان سر البعد هو التنويع ولو نوعت أكثر قلت:
تن تن تن تا ... تن تن ... تن تا
بعدت أكثر عن الرتابة. وهكذا كأن تقول:
تن تن تا تن تا تن تن تن تا تن تا تن
الانسجام في لفظ الشعر
تقول دائرة المعارف البريطانية: إن الشعر فاقد لعنصر الانسجام، وبهذا تمتاز الموسيقا عنه، وتزيد عليه (١). وهذا القول قد ألقاه صاحبه بلا تدبر، ولا تفكر. وقد نظر إلى معنى الانسجام من ثقف ضيق، وحصره في معناه الموسيقي الاصطلاحي، من حيث كونه ائتلافًا بين النغمات المتباينة من الآلات المتخلفة، يشدي بها في وقت واحد، ويجمع بينها اتفاق واحد: وهو أنها مكونة للحن واحد كامل. وحتى لو نظرنا إلى الانسجام من هذا المنظار الاصطلاحي الموسيقي الضيق، فلن يسعنا أن نقر هذا القائل على قوله بأن عنصر الانسجام مفقود في الشعر. وكأن هذا القائل قد قصر ناحية التنغيم والرنة في الشعر، على تفعيلاته وحدها أو ما يقوم مقامها على النظام الافرنجي دون العربي (٢). ولعله لو قد تأمل قليلا، لرأي أن موسيقا الشعر جامعة
стр. 585
للانسجام من أقطاره. ففيها من أول من كل شيء انسجام بين الوزن المحض، والكلام المسرود فيه. ومن المعلوم ضرورة أنك لا تلقي هكذا:
صفح/ نا عن/ بني/ذهلن/ وقل/نا لقو/ م إخ/ وانو
وإنما تلقيه هكذا:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان
وقد يحملك طلب الخطابة والتأثير إلى أن تلقي البيت كله دفعة واحدة، من دون التفات إلى آخر الشطر الأول.
وفي غير العربية يكثر التضمين في الاشعار. ودونك مثالا على ذلك قول شكسبير:
Methought I heard a voice cry: sleep no more!
Macbeth does murder sleep the innocent sleep,
Sleep that knits up the ravell'd sleeve of care
The death of each day's life,sore labour's bath
Balm of hurt minds, great nature's second course
Chief nourisher in life's feast (١)
فهذا الكلام متداخل مضمن لا يلتفت فيه الشاعر إلى ختم كلامه عند نهاية البيت، وإنما يسترسل فيه استرسالا كأنه ينثر. ولا يمكن لمن ينقد مثل هذا الكلام أن يتجاهل أن ثم انسجامًا وائتلافًا بين الوزن المحض، وبين جمله وصياغتيه. وقد تنبه النقاد الإنجليز لهذه الظاهرة، في هذا الشعر وفي غيره، وسموها. counter-point
وهل هذه الكاونتر بوينت (المقابلة اللفظية) إلا نوع من الانسجام. فالعجب لكاتب مقال الشعر في الموسوعة البريطانية، كيف خفي عليه هذا!
ثم إن في موسيقا الشعر انسجامًا وائتلافًا آخر، غير هذا الذي ذكرناه. هو
стр. 586
الذي يكون بين رنين الوزن ورنين اللفظ الملقي فيه. ولعله أن يتبادر إلى السامع أن هذا الانسجام والائتلاف هو عين الانسجام الأول الذي ذكرناه، وقلنا: إن النقاد الإنجليز يسمونه "كاونتر بوينت". والامر على خلاف ذلك. فالمقابلة التي بين الوزن المحض والقول المسرود، إنما هي مقابلة بين كم وكم، وبين كل وكل، هي مقابلة بين أزمان التفعيلات مجتمعة، وجملة الكلام الملقي فيها.
أما المقابلة الثانية، فهي بين نوع النغم المحض المصاحب لكم التفعيلات.
مثلا:
التفعيلات:
مستفعلن فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
يصحبها نغم محض مغاير لذلك الذي يصحب التفعيلات.
(فاعلاتن فاعلاتن) ×٢
ولا يسبقن إليك أن هذا مجرد توهم وافتراض، وتجشم واقتيال. فالوزن من حيث هو كم، تغلب عليه الصبغة الزمانية. ولكن يصاحبه نغم مجرد، هو الذي يجعل له ثباتًا عندنا، وبه يصح قياسه عندنا. واللفظ من حيث كونه جملة واحدة، تغلب عليه الصبغة المكانية، ولكنه يصحبه وزن متوهم، وفيه بعد نغمات جزئية، ورنات تفصيلية، وأنت حين تقابل بين النغم المجرد الكامن في الوزن، والنغمات الجزئية التفصيلية، وعنصر الوزن الذي في جملة القول المسرود.
وهذه الناحية اللطيفة إن خفيت على النقاد، فإنها لم تخف على الشعراء، ومن أجلها حلوا كلامهم بالقوافي، والتمسوا له المحسنات من السجع والتجنيس والطباق. ألا ترى إلى القافية، كأنما هي واسطة بين نغم الوزن المجرد، وبين رنين
стр. 587
ألفاظ الكلام الموضوع فيه؟ وقد فطن قدامة رحمة الله عليه (١)، إلى الائتلاف الذي بين الوزن المحض والقول المسرود فيه، وسماه ائتلاف اللفظ والوزن، ولكنه أجحف بأمر القافية، وزعم أن ليس لها ائتلاف مع الأجزاء والفصول الأخرى المكونة لحد الشعر، مثل الوزن واللفظ مثلا. وقد نبهنا في أول كتابنا هذا على ما تسبغه القوافي من الروح على الشعر الذي تصاحبه. ومن الغريب حقًا أن قدامة لم يستطع أن يتجاهل ما للقوافي من علاقة بنظم الشعر، من حيث ائتلافها معه، ونبؤها عنه. مثلا: إذا اضطر شاعر أن يضيف "فاستمع" أو "يا عالما بحالي" ليكمل البيت، ويأتي بالقافية، فإن هذا يتنافر مع سائر معني البيت. وقد مثل قدامة للتنافر فيما مثل به بقول القائل (٢):
ووقيت الحتوف من وارث وا ... لٍ وأبقاك صالحًا رب هود
وانتقد هذا قائلا: "فليس نسبة الشاعر الله إلى أنه رب هود، أجود من نسبته إلى رب نوح، ولكن القافية كانت دالية، فأتي بذلك للسجع، لا لإفادة معنى بما أتى منه، والله أعلم. اهـ."
والذي فات قدامة أن القافية كما تتنافر مع المعني، فقد تتنافر مع اللفظ، وقد تتنافر مع الوزن والنغمة. والعجب له كيف أجاز لنفسه أن يجعل بين القافية ومعني البيت ائتلافاّ، مع أنها بزعمه كلمة ليس لها حظ من الذاتية، إلا مجيئها في مقطع البيت، ومجيئها في مقطع البيت، على حسب قوله، ليس "ذاتيًا لها وإنما هو شيء عرض لها، بسبب أنه لم يوجد بعدها لفظ من البيت غيرها، وليس الترتيب- أن لا يوجد للشيء تال يتلوه- ذاتًا قائمة فيه. فهذا هو السبب في أنه لم يكن للقافية من جهة ما هي قافية تأليف مع غيرها. اهـ" (٣) -أقول: العجب له كيف أساغ مثل
стр. 588
هذا القول، ثم أرباح لنفسه أن يجعل للقافية ائتلافاّ مع معني البيت؟ وأعجب من ذلك، أنه حيث جسر أن يجعل لها ائتلافًا مع معني البيت، خاف من أن يجعل لها ائتلافًا مع وزنه ولفظه. والذي فاته أن القافية، متي وجدت، فأنها ليست بشيء عرضي، وليست بكلمة كسائر كلمات البيت، وانما هي رمز يشير إلى طبيعة نغمة ورئته، ورنة سائر القصيدة ووزنها. والناقد الحق من إذا وقع على قول مثل قول الديلمي:
أين ظباء المنحني ... سوالفًا وأعينا
ثبت في فكرة، واستقر في وهمه، وزن يرن بنا نا نا على طول تفعيلات البيت. ومثل هذا التوهم ينبغي ألا ينقطع، وإن كان القصيد غير مقفي - وهذا غير موجود في العربية وإن كان القصيد مسمطًا منوعًا في قوافيه. فسنخ القافية، وهو النغم المتوهم موجود في طبيعة الشعر. ولهذا قدمنا في باب النظم أن القافية أخت الوزن.
وبعد، فلعل هذا يوضح ما نذهب إليه، من وجود نوعين من الائتلاف والانسجام في طبيعة الشعر: الأول بين وزنه وكلامه، والثاني بين رنة وزنه ورنة كلامه. وقد أفردنا للوزن والقافية بابًا طويلًا، مر بك أيها القارئ في كتابنا الأول. وسنفرد فيما بعد بابًا خاصًا بالبيان إن شاء الله. فليكن حديثنا هنا مقصودًا على ناحية الرنين اللفظي.
أركان الرنين
لما كان الانسجام كله، مداره على التنويع والتكرار، فمظاهر التكرار لا تتعدي التكرار المحض والجناس. ومظاهر التنويع لا تتعدي الطباق والتقسيم. فهذه هي الأصناف الأربعة التي يقوم عليها رنين البيت بعد الوزن والقافية.
стр. 589
المطلب الأول
١ - التكرار المحض:
الغرض الرئيسي من التكرار هو الخطابة. ونعني بالخطابة: أن يعمد الشاعر إلى تقوية ناحية الإنشاء "أي ناحية العواطف، كالتعجب، والحنين، والاستغراب، وما إلى ذلك" من طريق التكرار. ولما كانت معاني الشعر الكبرى لا تتألف من لفظه فحسب، وانما من هذين مضافا إليها الوزن ببحوره وقوافيه، فالتكرار يتناول جميع هذه المسائل. ويمكننا أن نحصر التكرار الذي يحدثه الشعراء في ألفاظ شعرهم في الأنواع التالية، مع التذكر بأن عنصر الخطابة يشتملها جميعا، ولا يكاد يخلو واحد منها من تأثيره ولونه.
١ - التكرار المراد به تقوية النغم .
٢ - التكرار المراد به تقوية المعاني الصورية.
٣ - التكرار المراد به تقوية المعاني التفصيلية.
وهذه الأنواع الثلاثة قد تلتقي جميعها في بعض التكرار الذي يجئ به الشعراء، وقد يلتقي اثنان منها. ودونك بعض التفصيل.
التكرار المراد به تقوية النغم
من أكثر أصناف التكرار النغمي وروداّ في الشعر المعاصر، ذلك التكرار الذي
стр. 590
يعاد فيه بيت كامل أو بيتان، للفصل بين أقسام القصيدة الواحدة، مثال ذلك قول المهندس ﵀:
أين من عيني هاتيك المجالي ... ياعروس البحر يا حلم الخيال
فقد كرر هذا البيت عدة مرات في قصيدته. وهذا النوع من التكرار في صيغته العصرية التي نجدها عند المهندس وكثير غيره. مأخوذ من الأساليب الافرنجية، حيث يكثر الشعراء من استعمال إعادة الأبيات، ويسمون ذلك بالإنجليزية refrain. ويبدو أن اللغة العربية قد عرفت هذا النوع من الإعادة في دهرها الأول، حين لم تكن أوزانها وقوافيها قد بلغت النضج والقوة والاستواء الذي بلغته في العصر الجاهلي.
والذي يدلنا على أن العربية قد عرفت هذا النوع من التكرار أمران: أولهما أننا نجد نحوا منه في القرآن، في بعض السور المكية، مثل ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن، ومثل ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ في سورة القمر. ولا أحسب أن القران قد فاجأ العرب بضرب جديد من التأليف، إذ التزم هذا التكرار في هذا التكرار في هذه السور، ونحوا منه في غيرها. ولو قد كان ضرباّ جديداّ من التأليف، لكانوا قد طعنوا فيه ولكننا لم يبلغنا أنهم قد فعلوا ذلك.
ولعل قائلًا أن يقول: إن القرآن نثر، فكيف نتخذ من أسلوبه أدلة نتحدث بها عن الشعر؟ وهذا الاعتراض في ظاهره مقبول. ولكننا قد أسلفنا بدءًا أن نظام الوزن والتقفية لا بد أن تكون قد سبقتهما أجيال من التجربة. وأن أسلوب السجع لا بد أن قد كان شيء مشابه له هو الأسلوب الشعري عند العرب البادئين الاولين. يدل على ذلك محافظة الكهان عليه. والصلة بين الكهانة والشعر قوية (١). ولما جاء الإسلام كان أسلوب النثر العربي قد استقر على سجع الكهان والخطباء والقصاص.
стр. 591
وهؤلاء هم كانوا المقصودين بالتحدي من جانب القرآن. وقد جرى على أساليبهم ومنهجهم. فكونه نثرًا لا ينافي أن في أسلوبه مظاهر وصيغًا كان يتصف بها المنهج الشعري القديم. ومن أجل هذا جسر بعض الكفار، فسموا النبي شاعرًا، وفاتهم أن الشعر على ذلك العهد قد صار ذا وزن وقافية وأعاريض، وأن السجع قد خرج من ساحة الشعر خروجًا لازمه ولصق به، ألا تجده قد صار النثر الركوب في أواخر القرن الرابع، إلى أوائل عهدنا الحاضر؟
والأمر الثاني الذي نستدل به على أن اللغة العربية قد عرفت أسلوب إعادة البيت في أجزاء القصيدة على سبيل الترنم، هو ما نجده من رواسب هذا الأسلوب وآسانه في بعض الأشعار التي بأيدينا من تراث الجاهلين، وحتى في بعض الاشعار الإسلامية، خذ مثلا هذين البيتين لأمرئ القيس (١):
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بذات الخرامى أو على رأس أوعال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضًا بميثاء محلال
تأمل هنا تكرار "تحسب سلمى لا تزال". فمثل هذا التكرار ليس المراد منه مجرد الخطابة، ولكن تقوية النغم أيضًا. والشبه بينه وبين إعادة الأبيات (التي يسميها الإفرنج refrain، ويسميها العامة عندنا في أشعارهم الدراجة بالعصا قوي واضح).
وتأمل قول تأبط شرًا في القافية التي في أول المفضليات:
إني إذا خلة ضنت بنائلها ... وأمسكت بضعف الوصل أحذاق
نجوت منها نجائي من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقي
стр. 592
ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدي معدى ابن براق (١)
الشاهد هنا تكراره لكلمة ليلة، وكان له عنها مندوحة، كأن يقول: "حزة صاحوا" أو "ساعة صاحوا". وقد تقول إن الليلة أقوي في أداء المعني. ولا أدفع أن تكرارها قد زاد المعني قوة بتقوية النغم، ولكن التعبير "بالساعة" و"الحزة" كان يكون أدق، لأنه جرى لما سمعهم تصايحوا.
وقال تابط شرا في القصيدة:
لكنما عولي إن كنت ذا غولٍ ... على بصيرٍ بكسب الحمد سياق
سباق غايات مجد في أرومته ... مرجع الصوت هداّ بين أرفاق (٢)
فقوله سباق غايات مجدٍ، يؤكد نغم القافية ويصله بنغم البيت التالي. ولا أشك أن الطريقة التي كان يلقي بها الشعر كانت لها صلة قوية بهذا النوع من التكرار.
وجاء في القصيدة نفسها:
إني زعيم لئن تتركوا عذلي ... أن يسال الحي عني أهل آفاق
أن يسأل الحي عني أهل معرفة ... فلا يخبرهم عن ثابت لاق (٣)
стр. 593
ولعلك تكون لاحظت أن أكثر التكرار الذي تمثلنا به، يقع بين عج بيت سابق، وصدر بيت لاحق، بأن يعيد الشاعر قافية البيت السابق، أو كلمة من العجز قوية المدلول.
ونظير الأبيات التي أوردناها من شعر تأبط شرا، قول صاحبه الشنفري في تائيته المفضلية:
فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وطلت
بريحانة من بطن حلية نورت ... لها أرج ما حولها غير مسنت (١)
ونحو منه ما رواه القيرواني لأمرئ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عيشة جاوزنا حماه وشيزرا ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
ولعل ابن رشيق وهم في رواية هذين البيتين (٢).
وقالت ليلى في الحجاج (٣):
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
стр. 594
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجاج رز كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها
اعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
فأنت ترى هنا إعادة "شفاها" "سقاها" و"اعد" وكلهن من الشطر الثاني وشفاها، وسقاها قافيتان. ولا شك أن هذا النوع من التكرار إنما هو سؤر قد بقى من نظام إعادة البيت كاملا، على النحو الذي أحياه في عصرنا الحديث، أحمد شوقي، والمهندس وبعض المعاصرين (وان كان هؤلاء قد نظروا إلى الإفرنج).
ولعل أدل على القصد وأصدق في التمثيل من هذه الأمثلة التي أوردناها من شعر تأبط شرا وليلى، ما جاءت فيه الصدور مكررة في عدة أبيات من الشعر القديم.
مثال ذلك لامية الحارث اليشكري التي كرر فيه قوله:
قربا مربط النعامة مني
وقوله: يا بجير الخيرات لا صلح حتى
عدة مرات. ولعلة أن يقال: إن هذا التكرار من تزيد الرواة. ومع التسليم بذلك، فهو يدل على نهج من القول كان مألوفا في القصص المخلوط بالشعر. وقد روي أبو علي القالي رائية المهلهل (١):
أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
стр. 595
عن شيوخه الثقات، مكررة فيها الأبيات التالية على النحو الآتي:
وهمام بن مرة قد تركنا ... عليه القشعمين من النسور (١)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاه من الدبور (٢)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير (٣)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور (٤)
على أن ليس عدلا من كليب ... غداة بلابل الأمر الكبير (٥)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور (٦)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا علنت نجيات الأمور (٧)
فدي لبني الشقيقة يوم جاؤوا ... كأسد الغاب لجت في زئير
стр. 596
ألا يرى القارئ أن إعادة "على أن ليس الخ" إنما هي رنة لفظية قوية، كررها الشاعر ليصل بها الكلام، ويبالغ في جرسه. أم ليس في ورود هذا التكرار- منتحلا كان أو أصيلا- في شعر المهلهل وشعر الحارث بن عباد اليشكري حيث يقول:
قربا مربط النعامة مني ... قرباها وقربا سربالي
قربا مربط النعامة مني ... إن قتل الرجال بالشسع غال
وهو معاصر للمهلهل، ما يدل على أن هذا المنهج من التكرار كان حينئذ طريقًا مهيعًا؟
ونجد في أشعار هذيل- وهي حاوية لأوابد قليل نظيرها في غيرها من أشعار العرب أمثلة متعددة من هذا النوع من التكرار النغمي المراد به تقوية الجرس، والمذهوب به مذهبا قريبا من مذهب Refrain الإفرنجي. من ذلك قول أبي المثلم الهذلي يخاطب قرنه صخر الغي:
يا صخر ان كنت ذا بز تجمعه ... فإن حولك فتيانا لهم خلل (١)
أو كنت ذا صارم عضب مضاربه ... صافي الحديدة لا نكس ولا جبل (٢)
وسمحة من قسي النبع كاتمة ... مثل السبيكة لا ناب ولا عطل (٣)
стр. 597
يا صخر فالمرء يستبقي عشيرته ... قنية ذي المال وهو الحام البطل (١)
يا صخر يعلم يومًا أن مرجعه ... وادي الصديق إذا ما حلت الجلل (٢)
يا صخر ويحك لم عيرتني نفرا ... كانوا غداة صباحٍ صادقٍ قتلوا (٣)
يا صخر ثم سعي إخوانهم بهم ... سعيا حثيثًا فما طلوا ولا خملوا
بمنسر مصع يهدي أوائله ... حامي الحقيقة لا وإن ولا وكل (٤)
مشمر وله في الكف محدلة ... وأصمع نصله في الكف معتدل (٥)
يكاد يدرج درجًا أن يقلبه ... مس الأنامل صات قدحه زعل
يا صخر، وراد ماء قد تمانعه ... سوم الأراجيل حتى جمه طحل (٦)
стр. 598
يا صخر جاء له من غير مورده ... بصارمين معا لم يثبه وجل
يا صخر خضخض بالصفن السبيخ كما ... خاض القداح قمير طامعٌ خصل (١)
يا صخر ثم استقى ثم استمر كما ... يمشي السبنتي سروب ظهره خضل (٢)
يا صخرهم يبعثون النوح منقطع ال ... لميل التمام كما تستوله العجل (٣)
فيهم طعان كسفع النار مشعلة ... إذا معاشر في واديهم تبلوا (٤)
تأمل تكرار "صخر" هنا مع يا النداء، كيف جاء به الشاعر في عرض سياقه، حتى أنك لو حذفته، ما تأثر السياق بشيء. فهل تحسب أن تكرار الشعر لهذا الاسم على هذا المنهج جيء به لمجرد الخطابة، أم هو تكرار مساير للوزن، مقو للنغمة، فيه نفحة من نفحات أسلوب شاعري قديم كان يقع فيه التكرار أكثر من هذا.
ولعله يجوز لنا أن نلحق بهذا النوع من التكرار الترنمي الجاري مجرى refrain
نحو قول امرئ القيس في المعلقة:
стр. 599
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل (١)
كان الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
فأنا أحسب أن الشاعر هنا أراد أن يكرر عجز البيت السابق، ثم نفر من لفظه إلى لفظ آخر خشية أن يقع في الإيطاء. ولا أحسبه أراد إلى مجرد تكرار المعني.
وأوضح من هذا قول لبيد في المعلقة:
فتنازعا سبطا تطير ظلالة ... كدخان مشغلة يشب ضرامها
مشمولة غلثت بنابت عرفج ... كدخان نار ساطع أسنامها
فهذا أدخل في سنخ التكرار النغمي من الأول. وليبد يصف هنا الحمار الوحشي وأتانه وهما مجدان في السير، وقد تنازعا غبارا طويلا يلقي ظلاله على الأرض، هذه الظلال تشبه دخان نار مشعلة قد غلثت: أي خلطت بنايت عرفج أخضر، فعلا دخانها، وارتفعت اسنامه.
ألا ترى أن لبيد أعاد قولة "كدخان نار ساطع أسنامها" لا لتأكيد المعني كما قد يتبادر إلى الذهن، وانما لتأكيد نغمة الشطر السابق عند قوله "كدخان مشغلة" وكأنه أعجبه ذلك الشطر فأراد أن يتلذذ بإعادته، وإن كان ذلك بلفظ مخالف شيئا فعل هذا يبين لك ما زعمناه من أن امرأ القيس كرر تشبيه الثريا بأنها مربوطة إلى صخور يذبل، بغرض التلذذ بالنغم.
هذا، وسوى هاته الأصناف من التكرار الواضح أنها من أسآر نوع قديم من النظم، شيبه بتكرار الأبيات الذي نجده في الاشعار المعاصرة وفي نظم الأوروبيين،
стр. 600
تلفى أنواع كثيرة من التكرار قريبة النسب منها، ترى صغبة النغم أوضح فيها وأقوى من صبغة الخطابة والإنشاء. تأمل مثلا قول جرير (١):
متى كان الخيام بذي طلوح ... سيقت الغيث أيتها الخيام
تنكر من معارفها ومالت ... دعائمها وقد بلي الثمام (٢)
تغالي فوق أجرعك الخزامي ... بنور واستهل بك الغمام (٣)
مقام الحي مر له ثمان ... إلى عشرين، قد بلي المقام
أقول لصحبتي لما ارتحلنا ... ودمع العين منهر سجام (٤)
أتمضون الرسوم ولا تحيا ... كلامكم علي إذن حرام (٥)
بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام (٦)
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام (٧)
أليس لما طلبت فدتك نفسي ... قضاه أو لحاجتي انصرام (٨)
فدى نفسي لنفسك من ضجيع ... إذا ما التج بالسنة المنام (٩)