الحضارة في المشرق تحت حكم الخلفاء الفون كريمير (نقله إلى العربية الأستاذ مصطفى بدر) والخلفاء ورعاياهم من غير المسلمين لتريتون. وتاريخ الخلفاء الفاطميين لأوليري إلخ.
وعن فرقه: تاريخ الفرق في الإسلام لفون كريمير، والعقيدة الإسلامية والأشعري لهوتسما، وعقيدة الوهابيين لفان ديفيلن، وأصول الإسماعيليين والإسماعيلية البرنارد لويس، والإسماعيلية في الهند لإيفانوف، والزندقة والإسماعيلية والنصيرية والأباضية والشيعة لشترومان، والسنة والشيعة لليختاستادتر، والمذاهب الباطنية لهابولد إلخ.
وعن تعاليمه: تعاليم الإسلام لسير توماس أرنولد (وقد نقل إلى التركية والأردية والعربية والإسلام لجولدصيهر (وقد ترجم إلى الفرنسية) والإسلام البدريين (بالدانمركية) والإسلام لماسه (وقد نقله إلى العربية الدكتور مصطفى الرافعي والإسلام هاملتون جيب، والأدلة الجلية في موافقة الشريعة الإسلامية لقواعد الإنسانية لوود برتشرد، والاتجاهات الحديثة في الإسلام لنفر من المستشرقين، انتهوا به إلى أنه أكبر عامل للتوازن بين فوضى الوطنية الأوربية وبين زحف الشيوعية الروسية، والنظم الإسلامية لجودفروا- ديمومبين، والإسلام وأديان الشرق القديم لألبريت.
وعن علومه وآدابه: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث رتبه نخبة من المستشرقين. ثم نشر فلايخامير، لأول مرة: كتاب مشاهير علماء الأمصار لمحمد بن حسبان البستي، وفيه ترجمة ١٦٠٢ حديث من الصحابة إلى التابعين فأتباع التابعين، محققة على المخطوط الوحيد في مكتبة جامعة ليبزيج، والفقه الإسلامي في نشأته وتأثره وتطوره وأثره، بتحقيق وترجمة الكثير من مصنفاته لشاخت (١)، وعلى الكلام وتطوره في الإسلام لماكدونلد، وعلم الاجتماع في الإسلام، في مجلدين، لليني، والفلسفة الإسلامية لكريستنسن، وتاريخ الفلسفة في الإسلام لدى بوير (وفد ترجمة إلى الإنجليزية جونز، وإلى العربية الأستاذ أبو ريده) والتصوف في الإسلام، مع ترجمة لأصحابه ونقد لمذاهبه وتحليل لتطوره، في ثمانية أجزاء، لنيكولسن،
стр. 1087
وتراث الإسلام لألفرد جيوم، ومفكرو الإسلام لكارادي فو، والأدب الإسلامي ليفانمولر، ومعجم الإسلام لهيوز، والموجز في المراجع الإسلامية لجابرييلي ... ثم دائرة المعارف الإسلامية، وقد باشرت النقل من الطبعة الجديدة والتعليق عليها لجنة من خريجي الجامعة المصرية.
(ج) الفتح الإسلامي:
وقد وطأ له المستشرقون بمصنفات عديدة عن تاريخ وسكان تلك البلدان التي فتحها الإسلام وما جاورها فحصوا أحوالها السياسية والإدارية والاجتماعية لتفسير بعض شئون الفتح، ودرسوا لغاتها وأديانها وحضاراتها وثقافاتها لتبيان الصلات بينها وبين ما أخذه الفاتحون عنها.
وتناولوا الفتح الإسلامي جملة وتفصيلا من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية حتى الشرق الأقصى وافريقيا، والأندلس وفرنسا، وإيطاليا، وصقلية. ودرسوا أثر ذلك الفتح في الحملات الصليبية، والإمبراطورية المغولية، والسلطنة العثمانية، وطرق التجارة، والعودة إلى الشرق الأدني: كتاريخ العصر الوسيط لبيكر، وحوليات الإسلام لكايتاني، وقد أنفق على ثلاث بعثات إلى مواقع الفتح لرسمها جغرافيا وطوبوغرافيا، وجمع المصادر من اللاتينية والسريانية والعربية، وأرسل تجارب المطبعة إلى المتخصصين بالفتح وأخذ بملاحظاتهم عليها ونشر الحوليات نشرة أنيقة ووزعها على العلماء والدوائر العلمية. وفتح سوريا لدي خويه، والأنباط والعرب لكانتينو، وفلسطين منذ الفتح العربي حتى الحروب الصليبية لميادنيكوف، ومصر لبتلر، وإيران لفللوزن، وأرمينيا للوران، وآسيا الوسطى لبارتولد، وشمالى أفريقيا والأندلس لجاتو، والإسلام في أفريقيا الشرقية لليندون هاريس، وأفريقيا الاستوائية والإسلام لجورج كمبل، وأفريقيا الوسطى لباتين، وأوربا لبيرين، والمسلمون السودفي أمريكا للنكولن. ثم تواريخ تلك الشعوب ومن أشهرها: مختصر تاريخ الشعوب الإسلامية من النبي محمد إلى سليم الأول لفايل، وكان أول تاريخ عام يستند إلى المصادر العربية. وتاريخ الشعوب الإسلامية، لبروكلمان، تناول فيه تاريخ العرب والمسلمين، منذ أقدم العصور إلى ما بعد الحرب الكبرى الأولى، فجاء الأول من نوعه إحاطة وأمانة وجدة - ما خلا بحثه أركان الإسلام (وقد ترجم
стр. 1088
إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية ونقله إلى العربية الأستاذان نبيه فارس ومنير البعلبكي، في خمسة أجزاء، بيروت) والعرب في التاريخ لبرنارد لويس، والإسلام في التاريخ الحديث لولفريد كانتوبل سميث، والإسلام والعصر الحديث لليختانستادتر، والشرق الأدنى الإسلامي للسير هاملتون جيب، ومانجو، وبكنجهام، وسافور، وديكنز، وكاشا (منشورات جامعة تورنتو).
(د) السلالات الحاكمة:
ولم يهمل المستشرقون أمراً من أمورها إلا صنفوا فيه فألف عن السلالات الإسلامية لين - بول. وعن الأمويين: فللوزن، ولامنس، وجابرييلي، ولبروك. وعن العباسيين: فان فلوتن، وهلليج، وبوفا، وفاسيلييف. وعن الطولونيين: بيكر. وعن الحمدانيين: فرايتاج. وعن الدويلات الفارسية: بارتولد. وعن الغزنويين: ماسه. وعن الإسماعيليين: إيفانوف. وعن الفاطميين: أوليري. وعن قرامطة البحرين: دي خويه. وعن السلجوقيين: ديني. وعن المغول: جروسه. وعن المماليك: فييت، وموير (مصنف كتاب دولة المماليك في مصر الذي نقله إلى العربية الأستاذان محمود عابدين، وسليم حسن). وعن الصفويين: مالكوم، وعن العمانيين: ينجر، وعن المغرب والأندلس: جوتيه، وجوزيف مالت كيب (مصنف كتاب مدنية العرب في الأندلس الذي نقله إلى العربية الدكتور تقي الدين الهلالي) ودوزي وليفي- بروفنسال. وعن الصلات الثقافية والتجارية بأوربا: أرنولد، وجيوم، وبالاثيوس، وايكر، وهايد، وشوب، وزورجا، وماسون، وراسموسن صاحب كتاب تجارة الشرق مع روسيا وإسكندناوه في العصر الوسيط. هذا إلى مئات من المستشرقين الذين تناولوا علوم تلك السلالات وآدابها وفتوها في كتب ذكرت مع آثارهم في هذا الكتاب.
(هـ) فنون وآداب وعلوم:
وقد صنِّف في مختلف الفنون الإسلامية أساتذة فنيون، منهم: فون كاراباشيك في الخطوط العربية وتطورها، وكرافت في الرسوم الشرقية، وفلوري في الزخرف الإسلامي، وكر زويل في العمارة الإسلامية، ومال في أثر العرب في الفن الروماني، وفارمر في الموسيقى العربية، وقد جمع مصادرها وتأثرها وأثرها وترجم لأصحابها ووصف
стр. 1089
آلاتها، وأحصى مصنفاتها، فأصبح فيها مرجعاً، (نقل الدكتور حسين نصار أحد كتبه بعنوان: مصادر الموسيقى العربية).
وعني باللغة العربية وآدابها كثيرون: فألف ريكندورف: العلاقات النحوية في اللغة العربية، في ٨٣١ صفحة، والنحو العربي الوصفي، في ٥٦٧ صفحة، وما زالا مرجعاً لاعتماد مؤلفهما على الأسلوب العلمي الحديث. وقواعد العربية لسوسين، وقد جدّده بروكلمان وطبع اثنتي عشرة طبعة. وصنّف هامر- بورجشتال أول تاريخ كامل للأدب العربي، في سبعة مجلدات، وقد ترجم فيه لـ ٩٩١٥ أديباً، واقتطف نماذج لكناباتهم من مخطوطات فيينا وليدن وجوتنجين، ولكن مصادر الأدب العربي لم يكن قد عرف جلها في عهده فغابت عنه أشياء. وتلاه تاريخ العرب وأدبهم لاربثنوت. والمدخل إلى تاريخ الأدب العربي لهاملتون جيب. وتاريخ الآداب العربية، لبروكلمان، في مجلدين، وتكملة من ثلاثة أجراء، عرض فيه لتراجم العلماء والأدباء في العصور الإسلامية كلها، مع ذيل بالمصادر لكل ترجمة، فلم يعرف له مثيل في شموله ودقته، وسهولة متناوله للمعنيين بالآداب العربية منذ صدر المجلد الأول منه (١٨٩٨) حتى اليوم وكان المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار قد شرع في نقله إلى العربية بتكليف من جامعة الدول العربية فصدر منه ثلاثة مجلدات، وأعيد طبع المجلد الأول) وتاريخ الأدب العربي في ضوء تاريخ العرب والإسلام السياسي والعمراني لنيكولسن.
وكشف عن مآثر العرب في العلوم علماء متخصصون: كالطب العربي وأثره في القرون الوسطى لكاميل، والطب العربي لبراون (وقد ترجمه إلى الفرنسية وعلق عليه رينو) وحول أصل الأعداد العربية، لكويدس، والعلم عند العرب وأثره في تطور العلم العالمي لمبيلي (نقله إلى العربية الدكتوران؛ عبد الحليم النجار، ومحمد يوسف موسى) وتاريخ العلوم لسارتون، وعلم الرياضيات لكاربنسكي، وعلم الفلك لنلينو، وعلم الكيميا لهولميارد، ونظرية العلماء المسلمين في علم الذرة البينيش، وتأثير الإسلام في العبادة اليهودية لنفتالي فييدر، والفكر العربي ومكانته في التاريخ لأوليرى. وكتب فبكه، بالفرنسية والإيطالية والألمانية، خمسين مقالة عن علوم العرب ومقابلتها بعلوم اليونان، منها ما أضافه ثابت بن قره إلى علوم
стр. 1090
اليونان، وتكملة كتابي إقليدس الضائعين بالأصل اليوناني. وأحصى مايرهوف في مفردات ابن البيطار ١٤٠٠ عقار بيها ٤٠٠ لم يعرفها اليونان. وقد أشهر ابن رشد على يد ميخائيل سكوت. والبيروني بفضل زاخاو، الذي عرفه بأنه أعظيم عقلية عرفها التاريخ. وظل الفارابي مضرورة إلى منتصف القرن التاسع عشر حتى أحتله شتانشنايدر، وديتريشي محله السامي، فعرض الأول له أمام مجمع العلوم ببطرسبرج في مصادره العربية والعبرية واللاتينية، مع ترجمة مسهبة. وأحمي الثاني جميع ما نسب إليه من رسائل ومؤلفات نشر منها مجموعتين كاملتين.
على حين أننا لم نهض بالتصنيف فيها على طريقتهم، إلا متأخرين عنهم. ولم يتورع بعضنا من انتحال بعض تصانيفهم: ككتاب الجزيرة العربية.
(و) المجموعات:
وإلى جانب نماذج المصنفات المتقدمة مجموعات علمية في مجلدات عديدة منها: مكتبة باريس الشرقية، والمكتبة الشرقية الألمانية، والمكتبة العربية الصقلية، ومكتبة الجغرافيين العرب، والمكتبة العربية الأسبانية، والمكتبة العربية الفلسفية. والمكتبة الجغرافية التاريخية، ومكتبة المؤرخين والجغرافيين العرب، والمكتبة الإسلامية، والمكتبة الحبشية، ومجموعة مؤرخي الصليبية، ومجموعة الإسلام، ومجموعة البدو، ومجموعة المراجع العربية، ومجموعة الأدب الفلسطيني.
يضاف إليها مجموعات المعاهد الشرقية، والجمعيات والمجلات الآسيوية، والمجامع العلمية، والمراكز الثقافية، والمتاحف والبعثات الأثرية، والمؤتمرات الدولية، والدراسات التي صنفت إحياء الذكرى النابغين من العرب أو احتفالاً بإحدى مؤسسات الاستشراق أو على شرف المشهورين من المستشرقين. ثم سلاسل منشورات الجامعات والجمعيات والمؤسسات: ككتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ في سلسلة برنستون، وكتاب الكامل للمبرد، ومعجم البلدان لياقون، والآثار الباقية إلخ، في نشريات الجمعية الشرقية الألمانية. والأنساب للسمعاني، والولاة والقضاة للكندي، وفتوح مصر والمغرب والأندلس لابن عبد الحكيم، والامع لابن نصر السراج، والبديع لابن المعتز إلخ، على نفقة لجنة جيب التذكارية.
وكان للمستشرقين والأساتذة الغرب الذين أخذنا عنهم المنهج العلمي الذين تميزت
стр. 1091
به ثقافة العصر أثر في أساليب تعليمنا وتحقيق تراثنا ودراسته والتصنيف فيه، وتقييمه بالنسبة إلى التراث العالمى، على جرأة في التفكير والتقدير والجهر بالحق أو ما يعتقد حقا. ثم المضي في طريق لا يعرف سالكه الملل ولا الإخفاق ولا الاتجار، مما طبع حياتنا الفكرية بطابع من الحدة. وقد ظهر ذلك الأثر بيننا في مناهج التعليم ونشر الذخائر، ولا سيما في كتب التاريخ العام: فصنف فيه بعضنا، بعد درس العلوم اللغوية والأدبية والعلمية والفنية، وتمحيص المؤثرات الجغرافية والسياسية والاقتصادية وتعريف الجماعات بطبائعها وتقاليدها وهجرتها ومواطنها وأحداثها، وصلاتها وتفاعلها وتطورها - كتاريخ العرب للدكتور جواد على، ومعظم مراجعه من دراسات المستشرقين - وكان متقدموهم ممن درسوا وصنفوا في التاريخ، حتى الإسلامي منه، يقصرون تواريخهم على الأسر ذات الخطر فحسب، مما جعلها صورة لتواريخ الأقدمين. وقد ظهر ذلك الأثر أيضا في كتب تاريخ الأدب: فتناولها بعضنا بالدرس والتمحيص والشرح، مما عرف في كتب التاريخ العام، وقسمها إلى عصور تتميز بفوارقها الآداب، وترجم لأصحابها ورتب آثارهم ونقد خصائصها النادرة والمتعددة والمختلفة على أسس المذاهب الحديثة، ووازن بينهم وأحل كلا منهم في مكانه اللائق، فانتهى إلى أدب واضح غي مبتكر يقوم على أحدث نهج علمي فعل: جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية، والدكتور أحمد أمين في ضحى الإسلام، والدكتور فؤاد افرام البستاني في الروائع، وقد نيفت على ٤٠ جزءاً. لا كما كان الحال في بعض انتقادات عرض لها ابن سلام، والعسكري، وابن قتيبة، وعبد القادر، في كتبهم. ومن حذا حذوهم من جمهرة مؤرخي الأدب، ولا كهؤلاء الذين يتباهون بالأخذ عن المستشرقين والاستشهاد بهم ثم تنقصهم عدهم في الدراسة والتصنيف، فضربوا بمؤلفاتهم مثلا زريا على العبث والضحالة والضيق، أو الذين ينتحلون طرائقهم وكتبهم ويغفلون ذكرهم، أو الذين يأخذون بشطر من اكتشافاتهم وينكرون عليهم شطره الآخر، أو يدعون إلى الأخذ بمنهجهم من دون علمهم لأن فهمهم للعربية قاصر وأحكامهم في ثقافتهم يغلب عليها التعصب الديني والسياسي، ولا كأولئك الذين تخرجوا عليهم وعرفوا فضلهم، ولكن الشجاعة خانتهم في الدفاع عنهم. وأشبه بهم هؤلاء الذين ساروا وراء نفر منهم سيراً جعلهم ينكرون علينا من تراثنا
стр. 1092
أثبته عندنا وأدني عصوره منا وأقر به فهماً إلينا- ما لم يقره ذلك النفر أنفسهم- وهم ينشرونه بمقدمات ضافية فيها من دعاوى الاكتشاف والفتح وبعد المدى ما لم يحلم به حالم أو يتخيله متخيل أو يبلغه الظن، ثم ينظرون إلى مفكري العرب نظرهم إلى تلاميذ الكتاتيب. مع أن مفكري العرب يعترفون لمعظم المستشرقين بفضل الريادة في الفهرسة والتحقيق والترجمة وتأصيل المنهج العلمي. ولكنهم يرون أن الباحث العربي قد يبزهم فيها عندما ينظر في تراثه وهو مزود بجميع مصادر الثقافة الإنسانية. وأنه من العبث أن نضرب صفحاً عن بوادر النهضة العلمية والأدبية والفنية العربية الحديثة التي بدأت تتضوأ في الأفق متنكبين طريقها إلى تقليد المستشرقين، الذين لا بد أن ينتهوا يوماً من تحقيق تراثنا وترجمته. وقد أوشكوا على ترجمة روائعه المعاصرة بالفرنسية والإنجليزية والاسبانية والألمانية والروسية إلخ، والتصنيف فيه، ولا يرقب منهم أن يصنفوا في علومهم وآدابهم وفنونهم بلغتنا ليقلدهم المقلدون في التصنيف.
ولقد بلغ المستشرقون، من تعليم لغاتنا وحفظ تراثنا والكشف عن آثارنا، واحياها بالنشر والترجمة والتصنيف، ذلك المبلغ، المنهج وميزات ووسائل لم تتوفر جميعها لنا من قبل، أشهرها:
١ - المنهج العلمي:
لم يبتدعه المستشرقون ابتداعاً، بل هو منهج أشاعه في الغرب أعلام المفكرين من أمثال: مونتن، وسنت افرموند، ومونتسكيو. ولئن كان مذهب التشكيك قد عرف عن الغزالي فإنه لم يؤخذ به إلا بفضل: ديكارت، ولاهارب، وبرونتيير، وهو قائم على الإحاطة والتنخل والموازنة والترتيب والاستنباط لبلوغ الحقيقة، وكل ما لا يثبت عليه من علم وأدب وفن مردود. وقد التزمه علماء الغرب في كل مناهجهم التزاماً شديداً، وطبقه المستشرقون على علومنا وآدابنا وفنوننا تطبيقاً صحيحاً، فعلهم بما في اللغات الأخرى سامية كانت أو آرية. وقد نحا نحوه بعض أسلافنا: كابن سلام، والعسكري، وابن قتيبة، والجرجاني. ودعا إليه الدكتور حسين هيكل بقوله: "وليس ريب في أن الشرق اليوم بحاجة أشد الحاجة إلى النهل من ورد الغرب في التفكير في الأدب والفن، فقد قطع ما بين حاضر الشرق الإسلامي وماضيه قرون
стр. 1093
من التعصب والجمود، ومن الحق علينا للغرب أن نقول: إن ما يقوم به علماؤه اليوم، من بحوث نفيسة في تاريخ الدراسات الإسلامية، والدراسات الشرقية، قد مهد لأبناء الإسلام وأبناء الشرق، أن يتزيدوا من هذه البحوث في تلك الدراسات، وأن يكونوا أكبر رجاء في الاهتداء إلى الحق". وكتب الأستاذ أمين الخولى، بعد تمثيله الجمهورية العربية المتحدة في مؤتمر المستشرفين الدولي الخامس والعشرين:
"قدمت السيدة كراتشكوفسكي بحثا عن نوادر مخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر الميلادي، وإني أشك في أن كثيرين من أئمة المسلمين يعرفون شيئاً عن هذه المخطوطات، وأظن أن هذه مسألة لا يمكن التساهل في تقديرها (١).
٢ - المميزات الخاصة:
وساعدهم على تطبيق منهجهم العلمي مميزات خاصة منها:
(ا) أخذهم بأمهات اللغات سامية كانت أو قرية، فدرسوا الكلدانية والآشورية والآرامية والسريانية والعبرية والعربية والحبشية والأرمنية والفارسية والتركية وسائر لغات الشرق الأقصى ، وصفوا في قواعد كل منها وفقهها ومعاجمها ولهجاتها وتاريخها، وقارنوا بينها وحددوا صلاتها باللغات الأخرى واللغات الآرية. وحلوا الكتابات اهير وغانمية والمسمارية والنبطية والجنوبية فأدى ذلك إلى اكتشافات غيرت وجه التاريخ، والأدلة على ذلك كثيرة:
فبيتر أحسن إحدى وخمسين لغة ولهجة، وقد صنف كتاب قواعد لثلاث عشرة لغة شرقية. وفرموند أتقن ثلاثين لغة. وتحدث روكيرت بثلاثين. وشبولير بخمس عشرة. وكان دوزي إلى تضلعه من اللغات السامية يكتب باللاتينية والفرنسية والاسبانية والإنجليزية والألمانية والسويدية. وكان تريتون يقرأ الكتابات اليونانية والسريانية والتدمرية، ويسمى الأزهار والأشجار والأطيار بأسمائها العربية والغربية ويحاور فيها العرب فلا يفقهون عنه. ولاويستروب: مقارنة العربية بالسنسكريتية. ومونك: تأثير العربية لغة أدبة في اللغة العبرية بعد التوراة. وفرانكيل: الكلمات الأجنبية في القرآن الكريم، ويوشمانوف: الكلمات العربية الدخيلة على الروسية. ودوزي: معجم الالفاظ الاسبانية والبرتغالية من أصل عربي. والأب با تستا:
стр. 1094
معجم الألفاظ البرتغالية المشتقة من العربية. والأب لامنس: المفردات الفرنسية المشتقة من العربية. ودي مينار: الدرر العمانية في اللغة العثمانية. وزيجليدي: الأسماء التركية البلغارية عند ابن فضلان. وفلاديمير تسوف: الكلمات العربية الدخيلة على المغرلية. وفينيكوف: لهجات العرب في آسيا الوسطى. وديمترييف: العناصر العربية في اللغة البشكيرية. ودافيد لوبس: الكتابة البرتغالية بحروف عربية في المغرب. واتوري روسي: كتابة البانيه بحروف عربية. وريبكا: أثر اللغة العربية في الأدبين التركي والفارسي. إلخ.
وسعوا وراء الفتح الإسلامي لتمحيص ما خلف من حضارة في العالم: فترجم هيار قصيدة كردية عن الصلاة الشرعية في الإسلام، وحقق ثلاثة صكوك عربية كتبت بياركند في تركستان. ونشر فان أراندونك الأخبار المروية عن حاتم الطائي بالفارسية والتركية والهندوستانية. وطبع لانجلس مخطوطين عربيين عن تماثيل الهندوستان. ووصف فينيكوف تقاليد بخاري العربية. وأرخ زويمر لأوائل المسلمين في الصين. وكتب رينه باسه عن: صلواتهم. وليفيكي: عن طلائع تجارهم. وبلليو: عن أقدم كتاباتهم، وصناعهم في عاصمة العباسيين. ومارتن هارتمان: عن تفسير المفردات الصينية العربية. وكشف هنري بارث عن المراجع العربية القديمة في تاريخ غربي أفريقيا. ووصف بوذا مجموعة المخطوطات العربية من نيجيريا. وأحصى شيروللى الوثائق العربية لتاريخ الصومال.
ثم تناولوا التراث الإنساني، من لغاته السامية والآرية، في الأديان والفنون والآداب والعلوم، فحققوا أصوله وتأثره وتفاعله وتطوره وأثره، من منابعه حتى عصرنا هذا: كتاريخ الفلسفة بأصولها اليونانية والسريانية والعربية والعبرية واللاتينية وسائار اللغات الغربية. وعلم الكلام لدى جميع الأم على مر العصور. ومقارنة الفقه الإسلامي بالقوانين الدينية والمدنية العالمية. وتاريخ الصليبية، نقلا عن المؤرخين العرب والأرمن واليونان واللاتين. إلخ ثم انتقال الفكر اليوناني إلى العرب وما أضافوه إليه. وأثر الفلسفة الإسلامية في التفكير الأوربي، ومساهمة الثقافة العربية في التراث العالمي إلخ.
ولما كان معظمهم يستظهر أكثر من لغة شرقية واحدة، عدا إتقانه غيرها
стр. 1095
من لغات الغرب واطلاعه على ما نشر فيها عن الشرق، فقد كان أدرى بالتراث الإنساني ممن انحصروا في نطاق واحد من اللغات السامية، وقرأ لغة من اللغات الآرية والمعجم تحت متناول يده، وأوسع علماً ممن عرفوا جانباً من جوانب تراثهم، بله التراث الإنساني، وأقوى حجة فيما لا يعز عليه من رأى، ولولا هؤلاء العلماء لغاب عنا الكثير مما أسهم به أسلافنا في تطوير الثقافة العالمية ونحن أحق الناس فخراً به.
(ب) وتخصص الواحد منهم بلغة أو دين أو علم أو أدب أو فن أو سلالة أو عصر أو أديب: فهذا باللغة وفقهها وبلاغتها، وذاك بالتشريع في الإسلام ونشأته وتأثره وتطوره، وآخر بالمواليد الطبيعية عند العرب والجغرافيا والتاريخ، وسواه بالموسيقى العربية ومصادرها وآلاتها ومصنفاتها، وغيره بالنباتات المذكورة في الشعر الجاهلي، وآخرون: في الحمدانيين، وفي عصر النهضة، وفي المتنبي. وبما أنهم دخلاء على التراث الشرقي فقد اصطنعوا التمحيص والدقة فيه، لعلمهم بأن الأخطاء الفاحشة والتحريف والتضليل تنال من أقدارهم في أعين الشرقيين وتصرف الأنظار عنهم. وكانوا عديدين من دول متعددة؛ يقروون ما يكتب في موضوعهم بسائر اللغات، ويصحح بعضهم البعض الآخر - كما وقع لدوزي، وفرايتاج، وآسين بالاثيوس، وفانيان الذي تعقب ترجمات حي بن يقظان الكثيرة، المتداولة وأعاد النظر فيها ثم نشرها متنا وترجمة فجاءت الطبعة العلمية الفريدة - وينزلون على الصواب متى أيقنوا الخطأ، مما دفعهم إلى ترصد الكتب والتشدد في نقدها وإعادة طبعها، بعد تنقيحها وضبطها والزيادة عليها، مرات.
(ج) وجلدهم على العمل الذي ضرب به المثل، وربما ينقضى عمر أحدهم في تحقيق مخطوط أو تصنيف كتاب بله مسرد أو مجموعة أو موسوعة دون كلل أو ملل: قادموند كاستل، قضى في وضع مجمل معجم اللغات السامية، ثماني عشرة سنة، بين ست عشرة وثماني عشرة ساعة في اليوم. وإدوارد لين رحل، في سبيل معجمه: مد القاموس، بالعربية والإنجليزية، ثلاث رحلات إلى مصر، وكان يعمل فيه من اثنتي عشرة ساعة إلى أربع عشرة في اليوم، ثم وقف عليه الخمس والعشرين سنة التي انتهت بها حياته. وبارانوف خص القاموس العربي الروسي بعشرين سنة من عمره. وفلوجيل جمع مخطوطات كاب الفهرست لابن النديم من مكتبات فيينا
стр. 1096
وباريس ولندن طوال خمس وعشرين سنة. وسلخ فايل ست عشرة سنة في تصنيف تاريخ الخلفاء. وهامر - بورجشتال ست سنوات في تاريخ الآداب العربية. ودي مينار، ودي كورتاي عشر سنوات في تحقيق وترجمة مروج الذهب لامسعودي. وتعاقب على ترجمة كتاب الخطط للمقريزي بوريان، وكازانوفا، وفييت. واستغرق نشر كتاب الطبقات الكبير للواقدي أربع عشرة سنة. وقضى فريتز هوايل سنوات في دراسة ديوان ابن قيس الرقيات، على جميع المخطوطات، طلباً لأسماء بعض الألبسة عند العرب، فلما ظفر باسمين اثنين منها اغتبط بهما اغتباطاً عرضه عن جهد تلك السنوات، كما اشتهر عنه. وفيفت آثار الكثيرين على المئات من أمثال: إدوارد براون، واسين بالاثيوس، وبروكلمان، وكراتشكوفسكي، وسارتون، وماسينيون دون أن يسف واحد منهم في واحدة منها، وقد أكبرها العلماء في الشرق والغرب.
٣ - التراث العربي:
والتراث العربي جزء من التراث الإنساني، ولعله أكثر أجزائه اتساعاً وتعقيداً وغموضاً، في أصوله وتأثره وتفاعله وتطوره وأثره، ذلك لما رافقه من عصبيات قبائل وأنساب وقرشيين وأنصار ومهاجرين، ومن منازعات على الخلافة بين الأمويين وبين الهاشميين قسمت المسلمين إلى سنيين وشيعيين وخوارج، ثم إلى فرق أخرى كثيرة وجمعيات سرية عديدة، ومن زندقات شعوبية دخلت الإسلام وأدخلت عليه معها البدع إلى جانب ترانها، ومن أحقاد المرتدين والملحدين والمنحرفين، ومن سعة الإسلام وانتشاره في الشرق والغرب والعلوم التي قامت عليه في: القرآن والحديث والسنة وعلم الكلام وأصول الدين والمذاهب الأربعة والفلسفة والتصوف، ومن تفسير كل ذلك تفسيراً يلائم المذاهب والنحل المتضاربة فتتجادل بالسيف بعد أن يعجز جدل الكلام.
كل ذلك ساعد على طمس بعض معالم التراث العربي والتشهير بالبعض الآخر مثل أبي حيان التوحيدي، والشريف الإدريسي، وابن رشد، وابن باجه الذي قال فيه ابن خاقان: إنه قذي في عين الدين إلخ. وجعل الاختلاف فيه كثيراً، والدس عليه بما هو براء منه: كحديث الغرانيق ونقد الصحيفة وما ذكر بشأنهما في القرآن الكريم. أما الحديث فقد ألفي البخاري، حين قام على جمعه، ستمائة ألف
стр. 1097
حديث، لم يصح لديه منها سوى أربعة آلاف، وكذلك لم يكن حظ اللغة والأدب والتاريخ بأفضل بكثير من حظ الدين.
أفإن طبقّ المستشرقون منهجم العلمي على تراثنا، وقد خلت نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، قدر استطاعتهم، من آثار تلك العصبيات والمنازعات والأهواء يكونوا قد أخطأوا في نظر البعض منا لأن نتائج منهجهم لم تأتنا بما ألفناه - وكان ذلك البعض ولا يزال يرى العالم ينهي عند مواطيء قدميه ويقصر مفاخرنا على قوله: نحن العرب نرعى الذمم - وتحمسنا له ووافق هري من نفسنا؟
إنا لنفرض جدلاً أن جمهرة المتصدين لتراثنا من شرقيين ومستشرقين لا تخلو أنفسهم من هوى ولا تبرأ من اعتلال، ولكن إلى أي هؤلاء المتصدين نطمئن أو نكون أكثر اطمئنانة وأقرب إلى تعرف الحقيقة والظفر بها: إلى هذا الذي يجهل المنهج العلمي فلايكاد يصل إلى صواب إلا عرضاً ومصادفة وندرة! أم إلى ذلك الذي يحارب هواه أو حتى يسالمه- إلا نفراً تناولت أقلامهم ذلك التراث بالنيل منه عن عصبية أو عقيدة أو مطمع سياسي فسخّر العلم ليجعل من الحق باطلاً- فيأخذ نفسه بالمنهج العلمي فتراه يقطع الأمصار وينفق الثروات ويفي العمر بين المخطوطات والآثار والمصنفات مطلعاً منقباً مستنطقاً مقارناً فلا يتقدم بقضية إلا وبيده دليلها، ولا ينهض بدعوى إلا وهو يسوق لها الأسانيد والحجج التي تحسم كل خلاف وتنفي كل ريب؟
٤ - المطابع الشرقية:
كان المستشرقون أول من أنشأ المطابع الشرقية في بلدان الغرب (ماينس ١٩٨٦) والشرقين الأوسط والأقصى، وشمالي أفريقيا (١). وقد استوعبت مطبعة ليدن وحدها حروف عشرين لغة شرقية. ومطبعة البروبغنده حروف مائتين وخمسين لغة منها اللغات الشرقية، ثم تعددت مطابع الجامعات والمكتبات والجمعيات والمراكز الثقافية والعلمية والأثرية، ونشرت الأمهات من علومنا وآدابنا وفنوننا، محققة مترجمة مصنفة فيها، على أروع ما يكون النشر دقة علمية وإتقان طباعة ورونق حروف.
стр. 1098
وقد ساعد على نشر كتبهم تحمل جمعياتهم ومعاهدهم ومحلاتهم وريع مؤسساتهم نفقات طبعها. من ذلاث: مروج الذهب للمسعودي. ورحلة ابن بطوطة (نشرتهما الجمعية الآسيوية الباريسية) وجمهزة النسب لابن الكلبي (نشرته المجلة الشرقية الألمانية) والمواعظ والاعتبار للمقريزي (نشرة المعهد الفرنسي الآثار الشرقية بالقاهرة) ومعجم الأدباء الياقوت (نشرته لجنة جيب التذكارية) وكتاب الاعتبار الأسامة بن منقذ (نشرته جامعة برنستون) وكتاب مشاهير علماء الأمصار للبستي (نشرته المكتبة الإسلامية في استانبول) وقد اشتد إقبالهم على مصنفاتهم فبيعت النسخة الأخيرة من كتاب باكورة تاريخ العرب لدى برسفال بثلاثمائة فرنك ذهبا. ثم نقلوا أمهاتها إلى لغاتهم المختلفة: كحياة محمد وعقيدته لاندراي فترجم من السويدية إلى الإيطالية والإنجليزية والألمانية، وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان الذي نقل إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والعربية. وكافأوا المتفوقين فيها بالمال والألقاب والأوسمة من أمثال: دوزي، وشاسينا، وجرمانوس. ووضعوا لجميع مصنفاتهم فهارس علمية استوفت ميزة المؤلفين وتقويم تواليفهم وخصائصها ووسائل توزيعها لتيسير اقتنائها.
هذا يوم لم يكن لنا مطبعة ولاكتب مطبوعة ولا كاتب يفكر في طبع كراس، بله كتاب محقق أو مترجم أو مصنف، وحين توفر لنا جميع ذلك، بعد أن قبسناه منهم، لم نتفوق به عليهم أو نحطه بسياج من التشجيع على غرارهم أو نضمن له رواجاً مثل رواجهم، على قلة قرائهم - وندرتهم من بيننا - وقلما تجاوزوا الألف، ووفرة العرب الذين يعدون بالملايين.
٥ - المجلات الشرقية:
نيِّفت المجلات والدوريات الشرقية عندهم على ثلاثمائة مجلة متنوعة خاصة بالاستشراق - ما عدا مئات تتعرض له في موضوعاتها العامة: كمجلة القانون المقارن ومحفوظات التاريخ، ومباحث العلوم الدينية - وهي تنشر بمختلف اللغات وبعضها بثلاث، وتتناول مباحها الشرق في لغاته وأديانه وعلومه وآدابه وفنونه، قديمها وحديثها، وتأثرها وأثرها ومقارنتها بغيرها، على الأسلوب العلمي الذي عرفناه لالمستشرقين، وتفتح صفحاتها للعلماء الشرقيين، ولا تكتفي بالماحث بل تتجاوزها إلى نشر المخطوطات والوثائق، ومختصرات المحاضرات الأساتذة ومصادر الاستشراق، وتقويم
стр. 1099
الكتب في الشرق والغرب، فلا يصدر كتاب حتى يبادر الناقد - ولكل مجلة نقاد متخصصون بالموضوعات والمؤلفين والعصور والدول إلخ وليس بينهم مرتزق أو متطفل أو محاب - يبادر إلى نقده نقدأ دقيقة نزيهة جهد المستطاع. وتضع معظم المجلات المسارد العامة، وتقدم فهارس المستشرقين للمطابع ودور النشر، في كبري عواصم العالم.
ولئن عدت تلك المجلات من أثبت وأوسع وأطرف مصادر علومنا وآدابنا وفنوننا في الغرب، فلا سبيل إلى مقابلتها بما لدينا منها، ولم تجاوز أصابع اليد، ولقد تعطلت، الرسالة والثقافة والكتاب والكاتب المصري، بعد صدورها بسنوات، على شدة حاجتنا إليها ووفرة الإمكانيات التي لم تهيأ في الغرب لغيرها. وقد شعرت وزارة الثقافة بهذه الحاجة فأحيت الرسالة والثقافة (١٩٦٣).
٦ - المؤتمرات الدولية:
ولقد بلغت مؤتمرات المستشرقين الدولية (١٨٧٣ - ١٩٦٤) ٢٦ مؤتمراً، ضم الواحد منها مئات العلماء من أعلام المستشرقين والعرب والمسلمين والشرقيين، أسهموا فيما بينهم في أقسامه الأربعة عشر، عن آسيا وأفريقيا، وتناولوها بالمحاضرات والأبحاث والنظريات والمقترحات. ثم نشروها في مجلدات للاهتداء بها كنظم ومناهج ووسائل، ثم أصبحت، مع دراسات مؤتمراتهم الموضوعية والإقليمية، أصولا وأمهات وأسانيد للباحثين.
* * *
وبعد، فما الدافع إلى الاستشراق وما الجزاء عليه؟
لم يكن الدافع واحداً للمستشرقين كافة، في جميع البلدان، خلال ألف عام، بل كانت هناك دوافع منوعة، متداخلة، متطورة، غلب عليها الطابع العلمي، فلا سبيل إلى أن يكون نوع الجزاء واحداً:
فأساتذة اللغات الشرقية في العصر الوسيط وتراجمته عملوا لقاء أجر -ما خلا الرهبان الذين كانوا وما زالوا يعملون ولا يؤجرون وقد أمنت لهم رهبانياتهم معايشهم- وأوائل المستشرقين وعلماء الجدل والموسرون نالوا جزاءهم بإرساء النهضة الأوربية على التراث العربي، وبتفسيرهم الكتب المقدسة باللغات الشرقية، وبالتضلع من العربية
стр. 1100
التي مثلت الثقافة الوسطى بين اليونانية القديمة واللاتينية الحديثة يومذاك.
ولما أرادت معظم دول الغرب عقد الصلات السياسية بدول الشرق والاغتراف من تراثه والانتفاع بثرائه والتزاحم على استعماره أحسنت كل دولة إلى مستشرقيها فضمهم ملوكها إلى حاشياتهم أمناء أسرار وتراجمة، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والدبلوماسية إلى بلدان الشرق، وولوهم كراسي اللغات الشرقية في كبري الجامعات والمدارس الخاصة والمكتبات العامة والمطابع الوطنية، وأجزلوا عطاءهم في الحل والترحال، ومنحوهم ألقاب الشرف وعضوية المجامع العلمية.
ولكن من يراجع تراجم هؤلاء، في هذا الكتاب، يجدهم أقلية، وهي وإن لم تندثر حتى اليوم، فإنها لا تسلك في سلك غالبية المستشرقين التي اتخذت الاستشراق علماً قائماً بذاته، وجوزيت عليه بما جزى العلماء قديماً من ضر في أكثر الأحيان: فيخائيل سكوت نالته ريبة من ترجمته ابن رشد. وروجر بيكون سجن باعتماده على الفلسفة الشرقية. وبوستل، وكان أعلم مستشرق في عصره يجله الملوك والأمراء، اعتقل في سبيله. وسيمون أوكلى انقطع لتدريس العربية في كمبريدج انقطاعاً - عاد عليه وعلى أسرته بالإفلاس والسجن حيث أتم الجزء الثاني من كتابه تاريخ المسلمين ولى سترانج كف بصره فيه ولم ينقطع عنه. والأمير كايتاني أنفق ثروته الطائلة عليه - عشرة آلاف جنيه ذهباً في السنة - وأفلس من بعده. وفرينل لقي مصرعه في التنقيب عن الآثار فيما بين النهرين. وزتسن ذهب ضحيته، بعد أن كشف عن آثار اليمن. ذهاب بالمر - ناشر ديوان البهاء زهير متن وترجمة شعرية بالإنجليزية - وقد قتل في عودته من سيناء.
والمستشرقون، عامة، كما مر بنا، مهوون الاستشراق ثم يتخذونه مهنة كأي المهن الحرة، في معاهده ومكتباته ومتاحفه ومطابعه ودور نشره ومجلاته، إلا ذوي اليسار مهم، أو الذين ضاقت مؤسساته عنهم فطلبوا الرزق من سبل غيرها، دون أن ينصرف أحدهم عن التحقيق والترجمة والتصنيف في تراثنا الذي أمسي من تاريخ العلوم والآداب والفنون، لا مطمع لدولهم فيه أو إقبال المواطنيهم عليه أو مسايرة لعصره له بعد تفجير النواة وجائزة نوبل وما استحدث من فنون، فلا ثراء للمهنة ولا أمل لصاحبها في ثراء.
стр. 1101
ولو أن أحدهم انصرف، طوال حياته، إلى حل الكلمات المتعارضة، أو جمع طوابع البريد النادرة، أو كتابة القصص البوليسي، بدل التحقيق والترجمة والتصنيف، لخرجت به من تلك الجزائر المتعددة التي يعيش فيها المستشرقون إلى العالم الرحب، في القرن العشرين، وأعادت عليه برخاء من العيش وشهرة بين الناس وسلامة من النقاد.
ولقد شاهدنا وسائلهم فيه من إقامة معاهد ومكتبات ومتاحف ومطابع ودور نشر ومؤتمرات وبعثات، وما خصت به كلها من هبات الأفراد ٢٠٠ ألف دولار على كرسي العربية في جامعة هارفارد. ومساعدات المؤسسات: ٣٥ مليون دولار من كارنيجي. وميزانيات الحكومات: ولا سبيل إلى تقديرها فألفيناها لا تقل شأنا عما لدينا منها. ولو أراد المستشرقون منها غير العلم لأحالوها إلى فنادق وملاه ومساكن ومتاجر فدرت عليهم، منذ مئات السنين بالملايين، ولو تركوا إلينا أمرها في الغرب الاستنفدت منا ثروات طائلة - فقد سعت بعض الدول العربية إلى إنشاء كرسي للعربية في جامعة سيدني باستراليا فحالت نفقاته الخمسة عشر ألف جنيه بينها وبينه. ولو لم ينفقوا على بعثاتهم في الشرق لما كان من سبيل إلى الكشف عن معظم كنوزه.
كما وازنا بين عنايتهم بتراثنا واكتشافه وصونه وتحقيقه وبين ما قمنا نحن به في سبيله فرأيناها تكاد تكون متساوية، ووازنا كذلك بين ترجمة أحدهم وآثاره وبين ترجمة أحد أعلامنا وآثاره فوجدناه يضاهيه خلقاً علمياً وعدد كتب، وألا غنى لنا عن معظمها في علومنا وآدابنا وفنوننا، ولا سبيل إلى جحد فضلها في فتح عيون الشرقيين والغربيين على ما في تراثنا من ثراء، ثم على نهضتنا الحديثة التي كانوا من دعائهما.
ولو سعينا إلى تحقيق تراثنا وترجمته والتصنيف فيه ونشره بشتى اللغات، منذ ألف عام، وفي كل مكان، لاحتجنا إلى استئجار مواهب مئات العلماء ومناهجهم ومعارفهم ودقهم وجلدهم طوال حياتهم.
وفي ذلك من العسر علينا ما فيه ومن النفقات عليه - وقد سحرت الكلمة المترجمة بما فيها حروف الجر والعطف والني بثلاثة مليات ومراجعتها بمليم - ما يستنفذ طائل الثروات.
أما ونحن لم نفعل، وعرفنا الجزاء الذي لقيه ويلقاه المستشرقون في بلدانهم، فكيف جزيناهم عليه ؟
стр. 1102
١ - موقف كتابنا من المستشرقين:
لم يكن موقف كتابنا من الاستشراق واحدة ولا مجمعة عليه ولا مطرداً فيه، بل مشتتاً متناقضاً مضطرباً يدحض بعضه البعض الآخر.
فأحمد فارس الشدياق جعلهم ضرراً وبلاء لا نفع منهم ولا دفع: "إن هؤلاء الأساتيذ لم يأخذوا العلم عن شيوخه ... وإنما تطفلوا عليه تطفلاً، وتوثبوا توثباً، ومن تخرج فيه بشيء فإنما تخرج على القسس ... ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه وتوهم أنه يعرف شيئا وهو يجهله. وكل منهم إذا درس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئاً منها تراه يخبط فيها خبط عشواء. فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهة واليقين، حدس فيه وخمن، فرجح المرجوح وفضل المفضول" (١).
والغريب في الأمر أن الشدياق أدرك الاستشراق، وهو في ذروة من العلمانية أبعد ما تكون من القسس، وقد أشرف بنفسه على تصحيح منشوارت المطبعة الإنجليزية العربية في مالطة، والتوراة في لندن، وصنف مع بادجر المحاورة الأنسية (مالطة ١٨٤٠) وترجم ديجا قصيدته في باي تونس، وصنف معه، في باريس: سند الراوي في الصرف الفرنساوي، للطلاب العرب، وصنف هو: الاكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية، والمقالة البخشيشية (نشرها أرنو متن وترجمة، الجزائر ١٨٩٣).
والأمير شكيب ارسلان ينطلق من التخصيص في تمييز الشعر المصنوع إلى التعميم في عداوة الغربي للشرقي: "وعلى كل الأحوال لا يقدر أحد أن يقول إن الشرقيين ليسوا أدري من الغربيين في آداب الشرقيين، ولغات الشرقيين ... وإن من أحمق الحمق أن نظن أن مرجليوث بكونه أفرنجياً، صار يميّز الشعر المصنوع على لسان الجاهلية من الشعر الجاهلى الأصلي ... وأما هؤلاء المستشرقون المتنطعون- ولا يطلق هذا إلا على نزر منهم - فإذا عثروا على حكاية شاردة، أو نكتة فاردة، في زاوية كتاب قد يكون محرفة، سقطوا عليها تهافت الذباب على الحلواء، وجعلوها معيارة ومقياسا، لا بل صيروها محكما يعرضون عليها سائر الحوادث ويغفلون
стр. 1103
أو يتغافلون عن الأحوال الخاصة، والأسباب المستثناة. ويرجع كل هذا التهور، إلى قلة الاطلاع في الأصل، هذا إذا لم يشب ذلك سوء قصد، لأن الغربي لم يبرح عدواً للشرقي، ورقيباً له، والنادر لا يعتد به" (١).
ولكن الأمير نفسه اعتد بالنادر واتخذ كتاب حاضر العالم الإسلامي - الذي نقله الأستاذ عجاج نويهض عن ستودارد - حقيقة علمية خالصة لا مثيل لها في المصنفات العربية، وعلق عليه بما قاله المستشرقون عنه. ونقل إلى العربية: قصة آخر بي سراج لشاتوبريان، ولم يكن مستشرقاً، وخلاصة تاريخ الأندلس للافاله- وهو مؤرخ فرنسي حقق مدنية الإسلام في أسبانيا ومزايا العرب في الصناعة والزراعة والغراس والبناء، والزخرف الشرقي، ووصف قصور اشبيلية وحمراء غرناطة وجامع قرطبة وأسلحة الأندلسيين - ولم يصنف في الإسلام أو عن تاريخه بالأندلس على اضطلاعه بأموره وسعة اطلاعه على تاريخه، وإنما تركه للإنجليز والفرنسيين مكتفية بالنقل عنهم في كتابه: تاريخ غزو العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط.
والتمس بعض علمائنا العذر لأغلاط المستشرقين في التحقيق فقالوا:
"إن الأسفار الأدبية الأولى كانت تنسخ نسخة وكان سوق النساخ رائجاً، دفع بعضهم إلى الصنعة التجارية فيه، فوقع تحريف كثير، ونصلت الكتابات فما يستطيع المحقق اليوم بعد طول عهد الكتابة أن يتميزها، فاعتاصت على بعض المستشرقين كلمات كما وقع في ذيل المعاجم العربية لدوزي، منها: أتان وصحيحها أثار، مؤدي- مودة. الابريسيم - الابرسيم، ألف مئة دينار - مئة ألف دينار، وقد صححها الشيخ إبراهيم اليازجي (٢).
وكذلك قابلتهم تلك الصعوبة في الشرح على الطريقة الكلامية، دون معرفة القصد الذوقي منها: كشرح كاترمير الأحداث بالغوغاء. وفي المفردات العربية المكتوبة بالحروف اللاتينية - التي كثيراً ما لا تفي بحاجة اللفظة العربية - في قواعد اللغة العربية وأصولها وترجمة بعض النصوص: كجمع بعضهم لورد على الوردين،
стр. 1104
بدل لوردات، لأنها جمع مذكر عاقل، وقد أجيزت من بعد. وتفسير كازانوفا أمي بشعبي، وإن أجازه بعض الباحثين. وترجمة كازيميرسكي قول الله للملائكة: "اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبي"، باعبدوا آدم.
وقد صحيح الأب أنستاس الكرملى الأغلاط اللغوية لفرايتاج في معجمه العربي اللاتيني، وللدكتور ليكلر في مفردات ابن البيطار المترجم إلى الفرنسية، ولكليمان هيار في كتاب البدء والتاريخ للمقدسي، ولدى خويه في كتاب فتوح البلدان للبلاذري، وفي مكتبة الجغرافيين العرب (١).
ثم حقق الأستاذ عبد السلام محمد هارون كتاب الاشتقاق لأبي بكر بن دريد فأثي على "فيستنفلد أول من نشره (١٨٥٤) نشرة علمية ممتازة أسدى بها خيرا كثيرة إلى الباحثين". ونقد الأستاذ هارون كتاب البغال لمحققه شارل بيلا، فرد عليه بأن المطابع المصرية لا تبعث بالمسودات (البروفات) إلى المؤلفين، وأن الأستاذ الذي أشرف عليها في المطبعة غير بعض قراءاتها وأضاف إلى تعليقاتها كما ظهرت في سبعة أرقام. وقبل بيلا من الأخطاء والتصحيحات التي أشار إليها الناقد ثمانية أرقام ورفض ١٤ رقماً، وأهمل غيرها. ثم انتقد هو الأستاذ هارون في تحقيقه كتاب العثمانية، فذكر أن فيه أخطاء كثيرة يقتصر على واحد منها: هو سقوط ورقتين من أوراق المخطوطة العثمانية، وضعهما في آخر الكتاب، دون أن يعرف أن النص ينهي عند (ص ٢٧٩ س ٤) في وسط جملة! فإدراك معنى النص أيضاً من شروط تحقيق النصوص ونشرها (٢).
وهكذا رد المستشرقون أنفسهم على هذه التصحيحات وكان لهم فيها استدراكات وتحقيقات وإصابات- كتصحيح بروكلمان كتاب عيون الأخبار للدينوري المطبوع في دار الكتب المصرية - لا تصدر إلا عن إطلاع وروية ونضج ونزاهة. ونزلوا دائماً على الصواب منها وأخذوا به في طبعاتهم المتكررة. في حين وقعنا في مثل أخطائهم في نقلنا عنهم، وكتبنا في تراثنا على غرارهم: فنقلنا جبل هرمون بدل حرمون (موسوعة تاريخ الحضارة، ج ١، ص ٦٧) والنزاري عوض الناصري (موسوعة
стр. 1105
تاريخ العالم، ج ١، ص ٢٨٢) في تاريخ الآداب العربية لبروكلمان: تحول الأب أنطون صالحاني اليسوعي إلى أحمد صالحاني، وملحم الأسود إلى ملهم، والغزيرى إلى كاسيري، والسمعاني إلى أسباني، وهي كتب منا منقولة عنهم. أما مصنفاتنا بالعربية، فلا تقل تحريفة عن الترجمة: ففي كتاب مصادر الدراسة الأدبية انقلب الدكتور مندور إلى غندور، وخلط بين الأستاذ عبد الغني حسن ومحمد حسن إلخ. وفي غيره ذكرت دراسات المستشرقين بدل أعمال المستشرقين وهو عنوان كتاب.
ومن كتّابنا من وضع الحد بين ما يستطيع المستشرقون النهوض به وما يعجزون عنه بقوله:
"إنه من تحصيل الحاصل أن يقال إن المستشرقين نشروا كثيراً من كتب العرب المطوية وإنهم وقفوا على طبعها فأحسنوا إخراجها وتبويبها. ولكنهم في أصل صناعتهم حفاظ مسجلون يغلب على الحلة مهم ضعف الملكة الأدبية، ومن كان منهم ألمانيًّا أو فرنسيًّا أو إنجليزيًّا تسأله عن أدباء قومه فلا تسمع منه رأياً يعول عليه، فليس من المعقول أن يعطيك رأياً يعول عليه في نقد البحتري والمتنبي والمعرى لمجرد علمه باللغة العربية. وعلمهم بمعاني الأدب والبلاغة، في الغالب، على معجمي يضع الكلمة أمام الكلمة، ولا ينفذ منهما إلى الباب. وقد أسيء الظن بالمستشرقين قديمة لأن الاستشراق كله يرجع في نشأته الأولى إلى التبشير، ولكن المستشرقين اليوم من غير المبشرين كثيرون، ولا ننسى أن الصناعة في جملتها تعتمد على عدة الصبر والجمع والتسجيل، ويندر أن يقترن الذكاء النافذ بهذه العدة. وربما صح في عمل الأكثرين من المستشرقين أنه تحضير واف كتحضير الخازن المساعد في انتظار العمل الناقد المبتكر، ولا سيما في هذا العصر الذى كدنا نفرغ فيه من نشر المطويات وجمع المتفرقات".
ولكن بعض المستشرقين تخصص في شاعر من شعرائنا كلاشر في المتنبي الذي فتد آراء جميع نقاده، من إبراهيم اليازجي إلى شفيق جبري، وقد نقل كتابه إلى العربية الدكتور أحمد أحمد بدوى (١) لا في أدب قومه، ألا يصح التعويل على
стр. 1106
رأيه، وقد أصبح فيه مرجعاً، تعويلنا على بعض نقادنا ممن ليس له ثقافته، أو من أساتذة الأدب عندنا وما هم بأدباء! ؟ ومن الأساتذة العرب الذين يعلمون اللغات والآداب الأجنبية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ويصنفون في شكسبير، وجوته، وهيجو! أم أننا نحن الشرقيين أوتينا عبقرية حقًّا في درس الأدب الغربي لم يؤتها المستشرقون في درس الأدب الشرقي؟
ووصف علمهم بمعاني الآداب والبلاغة بالعلم المعجمي لا ينطبق عليهم جميعاً فقد نظم بعضهم الشعر بالعربية، وترجم الشعر العربي شعراً بلغاتهم، وعدت مصنفاتهم عن العرب من روائع آدابهم. أما قوله بندرة اقتران الذكاء النافذ بعدة آلاف المستشرقين، في مختلف البلدان، خلال مئات الأعوام، وبشتى اللغات، لا لشيء إلا لأنهم مستشرقون، ففيه شيء من المبالغة.
ومن استنكر ضياع مخطوطاتنا:
"وسطا لصوص الكتب على بقية هذا التراث فتناهبوها، وأدرك بعض الأوربين من مستشرقين وقناصل وغيرهم ما لها من شأن علمي وتاريخي فراحوا يشترونها بأبخس الأثمان وينقلوها إلى بلادهم" (١).
ومن كشف عن أغراضهم منها:
"هي هذا الثأر القديم المتجدد بين هذا الوطن وبين أوربا، والذي بلغ ذروته في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين ... رأوا آثارنا ونقوشنا ومخطوطات تراثنا، ونقلوا إلى بلادهم ما أستطاعوا أن ينالوه منها بالسرقة أو الاستهداء أو الشراء ... وبدأوا بركام هائل من المؤلفات عن الدين الإسلامي ... فحفروا من حوله وبدأوا يهوون عليه بمعاولهم ليقلقوه ويقتلعوه ... وحفروا من حول تاريخنا وأدبنا ولغتنا وأهووا عليها بمعاولهم ... ونصب بعضهم نفسه لمخاصمة زملائه دفاعاً عن العرب والإسلام ... إمعاناً في التمويه والتضليل ... فتراهم يضيعون كثيراً من الوقت وينفقون كثيراً من المال في نشر بعض تراثنا القديم. فإذا نظرت فيا ينشرون وجدت أكثره من مؤلفات المتصوفين وخاصة الهنود" (٢).
ومن فطن إلى سذاجتنا ونبوغهم:
стр. 1107
"وكانوا يدعون إلى مؤتمراتهم بعض الشخصيات البارزة في الدراسات الإسلامية ليتحدثوا في بعض المسائل ... وكانت تنطلى هذه الخدعة على الكثيرين. وكانوا يراعون في دورياتهم جمال الإخراج وجودة الطباعة لتجذب الأنظار إليها وتسترعي الانتباه ... وعن طريق هذه الأبحاث تغلغل المستشرقون في مجال التعليم الجامعي وصار منهم أساتذة نستقدمهم وننفق عليهم الأموال الطائلة، كما تمكنوا من اقتحام المجامع العلمية اللغوية وصرنا نعتمد عليهم في دراساتنا اللغوية" (١).
ومن أنصفهم في الكثير مما اتهموا به ليتهمهم بغيره فيبدأ.
"بتسجيل ما للمستشرقين من فضل على تراثنا لا يجحده إلا جاهل أو مكابر. إننا ندين لهم بجمع ذلك التراث وصونه من الضياع ... وتسألون: وماذا لو تركوا تراثنا لنا. أما كنا أهلا لجمعه وصونه؟ فأجيبكم بملء يقيني: كلا ... كنا في غفلة عنه لا نكاد نحس وجوده أو نعرف قيمته أو نقدر حاجتنا إليه ... خدام دور العبادة يبيعون نفائسه بالكوم لتجار الحلوى والبقول ... ولم يقف جهدهم (المستشرقون) في الجمع على مجرد الاقتناء، بل فهرسوا ما جمعوا من تراثنا فهرسة علمية دقيقة .... ومن ثم انتقلوا إلى نشر ذلكم التراث نشرة يعتمد على أدق منهج للتوثيق والتحقيق ... وصحونا من نومنا، فإذا ألوف الذخائر العربية بين أيدينا، محررة موثقة، نلوذ بها في دراساتنا العالية، وتعد الرجوع إليها في أبحاثنا المتخصصة مدعاة للفخر والمباهاة ... وبلغوا في دراساتهم للشرق والعربية والإسلام حدة مذهلا من العمق والتخصص ... فهل قصدوا بهذه العملية الضخمة المنظمة خدمة العرب والشرق والإسلام؟ ... لقد استهدف الاستشراق في نشأته الأولى خدمة الكنيسة والاستعمار ... وما نشهد بين الفينة والفينة من التواء أساليهم في توجيه العبارات، واضطراب مناهجهم في سوق الأخبار، واعتسافهم في تأويلها بغية استخلاص نتائج خطرة سامة تمس ديننا وتاريخنا ... فما يجوز لنا بعد اليوم أن نتخلى عن تراث غال - نحن أهله وأصحابه- لسوانا من الأجانب الغرباء الذين كثيرا ما تعوزهم النزاهة والإخلاص بقدر ما يعوزهم ذوق العربية وإدراك أسرارها في التعبير والأداء " (٢).
стр. 1108
ومن ضيق الخناق عليهم:
"أن أوربا نظرت إلى هذه الحضارة -الحضارة الإسلامية- نظرة إكبار وتهافتت عليها، ولكن الرهبان أخذوا بدافع تعصي يحاربونها ... فبدأ جماعة من الرهبان يدرسون الثقافة الإسلامية، رائدهم في ذلك تتبع العورات وتلمس السيئات، بالإضافة إلى أن هذه الدراسة تدفع بهم إلى الرق في مجال الرهبنة ... وتعاونت الكنيسة مع ملوك أوربا على شد أزر المستشرقين والتمكين لهم في مهمتهم ونصفها الأول سياسي ونصفها الثاني تبشيري تعصبي" (١).
وبالرجوع إلى المترجمين ومكاتب الترجمة في طليطلة وبلنسية وصقلية والمؤلفين فيها نجد أن الاستشراق لم يستهدف في نشأته خدمة الكنيسة: فرجال الدين أتباع الفاتيكان (لئلا يختلطوا بالأرثوذكس والبروتستانت ومن زاحمهم من إرساليات علمانية فيما بعد - هم الذين نظروا إلى الحضارة الإسلامية - لا أوربا ولم يكن فيها متعلم سواهم - نظرة إكبار وتهافتوا عليها لإرساء النهضة الأوربية على أساس التراث الإنساني الذي تمثلته الثقافة العربية. وقد تعاونوا مع علماء المسلمين واليهود على نقل آمهات كتب: الرياضيات والفلك والطب والطبيعة والميكانيكا والكيميا والفلسفة والمنطق والأدب إلخ. وأولي ترجمات القرآن الكريم بمعاونة اثنين من العرب. أما تعلمهم العربية وتعليمها فلتخريخ أهل جدل، وتدريب أدلاء للحجيج إلى الأراضي المقدسة، وتحقيق الكتاب المقدس (٢)، وقد امتلاء العصر الوسيط بالأفكار الدينية، ثم وقفوا نشاطهم على التوراة بعد انفصال لوثر عن الكنيسة ورجع الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس إلى الشرق مهد الديانة المسيحية فتناولوه في جغرافيته وتاريخه ولغاته للكشف عن أسرار الكتاب المقدس.
فالنظر إلى الرهبان من زاوية واحدة قصية تبعدنا عن الصواب وتغمطهم حقهم: فادلرد أوف باث آثر المسلمين على النصارى، وبيكون سجن بإحداثه بدعة، وأرنولد الفيلانوف رمى بالسحر والإلحاد، وميخائيل سكوت أذاع اسم ابن رشد وفلسفته في أوربا فنالته منه ريبة، وتستر آخرون عن تواليفهم من تزمت العامة
стр. 1109
بنسبتها إلى المؤلفين العرب. كما فرقت الفلسفة الإسلامية القسس من الرهبانية الواحدة بين مؤيد ومناهض. فصنف رايموندو مارتيي كتاب خنجر الإيمان، معتمدة على الغزالى، للرد على القديس توما الأكويني. واعتنق تورميدا، الراهب الفرنسيسكاني، الإسلام في تونس، وتسمى بعبد الله بن على، وصنف كتب جدل في انتقاد النصرانية، مستندة إلى ابن حزم، أشهرها: تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب. وخلع غيره مسوح الرهبان إلى الحياة العلمانية كبالحريف. وكان آخرهم رونكاليا الفرنسيسكاني، ولاتور اليسوعي.
ولو استهدف الرهبان الجدل والتبشير فحسب، لاكتفوا بتعليم العربية، وأهملوا ما عداها من اللغات التي قل أو انقرض المتكلمون بها كاليونانية القديمة والعبرية والسريانية والكلدانية، وما كلفوا أنفسهم إنشاء بواكير: مكاتب الترجمة والمعاهد والمكتبات والمطابع والمجلات لحفظ ترانها ونشر ذخائره والتصنيف فيه وترجمته إلى لغات العالم. حتى إذا استقروا في شمالي أفريقيا منذ القرن الثالث عشر، وفي الشرق الأوسط في مطلع القرن السابع عشر أنشأوا، في عواصمه أولى المؤسسات على غرارها في الغرب (١) وأعادوا إلينا تراثنا الذي أخذوه عنا من الأندلس والبرتغال وصقلية وغيرها، الإرساء نهضتهم الأوربية، فأرسينا عليها نهضتنا الحديثة، ثم لحقت بهم الإرساليات البروتستانتية، والبعثات العلمانية وزاحمهم في نشاطهم دون أن يفلح أي منها في منع نصراني من إشهار إسلامه، أو فتن مسلم عن دينه، وقلما تعرضوا له، كما تدل عليه آثاره التي بين أيدينا، إلا بالإجلال: فكان المبشر كاتون ديل أول وأدق من نقل القرآن الكريم إلى اللغة السواحلية، واتخذ الدكتور ليندون هاريس كبير المبشرين في القارة الأفريقية قول صموئيل جونسون قاعدة لتبشيره: إن المسيحية والإسلام في عالم العقيدة هما الديانتان الجديرتان بالعناية، وكل ما عداهما فهو باطل. ولو نقورن أثر المرسلين الديني، على أي مذهب كانوا، بأثرهم العلمي فيا حفظوه من تراثنا وحققوه وترجموه وصنفوا فيه وعلموه: "ومن هنا وجدت اللغة العربية موئلا لها في المدارس الأجنبية والمدارس المسيحية الطائفية فانتشر تعليم الأدب العربي بين المسيحيين أكثر من انتشاره بين المسلمين" (٢)، ثم فيما علمونا إياه من علوم
стр. 1110
وآداب وفنون تعليمهم أبناء مللهم في أوطانهم، لرجح العلمي على الديي رجحاناً كبيراً.
ولئن استجاب بعض الملوك والأمراء والوزراء إلى اتباع الفاتيكان فأعانوهم على مآربهم بعض الوسائل إلا أنهم لم ينقادوا لهم فيها تمام الانقياد، ولهم أغراض غير أغراضهم: فشارل مارتل، ولويس التاسع صادراً أموال الكنيسة للإنفاق على حروبهما. وروجه الأول أضاف شارة محمد إلى شارة المسيح في ضرب نقوده، والحملات الصليبية نفسها لم تكن جميعها خالصة لوجه الدين، فالحملة الأولى استبعدت ملوك فرنسا وإنجلترا وألمانيا لأنهم كانوا مطرودين من حظيرة الدين. واتهم الفاتيكان فردريك الثاني ملك صقلية بالتواطئ مع المسلمين على المسيحية، وعندما تولى أمر الحملة السادسة وما زال محروماً، أشاد شعراء الفرنجة بنجاحها وإخفاق حملة الملك لويس القديس. وتعاون السلطان الغورى مع البنادقة الكاثوليك على البرتغاليين الكاثولياء. وحرم البابا تجارة البندقية وجنوى مع المسلمين فلم يفلح. وخرجت بعض الجامعات التي أنشأها رجال الدين على الكنيسة، فذهب من جامعة بولونيا، القول المأثور: حيث يجتمع ثلاثة أطباء يكون اثنان منهم كافرين. وأقر لويس الحادي عشر ملاك فرنسا تدريس أرسطو بشرح ابن رشد في جامعة باريس، على الرغم من تحريم الفاتيكان إياها بقرارات متواترة. وأنفذ كارلوس ملك إسبانيا زعيمة تيرولياً على رأس فريق من المرتزقة فهبوا رومة، وهتكوا أعراض المحصنات، وأعملوا السيف في رقاب الناس حتى المرضى واليتامى والمحتمين بالكنائس.
ثم جاء عهد الإصلاح الديني الذي قدم أوربا إلى معسكرين داميين فصل البروتستانت عن الفاتيكان. وتبعه عصر المفكرين الأحرار، والثورة الفرنسية، والمذاهب المستحدثة في العلوم والفنون والآداب، وانفصال الدولة عن الدين. وامتلاء عصرنا بالأفكار العلمية الحرة، جديع ذلك يدل دلالة واضحة على أن الغرب لم يكن أو يبق على حال واحدة من التفكير الديني والتعصب له مقروناً بالاستعمار، وأن ملوكه وأمراءه ووزراءه وحكامه استهدفوا التجارة والسياسة وانفتح أكثر من أي شيء آخر.
стр. 1111
أما المستشرقون العلمانيون فقد كانوا من الإسلام فئات:
فئة من طلاب الأساطير والغرائب والأهاجي، ولم تكن حقا من العلم في شيء فانقرضت بانقراض العصور الأولى.
وفئة من المرتزقة الذين وضعوا أقلامهم في خدمة مصالح بلدانهم الاقتصادية والسياسية والاستعمارية، وقد ألمعنا إليها في تراجم أصحابها وآثارهم وألفيناها تعجز عن أن تحجب المنصفين من أمثال بلنت الذي حارب الاستعمار في الهند ومصر وإيرلندا، وصنف كتابة عن مستقبل الإسلام. وآخر بعنوان: التاريخ السرى الاحتلال إنجلترا مصر (وقد ترجمه الأستاذ عبد القادر حمزة).
وفئة ثالثة من المتغطرسة الذين أعمتهم الضلالة عن الموضوعية المتفهمة وقد "غلب على نظرهم الاعتقاد بأن الإسلام دين قليل شأنه" (١) شأن بدويل، وبريدو، وسيل من القرن الثامن عشر، وجميع مصنفات هذه الفئات لا قيمة علمية لها. ثم أضيفت إليها تواليف الملحدين الذين ينالون من الإسلام نيلهم من النصرانية لأن الأديان في عرفهم عقبة تعترض الرقي البشري.
وفئة رابعة تعرضت للإسلام دون أن تقصد الطعن عليه، وإنما درسته دراستها كتبها الدينية. فقد درج العلماء، وفيهم الرهبان، على نقد الكتاب المقدس مثل رايموروس (المتوفي ١٧٦٨) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة هامبورج الذي خلف مخطوطة في نقد حياة المسيح، في ١٤٠٠ صفحة، نشر ليسنج أجزاء منه بعد سنوات. وهاجم المسيح بوير (١٨٤٠) ورينان (١٨٦٣) والقس لوازي، وغيرهم كثيرون، وليس أقل منهم عدد أولئك الذين تعرضوا للقديسين فقد نقد بور رسائل القديس بولس نقد عنيفة مقذعة. أما كيف كتبت أسفار العهد القديم؟ ومتى؟ وأين؟ فأسئلة صنف للرد عليها خمسون ألف مجلد. ثم أسفرت الخصومات بين الفرق المسيحية عن ألوف كتب الجدل، وقلما خلا واحد منها من النقد والطعن والتجريح.
وقد ترك أصحابها وشأنهم احتراما لحرية الفكر أو ازدراء لشأنهم، فلماذا نكرههم، وهم بشر مثلنا منهم من يصيب ومنهم من يخطئ، على الآخذ بآرائنا
стр. 1112
أو نتخذهم أعداء لنا؟ حتى الذي استند مهم إليها عاديناه: "قد لفت نظري كتاب نفسية المسلم المستشرق فرنسي يعتمد في كل سباب للإسلام على نصوص منقولة من صميم كتب إسلامية معروفة لنا جيدة" (١) ومن جانبهم الصواب في بعض مصنفاتهم: جولدصهر القائل في كتاب العقيدة والشريعة: إن التوحيد الإسلامي ينطوي على غموض في حين أن التثليث واضح في فهم الألوهية. وبروكلمان في تعريف أركان الإسلام في الفصل الذي عقده عنها من كتابه تاريخ الشعوب والدول الإسلامية. وبودى في مقدمة كتابه، الرسول، حياة محمد، الذي آمن بسلامة العقيدة الإسلامية، ثم ضل في تفسير الزكاة والجنة والنار والقضاء والقدر. وذهاب ماركس إلى تأثر التصوف الإسلامي برهبنة الشام، وجونز بفيدا الهنود، فرده ماسينيون إلى مصادره الإسلامية الصرف. واختلاط الأمر على غيرهم فظنوا أن المسلمين يعبدون محمداً عبادة النصارى للمسيح.
وقد أخضع حصفاء كتابنا دراسات المستشرقين للبحث العلمي، فتناول الأستاذ العقاد بعض ما قيل حديثا، باللغة الإنجليزية، عن الإسلام عقيدة وتفسيرة ونظمة وثقافة إلخ، فاعترف بإخلاص معظمهم وألزم الأقلية الضالة الحجة بالدليل (٢) أما قول بعض المستشرقين بأخذ الشريعة الإسلامية عن الفقه الروماني فقد فتد فقهاء الإسلام آراءهم:
"لم تسلك الشريعة الإسلامية في نموها الطريق الذي سلكه القانون الروماني، فإن هذا القانون قد بدأ عادات ونما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية أما الشريعة الإسلامية فقد بدأت كتاباً منزلاً ووحياً من عند الله. ونمت وازدهرت عن طريق القياس المنطقى والأحكام الموضوعية ... إلا أن فقهاء المسلمين امتاز وا على فقهاء العالم بعلم أصول الفقه" (٣).
وفئة خامسة أنصفت الإسلام، وإن لم تدن به، قولا وعملا وكتابة فلم يؤخذ عليها هفوة على كل ماديجته (٤) فيه، ومنها من ذهب به إخلاصه إلى اعتناقه من
стр. 1113
أمثال: بوركهارت، وكرنكوف، وزونستين، وشنيتسر، ودينه، وفلوري، وميشو- بيللر، ومارمادروك، وفيلبي، وليوبولد فايس، وجرمانوس. والعدد العديد من البولونيين. والأحد عشر ألمانيًّا الذين أشهروا إسلامهم في برلين وتسموا بأسمائه. والذين أسلموا على يد الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، ومنهم: الدكتورة وارزولايان الألمانية، وقد تسمت بسامية الأزهرية. والأمريكيان: خديجة دلتك، وليورس- الشيخ محمد الأزهري. والسويسريان: جميلة زوسترنج، والبرت كادلر. والبريطانيون: المستشرق جونس، والصحفي لويس هارد الذي أطلق على نفسه اسم رمسيس محمد يوسف، وايفون ايفيت كوكا وقد تسمت بانياس غلام قاسم. فهل عرف هؤلاء وغيرهم الإسلام في كتبنا عنه أم في كتب المستشرقين التي استهوهم فاعتنقوه؟ ثم أكان إسلامهم جميعا، ودفاعهم عن العرب، وعثورهم في الإسلام على أكبر عامل توازن بين فوضى الوطنية الأوربية وبين زحف الشيوعية الروسية، وإرجاع قيام العمارة والصناعة والفن في أفريقيا إلى العرب (في كتاب التغيير والاستمرار في الثقافات الأفريقية- منشورات جامعة شيكاغو) واطراء الثقافة الإسلامية بما لم يقله مسلم (في كتاب تحت ظلال الكنيسة لا يبانيث) والاعتراف بأن الإسلام أكثر موافقة لأفريقيا من النصرانية لسماحه وتعقيدها (في كتاب أفريقيا الاستوائية لجورج كمبل): أكان ذلك وغيره إمعانا في التمويه والتضليل؟ !
وهكذا نرى أن الذين تعصبوا على الإسلام قلة لا تساوي الذين تعصبوا له على النصرانية، ولا تذكر بالنسبة إلى الذين أنصفوه، ولا تحتسب بين مئات المستشرقين الذين تبرأ معظمهم منها، وفي ذلك يقول ستوري:
"إنكم في البلاد العربية تعتقدون أن المستشرقين متعصبون على الإسلام، وما أرى هذا الاعتقاد صحيحاً دون قيد. نعم، إن هناك فريقا تعصب بحكم صنعته التي يرتزق منها، ولكن هذا الفريق معروف عندنا كما هو معروف عندكم، وليس من الإنصاف أن يشمل الحكم جميع الباقين. إن الذين خدموا العربية كثيرون وقد حاولوا أن يكونوا منصفين في أنحاثهم بقدر ما يمكن للإنسان أن يكون منصفاً، وإن أخطأ باحث من غير قصد فليس السبيل إلى تقويمه أن يجرح ويقذف، ثم إنا
стр. 1114
نبحث لغات بعيدة عنا، ونخوض في موضوعات في غاية الدقة، مستعينين بالأساليب الحديثة، وكما أنه يشفع للطبيب الجراح -أن أخفق في عملية جراحية- حسن نيته، كذلك يجب أن يشفع للباحث طيب طويته وحرصه على الوصول إلى النتائج دون تعصب" (١).
ونحن نقول للعالم ستوري ونظرائه: إن التجريح والطعن والقذف قد أصابت معظم المتعرضين للكتب السماوية، ولم نقصرها معشر العرب على المستشرقين. فقد قال أستاذ جامعي عن العميد أحمد أمين: إنه كان من أبرز الكتاب المعاصرين الذين سلكوا في تلمذتهم للمستشرقين سبل الهجوم المقنع بستار العلم، متجنبة المصارحة مفضلا المواربة والمخاتلة، وقد تحدث في فجر الإسلام عن الحديث فمزج السم بالدسم. كما اتهم الشيخ أباريه مؤلف كتاب "أضواء على السنة المحمدية" بالافتراء والبهتان والدعوة الفاجرة، وقد كان أفحش وأسوأ أدباً من كل من تكلم في حق أبي هريرة من المعتزلة والرافضة والمستشرقين قديماً وحديثاً (٢).
أما القول في تراثنا بأننا نحن أهله وأصحابه ولا يجوز لنا بعد اليوم أن نتخلى عنه لسوانا من الأجانب الغرباء فقول مردود:
لأنه يحرمنا من حق درس التراث الإنساني، ولأولئك الأجانب الغرباء نصيب فيه. ويسقط، في الوقت نفسه، عن تراثنا صفته الإنسانية في تأثره بالثقافة العالمية وأثره فيها من اليونان والفرس والرومان إلى أوربا وأفريقيا وآسيا حتى الشرق الأقصى. ولولا جهود المستشرقين لما أحطنا به أو اهتدينا إلى كل عظمة أسلافنا (٣) وحققنا تواريخ أولى دولنا (٤) وما دامت ثقافتنا عالمية ومن سماء الشرق انبثقت الأديان الثلاثة المنزلة، حق لعلماء العالم تمحيصها لمعرفة مصادر حضارتهم، تقصيهم صلات بلدانهم بالشرق العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لتحديد تاريخهم منه في ضوها.
стр. 1115
ولأنه يبخس المستشرقين حقهم، في صون تراثنا وفهرسته وتحقيقه وترجمته والتصنيف فيه، ثم نشره عن طريق المعاهد والمطابع والمجلات والمؤتمرات. ولو نحن قابلنا جميع ذلك من يوم قام الاستشراق عصراً عصراً، حتى اليوم بما لدينا منه، ووازنا بين آثار المشهورين من المستشرقين: كدوزي وبروكلمان وماسينيون ونيكولسن وبين آثار أعلامنا لما فضلناهم في شأن كبير، وإلا لكنا اكتفينا بما لنا وضربنا صفحاً عن ترجمة المئات من مصنفات المستشرقين، وكفينا أنفسنا المفاخرة بها والقول في مقدماتها: إنه كان نقصاً كبيراً ومعيباً أن تخلو مكتبتنا العربية منها (١).
٢ - جزاء المؤسسات العلمية:
ما كان أغنانا عن مثل هذا الاستطراد لو نحن عدنا إلى الأزهر الشريف الذي أرصد في ميزانيته لعام ١٩٣٦ مبلغ ثلاثة آلاف جنيه لبعثة من اثني عشر طالباً إلى جامعات فرنسا وألمانيا وإنجلترا. وقول الشيخ المراغي، شيخه يومئذ، فيها:
"يجيء رجل مستشرق له دراسات عن رجال الإسلام: النبي، وعمر، وخالد ابن الوليد، والشافعي، ومالك. ويخبرك كيف جمع الحديث، ووجدت القراءات في القرآن، وتكون الفقه الإسلامي، وأنت لا تعرف عنه شيئاً".
ثم قررت مشيخة الأزهر (عام ١٩٦١) تكليف أعلام المستشرقين الذين اعتنقوا الإسلام بإلقاء سلسلة من دراساتهم الإسلامية على طلاب الفرقة النهائية في معهد الإعداد والتوجيه، قبل إيفادهم إلى الشعوب الإسلامية.
ولمناسبة إنشاء معهد عال للتراث، اقترحت الدكتورة بنت الشاطيء إيفاد الممتازين من خريجيه في بعثات علمية إلى معاهد الاستشراق بأوربا كليدن، وليننجراد وطشقند، ورومة، وصقلية (٢).
وقد تعاقبت بعثات الجامعات من الشرق الأوسط على معاهد المستشرقين فتعلم طلابنا عليهم وأخذوا بمنهجهم ونشروا المنتقى من أعمالهم ونقلوا عنهم إلى العربية
стр. 1116
المئات من مصنفاتهم في: الدين والعلم والأدب والفن. ودرسوا نفراً منهم وترجموا هم وعددوا آثارهم ومآثرهم، كقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في ماسينيون: "إن خسارة الدراسات الإسلامية بوفاة المستشرق العظيم. لويس ماسينيون لا تعد لها خسارة ... وله الفضل العظيم في تفسير نشأة التصوف الإسلامي ونموه تفسيراً مستمداً من أصول إسلامية خالصة ومن الكتاب والسنة على وجه التخصيص" (١).
ولم يحل اعتزاز علمائنا بشرقيتهم بينهم وبين الاعتراف بفضلهم - فعل غاندي، وما اعتز شرق بشرقيته مثله، فقد اعترف في مسيرته بقلمه، لاسير أدوين أرنولد بهديه إلى الحيتا من ترجمتها بالإنجليزية، ولبنيت بفتح تاريخ الهند المغلق، ولكارليل بإضاءة الإسلام وبطولة محمد (٢) - بل إن السنة العربية التي قالت بطلب العلم ولوفي الصين على أيدي المجوس والمشركين والصابئة لتقتضينا أن نكون في طليعة المنصفين المقدرين الشاكرين، ولا سيما أن المستشرقين تناولوا اللغات السامية جميعها، وخصونا، بفضل الإسلام، بأوفر قسط، فهل قال فيهم الفرس والترك والأحباش والهنود - وقد أكرمت إحدى عشرة دولة المستشرق ادوارد جرانفيل براون بكتاب نفيس ضم قصائد قرضها شعراء إيران في مدحه - بعض ما يقوله كتابنا اليوم؟
وعرفت المؤسسات الرسمية، وفي بعضها نفر من أولئك الناقدين، لامستشرقين فضلهم، واستعانت بهم في مكتباتها: شترن، وشبيتا، وفولدرس، وموريتس، وشاده في دار الكتب المصرية. وفي متاحفها: الفرنسيون في المتحف المصرى منذ إنشائه حتى عام ١٩٥٣. وفييت في دار الآثار العربية. وفي معاهدها: الإيطاليون والفرنسيون والبلجيكيون والاسبان والألمان والإنجليز وسواهم في الجامعة المصرية، ثم في غيرها. وفي مجامعها: خمسة أعضاء في المجمع اللغوي بمصر عند تأسيسه، وكثير في المجمع العلمي العربي بدمشق. وفي مؤتمراتها: حلقة المصطلحات العلمية ومهرجانات ابن سينا، والمتنبي، والبيروني إلخ. وفي مجلاتها: المقتطف، والهلال، والمشرق، والرسالة، والثقافة وسواها. وأجزلت عطاءهم وساوهم بأعلامها. وترجمت عنهم
стр. 1117
ونشرت آثارهم، ثم أدخلت دراستهم في منهج الشهادة التوجيهية.
أما وقد شغلوا بتراثنا كشفاً وجمعاً وتحقيقاً وترجمة وتصنيفاً، منذ ألف سنة، في جميع البلدان، وبشتى اللغات، فلا أقل من أن نشكر لهم فضلهم على العربية بالعربية، ونذيعه في كتاب، وإن لم يكن في مثل دقة كتبهم وعمقها وشمولها وجدتها، هو "المستشرقون".