نجيب العقيقي
المستشرقون
موسوعة في تراث العرب، مع تراجم الستشرقين
ودراساتهم عنه، منذ ألف عام حتى اليوم
- (الجزء الأول) -
طبعة ثالثة مزيدة ومنقحة
دار المعارف القاهرة مصر
١٩٦٤
стр. 2
للمؤلف بدار المعارف
من الأدب المقارن:
دراسة لخصائص الأدب، ومقارنة بين أغراض من الشعر العربي والغربي.
برج بابل:
قصة اللبنانيين في مصر - ملتقى العناصر والمذهب واللغات.
أرض الله:
مأساة الفلاحين في مصر منذ أجيال حتى أسدلت الثورة الستار عليها.
وبغيرها
تجفيف المستنقعات:
قصة وجدانية تحليلية (نفدت)
стр. 3
توطئة
الحضارة هي أنفس وأنبل وأخلد ما للأمة من تراث في جماع علومها وآدابها وفنونها، ولئن كان من صنع الطبقة الممتازة فيها فهو للإنسانية جمعاء لا فرق بين عرق ولغة وعقيدة، أو حاجز من زمان ومكان، مادامت تشارك فيه على أقدارها متأثرة ومبدعة ومؤثرة، وتتوارث أفضله وتبنى عليه في سبيل تطويرها وتفاهمها وتكاملها.
وقد كان للعرب والمستعربة والذين دخلوا في الإسلام تراث ومشاركة وإبداع منذ أقدم العصور، ولكنه لم يصبح عميقاً شاملاً متبلوراً إلا بالإسلام؛ فالإسلام مد فتوحه من مكة إلى الشرق والغرب، مستقراً في بعض بلدانها، ماراً أو مجاوراً بعضها الآخر. وقد دخل فيه كثيرون، واتسع سماحه- ولاسيما في عهد حكامه من العرب - لغيرهم من أصحاب العقائد. وكان لهؤلاء علوم وآداب وفنون فأدخلوها فيه، وجمعوا بين علومه وبينها، واتخذوا العربية لغة الكتاب لأدائها، فحلت محل الفارسية والسريانية والقبطية واليونانية واللاتينية من فارس إلى جبال البرانس، وتجاوزتها إلى غيرها من لغات أوربا، وحملت الدول الإسلامية على استبدال حروفها بحروفها، حتى استوعبت تراث الإسلام استيعاباً لم يتهيأ لمعظم اللغات الشرقية التي دان أهلها بالإسلام كالفارسية والتركية والأوردية، أو لأخواتها من اللغات السامية كالعبرية والسريانية والكلدانية. فكونت، في العصر الوسيط، حلقة بين تراث اليونانية القديمة وبين اللاتينية الحديث أرست عليه أوربا نهضتها وأبدعت من تراثاً، حتى إذا تهيأت لنا استعادته بنيناً عليه نهضتنا.
وظهر على طرفي النهضتين المستشرقون؛ فتناولوا تراثنا بالكشف والجمع والصون والتقويم والفهرسة، ولم يقفوا منه عندها فيموت بين جدران المكتبات والمتاحف والجمعيات، وإنما عمدوا إلى دراسة وتحقيقه ونشره وترجمته والتصنيف فيه: في منشئه وتأثره وتطوره وأثره وموازنته بغيره، واقفين عليه مواهبهم ومناهجهم وميزاتهم، مصطنعين لنشره المعاهد والمطابع والمجلات ودوائر المعارف والمؤتمرات، حتى بلغوا فيه، منذ مئات السنين، وفي شتى البلدان، وبسائر اللغات، مبلغاً عظيماً
стр. 4
من العمق والشمول والطرافة وأصبح جزءاً لا ينفصل عن تراثنا، ولا تؤرخ الحضارة الإنسانية إلا به- وقد عرف الغرب منه أصالتنا فيها - كما لا تصلنا بالعصر الحديث علوماً وآداباً وفنوناً، صلة أشد من لغات الغرب.
فإن نحن طوينا هذا الجهد تنكرنا للأمانة العلمية في البحث عن الحقيقة الموضوعية - مع أن نشره لا يتضمن الموافقة عليه والرضى عنه جميعه - فكأننا نأبى أن يكون تراثنا جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية التي هي ملك لنا كما هي ملك لهم. وإن طي نشاطهم يبعث على الريبة وسوء الظن والقطيعة، في حين أن الحضارة الإنسانية لا تقوم لها قائمة إلا على التعاون في نشر ذخائر كل أمة في العلوم والفنون والآداب، على تنوعها وأوجه الشبه والاختلاف فيها تعاوناً يقصر المسافات النفسية بينها تقصير المخترعات للمسافات الجغرافية، لخلق تضامن وجداني فكري خلقي، في ائتلاف صادق شامل مستمر.
وإذا كنا لا نفرق بين أن ينجلى لنا تراثنا ويحتل مكانته من الحضارة الإنسانية على أيدي العرب أو بالتعاون مع المستشرقين، فقد اعترفنا لهؤلاء بفضلهم، ونشرناه في الناس، وهو بعض حقهم علينا.
إلا أن تحقيق تراجم المستشرقين: منذ مئات السنين، في شتى البلدان، وبسائر اللغات، وذكر مكان وتاريخ آثارهم: المحققة والمترجمة والمصنفة، وإحصاء وسائل نشرها: في المعاهد والمكتبات والمتاحف والمطابع والمجلات والمجموعات والمؤتمرات، ليس بالأمر اليسير الهين. إذ شغل المستشرقون بنا عن أنفسهم أكثر مما زعمه ديجا القائل: «والمستشرقون قعدوا عن تصنيف تاريخ الاستشراق لشدة تنافسهم فيما بينهم وترصد بعضهم البعض الآخر» (١) وتركوا مصادر الاستشراق موزعة على المجلات والحوليات وفهارس المكتبات والمنوعات - عند وفاة أحدهم أو سرد مصنفاتهم أو تكريم أعلامهم - مبعثرة بين كتب التراجم الخاصة بالشرق ودوائر المعارف العامة وهي غير مستكملة لا تذكر سوى أعلام من الأموات في بضعة أسطر، وبين كراسات الوفيات لنفر من المشهورين. ولقد ضم أعلامهم في كتب مستقلة، ولكنها على نفاستها لم تتناول الاستشراق إلا من زاوية: فبعضها صنف في
стр. 5
الأغراض فسقط دي ساسي بين ثلاثة وعشرين رقماً في صفحات متفرقة وهوامش متعددة؛ وغيرها على بلد المضيف أو القومية، فنسب كازانوفا الفرنسي إلى إيطاليا على الرغم منه؛ ومعظمها اقتصر على بضعة من الآثار مغفلاً مكان نشرها، فذكر لكراوس ثلاثة وله عشرات.
ولما رأيت حظ المستشرقين من العربية أقل من نصيبهم فيها، سلخت في إعداد الطبعة الأولى عنهم سنتين ولما تف بما أحببته لها. وبذلت قصارى جهدي في الثانية فصلح بعض أمرها. ثم شجعنى نفادها على ثالثة خصصتها بخمس ساعات في اليوم طوال ست سنوات، منقباً عن التراث الشرق من فجر الحضارة إلى اليوم، مما أطال المقدمة، محصياً نشاط المستشرقين فيه حتى في مقالاتهم، ولمعظمها قيمة دراسية في ذاتها، محاولا توسيع آفاقه التي خفي بعضها عنا. وقد طبعت من الطبعة الثالثة خمسين نسخة أرسلتها إلى الملحقين الثقافيين، والأصدقاء من أعلام المستشرقين لتحقيق ما فاتني تحقيقه في مظانه -وقد نوهت به في تراجمهم- وأعدته واستعدته مرات، استيفاء لتراجم المستشرقين وعناوين آثارهم وأماكن طبعها وتواريخها إلا القليل منها الذي لا سبيل إليه.
وهكذا صدرت الطبعة الثالثة وقد أوفت على كثير مما تمنيته لها، وأصاب عملي المتواضع فيها أهدافاً أربعة هي: اتصال تراثنا بالحضارة الإنسانية اتصالاً وثيقاً منشأ وتأثراً وأثراً، والكشف عن كنوزه في الغرب مجموعة مصونة مفهرسة، وتحقيق المستشرقين لها وترجمتها ومقارنتها بنظائرها والتصنيف فيها، ووضعه بالعربية لأسهل عليهم الرجوع إليه، فلو أنه كتب بالفرنسية مثلاً لوجد مستشرق سكسوني أو سلافي لا يفهمها -ولن يفتقد فيه ما لا يعرفه- أما وهو مستشرق -وجل المستشرقين مستعربون- فسيقف عليه ويقرأ فيه تقديرنا لجهده واعترافنا بفضله.
стр. 6
الفصل الأول
مهد الحضارة
بزغ فجر الحضارة الإنسانية من الشرق الأدني، منذ أربعة آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد، واستقر ضحاها فيه طوال ثلاثة آلاف عام.
١ - سومر:
لقد حل هنكز الخط المسماري (١٨٥٠) وتوسع فيه أو برت ولورنسن، فجلا الأثريون حضارة سومر في جغرافيتها وسلالاتها وتاريخها جلاء دل على فضلها في وضع أسس النظم التجارية والمصرفية والموازين والمكاييل القانونية، واعتماد العقود المكتوبة والأختام الشخصية في المعاملة. وأثبت أنها كانت، في تاريخ العالم، أول من عرف المركبات ذات العجلات، وقوم السنة باثني عشر شهراً فورث تقويمها عنها اليهود والفرس والمسلمون، وسن قانوناً مدنياً مكتوباً، وجمع المعارف في مكتبات ضمت إحداها مجموعة من ثلاثين ألف لوح.
وتأثر الأكديون بالحضارة السومرية وعدلوا فيها وامتازوا بفن النحت عليها ولكنهم لم يأخذوا بها أخذ البابليين الذين أرسوا عليها أسس حكومتهم الرصينة ومنشآتهم المعمارية وتراثهم الفكري وتوسعهم التجاري. وقد فك جر وتجند رموز الكتابة البابلية (١٨٠٢) فكشف عن أثر البابليين في تقدم الطب والرياضة والجغرافيا، وعن إبداعهم علم الفلك، وتدوينهم أقدم القوانين، وهي مجموعة حمورابي - التي عثر عليها بين أنقاض مدينة السوس (١٩٠٢) وبلوغ حضارتهم المادية في عهده درجة لم يبلغها غيرها من مدن آسيا إلا بعد مئات السنين.
وخلفهم الآشوريون فاقتبسوا عنهم وتكون أدبهم في جملته من آثارهم، ما خلا الحوليات الملكية الآشورية، وهي مصادر تاريخية ذات أهمية بالغة، وقد جمع آشور بانيبال مكتبة من اثنتين وعشرين ألف آجرة في الدين والأدب
стр. 7
والسياسة والعلم فكانت أول مكتبة من نوعها. ونحا نحوهم الكلدانيون، في حين كانت تلك الحضارة قد انتقلت إلى مارديس وميليطيس، وأوفت على الغاية في كريت (١٦٠٠ - ١٤٠٠ ق. م.) فأضحت الحضارة الإيجية أم الثقافة اليونانية والهليستينية المشتقة منها، وعنها أخذت رومة والعرب فأوربا.
٢ - مصر:
ولئن أحال الزمان معظم الحضارات الشرقية إلى أنقاض، فقد خلدت عليه حضارة مصر المسجل أروعها على آثارها في: الأهرام، وأبي الهول، والأقصر، والكرنك، وغيرها من قبل التاريخ، والدولة القديمة (٢٧٠٠ - ٢٢٠٠ ق. م) والدولة الوسطى (٢١٠٠ - ١٧٨٨) والهكسوس (١٦٨٠ - ١٥٨٠) الذين أسسوا الأسرتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، والإمبراطورية أو الدولة الحديثة (١٥٨٠ - ١٠٩٠) والليبيين (٩٤٥ - ٧٤٥) والنوبيين (٧١٢ - ٦١١) والآشوريين (٦٧١ - ٦٦١).
فهل اقتصرت مصر على حضارة مادية في انتقال الفلاح من الفأس إلى المحراث، واكتشاف مناجم النحاس، وتشييد أول بناء بأدوات من الحجر (قبر الملك زوسر في القرن ٢٦ ق. م) وتنظيم الحكومة والبريد والتعداد؟ أو في مخر سفنها البحر الأحمر من شماله إلى جنوبه، وإقامة إمبراطورية جمعت بين بلدان شاسعة من أفريقيا وآسيا؟ إن فضل مصر على الحضارة الإنسانية أعم وأجزل وأنبل: فهي أول من وضع التقويم الشمسي (٢٧٨١ ق. م) وبرديات عن الجراحة والطب الظاهري، وقواعد الحساب على الأساس العشري، ومبادئ الجبر وهندسة المسطحات والمجسمات مما لم تعرفه أوربا إلا بعد ثلاثة آلاف عام. وأول من اكتشف القلم والحبر، والورق الذي ما زال يعرف باسمه المصري بابيروس على تحريف بسيط في اللغات الأوربية، وأبدع الأبجدية، فاشتق الفينيقيون أبجديتهم منها وعدلوا فيها ونشروها في طوافهم بالعالم فأخذها الآراميون إلى العرب والفرس والهنود، ونقلها اليونان إلى الرومان فأوربا، حتى أمست أساً لكل الحروف التي تكتب بها آسيا وأوربا وأفريقيا وأمريكا. أما الفكرة الدينية فقد سبقت مصر سائر الأم إلى التوحيد،
стр. 8
وسن دستور للضمير الإنساني فرداً وجماعة، وجعل الثواب والعقاب بعد الموت، فارتفع الإنسان إلى مثل خلقية هي أنبل ما وصل إليه في حياته. وجاءت تعاليم بتاح حوتب في الحكمة (٢٨٠٠ ق. م) قبل كنفوشيوس وبوذا وسقراط بألفين وثلاثمائة عام، وأسفار سنوحي، وقصة البحار الغريق (الأسرة الثانية عشرة) أعرق القصص التاريخي، ومسرحية أوزيريس التي تمثل حياته وموته في مصر وبعثه في جبيل مثالاً فذا لجميع الآلهة في غرب آسيا، وأقدم ما عرف عن التمثيل الديني.
وقد اهتدى علماء حملة نابليون على مصر (١٧٩٨) إلى هياكل الأقصر والكرنك، وصنفوا كتاباً في وصف مصر (١٨٠٩ - ١٨١٣) ثم قرأ شمبوليون حجر رشيد (١٨٢٢) فحل رموز الكتابة الهيروغليفية وألف أجرومية ومعجماً لها (١٨٣٢) فوضع بها أساس علم الآثار المصرية، ومهد السبيل للعلماء إلى التنقيب عن عالم عظيم مفقود، ولما وقف بمعبد الكرنك - وارتفاع عمد بهوه في الجزء الأوسط منه ٦٩ قدماً يتسع تاج كل منها لمائة واقف فوقه بهرته الحضارة المصرية فكتب: وفي الكرنك تبدت لي عظمة الفراعنة. وما من شعب قديم أو حديث خلا قدماء المصريين، قد أخرج كل ما تصوره الناس في العمارة بمثل هذا السمو والروعة والضخامة.
ولما طرد الآشوريون من مصر شجع ملكها بسماتيك (٦٦٣ - ٦٠٩) الفينيقيين - وتعود صلتهم بمصر إلى غزوهم وضرب الجزية عليهم وتزعمهم حركة الخروج عليها أيام أخناتون، واستمرار نزوحهم إليها وتفرقهم بين أرجائها ولاسيما في منف - واليونان على استيطان مصر للإفادة من نشاطهم وخبرتهم العظيمة وكان وجودهم فيها سبباً في رواج تجارتها وتوثيق عراها بدول البحر الأبيض المتوسط (١) ثم استعان الفرس بأسطول فينيقيا على فتح مصر والحبشة (٥٢٥) وثارت عليهم (٤٨٥) فأعادوا فتحها (٤٨٤) وانضمت إليهم مع فينيقيا في حملهم على اليونان (٤٨٠) وشيد مهندسوهما جسراً فوق الدردنيل من ٦٧٤ سفينة عد بين روائع القدماء الهندسية.
стр. 9
وما انفكت مصر مورداً يقصدها علماء فينيقيا واليونان ينهلون منها ويرسون في بلدانهم على قواعدها. ومن زارها في القرن السادس قبل الميلاد. فيثاغورس من جزيرة ناموس، الفيلسوف الرياضي، وأبقراط (المولود في جزيرة كوس ٦٤٠) أشهر أطباء العصر القديم. وطاليس (٦٤٠ - ٥٦٤) المولود في جزيرة ميليطيس من أصل فينيقي وتعلم فيها وفي فينيقيا ثم عاد إلى اليونان فأرسى أسس اللوم الرياضية والفلكية والطبيعية والفلسفة الصوفية فيها فخلد مواطنوه اسمه على رأس حكمائهم السبعة. وسولون (٦٤٠ - ٥٥٨) أقدر مصلح ومشرع وأحد حكماء أثينة السبعة. وعندما أنشأ اليونان، في إيليا على شاطئ إيطاليا الجنوبية، مدرستهم الفلسفية الشهيرة (في القرن الخامس قبل الميلاد)، وازدهر المسرح والخطابة والطب في صقلية (٤٨٤) لم تحجب مصر فاستمر العلماء يفدون إليها ويفيدون منها ويصنفون فيها من أمثال: هيرودوت (٤٨٤ - ٤٢٥) وكان شرقي الأصل في أحد أبويه وقد نفى من بلاده فطاف بفينيقيا ومصر حيث أبحر في النيل حتى أسوان، وصنف تاريخاً في وصف حياة مصر والشرق الأدنى واليونان. وديمقريطس الأبدري (٤١٠) الذي غادر إيليا إلى مصر والحبشة وفينيقيا وبابل وفارس والهند، مستزيداً من العلم، حتى قال عن نفسه: لم يفقني أحد قط ولا المصريون أنفسهم في رمم خطوط بحسب شروط معلومة، كما زار أفلاطون (٤٢٩ - ٣٤٧) تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو مصر وأعجب بها. وقضى أودكسوس (٤٠٨) فيها ستة عشر شهراً يدرس الفلك على كهنة عين شمس، ثم أنشأ مدرسة في أثينة لتعليم العلوم الطبيعية والفلسفة وقد ناقش أستاذه أفلاطون فيها ثم وقف جهده على علم الفلك.
ولما فتح الإسكندر الشرق الأدنى (٣٣٣ - ٣٢٣) أرسل ألواحاً من بابل إلى بلاد اليونان فترجمتها وتضلعت من علمي الفلك وتقويم البلدان، وشجع حكماء اليونان على استيطان الشرق الأدنى لتمكينه من الفتح بالثقافة اليونانية. وبعد وفاته تقاسم قواده إمبراطوريته في مقدونية، وآسيا، ومصر، فأخذوا بالملكية الشرقية نظاماً مطلقاً وطراز بلاط أورثوهما من بعدهم الرومان فأوربا حتى الثورة الفرنسية، وتحول اليونان عن عبادة آلهتهم الإغريقية البسيطة إلى عبادات شرقية زاخرة بالعواطف مثل: كبيلي الأم العظمى في آسيا الصغرى، وميثرا الفارسي، وإيزيس
стр. 10
المصرية، في حين ظلت س ر وجمهرة الشرقيين تعبد آلهتها وتتكلم بلغاتها وتجري على تقاليدها.
وكانت مصر، أصغر أجزاء تركة الإسكندر وأغناها، من نصيب أقدر قواده بطليموس (٣٠٥ - ٢٨٥) فعمل على ترقيتها زراعياً وصناعياً وتجارياً، وبسط سلطانها على شمالي برقة، وعلى فلسطين وفينيقيا وقبرص حيناً، وجعل الإسكندرية عاصمتها، وقد ضمت خليطاً من اليونان والإيطاليين والعرب والفينيقيين والفرس والإحباش، وأنشأ فيها المتحف والمكتبة (٢٩٠) وخلفه ابنه بطليموس الثاني (٢٨٥ - ٢٤٦) فجدد حفر الخليج القديم بين النيل وبين البحر الأحمر وابتنى قصر أنس الوجود في أسوان، وأقام منارة الإسكندرية (٢٧٩) وتزوج أخته على سنة الفراعنة (٢٧٦) وأتم المكتبة وأضاف إليها مكتبة أصغر منها، في معبد سرابيس، أربى عدد ملفاتها على ٥٣٢ ألفاً، واستقدم إلى الإسكندرية مشاهير الفلاسفة والعلماء والشعراء، ورجال الفن، وأغدق عليهم فعاشوا فيها وعرفوا بها، وأمر بترجمة التوراة من العبرية إلى اليونانية، وهي الترجمة السبعينية. وحمل مانيثون الكاهن المصري الأكبر (٢٨٠) على تصنيف حوليات مصر، فجمع الفراعنة في أسر مالكة، مازالت التقسيم المتبع حتى اليوم، وأخرج الشاعر هجسياس القوريني من الإسكندرية وقد أدت فصاحته، في تأييد نظرية الموت، إلى انتحار الكثيرين. واستولى بطليموس الثالث (٢٤٦ - ٢٢١) على سوريا وبني معبداً في أدفو، وأصلح التقويم المصري، وأمر بأن تودع مكتبة الإسكندرية جميع الكتب، ويعطى أصحابها صوراً منسوخة منها، واستعار من أثينة مخطوطات كبار مؤلفيها لقاء ضمان مالي ثم؛ احتفظ بأصولها وعوضها عنها نسخاً منها متنازلاً عن الضمان. وتعاقب البطالمة على مصر، وكان آخرهم كليوبطره (٤٧ - ٣٠) التي استمالت قيصر فأولدها قيصرون، وانتحر انطونيوس في سبيلها (٣١) ولما عجزت عن أوكتافيوس قتلت نفسها لئلا تكون زينة لمهرجانه.
وأضحت الإسكندرية في عهد أمناء مكتبها: زنودوتوس (٢٨٠) وأريستوفانس (٢٥٧ - ١٨٠) وأريستارخوس (١٤٥) وبفضل أساتذة متحفها وإقبال الطلاب
стр. 11
عليها الوريثة الشرقية لأثينة ومنارة للثقافة الهليستينيه - وهي مزيج من الثقافة اليونانية والحضارات السامية والإغريقية تميزت بالتوفيق بين المذاهب والصوفية والتجريد والتنوع - المنتشرة في مدارس قرطاجنة وبيروت وأنطاكية والرها وغيرها طوال أحقاب. ولئن حل فقه اللغة ونقد النصوص فيها محل الابتكار فلم ينازعها في العلوم منازع فنبغ فيها أقليدس (٣٠٦ - ٢٨٣) ركن علم الهندسة المكين صاحب علم الفلك وأصول الهندسة: وأخذ عن تلاميذه أرشميدس السرقوسي الذي ولد وتوفي في صقلية (٢١٢ - ٢٨٧) رأس علماء الطبيعة الأقدمين. وزاول الطب فيها هيروفيلوس المقدوني (٢٨٥) أكبر العلماء في تشريح العين والمخ. وطفق أساتذة متحفها يتوسعون في تعاليم فيثاغورس وأفلاطون فينشرها طلابهم في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط.
وحل الرومان محل اليونان (٣٠ ق. م - ٢٩٥ م) وخلفهم البيزنطيون (٣٩٥ - ٦٤١) وأجلاهم المسلمون (٦٤١) وقد جعل قيصر مصر من أملاك الإمبراطور وكلف سويجنس العالم الإسكندري تعديل التقويم المصري، وأضاف كاليغولا (٣٧ - ٤١) دين إيزيس إلى أديان رومة الرسمية، وأنشأ هدريان (١١٧ - ١٣٨) مجمعاً لينافس به متحف الإسكندرية، ثم زاد في محتوياته عندما زارها (١٣٠) وكانت مركزاً لدراسة الطب بز مدارسه في مرسيليا وليون وسرقوسه وأثينة وأنطاكيه، فتوافد عليه الطلاب من أنحاء الإمبراطورية وحسب الطبيب شهرة تخرجه منه. وقد صنفت إحدى طبيباته مترودورا رسالة في أمراض الرحم، عدت مرجعاً، وألف أحد أطبائه ديوسقوريدس القليقيائي (٤٠ - ٩٠) كتاباً في العقاقير الطبية أفاد من نقله العرب في بغداد وقرطبة واعتمدت عليه أوربا في عصر نهضتها، وتعلم الطب فيها وفي قيليقيا وقبرص جالينوس (١٣٠ - ٢٠٠) وزاوله في رومة (١٦٤ - ١٦٨) وهو أعظم أطباء عصره، وقد أربت مؤلفاته على ٥٠٠ سلي منها ١١٨ رسالة ضمنها جميع فروع الطب. كما اشتهر في الإسكندرية: بطليموس، نسبة إلى بطليموئيس على شاطئ النيل، أكبر علماء الفلك الأقدمين، صاحب النظام الرياضي ويطلق العرب عليه المجسطي (١٤٠) والموجز في الجغرافيا (١٥٥) وصور الكواكب إلخ. وهيرون الاسكندري (٢٢٥) الذي ألف رسائل
стр. 12
في الرياضيات والطبيعة وكتاباً في الحيل والهوائيات والمدايا، وصاغ عدداً من القوانين لقياس الأبعاد، واخترع آلة بخارية كانت آخر مخترعات ذلك العصر وأعظمها. وطوف بلوتارك اليوناني (٤٦ - ١٢٦) في الشرق الأدنى، ومن مصنفاته رسالة عن العبادات الرومانية والمصرية، وكتاب العظماء. واتخذ إبيان اليوناني الإسكندري روما موطناً له وألف تاريخ رومة (١٦٠)، وحاول فيلون الفيلسوف الإسكندرى اليهودي (المولود عام ٢٠ ق. م) التوفيق بين فيثاغورس - الذي نشر فلسفته في الإسكندرية أخيطاس - وأفلاطون والتوراة فهد السبيل إلى طبع الفلسفة بالطابع اليهودي فالنصراني فالإسلامي فالنصراني، إذ أبدع كليمان (المتوفى ٢٢٠) فلسفة مسيحية جديدة من الأفلاطونية الحديثة، وحذا حذوه تلميذه وخليفته أوريجين (١٨٥ - ٢٥٤) وزاد عليه مبالغته في تفسير التوراة التي استعان بالعلماء على ترجمتها من العبرية إلى اليونانية، وقد استدعته أم الإمبراطور الكسندر سفيروس إلى رومة ليفسر للناس أصول النصرانية. ثم أخلت الفيثاغورية مكانها للأفلاطونية الحديثة ومن أئمتها أفلوطين (٢٠٥ - ٢٧٠) وهو قبطي من أسيوط قضى في مدرسة الإسكندرية عشر سنوات، ثم طلب المزيد من العلم في فارس وأنطاكية، وأنشأ مدرسة في رومة (٢٤٥) وأشهر مؤلفاته: التساعيات، في ستة مجلدات، ينقسم كل منها إلى تسع مجلدات، وقد رتبها تلميذه بورفيريوس الصوري ونشرها بعنوان: الإنياذات، أي التساعيات. ومن علماء الكنيسة المصرية: داريوس الإسكندرى (المتوفى ٣٣٦) منكر ألوهية المسيح (٣١٨) وأنطونيوس الكبير الناسك (٢٥١ - ٣٥٦) وباخوميوس (٢٩٢ - ٣٦٢) مؤسس الرهبانية ذات الأثر البالغ في النصرانية الأوربية ومن أخذ عنها.
٣ - فينيقيا:
وهاجر الفينيقيون من شاطئ بابل الشرق (حوالي ٣٣٠٠ ق. م) إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وأنشأوا من مصب نهر العاصي حتى جبل الكرمل إمارات أشهرها: إرواد، واللاذقية، وطرابلس، وجبيل، وبيروت، وصيدا، وصور،
стр. 13
وعكا. وعرفت فينيقيا من الغزاة: الفراعنة (على فترات بين ٢٩٠٠ و ١٣٠٠) والآشوريين (٧٧٤ - ٦٣٥) والكلدانيين (٥٨٦ - ٥٣٨) والفرس (٥٣٨ - ٣٣٢) فاستعانوا بأسطولها على فتح مصر والحبشة (٥٢٥) ومكنهم من شواطئ آسيا الصغرى، وفي حملتهم على اليونان (٤٨٠) تم عرفت الإسكندر الأكبر وخلفاءه (٣٣٢) والرومان (١٨٩) والبيزنطيين (٣٩٥ م) حتى قضى عليهم الفتح الإسلامي (٦٣٥).
إلا أن الشاطئ اللبناني، كان أضيق من أن يتسع لتاريخ الفينيقيين، فانطلقت قوافلهم بصناعاتهم من الصباغة والحياكة والزجاج والسفن، وبسلع أفريقيا والهند واليمن والصين إلى بلاد العرب والعراق والحبشة، انطلاق سفنهم في البحار يستكشفون مسالكها بالنجم القطبي - الذي أطلق عليه اليونان النجم الفينيقي - ويحتكرونها، فبلغوا شواطئ بحر إيجه - حيث ذكرهم هوميروس في إلياذته - والبحر الأسود. وأقاموا عليها حاميات لاستخراج ما في مناجمها حتى، أجلاهم قدماء اليونان عنها ما خلا ثلاث جزر منيعة هي: ثيرة، وميلوس، وناموس.
عندئذ تحول الفينيقيون إلى إقامة إمبراطورية من إسبانيا وغربي صقلية وشمالي أفريقيا: فبلغوا إسبانيا (١١٠٠ ق. م) وأنشأوا فيها مدينة ترشيش - ومعناها بالفينيقية منجم - ومالقه - ومعناها مصنع صغير - وشادوا هيكلين عظيمين فيها (٨٠٠) وتم لهم، مع القرطاجنيين فتح اسبانيا (٥٠٠).
وشيد الفينيقيون في ليبيا - وهو اسم لوالدة آجينورملك فينيقيا - صبراته، ولبدة الكبرى، وأويا (١٠٠٠) ثم توسعوا فيها وجعلوها طرابلس القديمة (٩٠٠) وأقاموا في تونس أونيكا (١٠٠٠) وفي الجزائر مرفأ شرشال، وفي جنوب طنجة مصرفاً التمويل تجارتهم.
واستولى الفينيقيون على غربي صقلية (٨٠٠) ثم على سردينيا، وكورسيكا، ومالطه، وقبرص. وأنشأوا المستودعات والمصارف والمكاتب في مرسيليا، ورومه، وكولونيا، وبريطانيا، ومصر، وأورشليم، وتدمر. فأثرت صور (٥٢٠) ثراء جعل الفضة تتكدس في أسواقها تكدس التراب، والذهب كوحل الطرقات، ورفع بيوتها طبقات أعلى من بيوت رومه، على حد قول سترابو، وحافظ، مع بسالة أهلها، على استقلالها حتى قضى عليها الإسكندر الأكبر.
стр. 14
٤ - قرطاجنة:
وشيدت ديدو أميرة صور، مدينة قرطاجنة (٨١٣) في تونس، فما وافي عام ٥٥٨ حتى ضارعت أمها صور فعدها اليونان من أجمل العواصم. ووصف أرسطو دستورها بأنه أرقى من سائر دساتير العالم في كثير من نواحيه، ولخص قواعد زراعتها، ماجو الكاتب القرطاجني في كتاب مشهور (١)، ومد أسطولها - ٥٠٠ قطعة ذات خمسة صفوف من المجذفين - رقعتها من حدود برقة إلى الأطلسي ومكنها من ضم جزر الباليار حتى جزر المديرا إليها، وإقفال حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي في وجه التجارة اليونانية ثم الرومانية حتى قيل: لا يقوى الرومان على غسل أيديهم فيه إلا بإذن قرطاجنة.
وكان اليونان قد لحقوا بالفينيقيين إلى صقلية (٧٣٥) ثم إلى إسبانيا، فدمر القرطاجنيون أسطولهم فيها (٥٣٥) وطال نزاعهم معهم على صقلية في حروب (٤٨٠ - ٤٠٩ - ٣٩٧ - ٣٩٢ - ٣٨٣ - ٣٦٨) وانتصر الرومان لجيرانهم اليونان على القرطاجنيين (٢٦٤) فبدأت الحروب البونية - أي الفينيقية بلغة الرومان - وهزموهم في أكبر معركة عرفها التاريخ (٢٥٦) واضطروهم إلى طلب الصلح (٢٤١) وثار الجنود المرتزقة على قرطاجنة (٢٣٨ - ٢٤١) وحاصروها فرفع هميلقار (٢) برقة الحصار عنها، وصالح رومه، وقصد إسبانيا (٢٣٨) وتوفى فيها (٢٢٩).
وخلفه في معسكره؛ هزدرو بعل زوج ابنته فشيد بجوار مدينة الفضة قرطاجنة الجديدة (٢٢٦) وعقد مع رومة معاهدة. ثم خلفه هنيبعل بن هميلقار برقه (٢٢١) وكان يجمع إلى تضلعه من الثقافتين الفينيقية واليونانية عبقرية سلكته بين أشهر أبطال التاريخ، فزحف من إسبانيا على إيطاليا مجتازاً نهر الأبر و (٢١٨) إلى نهر البو - وقد اخترقه المؤرخ يوليبوس ليسجل نقشاً، خلفه هنيبعل عند بروتيوم، في تاريخه العام (١٤٨ ق. م) - وأطبق على فيالق الرومان عند نهر تيسينو وبحيرة تراسيمن (٢١٧) وكاناي (٢١٦) فأفنى معظمها وكبار قوادها وثمانين من أعضاء مجلس الشيوخ. وقاء برهن هنيبعل في نصره ذاك على براعة في القيادة
стр. 15
لم يتفوق عليه فيها متفوق، ووجه به الخطط العسكرية الفنية وجهة أخذ بها مدى ألفي عام. وروعت الكارثة رومة، فهم أبناؤها بالفرار وخشيت أراملهن العقم، وأباح مجلس الشيوخ التضحية بالناس؛ ثم جيشت جيوشها، فاستولت على قرطاجنة الجديدة (٢١٥) وسيرت سيبيو الملقب بالأفريقي، على أفريقيا (٢٠٥) فقهر هنيبعل عند زاما (٢٠٢) وعقد صلحاً مع قرطاجنه، فاختارت هنيبعل حاكماً عاماً (١٩٦) ولما دس عليه أنه يعد العدة لاستئناف القتال وطلبت رومة تسليمه فر منها وهي تطارده حتى تجرع السم (١٨٤).
ولم يمت بموت هنيبعل حقد رومة على قرطاجنة فكان كاتو، أشهر زعمائها، يختم كل خطاب له في مجلس الشيوخ بقوله: هذا إلى أني أعتقد أن قرطاجنة ينبغي أن تدمر. وقرر المجلس أن الفينيقيين دخلاء على أفريقيا. ثم وعدهها (١٥١) بتركها واستقلالها وسلامة أراضيها إن هي سلمت للقنصلين الرومانيين في صقلية ٣٠٠ من أبناء أشرافها. وبعد أن سلمتهم طلب منها جميع سفنها ومؤنها وذخائرها وإجلاء سكانها عنها لإحراقها فقاومت حصاره براً وبحراً، طوال ثلاث سنوات. ورجع القائد سيبيو إلى مجلس الشيوخ في أمر تدميرها بعد سقوطها، فرد عليه: يجب أن تحرق وتحرث وتغطى بالملح وتصب اللعنات على كل من يحاول إقامة بناء في موضعها فأحرقها وظلت النار مشتعلة في أرجائها ١٧ يوماً (١٤٦) وضم أملاكها إلى رومة باسم الولاية الأفريقية (١) حتى عام ٤٣٩ م.
ولم يعبأ أغسطس (٦٣ ق. م - ١٤ م) بلعنات مجلس الشيوخ فأعاد بناء قرطاجنة - فنظم فرجيل (٧٠ - ١٩ ق. م) الإلياذة في وصف تشييدها الأول ونزول أهلها بإيطاليا، ثم صنف الإمبراطور كلوديوس الأول (٤١ - ٥١) كتاباً في تاريخ قرطاجنة - وما لبثت، بعد قرن، أن استعادت رخاءها فأقامت الهياكل والتماثيل ورفعت بيوتها ست طبقات وشيدت قاعات المحاضرات ومدارس البيان والفلسفة والطب والقانون (٢) ولا اعتنقت أفريقيا الشمالية النصرانية وهبتها أعظم المناضلين عنها، ووضعت نصوص القداس اللاتيني وترجمة العهد القديم فيها، وظل في شمالي أفريقيا بعد الفتح الإسلامي ٤٠ أسقفية، ولم تقف رومة، عند النهل من
ثقافتها، فعلها بغيرها وإنما رفعت سلالة أحد رعاياها إلى عرش أباطرتها.
سبتيموس سفيروس (١٦٤ - ٢١١ م) ولد في لبدة الكبرى، من أسرة فينيقية تتكلم بلغتها، ودرس الآداب والفلسفة في أثينة. وتزوج (١٨٧) من جوليا دومنا بنت كاهن الغابال إله حمص فأنجبت له كراكلا وجيتا. وعند ما ارتقى العرش (١٩٣ - ٢١١) سار بالإمبراطورية على الأساليب الشرقية، وملأ الأماكن الشاغرة في مجلس الشيوخ بالمشرقيين - وقد سبق لكلوديوس أن اتخذ وزراءه من الفينيقيين: بعل بالاس للمالية، ونرسيس
стр. 16
للخارجية، وكاليستوس فينيفيان للدولة. كما اختار نيرون من بعد، أبا أفروديت رئيساً لمجلس الشيوخ (١) - وأنشأ كتائب جديدة للحرس الإمبراطوري ولى عليها قائدين أحدهما بابنيان الفقيه الذي استدعاه من بيروت، واتخذ زميله أولبيان كبير مستشاريه، ووهب لبدة الكبرى، مسقط رأسه باسلقا وحماما عاما مازالت آثاره الرائعة قائمة حتى اليوم، قيام القصر الذي بناه على تل البلاتين في رومه، وإيوان فستا وهيكلها اللذين شيدتهما جوليا دومنا، واستحدث إدارات جديدة وأعاد تنظم ما بين النهرين، وقضى ثمانية عشر عاماً في حروب سريعة مكنته من قتل نيجر بالقرب من أنطاكية (١٩٤) وتدمير بيزنطية (١٩٦) وضم بلدان واسعة، والانتصار على الإسكتلنديين. ثم انسحب إلى بريطانيا حيث توفي في يورك الحالية (٢١١).
وأراد كراكلا (٢١١ - ٢١٧) وكان قد شارك أباه الحكم (١٩٨) أن ينفرد بالسلطان من دون أخيه جيتا (٢٠٩) فأنفذ إليه من قتله (٢١٢) وقضى على أتباعه في طليعتهم بابنيان، إلا أنه منح الشرقين امتيازات وفيرة، وحقوق الرعوية لسائر شعوب الإمبراطورية، وأضاف إلى معالم رومه قوس سبتيموس، وضريحاً لزوج إيزيس، وتماثيل لهنيبعل - وقد طلب من مجلس الشيوخ إدراج اسمه بين الآلهة - وحمامات عامة بلغت مساحة بنائها الرئيسي ٢٧٠ ألف قدم مربعة. وأنشأ فيلقاً من ١٦ ألف جندي أطلق عليه اسم الاسكندر. وصد الإلمان والقوط (٢١٩) وضم أرمينيا (٢١٩) وطفق يشارك جنوده -وقد أسرف في رفع مرتباتهم فهدد بالإفلاس- طعامهم وشرابهم وكدحهم إلى أن اغتاله رئيس الحرس مكرينوس (٢١٧) ونادي
стр. 17
بنفسه إمبراطوراً، وطلب من مجلس الشيوخ اتخاذ كراكلا إلهاً، ونفى أمه دومنا إلى أنطاكية حيث أضربت عن الطعام حتى ماتت.
وعادت شقيقتها الصغرى جوليا بائسة إلى حمص فألفت حفيديها: فاريوس أفيتوس بن بنتها جوليا سواتيمياس، والكسيانوس بن جوليا ماماتيا. وأشاعت جوليا أن فاريوس هو الابن الطبيعي لكراكلا وحاربت به مكرينوس وانتصرت عليه. فدخل فاريوس، وقد تلقب بلقب الغابالوس، رومة (٢١٨ - ٢٢٢) فترك لجدته حكمها وراح يستمتع بالإمبراطورية على الطريقة الشرقية: رافعاً إله حمص فوق الآلهة، مكثراً من حفلات الموسيقى والغناء، مولماً ولائم، يخلط فيها قطع الذهب بالبازلا والعقيق بالعدس واللؤلؤ بالأرز، حتى إذا ضاقت جدته بعبثه حملته على أن يتبني قريبه الكسيانوس ويجعله قيصراً وخليفة، ثم ائتمرت به فاغتاله الحرس وألقوه في نهر التيبر ونادوا بالكسيانوس، ولم يتجاوز الرابعة عشر، هو الآخر، إمبراطوراً باسم الكسندر سفيروس.
وكان الكسندر سفيروس (٢٢٢ - ٢٣٥) المولود في عرقه من بلاد عكار بلبنان (٢٠٨) بهي الطلعة كأسلافه، مثقفاً بالثقافة اليونانية واللاتينية، مقتصداً في طعامه وشرابه وكسائه، يستعين بأمه وأستاذه أولبيان في سياسته، ويعامل أعضاء مجلس الشيوخ معاملة الأنداد، ويضع في معبده صوراً لجميع الآلهة والرسل بمن فيهم إبراهيم والمسيح -فاستدعت أمه أوريجين أشهر علماء الإسكندرية ليفسر للناس أصول النصرانية- وقد حرم الدعارة وخفض الضرائب وأنقص الفائدة وأقرض الفقراء وشاد المنشآت العامة في جميع أنحاء الإمبراطورية فعمها الرخاء. إلا أن الفرس والألمان طمعوا فيه فقاتل أردشير وانتصر عليه، وانطلق للقاء قبائل الألمان والمركمان في بلاد غاليا الشرقية وطفق يفاوضها للإبقاء على السلم، فعد جنوده مفاوضته ضعفاً منه واستسلاماً لأمه فاقتحموا عليه خيمته وقتلوه هو وأمه وأصدقاءه (٢٣٥) وبموته عفى على حكومة رومة الدستورية وبدأت فيها الفوضى العسكرية.
لم يقتصر الفينيقيون على ما تقدم، فقد اشتقوا من الأبجدية المصرية أبجدية - ترقى إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد كشف عنها شيفر الفرنسي في أوغاريت وهو اسم القصر الملكي في رأس شمره قرب اللاذقية (١٩٣٢ - ٦١) - ونشروها
حيث حلوا نشرهم في أوربا حضارة الشرق كالمقاييس والموازين وبناء السفن وعلم الفلك. وعنهم اقتبس العبرانيون لكتاباتهم المقدسة، كسفر الأمثال، والمزامير، ونشيد الإنشاد وغيرها. واشتقت اللغات الغربية اسم الكتاب المقدس من بيبلوس.
وكان القرطاجنيون أول من كشف عن المحيط الأطلسي فقطع هنون حاكم قرطاجنة (٤٩٠) إزاء شاطئ أفريقيا الغربي، مسافة ٢٦٠٠ ميل، قبل البرتغاليين بألفي سنة. وانطلق هيميلكون في بعثة استكشاف إلى ساحل
стр. 18
أوربا الغربي فبلغ بريتاني وجزر الكناري (المديرا) وفي ذلك يقول سارتون: «إن الملاحين الفينيقيين وخلفاءهم القرطاجنيين قد اضطلعوا بأعمال ... أكبر خطراً من تأملات الإغريق في اللانهاية أو في المنطقية الحسابية» (١).
ولكن تلك التأملات لم يستقل بها اليونان، فقد أسهم الفينيقيون في إنشاء الحضارة الكريتية، وتأسيس المدارس الأوربية وطبعها بالطابع الشرق. وتعاونوا مع زملائهم المصريين والفلسطينيين والسوريين على إبداع الثقافة الهليسيتينية، واشترك مشرعو مدرسة بيروت في صياغة القانون الروماني الذي عد أروع ما قدمته رومة للأجيال فاستندت إليه الثورة الفرنسية في وضع دستورها. وانتقلت النصرانية من فلسطين إلى رومة فأوربا فاهتدت بها إلى التوحيد بعد وثنية طويلة، وبلغ ثمانية شرقيين كرسي البابوية (٢). وقد تميزت ثقافة الفينيقيين وخلفائهم وأحلافهم، بالإبداع والتنوع والاستمرار، وخلقها علماء وأبطالا وقديسين، من مشاهيرهم:
زينون الرواق (٣٣٦ - ٢٦٤ ق. م) من أصل فينيقي ولد في قبرص، وقصد أثينة (٣١٤) وأنشأ رواقاً فيها (٣٠١) ونشر جمهوريته (٣٠٠) فأعجبت الجمعية الأثينية به وسلمته مفاتيح الأسوار وأهدته تاجاً من الذهب ... وقررت بناء قبر له في حي الرمكس، ولا توفي كتب على قبره: «لن يضيرك منبتك في فينيقيا ضيراً، ألم يأت قدموس - وتعزو اليونان نشأة كثير من مدنها إلى قدموس (٣) وأمثاله، وكان قدموس أول من استخرج النحاس من مالطه وبني طيبه وصنف كتاباً في
стр. 19
تاريخ ميليطيس (٥٠٠) - اليونان بكتبها وفن كتابتها؟ ».
وبني زينون مذهبه الرواقي على كثير من العناصر الآسيوية ولاسيما السامية كالتجريد ووحدة الوجود والجبرية، فانتصر بها الشرق على الثقافة اليونانية، وذاع على يد مريديه في الشرق والغرب ذيوعاً كبيراً، وعند ما أنشأ الإمبراطور ماركوس أورليوس كراسي للفلسفة في أثينة قصرها على أربع: الأفلاطونية، والأرسطاطلية، والرواقية، والأبيقورية، وأخذ بالرواقية معظم فلاسفة الرومان فأصبحت ملهمة سيبيو، وأمنية شيشرون، ورائعة سنكا. وخلقت من أباطرتهم أبطالاً من أمثال: كاتو الأصغر، وتراجان، وماركوس أورليوس. وتبلورت في ضمير رومة فوضعت على هديها قوانينها الشهيرة. ثم مهدت للمسيحية فأضحت دينا أكثر منها فلسفة.
بروبوس البيروتي (القرن الأول للميلاد) تخصص في الأدب، وقصد رومة حيث نشر مصنفات فرجيل وهوراس وغيرهما نشراً علمياً فعد من أكبر اللغويين اللاتين رفي طليعة النقاد.
فيلو الجبيلي (٦١ - ١٤١ م) نحوى ومؤرخ ومترجم، صاحب التصانيف الوفيرة ومن أمهاتها: الديانة الفينيقية، وترجمة حوليات سانخونياطون البيرتى من الفينيقية إلى اليونانية، وقد رد إليه النظرية الذرية، ولكن سارتون يرجح عليه وعلى موخوس الصيداوي لوقيبوس المالطي.
مارينوس الصوري (القرن الثاني للميلاد) أول من وضع الخرائط الجغرافية على أسس رياضية فعد مؤسساً للجغرافية العلمية. وقد اعترف بطليموس ببناء جميع مؤلفاته على أصولها.
أدريانوس الصوري (القرن الثاني للميلاد) فيلسوف تبوأ كرسي البلاغة في أثينة وكان يذهب إلى الندوة في عربة، عدة جيادها من الفضة، وعليه أثواب تتلألأ بالجواهر ويسهل محاضراته بتلك العبارة المأثورة عنه: «ها قد عادت الآداب مرة أخرى من فينيقيا» وقد استمع إليه هدريان، وماركوس أورليوس، وخلعا عليه ووهباه الذهب والبيوت والعبيد. ولما قصده رومة عين أستاذاً للبلاغة فيها، وبلغت روعة محاضراته مبلغاً أرجأ من أجله الشيوخ اجتماعات مجلسهم وصرف الناس عن دور التمثيل إليها مع أنه كان يلقيها باليونانية.
стр. 20
بابنيان (١٧٥ - ٢١٢) تعلم القانون وعلمه في مدرسة الحقوق ببيروت، وجعله سبتيموس سفيروس أحد قائدي الحرس الإمبراطوري. وطلب منه كرا كلا تبرير اغتيال أخيه ولما رفض، بقوله: إن اغتيال الأخوة أسهل من تبريره، أمر بقطع رأسه ولا يتجاوز السابعة والثلاثين. وقد جمع بابنيان القوانين الرومانية وشرحها وصنف فيها كتابين: الأسئلة، والأجوبة، امتازا بالنزعة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وصاغ مع زميله أولبيان، الفقه الروماني - وكان سلفيوس جوليانوس الروماني القرطاجني من عباقرة المشرعين قد وضع مجموعة في القوانين المدنية بعنوان خلاصة -صياغة منطقية منسقة، فبلغا به الذروة، وقد انطوت مجموعة قوانين جوستنيان (٥٣٣) على ٥٩١ فقرة من وضع بابنيان.
أولبيان الصوري (١٧٠ - ٢٢٨) تخرج بالقانون من مدرسة الحقوق في بيروت وخلف منافسه بابنيان فيها. ثم استدعى إلى رومة لمعاونته حتى جرده من وظيفته الغابالوس خليفة كراكلا (٢١٨) وأعاده ألكسندر سفيروس مستشاراً إمبراطوريا (٢٢٢) وقتله رجال الحرس في حضرة الإمبراطور وأمه (٢٢٨) وقد واصل أولبيان جهود بابنيان في فقه القانون ووقف نشاطه على الدفاع عن العبيد ومساواة المرأة بالرجل. وخلف مكتبة اشتهرت بمحفوظاتها التاريخية، وعدة تصانيف ضم ثلث فتاويه فيها موجز جوستنيان، و ٢٥٠٠ فقرة منها مجموعة تيودوسيوس (٤٣٨).
انتيباتر الصيداوي (القرن الثالث للميلاد) وأصله من صور تتلمذ على أدريانوس واختاره سبيتموس سفيروس أميناً له ومؤدباً لولديه: كراكلا وجيتا. فلما اغتال كراكلا أخاه جيتا لامه في رسالة بليغة ورجع إلى صيدا حيث توفي من الجوع بإرادته. بورفيريوس الصوري (٢٣٣ - ٣٠٥) تعلم في صور وأثينة ورومة، والإسكندرية حيث أخذ الأفلاطونية الحديثة عن أفلوطين ثم علمها في رومة حتى وفاته. وقد نشر لأستاذه كتاب التساعيات. وصنف هو في الفلسفة والنحو والبلاغة والرياضيات والفلك وعلم النفس والموسيقي والنبات، وقد سلم من إحراق معظم كتبه (٤٤٨) كتابه الإيساغوجي فحل إلى جانب مؤلفات أرسطو في البيان والمنطق والشعر ونقل إلى العربية في بغداد.
стр. 21
في شمالي أفريقيا:
اشتهرت قورينا، وهي أكبر مدن برقة، بمركزها الثقافي، وقد ولد فيها أرسطبوس، وتيودورس الرياضي، وتيودورس الفيلسوف (القرن الخامس ق. م) ثم الشاعر كليماخوس (المتوفى ٢٦٠ ق. م) أحد الشعراء الغنائيين التسعة في العالم يومذاك.
بيبلوس ترنتيوس أفر (١٨٤ - ١٥٩ ق. م) ولد في قرطاجنة من أصل فينيقي، واسترعى بمواهبه انتباه سيده الروماني فعلمه وأعتقه، فانصرف إلى تأليف المسرحيات: أندريا، وهسيرا، والمعذب نفسه، والحصى، وفورميو، والأخوة. وقد امتازت جميعها بحبكة متقنة، ودراسة للشخصيات دقيقة، وحوار ممتع، وطلاوة لغة، وطابع إنساني مما جعل بعضها يمثل مرتين في اليوم الواحد، وأصبح غيرها نموذجاً لما جاء بعدها كشخصية فيغارو، وتناقلت الأجيال في أنحاء العالم أبياتاً منها أمثالا: كالحظ يؤاتى الشجعان، ومن ثم كانت تلك العبرات إلخ. وقد أثنى قيصر على أسلوبه العفيف، ووصفه شيشرون بأرق شعراء الجمهورية، وعده النقاد الصائغ من اللغة اللاتينية أداة أدبية استطاع شيشرون أن ينشئ بها نثره وفرجيل شعره.
أبوليوس (المولود ١٢٤ م) تعلم في مدورا وقرطاجنة وأثينة. وتنقل من دين إلى دين، وتعاطى الطب والمحاماة بين مدورا وقرطاجنة، وألقى محاضرات في الفلسفة ومن خير مصنفاته فيها: الحمار الذهبي، ولما توفي رفعت له مدينته نصباً نقشت عليه باللاتينية: الفيلسوف الأفلاطوني.
ترتوليان (١٦٠ - ٢٤٠) القرطاجني ذو عبقرية فذة، وصاحب جدل في الدفاع عن النصرانية من الطراز الأول، وقد جعل الفلسفة المسيحية اللاتينية ديناً أخلاقياً قانونياً علمياً، وله فيها كتاب في النفس حاول أن يطبق على الدين أصول الرواقية، وهو واضع المبدأ القائل: لا طاعة لقانون يعتقده الإنسان ظالماً. وقد جعل مع منوسيوس الآداب المسيحية في الغرب لاتينية.
سيبريان (٢١٠ - ٢٥٨) من آباء الكنيسة اللاتنينية الأعلام، رفع أسقفيته قرطاجنة إلى درجة رومة (٢٥٢) ودعا إلى اللين في الدين وصنف كتاباً بعنوان: الكنيسة الكاثوليكية، وقد استشهد على يد الإمبراطور فالريان.
стр. 22
أوغسطين (٣٥٤ - ٤٣٠) من خريجي مدرسة قرطاجنة أسقف هيبون وأشهر أحبار الكنيسة اللاتينية وقد خلف بلغتها، إلى إتقانه اليونانية ومعرفته الفينيقية، من التواليف ما ترجم إلى لغات عديدة وأبعدها صيتاً: مدينة الله، والاعترافات، ورسالة في النعمة، فوضع فيها أساس علم اللاهوت في الغرب، وعمل على التوفيق بين الأفلاطونية والنصرانية أو العقل والإيمان، وعد ينبوع التصوف الذي نهل منه العالم المسيحي وتأثرت به الصوفية العالمية، وظلت الحياة الفكرية متأثرة به نحو ألف عام.
٥ - سوريا:
وخرج الآراميون، وهم جماعات سامية، من صحراء سوريا (القرن الرابع عشر ق. م) وأصبحوا تجاراً دوليين (من القرن العاشر إلى الرابع) وجعلوا الآرامية لغة غرب آسيا حتى أن كتبت بها الآداب اليهودية والنصرانية.
وتوالى على سوريا، الفراعنة خلا مدينتين (١٥٨٠ - ١٣٧٥) والحثيون والأموريون (١٣٧٥ - ١٣٥٠) والحثيون (١٣٥٠ - ١٢٠٠) ورمسيس الثالث (١١٩٨ - ١١٦٧) واستقلت بآراميتها (١٠٠٠ - ٧٠٠) وتبعت الأشوريين (٧٣٢ - ٥٣٨) والفرس (٥٣٨ - ٣٣٢) وورثها السلوقيون عن الإسكندر، وانتزع بعضها منهم البطالمة (٣٢٣ - ٦٤) وفتحها الرومان (٦٤ ق. م - ٣٩٥) م وحل محلهم البيزنطيون (٣٩٥ - ٦٣٨) فأجلاهم العرب (٦٣٨).
وفي عهد الإسكندر وخلفائه نزح حكماء من اليونان إلى الشرق الأدنى فأنشأ بعضهم مدرسة فلسفية في حران (١) ترامت شهرتها إلى أفريقيا وإيطاليا على حد قول السمعاني. وشيد سلوقوس الأول أنطاكية (٣٠٠ ق. م) وجعلها عاصمة لملكه. ثم أصبحت ثالثة مدن الإمبراطورية الرومانية بعد رومة والإسكندرية. ولطالما شكا الشاعر الروماني الهجاء جوفنال (٦٠ - ١٤٠) من تدفق سيل المشرقيين على رومة بقوله: لقد أخذ نهر العاصي، يصب منذ زمن طويل في نهر التيبر (٢). ولكن الرومان أفادوا من ذلك التدفق فانتفع تراجان بعبقرية
أبلودورس، وهو يوناني من أهل دمشق، فخطط له الطرق والقنوات وجسر نهر الدانوب، وأنشأ في رومة سوقاً جديدة أحاطها بمبان فخمة على مدخلها قوس تراجان (المتوفى ١١٧).
لوسيانوس (المولود عام ١٢٥ م) الفيلسوف وقد زاول المحاماه في أنطاكية، وطوف -وهو يفاخر بأصله السوري ولغته السريانية - في آسيا الصغرى واليونان وإيطاليا وغاليا حيث تبوأ كرسي الفلسفة واستقر مدة في أثينة (١٦٥) وأنقذه ماركوس أورليوس من الفقر بتعيينه في وظيفة بمصر. وقد بلغت مصنفاته ٧٦ مصنفاً أشهرها: محاورات الحظيات، والتحقيق مع زيوس، وزيوس تراغويدوس ومحاورات الأموات - التي قلده فيها دى فونتيل،
стр. 23
واللورد ليلتون، ثم المحدثون - ومنهج كتابة التاريخ، وآلهة سوريا، وقصة محجه - ومنها تسلسل قصص السندباد البحري، ورحلات كوليجر وما أعقبها.
وتعلم في أنطاكيه ليبيانوس (٣١٤ - ٣٩٣) وأنشأ مدرسة للبلاغة في القسطنطينية ثم رجع إلى أنطاكية فتخرج عليه، رغم عداوته للمسيحيين: يوحنا الذهبي الفم، وباسيليوس النير أسقف قيصرية، الذي أنشأ فيها داراً في عدة مبان للمرضى والممرضات والأطباء والمختبرات والمدارس.
وأسس سلوقوس نيكاتور (٣٥٥ - ٢٨٠) مدينة علي العاصي وأطلق عليها اسم زوجه أفاميا، وهي اليوم قلعة المضيق، فحمل اسمها فلاسفة من أمثال:
بوسيدونيوس الأفامي (١٣٥ - ٥١ م) الذي تعلم في أثينة، وأنشأ المدرسة الرواقية في رودس، واجتذب إلى محاضراته بومبي وشيشرون، وقد عرف أسلوبه الرائع بالأسلوب الشرقي، وعد أكبر عقل مبدع في التاريخ القديم، وصنف في الفلسفة والتاريخ والعلوم الطبيعية، ومن أشهر مصنفاته: تتمة تاريخ يوليوس، الذي أضحى مرجعاً للمؤرخين: ليفي، وسترابو، وبلوتارك. ورسالة عن المحيط. وقد نسب بوسيدونيوس النظرية الذرية إلى العالم الفينيقي موخوس الصيداوي.
نومينيوس الآفامي (القرن الثاني للميلاد) مؤسس الأفلاطونية الحديثة. وقد اتهم النقاد أفلوطين ببناء آرائه على تعاليم نومينيوس.
ارخيجينس الأفامي (القرن الثاني للميلاد) زاول الطب في رومة، على عهد
стр. 24
تراجان، وقد علق على رسالته في النبض جالينوس.
اميليوس (القرن الثالث للميلاد) من تلاميذ بلوتينوس والمعجبين بنومينيوس، وقد أسس في أفاميا، برعاية زنوبيا ملكة تدمر، مركزاً للأفلاطونية الحديثة.
وامتزجت الثقافة الهليستينية بالنصرانية، وذاعت في الشرق الأدنى، فتأثر هيلودورس الحمصي (القرن الثاني للميلاد) بالتعاليم المسيحية، وصنف قصة الأتيوبيكا، التي نسج على منوالها: سرفنتس، وكورنوا، ومدام سكوديري.
واشتهرت الرها (في القرنين الثالث والخامس للميلاد) بمعاهدها العلمية وأكبر أساتذتها أفرام السرياني (٣٦٠ - ٣٧٧) الذي ابتني فيها مستشفى (٣٧٥) وربولا الأسقف. وقد تركها العرب وشأنها عند فتحها (٦٣٩).
стр. 25
الفصل الثاني
العرب قبل الإسلام
كان العرب قبل الإسلام ممالك أثرت من حاصلاتها وصناعاتها واتساع تجارتها ثراء عريضاً أطمع فيها اليونان والرومان والأحباش والفرس فحالفتهم حيناً، رحمت حدودهم حيناً، واستقلت عنهم أحياناً ثم تحدتهم وساعدت على جلائهم عن الشرق الأدنى.
ومن أولئك العرب أهل حضارة وثقافة وفن، فتكلموا إلى جانب العربية الآرامية واليونانية واللاتينية، وشادوا المدن والهياكل والقصور، ورعوا العلماء والفلاسفة والأدباء وأصحاب الفنون، ونعموا بأطايب العيش مآكل ومشارب وملاهي، ثم خلدوا تراثهم منها بنقشه على الرقم ومسكوكات ملوكهم ومراكز ثقافتهم ودواوين شعرائهم.
١ - اليمن:
وكان عرب اليمن، الذين عرفوا بالجنوبيين، أول من أنشأ الممالك فتداولها منهم: المعنيون (١٢٠٠ - ٦٥٠ ق. م) والسبئيون (٩٥٠ - ١١٥) والحميريون (١١٥ ق. م - ٥٢٥ م) وقد عبر بعضهم البحر الأحمر (القرن الثاني ق. م) إلى الحبشة فاستعمروها ونشروا ثقافتهم بين أهلها وتزوجوا منهم. وفي عهد الحميريين غضب قيصر أغسطس من سيطرة اليمن على التجارة بين مصر والهند وطمع فيها فجرد حملة عليها من مصر بقيادة واليها إيليوس جاليوس (٢٤ ق. م) يؤيدها الأنباط حلفاء رومة (١). ولما فشلت في فتحها - ويعزى فشلها إلى خيانة دليلها سيلاوس سفير الأنباط وأبي عبيدة ممثل ملكهم - أنفذ جيشاً رومانياً آخر استولى على عدن فأخذت التجارة بين مصر والهند تنتقل إلى يد رومة. وفتح الأحباش اليمن (٣٤٠ - ٣٧٨) واستعادها الحميريون ليفقدها ذو نواس آخر ملوكهم، وقد تهودوا، بعد أن
стр. 26
أوعز بمذبحة نصاري نجران (٤٥١) - وكانت النصرانية على مذهبيها قد دخلت اليمن من سوريا. ثم بسفارة الإمبراطور قسطنطين (٣٥٦) فقامت فيها ست أسقفيات، ذكر الكلبي بعضها باسم الكعبة (١) وكشف فيلبي عن كعبة نجران عام ١٩٣٦ - فأمد إمبراطور القسطنطينية نجاشي الحبشة بالسفن والمؤن فسير على اليمن حملة أدالت دولة الحميرين وخلفتهم عليها (٥٢٥ - ٥٧٠) وبنت بيعة في صنعاء، وأحدث أحدهم فيها فقصد أبرهة قائد الأحباش مكة فرده عنها طير أبابيل (٢) ثم عظم ظلم الأحباش فاستعان اليمنيون عليهم بالفرس فدحروهم (٥٧٠) وحلوا محلهم حتى دخلت اليمن في الإسلام (٦٣٠) وأجلى الخليفة عمر (٦٣٥ - ٦٣٦) من لم يسلم من نصاراها إلى الشام والعراق (٣).
وأثرت اليمن، منذ الألف الأول قبل الميلاد، ثراء طائلا من حاصلات بلادها: كالأفاويه والبخور والمر. وكان لهما شأنهما في الشعائر الدينية الآسيوية والمصرية. وبعد تحويل كبرى مدنها إلى سوق دولية لمتاجر العجم والهند، وقد عدد منتجات الهند أبو الضلع السندي أحد الشعراء من الموالى (٤) والصين والحبشة وسواحل أفريقيا، فزخرت بالؤلؤ والعاج والذهب والحرير والخمور، وفي تأمينها السفن والقوافل والطرق لنقل تلك المتاجر إلى أسواق الشرق الأدنى، مما عرف اليونان والرومان باليمن قبل غيرها فأطلقوا عليها، في نصوصهم: العربية السعيدة، وجعل المقدسي يضع ثبتاً دقيقاً لأنواع سلعها، وحمل المؤرخين على وصف عدن مرفأها بدهليز الصين وفرصة اليمن وخزانة الغرب ومعدن التجارات، وأجراها على أقلام أدباء الغرب فذكر كنوزها هوراس، وعطورها شكسبير، وسواحلها المليئة بالتوابل ملتن.
وسبقت اليمن إلى إنشاء حضارة وطنية راقية تتمثل في سد مأرب وصناعة البرود والسيوف وقد وصف سترابو دولة سبأ بقوله: «عندها مستحدثات الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة ناهيك بمنازلها الفخمة التي ازدانت بالألوان ورصعت بالعاج
стр. 27
والحجارة الكريمة ... وفيها مدن عامرة تزينها الهياكل الجميلة والقصور». ومن أشهر ملوكها ملكة سبأ (١) التي عاصرت سليمان الحكيم ومما حملت إليه مائة وعشرون وزنة ذهب.
وقد خلدت اليمن حضارتها تلك في عادياتها وما سجلته على نقوشها (الرقم) بلغتها الجنوبية المحتوية على تسعة وعشرين حرفاً والمشهرة بالخط المسند المشتق من الخط الكوفي ذي الاثنين والعشرين حرفاً. وأول من كشف عنها ووصفها وصفاً علمياً نيبهر الدانمركي في بضعة كتب (١٧٧٢ - ١٧٧٨) وتبعه من العلماء كثيرون أشهرهم أرنو الذي كشف عن الحروف العربية الجنوبية لأول مرة (١٨٤٥) وجلازر النمسوي الذي نقل في رحلاته العلمية (١٨٨٢ - ١٨٩٤) ١٠٣٢ نقشاً، بينها نقوش تاريخية ودينية وجنائزية وقانونية وعسكرية ومعمارية أضحت بعد نشر جزء منها أصدق مصدر لتاريخ اليمن قبل الإسلام.
٢ - البتراء:
ونزل الأنباط، من شمالي شبه الجزيرة العربية، بأرض الأدوميين - المعروفة اليوم بوادي موسى في شرقي الأردن - قبائل رحل (حوالي ٦٠٠ ق. م) ثم تحولوا إلى مجتمع متحضر وجعلوا عاصمتهم البتراء - ومعناها باليونانية الصخرة، وكانت المدينة الوحيدة ذات المياه العذبة الغزيرة بين الأردن وبين الحجاز - سوق تجارة رائجة، تلتقي عندها قوافل الشرق وتنطلق سلعها منها إلى ثغور البحر الأبيض المتوسط، طوال أربعمائة سنة.
وقام الحارث الأول (١٦٩ ق. م) على رأس قائمة ملوك الأنباط، ومكن لهم الحارث الثالث (٨٧ - ٦٢ ق. م) فهزم إسرائيل وحاصر أورشليم وفتح دمشق وتوج عليها ملكاً (٨٥ ق. م) وسك أول نقد نبطي، وصد هجوم بومبي ثم أصبح وخلفاؤه حلفاء رومة فاستعانت بهم على اجتياح الإسكندرية، وأيد عبيدة الثاني (٢٨ - ٩ ق. م) حملتها على اليمن. وبلغت البتراء الذروة في عهد الحارث الرابع (٩ ق. م - ٤٠ م) فزوج ابنته من الحاكم هيرودس بن هيرودس الكبير
стр. 28
وحاربه لما طلقها، ووسع رابيل الثاني (٧١ - ١٠٥) وهو خاتمة ملوك الأنباط رقعة دولته حتى قضى عليها تراجان (١٠٦) وضمها إلى الإمبراطورية الرومانية باسم الولاية العربية، جاعلاً بصرى في حوران عاصمتها.
ونقر الأنباط هياكلهم في صخور البتراء (١) وشادوا مبانيهم على واديها وشقوا بينها جادات في رواء شوارع الإسكندرية، واكتسوا الخز والديباج، وأطعموا لذيذ المآ كل «لا يحتسي المرء منهم في مآدبهم أكثر من إحدى عشرة كأساً متناولاً في كل مرة كأس ذهبية مختلفة (٢).
وكانت حضارة الأنباط مزيجاً من العربية واليونانية والرومانية، تأثرت بمذهب منيبوس الفليسوف الكلبي الذي أقام في قطره (القرن الثالث قبل الميلاد) واحتذاه: لوسليوس، وفارو، وهوراس. ثم بمذهب أنطيوخوس العسقلاني (المتوفى عام ٧٩ ق. م) وقد حاول التوفيق بين الأفلاطونية والرواقية، وأسس مجمعاً في فلسطين وعلم في مجمع رومة، ومن تلاميذه شيشرون. كما كانت عربية اللغة، أرامية الكتابة سامية الديانة، فلما قضى تراجان على الأنباط وتحولت القوافل عن عاصمتهم إلى تدمر اضمحلت البتراء، وأمست مقابرها العظيمة مذاود تأوي إليها قطعان البدو حتى كشف عنها بوركهارت (١٨١٢) فأمها الأثريون ووصفوا أطلالها كالدير وخزنة فرعون، وصنف ديسو كتاباً في نقود ملوكها (١٩٠٤).
٣ - تدمر:
وما آذنت شمس البتراء بالأفول حتى سطعت شمس تدمر، وهي مدينة قديمة ورد ذكرها (١١٠٠ ق. م) في النصوص الآشورية، تبعد ٢٣٠ كيلومتراً من دمشق و ١٦٥ من حمص، على طريق القوافل بين العراق وبين بادية سوريا، احتفظت باستقلالها رغم تبعيتها للسلوقيين والرومان. وقد ازدهرت فيها التجارة ازدهاراً بلغ رومة فأمر مارك أنطونيو الفرسان بغزوها (٤١ ق. م) ففر أهلها بمتاعهم منها. وألحقها طبريوس برومة (١٧ - ١٩ م) وضمها تراجان إلى الولاية
стр. 29
العربية (١٠٦) وخلع عليها هدريان اسمه عند ما زارها (١٣٠) ومنحها سبتيموس سفيروس لقب مستعمرة رومانية وجعلها حاضرة الإقليم (٢٠٠) وأنعم فالريان على أذينة ابن السميذع زعيمها برتبة القنصلية (٢٥٨) ولما أحرق الفرس أنطاكية وأسروا فالريان عند الرها (٢٦٠) - وقد توفي في الأسر وحشي جلده وعلق على أبواب أحد المعابد - عهد خليفته جاليانوس إلى أذينة بقيادة الجيوش الرومانية في سوريا فحارب بها الفرس وغلبهم في طشقونه، واستعاد بلاد ما بين النهرين وتعقبهم حتى أسوار المدائن (٢٦١) فكافأته رومة بلقب المشيخة الرومانية (٢٦٢) ثم بلقب إمبراطور فخرى، فحكم، مع اعترافه بسلطة الإمبراطور، الشرق الروماني ما خلا مصر وآسيا الصغرى. ولأمر ما سم وابنه في حمص (٢٦٦) فارتقت أرملته زنوبيا - وهي الزباء في المصادر العربية، وأمها يونانية من ذرية كليوبطرة - العرش وصية على ابنها وهب اللات. وعندما رفض جاليانوس الاعتراف لابنها بألقاب أبيه سيرت قواتها ففتح قائدها زبدة مصر (٢٧٠) واستولى على الإسكندرية وضرب نقوداً، عليها رأس وهب اللات بجانب رأس أورليان، وأرجع قوادها الآخرون الرومان إلى أنقرة فاستولت على آسيا الصغرى مما اضطر أورليان إلى الإقرار لابنها بألقاب أبيه، فطمعت ولقبت ابنها بأغسطس ونفسها بأغسطسة، وضربت نقوداً باسمها واسمه وقد حذفت رأس أورليان (٢٧١) فغضب أورليان واستعاد منها مصر، وغلبها على أمرها في أنطاكية وحمص، وحاصر عاصمتها فاستسلمت له واستولى على كنوزها وساق ملكتها مكبلة بسلاسل من الذهب فزينت موكبه في دخوله رومة (٢٧٤) حتى إذا ثارت تدمر بالحامية الرومانية كر الإمبراطور عليها وأسلمها للنهب والخراب؛ فقضى على عروس الصحراء، ولم تقم لها من بعد قائمة إلا في بعض النشاط التجاري، والسور الذي بناه حولها ديوكليسيان وبضعة أبنية شيدها يوستنيان، وجر المياه إلى الحامية الرومانية فيها، ثم فتحها خالد بن الوليد (٦٣٣) ورفع فيها الأمويون ثلاثة قصور، حتى إذا ثارت على مروان (٧٤٥) دمرها تدميراً، وما فتئ الأثريون يكشفون عن روائعها، وآخرهم البعثة البولونية التي تنقب اليوم بين أطلالها.
لقد التقت في تدمر متاجر العجم والصين والهند وشبه الجزيرة العربية بمتاجر
стр. 30
رومة وآسيا وغاليا وإسبانيا فأنشأت لها الرحاب وبنت على جوانبها الفنادق، وشيدت بفضلها مدارس للطب والبلاغة والفلسفة ورفعت دار الندوة والهياكل - ومن أفخمها هيكل الشمس (٣٠ م) الذي حملت إليه حجارة الغرانيت من شلال النيل وجعل طول بهوه أربعة آلاف قدم فكان أكبر الأبهاء في الإمبراطورية الرومانية - والأبراج وزينت شوارعها المرصوفة المسقوفة المضاءة في الليل بالعمد المزخرفة فبلغ طول شارعها الرئيسي أربعة أميال ونصف ميل، وعدد عمده ٣٧٥ عموداً، ارتفاع كل منها ٥٥ قدماً، مما يدل على علم وفن وبذخ أدهش بعض المؤرخين المسلمين فنسبوا بناء تدمر إلى الجن بأمر سليمان.
وكانت زنوبيا، المتضلعة من الثقافة الهليستينية، والمتكلمة باليونانية والآرامية والعربية وبعض اللاتينية، ولها مصنف في تاريخ بلدان الشرق، تعيش في بلاط أشبه بإيوان كسرى وتحط نفسها بالفلاسفة والعلماء والشعراء وأصحاب الفنون فاشتهر منهم: لونجينوس، أستاذها في الأدب ثم مستشارها، وقد لقب بالمكتبة الحية لغزارة علمه. وأميليوس الفيلسوف الذي أنشأ برعايتها في أفاميا مركزاً للأفلاطونية الحديثة. ونيقولاس الدمشقي مؤلف التاريخ العام، فمزجت تدمر بين الحضارات السورية والفارسية وبين الهليستينية التي انعكست عليها من مدارس رودس وأثينة والإسكندرية وبيروت وأنطاكية، وأضافت إليها ما عاد به أبناؤها الذين كان الرومان يصطنعوهم منذ القرن الأول للميلاد، رماة في شمالي أفريقيا وبريطانيا، حضارة فريدة، ظلت حتى القرن الثالث للميلاد تسجلها بالآرامية إلى جانب اليونانية.
٤ - بصري:
وكانت حوران، وهي على مشارف سوريا، خاضعة للأتباط فوضعها أغسطس تحت حكم هيرودس وجعل تراجان (١) مدينتها بصري - ومعناها الوعر
стр. 31
أو البطم - عاصمة الولاية العربية بعد قضائه على البتراء (١٠٦) وفي بصري تلك ولد فيليب العربي، من أم نصرانية، وكان ثرياً مثقفاً مخلصاً لرومة فقتل الإمبراطور دسيوس الذي ضعف أمام هجمات الفرس، ثم أبرم معهم عهداً وعاد إلى رومة فأقره مجلس الشيوخ إمبراطوراً (٢٤٩) فوضع منهجاً يعيد إلى الإمبراطورية دينها وأخلاقها وعاداتها وأمر بالقضاء على المسيحية، ولما قتل القوط ابنه إلى جانبه عند نهر الدانوب صاح في جيشه الهياب: لا قيمة لخسارة فرد. وكر على العدو وقتل في أقسى هزيمة أصابت الرومان (٢٥١) وفي ذلك القرن شق الغساسنة طريقهم من اليمن، بعد خراب سد مأرب وتفرق أهله إلى حوران وقد سبقهم إليها ولحق بهم بطون من العرب، فاستوطنوها وتنقلوا بينها واستقروا في جلق مدة وجعلوا تبوك مقراً لحمايتهم واتصلوا ببيزنطية، وأسس جفنه بن عمرو مزيقيا دولتهم، ثم تنصروا على مذهب الطبيعة الواحدة الغالب على سوريا. وكان أعظم ملوكهم شأناً الحارث بن جبلة (٥٢٩ - ٥٦٩) الذي انتصر على اللخميين ملوك الحيرة وحلفاء الروس فكافأه جوستنيان بلقبي بطريق ورئيس قبيلة، وهما أعلى المراتب بعد الإمبراطور، وأطلق يده، في شمالي سوريا (٥٢٩) ثم عاون بيزنطية على قمع الثورة السامرية وفي حرب الفرس (٥٤١) إلا أن أحد أبنائه وقع في أسر المنذر الثالث اللخمي (٥٤٤) فقدمه ضحية للعزى، فلما فاز الحارث بخصمه انتقم لابنه منه بقتله في وقعة قرب قنسرين (٥٥٤) وزار بلاط جوستنيان (٥٦٣) وخلف فيه أثراً طيباً ورجع منه بأمر تعيين يعقوب البرادعي، مطران الرها، أسقفاً على الكنيسة السورية، فعرف أتباعه من بعد باليعاقبة، ومد الحارث رقعة مملكته من قرب البتراء إلى الرصافة شمالى تدمر، وجعل بصري التي بنيت كاتدرائيتها (عام ٥١٢) عاصمتها الدينية ووريثة تدمر السوق التجارية، وخلفه ابنه المنذر (٥٦٩ - ٥٨١) فسار على خطاه، ولكن غيرته على مذهب الطبيعة الواحدة، غير المتفق مع دين الإمبراطورية الرسمي أغضبت منه بيزنطية، فشق الغساسنة عليها عصا الطاعة طيلة ثلاث سنوات، ثم عقد الصلح بينهما عند قبر القديس سرجيوس بالرصافة (٥٧٥) وقصد المنذر بولديه القسطنطينية (٥٨٠) فاحتفي بهم إمبراطورها الجديد طيباريوس الثاني وأنعم عليه بالتاج. فلما رجع أغار على
стр. 32
الحيرة وأحرقها ما خلا كنائسها، والأمر ما قبض عليه عامل بيزنطية في سوريا وساقه مع زوجه وثلاثة من أبنائه إلى القسطنطينية فنفته إلى صقلية. وأقسم ابنه الأكبر وخليفته النعمان ألا يرى وجه بيزنطي بعد ذلك وطفق يشن الغارات على حدود الإمبراطورية ويعيث فساداً فيها حتى قبضت عليه (٥٨٤) وسيرته أسيراً إلى القسطنطينية ثم ألحقته بذويه في صقلية. عندئذ عمت الفوضى الغساسنة فأمرت كل قبيلة شيخاً منها عليها، والحرب بين بيزنطية والفرس سجال حولها حتى إذا فتح كسري أبرويز دمشق وأخذ عود الصليب من القدس (٦١٣ - ٦١٤) واسترجعهما هرقل (٦٢٩) كانت دولة الغساسنة قد دالت، إلا من جبلة بن الأيهم ويعتبر آخر ملوكهم وقد انضم إلى البيزنطيين في قتال العرب عند وقعة اليرموك (٦٣٦) ثم انفض بجماعته من حولهم.
لقد غلب على حضارة الغساسنة الطابع العربي. فكانت دون تدمر، وفوق الحيرة لصلتها بالبيزنطيين لا بالفرس جيران اللخميين. وانتفعت بالمدنيات اليمنية والسورية واليونانية لإبداع حضارتها واتخذت الآرامية لغة لها دون أن تهجر لسانها العربي الذي جاءت به من اليمن - وقد فصل ذلك ديسو في كتابه: العرب في بلاد الشام قبل الإسلام (١٩٥٥) - وما زالت آثارها تدل عليها في الدور المشيدة من الرخام الأسود، وقصور بصري، وأقواس النصر والمسارح، والأسواق، والقنوات، والحمامات العامة، أما بلاطها فقد غنت فيه القيان من مكة والحيرة والقسطنطينية، ووفد عليه شعراء العرب من أمثال: لبيد، وحسان بن ثابت، والنابغة الذبياني القائل في ملوكه:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
٥ - الحيرة:
ونزح اللخميون عن اليمن، مثل الغساسنة، في القرن الثالث للميلاد، إلى تخوم العراق، وقضوا أيامهم الأولى في المضارب ثم نزلوا بالحيرة (٤٣١) - وهي كلمة سريانية معناها مخيم وتقع بالقرب من بابل القديمة، وكان سكانها نصاري على مذهب الطبيعتين عرفوا فيما بعد بالنساطرة ومنها انتقلت إلى البحرين - حيث
стр. 33
أسس دولتهم عمرو بن عدي بن لخم، واستتب لهم الملك على يدي امرئ القيس الأول (المتوفى عام ٣٢٨) ثم ابتنى النعمان الأول (٤٠٠ - ٤١٨) قصر الخورنق وحمل على النصارى. وخلفه ابنه المنذر الأول (٤١٨ - ٤٦٢) فازدهرت الحيرة في عهده وبلغ من السلطان مبلغاً حمل الفرس على تتويج بهرام - وكان النعمان الأول قد رباه - ملكاً عليهم وأيدهم في قتال البيزنطيين (٤٢١) وزادت الحيرة تألقاً أيام المنذر الثالث ابن ماء السماء (٥٠٥ - ٥٥٤) فأصلح بين قبيلتي بكر وتغلب (٥٢٥) وقاتل البيزنطيين في سوريا وبلغ بغاراته أنطاكيه فنشط الغساسنة لملاقاته فأسر أحد أبناء ملكهم الحارث الثاني وقدمه ضحية للعزى (٥٤٤) تقديمه أربعمائة راهبة. ثم ظفر به الحارث وقتله في وقعة قرب قنسرين (٥٥٤) وخلفه ابنه عمرو بن هند (٥٥٤ - ٥٦٩) وقد نسب إلى أمه - وكانت أميرة غسانية بنت في الحيرة ديراً ظل معروفاً بدير هند حتى القرن الثاني للهجرة - وسقطت الأسرة اللخمية بنهاية النعمان الثالث (٥٨٠ - ٦٠٢) وهو ابن المنذر الرابع، وقد تنصر في قصة مشهورة، على المذهب النسطوري، وهو أقل المذاهب كراهية عند الفرس؛ إلا أن كسرى استدرجه لخلاف عائلي بين العرب إلى عاصمته وألقاه تحت أقدام الفيلة، وولى الملك بعده إياساً ابن قبيعة من بني طيء (٦٠٢ - ٦١١) وجعل إلى جانبه مقيماً فارسياً، فثار العرب لمقتل مليكهم وطفقوا يغيرون على حدود فارس حتى ثلموها، وهزموا فيالقها هزيمة ساحقة في ذي قار (٦١٠) واستمروا في الحيرة قوة قبلية ضاربة حتى الفتح الإسلامي فيسروه للفاتحين ومشوا في ركابهم.
لئن كانت حضارة الحيرة، وقد كشف عنها رايس (١٩٣٤) دون حضارات العرب التي مرت بنا، فقد تكلمت العربية مثل بعضها وكتبت بالآرامية إلى جانب العربية مثلها. وأنشأ اللخميون في الحيرة بلاطاً شبه فارسي وعنوا، كالفرس، بالموسيقى والشعر، فتمثلت حضارتهم فيما روى الشعراء عن قصورهم وبطولتهم وثرائهم، ومن فحول الشعراء الذين أموا بلاطهم: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم.
стр. 34
٦ - مكة:
كانت مكة على صلات تجارية قديمة بسوريا والعراق واليمن ومصر تحولت، بعدها إلى طريق لقوافل الشرق الأدنى، ثم إلى سوق رائجة في القرن السادس للميلاد، وحلت محل ما بار من أسواق الدول العربية. وذلك بحكم موقعها في وسط الطريق التجاري الجديد، وفضل سيادة قريش عليها، وإنشاء حلف الفضول فيها شبه جمهورية تجارية رتبت دوائرها ونظمت تجارتها وفرضت ضرائبها وأمنت أهلها فحفلت سوقها بسلع الدول العربية والحبشة وأفريقيا وفارس والشرق الأقصى، وشاعت فيها الدنانير البيزنطية والدراهم الفارسية والعملة الحميرية، هذا خلا النوق وكانت الوحدة النقدية بين العرب، وسيرت القوافل في رحلتي الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام (١). وقد رجعت إحداها من غزة، ولم تكن بأكبرها، وفيها ألف بعير ومعها خمسون ألف دينار (٢).
وكانت مكة عاصمة الحجاز مدينة دينية وسوقاً تجارية، غلبت عليها الوثنية على أقلية نصرانية ويهودية. وكانت قريش تقطن منها شعابها ويجاورها في أرباضها بعض الأحلاف الملتحقين بالأسر الملكية وجماعات ممن يتعاطون التجارة من سوريا ولبنان وبيزنطية، ويرتزقون بالموسيقى، ويحترفون الطب - وأشهرهم الحارث ابن كلدة خريج جند يسابور - وثمت جالية حبشية أسلم بعضها كبلال مؤذن الرسول. وعند ما اضطهد وأوذي المسلمون نصحهم النبي بالذهاب إلى الحبشة: فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق (٣). وقد رحب بهم مليكها وأكرم وفادتهم (٦١٥).
وكان اليهود الذين لجأوا إلى الحجاز في القرن الثامن قبل الميلاد ينزلون أخصب الواحات حول مكة في تيماء وفدك ووادي القرى، ويسيطرون على الزراعة والمصارف والتجارة حتى إن قبيلة منهم احتكرت سوق يثرب فاستفزت الأوس والخزرج فيها وقريشاً في مكة فلما جاء الإسلام وضع حداً لسيطرتهم، ثم استن عمر سنة: لا بقاء
стр. 35
في الجزيرة لغير الإسلام ديناً، فأجلى النصارى واليهود عنها (١).
وتميزت ثقافة الحجاز بطابعه المحلى الصرف التي عبرت عنها بلغة القرآن الكريم: «إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون» (٢). ولكن الحجاز كان محاطاً، في العصر الجاهلي، بمؤثرات دينية وفكرية ومادية انعكست على ثقافته: فأهل نجران ينقلون النسيج إلى مكة لستر الكعبة، والأنباط يحملون إليها الحبوب والزيوت والخمور، والغساسنة يفدون عليها فتنزلهم قلب المدينة، واللخميون يضاربون في أسواقها ومصارفها، وجالية من الأحباش مستقرة بها. ثم تنصر ملوك كندة عمال تبابعة اليمن، ومنهم امرؤ القيس الشاعر، وقبائل جذام - وقد ولى أحدها فروة بن عمر الجذامي قيادة جيش الرومان في وقعة مؤتة - وعذرة، وتغلب وبكر ثم بعض القبائل المجاورة. ولكنهم تنصروا على مذهبين قسماهما إلى عرب شرقيين وعرب غربيين فراح كل فريق ينافس الآخر في استمالة الوثنيين إلى شيعته بتشييد الكنائس والأديرة والمدارس لهم. وغلبت الثقافة النسطورية الآرامية - ثم أصبح النساطرة فما بعد همزة وصل بين الثقافتين الهليستينية والعربية - ودخلت الكلمات اللاتينية واليونانية والآرامية اللغة العربية: كقنديل، وبئر، وفدن، وقصر - الذي أعادته إلى إسبانيا الكازار - وتأثرت بالمفردات العبرية: كجبريل، وسورة، وجبار، خلا الإسرائيليات.
أول من زار مكة ووصف مناسك الحج فيها ليبليش (١٨٠٧) ثم تبعه كثير من المستشرقين، فجابوا الحجاز وكشفوا عن آثاره وأسراره.
стр. 36
الفصل الثالث
فتوح الإسلام
وجاء الإسلام فجمع شتيت العرب ووحد قواهم ومدهم بروح من لدنه، في حين دب الضعف إلى الإمبراطوريتين: الفارسية والبيزنطية من استمرار حروبهما وفداحة ضرائبهما والتنازع على عرشيهما، وضاق بهما نصارى الشرق الأدنى ووجدوا في المسلمين محرجاً فحمي بنو طيء المعبر لهم في وقعة الجسر. وأنجدهم بنو النمير، وقاتل بنو تغلب إلى جانبهم في وقعة البويت، وصالحهم أساقفة دمشق والقدس والإسكندرية من دون البيزنطيين فسقطت ممالك عظيمة الشأن رحبة المساحات وافرة الغنى عريقة الفن والأدب والعلم في أيدي المسلمين العرب. ثم في أيدي الذين اعتنقوا الإسلام من مختلف البلدان والقوميات واللغات بعد أن اتحدوا في الإسلام وتعلموا العربية لفهم آيات قرانه الكريم والحديث والفقه واتجهوا إلى مكة في صلواتهم وحجيجهم فكان هذا التلاقي بين الشرق وبين الغرب بالإسلام، أو بالجزية على من لم يسلم، هو الأول من نوعه في التاريخ.
١ - الإمبراطورية الفارسية:
غزا العرب بالإسلام أطراف العراق، وكانت تحت الحكم الفارسي فيسر لهم اللخميون فتح الحيرة (٦٣٣) وساروا في ركابهم لقتال الفرس فهزمهم الفرس في وقعة الجسر (٦٣٤) وانتقموا لهزيمتهم في القادسية (٦٣٧) وبلغوا المدائن (٦٣٧) وأسسوا على شط العرب مدينة البصرة (٦٣٧) وبالقرب من الحيرة مدينة الكوفة (٦٣٨) ثم سقطت في أيديهم خوزستان (٦٤٠) والموصل (٦٤١) ونهاوند (٦٤١) ومناطق الساحل من بلوخستان (٦٤٣) واصطخر أعظم مدن فارس (٦٤٩) فأدالوا الإمبراطورية الفارسية وجعلوها جزءاً من الدولة الإسلامية، قسموه إلى ولايات تابعة لهم ولقبوا الفرس بالموالي، ورجعوا من المدائن وقد امتلأت أيديهم بالغنائم حتى
стр. 37
إن سعداً نقل أبوابها وبنى بها قصره في الكوفة على الطراز الإمبراطوري، وتشبه به الكثيرون.
٢ - الشرق الأقصى:
وواصل عمال الخلافة الإسلامية فتوحهم فاستولوا على: خراسان (٦٧١) ونهر جيحون (٦٧٤) وبلخ (٧٠٥) وبخاري (٧٠٩) والسند، وأسفل وادي الأندس وأرض الدلتا منه، وسمرقند وفرغانه وخوارزم (٧١٢) وحيدر أباد وملقان (٧١٣) وجورجيا (٧٢٢ - ٧٣٣) وكاشغر (٧٤٠) وطخارستان (٧٤٩) وطشقند (٧٥١) وغيرها. وقد أنزل الفاتحون المسلمين في أصقاعها لنشر الإسلام بين أهلها، وجاءوا منها بزراعة البرتقال وقصب السكر وصناعته وتكريره، وصناعة الورق التي نشروها في بغداد (٧٩٤) وفي إسبانيا (٩٥٠) وفي صقلية (١١٠٢).
ولم يقتصر فتح هذه الأمصار على العرب والعاملين لهم فحسب، أو تكن صلاتها بالشرق الأدنى حديثة، فقد كان بين سكانها خليط من السوريين والحثيين والسوريين هاجروا إلى وادى الأندس الخصيب منذ الألف الثاني (ق. م) ثم غزاها الإسكندر (٣٢٧ ق. م) وفي ركابه تجار صيدا، ونزح إليها (في القرنين الأول والثاني للميلاد) جموع من اليونان والسوريين والعراقيين، كما كان للدين البوذي على مذهبيه: مهايانا، وهانايانا أثره في الشرق الأدنى. انتشر الأول في معظم آسيا الشمالية ونزل دعاته بأرمينية والقوقاز وتدمر وأنطاكية والإسكندرية. وناصرت جت وهي إحدى قبائل الهند، العرب على الفرس، وأقام علي بن أبي طالب من بعضها حراساً على خزائن المسلمين في البصرة، وأستعان بهم معاوية على البيزنطيين.
وهناك مليبار، وهي تقع على ساحل بحر العرب في غرب جنوب الهند. وقد قصدها التجار الكلدان والعرب واليهود والسريان واليونان والرومان. وقيل إن القديس توما قصد الهند وبنى الكنائس في ثمانية من بلدانها (١). وبلغ مليبار (٥٢ م).
стр. 38
وتحول إلى جلابور حيث اغتيل، وله فيها قبر عظيم ينسبه بعضهم إلى ولى من المسلمين يدعي تمام، وما زال النصارى والمسلمون يزورونه حتى اليوم ولا يفرقون.
ولما دخل سكان اليمن وحضرموت في الإسلام (٦٣٠) وكانوا يتاجرون بحاصلات السند ومليبار وسيلان وجاوه والصين وغيرها. وصلت الدعوة الإسلامية على أيديهم إليها. وأول من استوطن مليبار من العرب: شرف بن مالك، ومالك بن دينار، ومالك بن حبيب بعياله، فدعوا إلى الإسلام وبنوا المساجد والمعاهد (٧٠١)(١) واستقرت جماعة من تجار العرب بجزيرة سيلان (حوالي ٧٠٠) وأقام عشرة آلاف مسلم من سيراف وعمان والبصرة وبغداد (منذ أواخر القرن التاسع الميلادي) في سيمور وعرفوا بالبباصرة.
إلا أن فتح الهند لم يأت المسلمين إلا على يد محمود الغزنوي (٩٩٧ - ١٠٣٠) فقد غزاها، من دويلته غزنه في شرقي أفغانستان، سبع عشرة غزوة أحرق في خلالها معابدها وأفرغ خزائنها وحمل كنوزها وباع أسراه منها رقيقاً ووسع رقعة ملكه على حسابها فعد أغنى ملك عرفه التاريخ.
ثم استولى الغوريون - وهم قبيلة تركية من أفغانستان - على دلهي (١١٨٦) فخربوا معابدها واستصفوا أموالها ونزلوا بشمالي الهند ثلاثة قرون، وظلوا على صلات بالشرق العربي فاقطع الملك غياث الدين طفلق أحد أحفاد الخليفة المستنصر عندما فر من بغداد، مدينة سيري ووهبه قصراً وأموالا طائلة، كما أغدق على ابن بطوطة وولاه قضاء دلهي ثم أسفره إلى الصين.
وبلغ كاشغر أطراف الصين (٧١٤ - ٧١٥) فحطم الأصنام وابتني جامعاً وأنزل فيها المسلمين، وفتح طريق التجارة إليها فاستورد العرب منها الورق والخز والحرير، وأخذوا عنها الإبرة الممغطسة والمربعات السحرية التي اشتهر بها ثابت ابن قره، ثم توسعوا في تجارتهم بفضل جاليتهم - وقد أربت على أربعة آلاف نسمة - وأسفر كاشغر إلى ملك الصين لتأمينهم عليها (٧١٦) وتعددت السفارات بين الصين وبين دمشق في خلافة: الوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام. ثم تحولت إلى بغداد أيام الخلافة العباسية، فاستنجد ملك الصين
стр. 39
سونسرغ بالعباسيين على الثائر شي جول (٧٦٢) وتتابعت وفود المسلمين إلى الصين فبلغت ٧٦ وفداً (٧١٦ - ١٢٠٧) كما أنفذ بطريرك بغداد المبشرين إليها، وما العمود المرفوع في بيان فر (٧٨١) إلا تذكار لجهود ٦٧ منهم. وقد زارها التاجر سليمان العراقي وسجل رحلته أحد المؤرخين (٨٥١) فكانت أقدم وصف عربي لبلاد الصين، وقبل رحلة ماركو بولو بنحو ٤٢٥ عاماً.
٣ - الإمبراطورية البيزنطية:
وغزا العرب الشام - وكانت تحت حكم البيزنطيين ويطلق العرب عليهم الروم - وفاجأوا الغساسنة في يوم فصحهم (٦٣٤) وارتدوا عنها. ثم ضربوا الحصار عليها نصف عام واطأ في أواخره منصور بن سرجون، وكان قائماً على بيت المال، أسقف دمشق على تسليمها فاستسلمت (٦٣٥) وأصبح عهد خالد لأهلها نموذجاً لما قطعه من عهود للمدن التي فتحها. وانتصر العرب على تيودور شقيق الإمبراطور هرقل الأول - وقد تخلى الأرمن عنه، مع أنه منهم، وكانوا نصف جنده، ودعا أحد ثائريهم العرب إلى دخول أرمينيا فغزوها (٦٤٠) وفتحوها (٦٥٢) نصراً مؤزراً في وقعة اليرموك (٦٣٦) وانفض جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة بجماعته من حوله. وانكسر البيزنطيون كسرتهم الفاصلة في أجنادين (٦٣٦) فسلم بطريركهم سوفرونيوس الخليفة عمر القدس (٦٣٨) على ضمان حرية النصارى في عبادتهم وحماية أديرتهم وكنائسهم. وتابع العرب زحفهم فاحتلوا العريش (٦٣٩) وفتحوا مصر (٦٤٠ - ٦٤٢) وحاصروا الإسكندرية سنة، سلمها بعدها المقوقس بطريرك الأقباط - وكان اليعاقبة في مصر قد قاسوا الأمرين من اضطهاد بيزنطية - على مثل الشروط التي استسلمت بها القدس فاستقرت مصر ولاية تابعة للخلافة في المدينة، ودمشق، وبغداد، ثم استقلت بالخلافة مدة ثم ضمها العثمانيون إلى استانبول.
وأدرك خلفاء المسلمين، بعد فتح الشام وفلسطين ومصر، أن لا سبيل إلى الدفاع عن سواحلهم إلا بعمارة بحرية فكلف معاوية اللبنانيين بناء أسطول وجعل نواده وملاحيه منهم وضمه إلى الأسطول المصري فهزم بهما الأساطيل البيزنطية وغزا قبرص (٦٤٩) وأرواد (٦٥٠) ثم فتحها (٦٥٢ - ٦٥٥) وباع بقايا معادن تمثال
стр. 40
أرواد الشهير (٦٥٦) وحاول غزو صقلية (٦٥٢) ثم صالح قسطنطين الثاني على جزية (٦٥٨) حتى إذا استتب له الأمر رفض دفعها فسير البيزنطيون جماعة من الثوار النصارى عرفوا بالمردة فاكتسحوا الثغور وتطرق بعضهم إلى لبنان (٦٦٦) واستمرت الحروب بين المسلمين وبين البيزنطيين طوال سنوات فحاصر، الأسطول الإسلامي القسطنطينية (٦٧٣ - ٦٧٨) ثم ردهم عنها (٧١٧ - ٧١٨) الإمبراطور ليو الأيصوري - وهو سوري الأصل من أسرة وضيعة كانت تسكن مرعش، ويتقن العربية كاليونانية -واستعاد البيزنطيون قبرص (٧٤٦) والأناضول (٧٧٨) ثم ضرب الأسطول الإسلامي قبرص (٨٠٥) وكريت (٨٠٦) ورودس (٨٠٧) وفتح كريت منفيو إسبانيا (٨٢٥) وسقطت عمورية، موطن الأسرة البيزنطية الحاكمة في أيدي المسلمين (٨٣٨) ثم استولى البيزنطيون على دمياط في أيام المتوكل (٨٤٧ - ٨٦٠) وكريت (٩٦١) وبعلبك (٩٦٤ - ١٠٨٤) وطرسوس (٩٦٥) وقبرص (٩٦٨) وأغاروا على حلب وأنطاكية والرها (٩٧٤) ودمشق وبيروت (٩٧٦).
* * *
لقد اصطنع العرب في صدر الإسلام نظم البلدان التي تم لهم فتوحها، لحسن تنظيمها على الرغم من اضمحلال مجتمعاتها. فأخذوا بالطرق البيزنطية في سوريا وفلسطين ومصر، وبأساليب الساسانيين في العراق وفارس، مبقين على لغاتها ونقدها وموظفيها، ما خلا العراق الذي فتح عنوة فأطلق عمر يده فيه، وعدا المناصب ذات الصبغة السياسية والعسكرية. ولما قامت الخلافة الأموية (٦٦٠ - ٧٥٠) تعصبت للعرب عنصراً ولغة وأدباً، وجعلت قاعدتها دمشق على حدود باديتهم، واعتمد معاوية في توطيد عرشه على السوريين فكان منهم؛ ميسون، إحدى زوجاته، ومنصور ابن سرجون أمين ماله ثم ابنه وحفيده القديس يوحنا الدمشقي، وابن أثال طبيبه، والأخطل شاعره، وما لبثت الخلافة الأموية أن أصبحت وريثة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية أكثر منها حكومة عربية. فنظمت الجيش والأسطول على غرارهما، وأخذت عنهما إخلاف الأبناء والأقارب، وإحاطة الخليفة بمظاهر الأبهة، وتوفير النعيم في جلب المياه وتخطيط الحدائق وتشييد القصور،