← Общие книги

Общие книги · id 150937

المستشرقون لنجيب العقيقي

نجيب العقيقي

Полный текст (1 117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثالث فتوح الإسلام وجاء الإسلام فجمع شتيت العرب ووحد قواهم ومدهم بروح من لدنه، في حين دب الضعف إلى الإمبراطوريتين: الفارسية والبيزنطية من استمرار حروبهما وفداحة ضرائبهما والتنازع على عرشيهما، وضاق بهما نصارى الشرق الأدنى ووجدوا في المسلمين محرجاً فحمي بنو طيء المعبر لهم في وقعة الجسر. وأنجدهم بنو النمير، وقاتل بنو تغلب إلى جانبهم في وقعة البويت، وصالحهم أساقفة دمشق والقدس والإسكندرية من دون البيزنطيين فسقطت ممالك عظيمة الشأن رحبة المساحات وافرة الغنى عريقة الفن والأدب والعلم في أيدي المسلمين العرب. ثم في أيدي الذين اعتنقوا الإسلام من مختلف البلدان والقوميات واللغات بعد أن اتحدوا في الإسلام وتعلموا العربية لفهم آيات قرانه الكريم والحديث والفقه واتجهوا إلى مكة في صلواتهم وحجيجهم فكان هذا التلاقي بين الشرق وبين الغرب بالإسلام، أو بالجزية على من لم يسلم، هو الأول من نوعه في التاريخ. ١ - الإمبراطورية الفارسية: غزا العرب بالإسلام أطراف العراق، وكانت تحت الحكم الفارسي فيسر لهم اللخميون فتح الحيرة (٦٣٣) وساروا في ركابهم لقتال الفرس فهزمهم الفرس في وقعة الجسر (٦٣٤) وانتقموا لهزيمتهم في القادسية (٦٣٧) وبلغوا المدائن (٦٣٧) وأسسوا على شط العرب مدينة البصرة (٦٣٧) وبالقرب من الحيرة مدينة الكوفة (٦٣٨) ثم سقطت في أيديهم خوزستان (٦٤٠) والموصل (٦٤١) ونهاوند (٦٤١) ومناطق الساحل من بلوخستان (٦٤٣) واصطخر أعظم مدن فارس (٦٤٩) فأدالوا الإمبراطورية الفارسية وجعلوها جزءاً من الدولة الإسلامية، قسموه إلى ولايات تابعة لهم ولقبوا الفرس بالموالي، ورجعوا من المدائن وقد امتلأت أيديهم بالغنائم حتى

стр. 37

إن سعداً نقل أبوابها وبنى بها قصره في الكوفة على الطراز الإمبراطوري، وتشبه به الكثيرون. ٢ - الشرق الأقصى: وواصل عمال الخلافة الإسلامية فتوحهم فاستولوا على: خراسان (٦٧١) ونهر جيحون (٦٧٤) وبلخ (٧٠٥) وبخاري (٧٠٩) والسند، وأسفل وادي الأندس وأرض الدلتا منه، وسمرقند وفرغانه وخوارزم (٧١٢) وحيدر أباد وملقان (٧١٣) وجورجيا (٧٢٢ - ٧٣٣) وكاشغر (٧٤٠) وطخارستان (٧٤٩) وطشقند (٧٥١) وغيرها. وقد أنزل الفاتحون المسلمين في أصقاعها لنشر الإسلام بين أهلها، وجاءوا منها بزراعة البرتقال وقصب السكر وصناعته وتكريره، وصناعة الورق التي نشروها في بغداد (٧٩٤) وفي إسبانيا (٩٥٠) وفي صقلية (١١٠٢). ولم يقتصر فتح هذه الأمصار على العرب والعاملين لهم فحسب، أو تكن صلاتها بالشرق الأدنى حديثة، فقد كان بين سكانها خليط من السوريين والحثيين والسوريين هاجروا إلى وادى الأندس الخصيب منذ الألف الثاني (ق. م) ثم غزاها الإسكندر (٣٢٧ ق. م) وفي ركابه تجار صيدا، ونزح إليها (في القرنين الأول والثاني للميلاد) جموع من اليونان والسوريين والعراقيين، كما كان للدين البوذي على مذهبيه: مهايانا، وهانايانا أثره في الشرق الأدنى. انتشر الأول في معظم آسيا الشمالية ونزل دعاته بأرمينية والقوقاز وتدمر وأنطاكية والإسكندرية. وناصرت جت وهي إحدى قبائل الهند، العرب على الفرس، وأقام علي بن أبي طالب من بعضها حراساً على خزائن المسلمين في البصرة، وأستعان بهم معاوية على البيزنطيين. وهناك مليبار، وهي تقع على ساحل بحر العرب في غرب جنوب الهند. وقد قصدها التجار الكلدان والعرب واليهود والسريان واليونان والرومان. وقيل إن القديس توما قصد الهند وبنى الكنائس في ثمانية من بلدانها (١). وبلغ مليبار (٥٢ م).

стр. 38

وتحول إلى جلابور حيث اغتيل، وله فيها قبر عظيم ينسبه بعضهم إلى ولى من المسلمين يدعي تمام، وما زال النصارى والمسلمون يزورونه حتى اليوم ولا يفرقون. ولما دخل سكان اليمن وحضرموت في الإسلام (٦٣٠) وكانوا يتاجرون بحاصلات السند ومليبار وسيلان وجاوه والصين وغيرها. وصلت الدعوة الإسلامية على أيديهم إليها. وأول من استوطن مليبار من العرب: شرف بن مالك، ومالك بن دينار، ومالك بن حبيب بعياله، فدعوا إلى الإسلام وبنوا المساجد والمعاهد (٧٠١) (١) واستقرت جماعة من تجار العرب بجزيرة سيلان (حوالي ٧٠٠) وأقام عشرة آلاف مسلم من سيراف وعمان والبصرة وبغداد (منذ أواخر القرن التاسع الميلادي) في سيمور وعرفوا بالبباصرة. إلا أن فتح الهند لم يأت المسلمين إلا على يد محمود الغزنوي (٩٩٧ - ١٠٣٠) فقد غزاها، من دويلته غزنه في شرقي أفغانستان، سبع عشرة غزوة أحرق في خلالها معابدها وأفرغ خزائنها وحمل كنوزها وباع أسراه منها رقيقاً ووسع رقعة ملكه على حسابها فعد أغنى ملك عرفه التاريخ. ثم استولى الغوريون - وهم قبيلة تركية من أفغانستان - على دلهي (١١٨٦) فخربوا معابدها واستصفوا أموالها ونزلوا بشمالي الهند ثلاثة قرون، وظلوا على صلات بالشرق العربي فاقطع الملك غياث الدين طفلق أحد أحفاد الخليفة المستنصر عندما فر من بغداد، مدينة سيري ووهبه قصراً وأموالا طائلة، كما أغدق على ابن بطوطة وولاه قضاء دلهي ثم أسفره إلى الصين. وبلغ كاشغر أطراف الصين (٧١٤ - ٧١٥) فحطم الأصنام وابتني جامعاً وأنزل فيها المسلمين، وفتح طريق التجارة إليها فاستورد العرب منها الورق والخز والحرير، وأخذوا عنها الإبرة الممغطسة والمربعات السحرية التي اشتهر بها ثابت ابن قره، ثم توسعوا في تجارتهم بفضل جاليتهم - وقد أربت على أربعة آلاف نسمة - وأسفر كاشغر إلى ملك الصين لتأمينهم عليها (٧١٦) وتعددت السفارات بين الصين وبين دمشق في خلافة: الوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، وهشام. ثم تحولت إلى بغداد أيام الخلافة العباسية، فاستنجد ملك الصين

стр. 39

سونسرغ بالعباسيين على الثائر شي جول (٧٦٢) وتتابعت وفود المسلمين إلى الصين فبلغت ٧٦ وفداً (٧١٦ - ١٢٠٧) كما أنفذ بطريرك بغداد المبشرين إليها، وما العمود المرفوع في بيان فر (٧٨١) إلا تذكار لجهود ٦٧ منهم. وقد زارها التاجر سليمان العراقي وسجل رحلته أحد المؤرخين (٨٥١) فكانت أقدم وصف عربي لبلاد الصين، وقبل رحلة ماركو بولو بنحو ٤٢٥ عاماً. ٣ - الإمبراطورية البيزنطية: وغزا العرب الشام - وكانت تحت حكم البيزنطيين ويطلق العرب عليهم الروم - وفاجأوا الغساسنة في يوم فصحهم (٦٣٤) وارتدوا عنها. ثم ضربوا الحصار عليها نصف عام واطأ في أواخره منصور بن سرجون، وكان قائماً على بيت المال، أسقف دمشق على تسليمها فاستسلمت (٦٣٥) وأصبح عهد خالد لأهلها نموذجاً لما قطعه من عهود للمدن التي فتحها. وانتصر العرب على تيودور شقيق الإمبراطور هرقل الأول - وقد تخلى الأرمن عنه، مع أنه منهم، وكانوا نصف جنده، ودعا أحد ثائريهم العرب إلى دخول أرمينيا فغزوها (٦٤٠) وفتحوها (٦٥٢) نصراً مؤزراً في وقعة اليرموك (٦٣٦) وانفض جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة بجماعته من حوله. وانكسر البيزنطيون كسرتهم الفاصلة في أجنادين (٦٣٦) فسلم بطريركهم سوفرونيوس الخليفة عمر القدس (٦٣٨) على ضمان حرية النصارى في عبادتهم وحماية أديرتهم وكنائسهم. وتابع العرب زحفهم فاحتلوا العريش (٦٣٩) وفتحوا مصر (٦٤٠ - ٦٤٢) وحاصروا الإسكندرية سنة، سلمها بعدها المقوقس بطريرك الأقباط - وكان اليعاقبة في مصر قد قاسوا الأمرين من اضطهاد بيزنطية - على مثل الشروط التي استسلمت بها القدس فاستقرت مصر ولاية تابعة للخلافة في المدينة، ودمشق، وبغداد، ثم استقلت بالخلافة مدة ثم ضمها العثمانيون إلى استانبول. وأدرك خلفاء المسلمين، بعد فتح الشام وفلسطين ومصر، أن لا سبيل إلى الدفاع عن سواحلهم إلا بعمارة بحرية فكلف معاوية اللبنانيين بناء أسطول وجعل نواده وملاحيه منهم وضمه إلى الأسطول المصري فهزم بهما الأساطيل البيزنطية وغزا قبرص (٦٤٩) وأرواد (٦٥٠) ثم فتحها (٦٥٢ - ٦٥٥) وباع بقايا معادن تمثال

стр. 40

أرواد الشهير (٦٥٦) وحاول غزو صقلية (٦٥٢) ثم صالح قسطنطين الثاني على جزية (٦٥٨) حتى إذا استتب له الأمر رفض دفعها فسير البيزنطيون جماعة من الثوار النصارى عرفوا بالمردة فاكتسحوا الثغور وتطرق بعضهم إلى لبنان (٦٦٦) واستمرت الحروب بين المسلمين وبين البيزنطيين طوال سنوات فحاصر، الأسطول الإسلامي القسطنطينية (٦٧٣ - ٦٧٨) ثم ردهم عنها (٧١٧ - ٧١٨) الإمبراطور ليو الأيصوري - وهو سوري الأصل من أسرة وضيعة كانت تسكن مرعش، ويتقن العربية كاليونانية -واستعاد البيزنطيون قبرص (٧٤٦) والأناضول (٧٧٨) ثم ضرب الأسطول الإسلامي قبرص (٨٠٥) وكريت (٨٠٦) ورودس (٨٠٧) وفتح كريت منفيو إسبانيا (٨٢٥) وسقطت عمورية، موطن الأسرة البيزنطية الحاكمة في أيدي المسلمين (٨٣٨) ثم استولى البيزنطيون على دمياط في أيام المتوكل (٨٤٧ - ٨٦٠) وكريت (٩٦١) وبعلبك (٩٦٤ - ١٠٨٤) وطرسوس (٩٦٥) وقبرص (٩٦٨) وأغاروا على حلب وأنطاكية والرها (٩٧٤) ودمشق وبيروت (٩٧٦). * * * لقد اصطنع العرب في صدر الإسلام نظم البلدان التي تم لهم فتوحها، لحسن تنظيمها على الرغم من اضمحلال مجتمعاتها. فأخذوا بالطرق البيزنطية في سوريا وفلسطين ومصر، وبأساليب الساسانيين في العراق وفارس، مبقين على لغاتها ونقدها وموظفيها، ما خلا العراق الذي فتح عنوة فأطلق عمر يده فيه، وعدا المناصب ذات الصبغة السياسية والعسكرية. ولما قامت الخلافة الأموية (٦٦٠ - ٧٥٠) تعصبت للعرب عنصراً ولغة وأدباً، وجعلت قاعدتها دمشق على حدود باديتهم، واعتمد معاوية في توطيد عرشه على السوريين فكان منهم؛ ميسون، إحدى زوجاته، ومنصور ابن سرجون أمين ماله ثم ابنه وحفيده القديس يوحنا الدمشقي، وابن أثال طبيبه، والأخطل شاعره، وما لبثت الخلافة الأموية أن أصبحت وريثة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية أكثر منها حكومة عربية. فنظمت الجيش والأسطول على غرارهما، وأخذت عنهما إخلاف الأبناء والأقارب، وإحاطة الخليفة بمظاهر الأبهة، وتوفير النعيم في جلب المياه وتخطيط الحدائق وتشييد القصور،

стр. 41

وإنفاق الأموال على الكساء والطعام والشراب انتجاعاً للملاذ بعد طول جفاف وجهاد وتقشف في عهد الرسول وخلفائه الراشدين، تم تعربت الدولة على أيام عبد الملك في لغة الدواوين، وإنشاء البريد، وضرب الدينار الإسلامي على غرار الدينار البيزنطي (٦٩٣) وإقامة الوليد بن عبد الملك الجامع الأموي مقام كنيسة القديس يوحنا (٧٠٥) باستقدام المهندسين ومهرة الصناع من مصر والقسطنطينية وفارس وشمالي أفريقيا. فجاء الجامع آية في تصميمه وتنسيقه وتزيينه. ٤ - شمالي أفريقيا: وحمل العرب على شمالي أفريقيا وواتتهم الفرصة فيه إذ كان معظم سكانه قد انقسموا في عقيدتهم، إلى شرقيين وغربيين، والطريق إليه ممهداً، بوسع العرب الانتقال من طرابلس إلى طنجة في ظلال الزيتون. فسقطت في أيديهم برقة (٦٤١) وطرابلس (٦٤٢) وبلغ عبد الله بن أبي سرج قرطاجنه (٦٤٧) ودمقله (٦٥٢) حيث أقام فيها مسجداً وعقد مع أهلها معاهدة تجارية. إلا أن فتح المغرب استغرق ستين سنة لقربها من صقلية، واعتصام سكانها البربر بجبالهم، ولم يفت ذلك من عضد الحلفاء، فأنفذ معاوية عقبة بن نافع الفهري عامل برقة، فانتصر بمعاونة البربر على الروم وأسس بالقرب من تونس مدينة القيروان وشيد بها مسجد سيدي عقبة (٦٧٠) ولكن البربر كادوا له وفتكوا بمعظم جنده (٦٨٣) فلما ولى الخلافة عبد الملك بن مروان ولي حسان بن النعمان على المغرب ففتح تونس وتغلب على البربر وأجلى الروم عن المغرب (٦٩٣ - ٦٩٨) ثم ثار البربر بقيادة امرأة تلقب بالكاهنة فقضوا على جيش حسان وردوه إلى برقة فأمده عبد الملك بجيش مكنه من القضاء على قوة الكاهنة وإخضاع البربر واعتناقهم الإسلام. وظل من المغرب مراكش فتحها موسى بن نصير، عامل الخليفة الوليد بن عبد الملك (٧٠٨) وأرسل إليه من أسرى شمالي أفريقيا البالغ عددهم ثلاثمائة ألف خمسهم (١) ثم وصل بجيوشه إلى المحيط الأطلسي ولم يمتنع عليه سوي مدينة سبتة، وكان يتولاها أمير تابع لدولة القوط بإسبانيا. ثم توالى على

стр. 42

أفريقيا: الأدارسة في مراكش (٧٨٨ - ٩٨٥) والأغالبة في تونس (٨٠١ - ٩٠٩) والمرابطون من البربر في مراكش (١٠٥٦ - ١١٤٧) والموحدون من البربر (١١٣٠ - ١٢٦٩). ٥ - غرب أفريقيا: اشتهرت غانة بعدالتها وثروتها ورخائها، فتوافد المسلمون من شمالي أفريقيا عليها واستوطنوها تجاراً وموظفين في بلاط سوننكي ثم شيدوا مدينة إسلامية على أميال منها. فلما اعتنقت الإسلام قبيلتان من البربر: المنونه وجودله، من جيران غانة في الشمال تحالفتا على سوننكي لنشر الدعوة. وفي مطلع القرن الحادي عشر نزل عند قبائل المنونة بين مراكش وبين سنغال عبد الله بن يس وأسس في جزيرة صغيرة رباطاً فعرف أتباعه بالمرابطين، وقد عاهدوه على الجهاد في سبيل الإسلام، فغزا بعضهم مراكش وأنشأ فيها دولة المرابطين، واستولى الآخرون على غانة (١٠٧٦) فاعتنقت الإسلام قبائل سارا كولا. وبلغ عدد مساجد المدينة وحدها اثني عشر مسجداً. فلما تم للمرابطين فتح غانة عاد معظمهم إلى صحرائهم ثم شغلوا بفتوحهم في شمالي أفريقيا والأندلس عنها، فاستعادها ملوك السوننكيين (١٠٨٧) ثم ضم سوما نجورو عظيم أباطرة سوسو غانة إلى بلاده (١٢٠٣) بعض الوقت فهجرت طوائف المسلمين غانة إلى بلدة والاتا في السودان الغربي وأنشأت لها فيها مركزاً تجارياً. وبين بلدة والاتا في الشمال وبين تمبكتو في الشرق قامت مملكة غينيا وقد اعتنق الإسلام ملكها وكثير من رعاياه (١٢٠٤). وأسس سونديا تاكيتا، خليفة أمير قبائل الماندانج الذي اعتنق الإسلام، إمبراطورية مالي، وتذكرها المصادر العربية ببلاد التكرور، من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر، ثم أضعفتها الغزوات والثورات وتقاسم الولاة حتى القرن السابع عشر فقضى عليها حتى بعثت أخيراً. وتأسست دولة سنغاي على ضفاف النيجر الأوسط (٣٠٠) وحولها رجل ليبي إلى ملكية (٦٧٩) واعتنق زاكاسي أحد أحفاده الإسلام (١٠٠٩) وجعل

стр. 43

مقره في جوجو. ثم أخضعها ملك مالي. واستعادها على كيلون وأسس فيها أسرة سوني ووسع سني على بن محمد دان (١٤٦٤) حدودها فضمت ولايات غانة القديمة وغزا تمبكتو وأذن للبرتغال بإنشاء مركز للتجارة في وادان (١٤٦٨) وثار على ابنه (١٤٩٢) أحد قواده محمد بن أبي بكر الهادي، وأسس أسرة ملكية جديدة فأسقطه ابنه موسي (١٥٢٨) ثم اختلف مع إخوته العديدين على العرش، وطمع فيه المراكشيون، واستولوا عليه (١٥٩١) ثم انقسمت سنغاي إلى إمارات عملت على استقلال مراكش. وقد كانت تمبكتو (١٥٢٦) حاضرة سنغاي ومركز الدعوة الإسلامية. فيها مسجدان جامعان: مسجد سيدي يحيى، ومسجد سنكوري. ومكتبات خاصة تشتمل على بعض المخطوطات العربية من أشهرها: تاريخ السودان، لعبد الرحمن السعدي. ولم تخضع مملكة برنو السلطان سنغاي، واتخذ أهلوها كانم، وهي شمال بحيرة تشاد، مقراً لملكهم، واعتنق أحد سلاطينها الإسلام وتسمي باسم عين محمد بن جبل بن عبد الله. وقد ذكر المقريزى أنه كان يحكمها عام ١٠٨٦. وتوفي بمصر في طريقه إلى الحج. واتسع سلطان حكامها بعد اعتناقهم الإسلام ووسعوا رقعة ملكهم حتى اصطدموا بجيرانهم ثم اختلفوا فيما بينهم، فقضى على استقلالهم. ٦ - الأندلس: وفيما كان موسى بن نصير يستأذن الخليفة الوليد بن عبد الملك في فتح الأندلس أنفذ مولى له يدعى طارق بن زياد، عامل طنجه، وهو من البربر، في سبعة آلاف مقاتل من جماعته (٧١١) فجاز بهم، في مراكب قدمها لهم يوليان، مضيق جبل طارق إلى الأندلس، وفتح قرطاجنة الجديدة وأطراف الجزيرة حتى إذا بلغته الأمداد من شمال أفريقيا حمل على رودريك، ويطلق العرب عليه لزريق وكسره في وقعة شريش (٧١١) وشجعه غرق الملك وغدر أعوانه به وعلى رأسهم الأسقف أباس، والخلاف المستحكم بين القوط الغربيين وبين الإسبان الرومانيين على التوغل في البلاد فانطلق يستولي على غرناطة وصلمنكه وقرطبة (٧١٢) فلما

стр. 44

فتح نصف الأندلس حسده موسى بن نصير ولحق به (٧١٢) في عشرة آلاف مقاتل من العرب وأهل الشام، وثمانية آلاف من البربر احتل بهم أشبيليه (٧١٢) وماردة (٧١٣) في حين انقض طارق على طليطلة عاصمة القوط وفتحها عنوة (٧١٤) ولا شارفت جيوش المسلمين جبال البرانس خطر لموسى اجتيازها لغزو جنوب أوربا وبلوغ دمشق من القسطنطينية، إلا أن الخليفة استدعاه إليه فخرج من الأندلس، بعد أن استخلف ابنه عبد العزيز على أشبيلية ورجع ومولاه طارق إلى الشام بثلاثين ألف أسير (١) فيهم ٤٠٠ أمير من القوط، على رؤوسهم التيجان .. يتبعهم عدد لا يحصى من الغلمان والرقيق حاملين مقادير عظيمة من الغنائم (٢). وبينهم ثلاثون ألف عذراء من بنات ملوك القوط وأعيانهم (٣)، والكثير من الأسلاب والكنوز والذخائر التي انتزعوها من قصور الأندلس وكنائسها وقد وجدوا في طليطلة ذخائر منها سبعون تاجاً من الذهب .. وألف سيف مجوهر ملكي .. ومن الدرر والياقوت أكيال وأوساق (٤) ودخل الموكب دمشق فيهرها (٧١٥) ثم أنفذ سليمان خليفة الوليد من اغتال عبد العزيز في أشبيلية (٧١٦) وجاءه برأسه فدفعه إلى أبيه موسى بن نصير وسامه من العذاب ألواناً، حتى شوهد في آخر أيامه، مستعطياً في قرية نائية من أعمال الحجاز (٥). وتعاقب على الأندلس: (أ) الولاة (٧٣٢ - ٧٥٥) قضى العرب ذلك العصر في حروب مع الإسبان وفي خصومات مع البربر، وفي منازعات بين قبائل العرب نفسها. (ب) الدولة الأموية: أنشأها عبد الرحمن، الملقب بالداخل (٧٥٥ - ٧٨٨ وجعل من قرطبة عاصمة، وباشر بناء المسجد الجامع فيها (٧٨٥ - ٧٨٦) وكان الفاتحون قد اجتزأوا لعبادتهم بنصف كاتدرائية القديس منصور - على الطراز

стр. 45

الأموي، مرفوعاً على ثلاثمائة وخمسين عموداً من المرمر، منوراً بتسعة آلاف مصباح، وأنشأ الطرق والمعابر، وشجع الزراعة والاقتصاد، وشيد المدارس فأتاح للإسبان تعلم العربية لغة الدولة والتثقف بثقافتها، ولكنه تنكر العلم فقضى على شعيا بن شعيا وأحرق الفقهاء في عهده كتب خليل بن عبد الملك. هشام بن عبد الرحمن (٧٨٨ - ٧٩٦) استسلم إلى فقهاء المالكية المتزمتين فأثار الفتن عليه: كفتنه الاسبان بقرطبة، ووقعة الحفرة في طليطلة، وهياج الربضى. الحكم بن هشام الأول (٧٩٦ - ٨٢٢) أسخط الفقهاء عليه لكف أيديهم عن تصريف الأمور، فاندلعت الثورة في قرطبة (٨٠٥) وطليطلة (٨١٤) فأغرق الربضي بالدماء، وصلب الكثيرين، ونفى عشرين ألفاً إلى فاس، وخمسة عشر ألفاً إلى الإسكندرية، فذهبوا إلى كريت، واستعادوها من البيزنطيين (٨٢٥). عبد الرحمن الثاني (٨٢٢ - ٨٥٢) أول من بدل حياة البلاط من خشونة إلى ترف، وقمع ثورة المسيحيين واليهود في طليطلة، ثم غلبه على أمره: امرأة وخصى وفقيه ومغن، فني يحيى ابن الغزال الذي أسفره إلى ملك النورمان والدانمرك (٨٤٥) لهجائه مغنيه زربابا، وأمر بصلب شيخ من الباطنية إكراماً الفقيهه يحيى بن يحي. وقتل: الكاهن برفكتوس (٨٥٠) والراهب إسحق. والفتاة لورا، والراهبة ماري (٨٥١). محمد بن عبد الرحمن (٨٨٦ - ٨٥٢) استعان بالفقهاء على إرهاب الثائرين من رعاياه النصارى، فأعدم أسقف قرطبة (٨٥٩) وبشيوخ القبائل على الخارجين عليه من المستعمر بين، كبنى قسى، وعبد الرحمن بن مروان الجلقي، وعمر بن حفصون، فكن شيوخ القبائل لأنفسهم من نواحيهم، ثم انقلبوا على ابنه الخليفة المنذر (٨٨٦ - ٨٨٨) فسمه أخوه عبد الله وحل محله. عبد الله (٨٨٨ - ٩١٢) نازعه شيوخ القبائل السلطان وارتد ابن حفصون إلى النصرانية (٨٩٩). عبد الرحمن الناصر (٩١٢ - ٩٦١) أول من تلقب بلقب أمير المؤمنين (٩٢٩) وقد أخضع العرب لسلطانه، وقضى على عمر بن حفصون، وأرهب ممالك النصارى، وأحاط نفسه بحرس من الصقالبة، واتخذ حسداي بن شبروط طبيباً ومشرفاً على بيت المال، وتبادل مع أوربا السفارات، وكلف بالعمارة فابتني مدينة الزهراء (٩٣٦ - ٩٦١) فاشتملت على مساجد وحمامات وقصر قائم على ٤٣٠٠ عمود بعضها من خرائب قرطاجنة، فيه ٤٠٠ غرفة ومقصورة، وفي وسط قاعته جوهرة أهداها إليه الإمبراطور ليو البيزنطي (١). كما عنى بالزراعة والصناعة والتجارة فقارب دخله ٦? ٢٤٥? ٠٠٠

стр. 46

دينار ما عدا أخماس الغنائم (١). وشجع الآداب والعلوم والفنون وأجزل للمترجمين من اليونانية واللاتينية، وأسس جامعة في المسجد الجامع فبغلت قرطبة الذروة (٢) وألفت مع بغداد والقسطنطينية المراكز الثقافية العالمية يومذاك. الحكم الثاني (٩٦١ - ٩٧٦) ولي حسداي بن شروط الوزارة، والمنصور قيادة الجيوش، وحمل ممالك النصارى المجاورة على طلب الصلح (٩٦٢ - ٩٧٠) وقضى على الفاطميين في مراكش (٩٧٢) وأتم بناء مدينة الزهراء، ووسع نطاق المسجد الجامع وزينه بالفسيفساء التي أهداها إليه إمبراطور القسطنطينية وأنفذ الرسل إلى الشرق الأدنى يستنسخون له الكتب فأربت مكتبة قرطبة على ٤٠٠ ألف مجلد، وأرسل إلى أبي الفرج الأصبهاني بألفي دينار لقاء نسخة من كتاب الأغاني قبل ظهوره في العراق. كما فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه مختصر ابن الحكم. وقصد جامعة قرطبة في عهده الطلاب من أوربا وأفريقيا وآسيا، وبلغ عدد تلاميذ قرطبة بين خمسة آلاف وستة آلاف (٣). هشام بن الحكم (٩٧٦ - ١٠٠٩) خلف أباه على العرش، وعمره اثنتا عشرة سنة، فتولت الحكم باسمه أمه يساعدها فيه المنصور (٩٧٧ - ١٠٠٢) بسمارك القرن العاشر (٤) وأحل البربر محل الصقالبة المستعربين وأخضع بهم برشلونة (٩٨٥).

стр. 47

وحجر على هشام، وشيد مدينة الزاهرة، وتلقب بلقب الخلافة (٩٩٢) واستولى على ليون وذبح أهلها، وعلى شنت ياقب (٩٩٧) ودمر ضريح قديسها وأرغم أسراه على حمل أبواب كنيستها وأجراسها في موكب نصره بقرطبة، ثم جعل الاندلسيون تلك الأجراس مشاعل ينيرون بها منازلهم. وشغف المنصور بالعلم فنح صاعد البغدادي خمسة آلاف دينار على كتابه النصوص (١) وتقرب إلى العلماء بإحراق مكتبة الحكم الثاني فلم يغفر له (٢)، وتوفي (١٠٠٢) وهو عائد من حملته الثانية والخمسين التي غزا فيها قشتالة ودمر أديرتها وخرب حقولها. عبد الملك المظفر (١٠٠٢ - ١٠٠٨) خلف أباه المنصور وأنزل بالمسيحيين هزائم عدة، ثم ائتمر به أخوه عبد الرحمن فمات مسموماً، ولما ولاه هشام عهده قتله الأمويون وخلصوا هشاماً وبايعوا ابن عمه محمداً المهدي فهدم المدينة الزاهرة (٣) وزرع الأزهار في جماجم أعدائه، ثم اغتيل (١٠١٠). (ج) ملوك الطوائف (١٠١٣ - ١٠٨٦) وأعقب الثورة على أولاد المنصور الفتنة الكبرى فقضت على الخلافة الأموية واقتسم الأندلس البربر والمولدون والعرب: فولى غرناطة بنو زيري (١٠١٢ - ١٠٩٠) ومالقه بنو حمود (١٠١٦ - ١٠٥٧) وسرقسطة بنو هود (١٠١٩ - ١٠٣٠) وبلنسية بنو عامر (١٠٢١ - ١٠٦٥) وبطليموس بنو الأفطس (١٠٢٢ - ١٠٩٢) وأشبيلية بنو عباد (١٠٢٣ - ١٠٩١) وقرطبة بنو جهور (١٠٣١ - ١٠٧٠) وطليطلة بنو ذي نون (١٠٣٥ - ١٠٨٥) والمرية بنو صمادح (١٠٤٤ - ١٠٩١) إلخ وفي ذلك يقول ابن خلدون: «إن دولة بني أمية لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها واقتسموا خطتها وتنافسوا فيما بينهم ... واستظهروا على أمرهم بالموالى والمصطنعين ... اقتداء بالدولة في آخر أمرها» (٤) ولكنهم عجزوا عن صد هجمات الإسبان فاستعادوا صملنكة (١٠٥٥) وهزم الفونسو السادس ملك قشتالة (١٠٧٢ - ١١٠٩) المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية (١٠٨٣) فدخل في طاعته وزوجه إحدى بناته،

стр. 48

واستولى ألفونسو على طليطلة (١٠٨٥) وولى ملوك الطوائف بعضهم على بعض. (د) دولة المرابطين (١٠٨٧ - ١١٤٥) ورأى الفقهاء الاستعانة بالمرابطين على الإسبان فتوجه وفد من القضاة إلى مراكش فاستجاب لهم يوسف بن تاشفين، وعبر إلى الأندلس ومكن للمعتمد بانتصاره على ألفونسو السادس في وقعة الزلاقة (١٠٨٦) ثم أراد الأندلس لنفسه فخلع ملوك الطوائف، ونفي المعتمد ووزيره إلى مراكش، وضرب النقود باسمه، وهدم كنيسة المستعربين في غرناطة (١٠٩٩) وخلفه ابنه على (١١٠٦ - ١١٤٣) فأجلى النصارى إلى مراكش (١١١٨) ثم أعمل السيف في رقاب مستعربي غرناطه (١١٢٦) ولكنه عجز ومن خلفه عن صد هجمات ملوك إسبانيا والبرتغال فتتوج ألفونسو السابع ملك قشتالة إمبراطوراً (١١٣٥) وبلغ في توغله قرطبه (١١٤٨) وانتزع ألفونسو الأول ملك البرتغال لشبونة من حكامها (١١٤٧) فأصاب المرابطين ضعف ملوك الطوائف وفسادهم وكسادهم. (هـ) دولة الموحدين (١١٤٥ - ١٢٢٥) ولما قضى الموحدون على المرابطين في الجزائر (١١٥٢) وفي تونس (١١٥٨) وفي طرابلس (١١٦٠) استنجد بهم ابن قسي المرتولى على الإسبان فهزموا ألفونسو الثامن في وقعة الأرك (١١٩٥) وانتصر عليهم في وقعة العقاب (١٢١٢) ثم عقد صلحاً مع المسلمين ليحمي نفسه من غدر المسيحيين. وجمع فرديناند الثالث (١٢١٧ - ١٢٥٢) بين قشتالة (١٢١٧) وبين ليون (١٢٣٠) واستعاد قرطبة وحول مسجدها الجامع إلى كنيسة (١٢٣٦) وبلنسيه (١٢٣٨) ومرسيه (١٢٣٩) وأشبيلية (١٢٤٨) فاتخذها عاصمة وقصرها مسكناً، ثم قادش (١٢٥٠) ووقف عند غرناطة. (و) مملكة غرناطة (١٢٣٢ - ١٤٩٢) وصمد بنو الأحمر للإسبان قرنين ونصف القرن من الزمن. فأقام محمد الأول (١٢٤٨ - ١٢٧٢) قصبة الحمراء وبني برج الطليعة. ووطد خلفه أبنه محمد الثاني (١٢٧٢ - ١٣٠٢) سلطانه في استنجاده ببني مرين. وبني محمد الثالث (١٣٠٢ - ١٣٠٩) قصراً بالحمراء والمسجد الجامع بالقصر ووقف عليه الحمام بإزائه، وأنشأ يوسف أبو الحجاج (١٣٣٤ - ١٣٥٤) جامعة غرناطة وابتنى ابنه محمد الخامس (١٣٥٤ - ١٣٩١)

стр. 49

القصور السلطانية بالحمراء وتضم ثلاث مجموعات وهي من أجمل وأنفس ما خلفه العرب من بدائع الآثار، وخلف محمداً الخامس ملوك ضعاف قامت بينهم الفتن في حين توحدت فرنسا تحت حكم لويس الحادي عشر، وانجلترا على عهد هنري السابع، واعترفت ألمانيا بإمبراطور واحد، وتزوج الملك فرديناند الخامس بإيزابيلا (١٤٦٩) فجمعا بين ملكيهما واسترجعا غرناطة (١٤٩٢) ووقعا معاهذة ذات خمس وخمسين مادة تؤمن المسلمين على النفس والأهل والمال وإقامة شريعتهم على ما كانت (١). فما رتعوا بالمعاهدة غير سبع سنوات ضيق الأساقفة عليهم بعدها - وقد أحفظهم تفريق الفاتحين نصف أموال القتلى والفارين على المسلمين، ومصادرة أملاك المعابد وكنوزها، وتنصيب الأساقفة وعزلهم، وإلزامهم الصمت على نقد الفقهاء، وتغريب المهزومين، وغير ذلك - فرجع ملوك إسبانيا إلى محكمة التفتيش التي عرفوها (١٢٣٢) نقلا عن ألمانيا (١١٩٤) وفرنسا (١٢٢٦) وإيطاليا (١٢٢٨) لمعاقبة الضالين من النصارى وسلامة ممالكهم، فاستباحت المسلمين تعذيباً وإحراق كتب وتشريداً ما عدا من فتن عن دينه أو خفي أمره عليها. ومن متخلفي العرب في الأندلس من يعرفون اليوم باسم المركيز الداما، والمدور، والكونت دوكافيا إلخ ... وقد بلغ بعضهم الوزارة ورئاستها (٢). فجلوا في فترات (١٤٩٢ - ١٩٩٦ - ١٥١٤ - ١٥٨١ - ١٦٠٩) وانضم إلى بعضهم المهاجرون من البرتغال وقد تشتت شملهم، فمنهم من قصد إيطاليا، ومنهم من نزل بجنوب فرنسا، ومنهم من حمل إلى شمالي أفريقيا، فنزلوا بتطوان وأرباضها ومنها أغاروا على البرتغاليين براً وبحراً في سبتة والقصر الصغير وطنجة وأسروا منهم نيفاً وثلاثة آلاف أسير. وأقام غيرهم بتونس في حيين: شارع الأندلس وحومة الأندلس. وكانوا يعلقون مفاتيح منازلهم في قرطبة وأشبيلية وغرناطة على جدران بيوتهم في شمالي أفريقيا، ويشاركون أهلها في تطوير العلم والصناعة والتجارة فيها، ثم نزح فريق منهم إلى الإسكندرية.

стр. 50

٧ - البرتغال: وتقع البرتغال - وكانت تعرف قديماً بلوشيتانيا ويلتقي على أرضها الأفريقيون كالليبيين والبربر بالآريين والسلت الأوربيين - في شمال شرق الجزيرة الأيبرية (أسبانيا) وقد أصابها ما أصاب الجزيرة فاستولى عليها الفينيقيون والقرطاجنيون واليونان والرومان، وفي عهد أغسطس أحد أباطرة هؤلاء شهدت مدينة ماردة على شرفه وجعتها عاصمة البلاد. وبعد أن فتح موسى بن نصير أشبيلية مشي على ماردة وأحل شلب محلها قاعدة الغرب الأندلسي. وفي عهد الولاة نزل بنو وزير من اليمن بشلب وباجه، وأقطع غيرهم من العرب والبربر يابرة ولشبونه وشنتمرين، ثم أعيد توزيعها على السوريين والأردنيين والمصريين عند ما انتقلوا إليها. ولما قامت الدولة الأموية أخمدت ثورة باجه وكانت تدعو للعباسيين، وردت قرصان الشمال عن لشبونة والقصر، وقضت على الأمراء والمولدين، وكانوا من الإسبان القوط قد اعتنقوا الإسلام وطمعوا في حكم إماراتهم، ثم اجتاحها المنصور في حملاته على غاليسيا وسانتياغو. واستعاد المرابطون من ألفونسو السادس ملك ليون وقشتالة بعد هزيمته في وقعة الزلاقة (١٠٨٦) شنتمرين ولشبونة وشنتره. وتزوج هنرى البورغندي من تيريزا بنت ألفونسو السادس فأقامه كونتا على البرتغال (١٠٩٣ - ١١١٢) وخلفه، بعد انشقاق بين النبلاء، ابنه ألفونسو الأول (١١١٢ - ١١٨٥) فهزم المرابطين في وقعة الأرك (١١٣٩) وأفاد من ثورة ابن قسي عليهم، ومرور الصليبيين به لاسترجاع شنتمرين ثم لشبونه (١١٤٧) استرجاع جيرار سان بور (الذي لا يرهب الموت) أحد قواده يابره وباجه من الموحدين فيما بعد. وخلفه ابنه شانجه الأول (١١٨٥ - ١٢١١) فحمل بالصليبيين الألمان والإنجليز وأهل الفلاندر على شلب فاستسلمت لهم عطشاً وخرج قائدها عيسى بن أبي حافظ بن على ومن بقي معه منها مؤمنين على أرواحهم (١١٨٩) ثم استعادها المنصور بعد استعادته القصر وبالملا والمادا. وعاون ألفونسو الثاني (١٢١١ - ١٢٢٣) الإسبان على دحر الموحدين (١٢١٢) واستجاب لرغبة أسقف لشبونة في استرجاع القصر، بمؤازرة إحدى الحملات

стр. 51

الصليبية بعد معركة حامية (١٢١٧) وقنع شانجه الثالث (١٢٢٣ - ١٢٤٥) بما ورثه. ولم يقنع ألفونسو الثالث (١٢٤٥ - ١٢٧٩) فاسترجع من ابن محفوظ الغرب كله وضمه إلى البرتغال (١٢٤٩) وأنشأ الملك دينيس (١٢٧٩ - ١٣٢٥) جامعة لشبونه (١٢٩٠) وقرب علماء العرب وأفاد من علومهم. ثم ارتقي عميد منظمة دافيس العسكرية عرش البرتغال باسم جان الأول (١٣٨٥) وفي عهد أسرته فتح البرتغاليون سبتة (١٤١٥) طمعاً في إنشاء إمبراطورية فيما وراء البحار وتسيير السفن حول شاطئ أفريقيا الغربي، وفك حصار المسلمين عن الحبشة. ومن سبتة انطلقوا إلى القصر الصغير وطنجه، وانبثوا في شعور الشاطئ المغربي وأقاموا عليه القلاع، وبلغوا منه جزر المديرا (١٤١٨) وأسور (١٤٢٧) وسنغاي على ضفاف النيجر (١٤٦٨) ورأس الرجاء الصالح (١٤٨٦) ثم الهند. ٨ - فرنسا: لئن رد الخليفة الوليد موسى بن نصير عن جبال البرانس، فقد أذن خلفاؤه للحر بن عبد الرحمن باختراقها فاجتاح جنوب فرنسا. ثم عبد الرحمن الغافقي - وهو من أشهر ولاة الأندلس - في فتحها جميعاً. فعبر بجيوشه جبال البرانس واستولى السمح بن مالك على ناربون وجعل منها قاعدة ولم يحل مصرعه أمام تولوز (٧٢١) بين العرب وبين اكتساحهم: كاراكسون، ونيم، وليون، وما كون، وأوتن، وغاليسيا، وأعالى الرون واللوار (١) وبلغوا أتون وأفينيون وفتحوا بوردو عنوة (٢) وأشعلوا النار في معابدها، وفي الكنيسة القائمة خارج أسوار بواتيه. ثم زحفوا شمالا حتى جاوزوا مدينة تور. فلما استفحل أمرهم صادر شارل مارتل أموال الكنائس وألب عليهم جيشاً خليطاً من الفرنسيين والألمان والبورغنديين فدحرهم بعد معركة حامية دامت سبعة أيام في سهل بين تور وبواتييه وقد عرفت برقعة بواتييه (٧٣٢) وقتل الغافقي وانسحبت جيوشه في جنح الظلام. ويقول لبون، وقد اشتهر بالتعصب على الفرنجة، في كتابه حضارة العرب، إن مارتل لم يكن بحيث وضعه المؤرخون، فهو لم يقو إلا على دحر العرب في وقعة بواتييه. ولكنه عجز عن إجلائهم عما كانوا قد احتلوا من المدن، أو إيقاف زحفهم على: جرينوبل، ونيس، وفريجوي، ومرسيليا، فأقطعهم حاكمها ولاية بروفنس (٧٣٧ - ٧٥٩) وبلوغهم أرل وسان تروبيز (٨٨٩) وانبثاثهم في الفاله والسوس، ومتز (٩٣٥) ونزولهم بجبال البيرنه والألب في جنوب فرنسا خلال قرنين متواليين.

стр. 52

ويقول دي فيشر (١): إن جماعة من العرب أغارت على فراكسينتوم (٨٨٨) في خليج سان تروبيز واحتلتها ثم انطلقت منها إلى بورغونيا وأرل، ونيس، وعبرت الألب ناحية إيطاليا (٩٠٦) وغزت دير نوفاليزة، ومدينة أكوى، ثم تصدت للحجاج الإنجليز المتوافدين عبر هذه المناطق على رومة (٩٢١) - وأنفذ أبو القاسم محمد القائد الفاطمي أسطولاً (٩٣٤) إلى ساحل فرنسا الجنوبي فغزاه ثم احتل جنوى مدة - وبلغت إقليم خور ومنطقة الجريزون (٩٣٦) واحتلت ممر سان برنار الكبير، وهدمت دير سان موريتز (٩٤٠) وأغارت على نيو شاتل، وأفانش، وسانت غال (على الحدود الألمانية السويسرية) وسارجاس وتوجنبورج وابنتسل مما حمل هونج دى بروفانس على أن يطلب إلى المغيرين حماية ممرات الألب الرئيسية له، ودفع برانجه منافسه على عرش إيطاليا عنها (٩٤٢) وهكذا تمكنت تلك الجماعات من العرب من بعض ممرات جبال الألب فلما أسرت سان مايول وهو راهب دير كولون (٩٧٣) وطالبت بفدية كبيرة لفك أسره أغضبت النصارى فتحالفوا أمراء وشعوباً على العرب لإجلائهم عن الألب فطردهم جيوم دي بروفانس من قاعدتهم في فراكسينتوم (٩٧٥) فتفرقوا في مناطق جبال الألب ولاسيما في ممر سان برنار الكبير ثم علي عليهم. ٩ - إيطاليا وصقلية: والصلات بين الشرق الأدنى وشمال أفريقيا والجزر الشرقية وبين إيطاليا

стр. 53

وصقليه وكورسيكا صلات قديمة وثيقة منوعة (١) لم تكن خافية على المسلمين فبدأوا بجزر الباليار فمر بها عبد الله بن موسى بن نصير (٧٠٧ - ٧٠٨) ابتغاء فتحها، وكر عليها المسلمون (٧٩٧ - ٧٩٨) فردهم عنها شارلمان (٧٩٩) ثم مكنهم منها النورمان (النورمانديون - أهل الشمال) فاستولى عليها عصام الخولاني (٩٠٣) ولما استقل الأغالبة عن بغداد بتونس (٨٠١) وأحلوا الإسلام والعربية محل النصرانية واللاتينية غزوا شواطئ إيطاليا وفرنسا، واحتلوا كورسيكا (٨٠٩) وسردينيا (٨١٠) ثم استولى منفيو الأندلس على كريت (٨٢٥) فاستؤنف النزاع القديم بين قرطاجنة وبين اليونان ومن بعدهم الرومان على صقلية (٨٢٧) فما استعان أوفيماس أحد ثوار سرقوسة بالأغالبة على الحاكم البيزنطي حتى استنفر زيادة الله الأغلى الجند لجهاد صقلية وجرد عليها أسطولاً من سبعين سفينة فيها عشرة آلاف مقاتل وسبعمائة فارس، عقد لواءه للقاضي الوزير أسد بن الفرات، فتوفى بعد جهاد ١٣ شهراً، ودفن تحت أسوار سرقوسه. وخلفه محمد بن أبي الحواري، ثم فتح زهير بن عوف بالرمو (٨٣١) وجعلها نقطة ارتكاز لفتوح أخرى وللتدخل في الخلافات الناشية بين الدويلات الإيطالية. وصدق حدسه، فاستنجدت نابولي بالمسلمين (٨٣٧) فأنجدوها، وغزوا أنكونا (٨٣٩) واستولوا على تورنتو (٨٤٠) ومسينا (٨٤١) وباري - حصن البيزنطيين في الجنوب وجعلوها قاعدتهم الرئيسية - ولما استقل قوادها عن أمير بالرمو استعادها الايطاليون (٨٤١ - ٨٧١) - وانقضوا على سالرنو بدعوة من دوق بنفنتو (٨٤٢) وارتدوا عنها بعد تخريبها مساكن ومزارع، ثم ظهروا في جوار البندقية وأشرفوا على رومة ونزلت فيالقهم باوستيا مرفأها البحرى (٨٤٦) وعندما عجزوا عن اختراق أسوارها استولو على ما في خارجها من كنوز كاتدارائيات القديس بطرس والفاتيكان والقديس بولس واستباحوا ضواحيها وعبثوا بقبور الباباوات. ولم تنل منهم الهزيمة البحرية التي أنزلها بهم دوق نابولي في وقعة ليكوزا (٨٤٦) فكروا بسفنهم على أوستيا حيث قهرهم أسطول إيطالي بفضل الحلف الذي عقده البابا ليون الرابع (٨٤٩) - في حجرة حريق المدينة بالفاتيكان صورة لرفائيل

стр. 54

تمثل تلك الوقعة البحرية - وجاء من ألمانيا الإمبراطور لويس الثاني وأرجعهم إلى باري وتورنتو (٨٦٦) ولكنهم عادوا - وقد احتل أصحابهم قصر بأنه (٨٥٩) - ومالطة (٨٧٠) إلى تهديد رومه (٨٧٢) واضطروا البابا يوحنا الثامن إلى تأدية نحو ٢٥ ألف رطل من الفضة جزية مدة سنتين (١)، وأغاروا على كامبانيا (٨٧٦) وفتحوا سرقوسة (٨٧٨) واستعاد باسيل الأول الإمبراطور البيزنطي تورنتو منهم (٨٨٠) فلم يعبأوا بل استأنفوا غاراتهم فأحرقوا دير مونتي كاسينو ودمروه عن آخره (٨٨٤) وبلغوا رغوصة في يوغسلافيا فحاصروا مرفأها مدة ثم ارتدوا عنه. ونشرت قاعدتهم الحربية التي أنشأوها في جوار جليانو (٨٨٢ - ٩١٥) الرعب في كامبانيا وجنوب لاثيوم حتى اجتمعت عليهم قوات البابا وإمبراطوري ألمانيا وبيزنطية ومدن إيطاليا الوسطى والجنوبية فهزمتهم على نهر كرجليانو (٩١٦) وأجلتهم عن إيطاليا إلى صقلية. وما زالت أبراجهم التي كانت تذيع أنباء وصول أساطيلهم من صقلية وشمالي أفريقيا قائمة على شاطئ نابولي الجنوبي. وتبع أمراء صقلية أغالبة القيروان حتى إذا ظهرت عليهم الخلافة الفاطمية في شمالي أفريقيا، استقل أمراء صقلية عنها وخطبوا للخليفة العباسي المقتدر (٩١٢ - ٩١٦) ثم استعادها الفاطميون (٩١٧) واتخذوها قاعدة بحرية لحملاتهم على البندقية، وعلى جنوى التي استباحوها (٩٣٥) (٢) واستعمل المنصور ثالث الحلفاء الفاطميين حسن بن على الكلى على صقلية فأسس فيها الدولة الكلبية. وقد جلب المسلمون إلى صقلية: البرتقال والتوت والزيتون وقصب السكر والنخيل والقطن والكتان، ووسعوا رقعة الأرض المنزرعة فيها، وما زال كثير من ينابيعها يحمل أسماء عربية حتى اليوم، وجعلوا من بالرمو ثغراً تجارياً خطيراً بين أوربا وبين شمالي أفريقيا. ولما سقطت الدولة الكلبية (١٠٤٠) انقسم المسلمون على أنفسهم فحكم بالرمو مجلس من الأعيان وسائر الجزيرة أمراء محليون انصرفوا إلى شهواتهم، وخلف التدخل البيزنطي أثره فيهم فمهد للفتح النورماني إذ كان حجاج القدس وجلهم من النورمان عائدين عن طريق إيطاليا فاستعان بهم كونت

стр. 55

دافلينو على المسلمين (١٠٥٧) وأطمع النصر الكونت روجه بن تانكرد دي هوفيل فحمل على مسينا وفتحها (١٠٦٠) ثم سقطت بالرمو (١٠٧١) وسرقوسه (١٠٨٥)، ومالطه (١٠٩٠)، والصقليتان، ما خلا بضعة مراكز (١٠٩١) فهاجرت الطبقة المثقفة إلى شمالي أفريقيا ومصر وخضع غيرها للنورمان. ولم يقف الأمر عند ضياع صقلية فقد أدى انقسام المسلمين في شمالي أفريقيا إلى الاستعانة بروجه صاحب صقلية وبخلفائه فبسطوا حمايتهم على الكثير من شمالي أفريقيا حتى عام (١٥١٠) ثم خلفهم الإسبان والأتراك إلى سنة ١٩١١، ثم حل الفرنسيون محلهم في الجزائر (١٨٣٠) وفي تونس (١٨٨١) وفي مراكش (١٩٠١) والإيطاليون في طرابلس الغرب (١٩١١ - ١٩١٢) ثم جلوا عنها. ١٠ - الحملات الصليبية: وللحملات الصليبية دوافع متعددة لأغراض منوعة، فقد أصبحت القدس منذ أن شيدت فيها هيلانه أم الإمبراطور قسطنطين كنيسة القيامة (القرن الرابع) مزاراً اللمسيحيين، ثم جمعت بينهم وبين المسلمين بعد استيلائهم عليها (٦٣٨) فأبى الخليفة عمر أن يصلي في تلك الكنيسة، وعهده لأهلها مشهور. ثم تبادل العباسيون والفرنسيون السفارات والهدايا (٧٩٧ - ٨٠٦) ووافق هارون الرشيد على جعل حماية القدس في يد شارلمان (٨٠٧) فأرسل أحد بطاركتها مفاتيحها إليه (٨٠٧) حتى ألغي الحاكم بأمر الله الفاطمي تلك الحماية ودمر كنيسة القيامة (١٠٠٩) فهب المسلمون يعاونون على إعادة بنائها، ويأذنون التجار مالي بتشييد مستوصف لمرضى الحجاج والفقراء داخل أسوار القدس (١٠٤٨) وقد أسس مستوصف فيها على غراره فرسان القديس يوحنا (١٠٧٠) ولما عمدت دولة السلاجقة السنية إلى توسيع رقعتها على حساب الدولتين: الفاطمية الشيعية والبيزنطية المسيحية وبلغت القدس (١٠٧٠) آذت الحجاج واضطرتهم إلى الحج في قوافل، ثم انتصرت على بيزنطية في وقعة منزكرت (١٠٧١) وهددت القسطنطينية فاستنجد إمبراطورها الكسيوس الأول كومنينوس (١٠٨١ - ١١١٨) بالبابا أربانيوس الثاني (١٠٨٨ - ١٠٩٩) فخطر له توحيد الكنيسة بعد انشقاقها (١٠٥٤) وطمع نبلاء أوربا في

стр. 56

مغانم الفتح - وقد استولى النورمان على صقلية (١٠٦٠ - ١٠٩٠) وألفونسو السادس على طليطلة (١٠٨٥) وطفق يسترجع إسبانيا من المسلمين - وجنوي وبيزا في التجارة، بعد استيلائهما على ثغر المهدية (١٠٨٧) والمجرمون في التكفير عن ذنوبهم استجابة للحركة الكلونية الداعية إلى الحج للتوبة. وفي ذلك الجو عقد مجمع كليرمون (١٠٩٥) برئاسة أربانيوس الثاني وهو كلرني فرنسي، ودعا فيه بطرس الناسك، أحد الحجاح الذين لقوا الأذاة على يد السلاجقة، إلى الحرب الصليبية فأقره المجمع عليها وألفت في سبيلها ثماني حملات: الحملة الأولى (١٠٩٦ - ١٠٩٩) وقد انقسمت إلى فصيلتين وانطلقت طليعتها قبل موعدها حتى إذا بلغت القسطنطينية ولم يعوضها الإمبراطور الكسيوس عما فقدته، نهبت كنائسها وقصورها وبيوتها فأمدها بالسفن والمؤن تخلصاً منها فعبرت إلى نيقية حيث خرجت عليها قوة من السلاجقة أبادتها عن بكرة أبيها. وقاد الثانية إظهار النبلاء: جودوفروا دي بويون، وأخوه بودوين، وبوهمند، وابن أخيه ريمون تانكرد - وليس بينهم ملوك فرنسا وإنجلترا وألمانيا إذ كانوا مطرودين من حظيرة الدين - فبلغت القسطنطينية (١٠٩٧) وعن لبوهمند الاستيلاء عليها لولا جودوفروا، في الوقت الذي كان الكسيوس يرشو قواد النبلاء للولاء له من دونهم، وسقطت في أيدي هذه الفصيلة: نيقية (١٠٩٧) والرها، وأنطاكية (١٠٩٨) والقدس (١٠٩٩) بعد حصار ٤٠ يوماً) فذبحوا من سكانها ٧٠ ألفاً وجمعوا اليهود في كنيس وأضرموا فيه النار، ثم بايعوا جودوفروا ملكاً عليها ورجع معظمهم إلى أوطانهم، وفر بطريرك القدس البيزنطي إلى قبرص، وأمن الملك الساحل بأسطول بيزا لقاء منحها حقوقاً في يافا فغضبت البندقية واستولى أسطولها على حيفا بعد شهر من وفاة الملك (١) وخلفه أخوه بودوين الأول (١١٠٠ - ١١١٨) ثم ابن عمه بودوين الثاني (١١١٨ - ١١٣١) تم بودوين الثالث فامتد فتح الساحل من قيصرية حتى طرابلس وشيدت القلاع والحصون، وضربت الجزية على دمشق وبعض المدن السورية، وأعيد إلى بيزنطية نصف أملاكها في آسيا الصغرى. الحملة الثانية (١١٤٧ - ١١٤٩) وانقض عماد الدين زنكي على الرها

стр. 57

فانتزعها وضواحيها من أيدي الصليبيين (١١٤٤) فاستغاثوا بأوربا فأمدتهم بحملة عليها كونراد ملك جرمانيا ولويس السابع ملك فرنسا - واشتركا فيها لأن راهباً اسمه أرنولد ألف جماعة استولت على الفاتيكان وفر البابا منه (١١٤٦) -وسارالفرنسيون وراء الجرمان حذراً منهم، وعندما ردوا عن حصار دمشق عاد الملكان إلى بلديهما وخلف زنكي ابنه نور الدين فأسر جوسلين الثاني أمير الرها (١١٥١) وبوهمند الثالث أمير أنطاكية (١١٦٤) وريمون الثالث أمير طرابلس، ولم يوفق في فلسطين إذ سقطت عسقلان في يد بودرين الثالث ملك القدس (١١٥٣) وأدت. دمشق (١) ثمانية آلاف دينار مقاطعة جزية للصليبيين (١١٥٦) ودخلوا مصر (١١٦٨) ثم ردوا عنها. وجاء صلاح الدين الأيوبي وله أمنيتان: إحلال السنة محل الشيعة في مصر، وإجلاء الفرنجة عن الشرق فقضى على الدولة الفاطمية في دمشق (١١٧١) وأخضع سوريا (١١٧٤) وعقد هدنة مع ملك القدس إلا أن رينودي شاتيون، ويطلق المسلمون عليه أرناط أمير حصن الكرك لم يرعها، فثار غضب صلاح الدين وانقض على الصليبية في طبرية وحطين وفتح القدس صلحاً (١١٨٧) وهدم أماكن العبادة الصليبة فيها، وخير أرناط، وكان يحسن العربية، بين الإسلام والقتل فلما أباه ضرب عنقه ومن معه على مشهد من الناس (٢) ووزع على أراملهم ويتماتهم من ماله الخاص، وعفا عن بوزنيان ملك القدس وأعتق كثيراً من الأسرى. ثم تابع زحفه على مدن الصليبية وقلاعها وحصونها فلم يسلم لهم منها سوى أنطاكية وطرابلس وصور وبعض الدساكر الساحلية (١١٨٩). الحملة الثالثة (١١٨٩ - ١١٩٢) وأفزع سقوط القدس أوربا فجهزت حملة تزعمها فردريك باربروس إمبراطور جرمانيا، ورتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفيليب أوجست ملك فرنسا - وقد أصر ملك فرنسا على أن يصحبه ملك إنجلترا لئلا يستولى على أملاكه في غيابه - والتي رتشارد بفيليب عند عكا فاستسلمت حاميها بعد حصار طويل (١١٩١) على ٢٠٠ ألف قطعة من الذهب، و ١٦٠٠

стр. 58

أسير، ورد عود الصليب الذي كان صلاح الدين قد احتفظ به، عندئذ رجع فيليب وظل رتشارد، ولما أبطأ صلاح الدين عن الفدية شهراً أمر رتشارد بالحامية وعددها ٢٧٠٠ فقتلت، وامتلك يافا وهم بالقدس فانقسم عليه الفرنسيون خوفا منه على عرشها، فاقترح زواج أخته من الملك العادل أخي صلاح الدين وإهدائهما القدس، وأنعم على الملك الكامل بن الملك العادل برتبة الفروسية (١١٩٢) ثم عقد صلح الرملة على أن يكون الساحل للاتين والداخل للمسلمين وألا يتعرض أحد للحجاج في القدس (١١٩٢). الحملة الرابعة (١٢٠٢ - ١٢٠٤) أعدها بودوين التاسع كونت الفلاندر فصرفه أهل البندقية - وكانوا قد عقدوا حلفاً سرياً مع مصر- عنها إلى فتح زارا؛ حتى إذا استغاث إمبراطور القسطنطينية ببودوين على أخيه الذي خلعه عن العرش واحتل البنادقة القسطنطينية، وتقاسموا ثروتها وكنوز كنائسها (١٢٠٣) انصرف إليها. وتمت حملة فتيان (١٢١١ - ١٢١٩) جرمانية وفرنسية لم تبلغ الشرق، قضي معظم الأولى من الجوع وفتك الذئاب وسرق اللصوص قبل بلوغهم جنوى. وألقت السفن المقلة للثانية مرساتها، بأمر فردريك الثاني، في ثغور تونس ومصر، حيث بيع فتيانها في أسواق الرقيق. الحملة الخامسة (١٢١٩ - ١٢٢١) بقيادة جان دي بريان ملك القدس وأندريا الثاني ملك المجر (هنغاريا) فوجهتها جمهوريات إيطاليا وجهة مصر تيسيراً لتجارتها في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبعد فتح دمياط، اقترح عليها السلطان الكامل الجلاء عن مصر لقاء إرجاع المملكة الصليبية إلى معظم ما كانت عليه قبل أبيه صلاح الدين، فرفضت وراحت تتوغل في أراضي الدلتا حتى أجلاها عنها الفيضان. وحنث فردريك الثاني بيمينه في الانضمام إليها فعقدت معاهدة مع الملك الكامل ورجعت من حيث أتت. الحملة السادسة (١٢٢٨ - ١٢٢٩) تولى أمرها فردريك الثاني، وكان قد نذر على نفسه حملة صليبية (١٢١٥) ثم شغل عنها فحرم لتسويفه. ولما لم يلق معونة من فرنجة فلسطين عقد مع السلطان الكامل معاهدة (١٢٢٩) نزل بها السلطان

стр. 59

للملك عن: صيدا، وعكا، ويافا، والناصرة، وبيت لحم، والقدس ما عدا الفضاء المحيط بقبة الصخرة. وإطلاق جميع الأسرى من الطرفين لقاء احترام ممتلكات السلطان في سوريا ومساعدته على أعدائه وأكثرهم من الأيوبيين (١) ومنعه الإمداد الأوربية عن الإمارات الصليبية، واطلاعه على كل ما يصل إليه علمه من نشاط صليبي في أوربا، فلم يرض عن تلك المعاهدة المسلمون ولا الصليبيون، وحرم البابا المدينة المقدسة حرماناً شاملاً ما أقام فردريك فيها. وخلف العادل أباه الكامل (١٢٣٨) وثار أخوه الصالح به (١٢٤٠) وأخرجه من مصر، وعقد الصليبيون حلفاً مع أمير دمشق المسلم على الصالح فاستنجد بأتراك خوارزم فاستولوا على القدس ونهبوها وقتلوا عددا ًكبيراً من أهلها (١٢٤٤). الحملة السابعة (١٢٤٨ - ١٢٥٤) قادها لويس التاسع ملك فرنسا - فتأهب هنري الثالث ملك إنجلترا لغزو فرنسا - فاستولى على دمياط (١٢٤٨) وغلبه المماليك في وقعة المنصورة (١٢٥٠) وأسره ومعظم نبلائه تورنشاه بن السلطان الصالح أيوب ثم أطلق سراحهم لقاء فدية وتسليم دمياط (٢) فقصدوا عكا وأقاموا فيها أربع سنين رحلوا بعدها إلى أوربا. وخاف السلطان الظاهر بيبرس المغول فحالف إمبراطور بيزنطية ميخائيل بليو لوغس وبعض أمراء صقلية وإسبانيا، واجتاز الفرات على ظهور الخيل إلى المغول وهزمهم في بلادهم. ثم أحيا الخلافة العباسية باستدعائه أبا القاسم العباسي ومبايعته في القاهرة (١٢٦١) وخرب كنيسة الناصرة (١٢٦٣) وسقطت في يده قيصرية (١٢٦٥) وصالحته صفد على أمان ألفي فارس فيها (١٢٦٦) فجمعهم وقتلهم عن آخرهم. ويافا (١٢٦٧) وأنطاكية (١٢٦٨) فقتل من حاميتها ١٦ ألفا وسبي ١٠٠ ألف بيع بعضهم في أسواق مصر، وأحرق قلعتها وكنيستها وغنم أموالا طائلة منها (٣) واستسلم له حصن الأكراد (١٢٧١). الحملة الثامنة (١٢٦٧ - ١٢٧٠) جردها لويس التاسع ملك فرنسا ولكنه قضى نحبه أمام تونس (١٢٧٠) بينما كانت الإمارات الصليبية ومدنها تسقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي سلاطين مصر: فرد قلاوون (١٢٧٩ - ١٢٩٠).

стр. 60

على غزو المغول سوريا واستعجالهم البابا وبعض ملوك أوربا في حملة صليبية تقضى على سلطنة مصر بعقد معاهدات مع بعض أمراء إسبانيا، وأميرة صور، واتفاق تجاري مع جنوى ثم هزم المغول وأخضع قلعة المرقب (١٢٨٥) وطرابلس فهدها ودك قلعتها (١٢٨٩) وفتح ابنه الملقب بالأشرف (١٢٩٠ - ١٢٩٢) عكا وقتل حاميتها عن آخرها وأحرقها (١٢٩١) فأدى سقوطها إلى جلاء الصليبيين عما كان في أيديهم: صور، وصيدا، وبيروت. وطرطوس. وهكذا ردت أوربا على غزوات المسلمين بثمان حملات، وقيل عشر بإضافة حملة سيجفارد جور سالفار ملك النرويج (١١١١ - ١١٠٧) وحملة يوحنا هو نبادي (١٤٤٣) وما تفرع عن تلك الحملات، إذ انتزع فرسان القديس يوحنا الذين تأسسوا في القدس (١٠٧٠) ونجوا من مذبحة عكا بفرارهم إلى قبرص (١٢٩١) رودس من المسلمين (١٣١٠) ومالطة وتسموا باسمها (١٣١٠ - ١٥٢٢) وغزوا الإسكندرية ونهبوها (١٣٦٥) وطرابلس بلبنان والمهدية من أعمال تونس (١٣٩٦) وقد كان فيليب ليبل ملك فرنسا قد صادر أموال أولئك الفرسان وعذبهم، وألغى البابا نظام فرسان المعبد (١٣١٢) وصادر إدوارد الثاني أملاكهم في إنجلترا. وقد حالف بعض الحملات الصليبية النصر حيناً وباء بعضها بالفشل ثم انتهت جميعاً بهزيمة الفرنجة وعودتهم إلى أوربا عودة المسلمين من معظمها إلى الشرق. ١١ - الإمبراطورية المغولية: وفيما كانت الحروب الصليبية تشرف على نهايتها ظهر جنكيزخان (١١٦٢ - ١٢٢٧) فوحد قبائل المغول (١٢٠٣) - ويطلق العرب عليهم التتر، وقد اشتقوا كتاباتهم من الأبجدية السريانية فعل قبائل المانشو - ووضع أساس أكبر إمبراطورية زعزع قوادها الممالك ما بين الصين وبين الإدرياتيكي وقضوا على غيرها: ففتح المغول بخاري (١٢١٩) وسمرقند (١٢٢٠) ودمروا خراسان ونيسابور واستولوا على مرات، وهزموا الروس عند نهر كلكا وجلسوا فوق أسراهم من القواد الأشراف ليطعموا وليمة النصر، فماتوا تحتهم اختناقاً (١٢٢٤) ثم ارتدوا عن روسيا

стр. 61

لفتح الصين، ولما رجعوا إليها (١٢٣٧) بقيادة باتوخان حفيد جنكيز خان، دكوا المدن وأحرقوا موسكو وحاصروا فلادمير وفتحوا كييف (١٢٤٠) وانطلقوا ينهبون ويدمرون ويقتلون. ثم سيطرت حامية إحدى قبائلهم على القسم الأكبر من روسيا مدى ٢٤٠ عاماً، فوضعت الجزية على أشرافها وجندت من أهلها وصالحت الكنيسة الروسية طمعاً في تأييدها، على حماية رجالها وممتلكاتها وإعفائهم وإياها من الضرائب. وأغار المغول على بولونيا والمجر وألمانيا (١٢٣٧) وهزموا البولونيين والألمان (١٢٤٠) وقطعوا الدانوب إلى بلغاريا وخربوا بلاد ما بين النهرين وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا (١٢٤٥ - ١٢٥٣) وعبر هولاكو نهر جيحون واكتسح فارس وبغداد والشام (١٢٥٨) ثم جاء تيمور لنك (١٣٣٦ - ١٤٠٥) فاعتنق الإسلام ورد نسبه إلى جنكيز خان واجتاح فارس وبغداد (١٣٩٣) وموسكو (١٣٩٥ كان قد أنفذ تقتمش لغزوها ١٣٨٠ - ٨١) والهند (١٣٩٨) وسوريا (١٤٠١) وقهر العثمانيين (١٤٠٢) وتوفي في زحفه على الصين (١٤٠٥). وعاد سلاطين دلهي بعد تيمور لنك إلى عروشهم قرناً آخر أزالهم بعده عنها الفاتح بابور (١٥٢٥) وأسس فيها أسرة المغول التركية. وتنكب ابنه هميون خطاه فألجأه الأفغان إلى فارس حيث أعد جيشاً استعاد به عرش أبيه. وكانت زوجته قد أنجبت له في أثناء نفيه ولداً أسماه محمداً. وأطلقت عليه الهند لقب أكبر. فلما تسلم مقاليد الحكم (١٥٥٦) وسع رقعة ملكه وجمع في شخصه السلطات. وقام بكثير من ضروب الإصلاح واقتنى مكتبة ضمت ٢٤ ألف مخطوط - وكان يزدري الكتب المطبوعة التي قدمها له اليسوعيون الذين عهد إليهم بتربية أحد أبنائه - وأشرف بنفسه على بناء الحصن في أجرا، ثم كون من الديانات ديانة جديدة ونادي بنفسه رئيساً عليها. فثار به المسلمون وشق ابنه جهان كير عصا الطاعة عليه، ولما توفي لم يصل عليه رجل من أية عقيدة أو مذهب. وانغمس جهان كير في الخمر والمجون والقسوة فأفقر الهند. واستبطأ موته ابنه جهان فحاول اعتلاء العرش (١٦٢٢) ففشل وعند ما بلغه نعيه أسرع من الدكن حيث كان مختفياً، وأعلن نفسه إمبراطوراً ولقب بشاه جهان وقتل إخوته جميعاً وأسرف في

стр. 62

الضرائب والاضطهاد إسرافاً أجاع الهند. وفات جهان قتل أبنائه، فكتب لأحدهم وهو أورنجزيب أن يثور به (١٦٥٧) ويزحف عليه من الدكن ويلقيه في حصن أجرا. وكان أورنجزيب مسلماً ورعاً يحفظ القرآن ويقيم الصلاة ويصوم رمضان ويجاهد الوثنيين. ولم يمض على موته سبعة عشر عاماً حتى تمزقت إمبراطوريته شر ممزق، فما كسبه أكبر بحكمته أضاعه جهان كير بقسوته، وشاه جهان بإسرافه، وأرنجزيب بتعصبه (١). ١٢ - السلطنة العثمانية: وبعد أن ألقي الستار على الحروب الصليبية أسس أبو عثمان التركي السلطنة العثمانية (١٣٠٠) على أنقاض الدولة السلجوقية وحساب الولايات البيزنطية. ثم طفق خلفاؤه يوسعون رقعتها: فاستولى مراد على بلغاريا وصربيا (١٣٨٥ - ١٣٨٦) وانهزم في بلوشنك (١٣٨٧) وقتل في وقعة قوصوة (١٣٨٩) وخلفه ابنه بايزيد الأول (١٣٨٩ - ١٤٠٣) وتفاقم به خطر العثمانيين فألفت أوربا جيشاً لقتالهم من فرسان المجر وبولونيا وفرنسا وألمانيا بزعامة سجسمند ملك المجر فقهرهم بايزيد في وقعة نيقوبوليس (١٣٩٦) ومد ملكه من الفرات إلى الدانوب. وكسره تيمور لنك في وقعة أنقره وأسره وأحد أبنائه (١٤٠٢) وتنازع أبناء بايزيد العرش بعده فعاد السلاجقة إلى إماراتهم، واستقل الضرب والبلغار والأفلاق حتى استرد محمد الأول (١٤١٣ - ١٩٢١) ما كان للعثمانيين قبل وقعة أنقره. وانتصر على أسطول البندقية في وقعة غاليبولي وحالف القسطنطينية وإمارات النصارى. وفي عهد خلفه محمد الثاني (١٤٥١ - ١٤٨١) سقطت القسطنطينية فأعمل جنوده فيها القتل والنهب والاسترقاق، وحولوا كنيستها أيا صوفيا إلى جامع (١٤٥٣) ثم أمن النصارى على دينهم وأملاكهم، واتخذ القسطنطينية عاصمة فاقتبس ومن جاء بعده من السلاطين الكثير من النظم البيزنطية حتى قيل: ما السلطان إلا إمبراطور

стр. 63

مسلم. وبلغ كثيرون من الحراكسة واليونان والإيطاليين والألبانيين والسلاف والأرمن أعلى مراكز الدولة ومنها الصدارة العظمى. كما خلف العثمانيون الخلافة الإسلامية وأخذوا عنها الإسلام والأبجدية - وكانت حروفهم سريانية - وألوف المصطلحات الدينية والشرعية والعلمية والأدبية. وهزم بايزيد الثاني (١٤٨١ - ١٥١٢) أخاه جم فاستسلم إلى فرسان القديس يوحنا في رودس (١٤٨٢) وأدي لهم السلطان ٤٥ ألف دوقة سنوياً لئلا يشجعوه على المطالبة بالعرش أو يتخذوه عوناً في حرب صليبية على الأتراك. فنقلوه إلى فرنسا. ثم إلى الفاتيكان (١٤٨٩) فأسرع السلطان بإرسال مرتب ثلاث سنوات إلى البابا، ثم رأس حربه أكد له أنه هو الذي نفذ في جنب المسيح (١٤٩٢) وقد استعان البابا الكسندر ببايزيد الثاني على فرنسا (١٤٩٤) إلى أن أرغمه الانكشارية - وأصلهم من أسرى الدول الأوربية أو الرقيق أو الجزية مكنوا للسلطنة طوال ثلاثة قرون - على التخلي عن العرش. وخلفه ابنه سليم الأول (١٥١٢ - ١٥٢٠) فاستولى على تبريز وجزء من أرمينيا (١٥١٥) وسوريا (١٥١٦) ومصر (١٥١٧) وأجلى خير الدين بروسا وأخوه، وكانا عثمانيين من أصل يوناني، الإسبان عن الجزائر ووهباها للسلطان (١٥١٨) وفي زمن سليمان القانوني (١٥٢٠ - ١٥٦٦) أخضعت أكثر بلاد المجر، وفتحت رودس آخر المعاقل الأوربية في شرقي البحر المتوسط (١٥٢٢) واعتقل بعض الجواسيس العثمانيين في رومة فبلغ الهلع بين سكانها مبلغاً ذكرهم بهنيبعل بعد انتصاره في كاناي (٢١٦ ق. م) - ولكن نهب رومة لم يأت على يد العثمانيين بل بإيعاز من ملك إسبانيا فغزاها زعيم تيرولى بجيش من المرتزقة الألمان والجنود الإسبان (١٥٢٧) فانطلقوا يقتلون أهلها في البيوت والمستشفيات والملاجئ والمعابد، ويهتكون أعراض المحصنات، وينهبون الكنائس والأديار، ويحولون بعضها إلى اسطبلات، ويجردون الفاتيكان من كنوزه، ويركبون من وقع في أيديهم من الأساقفة دواب قذرة ووجوههم نحو ذيولها وعليهم شارات مناصبهم - واحتل بييري رئيس، وهو أمير بحر عثماني من أصل أوربي عدن (١٥٤٧) ومسقط (١٥٥١) وأخضع سنان باشا الألباني طرابلس الغرب (١٥٥١) واليمن (١٥٦٨) وتونس (١٥٧٤) فامتدت سلطنة العثمانيين من الدانوب إلى دجلة ومن القرم حتى شلال النيل الأول.

стр. 64

ولما حاصروا فيينا (١٦٨٣) للتدخل في سياسة أوربا جاءت بداية نهايتهم: فخسروا المجر (١٦٨٦) واستولى النمسويون على بلغراد (١٦٨٨) واستعادها العثمانيون (١٦٩٠) وانتصروا على النمسا وروسيا (١٧٣٥ - ١٧٣٩) ثم ضعفوا فانسلخت الجزائر عنهم (١٨٣٠) وتونس (١٨٨١) ومراكش (١٩٠١) إلا أن سلطنتهم كانت من أطول الدول الإسلامية عمراً ارتقى عرشها ستة وثلاثون سلطاناً من صلب عثمان (١٣٠٠ - ١٩٢٢). ١٣ - طرق التجارة: ومرة أخرى لم يسدل الستار، إنما رفعته الاكتشافات بحيث كاد يسفر عن العالم قاطبة في سلع تنقلها البواخر وتفرضها المدافع: (أ) في الشرق الأدنى: لقد كان للحملات الصليبية شأن كبير في استئناف التجارة الواسعة بين الشرق والغرب، وفتح الأسواق الدولية لها، وقيام المصارف بتمويلها، وتنظيم الحكومات قوانينها تنظيماً دقيقاً. ولعل أولى المفردات العربية في التجارة الأوربية قبل القرن العاشر الميلادي التعريفة والمخرن إلخ. وأقدم نقود الفرنجة الذهبية تلك التي ضربها البنادقة في القدس وعليها كتابة عربية، وأول قنصل لجنوى في عكا (١١٨٠) وقد بعث صلاح الدين الأيوبي إلى الخليفة بكتاب (١١٨٣) يبرر فيه تشجيع هذه التجارة بقوله: ومن هؤلاء الجيوش البنادقة والبياشنة والجنوية ... وما منهم إلا من هو الآن يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده ويتقرب إلينا بإهداء طرائف أعماله وبلاده. وكلهم قررت معهم المواصلة (١). وعقد صلاح الدين مع البنادقة والجنويين اتفاقات لتوريد السفن والخشب والسلاح والذخيرة - ولطالما سخط البابا على هذه التجارة وحرمها فلم يفلح - ولما عطلت غزوات المغول الطرق البرية بين أوربا وآسيا، في القرن الثالث عشر، تحولت تجارة الهند والصين والموصل والخليج العربي وشمالي أفريقيا إلى ثغور مصر ولبنان وسوريا

стр. 65

وضمت إلى حاصلاتها، فامتلأت تلك الثغور بالأرز والسكر والتمر والتوابل والأفاويه والأبزار، وبالأحجار الكريمة والعاج والطيوب والعقاقير، وبنسيج الحرير والكتان والقطن الموصلي والبغدادي والدمشقي والأطلسي، والسجاجيد والطنافس وآنية الخزف والزجاج والأصباغ وأدوات الترف. وكان تجار قطلونيه وجنوى والبندقية ومرسيليا ورغوصه (١) وبرشلونه - وعقد الحفصيون في مراكش (١٢٠٨ - ١٣٠٩) اتفاقات تجارية مع برشلونة، ومرسيليا، وجنوى، وبيزة والبندقية، وصقلية، مما يبرر دفع الجزية لصقلية، ثم لأراغون، ثم استأنفت علاقاتها التجارية بأوربا في أوائل القرن السابع عشر فشملت بريطانيا وهولندا - وغيرها يفدون في مواسم معينة بمتاجرهم فيعرضونها في مستودعاتهم على تلك الثغور ويبتاعون سلعها. وحذا المماليك حذو صلاح الدين فعقدوا الاتفاقات وزادوا عليه احتكار بعض السلع وفرض المكوس على كل ما يمر بمصر لقاء منح البنادقة والجنويين امتيازات، فقامت الحرب بينهما عليها (١٢٩٨) ولما هزمت البندقية جنوى وجعلتها تقتصر على تجارة البندقية، أنشأت هي في الاسكندرية فندقين وكنيسة وحمامات حصر تجارها نشاطهم فيها وكانوا يقفلون على أنفسهم وقت صلاة الجمعة وفي أثناء الفتنة وكل مساء ويسلم المفتاح إلى قنصلهم فيعيده إليهم صباح اليوم التالي، وقد قدرت صادرات البندقية إلى الشرق الأوسط بعشرة ملايين دوقية في السنة، وكان لمصرف تشيجي فروع في القسطنطينية والإسكندرية والقاهرة، ومائة سفينة ترفع رايته، وخمسة وعشرون ألف عامل مأجور عنده. واستولى البنادقة على رافنا (١٤٤١) وتكلم تجارهم العربية ثم أضافوا إليها التركية بعد سقوط القسطنطينية (١٤٥٣) وأفادوا من علماء الشرق الفارين من العثمانيين إفادتهم من علماء الغرب في العلم والفن، وبدأوا صناعة الخزف (١٤٧٠) ولبوا دعوة السلطان محمد الثاني فبعثوا إليه الرسام جنتيلي فزين حجرات قصره في القسطنطينية (١٤٧٤) ونزلت ملكة قبرص عنها لحاكم من قبل البندقية (١٤٨٩) وعرض دوجها على المماليك المساهمة لإعادة القناة القديمة (١٥٠٤) ولكن ضم العثمانيين مصر إلى

стр. 66

سلطنهم قضى على المشروع. ولما عقد الفرنسيون معاهدة الامتيازات مع سلمان القانوني (١٥٣٥) أنشأوا تجارة رسمية في الشرق الأدنى وأقاموا قنصلاً في الإسكندرية ثم نقلوه إلى القاهرة (١٦١١) ثم رجع إلى الإسكندرية فاراً (١٧٧٧) وأسس الانجليز الشركة التركية (١٥٨١) وبعثوا أول سفير في بلاط السلطان وعينت الشركة قنصلاً لها في القاهرة (١٥٨٣) وناقستها فرنسا فحملتها على استدعائه (١٧٥٦) واتفق الفرنسيون والبنادقة على الإنجليز، ثم ضموهم إليهم في مزاحمة الهولنديين واستطاعت شركة الهند أن تبيع الصادرات الشرقية إلى أوربا عن طريق رأس الرجاء الصالح بنحو نصف أثمانها، وأول من نزل طرابلس بلبنان البنادقة وانتقل إليها قنصلهم من دمشق (١٥٤٥) ثم أقبل عليها الفرنسيون فاحتكروا منها تجارة الحرير والسجاد والقطن. ولما اتخذ فخر الدين الثاني (١٥٩٠ - ١٦٣٥) صيدا عاصمة (١٥٩٣) - ثم مدت إمارته من طرابلس إلى الناصرة، واعترف به الباب العالي سيداً على بلاد العرب من حلب حتى حدود مصر (١٦٢٤) - أصبحت أكبر ميناء تجاري في شرقي البحر الأبيض المتوسط واستورد الفلورنسيون - وقد عقد فخر الدين معاهدة مع دوقهم (١٦٠٨) وفر إليهم من الباب العالي (١٦١٣ - ١٦١٨) واستقدم من عندهم المهندسين والخبراء الزراعيين - الحرير والقطن والرماد والقمح. ثم خلفهم الفرنسيون، فقدرت تجارتهم مع الشرق الأدني بأربعة عشر مليون جنيه (١٦٣٥) منها ثمن ٧٠٠ بالة حرير من صيدا وحدها، وكان بيعها منه في السنة بمبلغ ٤٠٠,٠٠٠ فلس (١) هذا خلا ما كانت تستبضعه منه من النبيذ والأخشاب وغيرها فأربت أرباحها من سائر سلعه على مليون ليرة في العام (٢) مما اقتضاها إقامة قنصلية فانتدبت لها أبا نوفل الخازن نائب قنصل في بيروت (١٦٥٥) ثم قنصلاً (١٦٦٢) واستمر هذا المنصب في أسرة الخازن نحو مائة سنة، ثم خلفها الشيخ غندور سعد الخوري (١٧٨٧) وقد خصت أبناء الطوائف المسيحية الشرقية باثنتي عشرة منحة ليتلقوا العلم في كولج لوي ليجران (١٧٠٠). وأثرت بعض المدن الأوربية والشرق الأدنى وشمالي أفريقيا، بفضل هذه

стр. 67

التجارة العالمية وجمع المماليك من مواردها أموالا طائلة بنوا بها أكثر المساجد والمدارس والمستشفيات. (ب) في الهند: منذ أن عاد ماركو بولو (١٢٥٤ - ١٣٢٣) مع عمه وأبيه من الصين (١٢٩٥) بثروة طائلة من الأحجار الكريمة فتحت أوربا عيونها على ثراء الشرق الأقصى. وعلى أثر النهضة العلمية اكتشف برتلميو دياز رأس الرجاء الصالح وأبحر منه إلى الهند (١٤٨٦) وقصد كولمبس الإيطالي، وكان يعمل لحساب إسبانيا، الهند (١٤٩٢) وأرسل ملك البرتغال فاسكو دي جاما في أربع سفن فدار بحراً حول رأس الرجاء الصالح. وعندما بلغ مدغشقر تعرف بأحمد بن ماجد - مصنف كتاب الفوائد في علم البحر والقواعد- فهداه إلى مجاهل المحيط الهندي (١) وما رست سفنه في مياه كلكتا (١٤٩٨) حتى وقعت الكارثة الكبرى: لقد أحسن ملك مليبار وفادته وحمله رسالة إلى ملك البرتغال جاء فيها: زار مملكتي فاسكو دي جاما، وهو شريف من كرام أسرتكم، فسررت بزيارته سروراً عظيماً وإن في مملكتي لوفرة من القرفة والقرنفل والفلفل والمرجان والنسيج القرمزي. فكان جواب ملك البرتغال مطالبة الهند بمستعمرة لتجارته ونشر دينه، عن طريق أسطول عقد لواءه، لفاسكو دي جاما (١٤٩٩) فنال الامتيازات، وثان لكبرال فاكتشف البرازيل في طريقه (١٥٠٠) وثبت أقدام البرتغاليين في كلكتا، وثالث عقد لدى المايدا (١٥٠٥) فانبثوا واستولوا على جوا (١٥١٠) - ثم نالت فرنسا مثل امتيازاتهم (١٥٣٥) وإنجلترا (١٥٨٠) وهولندا (١٦١٢) ثم غيرها من البلدان الأوربية - وعظمت تجارتهم من الهند فكانت الرحلة التي تتكلف ٤٠٠٠ جنيه بما فيها من السفينة تباع حمولتها وحدها بمبلغ ١٥٠٠٠ جنيه. ولكن البرتغاليين لم يقنعوا بذلك الثراء العريض ففتحوا مالقه وجزيرة هرمز على مدخل الخليج العربي وبسطوا نفوذهم على عدن ومصوع وقمران، وجابوا البحر الأحمر

стр. 68

واستولوا على سفن مصر والبندقية. واستغاث ملك مليبار - وقد اشتهر في مصر وأفريقيا ولبنان وجزيرة العرب باسم الملك التاجر - وتجار المسلمين باثنين من ملوك الهند وبمصر فأنذر السلطان الغورى البابا بتخريب الأماكن النصرانية المقدسة إن لم يوقف البرتغاليين عند حدهم. ثم جهز حملة بحرية بمعاونة البنادقة فانتصرت على البرتغاليين، ثم انهزمت أمامهم في وقعة قرب ديو (١٥٠٩) فسيطروا على المحيط الهندي، ومن بعده على بحر الصين، حوالي قرن ونصف قرن يكسبون خلالها في كل سنة من الهند مليون ونصف مليوناً ديوك ذهباً يبعثون بثلثها إلى لشبونة فأثرت ثراء فاحشاً، وازدهرت بلدان شواطئ المحيط الأطلسي والهندي، في حين ركدت ثغور البحرين الأبيض المتوسط والأحمر. وكان لردودها أسوأ الأثر في حياة الشرق الأدنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأحسن أثر في النهضة الأوربية، حتى آثرها بعض المؤرخين على المخطوطات الإغريقية التي حملها البيزنطيون من القسطنطينية إلى أوربا الغربية. ومهد الانقلاب التجاري في أيام كولمبس إلى انقلاب صناعي يسر لأوربا إنتاج سلع أتقن وأرخص وأوفر، ولا عجزت عن تصريفها فيها جدت في البحث عن أسواق لها في العالم، وجابت بعثاتها الشرق لاستخراج كنوزه، وهكذا تأسست شركة الهند الشرقية في لندن (١٥٩٥) وشركة الهند الشرقية في هولندا (١٦٠٢) وتعاونتا فيما بينهما فظهرت أول سفينة إنجليزية في البصرة (١٦٣٥) وحل الهولنديون، وقد تحرروا من إسبانيا، محل البرتغاليين في بمباي (١٦٦٥) وفي تلك السنة تأسست شركة الملاحة الشرقية في باريس (١٦٦٥) وبسط الفرنسيون حمايتهم على الهند (١٧٤٠) ثم لحق الإنجليز بهم إليها وأجلوهم بعد معارك عنها فأثرت شركة الهند الشرقية منها، إذ صارت تبيع ما يكلفها مايوني ريال بعشرة ملايين حتى بلغ ثمن السهم فيها ٣٢ ألف ريال ثم أقامت مستعمرة بريطانية في الهند (١٩٨٩) وأنشأت مراكز تجارية في مدراس وكلكتا وبمباي وحصنها ووفرت لها جنداً خاضت بهم المعارك ورشت وارتشت حتى أفقرت الهنود فثاروا (١٨٥٧) وقمعت إنجلترا ثورتهم وحلت محل شركة الهند مستعمرة للتاج. ثم حاربت في الهند - وقد ضمت بورما إلى أملاك التاج (١٨٨٦) - مائة وإحدى

стр. 69

عشرة حرباً حتى تم لها فتحها. فنشرت ثقافتها بين الطبقة المتعلمة باستضافة مئات الطلاب في جامعتها - خلا الآلاف الذين قصدوا جامعات أوربا وأمريكا فعادوا يترجمون الفنون والآداب والعلوم الغربية إلى اللغات الهندية. ويحيون التراث الهندي بما فيه الإسلامي، بمعاونة المستشرقين، عن طريق إنشاء الجامعات والمكتبات والمتاحف والمطابع والمجلات والجمعيات، فرتب وحقق وترجم وصنف فيه واستعاد تأثيره الأول: لقد كان أثر الفكر الهندي في ثقافات الأمم الأخرى شديداً في عهود ضعفها أو انهيارها أو نهضتها: فقال أفلاطون بتناسخ الأرواح، واستسلم زينون الصيداوي للقضاء والقدر، ووردت الأفلاطونية الحديثة من مناهل الهند. ونقل إلى العربية الكثير من مصنفاتها حتى إذا سقطت رومة وعطلت غزوات المغول الطرق البرية بين أوربا والهند تعثر تبادل الفكر بين الشرق والغرب خلال مئات الأعوام. إلى قيام الاستشراق فاستعادت الهند تأثيرها في كبار فلاسفة الغرب. فتصور فخته مذهباً مثالياً على غرار مثال شانكارا، وأوشك شوبنهور أن يدخل في فلسفته مذاهب البوذية واليوباتشاد والفيدانتا، وانتهى شلنج إلى القول بأن اليوباتشاد أنضج حكمة بلغها الإنسان، والتزم نيتشه مذهب التقمص حتى وفاته، واعترف العالم بطاغور وغاندي وإقبال الذين مزجوا بين الثقافتين الشرقية والغربية. (ج) في الحبشة: وجمع الإمام أحمد بن إبراهيم أمير هرر الأمراء المسلمين حوله، واستعان بالعمانيين المطلة مراكزهم على البحر الأحمر، وعقد معاهدة مع البندقية ثم غزا الحبشة (١٥٢٩) وحاول إمبراطورها لبنادنجل رده فهزم هزيمة منكرة ودخل الإمام أحمد مدينة أكسوم فامتنعت عليه فأحرقها وحمل نفائس كنائسها وأرسل بأسراها فبيعوا رقيقاً في الأسواق. وفي مطلع عام ١٥٤٠ اجتاحت جيوش الإمام الحبشة كلها وقضى إمبراطورها الطريد نحبه، فرأى خليفته الإمبراطور جلوديوس الاستعانة بالبرتغاليين فأمدوه بأربعمائة وخمسين جندياً على رأسهم القائد كريستوفر دا جاما (١٥٤٢) ولئن هزموا في الوقعة الأولى وأسر قائدهم فقد أوقعوا الهزيمة بجيوش الإمام وشجعهم النصر على اختراق جيوشه وإصابته بجرح مميت. ولما عاد الإمبراطور إلى قصره (١٥٤٥)

стр. 70

رأي مكافأة البرتغاليين على حسن صنيعهم بتحويل الحبشة من المذهب الأرثوذكسي إلى المذهب الكاثوليكي. وكانت بعثة برتغالية قد وصلت الحبشة في أثناء غيبته برئاسة رودريجز ومعها راهبان يسوعيان يحملان رسالة من سلطان الهند لضم الحبشة إلى المذهب الكاثوليكي ففعل ثم ارتد عنه. ولما أرسل الأب إبراهيم جورجي - وكان مارونياً من حلب، تعلم في رومة، وانضم إلى الرهبانية اليسوعية، وكلف بخدمة نصارى السريان في مليبار - إلى مصوع قتل عام ١٥٩٥. (د) في الصين: وبلغ البرتغاليون بمدافع سفنهم كانتون (١٥١٧) فتلقتهم تلقى القرصان سجناً وتقتيلاً، حتى إذا ساعدوا الصين على قراصنة آخرين كافأتهم، بأن منحتهم حق استيطان مكاو وحكمها وتشييد مصانع كبيرة للافيون عليها واستخدام الأهلين فيها فعاد أحدها عليهم بربح قدره ١,٥٦٠,٠٠٠ دولار في السنة. وبعد أن فتح الإسبان جزائر الفلبين (١٥٧١) استقروا في جزيرة فرموزه ثم خلفهم الهولنديون. واستولوا على جاوه (١٥٩٥) - وكان المسلمون قد دخلوها من مالقه (١٤٧٩) وتوسعوا في نشر الإسلام فيها بأصهارهم إلى أمراء الثغور المجاورة وأقدم الآثار الإسلامية قبر فاطمة بنت ميمون (المتوفاة عام ١٠٨٣) - وأنشأ الهولنديون مدينة بتافيا (١٦١٩) وشركة الهند الشرقية الهولندية للتجارة. ثم أقبلت خمس سفن إنجليزية (١٦٣٧) على كانتون، وأسكتت بمدافعها المدافع التي قاومتها وأنزلت في المدينة بضائعها. ولكنها أثارت العقبات في وجهها بإرسال الأفيون إلى الصين ولما أوفدت إلى الإمبراطور شين لونغ (١٧٣٧ - ١٧٩٦) بعثة برئاسة اللورد مكارتني لعقد معاهدة تجارية منه رد عليها بخطاب إلى الملك جورج الثالث جاء فيه: وخليق بك أيها الملك أن تحترم شعورى هذا، وأن تكون في المستقبل أكثر إخلاصاً وولاء مما كنت في الماضي حتى يكون خضوعك الدائم للعرش من أسباب استمتاع بلادك بالسلام والرخاء في مستقبل الأيام. وفي مطلع القرن الثامن عشر بدأ استيراد الأفيون من الهند إلى الصين فحرمته حكومتها مراراً وأمرت المستوردين الأجانب (١٨٣٨) في كانتون بتسليم ما في مخازنهم منه، فلما أبوا حاصرت أحياءهم واستولت على عشرين ألف صندوق عنوة

стр. 71

فانسحب البريطانيون إلى هنغ كنغ حيث أطلقوا مدافعهم على مدنها فصالحتهم الصين على التخلي عن هنغ كنغ وفتح خمسة ثغور للتجارة الأجنبية وامتيازات عديدة. وطلبت عدة دول أخرى، منها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. تطبيق تلك الامتيازات على رعاياها وتجارها فأجيبت إلى طلبها. ولما تمادت فيها وأبتها الصين عليها فتح البريطانيون والفرنسيون كانتون وأملوا على الصين معاهدة شجعت دولا ًكثيرة فاستولت روسيا على الأراضي الواقعة شمالي نهر عامور وشرق نهر الأوسري (١٨٦٠) واستقطعت فرنسا الهند الصينية (١٨٨٥) واغتصبت اليابان فرموزه (١٨٩٤) وحررت كوريا لتستولى عليها (١٩١٠) وفازت ألمانيا بشبه جزيرة شانتنغ (١٨٩٨) واحتلت الولايات المتحدة الأمريكية جزر الفلبين (١٨٩٨). وفي عام ١٩٠٠ قام الملاكمون الصينيون بذبح المسيحيين بمن فيهم الراهبات والأطفال، فزحفت الجيوش المتحالفة على بكين لحماية رعاياها وأعملت في المدينة السلب والنهب والقتل، وفرضت عليها غرامة حربية قدرها ٣٣٠ مليون دولار. ثم رفعتها معظم الدول عنها لقاء تعليم الطلبة الصينيين في جامعاتها. ورجع طلبة الغرامة من إنجلترا والولايات المتحدة واليابان إلى الصين بالجديد من العلوم والآداب والفنون فأذاعوها فيها بفضل المعونة التي لقوها من الحكومات والمنظمات والأفراد لإنشاء الكليات - كهبة جون، و، روكفلر الصغير وقدرها خمسة ملايين دولار لكلية الطب (١٩٣٢) - والمستشفيات والمعامل، خلا المنح الدراسية العديدة لتلقي العلم في الغرب. ١٤ - العودة إلى الشرق الأدنى: لما أجلت إنجلترا فرنسا عن الهند، قررت فرنسا تجديد الطريق القديم المار بمصر لكى تفسد على غريمتها تجارتها المارة برأس الرجاء الصالح، فأخذ عمال فرنسا وتجارها في مصر يلحون على حكومتهم للاستيلاء على مصر، إلا أنها قنعت منها بعقد معاهدات مع البكوات والمماليك ضمنت لها تيسير نقل تجاربها عن طريق مصر. وأدرك جورج بولدوين، أحد أعضاء شركة الهند الشرقية، الاتجاه

стр. 72

السياسي لتلك المعاهدات فحمل حكومته على عقد مثلها مع البكوات والمماليك. وفي أواخر القرن الثامن عشر تطور الموقف السياسي تطوراً سريعاً وخطيراً: فقد قامت الثورة الفرنسية، ونشبت الحرب بين إنجلترا وفرنسا الجمهورية (١٧٩٣) وكتب نابليون إلى تاليران (١٧٩٧ يقول: لن نلبث طويلاً حتى نشعر باضطرارنا إلى احتلال مصر لتحطيم إنجلترا. وكانت انتصارات نابليون على إيطاليا قد مكنت له في الأرض وأطمعته في الشرق موطن الفتوحات العظيمة، وزينت له إقامة دولة شرقية كبرى على ضفاف النيل ينعم بخيراتها ويضرب منها إنجلترا الضربة القاصمة. وهكذا بلغت حملة نابليون مصر (تموز - يوليو ١٧٩٨ وكان الإنجليز على علم بأغراضها، فأسرعوا إلى تحطيم أسطولها في خليج أبي قير (آب - أغسطس ١٧٩٨) وحصار سواحل مصر الشمالية حصاراً قطع الاتصال بين مصر وفرنسا، وتأليب العثمانيين عليها، والإسهام في إخراجها حتى جلت عن مصر (أواخر عام ١٨٠١) ثم تعاقبت الأحداث وقد سجلها التاريخ الحديث.

стр. 73

الفصل الرابع فنون وآداب وعلوم أما فنون وآداب وعلوم تلك البلدان التي فتحها العرب فقد انصرفت عنها الخلافة الأموية (٦٦٠ - ٧٥٠) إلى درس القرآن الكريم وضبط اللغة لشرحه واستنباط الأحكام منه، وإلى تدوين الحديث مخافة ضياعه. ونظرت إلى كل ما عداهما في ريبة وحذر، حتى إن عمر بن عبد العزيز، وقد انتقلت الفلسفة في أيامه من الإسكندرية إلى أنطاكيه، استخار الله أربعين يوماً ليضع بين أيدي المسلمين كتاباً طبياً - نقله ماسرجويه من السريانية إلى العربية - يفيدون منه في إصلاح أبدانهم ومداواة عللهم. وقبل انقراض الخلافة الأموية بسبع سنين، نقل أول كتاب في الفلك عن اليونانية بعنوان كتاب عرض مفتاح النجوم، ونسب إلى هرمس الحكيم. ولئن لم يدرك الأمويون قيمة التراث اليوناني والهليستيني فقد تركوه وشأنه - فعلهم بالمكتبات والمراصد والمستشفيات - يعلمه النصارى والصابئة والفرس في مدارس شمالي أفريقيا والإسكندرية والقدس وبيروت وأنطاكية وحران والرها وجنديسابور، ويحتفظون بأمهات كتبه في ترجمة معظمها سرياني حتى القرن العاشر. وكان العرب يقتبسون منه كلما دعتهم الحاجة إليه فنقل الحجاج الحركات من ضم وفتح وكسر عن السريانية ليضع حداً للحن، وأفضى اتصالهم بما كان لنصاري دمشق من تفكير فلسفي ولاهوتي وقانوني إلى نشوء المعتزلة - ومن أتباعها معاوية الثاني ويزيد الثالث - والمرجئة، وإخوان الصفا، والقدرية، وعلم الكلام. وتأثر الفقه بالقانونين اليوناني والروماني، وكان القديس يوحنا الدمشتي (٦٧٦ - ٧٤٩) الذي خلف أباه على بيت المال في خلافة هشام، ثم اعتزل في دير القديس سابا بفلسطين، خير معبر لنقل تلك الأفكار إلى العربية في مصنفاته: منبع العلم، وفيه بحث عن الفرق والمذاهب. ومحاورة مع مسلم، وإرشاد النصارى في جدل المسلمين، وقصة برلعام ويوصافات.

стр. 74

١ - الخلافة العباسية: فلما قامت الخلافة العباسية (٧٥٠ - ١٢٥٨) على أنقاض الدولة الأموية، بفضل الشعوبية، وعلى رأسها الفرس. وأصبحت أمهات الخلفاء العباسيين السبعة والثلاثين، إلا ثلاثة منهم، جواري نقلوا عاصمتها من دمشق إلى بغداد أقرب الأمصار إلى فارس فاصطبغوا بصبغتها في: نظام الحكم وتوارثه، وترتيب الخاصة والعامة، وأبهة الملابس والمحافل والمجالس. وولوا الفرس الوزارة والكتابة والحجابة والقيادة، واستعانوا بالعناصر السريانية والفارسية والهندية والتركية واليونانية في إقامة الدولة - وكان الفتح قد انتهى أو كاد، واتسع العمران وتشعبت الفرق وأطلقت الحرية الدينية - على أساس من الفنون والآداب والعلوم: فأنشأ المنصور مدرسة للطب وقرب علماء الفلك واقتني الكتب من القسطنطينية وشجع على الترجمة. واقتدى بالمنصور خلفاؤه، ما عدا المادي والمهدي، فشيد الرشيد البيمارستان الكبير في بغداد على النمط الفارسي وأمر بنقل كتب العلوم على اختلافها، وقام أول مصنع للورق في بغداد (٧٩٤) واتخذ المأمون بطانته من علماء اليونان والسريان والفرس، وبعث في طلب الأسفار العبرية واليونانية والفارسية من أرمينيا وسوريا ومصر. وسأل أباطرة القسطنطينية إعارته ليو الأرمني، وكان مشهوراً بالرياضيات، مقابل صلح دائم وألفي دينار، ثم جعل من شرائط صلحه معهم تزويده بمجموعة من الكتب النادرة. وأنشأ داراً الحكمة فانتقل إليها علماء حران والرها وجند يسابور، ونقلوا إليها ما امتاز به التراث الإنساني في مدارس اليونان والرومان والشرق الأدنى وشمال أفريقيا فورثتها بغداد جميعاً. ثم ابتني المراصد (١) وتشبه به الأمراء والعلماء في جميع بقاع الإسلام، واشتهرت فيها أزياجهم. وقد شجع العباسيون على نقل ذلك التراث من متعدد اللغات إلى العربية والتصنيف فيه والإبداع منه ومن استجاب لدعوتهم: (أ) نصارى السريان ، ولم يكونوا بغرباء عنه أو دخلاء عليه، لأنهم توارثوه من علماء الشرق الأدنى وفيهم أسلافهم الذين تعاونوا مع اليونان والرومان على إرساء

стр. 75

قواعده ونشر مبادئه وطبعه بالطابع الإنساني (١)، ثم نقله السريان إلى لغتهم وأضافوا إليه وعلموه في مدارسهم. وكان معظمهم يجيد من اللغات: السريانية - ولها يومئذه قيمتها العلمية لأنها الآرامية الكنسية التي استوعبت الثقافتين اليونانية والهليستينية والفارسية والعربية واليونانية، فطفقوا ينقلون من اليونانية والسريانية إلى العربية بحسب حاجة الدولة إليها وعناية الخلفاء بها ورغبة المترجمين فيها. ومن أشهر علمائهم: جورجيس بن بختيشوع (المتوفى ٧٧١) عميد أطباء جند يسابور ثم طبيب المنصور وقد اشتهرت أسرته في بغداد بالأطباء طوال قرنين ونصف قرن. وأبو يحيى بن البطريق (المتوفى ٨٠٦) ناقل أمهات مصنفات جالينوس وأبقراط والأربع مقالات لبطليموس. وابنه أبو زكريا مترجم سر الأسرار المنسوب إلى أرسطو. ويحي بن ماسويه (المتوفى ٨٥٧) دارس التشريح بتقطيع أجسام القردة - وقد احتفظت العربية بترجمة سبعة كتب في علم التشريح فقدت أصولها اليونانية، وترجم فرج بن سالم كتابه في الجراحة (البندقيه ١٤٧١) ثم ترجم كتابه النوادر الطبية (بولونيا ١٤٨٩) وكتب عنه في علاج العيون ماير هوف (عالم الإسلام ١٩١٦ - ١٧) - وحنين بن إسحق (المتوفى ٨٧٧) رأس مترجمي دار الحكمة الذي نقل من اليونانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية معظم مصنفات أبقراط وأفلاطون وأرسطو وجالينوس فبلغت ٩٥ كتاباً إلى العربية منها كتاب النفس لأرسطو فنقله ابنه إسحق إلى العربية، والنبات المنسوب إلى أرسطو (فترجمه الفرد دي ساراشل ١٢٠٠) وديوسقوريدس في العقاقير الطبية - أول من نقله تلميذه أسطفان بن سهل ناقل تسعة كتب لجالينوس - وبطليموس، والعهد القديم من الترجمة السبعينية، فكاد المأمون يفلس وكان يعطى وزن ما يترجم له ذهباً. وصنف حنين كتباً كثيرة منها التعليق على الإيساغوجي (وقد ضم إلى مجموعة مدرسة سالرنو الطبية وينسب إليه كتاب المقالات العشر في العين الذي عد أقدم كتاب جامعي لأمراض العين، وقال ليكلر في مؤلفه: كان أرجح شخصيات القرن التاسع عقلاً وأنبلها خلقاً .. ونقل ابنه إسحق (المتوفى ٩١٠) عدداً وفيراً من كتب أرسطو وشروح إسكندر الأفروديسي ذات الأثر البالغ في الفلسفة الإسلامية، وأرشميدس وأصول الهندسة لإقليدس
следующие страницы →