← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150938

حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح

ابن عاشور

Полный текст (515 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

جهة الثانية فلما كان اعتبار كل منهما يفضي إلى إلغاء الأخرى كان اعتبارهما مفضيًا إلى إلغائهما وهذه حجة ملفقة لجواز أن يورد عليها أن اعتبار الثانية مع الأولى يزيدها قوة فلابد من تقرير الاستحالة بلزوم تحصيل الحاصل فيكون جواب الشارح إذن ملاقيًا للحجة تمام الملاقاة. الفصل السادس في أنواع العلة أنواعها هي التي يظهر فيها مفهومها الذي هو جنسها وجنسها هو الوصف المؤثر وهو يتحقق في أنواع اقتصر المصنف هنا على المختلف فيها وترك النوع المتفق عليه وهو الوصف الحقيقي الظاهر المنضبط كالإسكار والزنا (قوله غير أن الفرق بين المحل والعلة القاصرة إلخ) أي هما يشتركان في القصور لكن العلة القاصرة لها مناسبة في الجملة بخلاف المحل فلا مناسبة له لأنه جعل محل الحكم علة الحكم ولهذا فلا يلزم من تجويز العلة القاصرة تجوزير العليل بالمحل لأن المحل أضعف لعدم مناسبته فتأمل

стр. 457

قوله الثاني الوصف إن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة إلخ) حق العبارة جاز التعليل به فأظهر في مقام الإضمار بذكر مرادف معاد الضمير لبيان أن الوصف غير المنضبط يسمى الحكمة والحكمة هي العلة في الحقيقة ألا ترى أن المصنف في تقريره سماها أصلاً وسمى العلة فرعًا غير أن الشريعة تارة عن التعليل بالحكمة إلى مساويها ومظهرها للانضباط دفعًا لاختلاف الناس بين إفراط وتفريط والمراد بغير المنضبط المقول عليه بالتشكيك (وإني لو جاز التعليل بالوصف إلخ) أي لو جاز التعليل بالحكمة للزم تخلف الحكم عن العلة فورد عليها النقض لأن الحكمة لما كانت غير منضبطة بل مشككة كانت غير مؤثرة في بعض المواضع وهي مواضع ضعفها ألا ترى أن اختلاط الأنساب الذي هو حكمة حد الزنا موجود بضعف في تفريق الأبناء في مواضع عن أمهاتهم حتى لا يعرفنهم وليس موجبًا للحد لرجاء التمييز ولندرة حدوث هذا التفريق لأن دونه موانع تمنع حصوله. وكذلك المشقة المعتبرة عليه للقصر والفطر في السفر يوجد شيء منها في مسير أميال قليلة خارج البلد فلذلك يعدل عن التفريق إلى الزنا في الأول وعن المشقة إلى سفر أربعة برد في الثاني فهذا وجه الفرق بذي أطال به المصنف ﵀ (قوله فلوا كل جنين إلخ) صوابه طفل لأن الجنين الولد في الرحم خاصة وقد ألغى الشرع الاختلاط غير الغالب وغير المقصود الذي لا يعد

стр. 458

مشابهًا للنسب (قوله فإن عدم العلة علة عدم المعلول إلخ) بناء على عدم التعليل بعلتين كما هو ظاهر وأمثلة التعليل بالعدم كثيرة منها ما سيأتي في تعليل الوجودي بالعدمي (قوله والنسب والإضافات عدمية عندنا إلخ) أي عند الأشاعرة بناء على أنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم وأما عند الفلاسفة فهي من الاعتباريات وهي واسطة فالأشاعرة نظروا لابتناء الآثار في الخارج والفلاسفة نظروا للذهن مع الخارج فماله أثر في الذهن ولا أثر له في الخارج فهو الاعتباري (قوله والجواب عن الأول ليس في ذلك قلب الحقائق إلخ) بيانه أن المعلول من جهة لا يمتنع كونه علة من جهة أخرى لاختلاف الاعتبار كحركة الإصبع معلولة لحركة اليد

стр. 459

وهي علة لحركة الخاتم فإن منعتم ذلك فهو مصادرة (قوله السادس يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف والخسة بشرط اطرادها إلخ) المراد من العرفية المعتبرة في سائر أعراف البشر أو عند غالبهم ولا اعتداد به لنادر فإن الودع؟ ؟ ؟ عند الزونج وهو غير معتبر عند غيرهم؟ ؟ ؟ ذلك كتعليل طهارة المسك بطببه وناب الفيل بنفاسته، وقوله بشرط اطرادها أي بشرط أن لا يتخلف عنها الحكم في بعض المواضع وهذا احتراز من التعليل باستحالة العين مثلاً في العرف لأنه قد تعلل به طهارة المسك ولأكنه غير مطرد في رماد الميتة ولا في لبن المراءة السكيرة على الخلاف فلذا لا يمكن أن نعلل به طهارة الخمر عند القائل بنجاسة عينه حتى استقطرت روحه أو متى طبخ حتى تثلث وأما التمييز فشرط في كل علة لأن من شرطها الانضباط وهو أخص من التمييز وذلك كالشرف والخسة والنفاسة والقذارة للاحتراز عما لا ينضبط كالثمانة فإن الشيء الواحد قد

стр. 460

يكون ثمينًا في حال أو وقت أو رغبة دون غيرها مثل الأشياء الأثرية فإن لها؟ ؟ ؟ لاكنها غير منضبطة إذ لا يدريها إلا عرفاوها. (قوله الثامن يجوز التعليل بالعلة القاصرة إلخ) نقل المقري في قواعد باب البيوع عن القاضي أبي بكر بن العربي أن لا وجود للعلة القاصرة إلا في ربا النقدين للحجرية أو التمنية أو النفاسة والجميع قاصر لتخلف الحكم عنها في غير النقدين كالجواهر فإن قلنا العلة غلبة الثمنية وردت الفلوس والسبانج (قوله التاسع اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم إلخ) أي مجرد اللقب كتعليل تحريم الخمر بأنه مسمى بالخمر والذهب في الربابانة ذهب، واعلم أن الاسم ثلاثة أقسام الأول المشتق من اسم معنى ولا خلاف في التعليل به لأن المشتق منه صالح للعلية لكونه وصفًا حقيقيًا أو عرفيًا نحو السارق والمومن الثاني المشتق من وصف ذاتي مثل الأبيض والأسود وهذا يرجع إلى الشبه الصوري وهو ضعيف. الثالث مجرد اللقب نحو الذهب واللبن وهذا

стр. 461

هو المتفق على عدم التعليل به لأنه يؤول إلى معنى تعبدي (قوله الحادي عشر يجوز بتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي ولا يتوقف على وجود المقتضى إلخ) مثل تعليل رفع الحد بالشبهة في النكاح الفاسد، وتعليل رفع القصاص بحصول الشبهة أيضًا وبملك القاتل للمقتول وهذه لمسألة مفروضة في أن المانع هل هو علة لعدم الحكم أو هو رافع لسببية السبب يقال الإمام المانع نفسه علة صالحة للتأثير وهي مؤثرة في عدم الحكم فإن كان مع وجود السبب فهو من تعارض علتين فيعمل بالمانع لأنه يتضمن المفسدة وإن كان مع عدم السبب فهو علة مستقلة فقوا المصنف لا يتوقف على وجود المقتضى أي لا يتوقف على اعتبار السبب بل هو مؤثر سواء وجد السبب أم لا وقال الجمهور المانع مبطل لسببية السبب وليس علة مستقلة فلذلك لا يعتبر إلا مع السبب ففي الحقيقة أن المانع لم يقتض العدم ولكنه لما أبطل السببية رجعت المسألة إلى البراءة الأصلية وهي منع الحكم والحق ما قاله الإمام لأننا نرى المانع في بعض الأحيان مقتضيًا للتحريم كالحيض للصلاة والصيام ولو كان مجرد إبطال السببية لكان قصارًا لرفع الوجوب أو الصحة مثل المرض أو مثل تقديم الزكاة على النصاب فهذا إذا وجدناه في موضع لم يقتض إلا رفع الحكم يدلنا على أنه هو المعلل لعدم الحكم فقط. وأما قول الإمام أنه ضد السبب فلا يتوقف عليه فلا يتوقف عليه فلا يتم كما قال المصنف في الشرح إذ ليس المراد من التوقف بتوقف الشيء على مكمل تأثيره بل توقف اعتبار الشيء على شيء آخر

стр. 462

الفصل السابع فيما يدخله القياس (قوله الثاني اختار الإمام وجماعة جواز القياس في اللغات إلخ) الخلف لفظي لأن مراد من منع هو إعطاء اسم شيء لغيره على وجه الحقيقة لمشاركته له في المعنى الذي وضع لأجله الاسم كإطلاق القارورة على الإبريق لأن الماء يقر فيه فمثل هذا لا يعتبره أحد ومراد من جوز القياس هو إعطاء أحكام الاشتقاق لكل ما يدخل تحت قواعد أسلوب العرب في استعمالهم من غير حاجة لتوقيف وهو يعبر عنه بالوضع النوعي وقال ابن الحاجب محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء كرفع الفاعل وهو حينئذ خلاف غريب

стр. 463

(قوله فإن العرب إنما وضعت لما تصورته بعقولها إلخ) أي وضعت للمواهي وإن حضرت عند الوضع صورة الفرس المعروف أو عين الفرس لكن على وجه كونه جزئيًا من الكلي أو طريقًا لاستحضار الكلي في الذهن هذا في الأسماء أما الأفعال فوضعها بوجه عام وهو قواعد الصيغ في الاشتقاق وأما الحروف فوضعت بأعيانها لمعنى عام (قوله الثالث المشهور أنه لا يجوز القياس في الأسباب إلخ) السبب ما جعل معرفًا بوجوب الحكم وهو والعلة والحكمة متقارنة في الدلالة على الحكم مختلفة في الاعتبار فالحكمة هي محل المصلحة أو المفسدة التي لأجلها شرع الحكم والعلة هي الوصف الذي اعتبر ضابطًا للحكمة لإزالة إبهامها وتشكيكها والسبب هو المعرف بتوجيه الخطاب ووجود العلة ولما كان معرف علة حكم هو غير معرف علة غيره لم يصح قياس الأسباب بعضها على بعض ولذلك غلب في السبب له إمارة غير ظاهر المناسبة إلا عند التدقيق كأحوال الشمس في الأفق للصلوات فإن ظهرت للسبب مناسبة قرب من العلة والحكمة فيصح القياس عليه كالحول للزكاة فإنه شرط في السبب فهو كجزء السبب وقد تضمن تعليلاً واضحًا لأن مروره على المال بلا نقص مؤذن بالغنى إذ من العام فصول يلجئ بعضها الناس لإنفاق ما ادخر ولا كفصل الشتاء حيث لا مرعى ولا در ولا ثمار ولا صيد مثلاً فلأجل ذلك كثر في الفقه اعتبار الحول في كثير من التحديدات بالاجتهاد نظرًا لكونه ممر الفصول بتأثيرها ومياسرها وأزماتها فكل ما ثبت معه دون تغيير فهو ثابت قار فلذها قد ربه جل عيوب الزوجين

стр. 464

وأجل القيام بالشفعة والغبن (قوله الرابع اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي إلخ) صورته كما يؤخذ من شرح حلولو بعد تحريره أن يوجد شيء لا حكم فيه أو تقرر الشريعة إباحته الأصلية ثم يوجد شيء آخر يشتمل على أوصافه غير الطردية فلا يقاس عليه في كونه لا حكم فيه بل يجب البحث عن حكمه أو يستنبط له حكم بالمناسبة فإن لم يكن هذا وذاك فهو بلا حكم أصالة لا قياسًا فيجري على حكم الأشياء التي لم تعلم أحكامها على الخلاف فيها ولا يقاس على نظيره الذي علم أنه على الإباحة الأصلية (قوله الخامس قال الجباءي إلخ) نسبه إليه لانفراده بذكر هاته المسألة لا لبيان شذوذه بهذا إذ لا يخالفه فيه أحد وعلى ما هنا بنى الشاطبي ﵀ في كتاب الاعتصام قواعد البدعة الممنوعة (قوله جريان القياس في المقدرات والحدود والكفارات إلخ) وهو ظاهر بمذهب مالك ﵀ فمن الأول قياس أقل الصداق على نصاب السرقة بجامع كونه مالاً له بال وعن الثاني قياس الخمر على القذف قاله علي وقضى به عمر ﵄ ومن الثالث قياس كفارة الظهار على كفارة اليمين في اشتراط إيمان

стр. 465

الرقبة المعتقة (قوله السابع يجوز القياس على الرخص عند الشافعي إلخ) القياس على الرخص هو صريح مذهب مالك ﵀ فمن ذلك مسح الجواب قياسًا على الخف والمسح على العضو المريض في الغسل قياسًا على الوضوء وبذلك أفتى حذاق المذهب في من براسه نزله أنه يمسحه ويغسل باقي الجسد وجواز العرايا في الكروم قياسًا على النخيل وغير ذلك وشرطه تحقق وجود سبب الرخصة (قوله وفيما لا يتعلق به عمل إلخ) من هذا النوع القياس على فعل الله تعالى في الآخرة فقد أخرج البخاري في كتاب المرتدين والخوارج عن علي ﵁ أنه نهى عن التحريق وقال لا تعذبوا بعذاب الله وفي المعيار أن ابن عرفة سئل عن تفسيره لقوله تعالى ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ فقيل له على مذهب مالك من جواز القياس على فعل الله هل يؤخذ من الآية توجيه ما يفعله أمراء المغرب من وضع الأغلال في أعناق الجناة فأجاب بالمنع وقال إنما يقاس على فعل الله تعالى في الدنيا وهذا فعله في الآخرة فلذلك منع الفقهاء من وضع الأغلال فإن خيف هروب المسجون وضع له القيد في رجله قال جعفر بن علبة الحارثي من شعراء الحماسة. ولا أنا ممن يزدهيه وعيدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق فيتحصل أن مذهب مالك جواز القياس على فعل الله في الدنيا بأهل الجرائم بإثبات مثله لأمثالهم فمن ذلك رجم من عمل الفاحشة احتج له مالك بأنه العذاب الذي أنزل الله بهم وقال ابن عباس يرمي من أعلى بناء في القرية

стр. 466

ثم يتبع بالحجارة وقد أخذ الفقهاء التلوم بثلاثة أيام بعد مضي الأجل من قوله تعالى ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وكذلك أخذ الأعذار في الحكم من قوله ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ فهو كالأخذ بالنص لأن عقوبة الجاني بما عاقب الله به من فعل مثل فعلته قياس صحيح بخلاف العقوبات الأخروية الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح [الفصل الأول: هل يجوز تساوي الأمارتين] التعارض هو التباين بين مقتضى الدليلين كليًا أو جزئيًا فيشمل تعارض العام والخواص وتعارض العموم مع الخصوص الوجهي والمطلق. والترجيح تقوية أحد الدليلين وهو ناشئ عن التعارض. ويبحث في هذا الباب عن الجمع أيضًا وهو عبارة عن حمل أحد الدليلين على الآخر أي جعل أحدهما مفسرًا بمقتضى الآخر كالجمع بين المطلق والمقيد بأن يقيد المطلق بمقدار ما يقتضيه المقيد والجمع بين العام والخاص بجعل عموم العام صادقًا على غير ما صدق عليه الخاص من الأفراد فهو أيضًا ناشئ عن التعارض. ويبحث أيضًا فيه عن التعادل وهو تساوي الدليلين المفتضي تساقطهما حيث لا مرجح وهو ناشئ عن التعارض أيضًا فالتعارض هو أصل الجميع والمصنف اقتصر في الترجمة على الأولين فقط لأنهما الأهم وذكر التساوي في أول الفصل. واعلم أن التساوي يطلق ويراد به التساوي في القطع أو الظن وهو بهذا المعنى مانع من التعارض في بعض الصور وذلك إذا استوى الدليلان في القطع إذ لا تعارض بين قاطعين لأن القطع في أحدهما ينافي احتمال التقيض الذي يقتضيه الآخر وكذلك لا تعارض بين قاطع وظني لأن القاطع ينافي حدوث الظن بخلافه (الفصل الأول في بيان ما يجري فيه التعارض وكيفية الجمع) (قوله هل يجوز تساوي الإمارتين إلخ)

стр. 467

الإمارة هي الدليل الظني وخرج بذلك الدليل القطعي سواء كان عقليًا أم نقليًا فلا يتصور فيها التعارض وإنما يكون نسخة لا محالة ومعنى تساوي الإمارتين فقدان المرجح بينهما (قوله قال الإمام إن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهو متعذر إلخ) يريد يتعذر تصوير التعارض فيه لأن يتعارض كالتناقض لابد فيه من اتحاد الوحدات وإذا اختلف محل الحكم لم يتحد المكان وهو الاعتبار فكلام الإمام واضح لا غبار عليه غاية الأمر له أراد من الحكمين معناهما العقلي وإنما أراد بالمتعذر تعذر التعارض الإصلاحي لا مطلق تعارض متبادر (قوله قال الباجي في القسم الأول إلخ) وهو ما كان في فعل واحد باعتبار حكمين لكن ليس كما أراد الإمام لأن الباجي أراد باعتبار حكمين أن يكون مقتضى الدليلين حكمين فأراد بالحكم معناه الشرعي والإمام أراد بالحكم معناه العقلي أي باعتبار حالتين فتأمل (قوله من حيث الجملة إلخ) أي لحصول المصلحة التي اقتضاها الدليل عندما يعمل به أحد ولو في بعض الأوقات أو عند بعض الناس (قوله والجواب عن الأول أنا لا نسلم أنه ترجيح لإمارة الإباحة من حيث هي إمارة إباحة إلخ) توضيحه أن السؤال مغالطة وأن الإباحة التي اقتضاها التخيير إباحة للعمل بأحد الدليلين لا إباحة للمدلول ألا ترى أنه لو اختار العمل بدليل الحظر لكان الحاصل حرمة لا إباحة ولو أجاب المصنف بهذا لكان أوضح من سلوكه طريق التفكيك في الحيثية الموهم أن الإباحة التي اقتضاها دليل التساوي هي عين

стр. 468

الإباحة الذي يقتضيها أحد الدليلين المتعارضين أعني إباحة الفعل (قوله وعن الثاني أن اعتبار ظن أحدهما إلخ) أي نسلم أنه المجتهد لا ظن له بتعيين أحد مقتضي الدليلين ولكن له ظن بأنه يتخيرن في العمل بأيهما شاء (قوله وقول الإمام هذا متعذر في حكمين في فعل واحد ليس كما قال إلخ) قد علمت صحته فيما تقدم عند عبارة المتن وهو صورة المصنف هنا في الصلاة في الدار المغصوبة ليس من التعارض في شيء (قوله وأيسر من ذلك تعارض الإمارتين إلخ) لم أفهم كونه أيسر فإن تعارضهما هو تعارض مقتضاهما اللهم إلا أن يريد أنه قد وقع التعارض في حكمين قطعيين لفعل واحد فإن الوجوب للصلاة قطعي وحرمة التصرف في المغصوب قطعية وأيسر منه تعارض دليلين ظنيين إذ القطعي يجب العمل بمقتضاه دون الظني لأننا لم نعمل بكلا المقتضيين بل إنما أثبتنا تعارضهما ثم نعمل أحدهما قلت فإذا ثبت أن التعارض مع اختلاف الجهة حتى في القطعي كدليل وجوب الصلاة ودليل حرمتها تبين مراد الإمام من حكمه بتعذر التعارض وإلا لأفضى إلى وجود التعارض بنيل القطعيين وهو متفق على عدمه

стр. 469

(الفصل الثاني في الترجيح) (قوله اتفقوا على التمسك به إلخ) لأن العمل بالراجح واجب بناء على ما تقدم في باب القياس من أن كل حكم معلل بالمصلحة وعلى ما يأتي في باب الاجتهاد من أن الله حكمًا واحدًا في كل مسألة فإذا تعارض الدليلان لزم تطلب المرجح لاحتمال أن يكون في أحدهما مفسدة والقول بالتخيير يفضي إلى التشهي في الدين وهو من الهوى إلا عند من يجوز تعدد الحق وهم المصوبة والقول بالوقف إن أريد به عدم الإقدام على الشيء فيرد عليه أنه قد يكون مقتضى أحد النصين حرمة والآخر وجوبًا فكيف يمكن التوقف وإن أريد به الرجوع إلى دليل آخر ككون الأصل في شياء الإباحة ولو أصل المنافع الحل والمضار فهذا عين الترجيح (قوله والجواب أن القول بالترجيح إلخ) حاصله أن المرجح يمنع سقوط الدليل المرجح فلا نسلم التساقط إذا تساقط

стр. 470

فرع عدم وجود الموجح (قوله وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما ولو من وجه أولي) حاصل هذه المسألة أن المتعارضين إما أن يكونا قاطعين من جهة المعنى أو مظنونين أو مختلفين والعمل بالمتعارضين أولى من إلغاء أحدهما فإن تعذر العمل بهما كما إذا تباينا تباينًا كليًا أو تباينا جزئيًا من جهتين وذلك العموم والخصوص الوجهي وجب المصير إلى الترجيح أو النسخ ويجري ذلك على قواعده وشروطه المعروفة من الأبواب الماضية ككون المظنون لا ينسخ المعلوم والترجيح يكون بأمور كثيرة ومتنوعة ومرجعها إلى ما يحصل ظنًا بأحدهما دون الآخر وكذلك الجمع بينهما لابد فيه من علبة الظن فيكون وجه الجمع هو مراد الشريعة ومهما وجدت قطعية الدلالة سواء مع ظنية المتن أو مع قطعيته امتنع الجمع بين المتعارضين لأن القطعي لا يقبل التأويل والجمع ضرب من التأويل ويمتنع الترجيح أيضًا لأن فيه إلغاء القطعي فلم يبق حينئذ إلا النسخ بشروطه أو التساقط عند التساوي من جميع الجهات وإليك الأقسام: مقطوعان متنًا ودلالة دلالة فقط يقع بينهما النسخ أو التساقط مقطوعان متنا فقط يقع بينها النسخ والترجيح والجمع والتساقط. مقطوع متنًا ودلالة فقط مع مظنونهما أو مظنون أحدهما يقع بينهما النسخ إن لم يتأخر مظنون المتن والترجيح حاصل ولا جمع ولا تساقط مطنونان متن ودلالة بينهما النسخ والترجيح والجمع والتساقط (قوله وإذا علمت المقارنة خير بينهما إلخ) لا يقال جعلتم التخيير تشهيًا ثم خيرتم هنا لأنا نقول إنما كان

стр. 471

تشهيًا عند إمكان المصير إلى الترجيح فأما عند انعدام المرجح بعد البحث وتحقق قرن الشارع بين الدليلين حتى لا يحتملا النسخ فلا يفهم من ذلك إلا أنه واجب مخير فنفينا التخيير بلا دليل لا التخيير الذي هو مقتضى للدليل (قوله وقد رجح المشهور من المذاهب التحريم في الأختين المملوكتين بأن آيتهما إلخ) أراد المذاهب المتعارفة ومنى كون آيتهما لم يدخلها التخصيص آية الأختين وهي وإن تجمعوا بين الأختين ومعنى الترجيح هنا أنه ترجيح لأحد العمومين فإن الآيتين قطعيتا المتن دون الدلالة وقد يجرح عموم آية الأختين بأمرين أولهما أنها لم تخصص وما لم يخصص أرجح مما خصص ودليل جواز الجمع بين المملوكتين مخصوص بغير هانه الصورة فإن الإجماع على منع وطئ المملوكة إذا كانت محرمًا أو موطوبة أب مثلاً وهذا اقتصر عليه المصنف وفيه متكلم لأن؟ ؟ ؟ الهندي والسبكي مالا إلى ترجيح العموم المخصوص على ما لم يخصص لأن التخصيص صحح العموم وصير نصًا بعد أن كان ظاهرًا. وثانيهما القياس وهو أن علة الترجيح للجمع بينهما في النكاح هي ما ينشأ من بفساد عن غيره قارب وهو موجود في الملك أيضًا فلا فرق (قوله بل قيل لا تخصيص فيها إلخ) تصوير للترجيح وقوله وقيل يباحان وقيل بالتوقف تعرض لغير المشهور من المذهب (قوله وأما آية الملك فمخصوصة جماعًا بملك اليمين) الباء داخلة على المخصص أي خصصها

стр. 472

ملك اليمين الخاص وهو موطوءات إلخ (١) (الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة) أي الأقيسة بالفعل أو بالقوة ليشمل ترجيح العلل التي ليست

стр. 473

بقياس ولكنها بحيث ينشأ عنها قياس مثل عود العلة على أصلها بالتخصيص والعلة القاصرة كما صرح به المصنف أثناء كلامه وترجيح القياس إما بمرجح لحالته كتقديم الجلي على الخفي وذوي المقدمات اليقينية على غير والاقتراني على الاستثنائي وهما على قياس العكس وإما لرجحان علته كتقديم قياس المعنى على قياس الشبه وإما لرجحان طريق علته ومسلكها كتقديم قياس المناسبة على قياس الدوران وإرجاع ما عده المصنف إلى هاته الأقسام ليس بالصعب على الناظر وإنما ذكرها مختلطة لأنه نقلها من كلام الباجي وكلام الإمام. وذكر في الفصل الخامس مرجحات المسالك . ومرجع غالب ما ذكر في الرجحان إلى ترجيح الأقوى على الأضعف بحسب ما تقدم في أبوابه فتأمل (قوله أو لأنه لا يعود على أصله بالتخصيص إلخ) الضمير راجع إلى العامة إذ هي التي تعود بالتخصيص على أصلها لا القياس لكنها لما كانت إنما يبحث عنها لأجل القياس طلق عليها ضميره فهو من اكتساب المضاف تذكيرًا من المضاف إليه مع حذفه وفي بعض النسخ أو لأنه يعود وهو سهو سقطت منه لا (قوله تعليل منع بيع الحاضر للبادي إلخ) اللام الداخلة على البادي لام العلة لا لام التعدية أي بع الحاضر لأجل البادي أي بيعه عنه على وجه السمسرة أو الإرشاد

стр. 474

وقد استنبطت علة المنع كما أشار له الإمام ﵀ في الموطأ أنها السعي في أغلاه سعر الأقوات ومراد الشريعة لرخاصها لأن الأعيان التي يجتلبها أهل البوادي لا تنجر لهم بأثمان بل باكتساب بدني كالاحتطاب وجمع لبن الأنعام واشتيار العسل وحبوب أرضين يزرعونها غير مكتراة إذا كثر محروثاتهم في الزمن القديم في الموات وما ملكوة منها فإذا باعوا فإنما يبيعون بمقدار ما يحتاجونه من المال ويقنعون بقليل الربح عن طيب نفس فإذا عرفوا بالأسعار تكثروا من الربح ولاشك أن هذه العلة تخصص عموم البيع وعموم البادي وعموم الحاضر الواقعة في حديث لا يبع حاضر لمباد إذ الألفاظ الثلاثة واقعة في حيز النهي فيخص البادي بالجاهل بالسعر والحاضر بالعالم به ويكون المشتري حاضرًا فيخرج عكس الثلاثة والمقصد من هذا كله تكثير الأقوات واجتلابها للحواضر لأنها مسكن كثير الناس ومزدحم الرغبات ويخصص العموم بالمبيع المحتاج إليه احترازًا من بيع البادي مصوغًا أو ثيابًا أو ما كان اشتراه بثمن أو بمصاريف (قوله والعلة إذا قلت أوصابها إلخ) مثل الإسكار دون الأوصاف الكثيرة نحو القتل العمد العدوان (قوله ويترجح التعليل بالحكمة إلخ) تقدم أن الحكمة الوصف المناسب غير المنضبط وهو العلة في فإذا الحقيقة دار الأمر بينها وبين الوصف العدمي قدمت

стр. 475

(قوله ومن التأثير آه) هو المعبر عنه بالمؤثر في باب لا مناسبة (الباب التاسع عشر في الاجتهاد) هو كما قبل المص استفراغ الوسع فيما يلحق المجتهد فيه لوم شرعي والمراد من اللوم ما هو أعم من الإثم لأن استفراغ الوسع إنما هو لتحصيل حكم شرعي وهو الذي إذا تركه لحقه الإثم لأنه يكون مقدم على فعل لا يعلم موافقته لمراد الله فلعله يقع في المخالصة فيحصل له إثم أو في الموفقة ولكن بدون علم فيلحقه لوم على أقدامه المحتمل معه الخطأ. وبهذا يعلم أن الاجتهاد؟ ؟ ؟ هنا هو الاجتهاد المتعين على المجتهد عندما تحل به المسألة مع قدرته أو عندما يحتاج إليه الناس دون غيره أو عندما يتركه جميع المقتدرين وفي غير هذه الأحوال هو مظنة اللوم فقط وذلك كاف في صحة هذا الرسم الذي ذكره المص ولكن أحسن منه قولهم الاجتهاد استفراغ وسع الفقيه لتحميلهم حكم ولو ظنًا بدليل شرعي الفصل الأول في النظر (قوله وهو الفكر إلخ) الفكر حركة النفس في المعقولات وتعريف النظر

стр. 476

بالفكر تسامح لأن النظر أخص إذ هو الفكر في تحصيل عام أو ظن فتخرج حركة الفكر في المخيلات (قوله لأنها تتبع أخس المقدمات إلخ) الخسة هنا ضعف الفائدة فالجزئية أضعف من الكلية إذ العلم بها لا يفيد كمالاً ولا يبلغ إلى غاية حكمية كما قال ابن سينا في النجاة والسلب أضعف من الإثبات فائدة لأن مقتضاه عدم الوقوع أو عدم الاطلاع وعندهم في الفلسفة أن الحكم السلبية قليلة الفائدة في تهذيب الأخلاق وتفصيل ذلك يطول وإطلاق الخسة على هذا منظور فيه للغة إذ الخسيس ما لايعبأ به ولا يرغب فيه. (الفصل الثاني في حكمه) (قوله وجوبه وإبطال التقليد إلخ) أي فلا يعمل أحد بشيء إلا بدليل لأن التقليد أخذ القول من غير معرفة دليله (قوله استثنى مالك أربع عشرة صورة إلخ) مع إمكان طلب الاجتهاد فيها بأن يتوقف عن العمل حتى يحصل طريق الاجتهاد فيها لكن لما كان في توقفه مشقة رخص التقليد للضرورة وقد ذكر المص في الفرق الأول من كتاب الفروق أن كثيرًا من الصور المذكورة هنا وهي الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والحادية عشرة

стр. 477

والثانية عشرة والرابعة عشرة أن ذلك من قبيل المتوسط بين الرواية والشهادة وعدها قسمًا ثالثًا وجعل ذلك سبب الخلاف في الاكتفاء بالواحد أو اشتراط التعدد وهذا يقتضي إبطال ما جزم به المص هنا حيث سلم به كلام ابن القصار لأنها إذا كانت رواية يكون العمل بها من باب الأخذ بالدليل لا من باب التقليد لأن قبول الواحد في الرواية دليل شرعي فالأخذ به عمل بدليل لا تقليد كما سيأتي في الصورة السابعة وقد نازعه ابن الشاط في أكثرها مثل القائف لظهور كونه شهادة فالحق ما قاله ابن القصار هنا ولعل المص غير مسلم له لأنه يخالف رأيه في الفروق فلذلك افتتح المسائل كلها بقوله «قال» تبريئًا من عهدته (قوله يجب على العوام تقليد المجتهدين إلخ) إذ لو كلفوا بالبحث عن الأدلة للزم إضاعة أوقاتهم في تعلم وسائل الاجتهاد وفي ذلك خراب للعالم بتعطيل المنافع على ما في ذلك من الاستحالة أيضًا لأنه يقتضي توقفه عند الاستفتاء عن الأقدام على شيء حتى يجتهد وهل يمكن أن يبقى غير فاعل لشيء من الأفعال التي كل منها هو مطلوب بالاجتهاد فيه (قوله كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة إلخ) فأذن يكون قول المجتهد بالنسبة للعامي كالدليل الشرعي للمجتهد وأقوالهم المتعارضة كتعارض الأدلة ومن هنا أخذ وجوب بحث العامي عن مذهب يعتقده أرجح أو مساويًا لغيره كما فصله الشاطبي وغيره نعم قد تتعذر

стр. 478

طرق الترجيح عليه كما سيأتي في الفصل الثامن (قوله وأن لا يتتبع الرخص إلخ) ذكر هذا الشرط أكثر العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو إسحاق المروزي. ومعنى تتبع الرخص أن يأخذ العامي بالأسهل عليه والملائم من الأقوال متنقلاً من مذهب إلى غيره بعد التزامه وغلبة ظن رجحانه أو عند تعارض الفتاوى عنده بحيث لا يكون الطريق للترجيح عنده إلا ملاءمة ما يخف عليه أما لو كان رأيه في اتباع الأخف مبنيًا على اعتقاده أنه الأليق بحالته لأجل المشقة كاتباع كثير من الحنفية مذهب مالك في عدم نقض الوضوء بسيلان الدم فلا ضير في ذلك والحاصل أنه يتعذر إعطاء قاعدة مطردة في تتبع الأخف وقد بين الشاطبي أن تتبع الرخص للعامي بمنزلة أخذ المجتهد بما يهواه من الأدلة ولو علم ضعفه وفي ذلك من تحكيم الهوى ما فيه وذكر البرزلي في باب البيوع من فتاواه عن ابن العربي أنه لا يجوز للعامي تتبع ما يوافق غرضه من المذاهب وذلك لعب (ويحيى الزناتي) الظاهر ضبطه بفتح الزاي وتخفيف النون نسبة إلى زناة بوزن قطاة ناحية بسرقسطة من الأندلس وظني أنه يحيى بن محمد بن عجلان من تلامذة سحنون كان مشهورًا بالعلم والفضل (قوله تنبيه قال غيره إلخ) هو عز الدين ابن عبد السلام وحاصل هذا التنبيه أنه منع لما شرطه الزناتي من عدم تتبع الرخص والقاعدة

стр. 479

المذكورة بعده سند المنع ويرد عليه أنه لا مشابهة بين حكم الحاكم وبين الاجتهاد لأن الحكم إنما منع نقضه لأنه مظنة صرف الجهد لتوخي الصواب مع ما في نقضه من إدخال الفساد على الناس في آثار العقود وغيرها بخلاف تنقل المقلد من قول لقول (قوله فإن أراد بالرخص هذه الأربعة إلخ) لا يمكن أن يريدها إذ إطلاق الرخصة على هذه الأربعة لا وجود له في لغة ولا في اصطلاح (قوله مخالفًا لتقوى الله وليس كذلك إلخ) مصادرة واضحة (قوله قاعدة انعقد الإجماع إلخ) هذا سند المنع الذي تضمنه التنبيه واعلم أن دعوى الإجماع هنا لا تتم إذ لا دليل على علم أبي هريرة مثلاً بأن مستفتيه قد استفتى قبله أبا بكر وعلى تسليم علمه فلا يستلزم ذلك أنه أباح له العمل بأي القولين شاء في المسألة الواحدة بل لا معنى للإفتاء إلا تعيين العمل بما أفتاه به وقد ثبت من قضايا عن بعض الصحابة ﵃ أفتوا فيها ثم بلغهم مخالفة غيرهم فراجعوه وأنكروا عليه أو رجعوا له ومنها كثير في صحيح البخاري ﵀ ولو سلم فهو إجماع سكوتي وليس بحجة خصوصًا مع عدم تحقق بلوغ المخالفة على أن ذلك كله قبل تدوين مذاهب يجد فيها المستفتي المقلد كل ما يحتاج وبعد كونه كذلك فإن تتبع الرخص ضرب من ضروب التشهي وقد أبطلناه فيما تقدم مع تقييد وبين أبو إسحاق الشاطبي أنه من الهوى ولذا رجح الجمهور وجوب التزام مذهب معين لأن الترجيح صعب على العامة عند التعارض فلو انتقل تتبعًا للسهولة فهو لعب وتهاون بالدين لأنه يجب توخي حكم الله ومراده لا مراد المكلف. والتقليد ضرورة تقدر بقدرها فإذا فاته البحث عن حكم الله

стр. 480

بالنظر والاجتهاد فلا يفوته البحث عنه بانتخاب مذهب يرجح صوابه لعدالة وعلم إمامه ثم طرق ترجيحه سؤال العلماء ومطالعة التراجم ومعرفة أصول ذلك الإمام على حسب مرتبة هذا العامي في فهم المرجحات وسيأتي شيء من هذا. في الفصل الثامن (قوله الثانية قال ابن القصار يقلدها القايف إلخ) القايف اسم فاعل من قافه يقوفه ويقال قفا، يقفو، إذا اتبع أثره فاهتدى إلى الشيء بأثره وكذا إذا عرف الشبه بين الناس فاهتدى به إلى أنسابهم وهو قوة ذهنية ترجع إلى الفراسة والتوسم قد استعدت لها نفوس خاصة بقوة فطرية فيها تحصل لها منها دربة بتجربة صحتها المرار العديدة فتحصل بذلك للنفس صور كلية أكثرها ذوقية لا يمكن التعبير عنها غالبًا وقد يعبر عن بعضها على وجه التمثيل وقد تعطى قواعد كما يذكر في علم الفراسة ثم يأخذ تلك القواعد بعض من يختص بمدونها أو يرث هذا الذوق بعض ذرية صاحبه في الخلقة فتنحصر بسبب ذلك هذه المغرفة في بيت أو قبيلة أو طائفة وتنتقل ويكتم كل واحد سرها عن غير أهله كما كانت الخصائص غالبًا في الزمن القديم. وقد اشتهر بالقيافة عند العرب بنومدلج بضم فسكون فكسر قبيلة من كنانة واشتهر منهم في وقت الإسلام مجزر بجيم وزاين معجمتين بن الأعور المدلجي الذي قال حين رأى زيد بن حارثة وابنه أسامة مضطجعين في المسج مسجيين بثوب وقد بدت أقدامهما «أن هذه لأقدام بعضها من بعض» كما في صحيح البخاري ومن هذا الحديث أخذ الحكم بالقافة كما في التبصرة عن ابن العربي قال المص في الفرق الثامن والثلاثين والمائتين إنما تخير مالك القضاء بالقافة في ولد أمه يطؤها رجلان في طهر واحد وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما والمشهور عدم قبول قول القافة في ولد الزوجة وأجازها الشافعي فيهما ولما كانت القافة كالشهادة كان مشهور قول مالك وهو رواية ابن القاسم قبول القائف الواحد كما في التبصرة مع أنها شهادة لتعلقها بأمر جزءي فيه

стр. 481

الترافع فلذا سماها المص تقليدًا لأن ما يشترط فيه الشاهد إن استكمل شرطه فاتباعه بالدليل إذ الشهادة دليل شرعي على ثبوت ما تقتضيه فإن نقصت عن النصاب فاتباعها تقليد لقائلها لا عمل بالدليل لأنه أخذ القول من غير معرفة دليله ولأن القائف لا يذكر دليلاً يمكن أن نطلع عليه ونتعقبه أو نشاركه فيه فلذلك كان الأخذ بقوله مجرد تقليد هذا وأدلة الأخذ بقول القايف مبسوطة مع شروطها في الباب التاسع والستين من التبصرة لابن فرحون وفي الفرق المتقدم (قوله الثالثة قال يجوز تقليد التاجر في قيم المتلفات إلخ) مثله كل من هو من أهل المعرفة وهم محمولون على العدالة وهي العدالة العلمية لأن للعالم غيرة على حسن سمعته وتحاشيا من نقل الخطأ عنه وذلك وازع له من الأخبار عن غير ما يعتقد ويبلغ إليه علمه فتندرج الصور الرابعة والخامسة والسادسة والثامنة والثانية عشرة (قوله السادسة يجوز تقليد الخارص إلخ) أي في باب العرايا إذا أراد معريها أن يشتريها ممن وهبها إليه (قوله السابعة يقلد الراوي إلخ) مع العدالة لانتفاء التهمة إذ الرواية تكون في أمر كلي لا يتعلق به غرض خاص وفي عد هذا نظر لأن الكلام على مستثنيات التقليد في مواضع حقها الاجتهاد ورواية الواحد طريق من طرق الأدلة بخلاف مواضع الشهادة التي قبل فيها واحد وإذا كانت من طرق الأدلة بخلاف مواضع الشهادة التي قبل فيها واحد وإذا كانت رواية الواحد طريقًا شرعيًا لثبوت الحكم فأخذها من باب أخذ المجتهد للدليل لا من باب أخذ القول بدون دليل ومثل هذا يقال في الصورة التاسعة والصورة العاشرة (قوله التاسعة يقلد الملاح إلخ) هذا من قبيل الرواية والخبر في أمر عام فعده في التقليد الواقع في مواقع الاجتهاد نظر (قوله العاشرة إلخ) كذلك فيه نظر ولها نظائر منها قبول قول العامي أيضًا في خبر الأواني الطاهرة والمراد بالعامي هنا ما قابل العالم بعلم ما لا ما قابل

стр. 482

المجتهد كما هو واضح (*قوله الثانية عشرة يقلد القصاب إلخ*) ذكر المص في الفرق الأول إن عد ابن القصار لهذا الفرع ليس مبنيًا على كونه قبول خبر واحد وتقليده بل هو من باب القاعدة الشرعية إن كل واحد مؤتمن على ما يدعيه فالقصاب إذا قال هذا اللحم الذي عندي مذكى اؤتمن على دعواه لأنه ليس يروي دينًا ولا يشهد بل يخبر عن ماله وكسبه ولا ينظر في هذا لشروط الشهادة ولا الرواية (*قوله الثالثة عشرة إلخ*) فيها نظر مثل التاسعة والعاشرة (*قوله وهي قضية مع بني الشيخ إلخ*) لعل صواب العبارة مع ابن الشيخ وإسقاطه فخر الدين وهو فخر الدين ابن شيخ الشيوخ الذي تقدمت الإشارة لواقعته في ترجمة العز في الباب الثاني في معاني الحروف. (الفصل الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد) (*قوله العلم على قسمين إلخ*) أي والاجتهاد من العلم فلا يعدو هذين القسمين واعلم أن انحصار العلم في هذين إنما يراد به انحصار

стр. 483

الواجب منه وهو ما مصلحته جازمة راجحة وإلا ففي الواقع أنواع لما تدخل في تقسيم المض وقد بسطه حجة الإسلام في مواضع من كتاب العلم من الأحياء وحاصله أن من العلم فرض عين وهو علم اعتقاد وعلم عمل يقدم منه ما دعت الحاجة إليه. وفرض كفاية وهو شرعي وغير شرعي وكله مما لا يستغنى عنه في قوام نظام العالم كالطب والقضاء والحساب وأصول الصناعات كالفلاحة والسياسة. وأما ما ليس بفرض فمنه محمود ومنه مباح ومنه مذموم فالمحمود ما ترتبط به مصالح دنيوية كالتعمق في دقائق الطب والحساب وكالعلوم الشرعية من فقه وأصول ومقدمات كالنحو واللغة وعلم الطبيعة الباحث عن خواص الأشياء ومتممات كالتفسير والقراءات وتراجم الرجال والكلام. والمذموم علم السحر والطلسمات مما لا حقائق له وما يخالف الدين من علوم الملحدين. والمباح العلم بالإشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار ما لم يتوقف على ذلك صلاح حال المسلمين. والعلم لا يذم لذاته وإنما يذم لأحد ثلاثة أسباب. أولها أن يؤدي بصاحبه أو غيره إلى ضرر مثل الطلمسات والسحراوي لأن صاحبها لا يتمالك عن تجربتها فيقع في أضرار. الثاني أن يضر بصاحبه في غالب الأمر كعلم حدثان النجوم أي اعتقاد اقترانها بحوادث أفراد البشر فنفس الشروع فيه لا يقع إلا عن اعتقاد صحته وذلك مفض لاعتقاد الضلال وكذلك كل علم تكون قواعد مبنية على التضليل وتشويش البصائر السلمية وهو مظنة للرواج عند البسطاء. الثالث الخوض في علم لا يستقل الحائض فيه به كتعليم دقائق الأمور قبل جليلها والبحث عن الأسرار الإلهية. (الفصل الرابع في زمانه) أراد تاريخه أي مبدأ وقوعه ووقت اطراد جوازه بالجنس

стр. 484

لا وقت الإذن فيه إذ قد تقدم في الفصل قبله ما يقتضي أن وقته هو وقت الحاجة إليه ولكن ذلك هو وقته الجزءي الذي يختلف باختلاف ذوات المجتهدين أما المراد هنا فوقته الكلي أي الوقت الذي يجوز فيه ظهور الاجتهاد من حيث هو والذي لا يجوز فيه وحاصله أنه يجوز عند عدم وجود توقيف شرعي إما لانعدام النص لغير الأنبياء وأما لاستبطاء الوعي أو ضيق الوقت لهم عليهم الصلاة والسلام على المختار من جواز الاجتهاد لهم (قوله لقوله تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ إلخ) هذا إن عاد الضمير على النطق المأخوذ من ينطق وإن عاد للقرآن المفهوم من السياق في مقام الرد على الطاعنين فهو خاص بالقرآن وعليه فتتضمن الآية حكمين نفي الهوى عن نطقه وإثبات كون القرآن وحيًا، وفي السنة شواهد كثيرة على إثبات الاجتهاد للنبي ﷺ منها حديث فقضى له على نحو ما اسمع وحديث قول عباس ﵁ لما حرم النبي ﷺ عضد شجر مكة إلا الأذخر يا رسول الله لقبورنا وسقفنا فقال إلا الأذخر (قوله وقال بعضهم كان له ﵇ أن يجتهد في الحروب والآراء إلخ) المراد بالآراء ما أشار إليه القاضي عياض من اعتقاد أشياء دنيوية بحسب الدليل العادي وغيره مثل قوله أو تركنموها لصلحت ثم قال أنتم أعلم بأمور دنياكم وأما الحروب فالمراد لا يرجع إلى حكم شرعي من تصاريف الحرب لا نحو حكم الأنفال والفيء والزحف بل مثل اختيار منازل الجيوش وقد حكى القاضي عياض ﵀ في الفصل الثاني من الباب الثاني من القسم الثالث أنه ﷺ لما نزل بدرًا زل بأدنى مياهه فقال له الحباب ابن المنذر أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الراي والحرب والمكيدة فقال لا بل هو الراي والحرب والمكيدة قال فإنه ليس بمنزل انهض حتى نأتي أدنى ماء من

стр. 485

القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب فنشرب ولا يشربون وقد ترك المصنف التنبيه على منع الخطأ في اجتهاده ﷺ وهو الذي اختاره الإمام وقال أنه الحق وقال الأمدي المختار وقوع الخطأ لكنه لا يقرر بل يوقف على مراد الله أما بوحي وأما بتقييض مرشد كما وقع من الحباب في بدر ومن ذي اليدين في الصلاة والمسألة مفروضة في آية أسرى بجر وفيها تأويلات لا يسعها المقام (قوله وكذلك لما أنشدته المرأة إلخ) هي قتيلة بنت الحارث ترثي أخاها النضر بن الحارث وصحح السهيلي في الروض أنها بنت النضر والأبيات ذكرها ابن هشام في السيرة وقبل البيتين الذين ذكرهما المصنف قولها. يا راكبا أن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتًا هناك تحية ... ؟ ؟ ؟ تزال به النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت نواكفها وأخرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق وبعدها امحمد البيتين. وبعدهما لو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز من يغلو به ما ينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تمزق صبرًا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق والموجود في السيرة «أمحمد ها أنت ضني نجيبة» والضني الولد يقال ضنئت المرأة إذا ولدت. (الفصل الخامس في شرائطه) مرجع هذه الشوائط إلى أربعة أشياء الأول استقامة الإدراك وإليه يرجع

стр. 486

البلوغ والعقل. الثاني العلم وإليه يرجع ما اشترط علمه به. ما يفيده ملكة يفهم بها مقصد الشارع من أقواله وتصرفاته وذلك بعلم الشريعة والإحاطة بمعظم قواعدها وما يعين على ذلك من علم اللغة سواء كان ذلك اكتسابًا بممارسة كلام العرب واستعمالهم أو ممارسة علوم العربية أو كان سجية كعلم مجتهدي الصحابة ومن يليهم بذلك. الثالث الفهم وهو أن يكون له فقه نفس بطرق الفهم والجدل وملكة بها يدرك العلوم النظرية سواء اكتسب ذلك بممارسة علوم المنطق والجدل أم كان له فطرة في سلامة طبع وربما كان التضلع في أساليب الاستعمال كانيًا عن ذلك كما كان يكفي مجتهدي الصحابة ومن يليهم. الرابع الثقة به في إخباره عما بلغ إليه اجتهاده وإليه يرجع اشتراط العدالة على القول باشتراطها والجمهور على عدمه والظاهر أنهم استغنوا بالعدالة العلمية الوازعة عن رضاه بنقل الخطأ عنه كما قدمنا في تقليد التاجر في الفصل الثاني غير أن هذا القول من الضعف بمكان فإن اشتراط العدالة في المجتهد مما يرجع إلى القسم الحاجي أو التكميلي في مراتب المناسب كما تقدم في القياس إذ كيف يوثق بإخبار العالم عن حكم الله تعالى لما أداه إليه اجتهاده من غير أن يكون عدلاً إذ العدالة دلالة على اعتبار صاحبها لأمر الديانة وتوخيه رضا الله تعالى (قوله أن يكون عالمًا إلخ) الضمير إلى المجتهد المفهوم من الاجتهاد

стр. 487

(الفصل السادس في التصويب) أي تصويب المجتهدين بمعنى نسبتهم إلى الصواب فإن مادة فعل المضاعف تأتي للنسبة والخوض هنا مبني على أصل وهو هل لله تعالى حكم في الحوادث أم لا فمن أثبته نظر إلى أن الحادثة لا تخلو عن مصلحة أو مفسدة راجحتين أو مساويتين سالمتين أو معارضتين بمعارض ملغي أو معتبر جزم بأن لله تعالى حكمًا مرادًا كلف المجتهدين بموافقته ونصب عليه الإمارات وأن من وافقه فهو المصيب ومن أخطاه فمخطي وأما من لم يثبت ذلك وزعم أن حكم الله متعدد تابع لما بلغته إفهام المجتهدين صوب كل مجتهد وهو قول ضعيف عجيب ما دام مرادًا منه ظاهرة وقد قال تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (قوله بتصويب المجتهدين في أصول الدين إلخ) أي ما لم يخرجوا عن الإسلام كما قيد الباقلاني كلام الجاحظ والعنبري فقول المصنف واتفق ساير العلماء على فساده أي فساد ظاهره (قوله والمنقول عن مالك أن المصيب واحد إلخ) تظافر على نقل ذلك عنه كبراء أصحابه وقد أخذوه من مواضع من المدونة وذكر ذلك القرطبي في المسائل السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة من تفسيره لقوله تعالى ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.

стр. 488

(ترجمة بشر المريسي) هو بشر بن غياث بن أبي كريم من موالي زيد بن الخطاب يلقب بالمريسي (بفتح الميم وكسر الراء مخففة وبالسين المهملة نسبة إلى مريس قرية قريبة من أسوان ببلاد مصر والصحيح أنه نسبة لدرب المريس ببنداد بين نهر الدجاج ونهر البزازين والمريس عند أهل بغداد هو الخبز ا لرقاق يمرس بالتمر والسمن كان بشر يسكن بهذا الدرب ننسب إليه) كان مشتغلاً بالكلام والقول بخلق القرءان وكان من المرجئة التومنية أصحاب أبي معاذ التومني وناظر الشافعي ﵁ مرارًا وكان لا يعرف النحو فليحن لحنا شديدًا توفي ببغداد سنة ثمان عشرة أو تسع عشرة ومائتين (قوله وتكون ظنون المجتهدين تتبعها الأحكام كأحوال المضطرين والمختارين بالنسبة إلى الميتة إلخ) أي لا مانع من أناط الله تعالى أحكامه

стр. 489

باختلاف الظنون كما ناطها بأحوال المكلفين فجعل الحرام مباحًا لأهل بعض الحالات والجواب إن هذا الدليل لنا لا علينا لأن الحرمة مثلاً هي الحكم إلا صلي والإباحة عارضة فكذلك الحكم المعين هو مراد الله والاكتفاء من المجتهد الذي أخطاه بما أداه إليه اجتهاده عذر له بأن ذلك مبلغ عليه لعذر المضطر بأن العبر على الجوع قد بلغ به أقصاه فأبيحت له الميتة لذلك. (الفصل السابع في نقض الاجتهاد) أراد بالنقض هنا الانتقاض أي فيما إذا تغير اجتهاد المجتهد وأما النقض بمعنى وجوب إبطال الاجتهاد فذلك في المواضع التي ينص فيها حكم الحاكم سيشير إليها آخر هاته المسألة (قوله فإن حكم به حاكم إلخ) لأن اتصال القضاء بمحايل الخلاف يعين فيها القول المقضي به في تلك الجزئية حفظًا لمقصد الشريعة في القضاء وهو بت الخصومات لرفع التهارج ولولا ذلك لا عيدت النوازل فانضمت حوادث الأمس إلى حوادث اليوم فلم يف زمن بفصل القضاء (قوله وأما العامي إذا فعل ذلك بقول المفتي إلخ)

стр. 490

أي النزوج المذكور ويفرق بينه وبين المجتهد أنه مقدم على العقد بوجه ثابت وهو فتوى المجتهد بخلاف المجتهد فإن تغيير اجتهاده كاشف عن بطلان دليله ولذلك كان الاتفاق على وجوب مفارقته المرأة أقرب من الاتفاق في شأن العامي والتحقيق إنهما سواء لأن رجوع المفتي للمقلد كانكشاف الغلط للمجتهد. (الفصل الثامن في الاستفتاء) (قوله فإن اختلف عليه العلماء فقال قوم يجب عليه الاجتهاد في أعلمهم إلخ) بناء على أن العمل بالراجح واجب عند التعارض وتعارض فتاوى المجتهدين للمقلد عندما يريد تقليد واحد كتعارض الأدلة للمجتهد فإن كان للمقلد علم بالتراجم والحوادث لم يعوزه الترجيح أو نرجع للمشاهدة إن كان معاصر للمجتهدين وإن لم يكن في شيء من ذلك

стр. 491

سأل العلماء المنصفين عن ترجيح أحد القولين بكثرة الإصابة لمقاصد الشريعة والقرب من المصلحة وإن تعذر ذلك استوت عنده فإن لم يجد أقل مرجح تخير وقيل يسقط عنه التكليف وهو غير ظاهر إذ لابد من حكم وقد نقل البرزلي في باب البيوع من فتاواه عن ابن العربي أنه لا يجوز للعامي تتبع المذاهب الموافقة للغرض وذلك لعب وعلى هذه المسألة تنبني مسألة الأخذ بالراجح أو المشهور من المذهب وقد ذكر ابن فرحون في شرح مصطلح ابن الحاجب عند الكلام على المشهور حتى أفضى به الكلام على الترجيح عند الاختلاف فقال ما نصه، فإذا وجد الطالب اختلافًا بين أيمة المذهب في الأصح من القولين ولم يكن أهلاً للترجيح بالدليل فينبغي أن يفزع في الترجيح إلى صفاتهم الموجبة لزيادة الثقة بهم وبرايهم فيعمل بقول الأكثر والأروع والأعلم فإذا اختص واحد منهم بصفة قدم الذي هو أحرى بالإصابة فالأعلم الورع مقدم على العالم الورع كما اعتبر هذا في الترجيح بصفات الرواة عند تعارض الأخبار ونقل عن ابن الصلاح في أدب المفتي اعتبار

стр. 492

أوصاف الناقلين فما حكاه المزني أو الربيع مقدم على ما حكاه الخطابي أهـ) وأما من لم يوجب على المقلد طلب الراجح فقد عذره بالمشقة لكن في المنقول عن الصحابة والسلف ﵃ عند استفتائهم ما يرشد إلى إنهم كانوا ينصحون سائليهم باستفتاء من هو أعلم. (الباب العشرون) في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين عقد المصنف هذا الباب في فصلين الفصل الأول لتعديد الأدلة المختلف فيها بين من يعتد بخلافه من العلماء وهو الذي ترجمه الغزالي في المستصفى بالأصول الموهومة ولذا تكلم فيه على أشياء تقدم الكلام عليها لأن هذا أجدر موضع بأن تذكر فيه كمسألة إجماع أهل الكوفة والفصل الثاني فصل جليل في تصرفات المكلفين وهو قواعد يعبر عنها بالأصول القريبة ذكرها هنا لأنها واسطة بين الأصول والفقه وسنبين معانيها وعلاقاتها بالأصول في فصلها. (الفصل الأول في الأدلة) أي على وجه الاستقراء ثم تفصيل ما لم يتقدم الكلام عليه منها أو تقدم استطرادًا ونما لم يذكر إجماع أهل المدينة تفصيلاً هنا مع أنه من المختلف فيه لأنه لم يعبأ بذلك الخلاف بعدما قدم من الأدلة في كونه من أصول الفقه ما هو كاف لن أراد أن يكتفي (قوله وهي علي قسمين أدلة مشروعيتها وأدلة وقوعها إلخ) هكذا وقع في النسخ ومن البديهي أن كلمة «الأحكام» قد سقطت وهي معاد الضمير وأراد بأدلة مشروعية الأحكام الأدلة الدالة على كون الحكم من وجوب أو ندب أو غيرهما مشروعًا

стр. 493

أي ثابتًا بالشرع وتلت هي المعبر عنها بالأدلة الإجمالية للأحكام من المقتضي للحكم والنافي له التي لا يثبت بها حكم قضية معينة بل يثبت بها حكم كلي مثل قولنا الأمر للوجوب والنهي للتحريم ومفهوم الصفة يوجب نقيص حكم المنطوق به للسكوت عنه ومفهوم اللقب لا يوجب ذلك. وأما أدلة وقوع الأحكام فأراد بها أدلة وجود أحكام جزئية كالدليل على وجود وجوب صلاة الظهر مثلاً وهو الزوال فالمراد من الوقوع التحقق في الخارج على الاصطلاح المنطقي وعليه فالمراد الأدلة الجزئية الموجبة أحكام قضايا جزئية مثل أن تقول وجبت الصلاة لوجود الزوال وبين هذين نوع آخر وهو الأدلة التفصيلية التي تدل على خطاب الله قبل استكمال الأسباب والشروط لما هو ظاهر من أن دليل المشروعية يوجد ولا يقع الحكم فدليل مشروعية صوم رمضان هو قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ والوجوب ثابت قبل دخول رمضان أعلامًا ولكن وقوعه أي تحقق الوجوب أي التعلق الإلزامي لا يثبت إلا بعد وجود السبب وهو رؤية الهلال وانتفاء المانع كالإغماء فرؤية الهلال دليل وقوع الوجوب هذا ما يؤخذ من كلامه هنا ومن قوله فيما يأتي «وأما أدلة وقوع الأحكام فهي أدلة وقوع أسبابها إلخ» إذ لا يمكن أن تذهب الأدلة التفصيلية في البيتين وإنما جعل أدلة وقوع الأحكام غير منحصرة بقوله «وأما أدلة وقوعها فلا يحصرها عدد» لأن آثار خطاب الوضع غير منحصرة عادة (قوله فأما الخمسة الأول فقد تقدم الكلام عليها إلخ) لضعف الخلاف فيها أو عدم الاعتداد به (قوله وأما قول الصحابي إلخ) نقل المص عن مالك كونه حجة مطلقًا وقد تبع في ذلك الأمدي وكذلك عزاه الرهوني في شرح ابن الحاجب لمالك والذي ذكره أبو الوليد الباجي في كتاب المنهاج له تصريحًا والتزامًا عن ظاهر مذهب

стр. 494

مالك أنه حجة بشرط لانتشار وبعدم المخالف له من الصحابة ويؤيده ما نقله ابن فرحون في شرحه لمصطلح ابن الحاجب وفي تبصرته عن ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي أنه قال «قال مالك في اختلاف الصحابة مخطئ ومصيب عليك بالاجتهاد» ونقل الباهي عن ملك قولاً بأنه حجة فوق القياس ومن ذلك قوله لزوم كفارة واحدة لمن ظاهر من نسائه لحديث ابن عمر ﵄ مع مخالفته القياس والحنفية قالوا تلزمه كفارات بعددهن على القياس واختار المتأخرون من المالكية مثل ابن الحاجب موافقة الشافعي في قوله الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة وقد ذكر الغزالي الاحتجاج به من جملة الأصول الموهومة قال «فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته لا حجة في قوله وقد اتفقت الصحابة على مخالفة بعضهم بعضًا فلم ينكر ذلك منهم أحد فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم ثلاثة أدلة قاطعة على عدم الاحتجاج به» والذي يتلخص لي من مذهب مالك ﵀ أنه لا يرى قول الصحابي حجة إلا فيما لا يقال من قبل الراي لما تقرر أن له حكم أرفع ولهذا كان اشتراط مخالفته للقياس قريبًا من هذا وقد رد مالك الخبر إذا خالف القياس الجلي فكذلك قول الصحابي إذا خالف اجتهاد الإمام المستند للقياس وغيره وأما ما نجده يتمسك فيه بقول الصحابي كما يقع كثيرًا في الموطأ فهو على معنى تأييد قوله واجتهاده ولذلك يقول وذلك أحسن ما سمعت أي في ذلك أو هو ترجيح بين الإخبار عن الاختلاف قد أشار إلى شيء من هذا القاضي أبو بكر ابن العربي في العارضة في باب الأخذ بالسنة عند الكلام على الحديث الذي ذكره لص هنا ونص عبارته «أمر بالرجوع إلى سنة الخلفاء وهو يكون على أمرين الأول التقليد لمن عجز عن النظر أي كتقليد غيرهم الثاني الترجيح

стр. 495

عند اختلاف الصحابة فيقدم الذي فيه الخلفاء الأربعة أو أبو بكر وعمر وإلى هذه النزعة كان ينزع مالك ونبه عليها في الموطأ أهـ» قلت يشهد له أخذه بقول الخلفاء في عدم توريث أكثر من جدتين دون قول زيد بتوريث ثلاث جدات (قوله والشافعي في قوله القديم إلخ) مقابلة قوله في الجديد أنه ليس بحجة وقد حذفه المصنف لوضوحه * قوله ومنهم من قال إن خالف القياس إلخ* نسبة ابن برهان للشافعي ونقل عن الشافعي في الرسالة عكسه وهو أن يوافق القياس وكلاهما ظاهر* قوله أصحابي كالنجوم إلخ* لم يصح هذا الأثر (قوله يقتضي أنه عمل لنص فاسد إلخ) هكذا في النسخ والظاهر أنه تحريف لكلمة ثابت أو نخوه أو يكون أراد إن عدم الأخذ به يقتضي أنه عمل بدليل غير صحيح إذ الدليل الصحيح الأصل فيه أن لا يخالف القياس والأصل في الصحابي أن لا يستند لدليل فاسد فتعين حمله على أنه علم من النبي ﷺ في ذلك ما اعتمده وفيه تعقيد (قوله اقتدوا باللذين من بعدي إلخ) حديث حسنه الترمذي (قوله عليكم بسنتي إلخ) ذكره الترمذي وصححه ولا دلالة فيه إذ المراد بالسنة الطريقة في الهدى والاهتداء والمراد بالخلفاء الراشدين كل من شمله معنى الرشد الديني وتخصيص هذا اللقب بالخلفاء الأربعة إصلاح جديد بعد الحديث فالمراد أتباع ولاة العدل وعدم مفارقة الجماعة وسياقه يشهد بذلك لأن قبله أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة فإنه من يعش فسيرى اختلافًا كثيرًا أما حمله على اتباع اجتهاد الخلفاء الأربعة الأول فقد رده الغزالي في المستصفي بأنه يقتضي تحريم الاجتهاد على الصحابة ذقل أحد الخلفاء قولاً أو اتفق أربعتهم على قول المشاهد من أحوال الصحابة خلاف هذا فالمراد سيرتهم وأصولهم وغيرهم من المجتهدين مثلهم بلا فرق
следующие страницы →