← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150938

حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح

ابن عاشور

Полный текст (515 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إن ذكر الخلاف في المتن بعبارة تقتضي وقوع الخلاف في الصيغ الثلاث سهو إذ ليس الخلاف في جميعها إنما الخلاف فيما إذا حذف الراوي فاعل أمر سواء مع البناء للفاعل كما إذا قال أمر أم كان بالبناء للغائب كما إذا قال أمرنا بكذا وهي الصيغة لأن حذف الفاعل مع البناء للفاعل أو مع البناء

стр. 422

للنائب سواء (قوله وثامنها الإجازة الخ) اعلم أن الإجازة مراتب الأولى لإجازة التي قارنتها المناولة بأن يعطي الشيخ كتابه أو نسخة منه مقابلة ويقول له أجزتك أن تروي هذا عني وهذه مقبولة عند الجميع وقد نقل حلولو في شرح جمع الجوامع أنها قائمة مقام السماع عند مالك وأصحابه المصريين وجعلها الشافعي وأبو حنيفة دون السماع واختاره

стр. 423

إمام الحرمين في البرهان وفائدتها فيما يظهر أنها تدل على أن ما كتبه الشيخ في ذلك الكتاب قد انفصل فيه وعرضه للرواية لأن المرء قد يكتب الحديث يريد تقييد ما سمعه ليتأمل فيه فإذا أجاز الرواية فذلك دليل ثقته به الثانية أن يقول له أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك أنه من سماعي بشرطه فهذه لا فائدة فيها إلا الشهادة من الشيخ للتلميذ بأنه قد تأهل للرواية ليعلم أنه صار جديرًا بالحديث فهي إذن محض لا غير وهذه لم يقل بها الشافعي كما حكاه ابن الصلاح واختاره إمام الحرمين في البرهان وجعلها حوالة على عماية وجهالة لا يصح بها شيء عند التلميذ. وقال ابن الصلاح لم اسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمال هذه الإجازة فروى بها وعن مالك فيها ثلاث روايات المنع وهو الذي اختاره الأبياري فيما نقله حلولو في شرح جمع الجوامع. والكراهة نقلها المازري في شرح البرهان عن ابن خوير منداد والقاضي عبد الوهاب عن مالك واختار ذلك عبد الوهاب قال لأنها لا تفيد شيئا لأنه ليس له ما يجيز له الرواية قبل أن يقول له أجزتك وقوله أجزتك لم يزده شيئًا. والإباحة حكاها ابن خويز منداد في نقل المازري والأبياري في نقل حلولو والظاهر أن هذا القول محمود على الإجازة التي قارنتها المناولة جمعًا بين متعارض أقواله. المرتبة الثالثة أن يقول له أجزتك أن تروي الحديث بدون حوالة على شيء، وهذه تنقسم أقسامًا ذكروها: وهي أن يكون أجاز لخاص في خاص أو خاص في عام أو عام في خاص أو عام في عام وهي مراتب آخرها كاد أن ينعقد الإجماع على منعه وكلها ضعيفة جدًا أو لغو إلا إذا أريد منها الشهادة له بالأهلية لمعرفة علل الحديث وطرق قبوله، وغالب الناس اليوم لا

стр. 424

يريدون منها ذلك وإنما يرونها اتصالًا مباركًا (قوله فمنعها مالك الخ) هكذا في غالب النسخ وفي بعضها فقبلها مالك والظاهر أن الرواية الأولى هي الصحيحة لأن المنقول عن مالك منعها إما بتحريم أو كراهة وإما الإباحة فلم يقبلها الإبياري ولا القاضي عبد الوهاب ولا إمام الحرمين وإنما نقل عن الباجي الإجماع على قبول الإجازة، وقد رد عليه ابن الصلاح حكاية الإجماع وينبغي تأويل كلامه بأن المراد الإجازة مع المناولة والعرض. الفصل العاشر في مسائل شتى (قوله ولم نكلف نحن بحسن ظن المرسل الخ) أي في الراوي الساقط وجوابه هو حاصل حجة الجواز بأن هذا مسلم ولكن لما حسن ظننا في المرسل فنحن مكلفون بحسن ظننا في المرسل لا مكلفون بحسن ظن المرسل فيمن أسقطه فإنه عدل ضابط وكما نقبل تعديله لو عدل لنا أحدًا فكذلك إذا التزم به فالحق أن عدم قبول المرسل عند بعض المحدثين مجرد اصطلاح ليس من التحقيق في شيء (قوله فحصول الظن لنا إذا كشفنا حالة أقوى من حصوله إذا قلدناه فيه الخ) صواب العبارة

стр. 425

أن يقال فلا يحسن الظن لنا إلا إذا كشفنا حاله لأن الدليل مسوق لرد المرسل عند انفراده لا لترجيح المسند عليه عند التعارض أذلًا خلاف فيه بين الجمهور فلا موقع لكلمة أقوى (قوله الأمر أسيل سعيد الخ) أي ونحوه من كبار التابعين نحو عبد الله بن عدي بن الخيار كما في كتاب ابن الصلاح وكذلك من عرف بأنه لا يرسل إلا عن صحابي كمراسيل شيوخ ملك (قوله والصحابة كلهم عدول فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه الخ) يوجد في بعض النسخ هنا ما نصه» جوابه أنهم عدول إلا عند قيام المعارض وقد يكون المسكوت عنه منهم قد عرض في حقه ما يوجب القدح فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح» وهي يرجع إلى ما قدمه المصنف في عدالة الصحابة ﵁ (قوله ونقل الخبر بالمعنى الخ) ذكر فيه الخلاف مع وقوعه كثيرًا بدليل اختلاف الروايات في كتب الصحيح، وقد كتب شيخنا العلامة الوزير ﵀ وتلقيت عنه ذلك أيضًا مشافهة ما هو فصل المقال في هاته المسالة ونصه «للمحدث ثلاث حالات الأولى أن يجلس لرواية الحديث للطالبين وله فيها أداب ومقتضى ذلك أن يتحرى حتى في أسماء الرجاء وكيفية الرواية. الثانية أن يجلس مجلس المبين للشريعة والسنة ويدعوه الحال للاستشهاد بالحديث فيقتصر حينئذ على ما به الحاجة من المتن وبيان مخرج الحديث الثالثة حالة المحاضرة في العلم، وفي هذه يتوسع ما لا يتوسع في الحالتين

стр. 426

قبلها سواء في ذلك السند والمتن فيأتي بما تدعوه الحاجة إليه وربما روى الحديث بالمعنى آهـ وبهذا ايجمع بين ما نقله حلولو في الشرح عن المازري أن مالكا ﵀ كان يتشدد حتى في الباء والتاء من بالله وتالله وما يوجد أيضًا في كتب الحديث من ذكر الشك في اللفظ ومرادفه وبين ما هو مذهب الجمهور الذي شواهده كثيرة من جواز نقل الحديث بالمعنى بشروط (قوله حجة المنع قوله ﵊ نضر الله امرءا الخ) جوابها بالقلب بأحد وجهين أولهما ما ذكره المصنف وحاصله أن كاف التشبيه في قوله كما سمعها مؤذنة بأن عبارة الناقل مغايرة للأصل لأن المشبه لا يكون عين المشبه به فاقتضى التحفظ على المعنى مع تغيير اللفظ ويرد على هذا أن التشبيه إنما هو لحال الأداء بحال السماع ولا معنى له إلا اتحاد العبارتين حتى يكون لفظه في وقت الأداء كلفظ النبي ﷺ وقت النطق ولا معنى للتشبيه إلا ذلك سواء كانت ما في كما سمعها مصدرية وهو اظهر أو موصولة. ثانيهما أن تقديم الدعاء بالخير مؤذن بالترغيب وكذا التعليل في قوله فرب حامل فقه يقتضي أن فائدة التحفظ على اللفظ لكثرة الفوائد وهو مصلحة

стр. 427

لا لأن المعنى يتغير بدونه وهو مفسدة (قوله ونفوا الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم وإن أكل فلا تأكل) أي أن أكل الكلب المعلم من الصيد فلاتا كل ولفظ الحديث في البخاري في باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة عن عدي بن حاتم ﵁ عن النبي ﷺ قال إذا أرسلت كلبك وسميت فامسك وقتل فكل وأن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه الخ أي والله تعالى يقول فكلوا مما أمسكن عليكم فمن رأى قبول الزيادة مطلقا اعتبرها وعليه الشافعي ومن رأى ردها كالأبهري وغيره لم يعتبر هذا حكما ومذهب مالك عدم اعتبار هذا الحكم لأنه يفصل في اعتبار الزيادة وهذه الزيادة ليست موجودة في قول ابن عمر ﵁ المروي في الموطأ موقوفاً إلا أن له حكم الرفع وسبب عدم قبول الزيادة عندنا أن ابن عمر ﵁ صرح بما ينافيها إذ قال أكل أو لم يأكل وروي ذلك مرفوعاً في صحيح أبي داوود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ أن لي كلابا مكلبة فافتني في صيدها قال كل مما أمسكن عليك قلت وأن أكل منه قال وإن أكل منه إلا أن الشافعي أخذ بحديث عدي بن حاتم لأن في رجال الحديث الذي رواه أبو داوود من تكلم فيه ونحن اعتضدنا بعدم وجود الزيادة في غير حديث عدي وبتصريح ابن عمر

стр. 428

الذي له حكم الرفع إذ لا يقال مثله من قبل الرأي وعليه فالمسألة ليست من رد زيادة العدل بل من باب التعارض لأن الساكت عن الزيادة اضبط ولأنها مما تتوفر الدواعي على نقلها ولأنها قد صرح بنفيها في حديث أبي داوود وذلك موجب للتعارض فتعارض الحديثان فقدمنا رواية ابن عمر لأنه اضبط وافقه رضي الله عن جميعهم. وعدي ابن حاتم الطاءي الكريم بن الكريم مهاجري أسلم في شعبان سنة سبع وقدم على أبي بكر ﵁ بصدقات قومه عام الردة وهو الذي منعهم من الردة وكان النبي ﷺ يجله وتوفي بالكوفة سنة ٧٦ في أيام المختار وهو ابن مائة وعشرون سنة. الباب السابع عشر في القياس [الفصل الأول في حقيقته] القياس أصل من حجج الدين لأن ديننا عام ودايم إما عمومه فبنص ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فإن الناس عام وقد تأكد ظهور دلالته على الاستغراق إذ أكد بقوله كافة وقد انتقى كل احتمال وتأويل فيهما بصيغة القصر فإنه لما كان قصرا إضافيا تبين أنه لرد اعتقاد في حالة الرسالة لا لأصل وجودها لأن محل القصر هو ما بعد إلا ولا يتصور اعتقاد يطرأ بعد تسليم أصل الرسالة إلا اعتقاد إنها خاصة بالعرب كما قالته اليهود العيساوية ونحوهم وهذا الذي لاح لما في تقريرها هو الذي تندفع به توقفات عرضت في الآية لبعض العلماء وأما دوامه فبنص ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ والعموم والدوام يقتضيان تجدد الأحكام علي اختلاف أحوال الأقوام وتعاقب العصور والأيام وإذا اقتصرنا على الكتاب والسنة الصحيحة وجدناهما متناهيين ووجدنا الحوادث غير متناهية فلو لم يكن القياس لتعطات أحكام كثيرة لأشياء كثيرة أو وكل الناس إلى شهواتهم أو احتيج إلى تجديد رسالة وكل ذلك مناف لكل من

стр. 429

الدوام والعموم فتعين أن لا طريق لتحكيم الشرع فيما لم ينص عليه إلا بإثبات حكم ما نص عليه لا شبه الأشياء به في علة الحكم التي شرع لا جلها لاتفاق الفقهاء الذي حكاه عنهم الشاطبي في كتاب المقاصد على أن كل حكم شرعي له حكمة هي الباعث عليه ومرجع ذلك للمصلحة والمفسدة ورجحناهما وتأكدهما أو ضعفهما تفضلا من الله ورفقا بعباده كما صوبه الأمدي وابن عرفه والتلمساني والأبياري والشاطبي (قوله إثبات مثل حكم معلوم الخ) بإضافة مثل لحكم وإضافة حكم لمعلوم وعبر بالمعلوم المشتق من العلم وهو الإدراك مطلقا بمعنى المنصور ليسلم من الدور الواقع في قولهم إثبات حكم أصل لفرع فقوله ونعني بالمعلوم المشترك بين العلم والظن سهو صوابه المشترك بين التصور والتصديق وقد تبع في هذا التعريف الغزالي وهو قد صرح في المستصفى بانه قصد التحاشي من الدور ومن الإيهام الوارد على التعبير بالشيء لأنه يقتضي انحصار القياس في الموجودات مع إنه يجري في المعدوم مثل قياس نفي الضمان على نفي المهر.

стр. 430

الفصل الثاني في حكمه (قوله ومنه سمي المعبر المكان الذي يعبر منه الخ) فسر المعبر بالمكان وذلك يقتضي فتح الميم وفتح عينه إذ ليس مضارع مكسور العين ثم قال بعد وهو السفينة وذلك يقتضي أنه بكسر الميم لأنه أسم آلة فالظاهر أن هنا نقصا لأن المعبر هو الشاطئ الذي يعبر منه أو ترسي فيه السفن كما يقتضيه كلام القاموس أو أن قوله ويعبر فيه صوابه أو يعبر فيه باو بدل الواو (قوله تعبر من الشئون الخ) الشئون فعول جمع شأن كفلس وهي عروق يجري فيها الدمع من الدماغ إلى موق العين وهي أربعة عروق وقد تعد عرقين فلذلك قال عبيد عيناك دمعهما سروب ... كان شأنيهما شعيب (قوله سؤال استدل جماعة بهذه الآية الخ) لأن الاعتبار فيها مطلق إلا على القول بأنه يحمل على أكمل أفراده التي هي صورة العموم وفيه ما فيه لأنه غير المراد من أكمل الأفراد في عباراتهم وإلا لصار كل مطلق غاما على هذا القول فالأولى الاستدلال بآية ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (قوله أرأيت لو كان على أبيك دين الخ) أول حديثهما أنها قالت إن أبي أدركته الوفاة وعليه حج افينفعه أن احج عنه (قوله احتجوا بوجوه الخ) كلها راجعة إلى التمسك

стр. 431

بظواهر شرعية لأن المحتجين بما ظاهرية واقتصر المصنف عليهم لأنهم من أهل السنة وإن كان قد خالف في حجية القياس الشيعة والنظامية من المعتزلة كما في المستصفى فلا ولون راوا أن لا حاجة إليه للاستغناء عنه بقول الإمام المعصوم وهو المختفي المكتوم. والنظامية استغنوا بالنظر إلى أوصاف الأفعال الذاتية من حسن وقبح (قوله وثانيها قوله ﷺ تعمل هذه الأمة الخ) لم يصح ومخايل الوضع بادية عليه فإنه لا معنى لعمل الأمة بالكتاب مدة طويلة ومثلها بالسنة ومثلها بالقياس فإن أريد من كل واحد العمل به دون غيره فالكل باطل وأن أريد العمل بالجميع كل فيما يناسبه فقوله ضلوا باطل فلا يستقيم لهذا الكلام معنى بحال (قوله حكى القاضي عياض في تنبيهات وابن رشد في المقدمات في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد قولين الخ (قال الشيخ حلولو في الشرح وروى المدنيون عنه تقديم الخبر وهو الذي شهره عياض وهو قول الشافعي واحمد والكرخي من الحنفية وروى العراقيون عنه ترجيح القياس وشهره الفهري وهو قول أبي حنيفة وأخذ له القولان من المدونة فإما تقديم الخبر فمن الأخذ بحديث المصراة وأما

стр. 432

تقديم القياس في حديث ولوغ الكلب آه قلت أما لمصراة ففي الحديث ليردها وصاعا من تمر بما جليها والقياس أن الخراج بالضمان وأما مسألة ولوغ الكلب فقد قال مالك في المدونة يؤكل صيده فكيف يكره لعابه ولم يعتبر نجاسة ريقه من حديث الأمر بالغسل إذنا وقد ذكر ابن العربي في العواصم عن مذهب مالك رد الخبر لمخالفته لأصول الشريعة والقياس الجلي والأصول وكذا بعض أنواع المناسبة من الأصول ولا شبهة أن القياس الجلي إثبات حكم بالحمل على إثبات حكم معلوم واتحاد العلة يوجب اتحاد الحكم والإلزام العبث أما الخبر فيحتمل الغلط والرواية بالمعنى وغير ذلك ونقل الشاطبي عن ابن العربي أن تحقيق المذهب تقديم القياس على الخبر ما لم يعضد الحديث قاعدة كحديث العرايا فإنه وأن صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف (قوله هو أن كان بإلغاء الفارق الخ) كان الأولى أن يترجم هذا بفصل في أنواع القياس ومراتبه ومسالك العلة (قوله القدح الفرد الخ) القدح بالتحريك أناء الشراب يروي رجلين والفرد هو الذي ليس معه قدح أخر وكانوا إذا رحلوا علقوا القدح في أخر الرحل وقد جاء في الحديث لا تجعلوني كقدح الراكب "أي لا تؤخروني في الدكر" والبيت من قصيدة في هجاء أبي سفيان ابن الحرث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ وكان يؤذيه ويؤذي المسلمين ثم اسلم وحسن إسلامه وكان حسان قد استأذن في هجائه فقال ﷺ كيف بقرابتي منه قال حسان والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من الخمير فهجاه من قبل أمه فقال وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

стр. 433

وما ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد أراد ببنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية أم الزبير وعبد الله وأبي طالب أبناء عبد المطلب وأما أم الحرث بن عبد المطلب والد أبي سفيان هذا فهي سمية بنت موهب غلام عبد مناف كما أن أم النبي ﷺ آمنة من بني زهرة وأن أبي سفيان هذا كانت من الموالي قيل اسمها سمراء وقيل إن سمراء أم أبيه وسمية أمه كما في إلا كمال وشبه حسان المخاطب المهجو في التصاقه ببني هاشم إذ ليس من صميمهم لأنه إنما يدلي فيهم بابيه خاصة بالتصاق القدح بالرحل وحيدا وليس من الرحل وهو تشبيه مركب إذ شبهت حالة الزنيم أي الدعي في انضمامه إلى من ليس منهم وفي كونه معدودا في أخرياتهم لا من سادتهم وفي كونه غير معزز يدعي آخر وذلك أثقل عليه بقدح في اتصاله بالرحل وليس منه وكونه في مؤخره ولا مفردا وقديما ما كانوا يعدون مجد الأب فقد نصف مجد قال عنترة إني أمرؤ من خير عبس منصبا ... نصفي واحمي سائري بالمنصل (قوله واختلف الناس في تنقيح المناط فقال الغزالي هو إلغاء الفارق الخ) إلغاء الفارق هو إزالة قيد عن العلة مع تحققها من جهة أخرى كإلغاء وصف حضور الذات في علة صحة البيع وهي العلم بالمبيع فيقلل سواء علمه بذاته ثم بصفاته وهذا الاصطلاح غير مساعد عليه وإن كان وجه التسمية لا ينافيه (قوله وقال الحصكفي في جدله الخ) هو بالحاء المهملة المكسورة وبالصاد منسوب إلى حصن كيفا موضع بالشام على غير قياس في نسبة المركب غير المزجي كقولهم عيشمي لعبد شمس

стр. 434

وهذا الذي ذكره هو التحقيق ومعناه إناطة الحكم بالأعم بعد كون النص موهما لأناطته بجزءي أو لأناطته ببعض الأوصاف فالفرق بينه وبين إلغاء الفارق علم العلة فيه وتقييدها واستنباطها في إلغاء الفارق ليوصل إليها إما تخريج المناط فهو استخراج العلة من غير أن تكون مذكورة أي بالنظر في أحوال الأصل واستخراج علته منها مناسبة مع الاقتران والسلامة من القوادح كتخريج علة الإسكار للتخريج من بين أوصاف الخمر بإبداء مناسبة لأن غيره من الأوصاف لا يناسب التحريم وقد يوجد مع غير الخمر ولا تحريم ويجري تخريج المناط حتى بين الأوصاف الخاصة بالمعلوم مثل تعليل طهورية الماء بكرنه أشد الأشياء العامة إزالة للنجاسات والأوساخ لا بكونه مائعا تبنى القنطرة على جنسه وإن كان الأمران خاصين به فمحصل الفرق بين تخريج المناط وبين النوع الثاني من نوعي تنقيح المناط أن تنقيح المناط لا يكون إلا في أوصاف مذكورة للتعليل ومشتركة بين المقيس عليه وغيره مما خالفه في الحكم وأما الفرق بين تخريج المناط والنوع الأول من تنقيح المناط فظاهر لأنه في ذكر وصف فقط والتخريج يكون من غير مذكور (قوله حديث الأعرابي الخ) إذ لا يصح كون الإعرابية علة الكفارة وإلا لوجب التكفير على كل أعرابي ولو أفطر لعذر ولا ضرب الصدر ونتف الشعر ولا خصوص الموافقة بل العلة الإفطار عمدا في رمضان الفصل الثالث في الدال على العلة هي مسالك العلة فمنها ما هو مسلك للعلة المخصوصة وذلك المكان

стр. 435

النص والإيماء والمراد من النص ما يشمل الإجماع والبقية مسلك للعلة المستنبطة وأهم هذا النوع المناسبة فإنها أوسع مسالك الاستنباط لأنها طريق لإثبات التعليل في القياس على أصل وتسمى حينئذ تخريج المناط وطريق أيضًا لإثبات أحكام الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء وليس لها أصول تقاس عليها وهذا المعنى هو المراد لهم عند ما يقولون هذا الأمر ثبت على خلاف القياس وتسمى حينئذ الإخالة بكسر الهمزة وبعد هذا فبقية المسالك للعلة المستنبطة لا يعتد بها في القياس ما لم تكن مقارنة لقرب من المناسبة وإلا فهي مردودة (قوله الإيماء وهو خمسة الفاء الخ) من الأصوليين من يعد الفاء في النص ووجهه إنها للترتيب فهي من جملة ما ترتبت عليه ووجه ما درج عليه المصنف أن العلية أخص من مطلق الترتيب فجعلها إيماء للعلية (قوله والمناسبة ما تضمن تحصيل مصلحة الخ) رجع المناسبة للمصلحة والمفسدة وذلك مرجع التشريع وما دفع المفسدة إلا مصلحة فمرجع

стр. 436

الجميع المصلحة (قوله ينقسم إلى ما هو في محل الضرورات الخ) هذا تقسيم له اعتبار رتبة المصلحة التي يتضمنها فإما الضروري فهو ما يرجع إلى إقامة النظام الأصلي لنوع الإنسان وهو الذي به يمتاز حاله عن أحوال أنواع جنسه امتيازًا أوليا وذلك الكليات الخمس ومكملاتها. وأما لحاجي فهو الذي به قوام النظام المدني الذي يمتاز المتصفون به عن الطبقات السافلة من نوعه أعني الذي يخرج الإنسان عن الوحشية إلى كونه مدنيا مؤلفا من شعوب وقبائل وعائلات وهذا كالبيع والإجارة واشتراط العدالة فإنا لو فرضنا انعدامها لاستقام النوع في الجملة باعتماد كل على نفسه في جلب ما يلزمه من دواعي الحياة البسيطة ولكنه يفقد النظام المدني المبني على التعاون والتكافل في أصناف المنافع. وأما التحسيني فهو الذي يكمل المدنية في أجلى مظاهرها ويرقي الإنسان عن المشابهة بأنواع جنسه كلها إلى مشابهة الملائكة كمكارم الأخلاق وسلب العبد أهلية الشهادة والمرأة أهلية الإمارة واعتبار ما يرجع إلى المروآت والآداب التي لا تعارض الأصول الشرعية والأرفاق ونظام العائلة من ولاية وايصاء وقد يعرض للتحسين ما يصيره حاجيا كما يعرض للحاجي ما يصيره ضروريا لتوقف غيره عليه كمال التوقف (قوله وقيل والأعراض الخ) لما في انتهاكها من الاعتداء على أصحاب المروآت ومن تشجيع ملوثي الأعراض على التظاهر بنزاعاتهم لأنهم يستانسون بمن يذكر فيه مثل ما هم متلبسون به كما قال تعلى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء وهذا داب

стр. 437

أهل الفواحش يودون مشاركة الناس لهم حتى لا يكونوا مشارا إليهم بلبنان في سوء السمعة فهم يحسدون أهل الفضل على ما آتيهم الله من فضله كما قال المعري. أولوا الفضل في أوطانهم غرباء ... تشذ وتنأى عنهم القرباء فما سبلوا الراح الكميت للذة ... ولا كان منهم للخراد سباء وقد أشار الله إلى مقاصدهم من الافتراء على الأعراض بقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ فجعل العقاب على هذا المقصد السيء وعلى مظنته لان شيوع الفاحشة يفضي إلى تساهل الناس بها وزوال إنكارها من النفوس شيئا فشيئا ولذا شرع حد القذف وعقاب الشتم على التفصيل المذكور في كتب الفقه (قوله فإن النكاح غير ضروري لاكن الحاجة تدعو إليه لتحصيل الكف الخ) هكذا في النسخ ولعله تحريف صوابه فإن أنكحاها أو النكاح لها غير ضروري يريد من الضروري الحاجي وقوله لتحصيل الكفء أي الذي قد يتعسر وجود مثله بعد لا سيما عند فساد الناس وليس تحصيل الكفء محتاجا إليه لذاته بل لاستقامة النكاح على وجه لا يتطيرقه الشغب فالأجدر أن يقول لأن الحاجة تدعو إليه لإقامة البيوت ودفع التهارج الناشئ عن التشارك في المزاة (قوله وفي الإمامة على الخلاف حاجة لأنها شفاعة الخ) الأولى تعليله الحاجة بمصلحة دنيوية وأما التعليل بالمصالح الأخروية فليس من المناسبة وعلة كون العدالة حاجيه في الإمامة أن الإمامة اقتداء والقدوة يلزم حسن حاله لئلا يتأسى به الغافلون الذين يظنون أن ما يفعله هو من الشرع

стр. 438

(قوله الكليات الخمس حكي الغزالي وغيره لإجماع من الملل على اعتبارها الخ) يعني أن الخلاف بين الملل في وسائلها فالملل الماضية لم تكن تسد سائر الذرائع وكانت تشدد العقوبات والإسلام اعتاض عن تشديد العقوبات بسد الذرائع وذلك اقطع للجرائم واصلح للناس وانسب بالحالة التي بلغ إليها البشر وقت تشريع الله تعالى لهم شرع الإسلام قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (قوله وكذلك لم يبح الأموال بالسرقة الخ) السرقة حدها عظيم لأنها جنائية على المال بغير وجه ظاهر يمكن تعقبه ففارقت الغضب ولأنها جناية السارق على عرضه إذ رضي لنفسه عارها المؤذن بالطمع والعجز والجبن

стр. 439

(قوله إلى ما اعتبره الشرع الخ) ودليل اعتباره إما النص نحو قوله ما اسكر فكثيره فقليله حرام أو الأجماع كالسكر للحد أو الإيماء كترتيب الأحكام على الأوصاف وكاستقراء الشريعة الذي نستفيد منه مقاصد كلية (قوله والأول ينقسم إلى ما اعتبرهم نوعه في نوع الحكم الخ) المراد بالنوع هنا ما يصدق على كثيرين متفقين بالحقيقة صدقا عرفيا كصغر السن فإنه لا يصدق الأعلى حقيقة واحدة في العرف وهي حقيقة الإنسان ويلتحق بالنوع الجني المنحصر في فرد كالإسكار لانحصاره في الخمور عرفا دون سائر المائعات الحامضة ولذا قد ينظر بعضهم إلى كون ما صدقه شيئًا واحدًا فيعبر عنه بالعين عوضا عن النوع فالأول كالتعريف بال الجنسية والثاني كالتعريف بلام الطبيعة. وأعلم أن النوع تارة يؤخذ من مفهوم لفظ موضوع لمعنى مقيد نحو بيع وإجارة وتارة يؤخذ من جنس شائع بعد تقييده نحو ولاية مال فإن ولاية جنس وبإضافتها للمال ضارت نوعاً لأن النوع جنس مقيد أما بلفظ مفرد أو بمركب تقييدي ولهذا قد يصلح اللفظ مرة مثالا للنوع ومرة للجنس إذ قيد أو أطلق. وأما الجنس فالمراد به ما يصدق على مختلف الحقيقة من الأبواب كالولاية فإنها تكون ولاية مال وولاية نكاح وكالمشقة فإنها بدنية ووقتية فإطلاق الجنس والنوع على ما هنا إلا ينطبق تمام الانطباق على مصطلح المناطقة لا كنه يقاربه. وملاك الأمر هنا النظر للوصف أو الحكم فإن وجد أحدهما متنوعاً إلى أبواب كثيرة فقهية أو أسباب متنوعة لأحكام فهو الجنس وإلا فهو النوع ويسمونه العين. والمراد من الحكم ههنا المعلول كما تفصح عنه أمثلتهم التي منها تمثيل المصنف إياه بالتقديم في الميراث والنكاح

стр. 440

وإسقاط الصلاة وسمي بالحكم لأن اعتبار الوصف فيه إنما هو لإعطائه حكما مخصوصاً من وجوب أو حرمة أو نحوهما مما يقتضيه الوصف بحسب ما يشتمل عليه من مصلحة أو مفسدة قوية أو ضعيفة فهو من تسمية المفعول باسم المصدر وليس المراد من الحكم خطاب الله ولا أثره المنقسم إلى الأحكام الخمسة فقول المصنف في الشرح الحكم أعلم أجناسه كونه حكما وأخص منه كونه طلبا الخ يخالف هذا ولا يظهر له أثر في التقسيم إذ لا معنى لأن يراد بجنس الحكم مطلق النهي مثلا الصادق بالكراهة والحرمة إذ لا يمكن ثبوتهما معاً لشيء واحد محل البحث كون تأثير العلة في جنس شيء ما بالاستقراء دليلاً على أن ما لم يوجد في الاستقراء من بقية أفراد ذلك الجنس جدير بالإلحاق بأفراد جنسه. وهذا التقسيم إنما يريدون منه بيان أنواع العلة المنصوصة والمستنبطة وبيان مراتب العلة واختلاف طرق التعليل فإما المنصوصة فلها القسم الأول المعبر عنه بالمؤثر وهو اعتبار عين وصف في عين حكم أو بعبارة أخرى نوعه في نوعه ولذلك شرطوا له أن يكون الدال عليه نصا أو إجماعا والأقسام الثلاثة الأخر الملقب جميعها بالملائم تجري فيها العلة المنصوصة والمستنبطة من استقراء الشريعة والغالب إنها تثبت بالاستنباط فقط لأن التنصيص على التعليل قليل وهو إن وقع يقع التعرض له في علة خاصة لشيء خاص بخلاف العلة المستنبطة أو المومأ إليها والقصد من هذا كله فيما نرى هو التوصل إلى القياس عليها بإلحاق غير ما رتب الحكم فيه شرعاً على وفق الوصف بما رتب فيه لوجود الوصف فيهما بناء على أن وجود الوصف في المواضع الكثيرة يبين للمجتهد معنى مناسبة وإلى أي الأشياء هو مناسب حتى يمكنه

стр. 441

الإلحاق حينئذ لأن كثرة الأمثلة والنظائر تعين على استخراج القاعدة الكلية لاسيما إذا وجدت بين الأشياء المعلومة بالوصف صفة جامعة مثل الاقتيات والادخار في المزكاة أو التوصل إلى تحقيق المناط فيه بإثبات الوصف في آحاد صوره. وإلى أن المجتهد يكون قياسه أقرب متى كان الوصف معتبرا علة في جنس الحكم فيلحق به ما لم يرتبه الشرع من بقية أنواع ذلك الجنس مثل قياسنا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد لأن الوصف هو الجناية وقد رتب عليها جنس أحكام كثيرة في النفس والأطراف فلا بدع أن الحق بها بعض الأحكام وهو كون الجناية بئالة غير الآلات الغالبة أما ما اعتبر فيه نوع الوصف في نوع الحكم فقد يعارض المجتهد عند قياسه عليه باحتمال أن ذلك تعبد يخص الصورة الموجودة فيلزمه أن يثبت حينئذ إلغاء الفارق حتى تكون دعوى المعترض غير مسموعة وحتى يعلم ما هو قياس جلي من غيره هذا ما ظهر لي في فائدة هذا التقسيم وأثره والمراد في القابه التي ما رأيت من أفصح عنها إفصاحا يبين المراد (قوله كاعتبار نوع الاسكار في نوع التحريم الخ) الأولى أن يقول في الخمر لأنها نوع واحد ولا التحريم فليس من الأحكام المعللة بل هو ناشئي عن العلة (قوله كالتعليل بمطلق المصلحة الخ) فإن المصلحة جنس لصدقها على المحققة والمظنونة والمطردة والغالبة والنادرة وأحسن منه التمثيل بالحجر في إبطال العقد إذا لحجر حجر سفه وحجر صغر وحجر مرض وحجر إفلاس وحجر زوجية والعقد معاوضة وتبرع وقد اعتبر الشرع الكل في الكل إلا صورة الثلث في المرض والزوجية (قوله فتأثير النوع في النوع مقدم الخ) لأنه لا يكون إلا منصوصا والأقسام الأخر يغلب عليها ثبوتها بالاستنباط

стр. 442

كما قدمناه فكانت أضعف منه هذا وأعلم أن النوع في الجنس وعكسه سواء كما رجع إليه المصنف إذ لا وجه لترجيح أحدهما ويقدمان على الجنس في الجنس لسعة دعوى العلية فيه من جهة اعتبار جميع أنواءها في جميع ما يصلح للتعليل ولا شك أنهم يريدون بالتقديم هنا التقديم الجدلي عند المناظرة لأن المنع يرد على تأثير الجنس في الجنس بسهولة فلا ينافي هذا ما قدمناه من كون تأثير الجنس في الجنس بعد وقوع ظن المجتهد به أو عند مصادقة المناظر عليه انفع للمجتهد لأنه يجعل قياسه الصورة المهملة جليا راجحا فهو إذن ارجح عند الناظر لا عند المناظر إلا إذا سلمه (قوله والملغي آهـ) يعني المناسب الملغي فهو وصف نجد فيه مناسبة لتعليل ما لما فيه من مصلحة أو مفسدة لا كننا نتتبع موارد الشريعة فنجدها شاهدة لإلغائه فنعلم أنه ملغي ولا يكون ذلك إلا إذا كان ما فيه من المناسبة مغموراً بما هو أشد منه مناسبة أو بموجب للرخصة لما في اعتبار مناسبته من المشقة وهذا كزراعة العنب فإنها مناسب للتحريم لأنه وسيلة اعتصار الخمور لكنها ملغاة اكتفاء بشدة تحريم الخمر وكذا التجاور في البيوت فإنه وسيلة للزا لكنها نادرة ومكتفي عنها بالحجاب وشدة العقوبة الزاجرة وكذا مرور العجل في الطرقات وإعلاء الأبنية مع ما يعرض لذلك من المضار لكنه ملغي لندرته وشدة الحاجة لهاته الأشياء متى حدثت لتوقف سير المدنية عليها ولأن عيشة الممنوع منها

стр. 443

تكون ضنكي بالنسبة لعيشة غيره ممن يستعملها (قوله ولذلك قدمت البنوة الخ) أشار بقوله ولذلك لتقديم الأخص على الأعم من غير أنواع المناسبة (قوله وأما المصلحة المرسلة فالمنقول إنها خاصة بنا الخ) كذلك ادعى أمام الحرمين وأنكر على مالك ﵀ القول بها وضابط معنى المصلحة المرسلة عندنا حسب ما يستخلص من عبارات علمائنا إن يكون وصف مناسب للتعليل لكنه لا يستند إلى أصل معين بل إلى المصلحة العامة في نظر العقل مثل رمي عدو تترس باسرانا فإن رميناه أهلكناهم وغلبناه وإن تركناهم اضر بنا وبالترس فيخصص بهذه المصلحة عموم قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أو يبين بها قوله ﷺ إلا بحقها وقد اعتبرها مالك ومعظم الحنفية متى تحققت المصلحة أو قربت وذهبت جماعة إلى منع الاستدلال بغير ما يقاس على أصل معتبر شرعا ومنهم الباقلاني والمتكلمون ونقل عن الشافعي في أحد قوليه. وأورد إمام الحرمين على مذهب مالك أنه يستلزم فسادين أحدهما تحكيم العوام بحسب أراءهم من ملائمهم ومنافرهم والثاني اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص والبقاع والأوقات وأجاب عن ذلك الأبياري في شرح البرهان بأن الحكم في المصلحة للمجتهد لا للعوام وتحقيق المصلحة منوط بالاجتهاد آهـ أي لأنها دليل حكم فهي من وظائف المجتهد وليست هي حكما حتى يعمل بها العامي. وعن الثاني بالتزامه وهو معنى دوام الشريعة ومناسبتها لكل زمان. وقيد الغزالي المصلحة بأن لا تكون في مرتبة التحسين وهو قيد لازم وبهذا كله يظهر أن الخلاف في هاته المسألة بيننا وبين الشافعية لفظي كما قال المصنف وأن تشنيع إمام الحرمين نزعة

стр. 444

من طرايق مناظرات المخالفين المتبعة في القديم وهي طرايق كان الأجدر بهمم العلماء التنكب عن سلوكها وسيأتي كلام على هاته المسألة في الباب العشرين (قوله الرابع الشبه الخ) أي الشبه المعنوي وهو أن يشبه الوصف أوصافاً قد عهد في أمثالها التعليل للأحكام بحيث لا تظهر في الوصف مصلحة ذاتية وإنما يكون مشبها بقوة للأوصاف التي عهدت مصالح فلذلك لا يعدمنا سبا لكنه دون المناسب وفوق الطردي وليس المراد الشبه الصوري أي الشبه في الذات إذ ليس ذلك طريقا للعلية وأما جزاء الصيد فمن باب تقدير المتلفات بأشباهها بطريق النص لا لأجل الشبه وإلا لكان جزاء النعامة باللقلق أولى. ثم المشابهة تعتبر أما بالمماثلة كمشابهة الانعاش للاقتيات مثلًا فتلحق سببه العقاقير المنعشة في حرمة التفاضل. وأما لكونه مستلزما للمناسب فأشبه المناسب لأنه لما استلزمه صار مثله والتلازم يكون بواسطة واحدة وبوسائط واقتصر القاضي على القسم الثاني وبهذا يظهر الفرق بين الشبه وبين القياس وأن وقع في كلام كثير من المؤلفين مثل الشيخ حلولو ما يوهم التباس الأمرين. فإن القياس الحلق فرع بأصل لوجود العلة المعينة فيهما وأما الشبه فهو الحاق وصف بوصف ليكون علة مثله لشبهه به (قوله لتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب الخ) صواب العبارة لتأثير مثله القريب أي شديد الشبه به في الحال لمثل الحكم القريب من حرمة أو مطلق منع أو فساد ومن وجوب أو إذن أو صحة وأما تأثير الجنس في الجنس فلا يخفى أنه من قسم المناسب حسبما تقدم فقد وقع في العبارة هنا تحريف أو تسامح

стр. 445

ويفصح عن المعنى كلامه في الشرح فتثبت (قوله كرد الجلسة الثانية الخ) صوابه كرد الأولى إلى الثانية كما هو ظاهر (قوله والعبد المقتول الخ) بيان لوجود الشبه في الأحكام والعلل مع جواز تردد لشبه لشيئين فصاعدا فيرجح (قوله فهذا هو الدوران في صورة واحدة الخ) أراد من الصورة الذات أي هذا مثال دوران الحكم مع الوصف وجودا وعد ما مع كون الذات هي هي وهو الذي فيه حجة ظنية لأن دوران الحكم مع الوصف مؤذن بالعلية ولأن بقاء الذات دليل على تعيين الوصف إذ لا يمكن التردد في الوصف المدعى كونه علة لظهور وجوده وعلمه دون بقية الأوصاف بالمشاهدة بخلاف الدوران مع اختلاف الذات فإنه يحتمل أن سبب تخلف الحكم عند تخلف الوصف لأجل ذلك الوصف ويجوز أن يكون لأجل تخلف وصف أخر اندرج مع الذات وأنه لو

стр. 446

أجيد التأمل لعرف أنه العلة دون الوصف المدعى فلما كان هذا يرد عليه منع كل ضعف (قوله فيقول الموجب لوجوب الزكاة في النقدين الخ) أي نقول لتعيين علة الزكوة ما هي حتى نعرف هل تجب الزكوة في الحى ونرتكب في تعيين العلة ملك الدوران (قوله امكن أن يقال أن موجب العلة الخ) هذا مقول القول أي امكن أن يرد عليه منه صه أن موجب العلة الخ فاراد بالموجب العلة أي يقال لا تسلم كون الوصف الذي ادعيتموه هو العلة لجواز أن يكون غيره علة وانه لما كانت الذات المتخلف عنها الوصف المدعى ذاتا أخرى فقد تخفت عنها أوصاف الأولى كلها فلم يتبين أن بعض الأوصاف كان علة دون بعض ففي مثال المصنف لا يتعين أن الذهبية والفضية هي على الزكاة لانهما وان تخلفت لزكاة عند تخلفهما في العقار لاكن العقار ذات أخرى تخلفت عنها عدة أوصاف موجودة في النقدين فلم يتعين للتعليل الذهبية فقط مثلا لجواز كون العله هي الثمنية فلا يكون انتفاء الوصف الذي ادعيتموه دليلا على انتفاء الحكم لجواز أن ينتفي الحكم لانتفاء وصف أخر كما يجوز أن يثبت الحكم عند انتفاء الوصف المدعى لان علته وصف أخر لم يزل موجودا مثل المالية فإنها موجودة في العقار والمصنف اقتصر في المنع على أحد شقي الجواز فتأمل في هاته العقدة (قوله فما تعين عدم اعتبار غيره الخ) أي لم يكن هناك دليل على أن غير المدعى من أوصاف الذات الماضية ليس بعلة لأننا وجدنا انعدام الحكم عند انعدام جميع الأوصاف تبعا لانعدام الذات بخلاف تخلف الحكم عن انتفاء الوصف مع كون الذات واحدة فإنه بدليل المشاهدة تعبن الوصف للتعليل ضرورة أن بقية

стр. 447

الأوصاف غير ذلك الوصف لم يزل موجودا فلو كان علة لاقتضى وجود الحكم وقد سكت المصنف عن تجويز أخر في منع حجية الدوران مع اختلاف الذات وهو أنه يجوز أن لا يكون الوصف علة وإنما تخلف الحكم لا لانتفا الوصف بل لان في الذات الجديدة صفة تمنع من الحكم بان تكون العلة المالية وإنما انتفت الزكاة عن العقار لأن ماليته ليست مطردة لتوقفها على جمود الراغب (قوله لقوله تعلى أن الله يأمر بالعدل والإحسان الخ) دليل غرب جدا وحاصله أننا أمرنا بالتسوية والإحسان وفي اعتبار حجية الدورانات المجهول حالها من جهة توفية بحق العدل كما هو ظاهر وبحق الإحسان لأننا نريح المكلفين من تطلب المرجحات والأدلة التي تقتضي اعتبار بعض الدورانان دون بعض بما يتكاف لاستخراجه من الفروق فكان القول باعتبار حجة الدوران ضربا من العدل ومن الإحسان (قوله بتوفير خواطرهم الخ) هكذا وقع في الشرح ولعل اصل العبارة بتوفير أي استبقاء وإراحة خواطرهم من الفحص والفكرة فالعطف للتفسير إذ الفحص هو فحص الفكر (قوله حجة المنع أن بعض الدوران ليس بحجة الخ) حاصلها بالقلب وهو أن ما صلح دليلا لكم يصلح دليلا لنا لان بعض الدورانات ليس بحجة لا محالة والله يأمر بالعدل وبالإحسان فمن العدل والإحسان اطلاق القول بعدم حجية الدوران

стр. 448

وقد ارما بذلك قوله أخر استدلالهم والنقض خلاف الدليل أي ثبوت حجية بعض الدورانات دون بعض يخالف الاستدلال بعموم الآية أن الله والإحسان وجواب المصنف عن ذلك لا يتم وتعلقه بكلمة التقض سفسطة لأنهم أرادوا من النقض المعنى اللغوي فهو بمعنى أسم المفعول أي الصورة التي يثبت لها حكم مخالف لحكم البقية حتى يقض بها عموم المستدل لا المعنى المنطقي حتى يجيبهم بعد استحالة النقض (قوله السادس السبر والتقسيم الخ) أي السبر التقسيم كقول علماء البديع الجمع والتفريق فهو مسلك واحد يسمى السبر ويسمى التقسيم وقد يجمعان ومعنى السبر الاختبار أي اختبار ما يصلح للعلية فيؤخذ دون غيره ثم التقييم أي ذكر الأقسام وهو بيان القسم الذي هو علة سواء كان واحدا أم أكثر والقسم الذي ليس بعلة وما ذكره المصنف في الشرح مبني على كون التقسيم بمعنى تعديد الأقسام ومثال السبر علة الربا في الأصناف يحتمل أن تكون المقدار أو الاقتيات أو الطعمية أو مجموع الاقتيات والادخار ثم يرجع فيبطل ثلاثة ويعين الباقي والأبطال يكون إما بالنقض الاتي أي نخلف الحكم عن العلة وإما بالمناسب وإما بغير ذلك من مسالك الاجتهاد وفي عد السبر والتقسيم دليلا على العلية تسامح لأنه طريق لمعرفة حال الوصف المراد التعليل به فليس هو مثال المناسب والشبه والدوران لان تلك أدلة على العلية أي تدل على علية الوصف المشتمل عليها وأما السبر وتنقيح المناط فطريق يتوصل به إلى معرفة ما هو علة ثم لابد؟ ؟ ؟ من استخدام المناسب أو الشبه أو الدوران ليتعين ما هو علة من غيره فلو ذكروهما في

стр. 449

طرق الاستدلال كان ارشق (قوله السابع الطرد الخ) أي اطراد الحكم مع الوصف بحيث يتلازمان في الوجود فقط دون العدم وبهذا فارق الدوران وكان حجة ضعيفة لأننا لما لم نتحقق انعدام الحكم عند انعدامه قدر لعل العلة هي وصف أخر خفي فالاستدلال بالوجود والعدم قوى مثاله الزبد اطرد مع المسكرات كلها وليس هو علة التحريم بل الاسكار ثم الاطراد تارة يقوى في اكثر الصور مثل الزبد وتارة يضعف مثل الاستقراء الناقص كالحمرة للخمر وهذا ليس بحجة بل تحكم محض (قوله الثامن تنقيح المناط وهو الغاء الفارق الخ) فسر تنقيح المناط بإلغاء الفارق تبعا للغزالي وعند تقدم الخملاك في تفسيره في الفصل الثاني من باب القياس وتقدم الراد من المناط هو العلة وإما التنقيح فهو التهذيب والتخليص وتقدم معنى تنقيح المناط وتخريج المناط وتحقيق المناط أو أخر الفصل الثاني الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلية يعبر عن هذا الباب في بعض كتب الاصول بالقوادح لأنه يبحث عنها من حيث أنها تورد في المناظرات فتسمى بالقوادح أو من حيث يوردها المجتهد في خاصة نفسه لاختبار استنباطه فتسمى دليلا على عدم العلية وكلها

стр. 450

راجة للمنع لأنه الأعم فمنها ما يقف عنده كالقلب ومنها ما يرجع إلى المعارضة ثم أن القوادم قد يقصد منها إبطال دعوى علية وصف أو يقصد منها إبطال صحة القياس مثل إبداء الفارق (قوله القض الخ) هو عدم اطراد العلة أي وجودها بدون المعلول إما عدم انعكاسها فلا يصر عند من يجوز التعليل بعلتين (قوله وفيه أربعة مذاهب الخ) طوى المصنف مذهبين الأول أنه مبطل للعلية وهو قول الشافعي الثاني أنه غير قادح بل مخصص للعلة وهو قوب الحنفية (قوله حجة الجوار مطلقا أن الموجب للعلية هو المناسبة الخ) الحق أنه أن كانت العلية مستفادة من مسلك المناسبة وإنما كان استقراء موارد الشريعة لمعرفة اعتبار الشارع لتلك المناسبة وعدم إلغائها فالوجه حينئذ أن التخلف في بعض الصور يخصص العلة لا يبطلها وإما أن كانت العلية مستفادة من الدوران فتخلف الحكم عن العلة في موضع يبطل دعوى العلية لأنها حينئذ كالاستقراء الناقص (قوله حجة الثالث الخ) القول الثالث والرابع يصلحان مقيدين للخلاف ومصبرينه إلى خلاف في حال

стр. 451

(قوله وجواب النقض الخ) ذكر المصنف طريقتين ومرجعهما إلى عدم التسليم فهما جوابان بالمنع الأولى منع وجود الوصف كالمنال المذكور في الشرح الثانية منع تخلف الحكم وإذا منع وجود الوصف فلا يصح المنع إلا إذا كان وجود الوصف خفيا أو نلشيا اعتقاده عن شبهة كمثال النقل والإسقاط أو يدعى إن الوصف طردي وأنه محل للعلة غالباً وليس عينها ويمكن أن يجاب بثالثة وهي التسليم أي تسليم وجود الوصف والحكم لكن يدعى أن هناك مانعا من التأثير مثل أن يسلم كون العتق نقلا وأنه تقتضي الافتقار للقبول لكن شرع انعقاده كذلك لتشوف الشارع للحرية (قوله بل تعتبر بعض قيود العلة الخ) في بعض النسخ بأن تعتبر وكلاهما صحيح أي تمنع وجود الوصف بلى تعتبر معه في التعليل بعض القيود وتدعى أنه غير موجود هنا وأن المانع حين نقض عليك توهم إن الوصف تام بجميع قيوده كالمثال فإن الناقض ظن العتق نقلا غافلا عن بعض القيود التي يصيرها العقد نقلا وهي صحة التصرف في المنقول والعبد لا يصح له التصرف في ذاته بمثل ما كان يتصرف فيه سيده وفي هذا إشارة إلى أنه لا سبيل لإنكار الوصف إلا إذا كان فيه خفاء (قوله الثاني عدم التأثير الخ) جمعه مع العكس ليشير إلى الفراق بينهما على عادته جعل الفرق بين عدم التأثير وبين العكس من جهة اتحاد الموصوف واختلافه فإن اتحد الموصوف واختلف الوصف فهو عدم التأثير وجعله قادحا لإن بقاء الحكم مع انتفاء الوصف في حال كون الموصوف هو هو يغلب الظن بكون الوصف ليس علة وإلا لما بقى الحكم ولا يمكن معه دعوى أنه خلقه وصف أخر لأن الأوصاف

стр. 452

في الذات الواحدة محدودة منحصرة والمناسب منها للتعليل هو الذي نيط به الحكم ولذا يحتاج النقض بعدم التأثير إلى الاعتماد على المناسبة لا مخلة لينسد على المجيب باب ادعاء كون الحكم معلولا لوصفين على البدلية. أما مع اختلاف الذات فلا ينقض وحينئذ يسمى العكس لأن الاختلاف في الذات مظنة اختلاف الأوصاف ولعل لتلك الذات مانعاً من كون الوصف معللا للحكم وأعلم أن ما ذكره المصنف في العكس هو اصطلاح الأمام والبيضاوي وعليه فلا يعد العكس قادحاً كما صرح له المص وخالفهما ابن الحاجب فجعل العكس انتفاء الحكم لانتفاء العلة ولو في صورة واحدة وعده من القوادح باعتبار تخلفه فإذا تخلف عكس العلة كان تخلفه قادحا

стр. 453

عند من لا يرى التعليل للحكم الواحد بعلتين وإلا فلا قدح لجواز أن يخاف تلك العلة علة أخرى في ذلك الحكم فعلى الطريقتين العكس ليس بقادح في الموجب لكن على مذهب المص لا أثر له في القدح وجودا ولا نفيا وعلى مذهب ابن الحاجب هو قادح عند انتفائه عند من لا يرى التعليل بعلتين ورجح الصفي الهندي طريقة ابن الحاجب والظاهر أن وجهه أن العكس قد عد من طرق الاستدلال ولقب بقياس العكس فإذا كان ثبوته موجبا لثبوت الحكم ناسب أن يكون انتفاؤه وجبا لانتفاء الحكم فيكون انتفاؤه قادحا وهذا إنما يتأتى عن تفسير ابن الحاجب دون تفسير المص ولا مشاحة في الاسطلاح

стр. 454

(قوله غير أن ههنا أشكالا الخ) أي تقرير الإمام في كون الفرق لا يكون قادحا في القياس إلا عند من يمنع التعليل بعلنين وجواب الأشكال أن نقول إن مراد الإمام أن الفرق لا يكون قادحاً مطردا إلا عند هذا القائل إذ لا مندوحة حينئذ للمستدل من الانقطاع إذا عارضه المعارض أن الفرع مشتمل على وصف يمكن أن يكون فارقا في القياس. أما من يجوز التعليل بعلتين فلا يبطل مدعاة لأنه قد يجيب المعترض بأن الوصف الذي تزعمه فارقا هو نفسه علة لأنه قد يجيب المعترض بأن الوصف الذي تزعمه فارقا هو نفسه علة ثانية للحكم فما بطلت دعواي ويدل لهذا أنه قال في المتن وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين لاحتمال أن يكون الفارق أحداهما أي إحدى علتين فإنه من الواضح أن احتمال كون الفارق إحدى علتين لا يمنع من القدح بالفرق دائماً بل يمنع من تمام الفرق عند ما يوجد هذا الاحتمال فقول الإمام القدح به مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين أراد منه أن القدح به دائماً لا يتم إلا عند من يرى ذلك لأنه ادعى أن الوصف الفارق هو علة انفحم المعترض وبذلك يؤذن جواب الشارح فتأمل. الفصل الخامس في تعدد العلل الجمهور على جواز التعليل بعلتين للحكم الشرعي وما مثل به المصنف هنا هو في التحقيق من قبيل تعدد محل العلة الواحدة فإن ناقض الوضوء الحدث وما يذكر من النواقض محل للحدث تحقيقاً وهي الإحداث أو ظنا وهي الأسباب والصواب أنه لا مانع من تعليل الحكم بعلتين على وجه الاستقلال أي باعتبار كل منهما موجبا للحكم ويعرف ذلك أما بالنص

стр. 455

الشامل للإيماء كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ فهذان وصفان وكل منهما كاف في التحريم فلذلك نحكم بحرمة المرقدات والمخدرات لأن فيها الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبحرمة الاستهزاء بالناس لأن فيه إيقاع العداوة والبغضاء والمانعون للتعليل بعلتين جعلوا التعليل عقليا فأوردوا تلك الحج الواهية منها اجتماع مؤثرين على مؤثر قالوا وهو مستحيل والجواب إن ذلك مستحيل فيما تأثيره عقلي ذاتي والعلل الشرعية معرفات. أما العلة المستنبطة فمنع قوم التعليل بثنتين منها لأن اعتبار الوصفين علتين دون اعتبارهما جزءي علة تحكم كما أشار له في الشرح وهو مذهب الإمام وابن نورك وتبعهما المصنف ويجاب بأن شدة ما في كليهما من المصلحة أو المفسدة يدل على استقلاله بالتعليل. وما ادعاه من أن ورود علتين لعلول واحد خلاف الأصل يعارض بأن كون مجموع وصفين علة خلاف الأصل فالاعتماد إذن على المناسبة ومن التعليل بعلتين مستنبطتين الغرر والتقامر في بطلان البيع فتبطل بالمزابنة لإجلهما ويبطل المغرر إذا كان من جهة واحدة ويبطل القمار ولو بلا غرر مثل التقامر الذي يعبر عنه بالميسر أي الذي كان الربح فيه معينا للفقر (قوله وإلا لاستغنى بكل واحد منهما الخ) أي لو لم يكن محالا لا فضي إلى الاستغناء بكل عن الأخر لأن كليهما قدر علة فكل منهما يغني عن الأخر في حال كون لآخر أيضًا مغينا عنه وذلك واضح البطلان لأنه يؤل إلى إبطال عليتهما معاً لأن كل واحدة إذا اقتضت الحكم اقتضت أنه لأجلها لا لغيرها فإذا اقتضتاه الأخرى كانت الأولى غير مقتضية فيلزم إن ينعدم المعلول وهكذا من

стр. 456

جهة الثانية فلما كان اعتبار كل منهما يفضي إلى إلغاء الأخرى كان اعتبارهما مفضيًا إلى إلغائهما وهذه حجة ملفقة لجواز أن يورد عليها أن اعتبار الثانية مع الأولى يزيدها قوة فلابد من تقرير الاستحالة بلزوم تحصيل الحاصل فيكون جواب الشارح إذن ملاقيًا للحجة تمام الملاقاة. الفصل السادس في أنواع العلة أنواعها هي التي يظهر فيها مفهومها الذي هو جنسها وجنسها هو الوصف المؤثر وهو يتحقق في أنواع اقتصر المصنف هنا على المختلف فيها وترك النوع المتفق عليه وهو الوصف الحقيقي الظاهر المنضبط كالإسكار والزنا (قوله غير أن الفرق بين المحل والعلة القاصرة إلخ) أي هما يشتركان في القصور لكن العلة القاصرة لها مناسبة في الجملة بخلاف المحل فلا مناسبة له لأنه جعل محل الحكم علة الحكم ولهذا فلا يلزم من تجويز العلة القاصرة تجوزير العليل بالمحل لأن المحل أضعف لعدم مناسبته فتأمل

стр. 457

قوله الثاني الوصف إن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة إلخ) حق العبارة جاز التعليل به فأظهر في مقام الإضمار بذكر مرادف معاد الضمير لبيان أن الوصف غير المنضبط يسمى الحكمة والحكمة هي العلة في الحقيقة ألا ترى أن المصنف في تقريره سماها أصلاً وسمى العلة فرعًا غير أن الشريعة تارة عن التعليل بالحكمة إلى مساويها ومظهرها للانضباط دفعًا لاختلاف الناس بين إفراط وتفريط والمراد بغير المنضبط المقول عليه بالتشكيك (وإني لو جاز التعليل بالوصف إلخ) أي لو جاز التعليل بالحكمة للزم تخلف الحكم عن العلة فورد عليها النقض لأن الحكمة لما كانت غير منضبطة بل مشككة كانت غير مؤثرة في بعض المواضع وهي مواضع ضعفها ألا ترى أن اختلاط الأنساب الذي هو حكمة حد الزنا موجود بضعف في تفريق الأبناء في مواضع عن أمهاتهم حتى لا يعرفنهم وليس موجبًا للحد لرجاء التمييز ولندرة حدوث هذا التفريق لأن دونه موانع تمنع حصوله. وكذلك المشقة المعتبرة عليه للقصر والفطر في السفر يوجد شيء منها في مسير أميال قليلة خارج البلد فلذلك يعدل عن التفريق إلى الزنا في الأول وعن المشقة إلى سفر أربعة برد في الثاني فهذا وجه الفرق بذي أطال به المصنف ﵀ (قوله فلوا كل جنين إلخ) صوابه طفل لأن الجنين الولد في الرحم خاصة وقد ألغى الشرع الاختلاط غير الغالب وغير المقصود الذي لا يعد

стр. 458

مشابهًا للنسب (قوله فإن عدم العلة علة عدم المعلول إلخ) بناء على عدم التعليل بعلتين كما هو ظاهر وأمثلة التعليل بالعدم كثيرة منها ما سيأتي في تعليل الوجودي بالعدمي (قوله والنسب والإضافات عدمية عندنا إلخ) أي عند الأشاعرة بناء على أنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم وأما عند الفلاسفة فهي من الاعتباريات وهي واسطة فالأشاعرة نظروا لابتناء الآثار في الخارج والفلاسفة نظروا للذهن مع الخارج فماله أثر في الذهن ولا أثر له في الخارج فهو الاعتباري (قوله والجواب عن الأول ليس في ذلك قلب الحقائق إلخ) بيانه أن المعلول من جهة لا يمتنع كونه علة من جهة أخرى لاختلاف الاعتبار كحركة الإصبع معلولة لحركة اليد

стр. 459

وهي علة لحركة الخاتم فإن منعتم ذلك فهو مصادرة (قوله السادس يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف والخسة بشرط اطرادها إلخ) المراد من العرفية المعتبرة في سائر أعراف البشر أو عند غالبهم ولا اعتداد به لنادر فإن الودع؟ ؟ ؟ عند الزونج وهو غير معتبر عند غيرهم؟ ؟ ؟ ذلك كتعليل طهارة المسك بطببه وناب الفيل بنفاسته، وقوله بشرط اطرادها أي بشرط أن لا يتخلف عنها الحكم في بعض المواضع وهذا احتراز من التعليل باستحالة العين مثلاً في العرف لأنه قد تعلل به طهارة المسك ولأكنه غير مطرد في رماد الميتة ولا في لبن المراءة السكيرة على الخلاف فلذا لا يمكن أن نعلل به طهارة الخمر عند القائل بنجاسة عينه حتى استقطرت روحه أو متى طبخ حتى تثلث وأما التمييز فشرط في كل علة لأن من شرطها الانضباط وهو أخص من التمييز وذلك كالشرف والخسة والنفاسة والقذارة للاحتراز عما لا ينضبط كالثمانة فإن الشيء الواحد قد

стр. 460

يكون ثمينًا في حال أو وقت أو رغبة دون غيرها مثل الأشياء الأثرية فإن لها؟ ؟ ؟ لاكنها غير منضبطة إذ لا يدريها إلا عرفاوها. (قوله الثامن يجوز التعليل بالعلة القاصرة إلخ) نقل المقري في قواعد باب البيوع عن القاضي أبي بكر بن العربي أن لا وجود للعلة القاصرة إلا في ربا النقدين للحجرية أو التمنية أو النفاسة والجميع قاصر لتخلف الحكم عنها في غير النقدين كالجواهر فإن قلنا العلة غلبة الثمنية وردت الفلوس والسبانج (قوله التاسع اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم إلخ) أي مجرد اللقب كتعليل تحريم الخمر بأنه مسمى بالخمر والذهب في الربابانة ذهب، واعلم أن الاسم ثلاثة أقسام الأول المشتق من اسم معنى ولا خلاف في التعليل به لأن المشتق منه صالح للعلية لكونه وصفًا حقيقيًا أو عرفيًا نحو السارق والمومن الثاني المشتق من وصف ذاتي مثل الأبيض والأسود وهذا يرجع إلى الشبه الصوري وهو ضعيف. الثالث مجرد اللقب نحو الذهب واللبن وهذا
следующие страницы →