← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 150938

حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح

ابن عاشور

Полный текст (515 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

حاشية التوضيح والتصحيح * لمشكلات كتاب التنقيح للعلامة الغطريف. المضطلع بأعباء التحرير والتأليف. التحرير المهام الشيخ سيدي محمد الطاهر ابن عاشور الشريف القاضي المالكي بالقطر الأفريقي حرس الله مهجته. وأدام بهجته. على شرح تنقيح الفصول في الأصول لمؤلفه الإمام الكبير شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي المتوفى سنة ٦٨٤ ﵀ وقد زينت هوامشها بالشرح المذكور م * طبعة أولى - جزء أول * ﴿حقوق الطبع محفوظة للمؤلف﴾ طبع بمطبعة النهضة نهج الجزيرة عدد ١١ تونس سنة ١٣٤١ هـ - (الجزء الأول) -

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم خير مفهوم من فحوى كل كلام. وأفضل منطوق من شفاه المحابر والسنة والأقلام. حمد الله تعالى مفيض عموم الفضائل. المخصوص بالغنى المطلق والوجود الكامل. وأولى ما جاء على أثره. وحقق معنى إنشائه صورة خبره (١). الصلاة على رسوله المفضل بأصول الشريعة والبرهان. والمؤيد بالإعجاز الظاهر من البيان. وعلى آله وأصحابه

стр. 3

أيمة الدين الذين جلوا إعلامه. وراشوا للرماة عند سهامه. (أما بعد) فدونك أيها الخاطب مخدرات المعاني من حجابها المعاني من حجابها. والآتي فصول أصول الفقه من أبوابها. درراً تزين عندك جيدها. ومفاتيح تحل عنك ما ارتج وصيدها. ونبراساً يضيء لك المسلك الصريح. من مسالك كتاب التنقيح. فإنه جمع فوائد عزت عن أن تسام. واستوعب مسائل أصول الفقه بما ليس وراءه للمستزيد مرام. على أنه صعب الثنايا. شديد الخبايا. محتاج لرفع حجابه. وتبيان مرامي شهابه. فكثيراً ما تألقت منه بروق الأشكال ليلاً. وأجلبت كتائبه على الناظرين من الحيرة رجلاً وخيلاً. وكنت قد انتدبت لتدريسه. والتقاط ما تناثر من نفيسه. فلما سهل الله إتمامه. واستحالت القتادة منه ثمامة. وجدت ما علقته عليه يصلح أن يبرز تأليفاً مستقلاً. ويحل من نفوس الطالبين محلاً. فإن نفوسهم لم تزل تتقصى آثار شرائده. وتتوخى تحصيل فوائده. فتحول دون أمانيهم قلاقة تركيبه. كما تحول دون الخيل شراسة حبيبه. وعسى أن يجعلوا هذا التعليق حجر الأساس. فيشيدوا عليه من صروح المعارف ما يبهت الناس. وأول ما صرفت إليه الهمة في هاته الحاشية هو تحقيق مراد المصنف ﵀ ثم تحقيق الحق في تلك

стр. 4

المسائل مع تمثيلها بالشواهد الشرعية. وتنزيلها على ما ليس متداولاً من الفروع الفقهية. لتكون في ذلك دربة على استخدام الأصول للفقيه وقد أعرضت عن التطويل بجلب الأقوال. لأن في ذلك ما يضيع الزمان ويؤدي إلى الملال. وعن الإكثار من المسائل والفوائد. والتطوح إلى المستطردات الشوارد. فإن في هذا الكتاب وفاء بما يحتاج إليه من صميم علم الأصول بما ضمت عليه جوانح العبارات. وأومأت إليه لواحظ الإشارات. وتعرضت إلى ترجمة من لم تكن ترجمته شهيرة. أو كان في ذكره عبرة للمتعلم وبصيرة. قال شهاب الدين ﵀ (الباب الأول في الاصطلاحات وفيه عشرون فصلاً) أراد من هذا الباب بيان ألفاظ اصطلح أهل هذا العلم عليها يكثر ورودها في أكثر المواضع من كلامهم ويتوقف على بيانها فهم قواعدهم فلا يكون الناظر في كتاب من كتب علومهم مستفيداً تمام الاستفادة ما لم يعلم معاني تلك الألفاظ من وقت الشروع والذي ذكره المصنف هنا نوعان أولهما مسائل من علم الأصول سيأتي البحث فيها ولكن التربص بالشارع في هذا الكتاب إلى وقت الوصول لها يحول دونه ودون فهم المراد منها عند وقوعها في أثناء المباحث من الآن فذكرها هنا مقدمة كتاب. النوع الثاني مسائل من علوم أخرى نقلت إلى هذا العلم وجعلت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه وهذه مقدمة علم الأصول فقد اعتاد علماء هذا الفن تصديره بذكر مسائل ترجع إلى ثلاثة علوم: العربية والأحكام والكلام لاستمداد علم الأصول منها أما العربية فلأن الكتاب والسنة ومنهما معظم الأدلة عربيان. وأما الأحكام فهي شعبة من شعب علم الفقه ولكنها أخذت هنا باعتبار كونها شائعة متعارفة بين المسلمين قبل تدوين علمي الفقه والأصول لما يعرفه كل أحد من قولك

стр. 5

حرام وواجب فلا يرد ما يقال إنه يلزم توقف الأصل على فرعه ولذلك قال ابن الحاجب أن المراد تصورها أي تصور حقائقها وأقسامها أي لأنها الغاية من أدلة الأصول. وأما الكلام فلأن علم الكلام اسم للعلم الجامع لتحقيق مدارك العلوم النظرية بوجه لا يخالف الأصول الشرعية فهو قد أودع مسائل المنطق والفلسفة بعد تجريدها مما يجافي الدين فلما كان للأصولي فضل احتياج إلى قواعد من هذين العلمين وكان علم الأصول ومنازع الاجتهاد تشغل جل وقت المشتغل بها لزمهم أن يكفوا طلاب علمهم مؤنة ما يحتاجون إليه من هذين العلمين لصون الذهن عن الخطأ في النظر ولم يرضوا أن يتنازلوا إلى أخذها من علم غير إسلامي لئلا يكون علمهم الذي هو رئيس العلوم الشرعية على التحقيق مستمداً من علم غير إسلامي هذا قصارى ما نوجه به صنيعهم في الاستمداد من الكلام. ووجه ابن الحاجب ذلك بما لا يتم وإنما يصلح أن يجعل توجيهاً لاحتياج صحة الإيمان إلى علم الكلام. وبهذا يظهران هذا الباب مقدمة علم وكتاب معاً ولا ضير في ذلك عند التحقيق. غير أن أهل الأصول جروا على ابتداء كتبهم بتعريف العلم ثم يذكرون بعد ذلك المبادئ والمصنف ﵀ عكس فقدم تعريف الحد على تعريف أصول الفقه وله وجه وجيه. وهو أن البحث عن تعريف الحد لا غرض منه إلا التحقيق فيما يرد من التعاريف كتعريف العام والمجمل مثلاً ليعلم الجامع والمانع من غيره ولما كان تعريف علم الأصول محتاجاً إلى ذلك كان البحث عن تمييز أحكام الحدود جديراً بالتقديم على كل تعريف يرد في هذا العلم على أن المصنف ترك توجيهه بهذا وعدل إلى الجواب الراجع إلى أن العلم تصور وتصديق والتصور سابق على التصديق الخ وهو لا يحسن هنا بل يحسن من المنطقي الذي يبحث عن طرق العلم لأن

стр. 6

موضوع علمه هو المعلوم من حيث هو تصور وتصديق فيقدم في الوضع ما هو مقدم منهما في الطبع أما الأصولي فلا داعي يدعوه إلى البحث عن العلم حتى يوجه كلامه بمثل هذا التوجيه المحتاج إلى توجيه (قوله. والتصديق مسبوق بالتصور آه) مسبوقية الكل بجزئه على رأي الإمام أو مسبوقية المشروط بشرطه على رأي الأقدمين كما لا يخفى (قوله قال والمختار عندي الخ) ليس هذا قولاً آخر أو مخالفة لما اقتضاه كلامه كما قد يتوهم بل هـ شرح لمعناه بوجه محقق أي والمختار في تقريره (قوله. قال أما اللفظي والرسمي فلا ينضبط عددهما الخ. هكذا نقل عبارة الغزالي ولم يتعرض بالصراحة لحكم الحد

стр. 7

الحقيقي هل يتعدد أم لا وهو لا يتعدد ووجهه أن الحد الحقيقي هو ما تركب من الذاتيات والذاتي ما لا يعقل فهم الذات قبل فهمه فلو تعدد الحد الذاتي لزم إما أن يكون أحد الحدين ذاتياً دون الآخر وإما أن تفهم الذات بدون فهم بعض ذاتياتها وهو ينافي حقيقة الذاتي اللهم إلا إذا أريد تغيير العبارات وهو حد لفظي (قوله نعني باللفظ لفظ السائل الخ) إنما بني التعريف على حال السؤال لأنه لا يكون إلا في جواب سؤال محقق أو مقدر لأن الذي يساق إليه التعريف أما سائل عن حقيقة المعرف وأما في قوة السائل لتردده وأما الجاهل البحت فلا معنى لسوق التعريف إليه إلا عند قصد التعليم وحاله حينئذ كحال السائل (قوله وهو غير المحدد الخ) هذا هو الموضع الذي تقتضي صناعة التأليف ذكر الخلاف المنقول من كلام الغزالي عنده (قوله وقولنا جامع هو معنى قولنا مطرد الخ)

стр. 8

خالف هنا اصطلاح كافة المناطقة إذ المطرد عندهم هو المانع والمنعكس هو الجامع وقد تعمد ذلك واعتذر فيما نقله عنه الزركشي بأنه أنسب بالاستعمال اللغوي لأن أطرد بمعنى استمر مطاوع طرده فالمطرد هو المستمر في إحاطته بمحدوده بحيث يجمع سائرها وهو اعتبار حسن لولا مخالفته للاصطلاح الشائع على أن له فيه سلفاً من المتكلمين فقد نقل الزركشي عن التذكرة لأبي علي التميمي أنه قال الجمع يسمى في اصطلاح علمائنا طرداً والمنع عكساً فاندفع اعتراض الرهوني على المنصف الذي ذكره حلو لو واقره (قوله قاعدة أربعة لا يقام عليها دليل الخ) أي دليل جدلي من المستدل في جواب المعترض وليس المراد أنها لا سبب لها إذ ما من حادث إلا وله سبب ولذلك يمكن أن يسأل عنه بلم ولكنه ليس سؤالاً يجعل المسئول مستدلاً حتى يلزم بالجواب عنه. فالحد علته أن المحدود كذلك في الخارج وأن مفهوم الحد صادق عليه مانع من دخول غيره وكفى بهذا دليلاً على صحته ومميزاً بين الصحيح والفاسد. والعوائد ناشئة عن أسباب تاريخية وحاجات مدنية. والإجماع لابد له من مستند. والعقائد والمراد بها هنا الوجدانيات كذلك وإن كانت أضعف إذ يكثر خفاء أسبابها كالجوع مسبب عن فراغ المعدة وظاهر كلام المصنف أنه أراد بالعقائد ما هو أعم لأنه تأول أن الذي لا يقام عليه الدليل هو كونها في النفس لا صحة وقوعها في نفس الأمر يريد أن المعتقد لا يستطيع أن يقيم الدليل على أنه يعتقد كذا ولا يطالب بالدليل على ذلك بل يكتفي منه بقوله أني اعتقد فإذا ذكر دليل المعتقد في الخارج غلب على ظننا أنه اعتقد في نفسه ما يقتضيه الدليل لأن شأن أهل العقول تسليم الأدلة الصحيحة (وقوله المراد بالمساوي أي في الجهالة الخ)

стр. 9

أراد بهذا دفع تدافع بين قول المناطقة يشترط في الحد المساواة للمحدود وقولهم لا يصح كونه مساوياً فالمراد بالمساواة في الأول مساواة الصدق وفي الثاني المساواة في الجهالة (وقوله وكان الخسروشاهي يجيب عن تلك الحدود فيقول هي صحيحة الخ) الوجه أن يقول إنها قد تكون صحيحة لا أنها دائماً صحيحة بدليل تعليله بقوله فجاز أن يكون السامع يعرف معنى المعلوم إلا أن يريد أن جميعها صحيح لإمكان الجواب في جميعها بدعوى أن الأشياء الداخلة في التعريف التي لا تعرف إلا بعد معرفة المعرف قد عرفها السامع من جهة أخرى كالبداهة والاشتهار ونحوهما. ترجمة الخسروشاهي والخسروشاهي هذا شيخ المصنف وهو شمس الدين عبد الحميد بن عيسى بن عمويه بن يونس بن خليل الشافعي ولد في خسروشاه. بضم الخاء وسكون السين وفتح الراء بعدها واو ساكنة ثم شين معجمة قرية من قرى تبريز تبعد عن تبريز بستة فراسخ. سنة ٥٨٠ ثمانين وخمسمائة وتوفي في دمشق سنة ٦٥٢ اثنين وخمسين وستمائة لازم الإمام فخر الدين الرازي وحصل عليه العقليات وبرع

стр. 10

فيها وقدم الشام ثم الكرك ثم رجع إلى الشام واختصر المهذب في الفقه وتمم الآيات البينات للإمام الرازي كذا في طبقات السبكي ووافي الصفدي ومعجم ياقوت. والظاهر أنه دخل مصر وفيها لقيه شهاب الدين القرافي ويوجد في باب الدلالة من شرح المصنف على المحصول أنه حفيد الإمام الرازي وهو تحريف صوابه تلميذ (قوله إذا كان معروفاً بالقرائن الخ) أي معروفاً المراد منه بالقرائن المعينة أما المانعة فهي لازمة للمجاز فلا تكون هي المشروطة (قوله واتفقوا على أن الكنايات لا تجوز في الحدود الخ) وجه ذلك أن التعريف بها من قبيل التعريف باللازم غير البين ودلالته غير معتبرة عند أهل الميزان ولذا قال المصنف فلا يجوز أن يريد معنى لا يدل عليه لفظه أي دلالة معتبرة ولأن الكناية تجوز معها إرادة المعنى الأصلي فتوقع في الحيرة ولذا قال المصنف لأنها أمر باطن لا يطلع عليه السائل: فإن قلت فكيف جاز وقوعها في الكلام. إذا كانت بهذه المثابة من الإبهام. قلت لأن مقاصد البلغاء مختلفة بخلاف مقصد المعرف فقصده الإيضاح. ولأنها في الكلام تحمل على الموصوف حملاً كحمل الاشتقاق فإذا قلت هو كثير الرماد بمعنى كريم فكأنك حكمت بأنه قام به الاتصاف بكثرة الرماد لأجل كرمه قياماً اتفاقياً كقيام المشتقات بموصوفاتها. وأما في التعاريف فحمل التعريف على المعرف حمل مواطاة فإذا عرفت الكريم بأنه كثير الرماد بطل التعريف طرداً وعكساً لصدق الكريم بلا كثرة رماد وصدق كثرة الرماد بلا كرم: فإن قلت ما الفرق بينها وبين المجاز. ولماذا امتنعت في التعاريف وجاز. قلت

стр. 11

الفرق أن لفظ المجاز بعد نصب القرينة صار دالاً على المعنى المجازي بالمطابقة ولذلك يقال إنه استعمل فيه بوضع ثان وضعه المتكلم ونصب عليه قرينة. والكناية دلالتها على لازم معناها بالالتزام غير البين كما قدمنا فتفاوتاً لذلك (قوله قال الغزالي الخلل يقع في الحدود من ثلاثة أوجه الخ) هذا الكلام مأخوذ من نص كلام ابن سينا في آخر قسم المنطق من كتاب النجاة. وكأن المراد بالخلل ما يشمل الاشتباه فإن كثيراً مما ذكر في الأوجه الثلاثة لا يوجب فساد الحد بل إنما يوجب شبهة كجعل الفصل في موضع الجنس ويدل لهذا قوله "فالإفراط هو الفصل ينبغي أن يؤخر" وكذا تعريف الرماد بخشب محترق فإن جعل الخشب جنساً للرماد غريب لأن معنى الخشبية قد زال عنه أقول والغرض من هذا كله حفظ الأذهان من الشبهة فإنها قد تضلل الفكر عن فهم ما يلحق من أواخر الكلام لتبيين المراد فإن العقل إذا أخذ في مسالك الوهم والاشتباه تمر عليه المنبهات فلا يشعر بها لأنه حينئذ يتطلب الخلاص لنفسه فلا يشعر بما يخلصه. أما نحو الاقتصار على بعض الفصول وأخذ المضاف في تعريف المضاف إليه والعلة في تعريف المعلول فإنه موجب للفساد. وأكثر ما ذكره يرجع إما إلى استعمال المجاز في الحد أو ما هو أخفى

стр. 12

أو ما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود فتتبعها تجدها (قوله والمعرفات خمسة الخ) عبر أولاً في طالعة الفصل بالحد وعدل هنا إلى المعرفات لئلا يوهم تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره فإما صنيعة أو لا فقد جاء على مصطلح الأصوليين الذين لا يفرقون بين الحد والرسم والكل عندهم حد. وأما صنيعه هنا فعلى مصطلح المناطقة لأنه أراد التقسيم إلى حد ورسم وذلك من خصائص المنطق. أما أهل الأصول فسموا الجميع حداً نظراً إلى حصول الجمع والمنع في الجميع ولا طائل عندهم تحت هذا التقسيم على أن اسم الحد مأخوذ من المنع كما في الأساس والرسم فيه منع. وأما المناطقة فلأن بحثهم عن الحقائق والمعرف في الحقيقة هو الفصل ثم الخاصة لأنها أثر للفصل فسموا التعريف بها رسماً والرسم الأثر وجعلوا ما يصحب أحدهم سببأً للتمام والنقصان. ثم إن عد المعرفات خمسة مبني على جعل التعريف اللفظي منها وفيه خلاف والمحققون على أنه من قبيل التصديق (قوله والثالث التعريف بالجنس والخاصة الخ) أي الجنس القريب كما يشير إليه المثال لأن التعريف بالخاصة والجنس البعيد رسم ناقص وقوله والرابع

стр. 13

بالخاصة وحدها أي ومع الجنس البعيد كما يعلم من المنطق (قوله أن المراد بالضاحك الخ) والمراد بالضحك التكشر الناشئ عن التعجب فلا يسمى تكشر الحيوان ضحكاً. وأما إطلاق الضحك عليه في قول الفرزدق يخاطب ذئباً. فقلت له لما تكشر ضاحكاً ... وقائم سيفي من يدي بمكان فمجاز لتنزيله منزلة العاقل عند مخاطبته (قوله وهذا مقام قد أشكل على جمع من الفضلاء الخ) قد زاد المصنف هذا المبحث أشكالاً فأما القول بأن الناطق والضاحك سيان فهو فاسد لأن أهل المنطق مجمعون على أن التعريف بالناطق حد وبالضاحك رسم وجعلوا الأول فصلاً والثاني خاصة وكونه مجرد اصطلاح لا يصح في العلوم العقلية وكذا القول بأن الفرق بينهما ضروري لأنه لو كان كذلك لما احتاج العقلاء إلى تدوين علم المنطق لعصمة الأذهان ولعل صاحب هذا القول قد كان له عقل سديد. ولسان مكبل في حديد. فإنه أدرك الفرق بينهما ولم يستطع الإفصاح عنه فجعل سبق فهمه لذلك من قبيل الضرورة وأما ما ذهب إليه المصنف فإنه لا يخرج عن دعوى أن الفرق بينهما مجرد اصطلاح أما من الواضع وذلك في المواهي الحقيقية التي لها أفراد خارجية بأن يضع لفظاً لوصفين ابتداء ويترك غير

стр. 14

ذينك من الصفات كما وضع الإنسان للحيوانية والناطقية ولو فهم عن الواضع أنه وضعه للحيوانية والضاحكية لكان الضاحك داخلاً والناطق خارجاً. وأما من الفارض والمعتبر وذلك في المواهي الاعتبارية كالحقائق الاصطلاحية فيكون الداخل ما اعتبره المعتبر داخلاً والخارج ما لم يعتبره فالمعتبر هنا كالواضع هناك وذلك باطل. لأنه بعد كونه تفريقاً بالاصطلاح وهو ينافي جعله من المنطق الموضوع للعقليات لا للوضعيات يرد عليه أن وضع الواضع اللفظ للماهية ناشئ عن تمييزها في الخارج عما سواها ولا شك أنها إنما امتازت بفصلها. فالواضع نفسه مطالب بمعرفة الفصل الذي لأجله خص الماهية بلفظ ولم يجعلها مشمولة للفظ ماهية أخرى تشاركها في جنسها على أن دعوى علمنا بوضع الواضع اللفظ للماهية باعتبار بعض صفاتها دون بعض يحتاج إلى وحي ينبئ عنه. ويرد على طريقه الثاني الخاص بالمواهي الاصطلاحية كما أشرنا إليه أولاً كالسكنجبين أنه لا حاجة إليه حينئذ لأن تعاريفها كلها رسوم على التحقيق عند السيد الشريف. فإذن لابد من فرق بين الداخل والخارج والذاتي والعرضي وتحقيقه متوقف على معرفة المراد من الدخول والخروج هنا وذلك أنهم يريدون من الداخل ما كان مقوماً للماهية ومميزاً لها عما عداها في الأذهان حتى تعرف ما هي من بين سائر المواهي المشاركة لها وذلك هو الجنس والفصل لأن الجنس هو مميز الماهية عما عداها من المواهي المغايرة لها تمام المغايره حتى لا يشتبه بعض ببعض كالحيوانية فإنها تميز جنسها عن النبات والمعدن. والغرض من ذكره في التعريف تشخيص ما هو محل للصفات والأعراض من الماهية. والفصل هو المميز للماهية عما يشابهها لمشاركته إياها في جنسها كالنطق مثلاً المميز للإنسان عما يشاركه في الحيوانية ويشبهه فيها أتم مشابهة وهو شيء معلوم ملازم للماهية في

стр. 15

جميع الأذهان فكان مقوماً لها وداخلاً فيها إذ لا تستحضرها الأذهان إلا به بخلاف الضحك فإنه خارج عنها فإن الذهن يتعقل ماهية الإنسان ولا يخطر فيه معنى الضحك ومثله في ذلك بدو البشرة هذا إذا كان المراد من النطق والضحك ما هو المشهور منهما وهو ما سنؤيده فإن أريد بهما التفكر بالقوة والتعجب كما يقول المصنف وبعض المتأخرين فالفرق بينهما حينئذ واضح لأن الضحك ناشئ عن النطق. وأياً ما كان فالفرق بين الفصل والخاصة بالسبق إلى الأذهان وذلك السبق هو جعل الفصل مقوماً ومكوناً للماهية حتى تمتاز عن غيرها عند جميع المخاطبين في كل حال. واعلم أن الفصل والخاصة كليهما من لوازم المواهي ولكن امتاز الفصل بالسبق إذ الماهية في الحقيقة هي مجموع الجنس والهيئة والطبيعة والشكل المخصوص ولكن لما عسر التعبير عنها بعبارة جامعة أخذوا أقرب اللوازم للماهية وأشدها اختصاصاً بها فجعلوها تعريفاً. كما قالوا الحوت هو حيوان سابح. هذا تمام تحقيق هاته المسألة التي زلت فيها أقدام. وضلت فيها إفهام. وبه تصير على طرف الثمام (وقوله أن الناطق عندهم معناه المحصل للعلوم بقوة الفكر الخ) هكذا يقول كثير من الناس وفيه فساد من وجوه: أولها

стр. 16

أن وضع اللغة ينافيه: ثانيها أن الذي تميز به الإنسان عن غيره من الحيوان بالمشاهدة هو النطق اللساني أما التفكر فهو أمر خفي لا ينبغي التعريف به على أنه يوجد في الحيوان فقد قال الغزالي: أن الاستدلال بالأثر على المؤثر موجود حتى في الحيوان فلذلك يسير إذا سمع صوت سائقه وليس وجوده في بعض أفراد الحيوان بأضعف منه في بله الناس: ثالثها أن مقابلتهم ذلك في تعريف الفرس بالصاهل تنافي ما ذكره والذي دعاهم إلى هذا التكلف هو دفع خروج الأخرس والساكت. ودفعه سهل لشذوذ الأخرس. وكون الساكت ناطقاً متى أراد فالأولى أن الناطق هو المعبر عن جميع ما يريد (قوله والجواب عنه الخ) تحقيق الجواب وتلخيصه أنه معرف بنفسه صدقاً وإن كان غيره مفهوماً. وهو يرجع إلى تفسير مدلول مجهول بمذلولات معلومة. ولا بدع فيها. ومنشأ شبهة الإمام الذهول عن معنى النفسية والغيرية عند علماء المنطق وهي شبهة لا تروج على مثله لولا الذهول. الفصل الثاني في تعريف أصول الفقه (قوله فاصل الشيء ما منه الشيء. الخ) عدل عن قول المحصول: "أصل الشيء ما يحتاج إليه" لما أورد عليه تاج الدين في الحاصل من لزوم كون الأسباب والشروط أصولاً ومن أن الأصل لا يطلق على ذلك

стр. 17

لغة ثم اختار تاج الدين ما تابعه عليه المصنف هنا كما في شرحه على المحصول. وتفسير الأصول بما اختاره لا يشمل بعض مقدماته كتعريفه بناء على أن مبادئ العلم من أجزائه كما قرره صاحب التهذيب وإن كان ظاهر كلامهم في التفرقة بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب يوهم أن مقدمة العلم التي منها مباديه خارجة عن العلم حتى توقف الشروع فيه عليها فالتعريف للعلم ونحوه لا ينشأ عنه فقه فلا يشمله إلا تعريف الإمام إلا أن يراد منه الشيء ناشئاً ولو في الجملة. وقد عرف المصنف الأصول بالمعنى الإضافي أي باعتبار كونه مركباً إضافياً ففسر الأصل والفقه ليحصل من ذلك معرفة هذا العلم. وهذه إحدى طريقتين لهم في تعريف هذا العلم. وفضلها أن فيها إشارة إلى وجه التسمية وإلى الثمرة. ومنهم من عرفه بالمعنى اللقبي أي باعتبار صيرورة هذا المركب لقباً لعلم مخصوص مع قطع النظر عن معنى الإضافة فقال "دلائل الفقه الإجمالية" أي الأدلة التي يستدل بها على إثبات فقه بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل أي التي تفيد قضايا عامة تنشأ عنها فروع غير معينة ولا منحصرة. نحو قولنا الأمر للوجوب. ومنهم من جمع بين الأمرين كابن الحاجب (قوله وبمن ابتداء الغاية مجازاً الخ) الأولى أن تجعل تبغيضية مجازاً بادعاء أن الفقه بعض من الأصول لتشعبه عنه (قوله فإن النخلة بعضها من النواة الخ) أي بعضها المبهم إذ لابد أن يكون فيها جزء من النواة. وبيه يتبين أنه أراد من مجاز التبعيض المجاز في إطلاق اسم النخلة على بعضها من قبيل المرسل. وأولى من هذا أن نجيب على طريقة الجواب الأول بدعوى المجاز في كلمة من استعارة تبعية الناشئ عن الشيء ببعضه وجرى ذلك في الحرف وهو من المستعملة مجازاً في معنى عن

стр. 18

(قوله والفقه هو الفهم الخ) لعل أصل العبارة والفقه هو الفهم وكذلك العلم والشعر والطب لغة لأن المقصود التنبيه على أنها مترادفة في أصل الوضع ثم نقل العرف بعضها إلى معان مخصوصة كما يعرب عن ذلك نقل المصنف في شرح المحصول عبارة المازري هكذا "الفقه والفهم والطب والشعر والعلم خمس عبارات بمعنى واحد إلا أنه اشتهر بعضها في بعض أنواع الفهم" وليس المقصود تعريف الفقه في اللغة بأنه الشعر والطب. ولأن شرط التعريف اللفظي أن يكون المعرف (بالكسر) أشهر في المعنى من المعرف (بالفتح). ترجمة المازري هو الإمام محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري (بفتح الزاي عند الأكثر نسبة إلى مازرة بلدة من جزيرة صقلية كما في أزهار الرياض) المالكي توفي في المهدية سنة ٥٣٦ ست وثلاثين وخمسمائة وعمره ثلاث وثمانون سنة ودفن بثغر المنستير. شرح البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين شرحاً متوسطاً في الطول يذكر فيه نص المتن. ثم أملى عليه بعد ذلك أمالي مطولة مملوءة تحقيقاً وعلماً. وكان شديد المناقشة لإمام الحرمين. قال السبكي في طبقاته لأن إمام الحرمين والغزالي ربما خالفا الأشعري في مسائل من الكلام والمغاربة يستعظمون مخالفة الأشعري في نقير ولا قطمير وكذلك هما يضعفان مذهب مالك خصوصاً في المصالح المرسلة. والمازري شديد الميل إلى مذهبه كثير المناضلة عنه اهـ أخذ المازري عن عبد الحميد الصائغ واللخمي بعد أن انتقلا عن القيروان إلى سوسه عند خراب القيروان وبلغ مرتبه الاجتهاد (قوله وتقول العرب رجل طب الخ) هو بفتح الطاء أي ماهر حاذق كما في القاموس (١) والطب الحذق ففي المثل "من حب طب" أي تفطن لأحوال من يحبه. ثم أطلق

стр. 19

على علم الأمزجة لاحتياجه إلى فرط نباهة أما قول الشاعر "فإن تسألوني البيت" فالطب فيه بمعنى علم الأمزحة مجاز في معرفة أخلاق النساء التي سماها الأدواء جمع داء مجازاً أيضاً. وهذا الشعر لعلقمة الفحل الجاهلي من قصيدة خاطب بها الحرث بن أبي شمر الغساني ملك عرب الشام يستشفيه لقومه بني تميم إذ وقعوا في أسره وطالعها. طحابك قلب في الحسان طروب. وبعد هذا البيت المذكور في الشرح قوله إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن تصيب يردن ثراء المال حيث وجدنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب (قوله وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي الفقه إدراك الأشياء الخفية الخ) هذا هو الذي يشهد له الاستعمال. قال تعالى ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾. وفي الحديث "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". ترجمة أبي إسحق الشيرازي هو الإمام إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزبادي "بكسر الفاء" الشيرازي الشافعي ولد بفيروزباد سنة ٣٩٣ ثلاث وتسعين وثلاثمائة ثم دخل شيراز ثم بغداد سنة ٤١٥ وقرأ على القاضي أبي الطيب الطبري والزجاجي وتوفي سنة ٤٧٦ ست وسبعين وأربعمائة كان يضرب به المثل في الفصاحة والنباهة. وقال فيه من مدحه: تراه من الذكاء نحيف جسم ... عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره الجسم النحيل وله رحلة في غالب بلاد فارس وإلى الحج. ولأهل بلاد العجم فيه اعتقاد بالغ. ووجهه المتقدي الخليفة في سفارة إلى ملكشاه بنيسابور لإصلاح ذات بينهما وخطب للخليفة بنت ملكشاه السلجوقي وتناظر مع إمام الحرمين في نيسابور في مسألة إجبار البكر وله شعر حسن. منه:

стр. 20

إذا تخلفت عن صديق ... ولم يعاتبك في التخلف فلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف ومن أحسن شعره قوله يرثي غريقاً من أصحابه. غريق كأن الموت رق لفقده ... فلأن له في صورة الماء جانبه أبى الله أن أنساه دهري لأنه ... توفاه في الماء الذي أنا شاربه ألف المهذب في الفقه واللمع في الأصول وغيرهما ﵀ (قوله ويرد عليه أسئلة الخ) أي على التعريف مع ما ذكره في شرحه من محترزات القيود. فالسؤال الأول على جمعه. والثاني على الجمع والمنع باعتبار الترديد. والثالث على إبطال خروج المقلد من قيد الاستدلال. والرابع على جمعه (قوله فيندرج علم الأصول الخ) أي الأصول العليا وهي أصول الدين الاعتقادية. ٠ قوله ورابعها الخ) حاصله أن اللام لا تصلح للاستغراق فإن أريد منها العهد فليس لنا أحكام معهودة يطلق عليها فقه وعلى العالم بها فقيه. لأن الأحكام في المسألة الواحدة تكون مختلفة كثيراً بحسب ما تقتضيه أدلة المجتهدين فلو كان ثمة أحكام مشخصة لما صح إطلاق اسم الفقيه على مجتهدين أثبت كل واحد منهما أحكاماً لمسائل ذهل عنها الآخر كما نجد في المذاهب كثيراً عدم التعرض لأحكام بعض النوازل ونجد أحكامها في مذهب آخر. فإن قلتم المعهود هو المقدار المحصور في فقه المذاهب المتعارفة سواء اتفقت أم اختلفت لأنها محفوظة معينة عند حفاظ مذاهبهم فيمكن عهدها. قلنا ذلك غير صحيح لأنه لو ظهر مجتهد جديد وأثبت أحكاماً تخالف من تقدمه لأطلق عليه فقيه وليسر ما قاله من المقدار

стр. 21

المعهود (قوله فكل حكم شرعي ثابت بالإجماع الخ) أصل هذا السؤال للقاضي أبي بكر الباقلاني وأصل الجواب عنه لإمام الحرمين في البرهان قال "أن المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه اتباع ظنه للدليل القائم على وجوب اتباع الظن وهو الإجماع فالحكم مقطوع به والظن في طريقه". واختلفت عبارات المتأخرين في تقرير جواب إمام الحرمين: وحاصلها يرجع إلى ما هنا. وهو كلام غير تام منشؤه اشتباه الحكم المستنبط في آحاد المسائل بالحكم العام الذي هو وجوب اتباع المجتهد لما أداه إليه اجتهاده وذلك هو المعلوم المقطوع به أما كون حكم الله الثابت في آحاد المسائل الذي هو مختلف باختلافها واحداً في كل واحدة منها وهو ما ظهر للمجتهد فلا حزم له به لأنه لا يتجاوز الظن بالإصابة ويجوز الخطأ على نفسه ولذلك قد يراعي مذهب المخالف في درء الحدود وتقرير فاسد العقود. وأما القطع بمصادفة مراد الله تعالى فهو مذهب المصوبة. ولا شك أن المعبر عنه بالفقه هو أدلة آحاد المسائل لا الدليل العام الدال على وجوب اتباع المجتهد لما أداه إليه اجتهاده لثبته للمقلد أيضاً كما صرح به في جواب السؤال الثالث والدليل العام القائم للمجتهد وإن كان يقيناً إلا أنه لا يفيد علماً بثبوت الأحكام بل بوجوب العمل بها ولا شك أن ظاهر تعليق العلم بالأحكام هو كونها معلومة بطريق يفيد علماً بثبوتها وبهذا تفسد المقدمة الأولى. وهي قوله "إن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع" بل إن كل حكم شرعي واجب اتباعه على من ثبت عنده لا أنه ثابت إصابته وكذا قوله في المقدمة الثانية من الدليل المذكور بعد وهو "كل ما ظنه مالك فهو حكم الله قطعاً". إذا تقرر هذا فلابد من تأويل العلم في التعريف بما يشمل الظن القوي ولذا عدل عن هذا التعريف إمام الحرمين في الورقات فقال "الفقه معرفة الأحكام الشرعية" لأن المعرفة تشمل

стр. 22

الظن (قوله وعن الثاني أنا نلتزم صحة السؤال الخ) التزام لما لا يلزم فإن تعريف سيف الدين وإن كان أظهر إلا أن تعريف الإمام في المحصول المذكور هنا غير فاسد إذ لا نسلم أن الاعتقاد من الاعمال القلبية حتى يلزم دخول علم الأصول (أي أصول الدين) بناء على الشق الثاني من الترديد المبني على أن الاعتقاد من الأعمال القلبية وهو وهم. إذ الاعتقاد هو الإدراك المطابق أو المخالف له والنية إنشاء لا توصف بمطابقة الواقع ولا بعدمها بل هي ربط القلب وعزمه على عمل ما. فهي من مقولة الفعل والتأثير. والاعتقاد من مقولة الكيف. أو من مقولة الانفعال أي التأثر على الخلاف بين الحكماء في حقيقة العلم. ومثل النية النظر في الأدلة المحصلة للاعتقاد فإنه فعل نفساني لأنه حركة النفس في المعقولات فلا فساد في التعريف. ترجمة الآمدي وسيف الدين الآمدي: هو علي ابن أبي علي الآمدي (بالمد وكسر الميم وبالدال المهملة منسوب إلى آمد مدينة كبيرة في ديار بكر مجاورة لبلاد الروم (أي الأرمن) ولد سنة ٥٥١ وتوفي في دمشق سنة ٦٣١ وكان حنبلي المذهب ثم صار شافعياً وسكن بغداد ثم الشام ثم مصر وفيها اتهموه بفساد الاعتقاد ومذهب الفلاسفة. فخرج عن مصر إلى الشام. وله تآليف مهمة في أصول الدين وأصول الفقه والمنطق والحكمة والخلاف. منها الأحكام في الأصول. ومنتهى الوصول في الأصول. ومنها إبكار الأفكار. في الحكمة ومختصر الخلاف ﵀ (قوله وعن الثالث الخ) ملخص هذا الجواب أن دليل المقلد عام في جميع موارد الأحكام وواحد لا يختلف. بخلاف

стр. 23

دليل المجتهد فإنه خاص بالمسألة المستدل عليها ولغيرها دليل آخر فدليل وجوب التكبير في الصلاة غير دليل مقدار النصاب في الزكاة. وبهاذا خرج المقلد الذي له دليل عام على وجوب متابعة إمامه. وكأن المصنف خالف في الجواب طريقة السائل لأنه يسأل عن لغوية قيد الاستدلال بأن علم المقلد بالأحكام إما أن لا يكون من العلم فلم يدخل في الجنس وأما أن يكون منه. فقيد الاستدلال لا يفيد لأن المقلد له دليل عام على ثبوت الأحكام عنده وقد تكون له أدلة خاصة وذلك بالنسبة للمقلد المطلع على نصوص إمامه وعلى مداركه كالمفتي وهو معنى قول السائل لأن الفتاوى ليست بديهية فإذاً لا يخرجه قيد الاستدلال. وقد استشعر المصنف ذلك فرأى الأحسن أن يزاد في الحد وكان المناسب في الجواب أن يقول أن المقلد له ثلاثة أحوال عامي بحت لا دليل له وهو خارج من الجنس أي العلم. وعامي له دليل عام وهو "أن كل ما ثبت عند إمامه حكم الله" ومقلد متبحر مطلع على مدارك إمامه. وهذان يخرجان معاً بقيد الاستدلال المتعلق بقوله العلم بالأحكام أي إقامة الأدلة على الأحكام المعلومة والمقلد الذي له دليل عام لم يقم دليلاً على الأحكام بل على المتابعة وأما المقلد المتبحر فله أدلة خاصة إلا أنه تلقاها على وجه التقليد. والتقليد في الدليل كالتقليد في المدلول وذلك لا يسمى استدلالاً على أنه قد لا يظفر بدليل في بعض الأحكام لأن المجتهد قد لا يبين مدركه وذلك ما قد يعبرون عنه بالاستحسان. والمصنف عدل عن هذا لما فيه من التدقيق الذي قد لا يسلمه السائل ورأى أن الزيادة أحسن لاكنها لا تغني في إخراج المقلد المتبحر اللهم إلا بالتزام صحة إطلاق اسم الفقيه عليه فيكون المقصود بالإخراج هو المقلد الذي له دليل عام وهو الذي قال المصنف أنه المقصود بالخروج فلذلك عدل

стр. 24

المصنف إلى الزيادة وعبر عنها بأنها مما ينبغي لا مما يجب (قوله وعن الرابع أن اللام للعهد الخ) قد بين المصنف العهد هنا بأن الناس يثبتون الفقه لجماعة وينفونه عن جماعة فلولا أنه صفة معهودة لكان حكمهم تحكماً. وفيه أن المعهود الذي هو مستند إثبات الفقه ونفيه هو المحكوم فيه أي النوازل فينظر في نسبة معلومات الفقيه من أحكام النوازل إلى مجهولاته فإن كان ما يعلمه أكثر أطلق عليه اسم الفقيه. فالعهد متعلق بالنوازل أو بالحالة التي إذا بلغها الفقيه أطلق عليه الوصف وهي الملكة التي تؤهله لاسم الفقيه. أما الأحكام فلا عهد فيها لأنها قد تختلف في النازلة الواحدة باختلاف المجتهدين فلا تصح دعوى العهد فيها. ولأنه قد يظهر من أحكام المذاهب الماضية أو المستقبلة ما ليس بمعهود عند من أطلق وصف الفقه كما قال السائل فالجواب يؤل إلى المصادرة. ولهذا فالأولى أن نحتار أن اللام للاستغراق ونقول: هو استغراق عرفي أي العلم بجميع الأحكام فيما سئل عنه أو فيما يكثر دورانه. أو نقول أيضاً بناء على الاستغراق أن المراد من العلم بالجميع التهيؤ للعلم بالجميع كما قال ابن الحاجب "أن المراد تهيؤه للعلم بالجميع" (قوله ويقال فقه الخ) الأولى تقديم هذا أثرا البحث عن الفقه لغة ما هو. ترجمة ابن عطية وابن عطية هو القاضي عبد الحق بن أبي بكر بن غالب القيسي (من قيس عيلان بن مضر) الغرناطي المالكي ولد سنة ٤٨١ إحدى وثمانين وأربعمائة وتوفي في مدينة لورقة سنة ٥٤٦ ست وأربعين

стр. 25

وخمسمائة وهو شيخ المفسرين ومن عمدهم له تفسير كبير مشهور ﵀. الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل الالتباس بينها ضعيف وقد فسر الحمل هنا بما يرادف قول الناس هذا أحمله على كذا أي أفهمه وهو إطلاق شائع عند الأصوليين. أما الاصطلاح المناطقة في الحمل فهو إثبات المحمول للموضوع أما حقيقة وبلا واسطة ويسمى حمل مواطاة كحمل الحيوان على الإنسان لأنه كذلك في نفس الأمر والمحمول كلي للموضوع. وأما عروضاً بواسطة تلازم ونحوه كحمل البياض على الإنسان. والسقف على البيت في قولك "البيت ذو سقف" ويسمى حمل اشتقاق لتوقفه على قيام مبدأ الاشتقاق وملاحظته (قوله ولا كنها مجازات لغوية الخ) لا شك أن المنقولات لا تطلق إلا بعد مناسبة بين المنقول إليه والمنقول منه إما بوضوح لكون المنقول إليه جزئياً من المنقول منه كالصلاة في لسان الشرع وهو غالب المنقولات وإما بخفاء كإطلاق الجواهر على الذات عند الفلاسفة لأنها لنفاستها وقيام الأعراض بها أشبهت الجواهر. فأما القسم الثاني فلا شبهة في كونه مجازاً لغوياً وأما الأول فليس من المجاز في شيء إذ ليس إطلاق الكلي على جرئية بمجاز لعدم العلاقة وأما علاقة الكلية والجزئية المعدودة في علاقات المجاز فهي منسوبة للكل والجزء. فإن المجاز استعمال الكلمة في غير ما

стр. 26

وضعت له لا ترك استعمالها في بعض ما وضعت له فليس النقل إلا تحجير الإطلاق في عرف خاص على بعض ما وضع له ولذلك قابله المصنف في الشرح بالمجاز إذ قال "لكان نقلاً لا مجازاً". نعم إن اطلاقها على المعنى اللغوي من لسان أهل العرف مجاز عرفي وفي عده مجازاً خلاف. وصاحب المفتاح يميل لعده مجازاً فلذلك زاد في تعريفي الحقيقة والمجاز قوله في اصطلاح به التخاطب. أما نقل التسمية فليس بمجاز ولا حقيقة وهو الجدير باسم النقل فتبين أن بين النقل والمجاز العموم والخصوص من وجه ولهذا جعل المناطقة المنقول مقابلاً للحقيقة وللمجاز من جهة ما فيه من الاشتهار في معنى ثان لا غير (قوله وبقي من الوضع قسم ثالث الخ) سماه هنا وضعاً ثم سماه بعد ذلك استعمالاً إذ قال ويريدون بالوضع مطلق الاستعمال فأشار إلى أنه في التحقيق وضع نوعي كوضع المركبات ليعرف شرط الواضع في وضعها وقد تكفل بذلك علم النحو وعلم البلاغة. الفصل الرابع في الدلالة (قوله ذكر ابن سيناء فيها مذهبين الخ) ثانيهما هو التحقيق لأنها صفة للفظ سواء أطلق أم لا ولا ضير في تعريفها بما تقبله لأنه تعريف باللازم وتعاريف العلوم رسوم كما بينه السيد الشريف

стр. 27

ترجمة ابن سيناء وابن سيناء هذا هو أكبر وأشهر فلاسفة الإسلام وهو أبو علي الحسين ابن عبد الله بن سيناء (بالمد) البلخي ثم البخاري ولد بقرية من قرى بخاري سنة ٣٧٠ سبعين وثلاثمائة وتوفي بهمذان في رمضان سنة ٤٢٨ ثمان وعشرين وأربعمائة وقيل في أصبهان. تضلع في علوم الفلسفة والطبيعة وعمره ست عشرة سنة واتصل بالأمير نوح بن نصر السلماني صاحب خراسان وقلده أعمالاً كثيرة ثم انتقل بعد تنقلات إلى همذان قولي الوزارة للأمير شمس المعالي قابوس بن وشكمير وكان يداوي الناس تأدباً لا تكسباً وكان نادرة في علمه وذكائه وتصانيفه وله شعر رفيع منه. لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم ومن تصانيفه في الفلسفة الشفاء والنجاة والإشارات وفي الطب القانون وهو عمدة الفن بعده (قوله وما ذكرتموه مجازاً الخ) لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال وما ذكروه يقتضي وصف اللفظ بأنه دال أي قابل للدلالة فيصير مجازاً (قوله والذي اختاره أن دلالة اللفظ إفهام السامع الخ) أي إفهام اللفظ سامعه ليخرج الإفهام بدون لفظ من صفير وأنين. وحاصل هذا الذي اختاره يرجع إلى المذهب الثاني الذي ذكره ابن سيناء لأن إفهام اللفظ سامعه فرع

стр. 28

كون اللفظ بحيث يدل (قوله قلت لا بل يكفي الظن وأدنى ملازمة الخ) هذا اصطلاح جديد في دلالة الالتزام لأنها عند متأخري المناطقة عبارة عن اللزوم العقلي أي امتناع الانفكاك بالنظر إلى الماهية والوجود في جميع الأذهان كالزوجية للأربعة وهو لازم الماهية والتحيز للجرم وهو لازم وجوده. وأما اللوازم العارضة لبعض الأذهان فليست معتبرة. ولهذا فاللزوم عندهم لا يكون إلا قطعياً. لأن الملازمة للماهية أو الخارج محققة. وعند متقدميهم يكفي الجزم باللزوم عند تصور أمرين وهو اللازم البين بالمعنى الأعم وهو يقتضي الجزم بالتلازم أيضاً. وعند علماء البلاغة يكفي اللزوم عرفاً وربما اقتضى ذلك اغتفار الظن لأن الأمور العرفية مبنية

стр. 29

على المقامات الخطابية. فأما أدنى ملازمة فلا تعتبر فعلى اصطلاح المناطقة يكون الأمران مستدركين. وعلى اصطلاح الأدباء يستدرك أدنى ملازمة فقط. ولولا ما فسر به المصنف أدنى ملازمة لأمكن حملها على اللزوم البين بالمعنى الأعم وهو أن يلزم من تصور الأمرين الجزم باللزوم (قوله قلت هذا السؤال صعب وقد أوردته في شرح المحصول الخ) ملخص ما أجاب به في شرح المحصول أحد أمرين أما أن لفظ الكلية موضوع للقدر المشترك بقيد التتبع للأفراد كلها فرداً فرداً فيكون قيد التتبع جزء ما وضع له اللفظ وتتبع جميع الأفراد يدل على تتبع بعضها بالتضمن لأنه جزء جزء الموضوع له وجزء الجزء جزء فلا مانع من عد دلالة اللفظ عليه تضمناً. وأراد بالنكادة أن إطلاق التضمن على الدلالة على جزء الجزء غريب كما قاله. وأما أن يفسر الجزء بما يشمل الجزءي فيراد به البعض. ونكادة هذا مخالفته لإطلاقاتهم. وعلى الأمرين نكادة أخرى وهي أن تكون دلالة العام على أفراده بالتضمن مع أن الذهن إنما ينصرف عند سباعه إلى الأفراد كأنها الموضوع له لغة. وشأن دلالة التضمن أن لا تخطر بالأذهان إلا عند التنبيه أو البحث. وغاية ما لاح لي في دفع هذا البحث أن صيغة العموم تطلق بمعنى القضية الكلية الدالة على حكم عام. وتطلق على الأدوات الموضوعة للعموم كما في قولهم ما من صيغ العموم سواء وقعت في قضية أم لا: فأما الإطلاق الأول نحو "كل عبد لي فهو حر" فقد نقل عن الأصفهاني في شرح المحصول أنه قال هي في قوة صيغ متعددة وقضايا كثيرة تؤول إلى معنى عبدي فلان حر وعبدي فلان حر. اهـ. فتكون موضوعة لكل واحدة من تلك الصيغ سواء انفردت أم اجتمعت وذلك معنى قولهم "مدلول صيغة العموم كلية" أي محكوم فيها على كلي لا أنها كلي ولا كل. وأما الإطلاق الثاني أي اللفظ العام فهو اللفظ الكلي أما مفرد كالذي أو جمع كالمشركين. وكل

стр. 30

ذلك كلي دال على كل واحد من جزئياته أو على كل واحد من الجموع التي يشملها اللفظ لا بقيد الانحصار فهي دلالة مطابقة. غاية الأمر أن دلالة المطابقة قد تكون على احد بعينه كالأعلام والجزئيات. وقد تكون على واحد لا بعينه بل مع جواز الإطلاق على آخر كاسم الجنس والمشترك اللفظي وكان الموضوع له في اسم الجنس هو العنوان المعبر عنه بالفرد الدائر وإطلاق اسم الجنس على الفرد المشاهد أو المحكوم عليه إنما هو باعتبار كونه مظهراً لذلك العنوان. وقد تكون على واحد مع جواز غيره وإرادته معه كصيغ العموم واستعمال المشترك في معنييه والكناية. والكل مطابقة. نعم إن معنى المطابقة خفي في هذا القسم الثالث (قوله والدلالة باللفظ الخ) أراد أن يفرق بين دلالة اللفظ على معناه أو جزئه أو لازمه وبين استعماله في معناه أو في غيره وأن الموصوف بالحقيقة والمجاز هو الثاني. وحاصل التفرقة مع تكميل ذهل عنه المصنف أن اللفظ أن دل بنفسه على معناه المعلوم لللغوي أو على جزئه أو لازمه تبعاً له فهو لا يوصف بهذا الاعتبار بحقيقة ولا مجاز وإنما وصفه بالحقيقة والمجاز عند استعمال المتكلم إياه ولا شبهة أنه عندما يستعمله في معناه أو جزئه أو لازمه تبعاً للأصل فهو موصوف بالحقيقة لا محالة لأن ذلك هو ما وضع له. أما إذا استعمل في غير معناه أو استعمل في جزء معناه استقلالاً به لا تبعاً لكله أو في لازمه استقلالاً لا تبعاً لملزومه فجميع ذلك مجاز. فلا شك أن دلالة المطابقة والتضمن والالتزام توصف بأنها حقيقة لأنها لا تكون إلا بعد الاستعمال وإنما الذي لا يوصف بحقيقة ولا مجاز هو فهم المعنى في ذهن السامع أو استفادته من اللفظ وإفادة اللفظ له. وهذه أمور اعتبارية والمقصود هو دلالة اللفظ عند استعماله فالتفرقة بين الدلالتين ليس وراءه كبير جدوى. وكان الأولى أن

стр. 31

ينبه على تفرقة أخرى وهي أن دلالة اللفظ على لازمة إنما تكون حقيقة ومجازاً إذا كان المدلول لازم معنى اللفظ. أما إذا كان المدلول لازماً للمعنى المستفاد من تمام الكلام ومن التركيب لا من لفظ واحد فذلك لا يوصف بحقيقة ولا مجاز لأن الموصوف بهما هو استعمال اللفظ في معناه أو غير معناه لا استفادة شيء آخر من اللفظ زيادة على معناه وذلك كاستفادة مفهومي المخالفة والموافقة من المنطوق على القول بأن استفادة الثاني منهما لفظية لا قياسية. وكاستفادة المعنى الكنآءي من الكناية. والمعنى المعرض به من التعريض فتأمل. الفصل الخامس في الكلي (قوله كقولنا كل رجل يشيل الصخرة الخ) مثل هذا التركيب من الكلية لأنه لا يفهم منه إلا أن كل واحد من الناس

стр. 32

يفعل ذلك إلا بالقرينة. فالأولى الاقتصار على التمثيل للكل بأسماء العدد. الفصل السادس في أسماء الألفاظ كان المناسب تنكير الألفاظ إنما ذكر أسماء قليلة من الألفاظ الاصطلاحية وعبارته تقتضي العموم لأنها جمع معرف بالإضافة. وارد هنا بيان مسمى ألفاظ اصطلاحية يكثر ورودها وقد يخفى مسماها لدقة معناها (قوله كزيد والإنسان الخ) سهو لأن التواطؤ من صفات المفهوم الكلي لأنه من عوارض أفراد مفهوم واحد وليس هو من النسب كالتباين والعموم والخصوص وقد صرح بهذا في المتن. غذ قال المتواطئ "هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي

стр. 33

مستوفى محاله" واعلم أن هاته المذكورات منها ما هو من النسب وهو التباين ونظائره التساوي والعموم والخصوص بنوعيه ولم يذكرها هنا. ومنها ما هو من صفة اللفظ باعتبار معناه أي من نسبة اللفظ لمعناه وهو الاشتراك والترادف. ومنها ما هو من نسبة أفراد الكلي وهو التواطؤ والتشكك. (قوله سؤال قوي الخ) حاصله استفسار عن تمييز الاختلاف الذي تقتضي التشكك والاختلاف الذي لا ينافي التواطؤ وحاصل الجواب اختيار الشق الأول وبيان الفرق بين التفاوتين بأن النظر إلى التفاوت في مفهوم اللفظ لا إلى التفاوت في الصفات الخارجية إذ لا تخلو عنه أفراد كلي ولذلك كان التشكيك بين الشمس والقمر والمصباح باعتبار وصف المنير لا باعتبار الجسمية أو الشكل وأشار بقوله حتى عد الرجل بالألف إلى قول الشاعر: ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً ... لدى الفضل حتى عد ألف بواحد (قوله قلت نعم ذلك حق الخ) ليس هو من الحق في شيء لأن تعريف المتواطئ دال على المعرف بلا نقص فإن قوله فيه "الموضوع لمعنى

стр. 34

كلي مستوفي محاله" أي في أفراده يدل صريحه على أن المستوى إنما هو المعنى الموضوع له اللفظ أعني المفهوم الكلي فهو في أفراده غير متفاوت ومقابلته بعكس ذلك في تعريف المشكك تزيد المقام إيضاحاً، وبطلان السؤال افتضاحاً، على أن في زيادة كلمة بجنسه خللاً لأنها تقتضي جعل جنس للكلي إذ يصير التعريف هكذا "موضوع لمعنى كلي مختلف في محاله بجنسه" والذي جر هذا السهو هو آخر التقرير من الكلام على اختلاف الجزئيات والتفرقة بين ما إذا كان اختلافها بالجنس أو بغيره فتصلح هذه الزيادة لو كان التعريف له باعتبار تساوي المفهوم (قوله والمتباينة الخ) إن أراد بالتباين مصطلح المناطقة والنسبة العقلية بين الكليين أي تفارقهما تفارقاً كلياً مثل الإنسان والفرس إذ لا شيء من أحدهما بصادق عليه الآخر لم يصح قوله ولو كانت للذات والصفة الخ وإن أراد به ما قابل الترادف كما يناسب كلامه فهو اصطلاح جديد لأن الترادف يقابله الاشتراك فتأمل (قوله والعلم هو الموضوع لجزئي الخ) قد يشكل بأن المعارف كلها كذلك وسيأتي تحقيق الجواب عنه عند الكلام على وضع الضمير (قوله وقيل في اسم الله تعالى أنه علم قاله صاحب الكشاف الخ) كلام الكشاف الذي أشار إليه المصنف لم يتعرض إلا لكونه غير صفة قال "فإن قلت أاسم هو أم صفة قلت بل اسم غير صفة الأتراك تصفه ولا تصف به لا تقول شيء إله كما لا تقول شيء رجل وتقول إله واحد صمد كما تقول رجل كريم خير" فليس في كلامه زيادة على الحكم بأنه

стр. 35

اسم لا صفة وذلك لا يقتضي كونه علماً ويرشد لذلك تنظيره مرتين برجل وجعل صفته نكرة فقال إلاه واحد والمصنف غير كلامه وذكر له صفات معروفة فلعل المصنف فهم أنه أراد من الاسم العلم نظراً لكون اسم الله لا يطلق على غيره لكن ذلك حاصل من التعريف فصار علماً بالغلبة لا بالوضع لتصريح صاحب الكشاف بأن أصله الإله فصار الله لكثرة الاستعمال كما صار الأناس الناس. فإن قلت: لعل سبب استنتاج العلمية من كلام الكشاف تعليله بأنه يوصف ولا يوصف به لما شاع في النحو من أن العلم لا يوصف به قلت: النحاة لم يقصدوا قصر ذلك على العلم بل كل ما لا يدل على معنى توصيفي لا يوصف به ألا ترى أن العلم والاسم الجامد لو تضمن وصفاً لوقع نعتاً وخبراً ومتعلقاً نحو جاء رجل حاتم "وأنت غربال الأهاب" و "أسد علي". نعم أن شراح الكشاف اختلفوا هل في كلامه ما يدل على أن اسم الجلالة قد صار علماً لقوله وأما الله بحذف الهمزة فمخصوص بالمعبود بحق لم يطلق على غيره فاختار السيد في حواشيه وحواشي المطول أنه أراد منه تحقيق الغلبة بالتغيير بحذف الهمزة. وأما التفتازاني في المطول في بحث العلمية فاختار أن ذلك التغيير كوضع جديد صار به علماً وأن الغلبة حصلت من قبل بالتعريف (قوله وتحرير الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص الخ) أتي في التفرقة بينهما بما لا يزيد على الإقناع. فإن التفرقة بمعرفة تصور الواضع عند وضعه تستدعي البحث عن ضمير الواضع وتنقلنا بعد تحقق مراده إلى البحث عن سبب اختلاف

стр. 36

تصوره مع كون الموضوع له واحداً في الخارج ثم أي معنى يعقل لوضع اسم أسد للصورة التي في ذهن غير الواضع فإن أراد به أنه موضوع للماهية المعروفة لكل أحد فهل الصورة التي في ذهن الواضع ووضع لها لفظ أسامة الأمثال منها أي الماهية فلم يبق من فرق بين اللفظين أسد وأسامة من جهة المعنى الموضوع له خصوصاً وقد زاد فقال أن الصورة من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم فإنه صريح في أن هاته الصورة صورة الماهية وإنما جزئيتها وكليتها باعتبار كونها في ذهن واحد أو في أذهان كثيرة على أن تسليم كون تعدد الحصول في الأذهان مما يؤثر جزئية أو كلية "دونه خرط القتاد" لأن الكلي هو المفهوم الذي لم تعتبر فيه المشخصات والجزئي بخلافه فهو نسبة من المفهوم وإفراده وإذا ثبت كون اللفظين موضوعين لما يشمل كل أسد في العالم بطل الفرق من جهة المعنى بعد طول العناء وأطناب العبارة ولزم الرجوع إلى التفرقة اللفظية ولم أر أحداً حاول إفهام التفرقة بين هذين العلمين وبلغ لما أراد. فالذي يبدو في تحقيق الفرق بين اسم الجنس وعلمه على وجه أنسب بثبوت اختلاف الأحكام اللفظية الثابتة لهما أنه النظر لشرط الواضع وذلك أن ثمة وضعاً وشرطاً واستعمالاً على مقتضاهما فالواضع لما وضع الأسد وضعه اسماً لهذا الجنس أي للماهية كلها باعتبار أفرادها ليطلق على كل واحد من الأفراد أو على نفس الماهية عند تعريفه بلام الحقيقة ولم يشترط شيئاً في صحة استعماله فيما ذكر ولما وضع لفظ أسامة وضعه ليستعمل علماً على فرد مخصوص من أفراد الأسد بعد تعيينه عند المتكلم ووضع له جديد وهو قصد المتكلم لتمييز هذا الفرض عن غيره من أفراد الماهية بجعل اللفظ دليلاً عليه دونها

стр. 37

كما وضع لفظ آدم مثلاً ليدل على فرد معين من جنس الإنسان بعد تعينه ووضع جديد من مسميه. فعلم الجنس وعلم الشخص سيان في المعنى واللفظ. وعلم الجنس واسم الجنس مختلفان اختلاف النكرة والعلم بحسب شرط الواضع في الإطلاق وإنما لما كانت أفراد الأسد مما لا يعرف بعينه لضعف مشخصاتها بتشابه أفرادها كان وضع العلم لها مؤقتاً بحال حضورها بمرأى من المتكلم أو عند حديثه عنها حاكياً لمرآها بخلاف أعلام الأناسي فإنها تدوم معها لأن الحاجة إلى تمييز المسمى بها عمن سواه دائمة مادام المسمى موجوداً. وهو فرق لا يترك للاشتباه بعد اليوم مسلكاً إلى الأذهان (قوله فائدة جليلة اختلف الفضلاء في مسمى لفظ المضمر الخ) ذكر هنا مذهبين في تحقيق المعنى الموضوع له الضمائر وهو خلاف يسري إلى بقية المعارف ومنشأ الخلاف النظر إلى حال الاستعمال وهو نظر المذهب الأول. أو إلى عدم الاختصاص بواحد وهو نظر المذهب الثاني وهو التحقيق فإن الضمائر وسائر المعارف كليات بحسب الوضع وسائر الموضوعات اللغوية بحسب الوضع كلية لأن الواضع ما وضع لفظاً لذات معينة لا يطلق على غيرها حتى الكليات المنحصرة في أفراد كشمس وسماء فذلك بحسب العروض إلا أن كلية كل شيء بحسب ما وضع له فإذاً لم يبق لنا نظر في الوضع ولا حكم لنا على مقتضاه بكلية أو جزئية. وإنما النظر إلى أمرين آخرين وهما شرط الواضع واستعمال المتكلم فأما شرط الواضع فهو ما شرطه في وضع الكلمة وجعله قيداً مصححاً لإطلاقها مأخوذاً من تتبع استعماله ولبيان ذلك وضع علم متن اللغة وعلم الصرف

стр. 38

وعلم النحو. وهذا كوضعه الرجل للذكر البالغ الآدمي. ووضعه فعل لما مضى من الأحداث. ووضعه الرفع للدلالة على العمدية في الكلام لا يختص جميع ذلك بشخص دون آخر ولا بحدث دون غيره ولا بعمدة دون عمدة. وبالنظر إلى شرط الواضع يحكم على الكلمات بالكلية والجزئية وبالتنكير والتعريف. فأما الأفعال والحروف فما شرط الواضع فيها أكثر من تحقق مفهومها فهي كليات وضعاً وشرطاً. وإن لم يشع في الاصطلاح الحكم عليها بكلية أو جزئية ولا بتعريف أو تنكير لأن القصد من ذلك التفرقة وهي كلها نوع واحد وأما الأسماء فمنها نكرات ومعارف فالنكرات لم يشترط الواضع فيها إلا تحقق مدلولها فكانت كلية لأن شرطها كلي وذلك في الجوامد ظاهر وأما في المشتقات فلأن وجود مدلولها كاف في صحة حملها فإن قائم يوصف به الرجل باعتبار أنه اتحد بمدلوله لا باعتبار كونه هو الشخص القائم والألم يصح وصفه به إذ لا يوصف الشيء نفسه. وأما المعارف فقد شرط الواضع لصحة إطلاقها خصوص من تطلق عليه أي أنها تطلق على من قام به مدلولها باعتبار كون قيام مدلولها به خاصاً غير منظور إلى غيره. فأما العلم فأعلاها وهو موضوع ليدل على ذات خاصة من الأشياء لتميز به عن غيرها وشرط الواضع لصحة إطلاقها على ذات أن يوضع لها وضعاً ثانياً وهو المعبر عنه بالتسمية ثم البقية وضعت لمعان كلية على شرط أن لا تستعمل إلا عند قصد الجزئية "فأنا" وضع لمتكلم فهو كلي بحسب صلوحيته لأن يستعمله كل متكلم لكن شرط الواضع أن لا يستعمله إلا شخص حاضر في حالة تكلمه فإذا قلت أنا لم تلاحظ فيه إلا كونه علامة عليك. لا يشاركك فيها غيرك من المتكلمين ما دام

стр. 39

لم يستعمل كلمة أنا وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين قولك متكلم لأن متكلم يصدق على كل متكلم وإن لم يخطر بباله الحديث عن نفسه بذلك ولهذا لم يصح الإخبار بالضمائر لا تقول رجل أنا مريداً به رجل متكلم و"هذا" وضع ليدل على مشار إليه مشروطاً أن لا يستعمل إلا عند قصد ذات معينة فلا يصح فيمن أشير إليه بالبنان أن تطلق عليه أنه هذا فتقول رجل هذا أي مشار إليه. وكذا الأمر أظهر في الموصول والمحلى بأل لأن التعريف فيهما عارض بالصلة والعهد. وأما ما يرد من الأخبار أو التوصيف بالعلم أو الضمير نحو رجل حاتم وقوله "وأني من القوم الذين هم هم، فذلك لتأويل الأول بالصفة. وكون الثاني من باب الأخبار بعين المبتدأ للدلالة على البقاء على حد "شعري شعري" واستعمال المتكلم لجميع ما ذكر على وفق شرط الواضع وهو في العلم متوقف على الوضع الجديد المشروط. وبهذا يظهر مرادهم من قولهم كليات وضعا جزئيات استعمالاً. لأن الاستعمال على وفق الشرط الجزئي وإنما لم يقولوا ذلك في العلم لتنزيل الوضع الحاصل من التسمية منزلة وضع الواضع فجعلوه جزئياً وضعاً واستعمالاً على وجه التسامح (قوله والقاعدة العقلية أن الدال على الأعم فيرد إلا على الأخص الخ) بما قدمناه يتبين عدم تسليم كون الضمير مثلاً دالاً على الأعم لأنه إنما دل على متكلم بشرط خصوصه لتعينه فليست الصغرى من القياس صادقة (قوله وثانيهما أن يوضع اللفظ الخ) هذا محل الجواب ومرجعه إلى كون المعارف من باب الكلي المنحصر في فرد وهو يقتضي كون شمس

стр. 40

وسماء معرفة وبطلانه واضح إلا أن يفرق بين البابين بالأغلبية وعدمها كما أشار إليه قوله فلما كان الغالب حصر الواقع الخ وفيه حزازة فالأولى في الجواب ما قدمنا من اعتبار شرط الواضع عند الوضع (قوله يقيد الاختصار والإيجاز في التعبير الخ) أراد بهذا لازمه وهو تقدم معاد وذلك مناط الفرق لأن ضمير الغيبة لا يطلق إلا على غائب معروف وهو المعاد بخلاف لفظ غائب كما أشار له آخر كلامه (قوله كأسماء الأعداد اهـ) وأعلام البلدان وأعلام الأجناس التي لم تشتهر بوصف يشبه بها فيه مثل أرض ونمل وشجر لأن جميع ذلك لا يحتمل المجاز وتمثيل بأسماء الأعداد بناء على المختار من عدم احتمالها للمجاز وعليه بحث شهير للمصنف في الفروق ومن بعده من حذاق المتأخرين وفيه بحث الشيخ الجد ﵀ المشهور من استعمالها في الكثرة نحو ذرعها سبعون ذراعاً والتحقيق في الجواب ما استنبطه الشيخ
следующие страницы →