تصوره مع كون الموضوع له واحداً في الخارج ثم أي معنى يعقل لوضع اسم أسد للصورة التي في ذهن غير الواضع فإن أراد به أنه موضوع للماهية المعروفة لكل أحد فهل الصورة التي في ذهن الواضع ووضع لها لفظ أسامة الأمثال منها أي الماهية فلم يبق من فرق بين اللفظين أسد وأسامة من جهة المعنى الموضوع له خصوصاً وقد زاد فقال أن الصورة من حيث عمومها وخصوصها تنطبق على كل أسد في العالم فإنه صريح في أن هاته الصورة صورة الماهية وإنما جزئيتها وكليتها باعتبار كونها في ذهن واحد أو في أذهان كثيرة على أن تسليم كون تعدد الحصول في الأذهان مما يؤثر جزئية أو كلية "دونه خرط القتاد" لأن الكلي هو المفهوم الذي لم تعتبر فيه المشخصات والجزئي بخلافه فهو نسبة من المفهوم وإفراده وإذا ثبت كون اللفظين موضوعين لما يشمل كل أسد في العالم بطل الفرق من جهة المعنى بعد طول العناء وأطناب العبارة ولزم الرجوع إلى التفرقة اللفظية ولم أر أحداً حاول إفهام التفرقة بين هذين العلمين وبلغ لما أراد. فالذي يبدو في تحقيق الفرق بين اسم الجنس وعلمه على وجه أنسب بثبوت اختلاف الأحكام اللفظية الثابتة لهما أنه النظر لشرط الواضع وذلك أن ثمة وضعاً وشرطاً واستعمالاً على مقتضاهما فالواضع لما وضع الأسد وضعه اسماً لهذا الجنس أي للماهية كلها باعتبار أفرادها ليطلق على كل واحد من الأفراد أو على نفس الماهية عند تعريفه بلام الحقيقة ولم يشترط شيئاً في صحة استعماله فيما ذكر ولما وضع لفظ أسامة وضعه ليستعمل علماً على فرد مخصوص من أفراد الأسد بعد تعيينه عند المتكلم ووضع له جديد وهو قصد المتكلم لتمييز هذا الفرض عن غيره من أفراد الماهية بجعل اللفظ دليلاً عليه دونها
стр. 37
كما وضع لفظ آدم مثلاً ليدل على فرد معين من جنس الإنسان بعد تعينه ووضع جديد من مسميه. فعلم الجنس وعلم الشخص سيان في المعنى واللفظ. وعلم الجنس واسم الجنس مختلفان اختلاف النكرة والعلم بحسب شرط الواضع في الإطلاق وإنما لما كانت أفراد الأسد مما لا يعرف بعينه لضعف مشخصاتها بتشابه أفرادها كان وضع العلم لها مؤقتاً بحال حضورها بمرأى من المتكلم أو عند حديثه عنها حاكياً لمرآها بخلاف أعلام الأناسي فإنها تدوم معها لأن الحاجة إلى تمييز المسمى بها عمن سواه دائمة مادام المسمى موجوداً. وهو فرق لا يترك للاشتباه بعد اليوم مسلكاً إلى الأذهان (قوله فائدة جليلة اختلف الفضلاء في مسمى لفظ المضمر الخ) ذكر هنا مذهبين في تحقيق المعنى الموضوع له الضمائر وهو خلاف يسري إلى بقية المعارف ومنشأ الخلاف النظر إلى حال الاستعمال وهو نظر المذهب الأول. أو إلى عدم الاختصاص بواحد وهو نظر المذهب الثاني وهو التحقيق فإن الضمائر وسائر المعارف كليات بحسب الوضع وسائر الموضوعات اللغوية بحسب الوضع كلية لأن الواضع ما وضع لفظاً لذات معينة لا يطلق على غيرها حتى الكليات المنحصرة في أفراد كشمس وسماء فذلك بحسب العروض إلا أن كلية كل شيء بحسب ما وضع له فإذاً لم يبق لنا نظر في الوضع ولا حكم لنا على مقتضاه بكلية أو جزئية. وإنما النظر إلى أمرين آخرين وهما شرط الواضع واستعمال المتكلم فأما شرط الواضع فهو ما شرطه في وضع الكلمة وجعله قيداً مصححاً لإطلاقها مأخوذاً من تتبع استعماله ولبيان ذلك وضع علم متن اللغة وعلم الصرف
стр. 38
وعلم النحو. وهذا كوضعه الرجل للذكر البالغ الآدمي. ووضعه فعل لما مضى من الأحداث. ووضعه الرفع للدلالة على العمدية في الكلام لا يختص جميع ذلك بشخص دون آخر ولا بحدث دون غيره ولا بعمدة دون عمدة. وبالنظر إلى شرط الواضع يحكم على الكلمات بالكلية والجزئية وبالتنكير والتعريف. فأما الأفعال والحروف فما شرط الواضع فيها أكثر من تحقق مفهومها فهي كليات وضعاً وشرطاً. وإن لم يشع في الاصطلاح الحكم عليها بكلية أو جزئية ولا بتعريف أو تنكير لأن القصد من ذلك التفرقة وهي كلها نوع واحد وأما الأسماء فمنها نكرات ومعارف فالنكرات لم يشترط الواضع فيها إلا تحقق مدلولها فكانت كلية لأن شرطها كلي وذلك في الجوامد ظاهر وأما في المشتقات فلأن وجود مدلولها كاف في صحة حملها فإن قائم يوصف به الرجل باعتبار أنه اتحد بمدلوله لا باعتبار كونه هو الشخص القائم والألم يصح وصفه به إذ لا يوصف الشيء نفسه. وأما المعارف فقد شرط الواضع لصحة إطلاقها خصوص من تطلق عليه أي أنها تطلق على من قام به مدلولها باعتبار كون قيام مدلولها به خاصاً غير منظور إلى غيره. فأما العلم فأعلاها وهو موضوع ليدل على ذات خاصة من الأشياء لتميز به عن غيرها وشرط الواضع لصحة إطلاقها على ذات أن يوضع لها وضعاً ثانياً وهو المعبر عنه بالتسمية ثم البقية وضعت لمعان كلية على شرط أن لا تستعمل إلا عند قصد الجزئية "فأنا" وضع لمتكلم فهو كلي بحسب صلوحيته لأن يستعمله كل متكلم لكن شرط الواضع أن لا يستعمله إلا شخص حاضر في حالة تكلمه فإذا قلت أنا لم تلاحظ فيه إلا كونه علامة عليك. لا يشاركك فيها غيرك من المتكلمين ما دام
стр. 39
لم يستعمل كلمة أنا وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين قولك متكلم لأن متكلم يصدق على كل متكلم وإن لم يخطر بباله الحديث عن نفسه بذلك ولهذا لم يصح الإخبار بالضمائر لا تقول رجل أنا مريداً به رجل متكلم و"هذا" وضع ليدل على مشار إليه مشروطاً أن لا يستعمل إلا عند قصد ذات معينة فلا يصح فيمن أشير إليه بالبنان أن تطلق عليه أنه هذا فتقول رجل هذا أي مشار إليه. وكذا الأمر أظهر في الموصول والمحلى بأل لأن التعريف فيهما عارض بالصلة والعهد. وأما ما يرد من الأخبار أو التوصيف بالعلم أو الضمير نحو رجل حاتم وقوله "وأني من القوم الذين هم هم، فذلك لتأويل الأول بالصفة. وكون الثاني من باب الأخبار بعين المبتدأ للدلالة على البقاء على حد "شعري شعري" واستعمال المتكلم لجميع ما ذكر على وفق شرط الواضع وهو في العلم متوقف على الوضع الجديد المشروط. وبهذا يظهر مرادهم من قولهم كليات وضعا جزئيات استعمالاً. لأن الاستعمال على وفق الشرط الجزئي وإنما لم يقولوا ذلك في العلم لتنزيل الوضع الحاصل من التسمية منزلة وضع الواضع فجعلوه جزئياً وضعاً واستعمالاً على وجه التسامح (قوله والقاعدة العقلية أن الدال على الأعم فيرد إلا على الأخص الخ) بما قدمناه يتبين عدم تسليم كون الضمير مثلاً دالاً على الأعم لأنه إنما دل على متكلم بشرط خصوصه لتعينه فليست الصغرى من القياس صادقة (قوله وثانيهما أن يوضع اللفظ الخ) هذا محل الجواب ومرجعه إلى كون المعارف من باب الكلي المنحصر في فرد وهو يقتضي كون شمس
стр. 40
وسماء معرفة وبطلانه واضح إلا أن يفرق بين البابين بالأغلبية وعدمها كما أشار إليه قوله فلما كان الغالب حصر الواقع الخ وفيه حزازة فالأولى في الجواب ما قدمنا من اعتبار شرط الواضع عند الوضع (قوله يقيد الاختصار والإيجاز في التعبير الخ) أراد بهذا لازمه وهو تقدم معاد وذلك مناط الفرق لأن ضمير الغيبة لا يطلق إلا على غائب معروف وهو المعاد بخلاف لفظ غائب كما أشار له آخر كلامه (قوله كأسماء الأعداد اهـ) وأعلام البلدان وأعلام الأجناس التي لم تشتهر بوصف يشبه بها فيه مثل أرض ونمل وشجر لأن جميع ذلك لا يحتمل المجاز وتمثيل بأسماء الأعداد بناء على المختار من عدم احتمالها للمجاز وعليه بحث شهير للمصنف في الفروق ومن بعده من حذاق المتأخرين وفيه بحث الشيخ الجد ﵀ المشهور من استعمالها في الكثرة نحو ذرعها سبعون ذراعاً والتحقيق في الجواب ما استنبطه الشيخ
стр. 41
الجد مما أشار له صاحب الكشاف من كون الاستعمال في الكثرة على طريقة التمثيل ولفظه حقيقة. هذا والمصنف مثل للنص المفرد لأن المحث في أسماء الألفاظ مع أنه يوصف به المركب أيضاً وهو كل مركب كانت مفرداته نصوصاً ولم يحتمل مجازاً عقلياً ولا قصراً إضافياً ولا تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر ومثله الباجي بقوله تعالى ولا تقربوا. وفي المثال نظر لأن النهي ظاهر في التحريم لا نص فيه وقد ذكرناه هنا لأنه لا يجيئ من بعد (قوله وقيل من ما دل على معنى قطعاً وإن احتمل غيره الخ) إذا كان ذلك الغير يتحقق معه ذلك المعنى المدلول عليه وزيادة كالاستغراق فإنه يدل على أقل الجمع وزيادة وهو الواحد (قوله وقيل ما دل على معنى كيف ما كان الخ) أي لفظ دل فيكون مقابله دلالة العلة وهي القياس الذي يلقبه القدماء
стр. 42
بالمعنى كما أشار له المصنف هنا فإذا قال المجتهد هذا: حكم منصوص أراد أنه ليس بقياس وإذا قال المقلد: هذا منصوص أراد أنه من قول الأئمة لا من تخريجه أو تخريج المتأخرين (قوله هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه الخ) متعلق بقوله الموضوع أو بحال من قوله لمعنى (قوله أي بالحكم الخ) متعلق بقوله تتبع أي تتبعها بالحكم فنحو والسارق والسارقة فاقطعوا نتبع محال السرقة بالحكم وهو القطع فحيثما وجدنا محلاً وضعنا له الحكم وهو القطع إذ العموم من عوارض التركيب فلابد فيه من حكم هو المظروف في العموم (قوله وسبب هاته العبارة والاحتياج إليها أشكال كبير عادتي أورده الخ) حاصله ترديد بين ثلاثة وجوه هي التي يمكن فرضها هنا وإبطال لكل واحد من الثلاثة وذلك حيرة: وحاصل جوابه باختيار الشق الأول من الترديد مع زيادة قيد التتبع وهو ضعيف لأن المقصود من صيغ العموم في التخاطب والتفاهم إنما هو الأفراد أولاً فإذا سمعنا والسارق والسارقة فاقطعوا تبادر لنا الأشخاص لا وصف السرقة وعليه فينبغي أن يكون اللفظ موضوعاً للمتبادر منه عرفاً. ولأن أدوات العموم مثل كل وجميع ومن وإينما إنما تفيد أفراداً من مدخولها فلا جرم كان مسمى العموم الأفراد وإنما المفهوم الكلي طريق لاستحضارها فهو حاصل تبعاً ولذلك فنحن لو سلمنا أن صيغة العموم موضوعة للوضع فإنا نختار الترديد الثاني فتكون صيغة العموم موضوعة للخصوصيات على وجه الإحاطة بها لأن الكلمات الدالة على العموم تفيد الإحاطة مثل كل وحيثما وهي المعبر عنها بالأسوار في المنطق ومدخولها الدال على الجنس يفيد الأفراد فحصل من مجموع ذلك أفراد مستغرقة لأن صيغ العموم إنما يقصد بها الأفراد ابتداء وما يدل عليها هو الموضوع في قضية العموم وأدوات العموم أسوار له ولا يرد ما
стр. 43
أورده المصنف من لزوم الاشتراك اللفظي لأن الاشتراك اللفظي هو الوضع للخصوصيات المختلفة بالذات التي لا تجمعها جهة وحدة ظاهرة أما التي تجمعها جهة وحدة مثل مدلول صفة العموم فجمعها مانع من الاشتراك اللفظي فالاختلاف نوعان أحدهما يوجب الاشتراك اللفظي والآخر يوجب الاشتراك المعنوي وهو الاختلاف في الخصوصيات مع اتحاد النوع وغير هذين اتحاد لا يوجب اشتراكاً البتة مسماه جزئي واحد مشخص. وبهذا أيضاً يندفع الرد الثاني وهو تعذر الوضع لهذا المعنى الذي أشار له بقوله "ووضع لفظ المشترك بين أمور غير متناهية محال" لأن غير المتناهي إذا استحضر بعنوان عام لم يستحل الوضع له كما في أسماء الأجناس والأحداث. وهذا يدفع الأشكال عن صيغ العموم وعن الكلي وعن المشكك أيضاً لأن الاختلاف الحاصل بين أفراده قد يرد عليه أنه موجب لكون اللفظ الموضوع لها مشتركاً لفظياً على أننا لا نسلم كون صيغة العموم موضوعة لشيء. إذ العموم عارض من عوارض الألفاظ عند تركيبها واستعمالها وليس هو من المدلولات الموضوع لها الألفاظ ولذلك يقولون صيغ العموم ولا يقولون ألفاظ العموم كما سيأتي في بابه فقولك كل رجل كلمتان إحداهما كل موضوعة للإحاطة بالأفراد إذ لا يفهم منها عند سماعها إلا ذلك والأخرى رجل وهو موضوع للنوع المعروف فإذا أضيف أحدهما للآخر أفاد استغراق أفرد هذا النوع. وكذلك حيثما مع فعل الشرط تدل على استغراق أفراد مدلول فعلها وهو نوع الحدث المشتق هو منه ففي إطلاق اسم الموضوع عليه تساهل إلا أن يراد الوضع النوعي. والغفلة عن هذا أوجبت إضطراباياتي في تعريف العام. وأما جواب البعض الذي حكاه المصنف وزيفه فما هو ببعيد من كلامه لأن قيد العدد يؤذن بالتتبع له وإلا لقال المجيب بقيد الفرد المبهم نعم إن كلمة مفهوم العدد وقعت في تقرير المجيب ولعلها سهو
стр. 44
منه فإيراد المصنف عليه بأن مفهوم العدد كلي فيه توقف لأن العدد في اصطلاح المناطقة هو الكثرة المنتشرة أعني أفراد الماهية وليست هي من المفاهيم إذ المفاهيم لا تحقق لها في الخارج والأفراد متحققة والكلي منتشر فيها. فالحق أن جواب البعض لا يرد عليه إلا كونه غير واضح في مراده فتدبر حق التدبر (قوله وهو أن صيغة العموم بين أفرادها قدر مشترك الخ) الظرف وهو بين أفرادها خبر مقدم وقدر مشترك مبتدأ مؤخر والجملة منها خبران المفتوحة والمعنى أن كل صيغة عموم يوجد قدر مشترك بين أفرادها وإنما قدم الخبر ليدفع إيهام كون قدر مشترك خبراً إن حتى تكون صيغة العموم هي القدر المشترك (قوله والمطلق هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي الخ) أي بلا قيد وبهذا فارق العام والمراد بالمعنى الكلي ما يشمل معنى لام الطبيعة فنحو الزنا مطلق. ونحو طالق مطلق فهو يساوي النكرة ويساوي مدخول لام الحقيقة وهذا وجه الجمع بين كلامي ابن الحاجب والسبكي فيما أرى. وأما المقيد فهو ما دل على الماهية بقيد من أنواعها أو أحوالها نحو طالق ثلاثاً وزناً المحصن وبهذا فارق القيد المأخوذ في العام لأنه قيد لاستيعاب أفراد
стр. 45
الماهية فافهم (قوله موضوعة للكلام اللساني مجازفي النفساني الخ) كيفما كان فإنه متعارف في اللساني إذ الأصولي لا يبحث عن النفساني بل عن اللساني لأن أدلة الأحكام من الكلام اللساني.
стр. 46
الفصل السابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز
(قوله مشتقة من الحق بمعنى الثابت اهـ) لأنها ثبتت على أصل وضعها ولم تنقل عنه (قوله والتاء فيها للنقل الخ) أي هي تاء تأنيث الموصوف المقدر وهو الكلمة لزمت الوصف لما صار اسماً تنبيهاً على نقل الاسم عن الوصف وليس المراد أن النقل من معاني التاء كما توهمه العبارة ويفسر مراده قوله الآتي "ولكون الاسم هنا لا يعرف صفة قيل التاء للنقل" أي لكونه لم يقصد به التوصيف ولم يرد صفة فيما سمع من كلامهم.
стр. 47
(قوله يحصل غرض الشيعة الخ) أي عند مناظرتهم لنا وإلا فإن غرضهم حاصل عندهم لأنهم لا يغيرون أدلتهم سواء أغلقنا الباب أم لا (قوله ولقوله تعالى قرآناً عربياً الخ) جوابه أن عربيته حصلت بكون ألفاظه من لغة العرب سواء نقلت أم لم تنقل (قوله وبحسب الموضوع له الخ) أي من حيث الدلالة أو من حيث الإسناد ومعنى الوضع في هذا الثاني أن المعنى الذي وضعت الكلمة لتدل عليه يناسب إسناده لأشياء ولا يناسب لأشياء فإذا أسند إلى ما لا يناسبه فقد استعمل مع غير من وضع هو ليسند إليه لأن ذلك المعنى لا يصح إلا لمن يناسبه فإطلاق الوضع على هذا القسم باعتبار اللزوم لأن وضع الكلمة للمعنى يستلزم أنها
стр. 48
وضعت لتركب مع لفظ دال على من تصح ملابسة ذلك المعنى له وكأن المصنف ابتكر هذا الاصطلاح ليشير إلى وجه تسمية المجاز العقلي بالمجاز وهو أنه يشابه اللغوي من حيث إطلاق اللفظ على غير ما وضع له بالالتزام وهو حسن جداً (قوله وإلى مركب اهـ) أراد به المجاز العقلي لأنه يكون في الإسناد وذلك من توابع التركيب وقد زاده بياناً في شرحه لا ما يريديه البيانيون من المجاز المركب وهو التمثيل (قوله وإلى مفرد ومركب الخ) أي معاً بأن تكون اللفظة مستعملة في غير مدلولها ومسندة لغير من وضعت لمعنى يصلح له (قوله ومن ذلك غرق في العلم الخ) في هذه الأمثلة نظر لا يخفى على من فرق بين المجازين وعرف ما يصح اعتبار اللغوي
стр. 49
فيه دون غيره فتتبعها بتأمل (قوله فرع كل محل قام به معنى الخ) ترجمة بالفرع لأنه متفرع عن المسألة السابقة وهي تقسيم المجاز إلى مفرد ومركب أي لغوي وعقلي وذلك لأن المجاز العقلي هو إسناد اللفظ إلى غير من هو له ولما كان إطلاق الوصف على من ليس قائماً به الآن باعتبار علاقة الأيلولة أو باعتبار ما كان ضرباً من إسناد اللفظ لغير من هو له أراد أن ينبه أولاً على أن ذلك ليس من المجاز العقلي فإن المجاز هو إطلاقه على من ليس له أبداً لا في وقت دون وقت ويبين أنه لغوي فكانت هاته المسألة فرعاً عن مسألة تقسيم المجاز إلى مفرد ومركب باصطلاحه أي لغوي وعقلي ثم هي تتفرع عنها مسألة أخرى هي مقابلتها وهي أنه هل يصح إسناد الشيء لغير من هو له بدون ملابسة ولا علقة كإسناد الكلام لله وهل يمتنع ضده كإسناده لشجرة وهي المشار لها بقوله في الأصل ويمتنع الاشتقاق لغيره ولذلك يتعين أن يكون قوله في الشرح وإنما أصل هذه المسألة الخ مريداً بالأصل ما نشأ عنه وضع هذه القاعدة فالأصل في كلامه بمعنى ما منه الشيء وليس بمعنى ما ينبني عليه غيره لأن القاعدة والخلاف مرجعهما واحد (قوله وجب أن يشتق له الخ).
стр. 50
أي وجوباً بلاغياً عند اقتضاء الحال التعبير عن أحوال الموصوف وصفاته وإلا فليس الاشتقاق واجباً لإمكان السكوت عما لا حاجة للتعريف به (قوله فلذلك قلت الخ) الإشارة إلى ما ذكر وهو قوله في الشرح فهو قائم بها ولم يشتق لها منه. وقوله عقبه بل حصل الاشتقاق لله تعالى ولم يقم به (قوله احتراز عن سؤال صعب الخ) هو سؤال مشهور عد بسببه للمص مذهب في اسم الفاعل أنه حقيقة في حال النطق وهو الظاهر من كلام أهل العربية والذي أثار هذا السؤال الذهول عن الفرق بين اسم الفاعل الذي هو صلة لأل وغيره فالذي هو حقيقة في الحال هو غير صلة أل وغير المحكوم عليه وذلك اسم الفاعل المنكر المحكوم به نحو قائم أما صلة أل فإنه يشمل كل من صدق عليه الوصف نحو السارق والسارقة لأنه بمعنى الذي سرق والتي سرقت
стр. 51
فأشبه مع أل الفعل في مطلق الدلالة على التجرد وهي زيادة على ما يدل عليه من الزمان حاصلة من الاستعمال وكأن الزمان تنوسي بها وقد أجيب أيضاً بما أجاب به المصنف في الفرق ١٩٦ السادس والتسعين والمائة عن حديث المتبائعان بالخيار إذ جعل اسم الفاعل حقيقة في حال الملابسة وتبعه صاحب جمع الجوامع ولاشك أنه ينظر إلى هذا التفصيل بدليل أنه جعله هنا حقيقة في حال النطق حتى نشأ الإشكال إلا أن المصنف لم يفصح عن تمام الفرق وإن كان ابن الشاط غير راض عنه هناك والعذر له لأن كونه حقيقة في حال التلبس يفضي إلى هدم قاعدة الزمان في الفعل الذي حمل عليه اسم الفاعل إذ الزمان في الفعل هو زمان النطق بلا شك وإلا لم يتصور ماض ومستقبل أبداً وبما بيناه من التفرقة اندفع الإشكال. وأما تفرقة المصنف بين اسم الفاعل المحكوم به والمحكوم عليه فلأن الغالب أن المحكوم به منكر لأن التنكير أصل الأخبار والأوصاف. والمحكوم عليه معرف لأن أصل الحكم أن يكون على معين ولاكنه ينقض بنحو زيد القائم فلا يطرد الفرق في خصوص المحكوم به أما في المحكوم عليه فمطرد لأنه للتلبس ولو كان نكرة نحو أكرم عالماً ونحو لا عالم في البلد. وأعلم أن مرادهم بحال التلبس تجريده عن معنى الحال المتعارف كما قدمناه فيشبه أن يكون إطلاق لفظ الحال على هذا المعنى مشاكلة إذ ليس هذا المعنى بصالح لأن يكون مراداً من عبارات العلماء التي قوبل فيها الحال بالماضي والمستقبل.
стр. 52
هذا وعلى تسليم البحث الذي أورده المصنف فقد يجاب بأن من يأتي في المستقبل يثبت له الحكم بطريق القياس لأن الحكم على المشتق مؤذن بالعلية وهذا من الإيمان المعروف في مسالك العلة أو نقول هو مجاز مشهور يقدم على الحقيقة.
الفصل الثامن في التخصيص
(قوله أو بالجنس الخ) عطف على قول بالزمان أي منفصل بانفصال الزمان أو بانفصال الجنس (قوله احتراز من المفهوم الخ) الأولى أن يقول إدخال للمفهوم كما هو واضح لأن الشائع إطلاق الاحتراز على الإخراج (قوله احتراز من الاستثناء الخ) لا وجه للاحتراز عنه لأنه مخصص إلا عند من نزله من المستثنى منزلة كلمة واحدة فعده منطوقاً مفهوماً وتكميلاً لا تخصيصاً وقد اعترف المصنف بأن هذا ينسحب على جميع المخصصات اللفظية المتصلة ثم رام إخراج الاستثناء وهو تحكم صراح لأنه بناه على أن الاستثناء لا يقع إلا متصلاً بالمستثنى منه مع أن الشرط والغاية والبدل كذلك وبذلك تندفع الحيرة في تعريف المخصص. على أنه لو حذف قوله بمتصل واقتصر على قوله بدليل لشمل كل دليل واسترحنا من هذا العناء: والظاهر أن المصنف يحاول بزيادة قيد الانفصال في حقيقة المخصص التفرقة بين العام المخصوص بمتصل والمخصوص بمنفصل وهي محاولة حسنة فإن المخصوص بالمتصل جدير باسم الخاص كاللفظ الذي لا شمول له في أول الأمر بأن صدر خاصاً فلم يتقرر له عموم معقب بتخصيص حتى يسمى مخصوصاً بخلاف
стр. 53
المخصص بمنفصل من لفظ يعارضه كحديث الربا أو من عقل أو قياس أو فحوى أو فعل الشارع أو نحوها فيسمى ذلك العام مخصوصاً (قوله لأن المخصص العقلي مقارن الخ) تعليل لزيادة قيد أو بالجنس لأن المخصص العقلي لا يخرج بقوله منفصل بالزمان لمقارنة المخصص في الذهن لمعنى العموم لكنه منفصل بالجنس وزيادة القيدين للإشارة إلى تنويع المعرف لا لاحتياج استقامة التعريف إليهما (قوله فإن السلب في المفهوم كعموم الثبوت في المنطوق الخ) عبارة قلقة وتحريرها إنه أراد من المفهوم القيد الذي يعطي مفهوماً في الكلام مثل المراد في قولهم "المفاهيم حجة" وعليه فمعنى العبارة أن السلب المنصب على القيد المعطي مفهوماً يتنزل منزلة عموم الإثبات في منطوق ذلك المفهوم مثاله قوله ﷺ لا يقتل ذو عهد أنصب النفي فيه على المفهوم وهو الصفة إذ التقدير كافر ذو عهد فهو بمنزلة أن يقال: يقتل كل كافر غير المذكور فلذلك يصح أن يخرج منه بهذا الاعتبار وبه يظهر إجراء ذلك في مثال المصنف وهو إنما الربا في النسيئة لأن إنما في معنى النفي لأنها بمنزلة ما وإلا كما تقرر في علم المعاني. فقوله إنما الربا في النسيئة نفي أنصب على النسيئة فقام مقام كل أنواع التعامل ليست بربا لو كل ما كان غير النسيئة فهو حلال. فلا جل كون السلب في المفهوم يقوم مقام عموم الإثبات صح الإخراج منه. والحاصل أن المصنف أراد أن يصور عموم المفهوم فصوره بهذا المثال وفيه أن المثال الذي ذكره ليس من قبيل النفي لأن الاستثناء صيره إثباتاً حتى قيل أن عد إنما في المفاهيم تسامح لأنه منطوق كالاستثناء ولذلك قررنا كلامه بمثال آخر ليمكن الإفضاء إلى تصوير مثاله في الجملة.
стр. 54
الفصل التاسع في لحن الخطاب
هاته الألفاظ التي عددها المصنف متداخلة وأوجب ذلك اختلاف الاصطلاح والذي يعرض لنا نظراً لاصطلاح المتأخرين أن المستفاد من اللفظ غير المدلول عليه وضعاً إن كان مدلولاً عيه عقلاً من غير استناد إلى اللفظ فهي دلالة الاقتضاء وهي ما يفهمه العقل من الكلام لتوقف صدق الكلام أو صحته على تقديره. وإن كان مدلولاً عليه بالاستناد لمراد المتكلم من غير استناد للفظ بل لكونه مساوياً لما قصده المتكلم أو أحرى منه فهو مفهوم الموافقة الحاصل من مستتبعات التراكيب وسمي موافقة لموافقة حكم المسكوت عنه لحكم المنطوق به وهو ينقسم فحوى ولحن فإن كان المسكوت أولى بحكم المنطوق فالفحوى وإلا فاللحن وقد قيل: إن دلالة اللفظ على ذلك مجاز وقيل نقل وقيل قياس والتحقيق أنها من المستتبعات بحقيقة ولا مجاز لأن الحقيقة والمجاز وصف للفظ المستعمل لا لما يفهمه العقل. وإن كان بالاستناد للفظ من دلالته التزاماً فإن كان غير مسوق له الكلام ولكنه لازم فهو دلالة الإشارة كدلالة قوله تعالى وحمله وفصاله مع قوله وفصاله في عامين على أن أقل الحمل ستة أشهر وإن كان ذلك اللازم مسوقاً له الكلام ومأخوذاً من قيود تذكر مع اللفظ للاحتراز عن مقتضاها فهو مفهوم المخالفة لإثباته للمسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به وإنما فهم ذلك لأن العرب لا تزيد في الكلام شيئاً إلا لفائدة فإذا زادوا قيوداً وهي ما زاد على ركني الإسناد ومتعلقاته تعين أن يكرن القصد التنصيص على
стр. 55
حالة مقيدة للجملة ومفيدة للاحتراز عما عدا ما يتضمنه ذلك القيد نظراً للاستعمال المتعارف فمن قال إن جاءك فأكرمه أفاد الأمر بالإكرام عند حال المجيء والظاهر من حاله أنه يعني عدم الإكرام عند عدم المجيء فاعتبره الجمهور نظراً للاستعمال وأنكره الإمام أبو حنيفة ﵀ وقوفاً مع اللفظ فابى أن يحمل عليه نصوص الشريعة وأعمله في صيغ العقود ونحوها.
ترجمة القاضي عبد الوهاب
والقاضي عبد الوهاب هو عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن حسين البغدادي المالكي المولود في حدود سنة ٣٤٩ تسع وأربعين وثلاثمائة بغداد المتوفى في مصر سنة ٤٢٢ ثنتين وعشرين وأربعمائة وعمره ثلاثة وسبعون سنة كان فقيهاً نظاراً أصولياً إماماً في المذهب أخذ عن الأبهري والجلاب وابن القصار وأبي بكر الباقلاني وأخذ عنه أبو بكر الخطيب البغدادي وأبو إسحق الشيرازي ولي قضاء دينور ثم خرج من بغداد مهاجراً إلى مصر في طلب الرزق وقال في ذلك
بغداد دار للأهل المال واسعة ... وللصعاليك دار الضنك والضيق
أصبحت فيها مضاعاً بين أظهرهم ... كأنني مصحف في بيت زنديق
وكان عازماً على الوصول إلى المغرب فلما وصف له زهد فيه. ألف كتباً منها التلقين. وشرح المدونة ونصرة مذهب مالك والمعونة والإشراف في الفقه والملخص والمروزي والإفادة في الأصول ﵀.
ترجمة الباجي
والباجي هو القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعدون التجيبي
стр. 56
البطليوسي ثم الباجي الأندلسي ولد بباجة من مملكة أشبيلية سنة ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة وتوفي بالمرية سنة ٤٧٤ أربع وسبعين وأربعمائة وهو الإمام المحقق أخذ عن ابن مغيث وأبي ذر الهروي ورحل إلى المشرق وتنقل فيه ولقي مشاهير رجال ذلك العصر ثم رجع إلى الأندلس بعلم وافر فأخذ عنه الطرطوشي والصدفي وابن عبد البر وهو زعيم النهضة العلمية في الأتدلس بعد أن كان قصارى علمائها الفقه والرواية ونال وجاهة عند ملوك الأندلس وسعى بينهم يؤلفهم على وحدة الإسلام لحفظ ممالكهم من السقوط المتوقع ولكنه كان يحاول تدارك ما فات ووقعت له محنة بسبب قوله أن النبي ﷺ كتب كلمة في صلح القضية على ما اقتضاه حديث البخاري فثارت أعداؤه وأشاعوا قوله للعامة وقام بالنكير عليه بعض خطبائهم في الجمع وقال القاضي عياض ولم ينكر عليه أولو التحقيق ولولا تعلقه بالدولة لانتقموا منه ونقل عنه أنه قال لمن لامه على صحبة السلطان لولا السلطان لنقلت نقل الذر من الظل إلى الشمس. ولي قضاء كور من الأندلس وألف شرحين للموطأ منهما المنتقي والاستيفاء واختصار المدونة وشرحها وله في الأصول أحكام الأصول والإشارة والمنهاج (قوله ومن ذلك قول الشاعر وحديث الذه الخ) الشاعر هو مالك بن أسماء الفزاري صهر الحجاج وقبل البيتين.
امغطي مني على بصر للـ ... ـحب أم أنت أكمل الناس حسناً
وحمل اللحن في البيت على معنى فلتات الكلام تأويل به الحجاج كلام صهره كما نقله صاحب الأغاني ونقله الميداني عن ابن دريد أيضاً وأما المحققون فقد فسروه باللحن بمعنى الخطأ في الإعراب قال الجاحظ في كتاب البيان
стр. 57
أن الشاعر استملح اللحن من بعض نسائه إلا أن ابن دريد فيما نقل صاحب مجمع الأمثال عده من غلط الجاحظ وقال أبو علي القالي في أماليه اللحن بفتح الحاء الفطنة وربما اسكنوها وأصله أن تريد الشيء فتوري عنه بقول آخر اهـ فيستخلص من كلامهم أن أصل معنى اللحن في اللغة الإظهار والبيان فمن ذلك ما في الحديث ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته أي أقدر على إظهار حجته ومنه التلحين أيضاً وهو التصويت بالكلام ثم سموا الغلط لحناً لأنه يحفظ عن صاحبه ويشتهر أو أنهم شبهوه بالخروج عن سياق الكلام إلى غير ما يظهر منه تلطفاً في التغليط كما يقولون سبق قلم أو أنه من الأضداد تهكماً. والظاهر في معنى البيت ما ذكره الجاحظ بدليل مقابلته لقوله منطق صائب وبدليل سياق البيت (قوله وقولي في مفهوم المخالفة أنه إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه احتراز عما توهمه الشيخ ابن أبي زيد الخ) أي على ما فهمه عنه المازري في شرح التلقين من كون طريق استدلال الشيخ ومن سبقه بالآية هو الأخذ بمفهوم المخالفة كما سيأتي. ولقد أشكل على الناس من قديم وجه استدلال الشيخ تبعاً لابن عبد الحكم فذهبوا فيه شعياً. وجاء البعض في جانب المستدل من القول شنعاً. وكأنكم بعد متعطشون إلى صبابة من التحقيق تخمدون بها أوامكم. وتشفون بها شوقكم إلى الحق وغرامكم، فاعلموا أن عبارة الشيخ في النوادر نصها "اختلف
стр. 58
الناس في الصلاة على الجنازة فقيل فريضة يجملها من قام بها لقوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبداً فدل أنه مأمور بالصلاة على غيرهم وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين اهـ" وصرح المازري في شرح التلقين بأن المستدل بذلك هو ابن عبد الحكم وكذلك قال ابن رشد في المقدمات. فأما توجيه الاستدلال على وجوب صلاة الجنازة بالآية فللناظرين فيه طريقان الأول قال اللخمي في توجيهه ورده "وجهه أن النهي عن الشيء أمر بضده إذ كان له أضداد فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحتها على المؤمنين والندب والوجوب فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دونهما اهـ" أي فهو غير منتج للوجوب واعتذر المازري عن الشيخ ابن أبي زيد بأن الإباحة وإن كانت أحد الأضداد إلا أن الإجماع منع من الحمل عليها فلم يبق إلا الندب أو الوجوب قلت وهذا أيضاً لا يعين الوجوب مع أنه هو المطلوب. ولقد وقع سهو في كلام اللخمي إذ قال فضد المنع من الصلاة الخ فجعل الضد للحكم مع أن الضد إنما يؤخذ للمحكوم به لا للحكم والمحكوم به هو الصلاة على المنافقين وضدها هو عدم الصلاة عليهم فيكون عدم الصلاة عليهم مأموراً به ولا شك أن هذا لا يفيد حكم الصلاة على المؤمنين كما أشار له المازري وقال "أن اللخمي لم يكن من خائضي علم الأصول بل حفظ منه شيئاً ربما وضعه في غير موضعه كهذه فمرة مثل الضد بنقيض الفعل ومرة مثله بنقيض الحكم والثاني من قاعدة المفهوم وشرط الأول اتحاد متعلق الحكم وشرط الثاني تعدده اهـ" كلام المازري قلت: وقد سلك القاضي ابن العربي في القبس مثل طريق اللخمي فيما فهمه من وجه استدلال ابن عبد الحكم فقال في باب الجنائز
стр. 59
ما نصه: قال بعض علمائنا الصلاة على الميت فرض لقول الله تعالى ولا تصل الآية فلما حرم الصلاة على المنافقين وجبت الصلاة على المؤمنين وهذه عثرة لا لعالها (١) فكأنه أشار إلى أن النهي عن الشيء أمر بضده وليس هذا منه لأن الصلاة على المنافقين ليست بضد الصلاة على المؤمنين لا فعلاً ولا تركاً اهـ. الطريق الثاني قال المازري: وجه الاستدلال الأخذ بدليل الخطاب - أي مفهوم المخالفة- هكذا رماها كلمة مجملة وتحقيقاً أن الآية نهت عن الصلاة على المنافقين وذكرت وصفاً وهو قوله "منهم" ثم ذكرت علة للمنع وهو "أنهم كفروا بالله ورسوله الخ" فإن إن متى جاءت لمجرد الاهتمام بالخبر لا لرد الإنكار أغنت عن الفاء وأفادت من التعليل والربط ما تفيده الفاء كما صرح به في دلائل الإعجاز واستشهد له بقول بشار
بكراً صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التكبير
فلما كان للمنهي عنه صفة وعلة صح أن يؤخذ منها مفهوم متماثل وهو غيرهم ممن لم يكفر بالله ورسوله فيثبت له نقيض حكم صلاتهم وهذا لا يثبت الوجوب ولذا قال المازري أن الشيخ يرى أن المفهوم يثبت الضد لا النقيض. وأقول لو كان مقتضى المفهوم مسألة اصطلاحية لا مكن لكل أحد أن يدعي فيها مذهباً من ضد أو نقيض ولكنه أمر مأخوذ من دلالة عقلية مستفادة من معان لغوية لأن المفهوم يرجع إلى أن تقييد الخبر أو الأمر بقيد يقتضي لا محالة احتراز المخبر أو الآمر عن خلاف مدلول ذلك القيد فلا يشمله الحكم وإذا لم يشمله ثبت له نقيضه في ضمن ضد غير معين أما تعيين ضد دون غيره فلا قبل للفهم بإثباته وكأن هذا مراد المصنف إذ
стр. 60
حكم على هذا القول بالوهم والزعم. وعندي أن وجه الاستدلال أحد أمرين: أما الأخذ بمفهوم المخالفة مع التزام الحق من أنه يثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ولنرجع لننظر في المنطوق به الآن ما هو فنرى أن كلاً من النهي والأمر له معنى وصيغة واسم وحكم اصطلاحية لجنسه يقتضيه فإذا أردنا أن نأخذ نقيض أحدهما لأجل المفهوم طرحنا اعتبار الحكم الذي يقتضيه وهو الرابع لأن الحكم شيء زائد على اللفظ ونحن قد قلنا أننا نأخذ نقيض المنطوق به فبقي في الاحتمال ثلاثة وبذلك يتضح لنا في تحقيق الاستدلال مسلكان: المسلك الأول أن نأخذ المفهوم باعتبار معنى النهي أو باعتبار اسم جنسه وهما يؤلان إلى غاية واحدة فمعنى النهي طلب الترك واسم جنسه نهي فنقيض طلب الترك أو النهي في الصلاة على المنافقين لكفرهم هو لا نهي أولاً طلب للترك في الصلاة على المؤمنين لعدم كفرهم وعدم النهي صادق بالإباحة والندب والوجوب فإذا كان الثلاثة على سواء في الاحتمال حملناه على الوجوب لأن شأن العبادات الندب أو الوجوب وتعيين الوجوب للاحتياط المسلك الثاني أن نعتبر الصيغة الاصطلاحية فنأخذ في المسكوت عنه نقيضها وصيغة النهي هي لا تصل وإذا كان نقيض كل شيء رفعه فرفع النهي برفع داله وهو ولا الناهية فتثبت صيغة الأمر وهي صل: وبيان هاته الملازمة أن النهي والأمر صيغتان تعتوران المضارع يدل عليهما الجزم المؤذن بالتحقيق والقطع فيخرج به المضارع من الخبر إلى الإنشاء إذ لتحقيق أن الأمر هو المضارع المثبت دخله الجزم فانقلب إنشاء والنهي هو المضارع المنفي دخله الجزم ليصير إنشاء بناء على المذهب الكوفي الذي يرى أن الأمر مقتطع
стр. 61
من المضارع فإذا أردنا أن نأخذ نقيضاً لأحدهما فنقيض المثبت هو المنفي والعكس فنقيض لا تصل هنا صل وهو صيغة أمر بلا قرينة فتنصرف إلى الوجوب ويصلح للأمرين قول الشيخ في التقرير "فدل أنه مأمور بالصلاة على غيرهم" هذا غاية ما يمكن أن يعتذر به اعتذاراً صحيحاً أو مقبولاً في الجملة للطافة فيه تلحقه بالنكت التي يعز بسامعها إبطالها. وإما (١) أن يكون وجه الاستدلال بالآية من طريق دلالة الإشارة وذلك أن النهي عن الصلاة على المنافقين لما كان مشيراً إلى تحقيرهم لأجل نفاقهم وعنادهم كان مشيراً إلى وجوبها على المؤمنين تكريماً لهم لإيمانهم وأن النهي عن الصلاة على المنافقين مؤذن بوجود صلاة مشروعة على المؤمنين متعينة لديهم من قبل يقصدها النبي ﷺ عند كل وفاة تقع فلذلك نبه على تركها في وفيات الكافرين ونظير هذا الاستدلال يقع كثيراً للفقهاء مثل استدلالهم على مشروعية الضمان بآية "وأن به زعيم" وعلى مشروعية الوكالة بقوله تعالى "فابعثوا أحدكم بورقكم هذه" والله أعلم (قوله ويعرض بين مفهوم العلة والصفة جواب الخ) لاشك أن المراد من العلة في تعداد المفاهيم العلة النحوية وهي ما يدل على أن الفعل وقع لأجله مثل لام التعليل وكي والمفعول لأجله وغير ذلك لا العلة التي هي أحد أركان القياس وعليه فالفرق بينها وبين الصفة النحوية لا يحتاج إلى بيان ولا يرد عليه سؤال كما توهمه المص وكون الصفة قد تكون علة كالعكس في نحو ما أسكر قهو حرام من جهة الإيماء بتعليق الحكم على المشتق لا يضر لأن الكلام على تعداد المفاهيم لا على معان مختلفة أو متفقة ألا ترى أنهم عدوا
стр. 62
في المفاهيم الاستثناء وإنما مع أنهما سواء وعدوا الحال مع الصفة وهما سواء في المعنى فلا تغفل (قوله ومهوم اللقب إنما ضعف لعدم رائحة التعليل فيه الخ) أي لأن بقية المفاهيم مؤذنة بالتعليل فلا جرم كانت صور انعدامها مقتضية لانعدام الحكم لأن عدم العلة علة لعدم المعلول كما قاله المصنف في الفرق الحادي والستين وليسر اللقب ف ي شيء من ذلك (قوله قال التبريزي والألقاب كالأعلام الخ) اللقب هو الاسم الجامد الذي لا يؤذن بموصوف وهو اصطلاح للأصوليين ولم يقل بحجيته منهم إلا ابن خويز منداد من قدماء المالكية بالعراق. والدقاق والصيرفي من الشافعية وبعض الحنابلة ونقل التفتازاني في بعض كتبه وأظنه المطول أن الأدباء يعتبرون مفهومه في المقامات الخطابية ومن ذلك مجيء تقدم المسند إليه على الخبر الفعلي أن ولي حرف النفي نحو ما أنا قلت هذا ونقل المازري في شرح البرهان عن مالك ﵀ أنه احتج به حيث استدل في المدونة على عدم إجزاء الأضحية ليلاً بقوله تعالى ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معدودات﴾ وهو غريب والاحتجاج غير متعين في اعتبار مفهوم الأيام بل يجوز أن يكون من الإشارة وقد يكون لأن مثل هاته العبادة لا تثبت بالقياس فوقف في مورد النص من باب الاحتجاج بأقل ما قيل وهو من طرق الاستدلال وقد احتج الأئمة بنظائر كثيرة من ذلك. منها أقل الصداق وغيرها.
ترجمة التبريزي
والتبريزي هو أمين الدين مظفر بن إسماعيل بن علي الواراني التبريزي الشافعي ولد سنة ٥٥٨ وثمان وخمسين وخمسماية وتوفي في شيراز سنة
стр. 63
٦٢١ إحدى وعشرين وستماية أخذ ببغداد ثم حج ثم استوطن مصر ثم سافر إلى العراق فشيراز له كتاب التنقيح في اختصار المحصول.
الفصل العاشر في الحضر
خصه بفصل بعد دخوله في جملة المفاهيم لتنوع طرقه واختلاف مقتضاه والحصر تخصيص شيء بشيء بطريق معهود، وقال صاحب المفتاح: تخصيص الموصوف بوصف دون ثان أو بوصف مكان آخر وتخصيص الوصف بموصوف دون ثان أو بموصوف مكان آخر" والمصنف عرفه برسم ناقص بذكر الحكم الحاصل عنه وبأدواته. والحاصل بهذا التخصيص هو الاختصاص والمقصور هو المخصص به والمقصور عليه هو المخصص. وله طرق ستة إنما وما وإلا والعطف بلا وتقديم المعمول وتعريف الخبر وضمير الفصل واشتهر عند الناس عدها أربعة اغتراراً بظاهر كلام المفتاح وقد غفلوا عن سببه لأنه ذكر اثنين وهما تعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل في أحوال المسند إليه والمسند ثم ذيل بالطرق الأربعة في فصل خاص قال فيه "أن القصر كما يجري بين المبتدأ والخبر يجري بين الفعل والفاعل وبين الفاعل والمفعول وبين المفعولين وبين الحال وصاحبها وبين كل طرفين الخ" ولقد أغرب المصنف حين عد الرابع المبتدأ والخبر فقال والمبتدأ والخبر فقال والمبتدأ مع خبره الخ وقال في الشرح هو على كل تقدير يفيد الحصر وبينه بما يؤل إلى اعتباره الحصر فيه مرة بمعنى الانحصار اللغوي وهو التصادق على حد قولهم حصر الكلي في جزئياته يعني صدق المبتدأ على الخبر المراد عند النحاة بقولهم المبتدأ عين الخبر: ومرة
стр. 64
بمعنى التخصيص المصطلح عليه فأثبت له الحصر بالمعنى الأول على كل تقدير وهو الذي ترجمه بقوله "يقع الحصر في الخبر دون نقيضه وضده ولا يمنع هذا الحصر ثبوت الخلاف" يريد لأن ثبوت النقيض والضد منتف عقلاً من نفس الأخبار بالمضاد والنقيض دون ثبوت الخلاف الذي لا ينفيه إلا الحصر ثم ركب في تعليله كلاماً اقتضبه من كلام الغزالي ونزله في غير المراد منه فجاء ضغثاً على إبالة وأثبت له الحصر بالمعنى الاصطلاحي عند تعريف الخبر خاصة وهو الذي شرحه بقوله "وأما مع التعريف فيجب سلب الخلاف أيضاً فلا يوصف بغير ذلك الخبر" ففرض كلام الغزالي وركبه على كلام الجمهور في باب الحصر وعمم ما فرضه الغزالي في نحو الأعمال بالنيات فقرره بما يقتضي ثبوت الحصر الاصطلاحي في نحو زيد أخوك وزيد صديقي وغلام زيد الذي كان معي بالأمس. وهو غير مستقيم وبيان ذلك: أن الأمثلة التي أثبت لها الغزالي الحصر قد عرض لها الحصر بواسطة القرائن فأراد الغزالي التفرقة بينها وبين نظائرها مما لم يعرض له عارض الحصر فقال "قوله الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم ينقسم وتحريمها التكبير والعالم زيد يلتحق بنحو إنما وإن كان دونه في القوة فنحن ندرك التفرقة بين قولك زيد صديقي وقوله صديقي زيد وذلك لأن الخبر يجب أن يكون أعم أو مساوياً للمبتدأ لا أخص فإذا قلت زيد صديقي جاز كون الصديق أعم من زيد بخلاف صديقي زيد فلو كان له صديق آخر غير زيد كان المبتدأ وهو صديقي أعم من الخبر وهو زيد وذلك ممتنع اهـ". فقد رأيتم أن الغزالي ساقه قرينة على ثبوت الحصر الاصطلاحي إذا كان المبتدأ في الأصل أعم من الخبر لأنه بعد الأخبار قل
стр. 65
عموم المبتدأ فساوى الخبر وطابقه والمصنف أخذ يبرهن به على لزوم الحصر بالمعنى الأعم للمبتدأ مع الخبر حيثما وقع فقال "فهذا برهان على ثبوت الحصر مطلقاً كيف كان المبتدأ والخبر" ثم رجع يفصل بين مواقع الحصر اللغوي من ذلك ومواقع الحصر الاصطلاحي فقال "غير أنه إذا كان الخبر نكرة إلى قوله فهو تخصيص لعموم الحصر" وبعدما تبين مراد المصنف من صنيعه هنا ومنشأ تقريره المأخوذ من تغيير كلام الغزالي فلابد من العطف إلى تحقيق هذا المبحث الذي طالما خاضت فيه أعلام من أيمة البلاغة والأصول فلم يأتوا على أواخره، ولم يجمعوا مشتت أمثلته بأواصره، فاعلموا أن أصل الفائدة من الأخبار هو إفادة أن ذاتاً معلومة للمتكلم والمخاطب اتصفت بوصف عام أي أنها كانت من جملة من يصلح لأن يصدق عليه ذلك الوصف ولذلك كان الأصل في المبتدأ التعريف وفي الخبر التنكير نحو زيد قائم وزيد حيوان لأن المبتدأ دال على ذات جزئية والخبر دال على جنس كلي والمستفاد من الأخبار هو أن الذات الجزئية صارت من جملة أفراد ذلك الكلي باعتبار من الاعتبارات وقد يصير الجنس معرفة أيضاً ويخبر عنه بجنس وذلك عند تعين الجنس المراد الأخبار عنه حتى ينزل منزلة الذات نحو الإنسان حيوان أي هذا الجنس من جملة أفراد الحيوان. فإذا قصد الأخبار بأن ذاتاً اتحدت بالجنس حتى صارت عينه جيء بالمبتدأ وبالخبر جنساً معرفاً لأن تعريف الجنس حينئذ إشارة إلى زوال عمومه وكليته حتى حضر في الذهن متميزاً عن غيره من الأجناس نحو زيد الصديق فوز أنه وزان قولك زيد عمرو أي هو عينه وطبقه. وإذا أريد أن جنساً انحصر في ذات فلم يكن له أفراد غيرها حقيقة أو ادعاء جيء
стр. 66
بالجنس مبتدأ معرفاً للإشارة إلى أنه قصد لا من حيث شموله وكليته بل من حيث أنه صبرة معروفة ممتازة عن غيرها من الصبر نحو الإله الله في الحصر الحقيقي ونحو الصديق زيد في الحصر الإدعاءي وهذان يفيدان الحصر باللزوم إلا أن التعريف معهما مطرد وغير محتاج للقرينة. هذا إذا أريد تعريف الجنس أما إن أريد تعريف العهد فالحصر أظهر. أما الإضافة فلا تفيد أكثر من نسبة المضاف للمضاف إليه غير أن المتكلم قد يتعلق غرضه بأن يفيد الحصر مع ذلك فيقدم الخبر على المبتدأ للدلالة على ذلك فتكون الإضافة حينئذ كتعريف الجنس وهو معنى قولهم الإضافة تأتي لما تأتي له اللام نحو صديقي زيد لأن وضع جنس الصديق المضاف إليك للتحدث عنه دليل على أنك تريد حصره في فرد وإلا للزم عليه كون المبتدأ أعم من الخبر كما تقدم في كلام الغزالي فتعين أنها لتعريف الجنس لقصد حصر الجنس في فرد مثل الصديق زيد وبهذا. يظهر الفرق بين قولك صديقي زيد وبين نحو صديق زيد الذي هو مساو لقولك زيد صديق لأن صديق متعين للخبرية قدم أم أخر لأنه نكرة فلا يصح الابتداء به أي التحدث عنه إذ لا تتوجه النفوس للمجهول ولو كان المخاطب يعرفه لعرف له بطريق من طرق التعريف فإبقاؤه على تنكيره دليل على أن المراد كونه محكوماً به تقدم أم تأخر هذا غاية ما لاح في تحقيقه وبه تنحل عقد عرضت في بحث تعريف المسند من المطول وتنحل عقدة المصنف هنا ويبطل تفصيله في بعض الصور وهي صورة تعريف المبتدأ بلام الجنس مع تنكير الخبر نحو الكرم في العرب فإنه يفيد قصر المبتدأ على الخبر وتفصيل المصنف يقتضي أنه لا يفيد إلا الحصر ويتبين أن التأثير في هذا الباب كله
стр. 67
لتعريف الجنس فإن كان ذلك التعريف في المبتدأ أفاد قصره على الخبر مطلقاً وغن كان في الخبر أفاد قصره على المبتدأ ولا يكون المبتدأ حينئذ إلا معرفة لأنه إنما يفيد القصر بواسطة قياس المساواة وهو أن اتحاد الجنس بالخبر يقتضي اتحاد جميع الافراد إذ لو شذ منها فرد لفارق الجنس الخبر كيف وقد ادعى اتحاده. وترك المصنف العطف بلا ولكن وبل لاتضاح أمره (قوله فهي موجبة جزئية الخ) بل هي شخصية لتشخيص موضوعها وليس نقيض الشخصية السالبة الكلية إذ لا يلزم من صدق غير زيد ليس بقائم كذب زيد قائم بل نقيضها الشخصية السالبة وهي زيد ليس بقائم (قوله وأما قوله ﷺ ذكاة الجنين ... فروي برفع ذكاة ونصبها الخ) الرفع أرجح لعدم التقدير ولأن الأوصاف يدوم إطلاق ما قارنه الموت منها فيستمر حينئذ الوصف كما تقول فلان الشجاع أو الشديد ولو عمر لهان فالجنين يسمى جنيناً ما دام بالبطن فإذا خرج فهو عجل فما صح إطلاق الجنين عليه بعد خروجه إلا لأنه خرج ميتاً فلازمه اسم الجنين ويتعين حينئذ أن يكون المعنى أن ذكاته هي ذكاة أمه ولا معنى لحمله على المجاز على حد وآتوا اليتامى إذ لا نكتة هنا. وأما حمله على التشبيه البليغ وهو المنقول عن الحنفية في غير هذا الكتاب فمع كونه تأويلاً هو يقتضي كونه قد خرج حياً فحينئذ لا يسمى جنيناً ولا خلاف في وجوب ذكاته حينئذ وإن خرج ميتاً فذكاته عبث غلا أن يصير الحديث كناية عن تحريم أكله وهذا لم يقله أحد والمنقول عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه منه أكله لعموم حرمته عليكم الميتة وتأول
стр. 68
الحديث ولذلك خالفه أبو يوسف فوافق الجمهور وهو مقيد عند الجميع بتمام خلقه ونبات شعره. أما رواية النصب فقد ذكرها ابن العربي في القبس على الموطأ قائلاً وقد طال النزاع في الرفع والنصب والأمر فيهما قريب. وذكرها الزيلعي في شرح الكنز وحملها على ما ذكره المصنف وفيه بعد معنى وإعراباً (قوله وخالفه جماعة الخ) منهم ابن الحاجب وأبو حيان وخلاف ابن الحاجب ذكره في شرحه للمفصل ووجهه بما رده التفتازاني وغيره (قوله قول العرب إياك أعني واسمعي يا جارة الخ) هو مثل أول من قله سهل بن مالك الفزاري وكان خرج إلى النعمان فمر ببعض أحياء طي ونزل بسيدهم فلم يجده ووجد أخته فلمما رأى جمالها جلس يوماً بفناء خباها وأنشد.
يا أخت خير البدو والحضارة ... كيف ترين في فتى فزارة
أصبح يهوى حرة معطارة ... إياك أعني فاسمعي يا جارة
ثم كان من أمره أن تزوجها فصار قوله يضرب مثلاً لمن يتكلم بكلام ويرد به تعريضاً ونحوه ومن مورد المثل يظهر أن المراد من تقديم المعمول حصر العناية فيها كي لا تظن أنه ينشد شعراً يذكر به الفه ورواية البيت بالفاء في فاسمعي والموجود في النسخ هنا بالواو. وقد كان هذا الرفق للأصمعي من أهل الذوق فلذلك احتج الأصمعي ببيانه.
ترجمة الأصمعي
والأصمعي هو إمام اللغة عبد الملك الأصمعي نسبة إلى أصمع بفتح الهمزة والميم أحد أجداده من قيس عيلان ويقال الباهلي لأن اسم إحدى جداته باهلة لا أنه من
стр. 69
قبيلة باهل ولد بالبصرة سنة ١٢٢ ثنتي وعشرين وماية وتوفي بها وقيل بمرو سنة ٢١٦ على الصحيح. أخذ عن حماد الرواية وأخذ عنه أبو عبيدة والرياشي وقدم بغداد فنال عند الرشيد مكانة وكان أعلم الناس بأخبار العرب وشعرهم (قوله وبقي على ثالث وهو حصر الصفة في الصفة الخ) لم يذكره أيمة البلاغة وهو يرجع إلى القسمين الأولين لأن أسماء الأحداث يصح فيها الأمران بالاعتبار فالنزاهة موصوف اعتباري مقصور على الاتصاف بنفي القناعة كما قال صاحب المفتاح في قوله تعالى "إن حسابهم إلا على ربي" فلا حاجة إلى ما زاده المصنف (قوله ومن باب الحصر بحسب بعض الاعتبارات الخ) أي القصر الإضافي.
стр. 70
الفصل الثاني عشر في التصديق
أعلى أقسامه العلم وهو الجزم المطابق للواقع عن دليل فمن الجزم يخرج الظن والشك والوهم والجهل ومن المطابق للواقع يخرج الجهل المركب ومن الدليل يخرج التقليد الصحيح لأنه لا يفيد يقيناً (قوله جمع المتنبي ثلاث جهالات الخ) جهلان بسيطان وواحد مركب وهو قوله "يجهل جهله".
ترجمة المتنبي
والمتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي المولود سنة ٣٠٣ ثلاث وثلاثمائة بالكوفة المتوفى قتيلاً في موضع يقال له الصافية من الجانب الغربي من سواد بغداد سنة ٣٥٤ أربع وخمسين وثلاثمائة وهو جعفي من مذحج. وأما الذين يقولون الكندي فنسبة
стр. 71
إلى محلة كندة جهة بالكوفة لا إلى قبيلة كندة. نشأ بالشام وكان إماماً في اللغة والأدب حتى عد فيمن يحتج في العربية بكلامه من المولدين. أخذ عنه أبو علي الفارسي وابن جني وهو من أشعر شعراء الإسلام. وشعره مملوء حكمة ومعاني عالية ولولا أنه شوهه بكثرة المديح لكان ديوانه أول دواوين شعراء العربية. ولو أن أحداً عمد إلى ديوانه فقطعه نصفين لخرج نصفه الأعلى حكمة وشعراً بديعاً. ونصفه الأسفل شحاذة. وسبب قتله أنه تعرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه فقاتلوه في عدة من أصحابه حتى قتل والظاهر أنه مغرى به من أعدائه وحساده الكثيرين (قوله فائدة قال بعض اللغويين محسوسات لحن الخ) يقع مثل هذا كثيراً في كلام العرب قصداً للتخفيف وقد جاء في صحيح البخاري في باب فضل من شهد بدراً من كتاب المغازي خرج عشرة من المسلمين فيهم عاصم بن ثابت فلما بلغوا الهدة نفر لهم حي من لحيان فلما حسن بهم عاصم الخ ونظيره قولهم المعلول والعلة قال في القاموس وأعله الله فهو معل
стр. 72
ولا تقل معلول والمتكلمون يقولونها وليست منه على ثلج (قوله ضربت أخماسي في أسداسي الخ) لم تقل العرب ذلك وإنما قالت العرب في أمثالها "ضرب أخماساً لأسداس" يضرب لمن يظهر أمراً ليتوصل منه إلى ما وراءه كمن يماطل في وعده يوماً يوماً أو من يداوم عملاً ليصل إلى زلفى ونحوها أو مخادعة. وأصله أنهم يسقون إبلهم بعد خمس ليال أو خمسة أيام ثم يسقونها بعد ستة وهكذا حتى تعتاد الظمأ فهو يظهر لها أنه يسقيها بعد خمس وأنشد الميداني في مجمع الأمالي عن ثعلب:
الله يعلم لولا أني فرق ... من الأمير لعاتبت ابن نبراس
في موعد قاله لي غير مكترث ... غداً غدا ضرب أخماس لأسداس
وإرادة الجهات منه لا تصح لأن الأخماس والأسداس جمع والحواس والجهات خمس وست لا جملة أخماس وأسداس على أن بعض الحواس لا يصح استعماله في بعض الجهات كالذوق واللمس فالأصح هو ما حكاه المصنف بقيل (قوله ووجه تركب المستند في المتواترات من الحس والعقل إلى الخ) المتواتر خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكب عن محسوس ولا يتقيد بعدد وإنما حصول العلم عقبه هو دليل استكمال شروطه فالجزم فيه يحصل تدريجاً
стр. 73
كما توصل الخطوات إلى الغاية وسيأتي تحقيقه في موضعه (قوله سؤال يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب الخ) وجه اللزوم أنه استدلال عقلي مستند إلى الحس كما علله بقوله فإن الحسن الخ. والجواب أن المحسوس في المجريات هو الذي يثبته العقل فالمقدمات فيها عين النتيجة فالذي تثبته بعد التجربة هو حرارة النار وهي عين المحسوس بخلاف النظر فإن المثبت به غير المحسوس فالمحسوس هو تغيير العالم والمثبت به هو وجود الصانع فهو محتاج إلى حد وسط بخلاف التجربة ولعل هذا هو مراد المصنف من قوله "إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية" وأما الفروق الثلاثة فأولها مصادرة وثانيها ممنوع إذ قد يكون العقلي محتاجاً لتكرار النظر. وثالثها لا طائل تحته إذ ليس الدليل العقلي المستند إلى الحس بخاصة بهذا المثال بل يكون في الأمور الممكنة كالاستدلال بالأثر على حياة المؤثر فيطلب حينئذ الفرق فتدبر (قوله فائدة اختلف العلماء هل الحواس الخ) الصواب الثاني إذ لو كان
стр. 74
للحس إدراك بدون العقل لإدراك ما يعرض له عند الإغماء وحفظه للعقل وقت الإفاقة وهو باطل.
الفصل الثالث عشر في الحكم
(قوله مع أني غيرت بالزيادة لقولي القديم الخ) الشهاب ﵀ يمت بالزيادة ثم يستدرك ببقاء لحاد فاسد الذكر الخطاب الذي لا يناسب وصف القديم وكلا الأمرين غير متجه. فأما زيادة لفظ القديم فلا فائدة فيها ولهذا تركه الإمام فخر الدين لأن بحث الأصولي عن الحكم الذي هو صفة للأفعال من وجوب أو حرمة أو نحوهما التي هي أثر الخطاب والتي أطلق الخطاب عليها مجازاً مشهوراً صار حقيقة عرفية في المخاطب به عند الأصوليين. ولا شك أن زيادة لفظ القديم تنافي هذا المعنى فتصير الحكم هو الصفة النفسية وليست مرادة للأصولي والمراد به هنا اللفظ الدال على وجوب ونحه أو مدلول اللفظ ولا يرد قوله فلو كانت حكماً لا تحد الدليل والمدلول لانا نجيب بأن لا اتحاد لأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز. وتثير تلك الزيادة أيضاً الأسئلة الثلاثة الأول من الأسئلة الخمسة التي أوردها المصنف على الحد وتعسف لدفعها. وتنافي أيضاً قولهم في تعريف الفقه أنه المكتسب من الأدلة التفصيلية إذ الخطاب القديم لا يصح كونه مكتسباً. وتنافي أيضاً جعله من أصول الفقه إذ الصفة القديمة لا ينبني عليها فقه إذ لا طريق لتعريفها. وأما التعبير بالخطاب فغنا ندفع إشكال
стр. 75
المصنف الذي أورد عليه بأحد وجهين ألهما أن الخطاب وإن كان يستدعي مخاطباً لكن لا يلزم لتحقق الخطاب وجود مخاطب بل علم الله بوجوده فيما لا يزال كاف في صحة الخطاب بناء على قول جمهور الأشاعرة بأن الأمر يتعلق في الأزل بالمعدوم وأن الله آمر وناه في الأزل وأن الكلام متنوع. وثانيهما أن التحقيق أن الكلام لا يسمى في الأزل خطاباً ولا يتنوع لأن كلامه تعالى واحد وانقسامه إلى أنواع الخطاب باعتبار التعلق إلا أنهم مختلفون في هذا التعلق هل هو حادث كتعلق الإرادة والقدرة وهو مختار ابن سعيد فيما نقل عنه ابن الحاجب وصاحب المواقف ومال إليه أم هو أزلي وتعلق الأمر ونحوه بمن خوطب به تعلق معنوي والصواب الأول وإليه مال جمع من المحققين فالأمر وغيره أنواع للكلام بحسب التعلق لا بحسب أصل الماهية كما في المواقف وعليه فهي إنما تكون عند وجود المخاطب وسبب الخطاب. وبهذا يجتث ما غرسه المصنف ﵀ من عروقه (قوله وعلى الحد بعد هذا خمسة أسئلة الخ) إنما هي في التحقيق ثلاثة ولكن واحداً منها يتجه بثلاثة توجيهات السؤال الأول لزوم حدوث الحكم لأنه يوصف به فعل العبد ولأنه يعلل بالحوادث ولأنه يوصف بسبق العدم والجميع ينافي القدم. الثاني أنه تعلق بفعل غير المكلف فلا ينعكس التعريف الثالث أنه لا يشمل خطاب الوضع فلا ينعكس التعريف أيضاً أما الأول بتوجيهاته فمدفوعة بما قدمناه في إبطال وصف الحكم بالقدم وبه نستغني