← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حضارة العرب تأليف غوستاف لوبون ترجمة عادل زعيتر

стр. 2

إسكملة من البرونز المكفت بالفضة للسلطان محمد بن قلاوون، صنعت في القرن الثالث عشر من الميلاد (متحف الآثار العربية بالقاهرة، من تصوير المؤلف الفوتوغرافي).

стр. 3

ـ

стр. 4

«إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن ما ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغةً لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبله». «ولم ينتشر القرآن، إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً، كالترك والمغول». «أدرك الخلفاء السابقون، الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً؛ فعاملوا أهل كل قطر استولوا عليه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعون سابقاً في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم». غوستاف لوبون

стр. 5

مقدمة المترجم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ كان من نتائج اصطراع الشرق والغرب منذ قرون مضت، وإلقاء العرب الرعب في قلوب الأوربيين -أن صار الأوربيون يشعرون بمذلة الخضوع للحضارة العربية التي لم يتحرروا من سلطانها إلا منذ زمن قريب، فأخذوا ينكرون فضل العرب على أوربة وتمدينهم لها، وأصبح هذا الإنكار من تقاليد مؤرخي أوربة وكتابها الذين لم يقروا لغير اليونان والرومان بتمدينها، وقد ساعدهم على هذا ما عليه العرب والمسلمون من التأخر في الزمن الأخير، فلم يشاؤوا أن يروا للعرب رقياً تاريخياً أعظم مما هم عليه الآن غير ناظرين إلى أن نجم حضارة العرب أفل منذ أجيال، وأنه لا يصح اتخاذ الحال دليلاً على الماضي. ولم تخل أوربة، مع ذلك، من مؤرخين أبصروا ما للعرب من فضلٍ في تمدين أوربة فألفوا كتباً اعترفوا فيها للعرب بما ليس فيه الكفاية. وقد راع هذا الجحود العلامة الفرنسي الكبير غوستاف لوبون، وهو الذي هدته رحلاته في العالم الإسلامي ومباحثه الاجتماعية إلى أن العرب هم الذين مدنوا أوربة، فرأى أن يبعث عصر العرب الذهبي من مرقده، وأن يبديه للعالم في صورته الحقيقية ما استطاع، فأخرج في سنة ١٨٨٤ كتاب «حضارة العرب» الذي نعرض ترجمته على الناطقين بالضاد. سلك العلامة لوبون في تأليف كتاب: «حضارة العرب» طريقاً لم يسبقه إليها أحد، فجاء جامعاً لعناصر هذه الحضارة وتأثيرها في العالم، شاملاً لعجائبها مفصلاً لعواملها،

стр. 6

باحثاً في قيام دولة العرب، وفي أسباب عظمتهم وانحطاطهم، مبتعداً عن أوهام الأوربيين التقليدية في العرب والإسلام. وقد استعان لوبون بطريقة التحليل العلمي على الخصوص، فأوضح في هذا الكتاب الصلة بين الحاضر والماضي، ووصف فيه يمزق العرب وبيئاتهم، ودرس فيه أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم ونظمهم ومعتقداتهم وعلومهم وآدابهم وفنونهم وصناعتهم وتأثيرهم في المشرق والمغرب، وأسباب عظمتهم وانحطاطهم. ٢ لم يكن العرب، على رأي لوبون، من الأجلاف قبل الإسلام، وقد رأى أن السجايا الخُلقية للعرق العربي هي التي عينت اتجاهه، وأنه، وإن أمكن ظهور حضارة أمة ولغتها بغتة على مسرح التاريخ، لا يكون هذا إلا نتيجة نضج بطيء، وأن تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات لا يتم إلا بالتدريج، وأن درجة التطور العالية التي تبدو للعيان لا تبلغ إلا بعد الصعود في درجات أخرَ، فإذا ما ظهرت أمة ذاتُ حضارة راقية كانت هذه الحضارة ثمرة ماضٍ طويل، ورأى لوبون، أيضاً، أن جهل الناس لهذا الماضي الطويل لا يعني عدم وجوده، وأن الحضارة التي أقامها العرب في أقل من مائة سنة، وهي من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ، ليس مما يأتي عفواً، وأنه كان للعرب قبل الإسلام حضارة لم تكن دون حضارة الأشوريين والبابليين تقدماً، وكان العرب، عدا الآثار القليلة التي كشف عنها، لغةٌ ناضجة وآداب راقية، وكان العرب ذوي صلات تجارية بارتي أمم العالم عالمين بما يتيم خارج جزيرتهم، فالعرب الذين هذا شأنهم كانوا، لا ريب، من ذوي القرائح التي لا تتم إلا بتوالي الوراثة وبثقافة سائقة مستمرة، والعرب الذين صقلت أدمغتهم على هذا الوجه استطاعوا أن يبدعوا حضارتهم الزاهرة بعد خروجهم من جزيرتهم في مدة قصيرة. ثم أيد لوبون وجهة نظره بقوله: «إن البرابرة الذين قوضوا دعائم الإمبراطورية الرومانية قاموا بجهود عظيمة دامت قروناً كثيرة قبل أن يقيموا حضارةً على أنقاض الحضارة اللاتينية، ويخرجوا من ظلمات القرون الوسطى». ثم ذهب لوبون إلى أن المعتقدات القديمة في جزيرة العرب كانت قد ضعفت، وفقدت الأصنام قوتها ودب الهرم في آلهتها، وأنه كان في الجزيرة العربية، خلا النصارى واليهود، من كانوا يعيدون إلهاً واحداً، وهم الحنفاء.

стр. 7

ولكن لوبون، الذي ذكر استعداد العرب القيام برسالتهم العظمى، أشاد بفضل الرسول الأعظم على العرب، وزعامته الكبرى لهم، فالرسول في نظره «كان يبدو رابط الجأش إذا ما هزم، ومعتدلاً إذا ما نصر»، وذهب لوبون إلى أن الرسول الأعظم «كان شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير، صموتاً حازماً، سليم الطوية ... صبوراً قادراً على احتمال المشاق، ثابتاً بعيد الهمة، لين الطبع وديعاً ... وكان مقاتلاً ماهراً، فكان لا يهرب أمام المخاطر، ولا يُلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في الطاقة لإنماء خُلُق الشجاعة والإقدام في بني قومه ... وكان عظيم الفطنة». ورأى لوبون أن السيد الرسول الذي كانت تلك صفاته أتى العرب، الذين لا عهد لهم بالمثل العليا، بمثل عالٍ اهتدوا به، فاكتسب العرب بهذا المثل العالي آمالاً متماثلة، وتوجهت به جهودهم إلى غرض واحد، وصاروا مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل نشره في أنحاء الدنيا، ثم قال: «إن محمداً أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيماً ... وإذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ ... والتعصب الديني هو الذي أعمى بصائر مؤرخي الغرب عن الاعتراف بفضل محمد». ٣ قامت عظمة الرومان على عبادة رومة، وكانت رومة سيدة العالم حين كان الروماني يضحي بنفسه في سبيل عظمتها، ثم فقدت الأمم الإغريقية والرومانية والآسيوية مثلها العليا، ولم يبق لحب الوطن والدين والاستقلال والأمة والمدينة أثر في نفوس أبنائها، وصارت الأثرة كل ما في قلوب هؤلاء، «والأثرة إذا كانت دليل قوم عجزوا عن مقاومة قومٍ آخرين مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل معتقداتهم». وصار العرب أمةً واحدةً يفضل الإسلام، وأصبح الإسلام مثل العرب الأعلى، واكتسب العرب به من الحمية ما استعدوا معه لفتح العالم إعلاءً لشأنه بقيادة زعمائهم الماهرين. ولم تكن جزيرة العرب قبل الإسلام سوى ميدان حرب دائم واسع لما تأصل في العرب من الطبائع الحربية، فقد جاء الإسلام وألف بين قلوب العرب ووجهوا جميع قواتهم إلى البلاد الأجنبية، وهم الذين ورثوا الشجاعة أباً عن جد، صرعوا الأغارقة والفرس بفضل يقينهم، وصار الناس يدخلون في الإسلام، وينتحلون لغة العرب أفواجاً.

стр. 8

وهنا يبدو إنصاف العلامة لوبون في بيان أسباب ذلك، فقد صرح بأن وضوح الإسلام من أسباب انتشاره، وبأن وضوحه هذا مشتقٌ من قوله بالتوحيد المحض الذي فيه سر قوته. ومن أسباب انتشار الإسلام، كما بين لوبون، ما أمر به من العدل والإحسان، وما انطوى عليه من التهذيب للنفوس والتسامح والملاءمة لمناحي العلم واكتشافاته. ثم رد العلامة لوبون على الزعم القائل: «إن الإسلام انتشر بالقوة»، فمما قاله: «إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن ما ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغةٌ لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغاليين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل». «ولم ينتشر القرآن، إذن، بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً، كالترك والمغول». «أدرك الخلفاء السابقون، الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً؛ فعاملوا أهل كل قطر استولوا عليه بلطف عظيم تاركين قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم، غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة، في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعون سابقاً في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم». «وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمة حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم». وأكثر لوبون، في مواضع كثيرةٍ، من ذكر الأمثلة على تسامح العرب ورأفتهم بالمغلوبين، ومن ذلك «أن العرب حاصروا الإسكندرية حصاراً دام أربعة عشر شهراً، وقيل في اثنائه ثلاثةٌ وعشرون ألف جندي من العرب، وأن عمرو بن العاص كان سمحاً رحيماً نحو أهل الإسكندرية مع تلك الخسارة التي أصيب بها العرب، ولم يقس عليهم، وصنع ما يكسب به قلوبهم، وأجابهم إلى مطالبهم، وأصلح أسدادهم وترعهم، وأنفق الأموال الطائلة على شؤونهم العامة».

стр. 9

ولذلك لم يكد القرن الأول من الهجرة ينقضي حتى كانت راية النبي العربي تخفق فوق البلاد الواقعة بين الهند والمحيط الأطلنطي، وبين القفقاس والخليج الفارسي وفوق إسبانية. ٤ وبحث العلامة لوبون في القرآن وأصول الإسلام، وفيما يسنده بعض كتاب أوربة إلى الإسلام من عوامل الانحطاط، كعقيدة القضاء والقدر (الجبرية) وأحوال المرأة، ومبدأ تعدد الزوجات. رأى لوبون أنه ليس في القرآن من الجبرية ما ليس في الأديان الأخرى، وأن فريقاً من فلاسفة الوقت الحاضر وعلمائه يقول: إن مجرى الحوادث تابعٌ لسنة لا تتبدل، وأن الجبرية الإسلامية نوعٌ من التسليم الهادئ الذي يعلم به الإنسان كيف يخضع لحكم القدر من غير تبرم وملاومة، «وتسليم مثل هذا وليد مزاجٍ أكثر منه عقدة، والعرب كانوا جبريين بمزاجهم قبل ظهور محمد، فلم يكن لجبريتهم تأثير في ارتقائهم، كما أنها لم تؤد إلى انحطاطهم». ولما تناول لوبون حال المرأة في الإسلام بين أن الرجال كانوا، قبل ظهور الرسول، يعدون منزلة النساء متوسطةً بين الأنعام والإنسان، وأنهم كانوا يرونها أداة للاستيلاد والخدمة، وأن عادة الوأد كانت شائعةً بين عرب الجاهلية، ثم جاء الإسلام وحسن حال المرأة، وكان أول دينٍ رفع شأنها، ومنحها حقوقاً إرثيه لا تجد مثلها في القوانين الأوربية، وأمر بمعاملتها بأحسن مما في تلك القوانين، وبين لوبون، أيضاً، أن نقصان شأن المرأة حدث خلافاً للإسلام، لا بسبب الإسلام، وأن الإسلام، الذي كان أول دين رفع شأن المرأة بريء من خفضه، وأنه اتفق للنساء أيام حضارة العرب ما اتفق لأخواتهن حديثاً في أوربة من التقدم، ثم التمس لوبون العذر للشرقيين في مراقبة المرأة، فقال: «إن الشرقيين، إذ كانوا مطلعين بغرائزهم على سرائر الأمور، وكانوا يرون من طبيعة المرأة أن تكون غادرة غير وفية، كما أن الطيران من طبيعة الطير، وكانوا حريصين على صفاء نسلهم، اتخذوا ما يروقهم من وسائل الحذر منعاً لحدوث ما يخشون». وأنحى لوبون باللائمة على مؤرخي أوربة الذين قالوا: إن مبدأ تعدد الزوجات هو ركن الإسلام، وإنه علة انحطاط الشرقيين، فمبدأ تعدد الزوجات، كما أوضح لوبون، لم يكن خاصاً بالإسلام، فقد عرفه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أهم الشرق قبل

стр. 10

ظهور الرسول، ولم تر الأمم التي اعتنقت الإسلام شيئاً جديداً فيه، وعند لوبون: «أن حب الشرقيين الجم لكثرة الأولاد وميلهم الشديد إلى حياة الأسرة، وخلق الإنصاف الذي يردعهم عن ترك المرأة غير الشرعية بعد أن يكرهوها خلافاً لما يقع في أوربة، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة، كلها أمور تحفز الشرائع إلى تأييد العادات التي هي وليدة الطبائع، وإذا نظرنا إلى أن القوانين لا تلبث أن تطابق العادات كان لنا أن نقول: إن تعدد الزوجات غير الشرعي في أوربة لا يلبث أن تؤيده القوانين»، ولم ير لوبون سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبةً من مبدأ تعدد الزوجات السري الخبيث الذي يؤدي إلى زيادة اللُّقطاء في أوربة. وإنما عزا لوبون سقوط الدولة العربية وانحطاط العرب إلى صفات العرب الحربية المتأصلة التي كانت نافعةً في دور فتوحهم، فالعرب بعد أن تمت فتوحهم أخذ ميلهم إلى الانقسام يبدو، وصارت دولتهم تتجزأ، وقوضوا كيانهم بسلاحهم أكثر مما قوض بسلاح الأمم الأخرى، وعزا لوبون انحطاط العرب، أيضاً، إلى ما حدث من قبض أناس من ذوي العقول المتوسطة على زمام دولتهم الواسعة بعد أن كان يدير شؤونها رجالٌ من العباقرة، وإلى ما ألفه العرب من الترف، وما أصابهم من فتورٍ في الحماسة لمثلهم الأعلى، وإلى تنافس مختلف الشعوب التي خضعت لسلطانهم، وإلى فساد الدم العربي الذي نشأ عن توالد العرب وتلك الشعوب. وعلى ما في هذه الأسباب من الصحة لا نعتقد أن لوبون أصاب حين ظن أن من أصول الإسلام النظام الأساسي القائل بجمع جميع السلطات في يد سيد مطلق، وحين عزا انحطاط العرب إلى هذا النظام الذي حمل به الناس كما ادعى، على التمسك بأحكام الماضي الإسلامية غير المطابقة لاحتياجاتهم المتحولة، فبعد أن أوضح لوبون أن نظام العرب ديموقراطيٌ، وأن مبدأ المساواة التامة ساد الجميع بفضله، وأن الفقهاء ساروا على مبدأ «لا ينكر تغُّير الأحكام يتغير الأمكنة والأزمان»، وأن المسلمين في عصر خلفاء بغداد وقرطبة الزاهر كانوا يعلمون، بما يأتون من ضروب الاجتهاد، كيف يوفقون بين هذه الأحكام واحتياجات الأمم التي انتحلتها، كان من الخطأ ذهابه إلى أن نظام الحكم المطلق هو من أصول الإسلام، جاء في القرآن: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ... ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ... ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ... إلخ، وقال الرسول الأعظم: «الدين النصيحة لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» ... و «إن الله يرضى لكم

стр. 11

أن تعبدوه وحده، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» ... و «ما تشاور قومٌ إلا هدوا لأرشد أمرهم» ... و «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» ... إلخ. ٥ وبعد أن أوضح العلامة لوبون أن الإسلام ألف بين قلوب العرب، وأنهم فتحوا العالم بفضله متخذين ما أمرهم به من العدل والإحسان والتسامح والرأفة بالأمم المغلوبة دستوراً لهم، قال: «كان من سياسة العرب الثابتة، إذا ما أرادوا الاستقرار بقطر؛ أن يكونوا على وثام مع الأهلين المغلوبين، وأن يحترموا دينهم وشرائعهم، وأن يكتفوا بأخذ جزيةٍ طفيفة منهم»، وإلا كان همهم تمويل الجنود وأخذ الغنائم. وأثبت لوبون، بما لا يترك للشك مجالاً، أن عبد الرحمن الغافقي لم يهدف من غزوه لفرنسة إلا الاستقرار بها واتخاذها قاعدة للاستيلاء على أوربة، وأن النصر الذي أحرزه شارل مارتل في بواتيه لم يكن مهماً كما زعم المؤرخون، بدليل عجز شارل مارتل عن استرداد أية مدينة استولى عليها العرب عسكرياً في فرنسة، وبدليل بقاء العرب، بعد معركة بواتيه مدة قرنين في جنوب فرنسة، وبدليل محالفة بعض أمراء فرنسة العرب على شارل مارتل الذي أخذ ينهب بلادهم، ثم قال لوبون: «إن النتيجة المهمة الوحيدة التي أسفر عنها انتصار شارل مارتل في بواتيه هي أنه جعل العرب أقل جرأة على غزو شمال فرنسة، ونتيجةٌ مثل هذه لم تكف لتكبير أهمية انتصار هذا القائد الفرنجي». ثم ألمع لوبون، بعد أن ذكر غاية العرب من غزو فرنسة، إلى تخوف مؤرخي الغرب على مصير أوربة فيما لو كان النصر قد تم العرب في معركة بواتيه وكانت غايتهم الاستيلاء، وقال: «لنفرض، جدلاً، أن النصارى عجزوا عن دحر العرب، وأن العرب وجدوا جو شمال فرنسة غير بارد ولا ماطر كجو إسبانية فطابت لهم الإقامة الدائمة به، فماذا كان يصيب أوربة؟ كان يصيب أوربة النصرانية المتبربرة مثل ما أصاب إسبانية من الحضارة الزاهرة تحت راية النبي العربي، وكان لا يحدث في أوربة، التي تكون قد هذبت، ما حدث فيها من الكبائر، كالحروب الدينية وملحمة سان بارتلمي ومظالم محاكم التفتيش، وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضرجت أوربة بالدماء عدة قرون». وقد خصص العلامة لوبون فصلاً للحروب الصليبية أشار فيه، غير مرة، إلى الفرق بين الفتح العربي والغارات الصليبية من حيث التسامح وحسن معاملة المغلوبين

стр. 12

والسياسة الرشيدة، فقال: «كانت أوربة، ولا سيما فرنسة، في القرن الحادي عشر الذي جردت فيه الحملة الصليبية الأولى في أشد أدوار التاريخ ظلاماً ... ولم يكن الصراع العظيم الذي كان يتمخض عنه العالم غير نزاع عظيم بين أقوام من الهمج، وحضارةٍ تعد من أرقى الحضارات التي عرفها التاريخ». وقال لوبون، بعد أن ذكر الفظائع الوحشية وأعمال التخريب والسلب التي اقترفها الصليبيون في طريقهم إلى القدس، وذبحهم لمئات الألوف من المسلمين والعرب والأبرياء: «كان سلوكهم حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب نحو النصارى». ثم قال لوبون، الذي روى لنا أن أول ما بدأ به قائد الحملة الصليبية الثالثة ريكاردوس هو قتله صبراً ثلاثة آلاف أسير مسلم سلموا أنفسهم إليه بعد أن قطع لهم عهداً بحقن دمائهم: «ليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير تلك الكبائر في صلاح الدين النبيل الذي رحم نصارى القدس فلم يمسهم بأذى، والذي أمد فليب أوغست وقلب الأسد ريكاردوس بالأزواد والمرطبات في أثناء مرضهما، فقد أبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل المتمدن وعواطفه وتفكير الرجل المتوحش ونزواته». وتمنى العلامة لوبون أن يكون العرب قد استولوا على العالم، ومنه أوربة، لما كان فيهم من نبيل الطبائع وكريم السجايا، فأعرب عن ذلك بقوله: «يروى، مع التوكيد، أن موسى بن نصير فكر، بعد فتح إسبانية، في العودة إلى سورية من بلاد الغول وألمانية وفي الاستيلاء على القسطنطينية، وفي إخضاع العالم القديم لأحكام القرآن، وأنه لم يعقه عن ذلك العمل العظيم سوى أمر الخليفة إياه بأن يعود إلى دمشق، فلو وفق موسى بن نصير لذلك لجمل أوربة مسلمة، ولحقق للأمم المتمدنة وحدتها الدينية ولأنقذ أوربة، على ما يحتمل، من دور القرون الوسطى الذي لم تعرفه إسبانية بفضل العرب». ٦ ولم يكن دور الفتح سوى وجه من وجوه تاريخ العرب، ولم تعن إقامة دولةٍ عظيمة إبداع حضارة، والعرب قد أبدعوا حضارة جديدة، ولم يلبث دور ازدهار حضارتهم أن بدأ بعد أن فرغوا من فتوحهم، وما بذلوا من الجهود في الوقائع الحربية وجهوا مثله إلى الآداب والعلوم والصناعة، وأبدعوا فيها بسرعة ما أبدعوه فيها ضروب القتال، وكان لا بد من وجود عوامل لصعود العرب في سلم الحضارة والإبداع فيها.

стр. 13

رجع العلامة غوستاف لوبون هذه العوامل، خلا ما تقدم، إلى بيئة العرب وذكائهم اللامع وخيالهم الخصب وحيويتهم، وقال: لم يلبث العرب بعد خروجهم من صحاري جزيرتهم أن وجدوا أنفسهم أمام ما بهرهم من آثار الحضارة الإغريقية اللاتينية، وأن أدركوا تفوقها الثقافي، كما أدركوا تفوقها الحربي فيما مضى، فجدوا، من فورهم؛ ليكونوا على مستواها. ويتطلب استمراء حضارة راقية ذكاءً مثقفاً ... وقد أثبتنا أن العرب كانوا أيام الرسول ذوي ثقافة أدبية رفيعة. والحق أن الرجل المثقف قد يجهل أموراً كثيرة، وإنما يتعلمها بسهولة؛ لما فيه من الاستعداد الذهني، وقد أظهر العرب في دراسة العالم، الجديد في أعينهم، من الحماسة كالاستعداد، الذي أبدوا لفتحه. ولم يتقيد العرب في دراسة تلك الحضارة، التي واجهتهم فجأةً، بمثل التقاليد التي أثقلت كاهل البيزنطيين منذ زمن طويل، فكانت الحرية من أسباب تقدمهم السريع ... ولم يلبث أن تجلى استقلال العرب الروحي الطبيعي وخيالهم وقوة إبداعهم في مبتكراتهم الحديثة، وقد رأينا أنه لم يمض سوى وقت قصير حتى طبعوا على فن العمارة وسائر الفنون، ثم على مباحثهم العلمية، طابعهم الخاص الذي يبدو أول وهلةٍ في آثارهم. وقد استدل لوبون على أن العرب خرجوا من جزيرتهم أصحاب ذكاء مصقول من عجز البرابرة الذين قضوا على الدولة الرومانية، ومن عجز الترك والمغول الذين قضوا على الدولة العربية عن إبداع أية حضارة لعقولهم الغليظة، مع توافر عوامل البيئة، فقال: يبدو لنا الفرق بين الأمم التي تكون على جانب كبير من الذكاء، كالأمة العربية والأمم المنحطة، كبرابرة القرون الوسطى الذين قضوا على دولة الرومان، وأجلاف الترك والمغول الذين غمر طوفانهم دولة محمد. فلقد أبدع العرب من فورهم، بعد أن استعانوا بحضارة اليونان وحضارة الرومان وحضارة الفرس، حضارةً جديدة أفضل من الحضارات التي جاءت قبلها، وكانت عقول البرابرة عاجزةً عن إدراك كنه الحضارة التي قهروا أهلها، وكان انتفاعهم بها ممسوخاً في بدء الأمر، ولم يسيروا بها نحو الرقي إلا بعد أن صقلت أدمغتهم فصارت قادرةً على إدراك معانيها بعد زمن طويل.

стр. 14

والواقع أن تقدم أولئك البرابرة الذين هدموا الدولة الرومانية لم يحدث إلا بتوالي الأجيال، وأنهم لبطء تقدمهم لم يستطيعوا إقامة حضارة جديدة على أنقاض حضارة القرون الأولى إلا بعد جهود استمرت قروناً كثيرة. أما الترك والمغول فلم يكن لهم، على رأي لوبون، شأنٌ في ميدان الحضارة، ولم يقدروا على الانتفاع بحضارة العرب انتفاعاً كافياً، فضلاً عن عدم استطاعتهم إبداع أيَّ شيء بتوالي القرون. حقاً إن العرب أخذوا ينظمون شؤونهم بعد انتهاء دور الفتوح، فحولوا جهودهم إلى ميدان الحضارة، وأبدعوا حضارة أينعت فيها الآداب والعلوم والفنون، وبلغت الذروة. وهنا نذكر أن العلامة لوبون، الذي رأى أن العرب أثبتوا منذ ساعة اتصالهم بالعالم الخارجي أنهم من ذوي العقول الناضجة المستعدة للتمدن والتمدين، لم يسعه، حين تكلم عن تهمة حرق مكتبة الإسكندرية، سوى ردها عنهم بحرارةٍ في الكلمات الآتية، وهي: وأما إحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم فمن الأعمال الهمجية التي تأبها عادات العرب، والتي تجعل المرء يسأل: كيف جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمناً طويلاً؟ وهذه القصة دحضت في زماننا فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهل من أن تثبت، بما لدينا من الأدلة الواضحة، أن النصارى هم الذين أحرقوا كتب المشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعناية كالتي هدموا بها التماثيل، ولم يبق منها ما يحرق. ٧ رأى العرب ذوو الذكاء اللامع والخيال الخصب والحيوية أنفسهم، في دور الفتح، في بيئات متباينة واقعة بين بلاد الهند والمحيط الأطلنطي، وكان لهذه البيئات تأثيرٌ متنوع فيهم مع تشابه صفاتهم الخاصة بعرقهم، فكان ما ترى من تفاوت في آثارهم الماثلة القائمة في تلك الأقطار، ومن وجود أوجه شبه بينها على العموم. قال لوبون: «كان شأن العرب بالنسبة إلى المهندسين الأجانب الذين استخدموهم في دور الفتح كشأن الرجل الغني الذي يقيم لنفسه بيتاً، فكما أن المهندس الذي يرسم بيت ذلك الغني يراعي فيه، لا ريب، ذوقه، نرى مهندسي الروم قد راعوا ذوق العرب فيما أقاموا لهم من المباني الأولى، فتجلت عبقرية العرب فيها.

стр. 15

ولم يلبث العرب، بعد أن تحرروا من المؤثرات الأجنبية، أن أصبح لعمارتهم من الأشكال والنقوش الخاصة ما صار من المتعذر معه خلطها بغيرها، وإن أمكن أن يرى شيءٌ من الأثر البيزنطي أو الفارسي أو الهندي في بعض زخارفها مع محافظة البناء في مجموعة على طابعه العربي». ولكن إيداع فن عمارة جديد لا يكفي لجعله أفضل من غيره، فقد يكون الفن الذي ظهر قبله خيراً منه، فإلى هذا انتبه العلامة لوبون، وقال: «يكفي الإنسان أن ينظر إلى إحدى البنايات التي أقيمت في دور راقٍ من أدوار الحضارة العربية، مسجداً كان ذلك البناء أو قصراً، أو أن ينظر إلى ما صنع فيه من دواة أو خنجر أو جلد قرآنٍ؛ ليرى لهذه الآثار طوابع خاصةً لا يتطرق الوهم إليه في أصلها، والباحث في مصنوعات العرب، كبيرةً كانت أو صغيرة، لا يرى فيها أية صلة ظاهرة بمصنوعات أية أمة أخرى، فالإبداع في مصنوعات العرب تامٌ واضح ... وتتجلى قوة الإبداع الفني في الأمم في سرعة تحويل ما ظفرت به من عناصر الفن، وجعله ملائماً لاحتياجاتها وابتكارها بذلك فناً جديداً، فإذا تحقق هذا لدينا علمنا أن العرب لم تسبقهم أمة ... وما على المرء إلا أن ينظر إلى آثار العرب الأدبية والفنية؛ ليعلم أنهم حاولوا تزيين الطبيعة دائماً، وذلك لما اتصف به الفن العربي من الخيال والنضارة والبهاء وفيض الزخارف والتفنن في أدق الجزئيات. والأمة العربية، قد رغبت بعد أن اغتنت (والأمة العربية أمة شعراء، وأيُّ شاعر لا يكون متفنناً) في تحقيق خيالاتها فأبدعت تلك القصور الساحرة التي يخيل إلى الناظر أنها مؤلفة من تخاريم رخامية مرصعة بالذهب والحجارة الكريمة. ولم يكن لأمة مثل تلك العجائب، ولن يكون، فهي وليدة جيل فتيً مضى، وخيال خصب ذوى، ولا يطمعن أحدٌ في قيام مثلها في الدور الحاضر المادي الفاتر الذي دخل البشر فيه». ولم يستطع العلامة لوبون أن يمنع نفسه، وهو المفكر الوقور، من التغني بآثار العرب، وإبداء ذلك في كل مناسبة، ومن ذلك قوله عن جامع الصخرة في القدس: «والمرء قد يفكر في تلك القصور السحرية التي يبصرها بخياله أحياناً، ولكن الخيال دون الحقيقة في أمر جامع عمر». والخلاصة: أن لوبون رأى أن فنون العرب آية في الإعجاز، وأنها تورث العجب العجاب.

стр. 16

ولم ير لوبون أن انتفاع الفن العربي، بما أذخرته الأجيال السابقة مما يضره، فعند لوبون أن كل جيل يقتبس من الأجيال الماضية، وهو يضيف إلى ما أقتبسه إذا كان على ذلك من القادرين، قال لوبون: «أثبت العلم الرفيع أن أصول الفن اليوناني مقتبسةٌ من الآشوريين والمصريين ... وأن العرب والأغارقة والرومان والفينيقيين والعبريين وكل أمة أخرى استفادوا من مجهودات الماضي، ولولا ذلك لكان لزاماً أن تبدأ كل أمة بما بدأت به الأمم الأخرى، ولسُدَّ باب التقدم، وكل ما تفعله الأمة في بدء الأمر هو أنها تقتبس من الأمم التي جاءت قبلها، ثم تضيف إلى ما أخذته أموراً أخرى ... وإذا أنعمت النظر في المباني العربية، كالقصور التي أقامها العرب في الأندلس أو المساجد التي أقاموها في القاهرة، رأيت العناصر الأولى التي تألفت منها بلغت من التمازج درجة يتعذر معها الانتباه إلى المصادر التي اشتقت منها». ٨ ولم يكن النشاط الذي يحفز الإنسان إلى التقدم قوياً في أمة مثل قوته في العرب، كما شهد به العلامة غوستاف لوبون، ولذلك نال العرب درجة رفيعة من الثقافة بعد أن أتموا فتوحهم بزمن قصير، وكانت لهم مبتكراتٌ فيما ورثوه من علوم الأولين. والواقع أن حب العرب للعلم كان عظيماً، وأن الخلفاء لم يتركوا طريقاً لاجتذاب العلماء ورجال الفن إلا سلكوها، وأن أحد خلفاء بني العباس شهر الحرب على قيصر الروم؛ ليأذن لأحد الرياضيين المشهورين في التدريس ببغداد، وأن العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل أخذوا يتقاطرون إلى بغداد التي كانت مركز الثقافة العالمية، كما أخذوا يتقاطرون إلى عاصمة الأندلس، قرطبة، التي كانت مركزاً للعلوم والفنون والصناعة. قال لوبون: «كانت معارف اليونان واللاتين القديمة أساساً لثقافة متعلمي العرب في الدور الأول، وكان هؤلاء الطلاب الذين يتلقون في المدرسة ما ورثه الإنسان من علوم الأولين، وكان اليونان أساتذة العرب الأولين إذن، ولكن العرب المفطورين على قوة الإبداع والنشاط لم يكتفوا بحال الطلب الذي اكتفت به أوربة في القرون الوسطى، فلم يلبثوا أن تحرروا من ذلك الدور الأول ... والإنسان يقضي العجب من الهمة التي أقدم بها العرب على البحث، وإذا كانت هنالك أمم قد تساوت هي والعرب في ذلك، فإنك لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل ...

стр. 17

ولم يلبث العرب، بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، أن أدركوا أن التجربة والترصد خيرٌ من أفضل الكتب ... ويعزى إلى بيكن، على العموم، أنه أول من أقام التجربة والترصد، اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة، مقام الأستاذ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم. ومنح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتهم دقةً وإبداعاً لا ينتظر مثلهما من رجل تعود درس الحوادث في الكتب ... ونشأ عن منهاج العرب التجريبي وصولهم إلى اكتشافات مهمة ... ولما آل العلم إلى العرب حولوه إلى غير ما كان عليه، فتلقاه ورثثهم مخلوقاً خلقاً آخر ... » ٩ ولم يقتصر فضل العرب في ميدان الحضارة على أنفسهم، فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب، والمشرق والمغرب مدينان لهم في تمدنهما، ولم يتفق لأمة فيهما ما للعرب من النفوذ. ذلك ما رآه لوبون، وهو القائل: «إن الأمم التي كانت لها سيادة العالم، كالآشوريين والفرس والمصريين والأغارقة والرومان، توارت تحت أعفار الدهر ولم تنزل لنا غير أطلالٍ دارسة، وعادت أديانها ولغاتها وفنونها لا تكون سوى ذكريات، والعرب، وإن تواروا أيضاً، لم تزل عناصر حضارتهم، وإن شئت فقل: ديانتهم ولغتهم وفنونهم، حية ... «وأنشأ العرب بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارة التي ظهرت قبلها، وتمكنوا من حمل أمم كثيرة على انتحال دينهم ولغتهم وحضارتهم الجديدة، واتصلت بالعرب أممٌ قديمة كشعوب مصر والهندوس، واعتنقت معتقدات العرب وعاداتهم وطبائعهم وفن عمارتهم، واستولت بعد ذلك أمم كثيرة على الأقطار التي فتحها العرب، وظل نفوذ العرب فيها ثابتاً، ويلوح لنا أن رسوخ هذا النفوذ أبديٌ في جميع البقاع الآسيوية والإفريقية التي دخلوها، والتي تمتد من مراكش إلى الهند». وشمل فضل العرب قاهريهم أيضاً، مع عجز هؤلاء عن الانتفاع بحضارة العرب كما كان يجب، وانتحل أكثر قاهري العرب دين العرب وفنونهم وعلومهم، واتخذ أكثرهم العربية لغة له، ولم يدر في خلد أحدهم إقامة حضارةٍ مقام حضارة العرب، فحضارة

стр. 18

العرب أينما حلت ثبتت أصولها، ولم يقدر فاتح على زعزعتها، وهي من المناعة ما استطاعت أن تهيمن به على الأمم التي حاولت هدمها. قال لوبون: «لا نرى في التاريخ أمةً ذات أثرٍ بارز كالعرب، فجميع الأمم التي اتصل العرب بهم اعتنقت حضارتهم، ولو حيناً من الزمن، ولما غاب العرب عن مسرح التاريخ انتحل قاهروهم، كالترك والمغول، إلخ، تقاليدهم وينوا للعالم ناشرين لنفوذهم، أجل، لقد ماتت حضارة العرب منذ قرون، ولكن العالم لا يعرف اليوم في البلاد الممتدة من سواحل المحيط الأطلنطي إلى الهند، ومن البحر المتوسط إلى الصحراء غير أتباع النبي ولغتهم». وعندما تكلم العلامة لوبون عن عرب الأندلس قال: «لم يكن العرب يتمون فتح إسبانية حتى بدأوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين ويعمروا خرب المدن، ويقيموا فخم المباني ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى، ثم شرعوا يتفرغون الدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين، وينشؤون الجامعات التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمناً طويلاً». ثم رأي لوبون أن إسبانية هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب عنها، وذلك بعد قوله: «لا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتلٍ كتلك التي اقترفت ضد المسلمين، ومما يرثي له أن حرمت إسبانية عمداً هؤلاء الملايين الثلاثة الذين كانت لهم إمامة السكان الثقافية والصناعية». ورأى لوبون، والحق ما رأى، أن العرب مدنوا أوربة مادة وعلماً وأخلاقاً، «فقد كان عرب الأندلس يتصفون بالفروسية المثالية خلا تسامحهم العظيم، فكانوا يرحمون الضعفاء، ويرفقون بالمغلوبين، ويقفون عند شروطهم، وما إلى هذا من الخلال التي اقتبستها الأمم النصرانية بأوربة منهم مؤخراً ... وأثر عرب الأندلس في أخلاق الناس، فهم الذين علموا الشعوب النصرانية، وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن ما تصبو إليه الإنسانية ... ويمكن القول بأن التسامح الديني كان مطلقاً في دور ازدهار العرب ... ومثل هذا التسامح مما لم تصل إليه أوربة بعد ما قامت به في أكثر من ألف سنة من الحروب الطاحنة، وما عانته من الأحقاد المتأصلة، وما منيت به من المذابح الدامية». وقد أفاض العلامة لوبون في إيضاح تمدين العرب لأوربة، وانتهى إلى ما يأتي: «إنه كان للحضارة الإسلامية تأثيرٌ عظيم في العالم، وإن هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم فلا نشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، والعرب هم الذين هذبوا بتأثيرهم الخلقي البرابرة الذين قضوا على دولة الرومان، والعرب هم الذين فتحوا لأوربة ما كانت

стр. 19

تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، فكانوا متمدنين لنا وأئمة لنا ستة قرون ... وظلت ترجمات كتب العرب، ولا سيما الكتب العلمية، مصدراً وحيداً، تقريباً للتدريس في جامعات أوربة خمسة قرون أو ستة قرون ... وإذا كانت هناك أمةٌ تقر بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمن القديم فالعرب هم تلك الأمة ... فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً، قال مسيو ليبرى: لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ: لتأخرت نهضة أوربة الحديثة في الآداب عدة قرون». ولم يغب عن بال لوبون أن يرد على قول بعض الكتاب إن معظم علماء العرب في بلاد الإسلام ليسوا من أصلٍ عربي، فقد قال: «إن تلك البلاد مما ملكة العرب، وإن الدم العربي مما جرى في عروق أبنائها، وإن علوم العرب مما كان لها نصيبٌ منه زمناً طويلاً، وإنه إذا أبيح لأحدٍ أن يجادل في الآثار التي صدرت عن مدارس العرب كان ذلك من قبيل إباحته لنفسه أن يجادل في مؤلفات علماء فرنسة بحجة أنهم من الشعوب الكثيرة التي تألف من مجموعها الشعب الفرنسي كالنورمان، والسلت، والأكيتان ... إلخ». وعند العلامة لوبون أن أوربة أخذت حضارتها من عرب الأندلس على الخصوص، وهو لم ير للحروب الصليبية كبير فضلٍ في تمدين أوربة خلا ما اقتبسه الأوربيون في اثنائها من وسائل ترف الشرق، وطراز عمارته وصنائعه، قال لوبون: «إن استفادة الصليبيين من علوم العرب الخالصة كانت ضعيفة إلى الغاية خلافاً لما ذهب إليه كثير من المؤرخين، فالجيوش الصليبية إذ كانت جاهلة للعلماء لم تكن لتبالي بالمعارف والأصول مبالاتها بشكل البناء أو الأسلوب الصناعي». وسأل لوبون، بعد أن أثبت فضل العرب على أوربة وتمدينهم لها: «لماذا ينكر علماء الوقت الحاضر تأثير العرب؟ » فكان جوابه: «إن استقلالنا الفكري لم يكن، بالحقيقة، في غير الظواهر، وإننا لسنا من أحرار الفكر في بعض الموضوعات كما نريد. فالمرء عندنا ذو شخصيتين: الشخصية العصرية التي كونتها الدراسات الخاصة والبيئة الخُلقية والثقافية، والشخصية القديمة غير الشاعرة التي جمدت وتحجرت بفعل الأجداد وكانت خلاصةً لماضٍ طويل. والشخصية غير الشاعرة وحدها، ووحدها فقط، هي التي تتكلم عند أكثر الناس، وتمسك فيهم المعتقدات نفسها مسماةً بأسماء مختلفة، وتملي عليهم آراءهم فيلوح ما تملي عليهم من الآراء حرةً في الظاهر فتحترم. فالحق أن أتباع محمد ظلوا أشد ما عرفته أوربة من الأعداء إرهاباً بعدة قرون، وأنهم عندما كانوا لا يرعدوننا بأسلحتهم، كما في زمن شارل مارتل والحروب الصليبية، أو

стр. 20

يهددون أوربة بعد فتح القسطنطينية، كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم الساحقة، وأننا لم نتحرر من نفوذهم إلا بالأمس. وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة، وصارت جزءاً من مزاجنا، وأضحت طبيعةً متأصلة فينا تأصل حقد اليهود على النصارى الخفي أحياناً والعميق دائماً. وإذا أضفنا إلى مبتسراتنا الموروثة ضد المسلمين مبتسرنا الموروث الذي زاد مع القرون بفعل ثقافتنا المدرسية البغيضة القائلة «إن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم والآداب في الزمن الماضي» أدركنا، بسهولة، سر جحودنا العام لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوربة. ويتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن يرى أن أوربة النصرانية مدينةٌ في خروجها من دور التوحش لأولئك الكافرين، فعارٌ ظاهر كهذا لا يقبل إلا بصعوبة». ووضع لوبون العرب في صف اليونان والرومان، ورآهم أرقى من جميع أمم الغرب التي عاشت قبل عصر النهضة، فكان في هذا أكثر إنصافاً من بعض كتاب العرب المعاصرين الذي استهوتهم الثقافة الأوربية المدرسية، فأخذوا يسايرون رجالها متجاهلين ما لأمتهم العربية من المقام العريض في ميدان الحضارة راغبين بالأغارقة والرومان عنها حينما يتكلمون في تاريخ الحضارة العالمية. واعترف لوبون للعرب بظهور رجالٍ عظماء منهم كما تشهد بذلك اكتشافاتهم، ولكنه أبدى ارتيابه في ظهور عباقرةٍ منهم كنيوتن وليبنتز، فتعد ذلك هفوة من العلامة لوبون الذي ذكر في غير موضع أن لافوازيه مدين لعلماء العرب في علم الكيمياء، وأن كليبر وكوبرنيك مدينان لعلماء العرب في علم الفلك مثلاً، فقد قال: «يرى بعض المؤلفين أن لافوازيه هو واضع الكيمياء، وقد نسوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم، ومنها علم الكيمياء، صار ابتداعه دفعةً واحدةً، وأنه وجد عند العرب من المختبرات ما وصلوا به إلى اكتشافاتٍ لم يكن لافوازيه ليستطيع أن ينتهي إلى اكتشافاته بغيرها»، وقال نقلاً عن العلامة سيديو: «إن العرب سبقوا كليبر وكوبرنيك في اكتشاف حركات الكواكب السيارة على شكل بيضي، وفي نظرية دوران الأرض»، وقال: «ترى في كتب العرب من النصوص ما تعتقد به أن نفوسهم حدثتهم ببعض اكتشافات العلم الحديث المهمة»، فإذا كانت الحضارة العامة سلسلة حلقات، وكانت حضارة العرب من أهم تلك الحلقات كان من المتعذر ظهور نيوتن وليبنتز وغيرهما من أركان حلقة الحضارة الحديثة بدونها، والفضل للمتقدم.

стр. 21

١٠ وهنا أذكر أن الكتاب «حضارة العرب» الذي أقم ترجمته مطالب ومناحي كثيرةً لا تتسع هذه المقدمة للإحاطة بها، وأن أقل نظرة إلى الفهرس المفصل الذي نشر في آخر هذا الكتاب يدل عليها. فمن درس كتاب «حضارة العرب» وإنعام النظر فيه يتبين للقارئ أن العلامة غوستاف لوبون سلك في تأليفه طريقاً جديداً لم يسبقه إليه أحد، وأنه حاول فيه بعث حضارة العرب من مرقدها، وإظهارها للملأ على وجهها الصحيح. ولم يألُ العلامة لوبون جهداً في درس حضارة العرب مستنداً إلى أهم المؤلفات التاريخية، وإلى مشاهداته الشخصية، فجاء كتابه جامعاً لكثيرٍ مما في تاريخ حضارة العرب من العظات والعبر، وقد أكثر بعض كتابنا من الاستشهاد بجملٍ منه عند بحثهم في تاريخ الحضارة فصار من الضروري نقله بأسره إلى اللغة العربية. وهذا الكتاب صحيح المناحي والغايات في مجموعه، وهو كغيره من الكتب المهمة، لا يخلو من هفواتٍ لا تخفى على القارئ، ولكن هذه الهفوات لا تحط من قيمته العظيمة، وقد أشرت إلى أهمها في هذه المقدمة. وبحث العلامة غوستاف لوبون في طبائع العرب وعاداتهم ونظمهم في مختلف الأقطار كما كانت عليه في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فعلى القارئ أن يلاحظ ذلك، وأن يعلم أن هذا الكتاب ظهر في سنة ١٨٨٤ م، وأن طبائع العرب وعاداتهم تحولت بعض التحول منذ ذلك التاريخ بفعل مبتكرات العلوم والفنون والصناعة، وبفعل علاقات أمم الشرق الوثيقة بأمم الغرب في الزمن الحاضر. ألا إن الأمة العربية التي هي عرضةٌ لأشد المصائب والمحن، والتي نرى أن القضاء على كيانها القومي، ومقومات حضارتها عن سياسة أكبر دول التاريخ في المشرق والمغرب منذ قرون كثيرة، لا تزال تقاوم، وها هي ذي قد أخذت تنهض وتسعى؛ لتحتل مكاناً لائقاً بتاريخها المجيد، فإذا كان التوفيق قد أصابني في تقل هذا الكتاب، وكان للأمة العربية نفع فيه، نلت ما أتمني عادل زعيتر نابلس

стр. 22

مقدمة المؤلف ١ يعرف قراء كتبنا السابقة مضامين هذا السفر الجديد، ويعلمون أننا سندرس تاريخ الحضارات بعد أن بحثنا في الإنسان والمجتمعات. كان كتابنا السابق وقفاً على وصف ما اعتور جسم الإنسان وعقله من التطور المتتابع، وعلى بيان العناصر التي تتألف المجتمعات منها، وقد رجعنا فيه إلى أقدم أدوار الماضي، وأوضحنا فيه كيف نشأت زمر الإنسان الأولى، وكيف تولدت الأسر والمجتمعات والصناعات والفنون والنظم والمعتقدات، وكيف تحولت هذه العناصر بتوالي الأجيال، وبينا فيه عوامل هذا التحول. وإننا، بعد أن بحثنا في الإنسان وهو منفرد وفي تطور المجتمعات، نرى أن نطبق قواعدنا التي بسطناها هنالك على الحضارات العظيمة إكمالاً لبرنامجنا. إن العمل لواسعٌ، وإن مصاعبه لكثيرةٌ، وإذ كنا لا نبصر مداه الآن عزمنا على جعل كل مجلد منه تاماً مستقلاً، فإذا انتهينا من المجلدات الثمانية أو العشرة الباحثة في تاريخ مختلف الحضارات وتمت بذلك غايتنا هل ترتيبها ترتيباً علمياً. وبالعرب بدأت، وسبب ذلك: أن حضارتهم من الحضارات التي اطلعت عليها في رحلاتي الكثيرة أحسن مما اطلعت على غيرها من الحضارات التي كمُل دورها، وتجلى فيها مختلف العوامل التي أوضحنا سرها في ذلك الكتاب، وهي من الحضارات التي نرى الاطلاع على تاريخها مفيداً إلى الغاية وهو أقل ما عرفه الناس. وتسيطر الحضارة العربية، منذ اثني عشر قرناً، على الأقطار الممتدة من شواطئ المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي، وعن شواطئ البحر المتوسط إلى رمال إفريقية

стр. 23

الداخلية، وكان سكان هذه البلدان المترامية الأطراف تابعين الدولة واحدة، ويدينون الآن بديانة واحدة، ولهم لغة واحدة ونظمٌ واحدة، وفنونٌ واحدة. ولم يقم عالمٌ بوضع كتاب جامع التأثير حضارة العرب في الأمم التي سيطرت عليها شامل لعجائبها في إسبانية وإفريقية ومصر وسورية وفارس والهند، ولم تنل يد البحث العام قنون العرب، وإن كانت أكثر ما عرف من عناصر حضارتهم، وباء المؤلفون القليلون الذين أرادوا ذلك بالخيبة، فعزوا حبوط عملهم إلى نقص الآثار والأسانيد! ولا ننكر أن تشابه المعتقدات أوجب تجانساً كبيراً في فنون مختلف البلاد التي خضعت للإسلام، ولكن من الواضح أن ما بين الأمم الإسلامية من الاختلاف وما بين بيئاتها من التباين أدى -من جهة أخرى- إلى فروقٍ بعيدة الغور في تلك الفنون، فما ذلك التجانس؟ وما تلك الفروق؟ سيرى القارئ الذي يتصفح فصول هذا الكتاب، الخاصة بدراسة فن البناء وما إليه، درجة صموت العلم الحديث عن هذه المسائل. وكلما أمعنا في درس حضارة العرب، وكتبهم العلمية، واختراعاتهم، وفنونهم -ظهرت لنا حقائق جديدةٌ وآفاقٌ واسعة، ولسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون، مورداً علمياً سوى مؤلفاتهم، وأنهم هم الذين مدنوا أوربة مادةً وعقلاً وأخلاقاً، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يفقهم قوم في الابتداع الفني. وتأثير العرب عظيم في الغرب، وهو في الشرق أشد وأقوى، ولم يتفق لأمة ما اتفق للعرب من النفوذ، والأمم التي كانت لها سيادة العالم، كالآشوريين والفرس والمصريين واليونان والرومان، توارت تحت أعفار الدهر ولم تترك لنا غير أطلال دارسة، وعادت أديانها ولغاتها وفنونها لا تكون سوى ذكريات، والعرب، وإن تواروا أيضاً، لم تزل عناصر حضارتهم، وإن شئت فقل ديانتهم ولغتهم وفنونهم، حيةً، وينقاد أكثر من مائة مليون شخص مقيمين فيما بين مراكش والهند لشريعة الرسول. وثبتت أصول شريعة الرسول وفنون العرب ولغتهم أينما حلت، ولم يدر في خلد أحد من الفاتحين الكثيرين الذين قهروا العرب إقامة حضارة مقام حضارة العرب، وانتحلوا كلهم دين العرب وفنونهم، واتخذ أكثرهم العربية لغةً له، وتقهقرت أمام الإسلام في الهند دياناتٌ قديمة، وجعل الإسلام مصر الفراعنة القديمة، التي لم يكن للفرس واليونان والرومان فيها سوى نفوذ قليل، عربيةً تامة العروبة، وعرفت أقوام الهند والفرس ومصر

стр. 24

وإفريقية لهم سادةً غير أتباع محمد فيما مضى، ولم يعرفوا لهم سادةً غير مسلمين بعد أن رضوا بالإسلام ديناً. حقاً إن من أعاجيب التاريخ أن يلبي نداء تلك المتهوس الشهير شعبٌ جامحٌ شديد الشكيمة لم يقدر على قهره فاتح، وأن تنهار أمام اسمه أقوى الدول وألا يزال يمسك، وهو في جدثه، ملايين من الناس تحت لواء شرعه. ويجب احترام أعاظم مؤسسي الأديان والدول، وإن وصفهم العلم الحديث بذوي الهوس، وحق له ذلك، ففيهم تتجلى روح الزمن وعبقرية القوم، وبلسانهم تنطق أجيالٌ من الأجداد راقدةٌ في ثنايا العصور، والخيالات، وإن كانت كل ما يأتي به هؤلاء المبدعون لمثلٍ عالية، هي التي أوجدت كياننا الحاضر ولا تقوم بغيرها حضارة، ولم يكن التاريخ سوى قصصٍ للحوادث التي أقام بها الإنسان خيالاً فعبده ثم هدمه. والحضارة العربية من صنع قومٍ من شباه البرابرة، فلما خرج هؤلاء القوم من صحارى جزيرة العرب صرعوا الفرس واليونان والرومان، وأقاموا دولة عظيمة امتد سلطانها من الهند إلى إسبانية، وأبدعوا تلك الآثار التي هي آية في الإعجاز والتي تورث بقاياها العجب العجاب. فما العوامل التي ظهرت؛ ونمت بها حضارة العرب ودولتهم؟ وما أسباب عظمتهم وانحطاطهم؟ حقاً إن ما ذكره المؤرخون ضعيف إلى الغاية، ولا يقف أمام سلطان النقد، وطريقة التحليل العلمي أفضل وسيلة لإيضاح شأن أمةٍ كالأمة العربية. والغرب وليد الشرق، ولا يزال مفتاح ماضي الحوادث في الشرق، فعلى العلماء أن يبحثوا عن هذا المفتاح فيه. وتبدو الفنون واللغات وأكثر الديانات العظمى بارزةً في الشرق، ويختلف سكان الشرق الآن عن سكان البلدان الأخرى في المبادئ والآراء والمشاعر. والشرق يتحول ببطء، ويقترب حاضره عن ماضيه، ويستطيع من يبحث في أحواله الحاضرة أن يصل إلى صميم الأجيال الغابرة. والشرق مرجعٌ دائم لرجال الفن والعلم والأدب، وما أكثر ما جلست تحت نخلة أو أمام معبد فأخذتني سنةٌ، وخضت في بحر من الخيالات، وأبصر من خلالها سالف الأجيال، وتمثلت في مدنٌ غريبة ذات أبراج مشرفة، وقصورٌ عجيبةٌ ومعابد شامخةٌ ومآذن

стр. 25

رفيعةٌ تتلألأ تحت وهج الشمس، ورأيت قوافل من أهل البدو وجموعاً من الشرقيين بملابسهم الزاهية، وشراذم من الأرقاء السمر، ونساءً مخدرات تجوب تلك المدن! ولا مراء في تواري نينوى ودمشق وأورشليم وأثينا وغرناطة وممفيس وطيبة ذات مائة الباب وأفول نجمها، ولا ريب في أن قصور آسية ومعابد مصر صارت خرائب وأطلالاً، ولا شك في أنه لم يبق من آلهة بابل وسورية وكلدة ووادي النيل سوى ذكريات، ولكنه يستتر تحت هذه الأنقاض عبرٌ لا تحصى، وتشتمل هذه الذكريات على معانٍ بعيدة الغور، وتنطوي أخبار تلك الشعوب التي تناوبت ما بين عقد هركول ونجود آسية الخصيبة، وما بين شواطئ بحر إيجة المخضرة ورمال إثيوبية المحرقة، على أسرار وألغاز. وتلك البقاع القاصية حافلة بالمعارف، وقد يغير الباحث آراءه بسببها، ويدل درسها على وجود هوة عميقة بين الناس، وعلى بطلان مزاعمنا في الحضارة والإخاء العالمي، وعلى اختلاف ما نخاله ثابتاً من المبادئ والحقائق باختلاف البلدان. وفي تاريخ العرب، إذن، مسائل كثيرةٌ تتطلب حلاً، وفيه دروسٌ وعبرٌ جديرة بالحفظ، والعرب عنوان أمم الشرق التي تختلف عن أمم الغرب، ولا تزال أوربة جاهلةً لشأنهم، فلتعلم كيف تعرفهم، فالساعة التي ترتبط مقاديرها في مقاديرهم قد اقتربت. وإن ما بين الشرق والغرب من الاختلاف عظيم إلى الغاية في الوقت الحاضر، ويبلغ في عظمه ما يتعذر معه اعتناق أحدهما لمبادئ الآخر وتفكيره. وقلبت مبتكرات العلوم والصناعة كيان الغرب المادي والأدبي رأساً على عقب، وتعاني مجتمعاته المسنة تحولاً بعيد المدى، ويقاسي خلافاً شديداً، ويكابد في سبيل معالجة الشرور التي نشأت عن ذلك الخلاف أزمةً عامةً تسوقه باطراد إلى تبديل نظمه، ويئن من عدم الانسجام بين المشاعر القديمة والمعتقدات الجديدة، ويألم من تصدع مبادئ الأجيال السابقة. وتنال يد التغيير في الغرب الأسرة والتملك والديانة والأخلاق والمعتقدات، وتصبح هذه الأمور موضوع جدل، ولا يقدر أحد أن يتكهن بما يتمخض عنه العلم الحديث، وكلفت الجماهير بمبادئ سلبيةٍ في الوقت الحاضر، وبلغ كلفها بها درجة الحماسة غير مقدرةٍ نتائج ذلك. ونرى الآن قيام آلهةٍ جدد مقام قدماء الآلهة، ونشاهد العلم يدافع عنهم اليوم، فمن ذا الذي يذود عنهم في المستقبل؟

стр. 26

وحال الشرق غير ذلك، فالشرق في طمأنينة وسكون، وقد بلغت شعوبه التي هي أكثرية البشر درجةً ظاهرة من التسليم الهادئ الذي هو عنوان السعادة على الأقل، ولا عهد له بما عندنا من الانقسامات والحياة الصاخبة. وتتمتع شعوب الشرق بما خسرناه من التماسك، فمعتقدات هذه الشعوب لا تزال قويمة، وتحافظ أسرها على استقرارها القديم، وبقيت مقومات المجتمعات القديمة، كالديانة والأسرة والنظم والتقاليد والعادات، وهي التي أصابها في الغرب من الهدم ما أصابها، مؤثرة في الشرق مسيطرة عليه، وليس على الشرقيين أن يفكروا في تبديلها. ٢ فضلنا في كتابٍ آخر طرق البحث والاستقصاء، التي يستعان بها على درس الحوادث التاريخية، تفصيلاً كافياً، والآن نذكر أهمها: إن مبدأ «العلة» المسيطر على دراسة قضايا العلم يسيطر على دراسة حوادث التاريخ أيضاً، وأن طرق البحث والاستقصاء التي يستعان بها على دراسة القضايا العلمية يستعان بها على دراسة الحوادث التاريخية أيضاً، فيجب، إذن، درس الحادثة الاجتماعية كما تدرس أية حادثة طبيعيةٍ أو كيماوية. وتخضع الحادثات كلها لبعض السنن، أي لنظام من الضرورات والوجوب، ويعمل الإنسان، وتسيره في عمله في مسيطرةٌ يسميها أناس بالطبيعة وآخرون بالحكمة الربانية أو القضاء والقدر أو المصير؛ ونحن مسيرون من المهد إلى اللحد بما لا نستطيع مقاومته من القوى القاهرة الغالية المتماسكة، ولا تعدو أقصى جهودنا وغاية أمانينا حد الوصول إلى معرفة بعض مظاهرها وصفاتها اللازمة. ومثل تاريخ الإنسان كمثل سردٍ واسع متماسك الأجزاء تتصل حلقاته الأولى بأقدم الأحقاب والعصور، وكل حادثة تاريخية نتيجة حادثاتٍ أقدم منها، والحال، وهو وليد الماضي، يحمل في اثنائه وتضاعيفه بذور المستقبل، فيستطيع صاحب ذكاء ثاقب أن يقرأ سير الأمور المقبلة من خلال الحوادث الحاضرة. ولن يتصف أحدٌ بمثل هذا الذكاء، والإنسان، وإن استطاع يوماً أن يطلع على العوامل التي أوجبت حدوث الحال، وعلى ما في هذه العوامل من القوى المتقابلة، يتعذر عليه تحليل هذه العوامل، ومما لا يقدر عليه علم الفلك أن يعين بالحساب اتجاه جرمٍ خاضع لتأثير ثلاثة أجرام أخرى، فما تكون المسألة حين البحث عن تأثير ألوف الأجرام في جزم واحد؟

стр. 27

ولم تستنبط جميع السنن التاريخية المزعومة من غير ما هو تحت الحس والاختبار، وهي تقاس بملاحظات علماء الإحصاء الذين يستطيعون، بما يشاهدون ويختبرون، أن ينبئوا، مثلاً، بعدد الوفيات والجرائم وأنواع الجرائم التي يصاب بها بلد يسكنه مليون نفسٍ في سنة ما من غير أن يخلصوا إلى صميم علل الحوادث الذي هو ضربٌ من المحال، وهذه العوامل كثيرة إلى الغاية. ونشأ عن تعذر النفوذ إلى علل الحوادث الاجتماعية استخفاف فريق من العلماء بالعلوم التاريخية التي حاولوا الغوص فيها، قال الكاتب الفاضل مسيو رينان: «إن العلوم الافتراضية تنقض بعد أن توضع، وستهمل في مائة سنة، وأوشك جيلٌ من الذين لا يبالون بالماضي أن يظهر، ويخشى، والحالة هذه، أن تندثر قبل أن تقرأ كتبنا في دقائق الأدب وروائع الفنون التي ينال التاريخ منها ضبطاً ودقة»، ويرى رينان أن المستقبل للفيزياء والعلوم الطبيعية حيث يتجلى «كنه الوجود، ومعنى العالم، وسر الله، وما إلى ذلك». وقد يأمل كل واحد ذلك لا ريب، ولكننا لا نرى ما يسوغ هذه الأماني، فليس في العلوم الوضعية شيء عن الموجب الأول لأي حادث كان، وكل ما كشفت العلوم الوضعية الحديثة عنه، فكانت فيه قوتها، هو ما بين ظواهر الأمور من الارتباط، وهي حين تتناول أموراً معقدة تغرق في بحر من الفرضيات والظنون، ولا تكاد العلوم الحديثة تأتي بجواب حائر عن المسائل التي يضعها الإنسان كل يوم، وهي لن تحل واحدة من المعضلات التي تواجه الطبيعة بها الإنسان من مهده إلى لحده، وهي لا تشبع ما تلقيه في قلوبنا من فضول أبداً، وهي تثير الأفكار ولا تفك المسائل، وستلحق كرتنا الأرضية في الفضاء بالأجرام الخامدة قبل أن يجيب أبو الهول الخالد عن سؤال واحد. إذن، يجب ألا يعترينا الوهم حول قدرة العلوم فنحملها ما لا طاقة لها به، والعلوم تبحث، فقط، في أوصاف الإنسان أو الحيوان أو النبات أو المجتمع، وفي رسم صورةٍ صادقة عن أدوار الماضي، وفي ارتباط بعض الحوادث التاريخية في بعض، ولا نطالب المؤرخ بأكثر من هذا. والعمل شاقٌ، ويتطلب عنايةً كبيرة، ومن الصعب جمع ما هو ضروري من المواد لتصوير إحدى الحضارات، وأصعب من هذا استخدام هذه المواد. ولم تكن هذه المواد في أنساب الملوك وأخبار الملاحم والفتوحات، وإنما هي، على الخصوص، في لغات كل دور وفنونه وآدابه ومعتقداته ونظمه السياسية والاجتماعية،

стр. 28

ولم تنشأ هذه المواد عن المصادفات أو أهواء الرجال أو مشيئة الآلهة، بل عن احتياجات الشعوب وأفكارها ومشاعرها، وتتضمن الديانات والفلسفة والآداب والفنون نمطاً خاصاً من الشعور وطرزاً معيناً من التفكير، ولا تتضمن غير هذا. نعم، إن أعمال الرجال وآثارهم تعبر عن أفكارهم ومشاعرهم، وتمكننا من تصور الدور الذي كانوا فيه، ولكن هذا لا يكفي، فالأمم نتيجة ماضٍ طويل، وليست الأمم بنت ساعةٍ واحدة، وهي محصول ما خضعت له من البيئات المختلفة التأثير، ولذا يفسر حاضرها بماضيها. ونرى تسمية البحث في تكوين العناصر التي تتألف الأمة منها بعلم الأجنة الاجتماعي، وسيكون هذا العلم أساساً متيناً يستند إليه التاريخ كما تستند علوم الحياة إلى علم أجنة الأحياء في الوقت الحاضر. ولا بد لذوات الحياة من أن تقطع أطواراً سفلية قبل بلوغها درجة عالية من الرقي، وقلما يكشف التاريخ لنا الغطاء عن هذه الأطوار السفلية بعد اختفائها، ولم يفت البحث العلمي أن يجمع منها ما هو أساسي من ضياع حلقاتٍ من سلسلتها، ولم تصب المجتمعات كلها أدواراً متماثلة من التقدم أيضاً، ولم يجاوز الكثير منها بعد ما قطعه الغرب من المراحل التي هي عنوان الماضي الثابت، والذي يسير في الأرض يشاهد أدوار التاريخ البشري المختلفة منذ أقدم العصور الحجرية حتى الوقت الحاضر، وبهذا يمكن تأليف تاريخ إحدى الأمم، ومعرفة عناصر حضارتها. ومن الممكن تأليف تاريخ لإحدى الحضارات ونموها بطريق البحث في المباني العظيمة والآداب واللغات والنظم والمعتقدات ... إلخ، وإذا كان من النادر نيل كل هذا فإن بعض هذا يكفي لاستخراج ما تبقى، فالطرق العلمية التي يصل بها الباحث إلى تصوير حيوانٍ مستعيناً بقطع من هيكله العظمي يستفاد منها في المباحث التاريخية أيضاً، وظهور بعض الخطوط والحروف يتضمن وجود غيرها دائماً. وقد تكون تلك المواد غير كافيةٍ من حيث الضبط والدقة على الخصوص، والعلم الحديث يترك إتمامها للحفدة، ومن السهل أن نتوقع اختلافاً بين كتب التاريخ التي تؤلف في المستقبل وكتب التاريخ الحاضرة، فستقتصر كتب تاريخ الحضارات التي تؤلف في القرن العشرين، مثلاً، على العنوان ومجموعة من الصور والخرائط والمنحنيات الهندسية الدالة على تقلبات الحوادث الاجتماعية.

стр. 29

ويمكن التعبير عن الجسامة والطاقة والوزن والديمومة بأرقام أو خطوط دائماً، ولا نرى حادثةً نفسية أو اجتماعية معقدة يتعذر الإفصاح عنها بأرقام أيضاً، ويكفي للوصول إلى قياسها بمقياس أن تفرق إلى عناصرها الأساسية، ولا جرم أن علم الإحصاء أقل العلوم الحديثة، التي هي في دور النشوء، تقدماً، وما بلغه علم الإحصاء ينبئنا بفائدته المرجوة في المستقبل، فقد ألقى علماؤه، بما جمعوه من الأرقام، ضوءً على إنتاج البلدان واستهلاكها وثروتها واحتياجاتها وقوة سكانها المادية والأدبية، وتباين مشاعرها ومعتقداتها ومختلف العوامل المؤثرة فيها. وريثما يقع ذلك في المستقبل، الذي يعبر فيه عن وقائع التاريخ والحوادث الاجتماعية بالصور والخرائط والمنحنيات الهندسية، نرى أن نستعين بأصح الآثار والأدلة التي خلفها الماضي وأكثرها ضبطاً، وعندي أن ما لدينا من المواد التي ذكرناها يكفي لوضع صورة عن الحضارات الماضية وتاريخ تكوينها، ويجب، للانتفاع بتلك المواد، أن تدرس آثار الحضارات الماضية في أمكنتها، فمناظر هذه الآثار، لا الكتب، هي التي تعرب عن الماضي، وليس في الكتب ما تعرف به العلوم الطبيعية أو العلوم الاجتماعية. وتكون دراسة البيئات في أمكنتها أمراً ضرورياً عندما يبحث في أمة، كالأمة العربية ذات آثارٍ كثيرة في مختلف الأقطار التي ازدهرت حضارتها فيها، وتعلمنا الرحلات كيف نتحرر من قيود الآراء المتأصلة والتقاليد الموروثة وضلال الماضي وباطله. وسيجد القارئ في هذا الكتاب تطبيقاً للقواعد المذكورة التي ابتعدنا بها عن أكثر أحكامنا التقليدية الموروثة في الشرقيين، ولا سيما في دين محمد وتعدد الزوجات والرق والحروب الصليبية، والنظم والفنون وتأثير العرب في أوربة، وما إلى ذلك. ٣ إن الأثار الباقية من حضارة العرب كثيرة، وهي تكفي لإيضاح أقسامها الجوهرية بسهولة، وقد استعانا بأكثرها، أي بما خلفه العرب من العلوم والآداب والفنون والصناعات والنظم والمعتقدات. وأكثر ما رجعنا إليه في وضع هذا الكتاب هو ما نسميه الآثار الماثلة التي تستوقف النظر بأشكالها الظاهرة، وتعبر عن رغائب الزمن الذي قامت فيه ومشاعره تعبيراً صادقاً، ولا غزو، ففيها يتجلى نفوذ العروق وتأثير البيئة، وبها يمكن الوقوف على أحوال القرون الغابرة، فالكهف الذي نحت في العصر الحجري أو المعبد المصري، أو المسجد الإسلامي، أو

стр. 30

الكاتدرائية، أو محطة السكة الحديدية، أو مخدع المرأة العصرية أو الفأس المصنوعة من الصَّوَّان، أو السيف ذو المِقبضين، أو المِدفَع الذي يزن خمسين طُناً، أفضل لمعرفة جميع ذلك من أكداس كتب البحث والجدل. ولا نرى غير طريقةٍ واحدةٍ لوصف الآثار الماثلة، وهي عَرض صورها، فصور البارتِنُون والحمراء وأفروديت أولى مجموعة الكتب التي وصفها جميعُ مؤلفي العالم لوصفها. وما تُلقِيه صور الآثار التاريخية في الرُّوع من المعاني الصادقة يدفعنا إلى الإكثار منها في هذا الكتاب، والقارئ الذي يقتصر على تصفُّح صور هذا الكتاب يطلع على حضارة العرب وتحولاتها في مختلف الأقطار أكثر مما يَطلع عليه من الكتب الكثيرة، وذلك عدا إعفائه من مطالعة المباحث المطوَّلة في وصف تلك الآثار من غير أن يظفر منها بفكر صحيح ولقد أصاب من قال: «إن صورة متقنة خيرٌ من مائة صفحة في الوصف»، وليس من المبالغة أن يقال: إنها خير من مائة مجلد. ولا تكفي ألفاظ أيَّةِ لغةٍ لوصف آثار الشعوب، ولاسيما آثار الشرقيين، وإنما نطلع بالمشاهدة على مناظرها ومبانيها وفنونها وعروقها، ولا يستطيع أروعُ القول أن يؤثر في النفس بمثل ما تؤثَّر به رؤية الأشياء نفسها أو صورها عند الضرورة. والفوتوغرافية هي التي يمكن أن تجود علينا بصورة صحيحة للأبنية والآثار الفنية والمناظر وأمثلة الشعوب ومظاهر الحياة المنزلية، وبها نستعين في وضع هذا الكتاب، فما تقدر الفوتوغرافية عليه من الدقة في بضع ثوانٍ لا يستطيعه أمهر رجال الفن في أيام كثيرة. ولو اقتصر الأمر على تصوير المباني، مثلاً، لاستطاع رسام ماهر لا قيمة للوقت عنده أن ينافس الفوتوغرافية، ولكن مثل هذه المنافسة تتعذر عندما يجب تصوير ألوف من مناظر الحياة العامة التي هي عنوان وجود الأمة، فالفوتوغرافية وحدها هي التي تستطيع أن تُصوَّر الأشياء في أثناء حركتها تصويراً صادقاً، وذلك كشارع يزدحم الناس فيه، أو سوقٍ أو حصانٍ جوادٍ راكض، أو مركب عرس، أو ما ماثل ذلك. ومنذ أمس فقط أوْصَت طرق العلم الحديثة بأن يُستعان في الرحلات بالفوتوغرافية، وهذا الكتاب هو أول الكتب انتفاعاً بالفوتوغرافية، وفيه يرى القارئ مقدار النتائج المهمة التي توصلنا إليها بفضل الفوتوغرافية، وكلُّ صورة فوتوغرافية اشتمل عليها وثيقة صادقة قوية لا يتطرق إليها الوهن.

стр. 31

وإذا كانت الصور الفوتوغرافية من عمل الشمس وحدها حُق ليَّ أن أناضل عن قيمتنها، وعلى العالِم الذي قد يستخف بالصور التي يحتويها هذا الكتاب أن يفكر قليلاً؛ ليرى كيف تُفضَّل مجموعةٌ من الصور الفوتوغرافية على تِلال الكتب التي بُحث فيها عن اليونان والرومان، وما أكثر ما نتعلمه من الصور الفوتوغرافية، وما أحقر المؤلفاتِ بجانبها! وليترُك فنُّ الرسم، وهو الذي قام حتى الآن بما طُلِب منه في تصوير المباني والموجودات، مكانه للفوتوغرافية التي يُركَن إليها، اليوم، في كتب العلم أو التاريخ أو الرَّحلات، نَعَم، إن في نقل الآلات الفوتوغرافية المعقدة إلى البلدان البعيدة واستعمالها لمصاعب كثيرة، ولكنه يجب على كل عالم أو سائح ثَبَتٍ يريد أن تكون لأثرة قيمةٌ أن يخضع لحكم الضرورة مهما كلفه الأمر. ولا يُترك مثلُ هذا العمل إلا لأربابه، فإذا كان من السهل استعمال آلة التصوير والتقاط الصور، فإنه يُعسر انتخاب الآثار التي يجب تصويرها ويصعُب تعيين الأحوال التي يجب أن تكون عليها هذه الآثار وقت تصويرها. ويكفي لإدراك درجة الاختلاف في اللون أو الصفة أو الأوضاع، أن نُنْعِم النظر في المنظر الواحد أو البناء الواحد أو الشخص الواحد الذي يُصَّوره مصورون كثير. وعدسةُ التصوير صادقةٌ في ذلك كله لا ريب، ولكن الطبيعية هي التي تتغير، فالبناء أو المنظر الواحد الذي تضيئه الشمس في الشتاء لا يظلُّ البناء أو المنظر نفسه حين إضاءة الشمس له في الصيف، أو حين إضاءتها له في الصباح أو المساء. وكلُّ الفن في التقاط صورة الأشياء حينما تكون مؤثرة في النفس مع تَوَخيَّ الضبط، ولا يكفي أن تكون الصورة صادقةً لتؤثر في النفس، فمع أنني أنظر بعين العجب إلى كتاب ميسو بيرو عن مصر أرى الصور الشاحبة الجافة التي زَيَّن بها صفحاته لا تؤثر في النفس ذاك التأثير المطلوب، وغرضٌ غير هذا ما يجب على المؤلفين أن يَسعَوا إليه. وتختلف الوسائلُ التي نشرنا بها صورنا الفوتوغرافية على حسب تأثيرها في النفس، ففي الأمور التي قُصد بها التأثير جملة، لا تفصيلاً، حُوَّلت صُورها إلى كليشات على طريقة التجويف الفوتوغرافي الحديث (فوتوغرافور)، وفي الأمور التي قُصد فيها إظهار الدقائق حُفرت صُورها الفوتوغرافية بالمِنْقَاش في الخشب من غير أن يكون للرسام عمل فيها، وإذا عدوت بعض الشواذ وجدتَنا لم نلجأ، لإظهار دقائق فن البناء، إلى طريقة الرسم بالتخطيط إلا عند عدم كفاية أية طريقة أخرى غيرها.

стр. 32

وفي الكتاب ٣٦٣ صورة لم تُترك واحدةٌ منها لمتفننٍ يصنع فيها كما يشاء، ورغبنا عن الوثائق التي كان للخيال حظٌّ فيها مرجحين العدول عن مصدرٍ للصور الرائعة، كالتي نُشرت في كتاب مسيو إيبر ومسيو مسْبيرو عن مصر، وحازها ناشر هذا الكتاب، مقتصرين، مع الأسف، على ما استند منها -وهو قليل- إلى صور فوتوغرافية، فرأينا من العبث تكرار صنعه. ولم تُفتْني الاستفادة من الرسوم التي صُنِعَت بأمانةٍ مع اتخاذي الفوتوغرافية أساساً لصور هذا السَّفْر، فاستعرتُ رسوماً كثيرة من مجموعات كوست وبربس الأفينيَّ وجونس، ولاسيما الكتابان الرائعان اللذان نشرا حديثاً في إسبانية عما فيها من الآثار الفنية والعمارات، وكان للفوتوغرافية كبير عمل في هذا، أيضاً، ما جُعِلت هذه الرسوم خاضعةً لطريقة التجويف الفوتوغرافي (الهيلوغرافور). وقضت ضرورة التزين ألا أُوَزَّع صور هذا الكتاب توزيعاً مرتباً دائماً، وإنما يمكن القارئ أن يجد بسهولةٍ ما قد يحتاج إليه منها عند نظره إلى فهرس الصور، والقارئُ، باطلاعه على هذا الفهرس، يعلم تنوع هذه الوثائق، ويعلم ما نُشر منها في هذا الكتاب دون غيره. وقد تعذر علينا، لضخامة هذا الكتاب وكثرة صوره، أن نُبين المصادر التي اعتمدنا عليها في هامش صفحاته، فاكتفينا بنشر فهرس شامل لها في آخره، فالقارئ الذي يريد أن يتعمق في بعض المباحث يجد ضالَّته فيه. وليعلم القارئ أن كل فصل في هذا الكتاب هو خلاصةُ عدة مباحث، وما أبديته من الملاحظات يمكن عدُّه متمَّماً لها. ونحن إذ نختِم هذه المقدمة نُلخصَّ المنهاج الذي اتَّبعناه في وضع هذا الكتاب، والذي نتَّبعُه فيما نؤلفه من تواريخ الحضارات، بما يأتي، فنقول: من المبادئ العامة: الوجوبُ في وقوع الحوادث التاريخية، والصلةُ بين الحوادث الحاضرة وحوادث الماضي. ومن مواد التأليف: آثار الشعوب التي هي موضوع الدرس وتصويرها تصويراً صادقاً، ووصف العرق جسماً وعقلاً، والبيئةُ التي نشأ فيها العِرْق، والعواملُ التي خضع لها، وتحليلٌ لعناصر الحضارة، أي للنظُّم والمعتقدات والعلوم والآداب والفنون والصَّناعات، وتاريخٌ لتكوين كلَّ واحدٍ من هذه العناصر.

стр. 33

وإذا أصابنا التوفيق في عرض صورة واضحة عن الأزمنة التي نرغب في بعثها، مستعينين بتلك المواد والمبادئ، فإننا نكون قد نلنا ما نتمنى.

стр. 34

الباب الأول البيئة والعرق

стр. 35

الفصل الأول جزيرة العرب (١) جغرافية جزيرة العرب: جزيرة العرب هي مهد الإسلام، وهي منبت الدولة الواسعة التي أنشأها خلفاء مُحمد، ويتألف القسم الأكبر من جزيرة العرب من صحارٍ، ويحيط بها البحر الأحمر من الغرب، وبحرُ عُمان والخليج الفارسيُّ من الشرق، والمحيطُ الهنديُّ من الجنوب، وتتصل من أقصى غربها وشرقها بإفريقية وآسية. ويحيط بجزيرة العرب من ثلاث جهات، أي من الغرب والشرق والجنوب، ثلاثة أبحر كما ذكرنا، وأما حدُّها الشماليُّ فغير واضح، وهو يمتد تقريباً باتجاه الخط الذي يبدأ من مدينة غزة الفلسطينية الواقعة على ساحل البحر المتوسط ماراً بجنوب البحر الميت فدمشق فالفرات، وينتهي بخليج فارس، ويبلغ طول جزيرة العرب من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها نحو ٢٣ درجة أو ٢٥٠٠ كيلو متر، ويبلغ عرضها من البحر الأحمر إلى الخليج الفارسي نحو ألف كيلو متر. وتزيد مساحة جزيرة العرب على ٣٠٠٠٠٠٠ كيلو متر مربع، أي على مساحة تعدل فرنسة ستَّ مرات. وليس لدينا إحصاء قاطع لنفوس جزيرة العرب في الوقت الحاضر، وقد قُدَّرت منذ بضع سنين بعشرة ملايين، ولم تَزِد على خمسة ملايين في أحدث المؤلفات، وخُمس هؤلاء السكان أهل بدوٍ على الأقلَّ. ونحن إذا نظرنا إلى سطح جزيرة العرب رأينا مؤلفاً من هضبة تُشبه الصحراء الإفريقية في اتساعها وسهولها القاحلة الرملية، أو الصخرية، التي تتخللها بقاعٌ منبتةٌ، وتنحدر هذه الهضبة إلى الخليج الفارسيَّ.

стр. 36

ويقطعُ مجاهل جزيرة العرب الواسعة أوديةٌ وبقاعٌ ذاتُ مُدن وقرى يسكنها فريق من الزراع، ولا تعرف الصحراء غير أهل البدو الذين يجوبونها. وتقع في وسط تلك الهَضْبة العربية بلادُ نجد التي تُهدُّ جزيرة خصبة تحيط بها الفَلَوات والجبال بدلاً من الماء. ويُظنُّ أن نحو نصف جزيرة العرب مؤلفٌ من بِقاع خصبة، وأن النصف الآخر من صحارٍ، وإن دلت الخرائط على اتساع رُقعة الصحاري، وانقباض رُقعة البقاع الخصبة، وما في الخرائط من التفاوت ناشئٌ عن قلة ارتياد علماء الجغرافية لجزيرة العرب واضطرارهم إلى ترك البقاع المجهولة منها بيضاً. ولم يُعرف من سلاسل جبال جزيرة العرب الكثيرة سوى القليل، وأحسن ما عُرف منها السلسلة الممتدة على طول الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر حيث يرتفع بعض ذراها ٢٥٠٠ متر. وفُقدان الأنهر الدائمة في جزيرة العرب مما يستوقف النظر، وتبقى أخاديدها خاليةً من الماء في أكثر أيام السنة، وتشُقُّ هذه الأخاديدُ جزيرة العرب طولاً وعرضاً، وقد يبلغ طول بعضها، كوادي الرُّمَّة: ١٣٠٠ كيلو متر، وهي تصبح كالأنهر العظيمة المعروفة حين يملأها ماء المطر. والجدبُ والحرُّ من أظهر ما عُرِفت به جزيرة العرب منذ القديم، والجدبُ على الخصوص، هو أشدُّ ما تعانيه، ولم ينشأ عن قطع أشجار غابها بالتدريج سوى زيادة القحط، شأنُ بلاد الجزائر الخصيبة في العهد الرومانيَّ، الجديبة في الوقت الحاضر. ويدوم المطر في جزيرة العرب بضعة أشهر على العموم، ومتى احتبس عمَّ الخراب، وأصبحت تلك البلادُ غير صالحة للسَّكن تقريباً، ويقترن القحط في جزيرة العرب بريح السَّموم في الغالب. وريحُ السَّموم وعدم الماء أشدُّ ما تقاسيه القوافل في جزيرة العرب من أخطار، قال مسيو ديفِرْجِيه: «تعرف القافلة، وهي تتوغل في الصحراء، علامات ريح السَّموم الأولى، وهي: أن السماء تظهر في الأفق مَغرَاءَ ثم قَهْبَاء ودَكْنَاء والشمس تضعف أشعتها فتصبح حمراء، والرمال الناعمة تملأ الجو والهواء، والرياح تثيرها فتغدو كالبحر المزبد الذي تحركه العاصفة الهوجاء. وهنالك تنقبض صدور السُّياح، وتحمر عيونهم، وتجف شفاههم، ويأخذون في الهرب هم وجمالهم التي تعدو تارةً وتقفُ أخرى؛ لتَطْمِرَ نحورَها في الرمل وتُمرَّغ

стр. 37

شكل ١ - ١: خريطة جزيرة العرب ومصر (وفق أحدث الوثائق). مناخيرها بالأرض، وإذا ما استطاعت القافلة أن تحتميَ وراء صخرة حتى تهدأ الزوبعة فإنها تنجو، ولكنها إذا تاهت في البادية وكانت بعيدة من الملاجئ أو اشتدت العاصفة فإن نشاطها يفتر، وتفقد غريزة حب البقاء، ويستولى عليها الثَّوَل والدُّوار، وتصير غير قادرة على الفرار، وتُدفَن تحت أكثبة الرمل، وتبقى مدفونة إلى أن تَهُب عاصفةٌ أخرى، وتكشف عن عظامها المبيضة». وتكون درجة الحرارة داخل الحرارة في جزيرة العرب مرتفعةً عادة، ولا تهْبِط في الصحراء إلى أقلَّ من ٤٣ نهاراً و ٣٨ ليلاً، وتكون معتدلة في الأماكن الجبلية أو القريبة من البحر، فقد شاهد نيبُوهر أن الحرارة في اليمن لا تزيد في أواخر شهر يوليه على ٢٩ درجة بمقياس سنتيغراد، ويكون البرد في صنعاء قارساً في الشتاء. والجفافُ والجوُّ المِحرق ليسا سائدين لجزيرة العرب كلَّها، ومع ذلك، ففي جزيرة العرب بقاعٌ متسعة اتساع الدول الأوروبية المهمة كثيرةُ الخصب كبلاد اليمن، وبلاد نجد التي لم ير بلغريقُ ما هو أنفع من جوَّها للصحة في العالم.

стр. 38

وتتألف صحاري جزيرة العرب من سهول رملية واسعة، وفيها آبارٌ وواحاتٌ ذات نخيلٍ ومناجع. وتجوب قبائل البدو الصحراء دائماً، ويأخذ عيشها بمجامع قلوب الأعراب، ويُفضَّلُه الأعراب على غيره مع نَفْرَة الأوروبيين منه، وليس حبُّ الأعراب لعيش البادية حديثاً، فهم حفدة العرب الذين قصَّت التوراة علينا من أنبائهم، والذين حافظوا على ما تقتضيه من أذواق وطبائع وعادات. ومما تقدَّم ترى جزيرة العرب ذات أجواءٍ وتُربة مختلفة، فيوجب هذا اختلافاً في طُرق معايشها ونباتها وحيوانها وسكانها. (٢) إنتاج جزيرة العرب: التمر والبُنُّ من أهم ما تنتجه جزيرة العرب، ويعتمد سكانها على التمر في طعامهم، وعلى البن في اغتنائهم، ويستفيد العرب منذ القديم مما يُصدرون من اللُّبان والسَّليخَة والسًّنا المكيَّ والأدهان. ولاختلاف جو جزيرة العرب بُنيت فيها مثل نبات البلاد الحارة والبلاد المعتدلة، كالقطن وقصب السكر والجُمَّيْز والطَّلح والدَّردار والمرَّان ... إلخ. ويندُر شجر الغاب في جزيرة العرب، والنخلُ أظهر ما فيها، وهو الذي يكون به لمناظر الشرق شكلٌ خاص. وتصلُح الأماكن الخصبة من جزيرة العرب لمثل النبات الذي يزرع في أوربة، كالمشمش والخوخ والتين واللوز والعنب والقمح والذرة والشعير والدُّخن والفول والتبغ ... إلخ. ومع أن الزراعة في حقول اليمن جيدةٌ، فإن العمل فيها شاق؛ لما تحتاج إليه من السقي الدائم بمياه المطر التي تُجمع في الآبار وبين الاسْداد. وتعرف جزيرة العرب مثل ما نعرف من الحيوانات الأهلية؛ كالبغال والحمير والبقر والضأن والمعز ... الخ، ولا تجهل جزيرة العرب الكثير من الضواري كالأسد والنمر والفهد. وليس الضواري أشدَّ ما يخاف سكانُ جزيرة العرب، ففيها الجرادُ الذي قد يأتي على الأخضر واليابس، وقد لا يخلو الجراد من فائدةٍ مع ذلك، فهو في الغالب، غذاء المسافرين في البادية، وطعامُ مطاياهم أسابيع كثيرة.

стр. 39

شكل ١ - ٢: البادية من صورة فوتوغرافية والخيل والجمال أكثر حيوانات جزيرة العرب نفعاً للإنسان، فأما الجمل، وهو أفضل حيوان أهلي عند العرب، فلا تُقطع البادية بغيره، وهو لقناعته وقوته واحتماله المشاقَّ وصبره على العطش أياماً، لا يقوم مقامه حيوانٌ في الركوب وحمل الأثقال، وهو يستطيع أن يجوب البادية بين حلب والبصرة حاملاً ٥٠٠ رطل مع علف قليل، وهو يقدر أن يأكل ما لا يقدر حيوانٌ عليه من الطعام، وقد عجبت منه حين رأيته يأكل هادئاً مطمئناً أوراق الصبار التي تكون على جوانب الطرُّق فيشبه شوكها المسلاَّت. وأما الخيول العربية؛ فذات شهرة عالمية، وهي إذ وُصف غير مرة، وكان ما قاله بلغريق من أحسن ما قيل فيها، فإنني أقتطف منه ما يأتي: إن الخيول العربية، وهي قويةٌ عصبية رشيقة، مفتخرة بعتقها، مختالةٌ في مراتعها، مثال الأناقة في شكلها والكمال في صفاتها، وهي برؤوسها الصغيرة النحيفة، وأحداقها الوهَّاجة، ومناخيرها الواسعة، وكواهلها الناهضة، وجوانبها الممتلئة القصيرة، وأكفالها الطويلة، وذيولها المتموجة، وقوائمها الدقيقة المتينة عنوان الجمال، وهي بدعتها وبأسها وقناعتها وسرعة عدْوٍها تفضُلُ أحسن الأنواع الأوربية، ويَعُدُّ الأعراب خمسة أنواع أصيلة للخيل متولدة من خمسة حُجُور كان يركبها الرسول على زعمهم، وعندما تلد الحِجْر الأصيلة مُهراً

стр. 40

يجتمع في المضرب أناس؛ ليكتبوا شهادة عن وصفه واسم أمه ونسبها، ويمضوها ويضعوها في كُيَيْسٍ جلدي يُربط بنحره، فيدخل بذلك في زمرة الجياد المرموقة التي أدى الطمع فيها إلى اقتتال القبائل غير مرة. وسرعة عدو الفرس هي التي تنقذ حياة المقاتل في الصحراء غالباً، ومما رواه بُركهارد أن فرساناً من الدروز هجموا في سنة ١٨١٥ على عصابة من الأعراب في حوران، ودحروها إلى مضاربها، وأحاطوا بها من كل جانب، وأنه لم ينجُ من القتل منها سوى رجل واحد امتطى صهوة جواده، وخرق خط الحصار، وولى مدبراً ولم يُعقَّب، وأن أحسن فرسانهم، وهم القُساة الذين أقسموا أن يقتلوا العصابة على بكرة أبيها جدَّوا في أثره، وأن ذلك المنهزم لم يترك صخوراً وسهولاً وتلالاً إلا قطعها بسرعة الزوبعة، فلما أيقن أولئك الفرسان، بعد مطاردةٍ عنيفة دامت عدة ساعات، وأنه لا أمل لهم في قتله ناشدوه أن يقف؛ ليقبَّلوا ناصية جواده الأصيل ويتركوه، فرَضِيَ بذلك، فقالوا له لما صَرَفوه كلمتهم المأثورة: «اغسل حوافر جوادك، ثم اشرب غُسالتها»، قاصدين بذلك إظهار مشاعرهم نحو جواده النجيب. وأضيف إلى ما تقدم قولي: إن الخيول العربية لا تعرف سوى مشيتين: الخطاء والعدو، وإن انقيادها لصاحبها جديرٌ بالذكر، وما أكثر ما رأيتُ العرب يترجَّلون، وخيولهم لا تحاول الابتعاد عنهم، مع تركهم أعِنَّتها لها! وعلى ما في الخيل من فائدة لا تتوالد كثيراً في جزيرة العرب خلافاً لما يُظنُّ، وسببُ ذلك: أن الخيل، وهي على عكس الجمل الذي يمكن تربيته في كلَّ مكان، لا تُنشَّأ إلا في البقاع الخصبة، كسهول العراق وسورية، ونجد، وفي نجد وحدها أغزُّ الخيول العربية وأرشقها. وعُرفت جزيرة العرب في القرون القديمة بوفر معادنها الثمينة وأحجارها الكريمة، واليوم لم يبقَ أثر لذلك، ولا نعلمُ غير ما يُقصُّ علينا من الأنباء عن حديدها ونحاسها، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نبدي رأيُاً قاطعاً في ثروة جزيرة العرب المعدنية، فمعارفنا بها سطحية. وظلت صناعة قسم من جزيرة العرب وتجارته على ما كانت عليه من القرون الخالية، وتُعَدُّ الحليُّ اليمنية والتمور والخيل والنَّيلج والسنا المكي واللبان والمر الصافي ... إلخ، أهم مواد الإصدار من جزيرة العرب، ولا تزال القوافل تقوم، كما في
следующие страницы →