Полный текст (598 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ويقطعُ مجاهل جزيرة العرب الواسعة أوديةٌ وبقاعٌ ذاتُ مُدن وقرى يسكنها فريق من الزراع، ولا تعرف الصحراء غير أهل البدو الذين يجوبونها.
وتقع في وسط تلك الهَضْبة العربية بلادُ نجد التي تُهدُّ جزيرة خصبة تحيط بها الفَلَوات والجبال بدلاً من الماء.
ويُظنُّ أن نحو نصف جزيرة العرب مؤلفٌ من بِقاع خصبة، وأن النصف الآخر من صحارٍ، وإن دلت الخرائط على اتساع رُقعة الصحاري، وانقباض رُقعة البقاع الخصبة، وما في الخرائط من التفاوت ناشئٌ عن قلة ارتياد علماء الجغرافية لجزيرة العرب واضطرارهم إلى ترك البقاع المجهولة منها بيضاً.
ولم يُعرف من سلاسل جبال جزيرة العرب الكثيرة سوى القليل، وأحسن ما عُرف منها السلسلة الممتدة على طول الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر حيث يرتفع بعض ذراها ٢٥٠٠ متر.
وفُقدان الأنهر الدائمة في جزيرة العرب مما يستوقف النظر، وتبقى أخاديدها خاليةً من الماء في أكثر أيام السنة، وتشُقُّ هذه الأخاديدُ جزيرة العرب طولاً وعرضاً، وقد يبلغ طول بعضها، كوادي الرُّمَّة: ١٣٠٠ كيلو متر، وهي تصبح كالأنهر العظيمة المعروفة حين يملأها ماء المطر.
والجدبُ والحرُّ من أظهر ما عُرِفت به جزيرة العرب منذ القديم، والجدبُ على الخصوص، هو أشدُّ ما تعانيه، ولم ينشأ عن قطع أشجار غابها بالتدريج سوى زيادة القحط، شأنُ بلاد الجزائر الخصيبة في العهد الرومانيَّ، الجديبة في الوقت الحاضر.
ويدوم المطر في جزيرة العرب بضعة أشهر على العموم، ومتى احتبس عمَّ الخراب، وأصبحت تلك البلادُ غير صالحة للسَّكن تقريباً، ويقترن القحط في جزيرة العرب بريح السَّموم في الغالب.
وريحُ السَّموم وعدم الماء أشدُّ ما تقاسيه القوافل في جزيرة العرب من أخطار، قال مسيو ديفِرْجِيه: «تعرف القافلة، وهي تتوغل في الصحراء، علامات ريح السَّموم الأولى، وهي: أن السماء تظهر في الأفق مَغرَاءَ ثم قَهْبَاء ودَكْنَاء والشمس تضعف أشعتها فتصبح حمراء، والرمال الناعمة تملأ الجو والهواء، والرياح تثيرها فتغدو كالبحر المزبد الذي تحركه العاصفة الهوجاء.
وهنالك تنقبض صدور السُّياح، وتحمر عيونهم، وتجف شفاههم، ويأخذون في الهرب هم وجمالهم التي تعدو تارةً وتقفُ أخرى؛ لتَطْمِرَ نحورَها في الرمل وتُمرَّغ
стр. 37
شكل ١ - ١: خريطة جزيرة العرب ومصر (وفق أحدث الوثائق).
مناخيرها بالأرض، وإذا ما استطاعت القافلة أن تحتميَ وراء صخرة حتى تهدأ الزوبعة فإنها تنجو، ولكنها إذا تاهت في البادية وكانت بعيدة من الملاجئ أو اشتدت العاصفة فإن نشاطها يفتر، وتفقد غريزة حب البقاء، ويستولى عليها الثَّوَل والدُّوار، وتصير غير قادرة على الفرار، وتُدفَن تحت أكثبة الرمل، وتبقى مدفونة إلى أن تَهُب عاصفةٌ أخرى، وتكشف عن عظامها المبيضة».
وتكون درجة الحرارة داخل الحرارة في جزيرة العرب مرتفعةً عادة، ولا تهْبِط في الصحراء إلى أقلَّ من ٤٣ نهاراً و ٣٨ ليلاً، وتكون معتدلة في الأماكن الجبلية أو القريبة من البحر، فقد شاهد نيبُوهر أن الحرارة في اليمن لا تزيد في أواخر شهر يوليه على ٢٩ درجة بمقياس سنتيغراد، ويكون البرد في صنعاء قارساً في الشتاء.
والجفافُ والجوُّ المِحرق ليسا سائدين لجزيرة العرب كلَّها، ومع ذلك، ففي جزيرة العرب بقاعٌ متسعة اتساع الدول الأوروبية المهمة كثيرةُ الخصب كبلاد اليمن، وبلاد نجد التي لم ير بلغريقُ ما هو أنفع من جوَّها للصحة في العالم.
стр. 38
وتتألف صحاري جزيرة العرب من سهول رملية واسعة، وفيها آبارٌ وواحاتٌ ذات نخيلٍ ومناجع.
وتجوب قبائل البدو الصحراء دائماً، ويأخذ عيشها بمجامع قلوب الأعراب، ويُفضَّلُه الأعراب على غيره مع نَفْرَة الأوروبيين منه، وليس حبُّ الأعراب لعيش البادية حديثاً، فهم حفدة العرب الذين قصَّت التوراة علينا من أنبائهم، والذين حافظوا على ما تقتضيه من أذواق وطبائع وعادات.
ومما تقدَّم ترى جزيرة العرب ذات أجواءٍ وتُربة مختلفة، فيوجب هذا اختلافاً في طُرق معايشها ونباتها وحيوانها وسكانها.
(٢) إنتاج جزيرة العرب:
التمر والبُنُّ من أهم ما تنتجه جزيرة العرب، ويعتمد سكانها على التمر في طعامهم، وعلى البن في اغتنائهم، ويستفيد العرب منذ القديم مما يُصدرون من اللُّبان والسَّليخَة والسًّنا المكيَّ والأدهان.
ولاختلاف جو جزيرة العرب بُنيت فيها مثل نبات البلاد الحارة والبلاد المعتدلة، كالقطن وقصب السكر والجُمَّيْز والطَّلح والدَّردار والمرَّان ... إلخ.
ويندُر شجر الغاب في جزيرة العرب، والنخلُ أظهر ما فيها، وهو الذي يكون به لمناظر الشرق شكلٌ خاص.
وتصلُح الأماكن الخصبة من جزيرة العرب لمثل النبات الذي يزرع في أوربة، كالمشمش والخوخ والتين واللوز والعنب والقمح والذرة والشعير والدُّخن والفول والتبغ ... إلخ.
ومع أن الزراعة في حقول اليمن جيدةٌ، فإن العمل فيها شاق؛ لما تحتاج إليه من السقي الدائم بمياه المطر التي تُجمع في الآبار وبين الاسْداد.
وتعرف جزيرة العرب مثل ما نعرف من الحيوانات الأهلية؛ كالبغال والحمير والبقر والضأن والمعز ... الخ، ولا تجهل جزيرة العرب الكثير من الضواري كالأسد والنمر والفهد.
وليس الضواري أشدَّ ما يخاف سكانُ جزيرة العرب، ففيها الجرادُ الذي قد يأتي على الأخضر واليابس، وقد لا يخلو الجراد من فائدةٍ مع ذلك، فهو في الغالب، غذاء المسافرين في البادية، وطعامُ مطاياهم أسابيع كثيرة.
стр. 39
شكل ١ - ٢: البادية من صورة فوتوغرافية
والخيل والجمال أكثر حيوانات جزيرة العرب نفعاً للإنسان، فأما الجمل، وهو أفضل حيوان أهلي عند العرب، فلا تُقطع البادية بغيره، وهو لقناعته وقوته واحتماله المشاقَّ وصبره على العطش أياماً، لا يقوم مقامه حيوانٌ في الركوب وحمل الأثقال، وهو يستطيع أن يجوب البادية بين حلب والبصرة حاملاً ٥٠٠ رطل مع علف قليل، وهو يقدر أن يأكل ما لا يقدر حيوانٌ عليه من الطعام، وقد عجبت منه حين رأيته يأكل هادئاً مطمئناً أوراق الصبار التي تكون على جوانب الطرُّق فيشبه شوكها المسلاَّت.
وأما الخيول العربية؛ فذات شهرة عالمية، وهي إذ وُصف غير مرة، وكان ما قاله بلغريق من أحسن ما قيل فيها، فإنني أقتطف منه ما يأتي:
إن الخيول العربية، وهي قويةٌ عصبية رشيقة، مفتخرة بعتقها، مختالةٌ في مراتعها، مثال الأناقة في شكلها والكمال في صفاتها، وهي برؤوسها الصغيرة النحيفة، وأحداقها الوهَّاجة، ومناخيرها الواسعة، وكواهلها الناهضة، وجوانبها الممتلئة القصيرة، وأكفالها الطويلة، وذيولها المتموجة، وقوائمها الدقيقة المتينة عنوان الجمال، وهي بدعتها وبأسها وقناعتها وسرعة عدْوٍها تفضُلُ أحسن الأنواع الأوربية، ويَعُدُّ الأعراب خمسة أنواع أصيلة للخيل متولدة من خمسة حُجُور كان يركبها الرسول على زعمهم، وعندما تلد الحِجْر الأصيلة مُهراً
стр. 40
يجتمع في المضرب أناس؛ ليكتبوا شهادة عن وصفه واسم أمه ونسبها، ويمضوها ويضعوها في كُيَيْسٍ جلدي يُربط بنحره، فيدخل بذلك في زمرة الجياد المرموقة التي أدى الطمع فيها إلى اقتتال القبائل غير مرة.
وسرعة عدو الفرس هي التي تنقذ حياة المقاتل في الصحراء غالباً، ومما رواه بُركهارد أن فرساناً من الدروز هجموا في سنة ١٨١٥ على عصابة من الأعراب في حوران، ودحروها إلى مضاربها، وأحاطوا بها من كل جانب، وأنه لم ينجُ من القتل منها سوى رجل واحد امتطى صهوة جواده، وخرق خط الحصار، وولى مدبراً ولم يُعقَّب، وأن أحسن فرسانهم، وهم القُساة الذين أقسموا أن يقتلوا العصابة على بكرة أبيها جدَّوا في أثره، وأن ذلك المنهزم لم يترك صخوراً وسهولاً وتلالاً إلا قطعها بسرعة الزوبعة، فلما أيقن أولئك الفرسان، بعد مطاردةٍ عنيفة دامت عدة ساعات، وأنه لا أمل لهم في قتله ناشدوه أن يقف؛ ليقبَّلوا ناصية جواده الأصيل ويتركوه، فرَضِيَ بذلك، فقالوا له لما صَرَفوه كلمتهم المأثورة: «اغسل حوافر جوادك، ثم اشرب غُسالتها»، قاصدين بذلك إظهار مشاعرهم نحو جواده النجيب.
وأضيف إلى ما تقدم قولي: إن الخيول العربية لا تعرف سوى مشيتين: الخطاء والعدو، وإن انقيادها لصاحبها جديرٌ بالذكر، وما أكثر ما رأيتُ العرب يترجَّلون، وخيولهم لا تحاول الابتعاد عنهم، مع تركهم أعِنَّتها لها!
وعلى ما في الخيل من فائدة لا تتوالد كثيراً في جزيرة العرب خلافاً لما يُظنُّ، وسببُ ذلك: أن الخيل، وهي على عكس الجمل الذي يمكن تربيته في كلَّ مكان، لا تُنشَّأ إلا في البقاع الخصبة، كسهول العراق وسورية، ونجد، وفي نجد وحدها أغزُّ الخيول العربية وأرشقها.
وعُرفت جزيرة العرب في القرون القديمة بوفر معادنها الثمينة وأحجارها الكريمة، واليوم لم يبقَ أثر لذلك، ولا نعلمُ غير ما يُقصُّ علينا من الأنباء عن حديدها ونحاسها، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نبدي رأيُاً قاطعاً في ثروة جزيرة العرب المعدنية، فمعارفنا بها سطحية.
وظلت صناعة قسم من جزيرة العرب وتجارته على ما كانت عليه من القرون الخالية، وتُعَدُّ الحليُّ اليمنية والتمور والخيل والنَّيلج والسنا المكي واللبان والمر الصافي ... إلخ، أهم مواد الإصدار من جزيرة العرب، ولا تزال القوافل تقوم، كما في
стр. 41
شكل ١ - ٣: مخيم حجاج بالقرب من مكة في موسم الحج (من صورة فوتوغرافية)
العصر الإسرائيلي بإصدار هذه المواد من جزيرة العرب إلى أوربة، وبإيراد ما تحتاج إليه من إفريقية والهند وفارس.
وتُحسب المسافات بالساعات في جزيرة العرب، كما في الشرق كله، ويرى العربي أن سير الجمل ذي الحمل الخفيف في الساعة الواحدة يعدل فرسخاً، فنجم عن هذا أن المسافات التي تلوح تافهةً على الخريطة تُقطع في عدة أيام.
وجزيرة العرب خالية من الطرق المعبَّدة، والطرقُ التي تسلُكها القوافل فيها هي الأودية أو الأخاديد التي ذكرناها آنفاً، وإذا ما استثنينا هذه المسالك، التي لا تزال كما كانت عليه في الزمن القديم، رأينا مناحي جزيرة العرب تتعيَّن بآبارها التي تتعذَّر الحياة هناك بدونها، وأكثر مسالك جزيرة العرب استطراقً هي: الطريق التي بين دمشق وبغداد، والطرُّق التي تبدأ من مدينة الرياض النجدية وتنتهي بمكة ومسقط وبغداد ودمشق.
стр. 42
(٣) أقسام جزيرة العرب:
لم يَعِرف القدماء من جزيرة العرب سوى الشيء القليل، ولم يَتحدَّث هيرودوتس عنها في أكثر من بضع كلمات، ولا يُؤبه للأخبار الناقصة التي أتى بها إسترابون وديودورس الصَّقليُّ، وهما اللذان أسندا إلى جزيرة العرب من المنتجات، في الغالب، وما كانت تصدره إليها بلاد الهند فتصدرها إلى الخارج، وذكر بطليموس -ويظهر أنه عرف جزيرة العرب أحسن مما عرفه أولئك- أنه كان في بلاد اليمن ١٧٠ مدينة، وعدَّ من هذه المدن خمس عواصم كبيرة.
ومعرفة الرومان لجزيرة العرب كانت ضعيفةً إلى الغاية، وحاول الرومان غير مرة، تدويخ جزيرة العرب التي كانوا يعتقدون أنها تنتج من التوابل والأبازير والعطور والنسائج والحجارة الكريمة ما كانت تستورده من بلاد الهند والصين بالحقيقة، ولكنهم وهم الذين كانوا سادة العالم، لم يستطيعوا أن يقهروا قبائل البدو العربية التي احتمت بكُثبان الرمال وجوَّ البلاد.
ولم يتوغل الأوروبيون في جزيرة العرب إلا حديثاً، ولم يعرف عنها الأوربيون، قبل نيبوهر الذي زارها سنة ١٧٦٢ م، سوى ما أخذوه عن جغرافي العرب أو عن بطليموس من المعارف المبهمة، ونرى الخريطة التي رسمها نيبُوهر أُولى الخرائط العلمية عن جزيرة العرب، مع اقتصاره على السياحة في قسم من بلاد اليمن.
وانقضى نصف قرن بعد نيبوهر من غير أن يقوم سائح آخر بارتياد جزيرة العرب، فلما كانت سنة ١٨١٥ استأنف بُركهارد البحث، فجمع أنباءً رائعةً عن جزيرة العرب، ولاسيما مكة والمدينة، وما قامت به مصرُ حوالي تلك السنة من غزوٍ ضد الوهابيين كان فاتحة بحثٍ واسع عن مختلف أقسام جزيرة العرب، ثم جاب جزيرة العرب سيَّاحٌ كثيرون نذكر منهم وَاليم (سنة ١٨٤٥) وبُرتُون (سنة ١٨٥٢) وبلغريف (سنة ١٨٦٢) الذي زار في أواسط جزيرة العرب، أماكن كانت مجهولة قبله تماماً.
وقسَّم القدماء جزيرة العرب إلى ثلاثة أقسام: بلاد الحجر العربية (بطرا)، وهي القسمُ الشماليُّ الغربيُّ من جزيرة العرب، وبلاد العرب السعيدة، وهي القسم الجنوبي الغربي منها، والصحراء العربية، وهي قبلها وشرقها.
فأما بلاد الحجر الغربية (بطرا) فتشمل على القسم الواقع بين فلسطين والبحر الأحمر، وأما الصحراء العربية فهي البادية الكبرى التي تمتدُّ من حدود سورية والعراق
стр. 43
إلى الفرات فإلى الخليج الفارسي، وأما بلاد العرب السعيدة فتشتمل على القسم الجنوبي من جزيرة العرب، أي على نجد والحجاز واليمن وعُمان ... إلخ.
وجَهِل جغرافيُّو العرب ذلك التقسيم، فلم يروا بلاد الحجر (بطرا) من جزيرة العرب، فكان التقسيمُ الوحيد الذي اصطلحوا عليه ما يأتي:
بلاد الحجاز: وهي جبليةٌ رملية، تشمل على الجزء المتوسط من المنطقة الواقعة على ساحل البحر الأحمر، ومن بلاد الحجاز مكة والمدينة المقدستان.
وبلاد اليمن: وهي في جنوب بلاد الحجاز، تتألف من الزاوية الجنوبية الغربية من جزيرة العرب، وبلاد اليمن أغنى جزيرة العرب وأخصبها.
وبلاد حضر موت ومهرة وعمان والإحساء: وهي تلي اليمن كما يبدو من الخريطة، تمتد من خليج عدن إلى أقصى خليج فارس.
وبلاد نجد: وهي هضبة خصبة ذات مدن مهمة، تقع وسط جزيرة العرب، وتحيط بها الفلوت والمفاوز من كل جانب.
ولا مطابقة بين هذه التقسيمات، التي يرجع أكثرها إلى أقدم أدوار التاريخ، وتقسيم جزيرة العرب السياسي، فقد كان العرب قبل ظهور محمد منقسمين إلى ألوف من القبائل المستقلة، ثم قامت الدولة العربية فتألفت من تلك القبائل أمة واحدة، ثم عاد سكان جزيرة العرب، بعد زوال تلك الدولة، إلى حالهم السابقة، وأصبحت لا ترى في جزيرة العرب إلا إماراتٍ صغيرة وقبائل مستقلة تخضع كلُّ واحدة منها لرئيس واحد، ولا يُستثنى من ذلك سوى الممالك الثلاث: نجد واليمن وعُمان.
وإليك بياناً موجزاً عن مختلف الأماكن التي ذكرناها آنفاً:
(٣ - ١) بلاد الحجر العربية (بطرا):
ذكرنا آنفاً أن جغرافَّي العرب لم يَعُدُّوا بلاد الحجر من أقسام جزيرة العرب، ونحن لا نستطيع إلا أن نُعدها من تلك الأقسام من الناحية الجغرافية والناحية الاثنوجرافية.
وتتألف «بلاد الحجر» من جزيرة سيناء الممتدة من حدود فلسطين إلى البحر الأحمر، ويدلُّ اسم «بلاد الحجر» على حقيقتها، وذلك أنه يقع في وسط جزيرة سيناء طَوْدٌ من الصَّوَّان يُسمى طور سيناء، ويحيط بهذا الطَّود بقعة صخرية ذات نبات قليل ضعيف، وتصبح هذه البقعة رمليةً بالقرب من الساحل.
стр. 44
شكل ١ - ٤: منظر من طور سيناء (من تصوير ميسو دي لابورد)
وكانت جزيرة سيناء ذات شهرة في التاريخ مع فقرها، فهي بلاد الأدوميين والعمالقة والأنباط والمدينانيين الذين ذُكروا في كتب العبريين كثيراً، وفيها تاه بنو إسرائيل زمناً طويلاً بعد خروجهم من مصر وقبل دخولهم أرض الميعاد، ولا يزالون يشيرون هنالك إلى الجبل الذي بلَّغ منه موسى شريعته إلى قومه، وإلى الحجر الذي ضربه موسى بعصاه فانبجس منه الماء، وإلى كهف جيل حوريب الذي توارى فيه النبيُّ إيليا خوفاً من غضب الملكة إيزابيل.
وتُرى في تلك البلاد القديمة التي قصَّت التوراة علينا أخبارها خرائبُ بلاد الحجر (بطرا)، وهي أنقاضٌ للمخازن التي كانت قبائل اليمن تُجلب إليها اللُّبان والأطياب لمبادلتها بسلع الفينيقيين.
(٣ - ٢) بلاد نجد:
بلاد نجد هضبة واسعة خصبة واقعة في وسط جزيرة العرب، وتحيط بها الفلوات والجبال من كل جانب.
стр. 45
وإطلاع الناس على شئون هذه الهضبة التي تقوم عليها الدولة الوهابية أمرٌ حديث، وقد قال بلغريق من سكانها: «إن بينهم، كما بين سكان شفيلد وبرمنغم، مهندسين قادرين على إنشاء خطوط حديدية وصنع آلاتٍ وبواخر»، ثم ذكر بلغريق، في أثناء كلامه عن نجد، أن من الباطل أن تُوصم جزيرة العرب بالتوحش، وأن يُحكم عليها بما يلاقيه السياح الذين لا يقصدون سوى بعض بقاعها الساحلية على العموم.
وعلى ما أصاب الوهابيين من الانهزام أمام المصريين في سنة ١٨١٠ وسنة ١٨١٨ لم تلبث الدولة الوهابية أن أعيد بنيانها، ويقيم أميرها عادة في مدينة الرياض العظيمة الشأن.
والزراعة أهم ما يعتمد عليه سكان نجد، وقد قال بلغريق: «تُثْبت وفرة الذُّرة والقمح والتمر الجيد في نجد أن النجديين زُرَّاعٌ ماهرون».
(٣ - ٣) بلاد الحجاز:
بلاد الحجاز واقعة على ساحل البحر الأحمر وتشتهر، على الخصوص، بأنها مهدُ الإسلام وبمكة والمدينة والمقدستين اللتين يأتيهما، في كل سنة، ألوف الحجيج من أقصى نواحي العالم الإسلامي.
وتشتمل بلادُ الحجاز على بقاعٍ خصبة، ولكن مُعظم بقاعها غيرُ ذي زرع، ونرى شريف مكة الأكبر، الذي يقيم بالطائف، هو الذي يقبض على ناصية الحكم فيها، وإن كانت تابعة لسلطان الآستانة بالاسم.
ومكة من المدن الواقعية في وسط الصحراء، ولا نشاهد مثلها في غير جزيرة العرب، ولا تفي أرضوها غير الخصبة باحتياج سكانها، فيجلب هؤلاء السكان الحبوب، التي يضطرون إليها، من مدينة جُدَّة التي هي مرفأ لمكة واقعٌ على ساحل البحر الأحمر.
وجهل الأوربيون مكة، التي سماها أهلوها بأم القرى، زمناً طويلاً، ولا يستطيع أوربيٌ أن يدخلها من غير أن يُعرَّض نفسه للقتل، وما قدر عليه بعض السياح من زيارةٍ لها كان بفضل تنكرهم وتضلُّعهم في اللغة العربية، ولم يكن لدينا عنها، فيما مضى، غير رسوم ناقصة لا يُركن إليها عند البحث الصحيح، ونستطيع، اليوم فقط، أن نتمثلها تمثلاً صحيحاً بفضل الصور الفوتوغرافية التي التقطها أحد رجال الجيش المصري، صادق بك، والتي انتهت إلينا بأوربة في سنة ١٨٨١، فاستعنا ببعضها في هذا الكتاب.
стр. 46
ولا تُفضَّل مكة على المدن العربية الأخرى بغير نظامها الكبير، ويندرُ الماء فيها ويُجلب إليها أطيبُ الماء بقنواتٍ من ينابيع عرفة التي تبعُد منها بضع ساعات، وتقول القصة: إن زوجة الخليفة الأشهر هارون الرشيد المفضَّلة، زبيدة، هي التي أنشأت تلك القنوات.
شكل ١ - ٥: واحة الذهب على خليج أيلة (بلاد الحجر العربية، من تصوير ميسو دو لابورد)
وتصبح مكة في موسم الحج أغنى مراكز العالم الإسلاميَّ التجارية وأكثرها تنوعاً، ويقوم في وسطها المسجد الحرام الذي ذاعت بفضله شهرة (أم القرى)، وتقوم الكعبة الشهيرة، التي يقول مؤرخو الشرق إن إبراهيم هو الذي أنشأها، في المسجد الحرام، وتنافس الخلفاء والسلاطين والفاتحون منذ زمن محمد في تزيين المسجد الحرام بسائق التقوى، فلم يبق شيء من زخارفه الأولى.
والمسجد الحرام مُربَّع الشكل، ويجدُ المرء نفسه، بعد أن يدخله من أحد الأبواب، في باحة فسيحة تحيط بها أقواسٌ قائمة على غابة من الأعمدة، وتعلو هذه الأعمدة قبابٌ صغيرة كثيرة، وتقوم مآذن المسجد الحرام على مختلف أجزاء ذلك المربَّع.
стр. 47
واتَّخذ المسجد الحرام المكي مثالاً في إنشاء كثير من مساجد سورية على الخصوص، ورأيتُ في دمشق مساجد كثيرةً مبنية على طراز الحرم المكي، وتختلف مساجد القاهرة عنها بشكل مآذنها ودقائق زخارفها بعض الاختلاف.
ويقع المعبد الصغير، الكعبة، في باحة الحرم المكي، والكعبة بناءٌ مكعبٌ ذو حجارة سُمر، ويبلغ ارتفاعها أربعين قدماً وطولها ثماني عشرة قدماً وعرضُها أربع عشرة قدماً على حسب رواية بركهارد، وليس للكعبة سوى باب واحد يرتفع عن الأرض سبع أقدام، ولا يُوصل إليه إلا بسلَّم مُتنقل ينصبونه في موسم الحج، ويتألف داخل الكعبة من حجرة واسعة مُبلَّطة بالرخام، ومنارةٍ بمصابيح مصنوعةٍ من الإبريز ومزخرفةٍ بالكتابات.
وداخل الكعبة غنيٌ بزخارفه في كل زمن، ومن أقدم ما وصف به هو ما جاء في رحلة ناصر خسرو المفيدة التي قام بها في سورية وفلسطين وجزيرة العرب ... إلخ. (١٠٣٥ م- ١٠٤٢ م)، والتي نشرها حديثاً مديرُ اللغات الشرقية العالم، مسيو شيفر، قال ناصر خسرو:
ي غطي جُدُر الكعبة رُخامٌ من شتى الألوان، وتُسَّمر بجدارها من الناحية الغربية ستة محاريب فضية طويلة بمقدار قامة الرجل مُكفَّتةً بالذهب واللجين المرقَّش باللون الأسود، ويبلغ ارتفاع الجُدرُ في البدء أربعة سواعد من الأرض، فإذا عدوت هذا الارتفاع وجدت ما فوقه حتى السقف مستوراً بصفائح من الرخام المزين بالزخارف العربية وبالنقوش المذهب معظمها.
والحجر الأسود الأشهر مُدمَّجٌ في أجد جُدُر الكعبة الخارجية، ولا يزيد قطر الحجر الأسود، وهو الذي يقول العرب إن الملائكة أتوا به من الجنة؛ ليكون موْطئاً لإبراهيم حين بنائه البيت الحرام، على سبعة قراريط، ولا نعلم شيئاً كرَّمه الناس زمناً طويلاً كالحجر الأسود الذي كان موضع احترام وتبجيل قبل ظهور محمد بقرون كثيرة.
وتُكسى الكعبة في كل سنة كسوةً سوداء تسترها كلها عدا موضع الحجر الأسود وبضع أقدام من أسفلها، ويُعصَب أعلى الكعبة، في أوائل مواسم الحج، بنطاق موشَّى بآيات قرآنية مكتوبة بحروف من ذهب.
ويقوم في ساحة المسجد الحرام، أيضاً، بناءٌ مربع ساترٌ لينبوعٍ، تقول القصة: إن ملكاً فجَّره حين حَجَبَتْ هاجر وجهها لكيلا ترى -وهي هائمةٌ على وجهها في البادية- ولدها إسماعيل يموت عطشاً.
стр. 48
شكل ١ - ٦: مكة والمسجد الحرام (من صورة فوتوغرافية التقطها الكولونيل المصري صادق بك).
شكل ١ - ٧: الكعبة في المسجد الحرام بمكة أيام الحج (من صورة فوتوغرافية).
ويجزمُ مؤرخو العرب أنه كان يسكن مكة مائةُ ألف نفس في غابر الأزمان، ويرى بركهارد أنه لا يقطن بها سوى عشرين ألف نفس في الوقت الحاضر.
стр. 49
وتقع المدينة في الحجاز أيضاً، وهي أقدم عاصمة للدولة العربية، وتلي مكة في الشرف عند المسلمين من الناحية الدينية، فإلى المدينة هاجر محمد، وفيها توفي بعد أن وطد دعائم دينه.
وتحيط بالمدينة أرض جديبة كما تحيط بمكة، ولا تنبت هذه الأرض ما يحتاج إليه أهلوها من الحبوب، فيجلب هؤلاء الأهلون ما يضطرون إليه منها من ميناء ينبع الواقع على ساحل البحر الأحمر.
وأصبحت المدينة ذات غنى وثراء بفضل تقوى الحجاج وبرهم، وتتألف بيوتها، المبنية من الحجارة المنحوتة، من طبقتين على الأقل، وشوارعها مبلطةٌ، ويحيط بها سور مرتفع.
وليس في المدينة مبانٍ قديمة، خلا مسجدها المشهور الذي دفن فيه محمد بعد أن كان يعلم الناس فيه أحكام الإسلام، وصارت المدينة، بفضل قبر الرسول، مكان حج وزيارة مهم مثل مكة تقريباً.
(٣ - ٤) بلاد عسير
تقع بلاد عسير الواسعة بين الحجاز واليمن، وكان الأوربيون يجهلونها حتى أوائل القرن التاسع عشر، ونحن لا نعلم من أمرها سوى أنه يسكنها قوم مقاتلون، وأنها ذات مدن مهمة كثيرة.
(٣ - ٥) بلاد اليمن
تتألف بلاد اليمن من القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب، وهي أغنى جزيرة العرب وأخصبها وأكثرها سكاناً، وهي أهم جزء من البقاع التي كان يسميها القدماء «بلاد العرب السعيدة.»
ويتعاطى سكان اليمن الزراعة والتجارة معاً، وترجع علاقاتهم بالمصريين والفرس والهنود وغيرهم إلى أقدم القرون.
واليوم يدين أهل اليمن بالطاعة لمن يسمونه «الإمام»، ويقيم الإمام بصنعاء التي يبلغ عدد سكانها ستين ألفاً، ومن قول العالم الجغرافي العربي الإدريسي عن صنعاء: أنها كانت مقر ملوك اليمن وعاصمة جزيرة العرب، وأنه كان لملوكهم قص متين شهير،
стр. 50
وأنها كانت تشتمل في زمانه على عدة قصور تحيط بها الحدائق الواسعة، وعلى بيوتٍ مصنوعة من الحجارة المنحوتة ومحتويةٍ نوافذ زجاجية، وأن فيها عشرين مسجداً تعلو أكثرها قباب مذهبة فتساعد على تزيين هذه العاصمة القديمة.
وأتيح لغروتندن أن يزور صنعاء، فوصف موكب الإمام فيها يوم الجمعة بما يأتي: «يشق طريق المسجد خمسون أعرابياً مدججون بالسلاح سائرون ستة ستة منشدون بعض الأناشيد، فيأتي خلفهم أمراء البيت المالك راكبين عتاق الخيل حاملين رماحاً طويلة تعلوها رايات خفاقة، فيأتي الإمام خلف هؤلاء الأمراء ممتطياً صهوة جوادٍ أشهب ناهض من جياد الخيل التي تربى في صحراء الجوف بشمال صنعاء، والتي تعدل خيول نجد سرعة ورشاقةً وتزيد عليها علواً، حاملاً بيده اليمنى قناةً ذات قارية من فضة ومقبض من ذهب منقوش، متكئاً بيده اليسرى على كتف خصيًّ، تاركاً العنان لاثنين من عبيده، متقياً وهج الشمس بمظلة وسيعة مهدبة ذات جلاجل من فضة، فيأتي خلف الإمام سيف الخليفة مستظلاً بمظلة أقل أهمية من تلك، فيأتي خلف سيف الخليفة قائد الجيش وأقرباء الإمام وخواص ضباطه، فمائة أعرابي مسلح».
ولا تزال صنعاء أهم مدن جزيرة العرب، وقال مسيو هاليفي الذي زارها منذ زمن قريب: «يذكرنا فن عمارتها بالمباني الشهيرة التي شيدت على حسب فن العمارة الإسلامية».
وتشتهر مدن اليمن، ولا سيما الروضة القريبة من صنعاء، بحدائقها وبيوت لهوها، ويستعان في الروضة بالكرمة في صنع العرش كما يستعان بها في إيطالية.
وتقع بعد ثلاثين فرسخاً من صنعاء خرائب مدينة مأرب أو سبأ التي كانت عاصمة البلاد في غابر الأزمان، فغدت اليوم قريةً، وكانت تلك الخرائب تشتمل في زمن الإدريسي، الذي ألف كتابه في القرن الثاني عشر من الميلاد، على أنقاض قصرين أقام أحدهما سليمان وأقامت الآخر نساء داود (! ) وكانت الملكة التي زارت سليمان تملك سبأ كما روت كتب اليهود.
ومن بين من اليمن المشهورة نذكر المرفأين، مخا وعدن، الواقعين على البحر الأحمر، وتنحصر أهمية مدينة عدن المتهدمة، التي استولى عليها الإنكليز، في موقعها، وكانت عدن فيما مضى زاهرة كثيرة السكان، ومما قاله العالم الجغرافي الإدريسي عنها منذ ستمائة سنة «أنه يجلب إليها من السند والهند والصين ثمين الأدوات كنصال السيوف المرصعة والجلود المحببة والمسك وسروج الخيل، والفلفل والبهار والنارجيل والأبازير والهال،
стр. 51
جزيرة العرب
والقرفة وقشر العفص والإهليلج والأبنوس، وقشر السلحفاء والكافور وجوز الطيب والقرنفل، ومختلف المنسوجات النباتية الثمينة المخملية والعاج والقصدير ونخل الهند والقصب والند المر الصالح للتجارة.
والبن من أهم ما تنتجه بلاد اليمن في الوقت الحاضر، فتصدره إلى أنحاء العالم قاطبةً، ومع ما يزرع من البن الوافر في كثير من بقاع الأرض لم يبلغ من حيث الجودة في مكانٍ ما بلغه في بلاد اليمن ذات الجو الخاص، وتعد مخا مستودع البن اليمني.
وليس لملوك اليمن في الوقت الحاضر ما كان لأسلافهم في القرون الخالية من الجلال والعظمة، ولا يعدو سلطانهم الآن حدود المدن الكبرى، ولا يتناول نفوذهم مختلف القبائل المستقلة المنتشرة في نواحي البلاد.
(٣ - ٦) بلاد حضرموت ومهرة وعمان والأحساء
تمتد بلاد حضرموت ومهرة من شرق اليمن إلى عمان، وتقع على طول ساحل المحيط الهندي، وتسكنها قبائل مستقلة، وفيها بضع مدن تكاد تكون مجهولةً.
وعاصمة حضرموت هي مدينة شيبام الواقعة على مسيرة يوم من مدينة تريم المهمة، التي يبلغ عدد مساجدها عدد ما في رومة من الكنائس كما روى فريسنل.
وتقع بلاد عمان، التي تأتي بعد مهرة، على ساحل المحيط الهندي والخليج الفارسي وهي رملية تتخللها واحات كثيرة وأودية خصبة، ومقر سلطانها مدينة مسقط التي لا قيمة لها اليوم.
وليست بلاد الأحساء الممتدة من عمان إلى مصب الفرات، والواقعة على طول الخليج الفارسي معروفة جيداً، ويظن أنها قليلة السكان، ويعد القسم الذي بين مدينة القطيف والبصرة صحراء واسعة، وتقع تجاه هذا القسم جزر البحرين التي هي أشهر مغاوص اللؤلؤ في العالم.
لقد أتينا ببحث موجز عن جزيرة العرب، وعلينا أن ندرس الآن أمر سكانها، وسنرى أن العالم لم يعرف قطراً طبع بجوه وأرضه طابعه على شعب كما طبعت جزيرة العرب بجوها وأرضها طابعها على من يسكنها من الأهلين.
ولا تنفع أنباء الفتوح وأخبار الملوك في الوقوف على تاريخ إحدى الأمم، والذي ينفع في ذلك هو البحث في مختلف العوامل التي أثرت في تطورها، والتي يجيء عامل العرق الذي تنتسب إليه في مقدمتها.
стр. 52
فما سجايا هذا العرق الخلقية ومواهبه العقلية؟ وماذا اعتور هذا العرق من التغير بفعل البيئة والوراثة والعلاقات بالأمم الأخرى؟
هذا ما نرغب في معرفته، وما نسعى إلى درسه في هذا الكتاب.
стр. 53
الفصل الثاني
العرب
(١) مبدأ العرق كما أقرته العلوم الحديثة
أرى، قبل البحث في العرب، أن أمهد الأمر بدرس ما هو ضروري من أوصاف الإنسان وقوفاً على هذا الفصل.
تقسم الجماعات البشرية المنتشرة في مختلف أقطار الأرض إلى عروق، وكان يظن أن الفروق بين العروق البشرية أقل مما هي عليه بين أنواع الحيوان، بيد أن العلم الحديث أثبت أن عروق البشر مفترقه في أخلاقها افتراق أنواع الحيوان المتقاربة، فيجب عد كلمة «العرق» بالنسبة إلى الإنسان مرادف لكلمة «النوع».
ويمكن تعريف العرق، أو النوع البشري، بأنه يدل على جماعات ذات أخلاق مشتركة تنتقل إليها بالوراثة انتقالاً منتظماً.
ويرى الذين لم يدرسوا علم أوصاف الإنسان أن «الأمة» و «العرق» كلمتان مترادفتان تقريباً، مع أن لهما معاني مختلفة تماماً، فالأمة: هي جماعة من الناس الذين ينتسبون، في الغالب، إلى عروق كثيرة جمع بينها نظام حكم واحد ومصالح واحدة، فإذا صح ما ندعوه الآن بالأمة الإنكليزية أو الأمة الألمانية أو الأمة النمساوية أو الأمة الفرنسية مثلاً، لم يبق ما تصح تسميته بالعرق الإنكليزي أو العرق الألماني أو العرق النمسوي أو العرق الفرنسي، فكل أمة من هذه الأمم هي من تباين المحاتد والأصول ونقص الادَّغام ما لا يجوز معه أن تطلق عليها كلمة «العرق»، أجل، إن من الجائز أن تنضوي جماعات بشرية كثيرة إلى قوانين واحدةٍ، وأن تدين هذه الجماعات بديانة واحدة، وأن نتكلم بلغة واحدة، ولكنه لا يتألف منها عرق متجانس إلا بعد أن تستقر فيها أخلاق واحدة وصفاتٌ جثمانيه واحدة بفعل البيئة والتوالد والوراثة.
стр. 54
ويتطلب كسب هذه الأخلاق والصفات زمناً طويلاً جداً، والصفات الموروثة إذا كانت لا تستقر إلا ببطوء فإنها لا تزول إلا ببطوء، وبأقصى البطوء تندمج العروق وتتحول، ويجب، لكي يكون للبيئات والتوالد أبلغ الأثر في تكوين العرق، أن يتوالى التطور، ويتراكم بفعل الوراثة المتتابعة المستمرة قروناً كثيرةً سائراً نحو غرض واحد.
ويعدون البيئة، في الغالب، من العوامل التي تستطيع تحويل صفات العرق وإثباتها، ولكن الوراثة التي تتراكم بها أخلاق العرق وسجاياه وترسب مع الزمن أقوى من البيئة وأعظم أثراً، فقد دلت حوادث التاريخ على أن العرق إذا ما استقرت أخلاقه وسجاياه بالوراثة وبلغ من الكبر عتياً عجزت البيئة عن التأثير فيه، وصار أهون عليه أن ينقرض من أن يتحول، من أجل ذلك نرى بني إسرائيل يحافظون على مثالهم الثابت في كل قطر، ومن أجل ذلك أيضاً تعذر على بلاد مصر الحارة، مع ما فيها من قوة صهر، أن تُحوِّل العروق المسِنَّة التي استولت عليها واحداً بعد الآخر فكانت قبراً لكل واحد فيها.
وإنما تؤثر البيئات في العروق الحديثة، أي العروق التي تنشأ عن توالد مختلف الأمم ذات الصفات المتباينة، فإذا ما فلت الوراثةُ الوارثةَ وانحلت بذلك مقومات الماضي القديمة الموروثة بفعل الوراثة الجديدة خلا الميدان للبيئة وقامت بعملها.
والتوالد، لكي يكون مؤثراً، يجب أن يتكرر، وألا تتفاوت كثيراً نسب من يتوالدون من أفراد مختلف العروق، وإذا عظم التفاوت في نسب العناصر المتوالدة كانت الغلبة لصفات العرق الوافر العدد، لا لصفات العرق القليل العدد الذي لا يبقى له أثر من حيث النتيجة، وقد دل الاستقراء على أن رهطاً من البيض لم يلبث أن يزول أثره بعد بضعة أجيال إذا ما توالد هو وقوم من الزنوج، وأن صفات أمةٍ مقهورة صغيرة تزول بالتوالد أمام صفات أمةٍ منتصرة كبيرة.
ومن الأمثلة على ذلك أغارقة الوقت الحاضر الذي لا يمتون إلى أجدادهم الذين خلدتهم التماثيل بوجه شبهٍ، ومن تلك الأمثلة رومان بلاد الغول الذين، وإن كنا وارثين لحضارتهم ولغتهم، لم يبق لدمائهم أثرٌ في عروقنا، ومنها أيضاً حال العرب في مصر، فسوف ترى أن المصريين الذين تمردوا على حضارة الفرس واليونان والرومان ولغاتهم انتحلوا لغة العرب ودينهم وتمدنهم، وأن مصر غدت بذلك أشدَّ البلاد التي دخلت في دين محمد عروبة، وأنه، مع كثرة توالد المصريين والعرب الفاتحين وظهور مثال جديد اختلف عن الأصل بعد انقضاء جيلين أو ثلاثة أجيال، أي تفوق نسبة المصريين العديدة
стр. 55
من حيث النتيجة إلى تقلص أثر الدم العربي في المصريين، وأن الفلاح المصري العتيد، العربي بدينه ولغته، رجع ابناً لقدماء المصريين وصورة حيةً لهم.
شكل ٢ - ١: أعراب ورؤساء أعراب من القبائل المستقلة المجاورة للبحر الميت (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف.
(٢) أهمية الأخلاق في تقسيم العروق
لا تصلح اللغة والدين والجماعات السياسية والصفات التشريحية، كشكل الجماجم ولون الجلود والسحنات، لتقسيم العروق وإظهار الفروق الدقيقة بين الأمم المتقاربة، كالأمم الأوربية مثلاً، وإن صلحت الأوصاف التشريحية لتقسيم الأجناس البشرية الظاهرة الاختلاف البادية التباين.
بيد أنه توجد صفات نفسية، وإن شئت فقل سجايا خُلُقِية، ثابتة ثبات الصفات التشريحية، وأنه سيأتي يوم تكون فيه هذه الصفات النفسية، التي أغفلها علم أوصاف الإنسان الحديث، أساساً لتقسيم العروق، فلا يقول فيه أشد الناس تمسكاً بالأوصاف التشريحية: إنه ينال، باطلاعه على صفات العرقين المتقابلين التشريحية، معارف أكثر من التي ينالها باطلاعه على صفاتهما النفسية.
стр. 56
وتأتي الصفات النفسية المتشابهة بنتائج متشابهةٍ دائماً كما تأتي الصفات التشريحية، ومن ينعم النظر في تطور إحدى الأمم يعجب مما يلاحظه من تجلي سجاياها الخلقية على نمط واحد في غضون الأجيال، وتنشأ عن الصفات النفسية نظم الأمة وشأنها في العالم على الخصوص، وتستتر تحت الأخلاق، أي تحت المقومات التي تولد مع الإنسان وتقرر طراز شعوره وفعله، عوامل السير اللاشعورية.
وتختلف الأخلاق باختلاف العروق، ونفسر بهذا الاختلاف السبب في أن النظم المتشابهة تأتي بنتائج مختلفة عند إدخالها إلى أمم مختلفة، ونفسر به، مثلاً، علة الفوضى السائدة لجمهوريات أمريكية الإسبانية البائسة وما تتمتع به جمهورية الولايات المتحدة من السعادة والرخاء مع تماثل نظم هذه البلاد وتلك.
وفي الماضي تنضج عوامل السير، ومنه تتسرب فينا، وفي الماضي الطويل تتكون المروءة والنشاط والشجاعة والمبادرة وردع النفس وكبح العواطف، وغير ذلك من الأخلاق والمشاعر التي يرثها أبناء الجيل الحاضر؛ لينقلوها إلى جيل المستقبل، والتي لا يستطيع أي نظام أن يمنحها.
شكل ٢ - ٢: أعراب سوريون (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف في أريحا).
стр. 57
وعلى ما في السجايا الخلقية من الثبات نراها تقدر، كالصفات الجثمانية، أن تتحول ببطء بتأثير مختلف العوامل، ولا سيما البيئة المادية والمؤثرات الأدبية والتوالد، ومن ذلك اختلاف أخلاق الروماني الذي كان معاصراً لهيلو غابال عن أخلاق أجداده في العصر الجمهوري، واختلاف سكان الولايات المتحدة في الأخلاق عن آبائهم الإنكليز.
والأخلاق في طريق التحول عند أكثر الأمم الحاضرة، وهي لا تزال بعيدةً من الرسوخ، فقد نشأ عن الفتوحات العظيمة التي ظهرت بها الأمم الحاضرة أن تقابلت عناصر كثيرة التباين فاختلط بعضها ببعض قليلاً، ولا يمض من الزمن ما يكفي لاكتسابها كثيراً من المشاعر المشتركة.
وأمر مثل هذا يتضح جيداً حينما ندرس أحوال شعوب حديثة يخيل إلينا، أول وهلةٍ، أنها متجانسة كالفرنسيين المؤلفين بالحقيقة من عناصر مختلفة كالكمريين والنورمان والسلت والأكيتان والرومان، وغيرهم من الذين داسوا ديارنا وجاسوا خلالها من غير أن يتمازج حفدتهم، كما يجب، حتى الآن.
وأوضحت في كتاب جديد مقدار التأثير العميق الذي يؤثره في مقادير الأمم مختلف العناصر التي تدخل في تركيبها، كما بينت فيه أن دراسة هذه العناصر، لا دراسة النظم السياسية التي هي معلولات لا علل، هي التي ترشدنا إلى سر الدور الذي تمثله الأمم في التاريخ، وما قمت به من تلخيص ذلك في هذا الكتاب يكفي لإقناع القارئ بأهمية درس روح الأمم الذي لا يزال ناقصاً، وسنرى في البحث في أخلاق العرب تفسيراً وافياً لأسباب عظمتهم وانحطاطهم.
(٣) منشأ العرب
عد العرب واليهود والفينيقيون والعبريون والسوريون والبابليون والآشوريون، الذين استوطنوا جزيرة العرب وآسية الصغرى حتى الفرات، من أصل واحد، ويطلق على هذا الأصل اسم الأرومة السامية.
وتقوم قرابة هذه الأمم على تجانس لغاتها، واشتراك أبنائها في صفاتٍ جثمانية متماثلة كاسوداد شعورهم وكثاثة لاهم ومدة ألوانهم ... وما إلى ذلك، ومن الممكن أن نجادل في قيمة هذه الصفات، ولكننا إذ نخرج بهذا عن الغرض، نرى الاقتصار على اقتباس ما ورد عنها في بعض المتون.
стр. 58
وذهب العلماء إلى وجود مثالين لصفات تلك الأمم الجثمانية، أحدهما: لطيف، والآخر: غليظ، فأما المثال الأول: فيتصف، كما قال مسيو جيرار: «بقامته الهيفاء المعتدلة وأعضائه المكتظة المشتدة ومفاصله الدقيقة، ووجهه الطويل الدقيق في أسفله وذقنه المتوثب وفمه الصغير، وأسنانه البيض المنضدة، وشفتيه الرقيقتين، وأنفه الضيق الأقنى، وعينيه السوداوين النجلاوين، وحاجبيه الأزجين، ورأسه المستطيل، ونجد هذا المثال، الشائع بين العرب على العموم، في بني إسرائيل والسوريين والمصريين الأقدمين والمعاصرين أيضاً.
«وأما المثال الآخر: فيتصف بقامته الطويلة الثقيلة، وأعضائه العضلة، ووجهه العريض الثخين، وفكه القوي البارز، وذقنه الناتئ، وفمه الضخم، وشفتيه الغليظتين، وأنفه الأقنى الواسع، وحاجبيه المقترنين، وعينيه السوداوين الكبيرتين، وجبينه الضيق المستقيم، ونجد هذا المثال بين الآشوريين واليهود وعرب الجنوب والمصريين الذين تجري في عروقهم دماء إفريقية لا ريب، وذلك لما تدل عليه خطوط سحناتهم ونسب أجسامهم».
ومهما تكن وحدة هذه الصفات التي نجادل في قيمتها، ومهما تكن أهمية هذه القرابة السامية التي لا نجزم بها نراها ترجع، على فرض وجودها، إلى ما قبل التاريخ، وقد كانت هذه الأمم السامية على اختلافٍ وتباين منذ أقدم عصور التاريخ كما دلت عليه الروايات.
وإذا جاز لنا أن نحكم في مبادئ الساميين السياسية والاجتماعية، من خلال مبادئنا الحاضرة، رأيناها قبلية غير راقية، وذلك مع الاعتراف بأن الأمم السامية أقامت حضاراتٍ عظيمة، وأن ثلاثة من الأديان الخمسة أو الستة التي تسود العالم (وهي اليهودية والنصرانية والإسلام) نشأت عن الفرعين الساميين: اليهود والعرب.
وكانت القرابة بين العرب واليهود وثيقةً، ودليل ذلك ما بين لغتي تينك الأمتين وتقاليدهما من التشابه.
ولا جرم أن الشبه قليل بين العربي أيام حضارته واليهودي الذي عرف منذ قرونٍ بالنفاق والجبن والبخل والطمع، وأن من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي، ولكن، لا تنس أن طرق الحياة الخاصة التي خضع اليهود لحكمها منذ قرون كثيرة هي التي أنشأت منهم عرقاً ذليلاً غير محترم، وعندي أن كل أمة تكون عرضةً لمثل ما أصاب اليهود، ولا تعرف عملاً لها غير التجارة والربا، وتحتقر في كل مكان، وتنتقل إليها تلك الغرائز المنحطة بالوراثة المتتابعة مدة عشرين قرناً، وتتأصل فيها، تصير كما صار إليه اليهود لا محالة.
стр. 59
ويجب لكي نتمثل القرابة بين اليهود والعرب، أن نعود إلى عصر إبراهيم الذي نرى أن قبيلته الصغيرة كانت تغزو جيرانها، وتلقي الذعر فيهم، كما تغزو قبائل البدو العربية الحاضرة جيرانها وتخيفهم، ولنعلم، كما أرجح، أن أسر اليهود في مصر لم يكن سوى نتيجة غزوةٍ أسفرت عن حصر المصريين لليهود النهابين في مكان من شمال مصر لم يستطيعوا الخروج منه في زمن موسى إلا بعد إقامتهم به زمناً طويلاً، وبلوغهم من النفوس عدداً تمكنوا به من مقاومة الفراعنة، والرجوع لمدة أربعين سنة إلى حياة البادية، وما كانت حياة اليهود لتختلف، إلى زمن داود، عن حياة الصحاري التي ألفتها قبائل البدو العربية في فلسطين وجزيرة العرب.
(٤) تنوع شعوب العرب
يعد أكثر الأوربيين العرب عرقاً واحداً على العموم، وكل مسلم، عند هؤلاء الأوربيين، يسكن بقاع آسية وإفريقية الممتدة من مراكش إلى جزيرة العرب، هو عربي، وذلك كما يعد العرب جميع الأوربيين من إنكليز وألمان وطلاينا وروس أمة واحدة يسمونها الإفرنج.
والحق أن تمثل الأوربيين للعرب على هذا الوجه هو من عدم الصحة كتمثل العرب للأوربيين، وذلك أنه يوجد بين العرب مثل كالتي تشاهد في أوربة، وأن العرب قد انتهوا، بما صادفهم من البيئات، وبما اختلطوا به من الأمم، إلى أمزجة كثيرة معقدة إلى الغاية.
وعلى ذلك أصبح عرب مكة، بعد أن كان يتألف منهم عرق خالص في الماضي، مزيجاً من أبناء مختلف الشعوب المنتشرين فيما بين المحيط الأطلنطي ونهر السند والذين يحجون مكة في كل سنة منذ زمن محمد، وقل مثل هذا عن عرب إفريقية وسورية الذين اختلطوا بالفينيقيين والبربر والترك والكلدان والتركمان والفرس والأغارقة والرومان، ولا تستثن من هذا أجزاء جزيرة العرب الوسطى المنعزلة، كبلاد نجد، التي اختلط أهلوها بالزنوج على نسبٍ واسعة منذ قرون.
واستوقف تأثير الزنوج في سكان جزيرة العرب نظر جمع السياح الذين ارتادوها، ومن ذلك أن روى روتا وجود بقعة في اليمن صار سكانها من أصحاب الجلود السود على وجه التقريب، مع أن سكان الجبال من أهل اليمن الذين قل اختلاطهم بالآخرين ظلوا بيضاً، وإن قص هذا السائح، في معرض الكلام عن أسرة أحد رؤساء تلك البقعة، أنه «يوجد في أبنائها جميع الألوان التي تترجح بين الأسود والأبيض تبعاً للعروق التي
стр. 60
شكل ٢ - ٣: عربيان حضريان من سورية (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف بدمشق).
تنتسب إليها أمهاتهم، ومن ذلك أن رأى والين قبائل من العبيد السود في الجوف، وأنه يوجد زنوج في نجد وفي بقية جزيرة العرب من غير اكتراثٍ للون وللتوالد، ومن ذلك أن رأى بلغريق مقاليد مدينة القطيف النجدية المهمة بيد زنجي، ومما قاله بلغريق: «إنني رأيت في الرياض أناساً من الخلاسيين يحملون سيوفاً ذات مقابض فضيةٍ ويخدمهم عرب خلص من أبناء إسماعيل وقحطان».
وعجبت ليدي بلنت من عدم الاكتراث لأمر اللون أيضاً، وذلك في رحلتها إلى بلاد نجد في سنة ١٨٧٨، فروت أن حاكم مدينة سكاكة النجدية زنجي أسود كريه الملامح كزنوج إفريقية، ثم قالت: «إن مما لا يصدقه العقل أن يحيط بهذا الحاكم الزنجي، الذي لا يزال عبداً، رهط من الندماء البيض الخالصي العروبة يمتثلون أوامره، ويبتسمون استحساناً لأفاكيهه التافهة».
стр. 61
واختلاط مختلف العروق أظهر ما يكون لدى أهل الحضر من العرب، ويباهي كل عربي بوجود نسوةٍ من مختلف الألوان في دائرة حريمه، ويتجلى صفاء العرق في سكان الجبال وأهل البدو من العرب أكثر مما في غيرهم، وذلك مع ملاحظة وجود أناسٍ من أهل بادية الشام الشرقية، القريبة من تدمر على الخصوص، شقرٍ في العيون بسبب اختلاطهم بأهل الشمال على ما يلوح.
(٥) وصف الفوارق بين العرب
إن الفارق الأساسي الوحيد بين العرب هو ما أيدته تقاليدهم وطرق معايشهم، وهو تقسيمهم إلى أهل حضر وأهل بدو، ويجب ألا يغيب هذا التقسيم الجوهري عن البال حين البحث في تاريخهم، فأما أهل البدو، وهم الأعراب الموزعون فيما بين المحيط الأطلنطي وخليج فارس، فلهم طرق معايش وعادات وطبائع لا تزال كما كانت عليه منذ آلاف السنين، ويحتمل أن تبقى هكذا إلى الأبد، وهم مقسمون، كما في العصر الإسرائيلي، إلى قبائل ترتحل عن الأماكن المقيمة بها عندما تستنفد مواشيهم ما عليها من الكلأ، وأما أهل الحضر من العرب فهم، على العكس، يتغيرون بتغير الأماكن والشعوب التي يخالطونها.
وإن تقسيم العرب إلى أهل حضرٍ وأهل بدو يطابق ما في الرواية التي قالت بتقسيمهم إلى ثلاثة عروق: العرق الذي باد وعفا أثره قبل الإسلام، والعرق المؤلف من أبناء قحطان الذين استقروا ببلاد اليمن والذين هم أقحاح العرب، والعرق المؤلف من ذرية إسماعيل الذي هو ابن جارية إبراهيم المصرية.
وتعلم مما قلناه آنفاً عن العرب المعاصرين الذين هم وليدو توالدٍ مختلفٍ أنه يتعذر وجود مثال خالص خاص بالعرب؛ بسبب ما تعرض له العرب من التمازج كتعذر وجود مثال فرنسيًّ أو إيطالي.
وأحسن وصفٍ قيل في مثال العرب الجثماني، الذي يطابق فريقاً كبيراً من العرب الخلص، هو ما ذكره الجراح الأول السابق في الجيش المصري، لاري، في الكلمات الآتية وهي:
هم مربوعو القامة، ذوو تكوين حسنٍ، ومرانةٍ ضلع سفع، وجوههم بيضة سمر وجبنهم عريضة عالية، وحواجبهم سود منفصلة، وعيونهم كحل لامعة، وأنوفهم معتدلة، وأفواههم جميلة، وأسنانهم منضدة عاجية البياض، وآذانهم حسنة الشكل غير كبيرة
стр. 62
شكل ٢ - ٤: عربي حضري سوري (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف في دمشق).
مائلة قليلاً إلى الأمام، وخروتهم محاذية تماماً لأجفانهم، وفي المرأة العربية محاسن كثيرة كما في أخواتها في الأمم الأخرى، ونحن نعجب، على الخصوص، باستدارة أعضائها اللطيفة، وتناسب يديها، واعتدال رجليها، وهيف قامتها وتبخترها ... إلخ.
ويقسم أهل البدو أو الرعاة من العرب إجمالاً إلى قبائل كثيرة موزعة في أطراف الأراضي الخصبة القريبة من البادية، وتقيم القبائل بمضارب وخيامٍ تنقل من مكان إلى آخر عند الضرورة، وعلى ما بين أبناء القبائل العربية والعرب المتمدنين من الشبه نرى أبناء القبائل العربية يميزون بتألق عيونهم وغموض ملامحهم، واعتدال قامتهم وسرعة عدوهم، وضمورهم وقوتهم، وتوثبهم وخيلائهم وعتقهم، وحذرهم وبأسهم ونجدتهم
стр. 63
ولباقتهم، وذكائهم النادر وفروسيتهم ورمايتهم، واستعدادهم العظيم لاحتراف مختلف المهن والصناعات».
وأشد ما استوقف نظري من الأوصاف التي وصف لاري بها العرب هو ما شاهدته، على الخصوص، من التماع عيون صبيانهم، وبياض أسنانهم، ودقة أيديهم وأرجلهم، وهيف قامتهم ... وما إلى ذلك مما لا يرى اليوم في غير عرب البادية.
وإذا عدوت ذلك التقسيم الأساسي وجدت أن الفارق العملي الوحيد الذي بين العرب المولدين هو ما يقوم على البحث في سكان كل قطر يسكنه العرب، وهذا ما نفعله حينما تصف بالتتابع عرب جزيرة العرب وسورية ومصر وإفريقية والصين، وصفات هؤلاء النفسية، لا صفاتهم الجثمانية، هي أكثر ما نبحث فيه، مع أن نشر صورنا الفوتوغرافية أنفع في تمثل هذه الأمثلة من أي بيانٍ مفصل كان.
(٥ - ١) عرب جزيرة العرب
عرب البقاع الوسطى من جزيرة العرب، ولا سيما الأعراب، هم، مع اختلاطهم بأناسٍ من الزنوج، أكثر العرب مشابهةً لأجدادهم الأقدمين، وهم الذين سنبدأ بالبحث فيهم.
ويتألف من الأعراب، الذين يظن الكثيرون أن جزيرة العرب لا تشتمل على غيرهم، عرق جليف بعيد من التمدن عاطل من أي تاريخ كان، ونحن إذا ما استثنينا الدين نرى أنه لم يتبدل فيهم شيء منذ ألوف السنين، وعلى من يود أن يعرف ما كانوا عليه منذ ثلاثة آلاف سنة أن ينظر إلى حاضرهم، وهم الذين لم يطرأ على ما وصفهم به هيرودوتس أو التوراة شيءٌ، وهم الذين قُدَّر عليهم ألا يتحولوا، وإذا كان من فضل البقاع الخصبة، كاليمن، أن تنشئ أهل حضرٍ، فإن رمال الصحراء القاحلة لا تصلح لغير الأعراب.
وسكان البدو من العرب مقسمون، في كل زمن، إلى قبائل صغيرةٍ تخضع كل واحدة منها لشيخ أو أمير، ويقتصر سلطان هذا الشيخ أو الأمير، تقريباً، على قيادة المحاربين في الغزوات، وتقسيم الغنائم، والصدارة في بعض الحفلات.
والغزو وتربية الحيوانات هما كل ما يعتني به الأعراب، ولا نهاية لما يشتعل بين القبائل العربية من الحروب لأتفه الأسباب، ما عملت بمبدأ الثأر والقصاص الإسرائيلي القائل: إن العين بالعين والسن بالسن والنفس بالنفس، وما تبع كل حادث قتلٍ يقع بينها حادث قتل مثله انتقاماً، ولا ترضى القبيلتان العربيتان المتعاديتان بالدية بدلاً من القصاص إلا بعد أن ينهكهما الجهد ويعتريهما الوهن.
стр. 64
شكل ٢ - ٥: عرب من مصر العليا (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف بالقرب من طيبة).
وتنشأ عيوب أهل البدو من العرب ومحاسنهم عن طراز حياتهم، قال هيردر:
لا يزال الأعراب محافظين على طبائع أسلافهم البدوية، وهم، على ما في الأضداد من غرابة، يتصفون بسفك الدماء وحقنها، وباعتقاد الخرافات وردها، وبالإيمان والإلحاد، وهم، على ما يظهر، ذوو فتوة خالدة يقدرون بها على القيام بجليل الأعمال عندما يؤمنون بمبدأ جديد، وهم أحرار كرام شم الأنوف غضاب مقاديم، يجمعون في مثالهم بين الفضائل والمساوئ الخاصة بقومهم.
والأعرابي نشيط، ويعود نشاطه إلى وجوب كسب عيشه بنفسه، وهو صبور، ويرجع صبره إلى ما لا محيص عنه من احتمال الآلام والمحن، وهو محب للحرية، والحرية هي الأمر الوحيد الذي اتفق له أن يتمتع به، وهو محارب، ويحارب حاقداً كل من يحاول استعباده، وهو قاسٍ على نفسه صارمٌ ولوع بالانتقام في الغالب.
ونرى الأعراب متماثلين في أمور العز والشرف؛ لتماثل أحوالهم ومشاعرهم، ويقوم فخرهم على السيف والقرى والبلاغة، فبحد السيف يصونون حقوقهم،
стр. 65
وبالقرى يتجلى كرم أخلاقهم، وبالبلاغة يحسمون ما لا يقدر عليه السلاح من الخصام.
وقال ديفرجه: «قد يكون أظهر ما في الأعراب هو أنهم جماع الأضداد، فالنهب والكرم، والسلب والجود، والقسوة والنبل ... وغير ذلك من الصفات التي تدعو إلى المقت والإعجاب في وقت واحد مما نراه في الأعراب، وليس في هذا ما يعذر به الأعراب لو لم نلاحظ أنهم محكوم عليهم بالاكتفاء بما تنتجه بلادهم المعتزلة التي هي أكثر أراضي العالم جدوبة، ويعتذر الأعراب عن النهب بأنهم محرومون، لفقر بلادهم، طيب العيش ووفرة الغلات والكلأ مما لم تعرفه أمة أخرى، وبأنهم يزيلون هذا الحيف المقر بأسنة رماحهم معتقدين أن من الحلال دهم القوافل وسلب ما بأيديها تعويضاً لهم مما لم تقدر أن تجود عليهم به أراضيهم القاحلة، وبأنهم يعدون قطع السابلة، وسلب ما بأيدي الناس ضرباً من حقوق الفتح والفخر كتدويخ مدينة أو ولاية، وذلك لعدم تفريقهم بين الحرب والكمون.
ومساوئ مثل هذه لا تغتفر لو لم يكن عند الأعراب من الفضائل ما يشفع لهم به، ومن هذه الفضائل أن الأعرابي المحارب، المتعطش للنهب والانتقام، والذي يفعل عند متن كرامته ما لم تسمع به أذن من ضروب القسوة، مضياف كريم أني في مضربه، ومنها أن الهضيم الذي يضع نفسه تحت حماية الأعرابي، ولو كان من أعدائه، أو الذي يصبح في جواره، يعد من أفراد أسرته، فلا يستطيع أحد بعدئذ أن يعتدي على حياته المقدسة التي يدافع عنها ذلك الأعرابي أكثر من أن يدافع عن نفسه، وإن ظهر أن هذا الغريب من أعدائه الذين تمنى زوالهم مائة مرة.
وليس بمستبعد أن يأخذ الأعرابي المضياف جمل جاره طوعاً أو كرهاً ويصنع منه طعاماً؛ ليمعن في إكرام ضيوفه، والكرم أفضل فضائل الأعراب، ويعده الأعراب أخص ما اتصفت به أمتهم».
وأضيف إلى ما تقدم أن الأعراب من سكان جزيرة العرب وسورية وإفريقية يحبون الحرية حباً جماً لا يقدر الأوربي أن يتصوره، وهم يزدرون أبناء المدن ويعدونهم من الأرقاء لذلك، ويتضمن الارتباط في الأرض عندهم معنى توديع الحرية والخضوع لسيد، ويرى الأعراب الذين لا يملكون سوى حريتهم أن هذه الحرية أغلى شيء، وقد حافظوا عليها بتوالي الأجيال، ولم يقدر جميع الفاتحين من الأفارقة والرومان والفرس وغيرهم
стр. 66
من الأمم التي دوخت العالم أن يعبدوهم، وكل قهر للأعراب لا محالة زائل، والقهر إذا ما وقع كان على أيدي أعراب آخرين، فلا يفل الأعراب إلا الأعراب.
ويرجع حب الأعراب للحرية إلى أقدم عصور تاريخهم، فقد روى ديودورس الصقلي أن الأنباط، وهم من أعراب بلاد الحجر العربية (بطرا)، كانوا ممنوعين من بذر القمح وغرس الأشجار المثمرة، وبناء البيوت لما في هذه الأعمال من التضحية بالحرية طوعاً، ولذا لم يستذل الأعراب أحد، وهم الذين لم يعطوا ملوك فارس الجزية، وقد أعطاها أهل فينيقية وفلسطين كما ذكر هيرودوتس.
ويلقي الأعراب الرعب في قلوب جيرانهم المتمدنين؛ لما فطروا عليه من الرغبة في النهب وحب القتال، ويعد هؤلاء المتمدنون الأعراب من قطاع الطرق، وينظر الأعراب إلى المسألة من ناحية أخرى، أي يفخر الأعراب بسلب القوافل فخر الأوربيين بضرب المدن بالقنابل أو افتتاح الأقطار أو ما إلى ذلك، ويحترم الأعراب رؤساءهم احترام الأوربيين لأعاظم القادة، وإن لم يقيموا لهم تماثيل.
وأصبح أعراب جزيرة العرب، بما كان عندهم من غرائز النهب والقتال، محاربين أشداء أيام خلفاء محمد فدوخوا العالم بسرعة، ولم تتغير غرائزهم بتغير ما لاقوا من الأحوال الجديدة، بل تجلت على صور أخرى ما كان الثبات من الغرائز، فأصبح حبهم للنهب حبا للفتح، وتحول كرمهم إلى ما أخدته أوربة عنهم مؤخراً من طبائع الفروسية، ثم إن ما بينهم من التفاخر والمنافسة لم يلبث أن جاوز الحدود المعقولة فكان سبباً في خسرانهم بعد أن كان حافزاً لهم على العمل الصالح في البداءة.
وكان يتألف من الأعراب قسمٌ كبير من جيوش خلفاء محمد، وقام الأعراب الفاتحون بأجل الخدم لأولئك الخلفاء، وإن كان العلماء وأرباب الفن الذين ازدهرت بهم حضارة أتباع النبي لم يظهروا من بين الأعراب.
ويستخف الأعراب بسلطان الحضارة، ويفضلون عليها عيش البادية، وهذه من المشاعر الموروثة التي ترى مثلها عند هنود أمريكية ولا يؤثر فيها أي دليل، ورفض الأعراب، في سورية على الخصوص، كل أرضٍ عرضت عليهم ليستقروا بها، ويعرف هؤلاء الأعراب، الذين يستوقف نبلهم وبأسهم نظر كل سائح، كيف يستغنون عن نعم الحضارة المصنوعة، وعن جبروت كل أمير إقطاعي كأمراء القرون الوسطى، ولا تخلو حياة البادية من السحر والجمال مع ذلك، ولا أتردد ثانية في ترجيحها على حياة المصانع التي يقضي العامل فيها اثنتي عشرة ساعة من كل يوم.
стр. 67
شكل ٢ - ٦: عربيتان من جوار القاهرة (من صورة فوتوغرافية).
وعندي أن أهل البدو من العرب، مع بقائهم على الفطرة وعدم تحولهم قيد أنملة عن الحال الابتدائية التي كانوا عليها منذ أقدم العصور، أفضل من جميع أمم الرعاة في العالم، وقد أتيح لي أن أحادثهم غير مرة، فظهر لي أن مبادئهم في الحياة تعدل مبادئ كثير من الأوربيين العريقين في الحضارة، وسنرى أن الأعراب الأجلاف بعاداتهم شعراء بتصوراتهم، ويندر أن يكون الأعرابي غير شاعر.
والأعرابي، وهو شاعر، صبي في خلقه، وينطوي تحت دعته الظاهرة من التقلب ما لا يشاهد مثله إلا في الأولاد والنساء، وهو كهؤلاء لا يتأثر إلا بعامل الساعة التي يكون
стр. 68
فيها، ولا تستهويه سوى ظواهر الأمور، ويبهره الضجيج والضوضاء والبهرج، وفي فتنه سر اجتذابه.
وأمرٌ مثل هذا يشاهد في العروق، والأمم الفطرية، وما إليها من النساء والصبية الذين هم عنوان أدوار التطور البشري الأولي، والحق أن الأعرابي جلفٌ ذكي لم يصعد درجةً في سلم الحضارة منذ ألوف السنين، ولم يعان ما عاناه الرجل المتمدن من التحول المتراكم بتوالي الأجيال، وإذا صح ما نعتقده من أن اختلاف السجايا الخلقية يكفي الوجود فروقٍ بعيدة الغور بين الناس أمكننا أن نقول: «إنه يتألف من العرب المتحضرين والأعراب عرقان تفصل بينهما هوة عميقة».
ويختلف عرب الجزيرة الحضريون، الذين نبحث في أمرهم الآن، عن أولئك الأعراب اختلافاً كبيراً، فأهل الحضر من عرب الجزيرة لم يكونوا أجلافاً كما يعتقد على العموم، وعند بلغريق أن السياح الذين لم يزوروا سوى بعض الأماكن الساحلية التي لا أهمية لها في جزيرة العرب الواسعة هم مصدر هذا الرأي الفاسد، وينظر بلغريق إلى أهل عمان بعين التقدير والإعجاب حيث يبحث في ثقافتهم، ولا يصعب، كما يرى، وجود أناس من أهل نجد قادرين، كالإنكليز، على صنع الآلات ومدَّ الخطوط الحديد، وليس من المجهول شأن جامعة زبيد وجامعة ذمار اليمنيتين اللتين، وإن كانتا دون جامعة الأزهر المصرية أهميةً، تساعدان مثلها على نشر العلم القويم بين أولي البصائر من الأهلين.
ومن دأبنا في الوقت الحاضر أن ننظر إلى عرب الجزيرة من خلال المثل الكئيبة التي نراها في سورية ومصر والجزائر، والتي لا تنم إلا على أناس أحطتهم ضروب الاختلاط والعبودية، وعلى الباحث الذي يرغب في استبار العرب أن يسيح في مهد العروبة، وأن يدرس أحوال العرب فيها عن كثب، فقد عد بلغريق عرب الجزيرة الذين عاش بينهم زمناً طويلاً من أعظم أمم الأرض كرماً ونبلاً، قال بلغريق:
إن أهل الحضر من العرب من أنبل شعوب الأرض وأكرمهم، وهم جديرون بهذا المديح، وقد أكثرت من السياحة في أنحاء العالم، وكانت لي صلات وثيقة بمختلف الأمم الإفريقية والآسيوية والأوربية، فظهر لي أن الأمم التي يفضل أفرادها على سكان جزيرة العرب الوسطي قليلة إلى الغاية.
ويتكلم أولئك الحضريون العرب بلغة الأعراب مع ذلك، ويجري في عروقهم ما يجري في عروق الأعراب من الدماء، وما أبعد المسافة بين الفريقين!
стр. 69
شكل ٢ - ٧: مسلمون من النوبة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
وذكرنا أن الفروق التي بين أهل الحضر من العرب الساكنين في مختلف البلدان كالفروق التي بين الأمم المتمدنة، وتشاهد مثل هذه الفروق بين سكان جزيرة العرب نفسها، فالفرق بين سكان القطر النجدي، الذي هو أوسع من كثير من الممالك الأوربية، وبقية سكان جزيرة العرب لا يقل عن الفرق الذي بين سكان شمال أوربة وسكان جنوبها، والوهابيون، الذين هم أكثر نشاطاً من العرب الآخرين وأقل اندفاعاً وراء عوامل الزمن، أشد العرب مكراً وغيرةً، قال بلغريق في وصف الوهابيين:
يقل الوهابيون عن العرب الآخرين كرماً وإقداماً ومرحاً وصراحة، ويزيدون عليهم صبراً وحكمةً، ويندر أن يدل كلامهم على سرائرهم، وهم حزمةٌ بعيدو الهمة جبابرةٌ ذوو انتقام قساةٌ نحو أعدائهم، مشكوكٌ في مودتهم لغير بني قومهم، ولذا فهم جديرون بأن يسموا، من غير تجنًّ ومع كل تحفظ، باسكتلندي جزيرة العرب.
стр. 70
ووجوههم ذات صلود وعبوس مما لا يرى مثله في وجوه عرب الشمال الطليقة، ولا يؤخذون بدوافع الساعة العتيدة، وإذا ما ساروا فبعد تفكير وإنعام نظر.
ويقدرون بإرادتهم القوية وثباتهم وجلدهم على تنظيم شؤونهم الاجتماعية والسيطرة على جيرانهم مع ما فيهم من الذكاء المحدود، ولا ريب في أنهم سينتصرون، بفضل اتحادهم المتين، على أعدائهم الذين أضعفهم انقسامهم، وأن سيادة القسم الأعظم من جزيرة العرب ستكون لدولتهم الوهابية، وأن أطماعهم وآمالهم ستتحقق في أقرب وقت.
وتتجلى أخلاقهم في أدق شؤون حياتهم الأهلية، ويجب على من يرغب في مفاوضتهم ألا يسترسل في كلامه، وأن يزن حركاته كما يفعل عندما يحادث أعداءه.
(٥ - ٢) عرب سورية
عرب سورية، كعرب الجزيرة، أهل حضر يسكنون المدن، وأعراب يقيمون بالبادية، ولم يكن في السيطرة المتتابعة التي أصابت سورية ما يتوجع منه أعرابها الذين لا يزالون يعتمدون في معايشهم على النهب وتربية المواشي منذ ثلاثة آلاف سنة، ونحن إذا ما استثنينا المدن نرى سورية قبضتهم بالحقيقة، فهم يهاجمون فيما وراء نهر الأردن، وفي أبواب دمشق نفسها، السياح والقوافل التي لم تؤد إليهم الفدى في مقابل خفرها وحمايتها والسماح لها بالمرور، وتجتمع في أعراب سورية صفة الشره وصفة الكرم المتناقضتان اللتان ألمعنا إليهما فيما تقدم، ويقدسون الضيف ما دام نزيلهم.
ولم يقدر أحدٌ على إلزام أعراب سورية بترك البادية التي تعودوا العيش فيها منذ قرون، وقد رفضوا كل أرض عرضت عليهم ليستقروا بها، وامتنعوا عن أي عمل زراعي.
ونرى في سورية، بجانب الأعراب الذين يدينون بدين محمد، قبائل ذات شعائر وعقائد مختلفة يسهل تمييز بعضها من بعضٍ؛ لعدم توالدها فيما بينها، وأهمها المتاولة والنصيرية والموارنة والدروز.
فالمتاولة: قبائل عربية جبلية تعيش في اعتزال، وهم من مسلمي الشيعة المتعصبين الذين يأبون تناول الطعام مع أي أجنبي كان، ونرى من أوصافهم أنهم مزيج من
стр. 71
المغول والعرب والفرس، مع أن بعض الباحثين يظن أنهم منحدرون من بعض القبائل الكردية.
والنصيرية: قبائل جبلية أيضاً، وهم يدينون بديانة مشتقة من الإسلام بعيدة منه كل البعد، ويرى أن النصيرية من القائلين بالتناسخ، ويعبدون الشمس والقمر ... إلخ.
وللموارنة: مع قربهم من السوريين، طابع خاص، وهم أتباع طائفية مسيحية ذات عجب صاخبةٍ لم تكن على شيء كبير من البسالة كما أثبتت الحوادث ذلك.
والدروز: يشبهون الأعراب، وتتألف منهم طائفةٌ إسلامية عاتية حرة انفصلت عن السوريين والعرب منذ قرون، وتوجد بين الدروز الشجعان ذوي الصولة وموارنة لبنان عداوة متأصلة.
ويتألف من سكان مدن سورية وقراها مزيجٌ من المصريين والفينيقيين واليهود والبابليين والفرس والأفارقة والرومان والعرب والمغول والشركس والصليبيين والترك ... وغيرهم من الأمم التي استولت بالتتابع على سورية كلها أو بعضها، ولذا يشاهد السائح في سورية مثلاً كثيرة التباين، ويتصف سكان المدن من السوريين بالذكاء ولين العريكة والمكر والمخادعة على العموم، وقديماً نعت الرومان السوريين بأنهم ولدوا للعبودية، والسوريون، وقد رضوا بكل حكم أجنبي أصابهم منذ قرون كثيرة، لم يبق من نشاطهم سوى منازعاتهم الدينية، وقد عرفوا، فيما لا يمس عقائد الدين، بإذعانهم التام، وانقيادهم المطلق لكل ذي سلطان مما لا يتصوره أوربي، ويمكن القارئ أن يقف على ذلك من القصة الآتية التي رواها مسيو دوفوغويه عن أوربي كان في سورية أيام القمع الذي وقع بعد ملاحم سنة ١٨٦١:
روى ضابطٌ معلمٌ أوربيٌ كان في خدمة الترك أنه شاهد الأمر الآتي، وهو: أن أحد الجلادين الكثيرين في ذلك الوقت كاد يتم عمل نهاره، وأن الكلاب كان عالياً والكرسي واطئاً فلا يوصل إليه به، وأن مسلماً مسناً مر من هنالك راكباً حماراً حاملاً قطعة لحم، فأمره الجلاد بالوقوف فأطاعه فترجل ماداً عنقه للشنق طائعاً ظاناً أن أجله جاء، فأفهمه الجلاد أنه لم يقصد شنقه، وإنما يريد حماره؛ ليصعد فيه رجل محكوم عليه بالموت، ويوضع الحبل في عنقه، فلما وضع الجلاد الحبل ونخس الحمار هوى ذلك المحكوم عليه بالموت، فركب الشيخ الهرم حماره بعد أن حمل قطعة اللحم لائذاً بالفرار.
стр. 72
شكل ٢ - ٨: مسلمتان من النوبة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
وإنني أقول مكرراً: إن ذلك الإذعان لا يتجلى إلا في الأمور التي لا تمس عقائد الدين، ولم يطرأ على الهدوء العميق الذي تتمتع به دمشق شيء من جراء الاضطرابات التي وقعت حديثاً في مصر، وعجبت من السهولة التي كان يضرب بها جندي واحدٌ جموعاً زاخرة ويدحرها لتفسح المجال لمرور أحد الأعيان أو السياح، ومع ذلك فقد سمعت في دمشق والقدس غير مرةٍ أن أقل نجاح لغرابي كان نذير قتل لنصارى سورية الذين يحمر الوجه خجلاً من جبنهم، وهؤلاء النصارى هم الذين كانوا يذبحون في سنة ١٨٦١ كالضأن من غير أن يبدوا أقل مقاومة؛ وهم الذين يكونون، لا ريب، جبناء أنذالاً لو حدث في سنة ١٨٨٢ من الإثخان فيهم ما كان يتوقعه الملأ.
стр. 73
(٥ - ٣) عرب مصر
عرب مصر نتيجة توالد سكان مصر الأصليين والعرب الذين فتحوا مصر في سنة ٦٤٠ بقيادة عمرو بن العاص، وعرب مصر ليسوا عرباً بدمهم، وإن كانوا عرباً بلغتهم ودينهم، فقد دلنا علم وصف الإنسان على أن العنصر العربي الغالب لم يلبث أن طغى عليه العنصر المصري المغلوب الأوفر عدداً والأكثر احتمالاً لجو مصر المرهوب، وأن العناصر المتداخلة لم تلبث أن توارت، وأن المصري الحضري العربي بدينه ولغته رجع ابناً لقدماء المصريين في زمن الأهرام، أي ذا سعةٍ في كتفه ووجهه، وغلظٍ في شفتيه ونتوءٍ في وجنتيه ومشابهة للمثل المنحوتة في قديم الآثار.
ولم يكن عرب النيل الحضريون أبناءً لقدماء المصريين بتقاطيعهم فقط، بل ورثوا عن هؤلاء أخلاقهم ولطفهم وأدبهم الجم أيضاً، وهم يخشون؛ لما عانوا من ضروب الاستعباد منذ قرون، جميع السادة، ولا سيما الأوربيون، فقد استطعت، حين ذاعت الأنباء في القاهرة بأن مصر العليا مضطرمة بالعصيان والملاحم، أن أجول منفرداً في القرى القائمة على ضفتي النيل من غير أن يصيبني أذىً.
واحتياجات الفلاح المصري قليلة جداً، وهو إذا ما ملك بلغةً كان سعيداً، وهو يعيش من غير تفكيرٍ في المستقبل والوقت والأبعاد، ويكون جوابه «لا أعلم» حين سؤاله عن أشياء كان يجب أن تكون التجارب المتكررة قد هدته إليها، ولا يعرف مدة السفر بين قريته وإحدى القرى المجاورة ولا المسافة بينهما، ولا يرى له مصلحةً في معرفة هذا.
ونشاهد في مصر مثل ما نشاهد في جزيرة العرب وسورية من الأعراب والحضريين، ونرى الفرق بين أعراب مصر وحضيريها أعظم مما في أي قطر آخر؛ لاختلاف العرقين في مصر، فضلاً عن اختلافهما في المعايش، وإذا كانوا عرب المدن قد تحولوا بفعل التوالد المستمر إلى مصريين، فإن أعراب مصر لم يختلطوا بسواهم نظراً إلى طرق معايشهم الخاصة، وهؤلاء الأعراب يشبهون، بقنا أنوفهم ورقة شفاههم وطول وجوههم البيضية وعيونهم اللامعة، مثال العربي البدوي في زمن محمد.
والأعراب، فقط هم أهل الحرب والنزال المرهبون في مصر، وهم الذين يجب أن يخافهم الإنكليز في غزوهم الجديد لوادي النيل إذا لم يشتروا حيادهم بأي ثمن، كما أخبرنا به العارفون غير مرة.
стр. 74
وينصب أهل البدو من عرب مصر خيامهم في الصحاري الرملية القريبة من ضفتي النيل، وهم قلما يخشون جانب الحكومة، ولا صلة بينهم وبين الفلاحين الذين يبغضونهم.
ومعايش هؤلاء الأعراب كمعايش عرب البادية، فالعربي البدوي هو هو أينما حل وحيثما اتجه.
ونرى في مصر، عدا العرب، عناصر كثيرةً أخرى كالترك والأقباط والسوريين والزنوج والأغارقة والأوربيين وغيرهم من العناصر التي يندر أن تتوالد هي والفلاح المصري، وذلك فضلاً عن أن جو مصر القتال لا يصلح لتناسل الأجانب، ومنهم الترك، في أكثر من جيلين، وأصول العرب، لا غيرها، هي التي استطاعت أن تثبت في مصر.
ومن تلك الشعوب نذكر الأقباط الذين، وإن كانوا لا يعدون حفدةً خلصاً لقدماء المصريين، يرى بينهم أشخاص مشابهون؛ لما في النواويس القديمة أكثر مما بين سواهم، ويدين الأقباط بالنصرانية، ولم يختلطوا بالعرب، ويقطنون في مصر العليا، ولا سيما ببعض القرى والمدن كأسيوط، وتشبه لغتهم لغة قدماء المصريين، وتوصل شانبوليون، بدرسها إلى إيضاح الكلمات الهيروغليفية كما هو معلوم، ومع نص كثير من المؤلفات على أنه لا يتكلم أحدٌ باللغة القبطية في الوقت الحاضر سمع أقباطاً يتكلمون بها فيما بينهم على لهجاتٍ مختلفة، ويكتب الأقباط لغتهم بالحروف اليونانية في الزمن الحاضر.
ويقدر الأقباط المقيمون بمصر بمئتي ألف نفس، وإن قالوا لي مؤكدين إن عددهم يزيد على خمسمائة ألف، ويلوح لي أن الصورة المحزنة التي تصور بها سجيتهم لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وكل ما في الأمر أنهم أفضل في الثقافة من عرب الوقت الحاضر، ومن الترك على الخصوص، وأنهم، وإن كانوا لا ينالون أعلى المراتب بسبب دينهم، يعطون المناصب الإدارية التي تتطلب جهداً ودراية.
وأما الترك الذين حلو محل العرب في مصر سياسةً فإن تأثيرهم في تكوين العرق المصري صفرٌ، وتتألف منهم الآن طبقة أرستوقراطية لا تختلط بالسكان، ولا يزيد عددهم على عشرين ألفاً.
стр. 75
(٥ - ٤) عرب إفريقية
إننا إذا استثنينا مصر التي تعد من الشرق عادةً نرى أنه يسكن شمال إفريقية أناسٌ منتشرون إلى ما بعد خط الاستواء من بعض النقاط، يدينون بدينٍ واحد وإن لم تجر دماء العرب في عروقهم بصورة مطلقة، متمازجون من البربر والعرب والزنوج، وفي مراكش، على الخصوص، يتجلى هذا التمازج الذي يزيد كلما دنونا من خط الاستواء.
ويختلف بربر إفريقية عن العرب كثيراً، وسنتكلم عنهم مفصلاً في الفصل الذي خصصناه للبحث في تاريخ عرب إفريقية، فلا نبحث فيهم الآن.
وعرب إفريقية أهل بدوٍ وأهل حضر كعرب الأقطار الأخرى الذين تكلمنا عنهم، وهم نتيجة اختلاط أعقد مما في أي مكان آخر، وأهل مدنهم الساحلية الذين ننعتهم بالعرب هم، على الخصوص، مزيج من القرطاجيين والرومان والوندال والأغارقة والبربر والعرب والترك والأوربيين والزنوج وغيرهم من الآدميين الذين تلاقوا في تلك السواحل والبقاع، وشاهدت في سواحل إفريقية الشمالية جميع المثل التي تترجح بين زنوج السودان والحور العين، وليس من الصواب أن يناط عرب الجزائر بمثالٍ واحد أو ببضعة مثل كما فعل ذلك حديثاً أحد علماء وصف الإنسان الذي لم يأت بغير بحث سطحي عنها.
ولم يكن العربي الجزائري غير مولدٍ بالحقيقة ونرى فيه أحط صفات المولدين، وحضريو العرب من سكان مدن الجزائر نتيجة تمازج تلك الأمم، وقد حطتهم سيطرة الأجنبي المتتابعة، وأعرابهم متمردون على كل حضارة كأهل البدو في كل قطر، وهم أقل تمازجاً وانحطاطاً من حضريي العرب.
ويجمع أولئك الحضريون والأعراب على مقت الأوربيين القاهرين لهم وحقدهم الشديد عليهم، ويضحي الجزائري، الذي نصفه بالخلي المتردد المكسال القانع الوضيع المتزيِّد، بماله ونفسه، ويشترك في كل عصيان وتمرد؛ للخلاص من حكم الأجنبي الذي فتح بلاده، وقد تتم إبادة عرب الجزائر بوسائل منتظمة كالتي اتخذها الأمريكيون لإبادة أصحاب الجلود الحمر، ولكن الذي أعتقده هو أن الفرنسي لن يستطيع حمل الجزائري على التفرنس، وأن من المتعذر أن يسود السلام في قطرٍ واحد بين العرب والفرنسيين الذين ينتسبون إلى عرقين مختلفين، وقد سمعت هذا الرأي، الذي يجتنب تدوينه في الكتب عادةً، من جميع أولي البصائر في الجزائر، وإني أوافق عليه موافقة تامة.
следующие страницы →