← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المغول والعرب والفرس، مع أن بعض الباحثين يظن أنهم منحدرون من بعض القبائل الكردية. والنصيرية: قبائل جبلية أيضاً، وهم يدينون بديانة مشتقة من الإسلام بعيدة منه كل البعد، ويرى أن النصيرية من القائلين بالتناسخ، ويعبدون الشمس والقمر ... إلخ. وللموارنة: مع قربهم من السوريين، طابع خاص، وهم أتباع طائفية مسيحية ذات عجب صاخبةٍ لم تكن على شيء كبير من البسالة كما أثبتت الحوادث ذلك. والدروز: يشبهون الأعراب، وتتألف منهم طائفةٌ إسلامية عاتية حرة انفصلت عن السوريين والعرب منذ قرون، وتوجد بين الدروز الشجعان ذوي الصولة وموارنة لبنان عداوة متأصلة. ويتألف من سكان مدن سورية وقراها مزيجٌ من المصريين والفينيقيين واليهود والبابليين والفرس والأفارقة والرومان والعرب والمغول والشركس والصليبيين والترك ... وغيرهم من الأمم التي استولت بالتتابع على سورية كلها أو بعضها، ولذا يشاهد السائح في سورية مثلاً كثيرة التباين، ويتصف سكان المدن من السوريين بالذكاء ولين العريكة والمكر والمخادعة على العموم، وقديماً نعت الرومان السوريين بأنهم ولدوا للعبودية، والسوريون، وقد رضوا بكل حكم أجنبي أصابهم منذ قرون كثيرة، لم يبق من نشاطهم سوى منازعاتهم الدينية، وقد عرفوا، فيما لا يمس عقائد الدين، بإذعانهم التام، وانقيادهم المطلق لكل ذي سلطان مما لا يتصوره أوربي، ويمكن القارئ أن يقف على ذلك من القصة الآتية التي رواها مسيو دوفوغويه عن أوربي كان في سورية أيام القمع الذي وقع بعد ملاحم سنة ١٨٦١: روى ضابطٌ معلمٌ أوربيٌ كان في خدمة الترك أنه شاهد الأمر الآتي، وهو: أن أحد الجلادين الكثيرين في ذلك الوقت كاد يتم عمل نهاره، وأن الكلاب كان عالياً والكرسي واطئاً فلا يوصل إليه به، وأن مسلماً مسناً مر من هنالك راكباً حماراً حاملاً قطعة لحم، فأمره الجلاد بالوقوف فأطاعه فترجل ماداً عنقه للشنق طائعاً ظاناً أن أجله جاء، فأفهمه الجلاد أنه لم يقصد شنقه، وإنما يريد حماره؛ ليصعد فيه رجل محكوم عليه بالموت، ويوضع الحبل في عنقه، فلما وضع الجلاد الحبل ونخس الحمار هوى ذلك المحكوم عليه بالموت، فركب الشيخ الهرم حماره بعد أن حمل قطعة اللحم لائذاً بالفرار.

стр. 72

شكل ٢ - ٨: مسلمتان من النوبة (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وإنني أقول مكرراً: إن ذلك الإذعان لا يتجلى إلا في الأمور التي لا تمس عقائد الدين، ولم يطرأ على الهدوء العميق الذي تتمتع به دمشق شيء من جراء الاضطرابات التي وقعت حديثاً في مصر، وعجبت من السهولة التي كان يضرب بها جندي واحدٌ جموعاً زاخرة ويدحرها لتفسح المجال لمرور أحد الأعيان أو السياح، ومع ذلك فقد سمعت في دمشق والقدس غير مرةٍ أن أقل نجاح لغرابي كان نذير قتل لنصارى سورية الذين يحمر الوجه خجلاً من جبنهم، وهؤلاء النصارى هم الذين كانوا يذبحون في سنة ١٨٦١ كالضأن من غير أن يبدوا أقل مقاومة؛ وهم الذين يكونون، لا ريب، جبناء أنذالاً لو حدث في سنة ١٨٨٢ من الإثخان فيهم ما كان يتوقعه الملأ.

стр. 73

(٥ - ٣) عرب مصر عرب مصر نتيجة توالد سكان مصر الأصليين والعرب الذين فتحوا مصر في سنة ٦٤٠ بقيادة عمرو بن العاص، وعرب مصر ليسوا عرباً بدمهم، وإن كانوا عرباً بلغتهم ودينهم، فقد دلنا علم وصف الإنسان على أن العنصر العربي الغالب لم يلبث أن طغى عليه العنصر المصري المغلوب الأوفر عدداً والأكثر احتمالاً لجو مصر المرهوب، وأن العناصر المتداخلة لم تلبث أن توارت، وأن المصري الحضري العربي بدينه ولغته رجع ابناً لقدماء المصريين في زمن الأهرام، أي ذا سعةٍ في كتفه ووجهه، وغلظٍ في شفتيه ونتوءٍ في وجنتيه ومشابهة للمثل المنحوتة في قديم الآثار. ولم يكن عرب النيل الحضريون أبناءً لقدماء المصريين بتقاطيعهم فقط، بل ورثوا عن هؤلاء أخلاقهم ولطفهم وأدبهم الجم أيضاً، وهم يخشون؛ لما عانوا من ضروب الاستعباد منذ قرون، جميع السادة، ولا سيما الأوربيون، فقد استطعت، حين ذاعت الأنباء في القاهرة بأن مصر العليا مضطرمة بالعصيان والملاحم، أن أجول منفرداً في القرى القائمة على ضفتي النيل من غير أن يصيبني أذىً. واحتياجات الفلاح المصري قليلة جداً، وهو إذا ما ملك بلغةً كان سعيداً، وهو يعيش من غير تفكيرٍ في المستقبل والوقت والأبعاد، ويكون جوابه «لا أعلم» حين سؤاله عن أشياء كان يجب أن تكون التجارب المتكررة قد هدته إليها، ولا يعرف مدة السفر بين قريته وإحدى القرى المجاورة ولا المسافة بينهما، ولا يرى له مصلحةً في معرفة هذا. ونشاهد في مصر مثل ما نشاهد في جزيرة العرب وسورية من الأعراب والحضريين، ونرى الفرق بين أعراب مصر وحضيريها أعظم مما في أي قطر آخر؛ لاختلاف العرقين في مصر، فضلاً عن اختلافهما في المعايش، وإذا كانوا عرب المدن قد تحولوا بفعل التوالد المستمر إلى مصريين، فإن أعراب مصر لم يختلطوا بسواهم نظراً إلى طرق معايشهم الخاصة، وهؤلاء الأعراب يشبهون، بقنا أنوفهم ورقة شفاههم وطول وجوههم البيضية وعيونهم اللامعة، مثال العربي البدوي في زمن محمد. والأعراب، فقط هم أهل الحرب والنزال المرهبون في مصر، وهم الذين يجب أن يخافهم الإنكليز في غزوهم الجديد لوادي النيل إذا لم يشتروا حيادهم بأي ثمن، كما أخبرنا به العارفون غير مرة.

стр. 74

وينصب أهل البدو من عرب مصر خيامهم في الصحاري الرملية القريبة من ضفتي النيل، وهم قلما يخشون جانب الحكومة، ولا صلة بينهم وبين الفلاحين الذين يبغضونهم. ومعايش هؤلاء الأعراب كمعايش عرب البادية، فالعربي البدوي هو هو أينما حل وحيثما اتجه. ونرى في مصر، عدا العرب، عناصر كثيرةً أخرى كالترك والأقباط والسوريين والزنوج والأغارقة والأوربيين وغيرهم من العناصر التي يندر أن تتوالد هي والفلاح المصري، وذلك فضلاً عن أن جو مصر القتال لا يصلح لتناسل الأجانب، ومنهم الترك، في أكثر من جيلين، وأصول العرب، لا غيرها، هي التي استطاعت أن تثبت في مصر. ومن تلك الشعوب نذكر الأقباط الذين، وإن كانوا لا يعدون حفدةً خلصاً لقدماء المصريين، يرى بينهم أشخاص مشابهون؛ لما في النواويس القديمة أكثر مما بين سواهم، ويدين الأقباط بالنصرانية، ولم يختلطوا بالعرب، ويقطنون في مصر العليا، ولا سيما ببعض القرى والمدن كأسيوط، وتشبه لغتهم لغة قدماء المصريين، وتوصل شانبوليون، بدرسها إلى إيضاح الكلمات الهيروغليفية كما هو معلوم، ومع نص كثير من المؤلفات على أنه لا يتكلم أحدٌ باللغة القبطية في الوقت الحاضر سمع أقباطاً يتكلمون بها فيما بينهم على لهجاتٍ مختلفة، ويكتب الأقباط لغتهم بالحروف اليونانية في الزمن الحاضر. ويقدر الأقباط المقيمون بمصر بمئتي ألف نفس، وإن قالوا لي مؤكدين إن عددهم يزيد على خمسمائة ألف، ويلوح لي أن الصورة المحزنة التي تصور بها سجيتهم لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وكل ما في الأمر أنهم أفضل في الثقافة من عرب الوقت الحاضر، ومن الترك على الخصوص، وأنهم، وإن كانوا لا ينالون أعلى المراتب بسبب دينهم، يعطون المناصب الإدارية التي تتطلب جهداً ودراية. وأما الترك الذين حلو محل العرب في مصر سياسةً فإن تأثيرهم في تكوين العرق المصري صفرٌ، وتتألف منهم الآن طبقة أرستوقراطية لا تختلط بالسكان، ولا يزيد عددهم على عشرين ألفاً.

стр. 75

(٥ - ٤) عرب إفريقية إننا إذا استثنينا مصر التي تعد من الشرق عادةً نرى أنه يسكن شمال إفريقية أناسٌ منتشرون إلى ما بعد خط الاستواء من بعض النقاط، يدينون بدينٍ واحد وإن لم تجر دماء العرب في عروقهم بصورة مطلقة، متمازجون من البربر والعرب والزنوج، وفي مراكش، على الخصوص، يتجلى هذا التمازج الذي يزيد كلما دنونا من خط الاستواء. ويختلف بربر إفريقية عن العرب كثيراً، وسنتكلم عنهم مفصلاً في الفصل الذي خصصناه للبحث في تاريخ عرب إفريقية، فلا نبحث فيهم الآن. وعرب إفريقية أهل بدوٍ وأهل حضر كعرب الأقطار الأخرى الذين تكلمنا عنهم، وهم نتيجة اختلاط أعقد مما في أي مكان آخر، وأهل مدنهم الساحلية الذين ننعتهم بالعرب هم، على الخصوص، مزيج من القرطاجيين والرومان والوندال والأغارقة والبربر والعرب والترك والأوربيين والزنوج وغيرهم من الآدميين الذين تلاقوا في تلك السواحل والبقاع، وشاهدت في سواحل إفريقية الشمالية جميع المثل التي تترجح بين زنوج السودان والحور العين، وليس من الصواب أن يناط عرب الجزائر بمثالٍ واحد أو ببضعة مثل كما فعل ذلك حديثاً أحد علماء وصف الإنسان الذي لم يأت بغير بحث سطحي عنها. ولم يكن العربي الجزائري غير مولدٍ بالحقيقة ونرى فيه أحط صفات المولدين، وحضريو العرب من سكان مدن الجزائر نتيجة تمازج تلك الأمم، وقد حطتهم سيطرة الأجنبي المتتابعة، وأعرابهم متمردون على كل حضارة كأهل البدو في كل قطر، وهم أقل تمازجاً وانحطاطاً من حضريي العرب. ويجمع أولئك الحضريون والأعراب على مقت الأوربيين القاهرين لهم وحقدهم الشديد عليهم، ويضحي الجزائري، الذي نصفه بالخلي المتردد المكسال القانع الوضيع المتزيِّد، بماله ونفسه، ويشترك في كل عصيان وتمرد؛ للخلاص من حكم الأجنبي الذي فتح بلاده، وقد تتم إبادة عرب الجزائر بوسائل منتظمة كالتي اتخذها الأمريكيون لإبادة أصحاب الجلود الحمر، ولكن الذي أعتقده هو أن الفرنسي لن يستطيع حمل الجزائري على التفرنس، وأن من المتعذر أن يسود السلام في قطرٍ واحد بين العرب والفرنسيين الذين ينتسبون إلى عرقين مختلفين، وقد سمعت هذا الرأي، الذي يجتنب تدوينه في الكتب عادةً، من جميع أولي البصائر في الجزائر، وإني أوافق عليه موافقة تامة.

стр. 76

شكل ٢ - ٩: متسولان مراكشيان (من صورة فوتوغرافية). (٥ - ٥) عرب إسبانية جميع العرب الذين ذكرناهم آنفاً من الأحياء الذين يصلحون أن نتمثل بهم أجدادهم مع ما طرأ عليهم من التغير، وغير ذلك أمر عرب إسبانية الذين بادوا ولم يتركوا من الذراري من نتنور بهم أجدادهم، ونحن مع جهلنا حقيقة مثالهم نراه كان مختلفاً عن مثال العرب السابقين الذين فتحوا إسبانية، فقد تغير المثال العربي الأصلي بتوالده هو والموالي من النصارى وبربر إفريقية الذين أغاروا على إسبانية، ونتج عن هذا التوالد الذي دام ثمانية قرون عرقٌ جديد يختلف مثاله عن مثال الغزاة الفاتحين اختلافاً محسوساً كما تشهد بذلك السنن الأنثروبولوجية التي بيناها في بدء هذا الفصل، وتشهد آثار حضارة العرب في إسبانية بسمو ذكاء هذا العرق الجديد المولد، ويدل تاريخهم على علو فروسيته وبسالته، ويثبت صراعه الأهلي الذي كان علة زواله اتصافه بسجايا العرب الأصلية،

стр. 77

ونحن، إذ لا نستطيع أن نستدل على عرب إسبانية الذين انقرضوا إلا بدراسة حضارتهم وتاريخهم، نحيل القارئ إلى الفصول التي خصصناها للبحث في تلك الحضارة وذلك التاريخ. شكل ٢ - ١٠: سقاء مراكشي في طنجة (من صورة فوتوغرافية). (٥ - ٦) عرب الصين أخذ خلفاء العرب وملوك الصين يتبادلون السفراء بعد أن أقام العرب دولتهم، وسترى في مكان آخر من هذا الكتاب أن صلات العرب والصين التجارية كانت منتظمة براً وبحراً. ولم يلبث الإسلام في الصين، كما في كل بلد دخله العرب، أن صار له أتباع، ويقدر مسيو دابري دوتيرسان عدد مسلمي الصين بعشرين مليون نفس، وذلك في كتاب نشره

стр. 78

حديثاً عن الإسلام في الصين، ويرى هذا المؤلف أن دماء عربية تجري في عروق مسلمي الصين وإن لم يكونوا عرباً حصراً، وأنه يتألف منهم عرق مزيج من العرب والترك والصينيين، ثم يقول: «إن المسلمين في الصين متحدرون من الكتيبة المؤلفة من أربعة آلاف جندي الذين أمد بهم الخليفة أبو جعفر الإمبراطور سوتسونغ في سنة ٧٥٥ م حين شق أنلوشين العصا، والذين سمح هذا العاهل لهم بالإقامة بأهم مدن الصين مكافأة لهم على ما قاموا به من الخدم فتزوجوا صينيات، وكان بهم أصل مسلمي الصين». وقال ذلك المؤلف، بعد أن استشهد برأي أندرسن الذي يرى أن شرفهم يفوق الوصف، وذلك مع الاستشهاد بملاحظاته الخاصة: إنهم يتصفون بروح الصدق والشرف على العموم، وإن من يتقلد منهم بعض مناصب الدولة يحترمه الأهلون ويحبونه، وإن من يتعاطى التجارة منهم يتمتع بالسمعة الطيبة، وإنهم يؤتون الصدقات كما يأمر الدين، وإن الناظر إليهم يخيل إليه أنهم يؤلفون أسرةً كبيرة واحدة يشد بعضها أزر بعض. وإنهم، مع طابعهم الخاص، استطاعوا بفضل نباهتهم وإخائهم الديني وتسامحهم أن يلائموا بيئتهم وأن ينموا ويكثروا، وذلك خلافاً لدعاة الأديان الأجنبية الأخرى الذين أرادوا أن يكون لهم شأنٌ في الصين فلم يتقدموا خطوة حتى الآن. ونشأ عما فطر عليه مسلمو الصين من التسامح والروح الحرة واحترامهم عادات الصين وشرائعها ومعتقداتها أن يتمتعوا بما للصينيين من الحقوق، وأن يكون منهم حكامٌ وقواد ومقربون من الإمبراطور. أسهبت في هذا الفصل في بيان بعض المسائل التي أغفلها المؤرخون مع ما لها من الأهمية الكبرى في إيضاح ارتباط حوادث التاريخ، وتعد سجايا العرق الخلقية والذهنية أقوى العوامل في تطور الأمم، فالسجايا الخلقية التي تنتقل بالإرث هي التي تعين اتجاه السير، ولا يستطيع أحد أن يتخلص من سلطانها، وعالم الأموال هو الذي يملي على الأمة اتجاهها. وفي الماضي تنضج عوامل سيرنا الحاضر، وفي الحاضر تنضج عوامل سير أبناء المستقبل، والحاضر، وهو عبد الماضي، سيد المستقبل، فيجب على من يرغب في معرفة المستقبل أن يدرس الحاضر.

стр. 79

الفصل الثالث العرب قبل ظهور محمد (١) الوهم في همجية العرب قبل ظهور محمد رأي الكثيرون أنه لا تاريخ للعرب قبل ظهور محمد، وحجتهم في ذلك أن العرب قبل ظهور محمد، إذ كانوا مؤلفين من قبائل متنقلة عاطلة من العنعنات، كانوا من الأجلاف الذين لم تع ذاكرة الإنسان شيئاً عنهم. وإلى مثل هذا الرأي ذهب بعض الأذكياء المعاصرين، ومنهم مؤلف تاريخ اللغات السامية الشهير، رينان، الذي قال: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسي والثقافي والديني قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمةً فاتحةً مبدعةً، ولم يكن لجزيرة العرب شأن في القرون الأولى من الميلاد حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ، ولم يظهر بأسها وبسالتها إلا بعد القرن السادس من الميلاد». وعندنا أن هذا الرأي فاسدٌ أول وهلة، ولو لم نعلم شيئاً عن ماضي العرب، فإن أمكن ظهور حضارة أمةٍ ولغتها بغتةً على مسرح التاريخ لا يكون هذا إلا نتيجة تضجٍ بطيء، فلا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدريج، ولا تبلغ درجة التطور العالية التي تبدو للعيان إلا بعد الصمود في درجات أخرى. وإذا ما ظهرت أمة ذات حضارة راقية على مسرح التاريخ قلنا إن هذه الحضارة ثمرة ماض طويل، ولا يعني جهلنا لهذا الماضي الطويل عدم وجوده، وتؤدي مباحث العلم في الغالب إلى عرض هذا الماضي للناظرين. ولم يكن أمر حضارة العرب قبل ظهور محمد غير ذلك، وإن عسر علينا أن نقول كيف كانت هذه الحضارة، فقد أثبتت الآثار والوثائق التي بأيدينا وجودها، وأنها لم تكن

стр. 80

-على ما يحتمل- دون حضارة الآشوريين وحضارة البابليين اللتين ظهر شأنهما حديثاً بفضل علم الآثار بعد أن كانتا مجهولتين. ولم ينشأ وهمُ الناس في همجية العرب قبل ظهور محمد عن سكوت التاريخ فقط، بل نشأ، أيضاً، عن عدم التفريق بين أهل البدو وأهل الحضر من العرب. والأعراب، قبل محمدٍ وبعده، أجلافٌ كأجلاف الأمم الأخرى الذين لم يكن لهم تاريخ ولا حضارة. وليس الأعراب غير فرع من فرعي الأرومة العربية، فيوجد بجانبهم العرب المتحضرون المقيمون بالمدن والماهرون في أمور الزراعة، ويسهل علينا أن نثبت وجود حضارةٍ عظيمة لهؤلاء المتحضرين من العرب وإن كنا لا نعرف تفاصيلها. ولم يكن التاريخ صامتاً إزاء ثقافة العرب القديمة صمته إزاء الحضارات الأخرى التي رفع العلم الحديث عنها التراب، ولو كان التاريخ صامتاً إزاء حضارة العرب لقطعنا، مع ذلك، بوجودها قبل ظهور محمد بزمن طويل، ويكفي لتمثلها أن نذكر أنه كان للعرب قبل ظهور محمد آدابٌ ناضجةٌ ولغةٌ راقية، وأنهم كانوا ذوي صلات تجاريةٍ بأرقي أمم العالم منذ القديم، فاستطاعوا في أقل من مائة سنة أن يقيموا حضارةً من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ. والحق أن الآداب واللغة من الأمور التي لا تأتي عفواً، وهي تتخذ دليلاً على ماضٍ طويل، وينشأ عن اتصال أمةٍ بأرقى الأمم اقتباسها لما عند هذه الأمم الراقية من التمدن إذا كانت أهلاً لذلك. وقد أثبت العرب أنهم أهل للاقتباس، ولا ريب في أن العرب، الذين استطاعوا في أقل من قرن أن يقيموا دولة عظيمة، ويبدعوا حضارة عالية جديدة، من ذوي القرائح التي لا تتم إلا بتوالي الوراثة، وبثقافةٍ سابقة مستمرة، وبالعرب، لا بأصحاب الجلود الحمر أو الأستراليين، أنشأ خلفاء محمد تلك المدن الزاهرة التي ظلت ثمانية قرون مراكز للعلوم والآداب والفنون في آسية وأوربة. أجل، استطاعت أممٌ كثيرة غير العرب أن تهدم دولاً عظيمة، ولكنها لم تقدر مثلهم أن تبدع حضارة؛ لما لم يكن عندها ما عند العرب من ثقافة سابقة كافية، وكل ما قدرت عليه هو أنها استفادت، بعد زمن طويل، من حضارة الأمم التي قهرتها، ومن ذلك أن البرابرة، الذين قوضوا دعائم الإمبراطورية الرومانية، قاموا بجهودٍ عظيمة دامت

стр. 81

قروناً كثيرة قبل أن يقيموا حضارة على أنقاض الحضارة اللاتينية، ويخرجوا من ظلمات القرون الوسطى. ونحن، قبل أن نوضح -بما لدينا من الوثائق والآثار الضئيلة- ما كانت عليه حضارة العرب قبل ظهور محمد، نرى تلخيص ما نعرفه عن تاريخهم القديم بما يأتي. (٢) تاريخ العرب قبل ظهور محمد للعرب ما قبل تاريخهم مثل ما للأمم الأخرى. أثبت البحث فيما تركه الأجداد في طبقات الأرض من بقايا الأسلحة والأدوات والمساكن أنه وجد قبل الزمن القصير الذي يبحث التاريخ في حوادثه ملايين السنين التي جهل الإنسان فيها أمر المعادن والزراعة وفن ترويض الحيوان، والتي لم يكن له فيها غير الصوان سلاحاً، ويسمى ذلك الدور الكبير بالعصر الحجري، وعثر علماء الآثار القديمة في جزيرة العرب وأوربة وأمريكية، وفي كل مكانٍ على آثار لذلك العصر الحجري. ودلت تلك البقايا التي وجدت في طبقات الأرض على تماثل الأمم في العصر الحجري؛ وبتلك البقايا يسهل تصوير طرق المعايشة والتفكير عند أجدادنا الأقدمين، وقد أفضت في درس هذا الموضوع في كتابي الأخير، فلا أرى الآن فائدةًّ في العودة إليه. ولا ترجع أقدم روايات جزيرة العرب إلى ما قبل إبراهيم، ولكن علم اللغات يثبت أن أمماً ذات لغة واحدة كانت تسكن البقاع الواقعة بين القفقاس وجنوب جزيرة العرب، وإن لم يكن عرق هذه الأمم واحداً، ودل درس اللغات السامية على أن لغات تلك الأمم، وهي العبرية والفينيقية والسريانية الآشورية والكلدانية والعربية، وثيقة القربى متحدة الأصل. ونحن نجهل درجة تأثير البيئات وطرق المعايش في اختلاف تلك الأمم مع اتحاد عرقها الذي تكلمنا عنه، ولا نستطيع غير تقرير قرابتها من العرب، والعرب وحدهم هم الذين نبحث الآن في شؤونهم. ومصادر تاريخ العرب قبل ظهور محمد هي كتب العبريين، وروايات العرب والنصوص القليلة التي وردت في كتب بعض مؤرخي اليونان واللاتين، وما جاء في الخطوط الآشورية، وما أسفرت عنه الاكتشافات التي تمت في موقع الصفا القريب من دمشق.

стр. 82

وتعترف كتب العبريين بقرابة العرب من العبريين، وتعد العرب أقدم من العبريين، وتقص علينا الشيء الكثير من أنباء نزاع العرب الدائم، وتكاد تطفح من أخبار العمالقة ومدينيي جزيرة سيناء، وأهل سبأ الذين كانوا يقيمون بجنوب جزيرة العرب. ويروي العرب وكتب اليهود مصدر روايتهم، أن قحطان وإسماعيل ابن هاجر، جارية إبراهيم المصرية، هما والدا العرقين اللذين عمرا جزيرة العرب في الأصل، أي والدا أهل الحضر في الجنوب والأعراب في الشمال، ويروون أن بني قحطان أقاموا دولة سبأ والدولة الحميرية باليمن، وأن بني إسماعيل سكنوا الحجاز القريبة من فلسطين، وأن بني إسماعيل كانوا أصحاب مكة التي تنازعت هي وصنعاء اليمن عنوان عاصمة جزيرة العرب. وعلى ذلك يكون الأنباط والأدوميون والموءابيون والعمالقة والعمونيون والمديانيون وغيرهم من القبائل التي تردد اسمها كثيراً في التوراة من بني إسماعيل، ويظن أن هذه القبائل من العمالقة تحالفوا هم وأعراب سورية، واستولوا على مصر سنة ٢٠٠٠ قبل الميلاد، وعرفوا بالرعاة ودام سلطانهم قروناً كثيرة. وتجمع العمالقة والأدوميون والموءابيون والعمونيون في بلاد الحجر العربية (بطرا) وفي جزيرة العرب الصحراوية، وصار من دأبهم محاربة العبريين، وحالوا دون دخول العبريين أرض كنعان زمناً طويلاً، ولم يتم إخضاعهم نهائياً، ولوقتٍ قصير، إلا في زمن داود وسليمان. ولم تحدثنا التوراة عن غير أعراب حدود فلسطين، ولم تخبرنا بشيء عن عرب اليمن المتحضرين خلا ما جاء فيها عن زيارة ملكة سبأ للملك سليمان. وتحدثنا آثار الآشوريين عن عرب الشمال فقط، أي عرب سورية وما جاورها، وذكر العرب قبل الميلاد بتسعمائة سنة في بلاغ سلما نصر الثاني، وأدت ملكتان عربيتان فروض الطاعة إلى تيغلاتفا نصر قبل الميلاد بنحو ثمانمائة سنة، ورفع أسر حدون أميرةً عربية نشأت في بلاد نينوى على أحد العروش، واستعان أخو آشور بانيبال بجيوشٍ عربية عندما رفع راية العصيان. وعلى ما في تواريخ العرب من غموضٍ ومبالغاتٍ تجعل الاعتماد عليها أمراً صعباً نراها وحدها قد قصت علينا أنباء جزيرة العرب الماضية، وأيدت ما رواه مؤلفو اليونان واللاتين عن عظمة اليمن، ومما جاء في هذه الأنباء العربية أن اليمن كانت مقراً لأقوى دول الأرض، وأن حكم ملوكها دام ثلاثة آلاف سنة، وأنها غزت بلاد الهند والصين من المشرق، وبلغت بغزواتها مراكش من المغرب.

стр. 83

ولا يرجع ما علمناه من مؤلفات اليونان واللاتين من الأنباء الصحيحة عن تاريخ بعض جزيرة العرب إلى ما قبل الإسكندر، ويمكن تلخيصه فيما يأتي: عزم الإسكندر على فتح جزيرة العرب التي كان الأغارقة يعرفون غنى سكانها قبل الميلاد بأربعة قرون، وكانت الغزوة التي قام بها نيارك حول جزيرة العرب نذير تصميم الإسكندر على غزوها، ونجت جزيرة العرب من غزو الإسكندر بسبب موته، وأضحت البقاع القريبة من حدود مصر وفلسطين، والتي كان العرب يسكنونها، من نصيب بطليموس حين قسمت دولة الإسكندر، وشايع الأنباط بطليموس على أنتيغون الذي فتح أحد قواده الماهرين بلاد الحجر (بطرا) بغتةً بعد أن أصبح سيد سورية وفينيقية، وأباد الأنباط بعدئذٍ جيش أنتيغون المؤلف من ٤٦٠٠ جندي فساق إليهم جيشاً آخر بقيادة ابنه ديميتريوس، وخاطب عرب بلاد الحجر (بطرا) -كما روى ديودرس الصقلي- الأمير ديميتريوس عند بلوغه ديارهم بما يأتي: «لماذا تحاربنا أيها الملك ديميتريوس، ونحن من سكان الصحاري التي لا تسد فيها خلة، ترانا نقطن في هذه البقاع القاحلة فراراً من العبودية، أقبل هديتنا وأرجع إلى حيث كنت، سنكون من أوفى الأصدقاء لك، ولكنك إذا رغبت في حصرنا حرمت كل هناءة، ورأيت عجزك عن إكراهنا على تبديل طرق حياتنا التي تعودناها منذ نعومة أظفارنا، وإذا قدرت على أسر بعضنا أيقنت أنك لن تجد واحداً ممن أسرت يستطيع أن يألف حياة غير التي ألفناها». هنالك رأي ديميتريوس أن يقبل هدية الأنباط، وأن يرضى بالمآب خاتماً بالسلم حرباً أبصرها مملوءة بالمصاعب. وكانت قبائل البدو، حتى التاريخ الميلادي، تنضم في الحروب الكثيرة، التي تهلك الحرث والنسل في تلك البقاع، إلى المصريين تارة وإلى السوريين تارة أخرى، ثم أثارت غاراتهم وقطعهم للسوابل غضب قياصرة الرومان الذين كان سلطانهم يمتد إلى الفرات، فجردوا على عرب بلاد الحجر (بطرا) حملاتٍ كثيرةً لم تنتج غير حملهم على دفع الجزية أو وقف العداء إلى حين، وكانت طريقة أولئك الأعراب في الغزو مثل ما يفعلون اليوم، أي كانوا يغيرون على العدو بغتةً ثم يفرون إلى البادية عند المطاردة. وإذ كانت خيالات الأغارقة والرومان تتأجج طمعاً في ثروة جزيرة العرب ساق أغسطس إلى اليمن جيشاً لم يلاق غير الحبوط التام، وفي عهد طيباريوس وحده استطاع الرومان أن يفتحوا من بلاد العرب جزيرة سيناء التي كان سكانها من الأعراب تقريباً، فأضحت مدينة الحجر (بطرا) بذلك بلدةً رومانية زاهية كما تدل عليه بقاياها.

стр. 84

شكل ٣ - ١: أعراب من بادية الشام (من صورة فوتوغرافية). وكان للعرب أثرٌ في الحروب التي تقع بين الرومان والفرس، وبلغ نفوذ العرب في الدولة الرومانية شأواً بعيداً، حتى إن أحدهم فليب العربي نصب قيصراً رومانياً في سنة ٢٤٤ م، وكان العرب يهددون سلامة آسية الصغرى ذات حين، ولم يقص العرب عن مجاورة آسية الصغرى إلا بهدم تدمر في عهد أوريليانوس سنة ٢٧٢ م، وتحويل سورية إلى ولاية رومانية، واتباع بعض سكانها ملوك الغساسنة العرب الذين كانوا تحت حماية القياصرة. ولما صارت القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية نازع العرب الفرس والأغارقة سيادة الفرات، وسبق ذلك أن توطنت قبائل من عرب اليمن تلك البقاع وأنشأت، سنة ١٩٥ م، في جنوبها، وعلى ضفتي الفرات وبالقرب من المكان الذي أقيمت عليه مدينة الكوفة فيما بعد، مدينة الحيرة الشهيرة التي انقلب ملوكها العرب ينافسون أكاسرة الفرس وقياصرة الروم في الترف والعظمة، «وكانت قصور الحيرة مؤثثة بأثمن الأثاث، وكانت حدائقها مكسوةً بأعز الأزهار، وكانت قواربها الأنيقة الساطعة الأنوار تشق الفرات ليلاً حاملةً أغنى الأمراء وأمهر الموسيقيين، وأطلق العرب لأنفسهم عنن الخيال؛ فقصوا علينا أنباء القصور الساحرة العجيبة التي أضحت، لا ريب، أجمل مساكن الشرق وأطيبها».

стр. 85

وعاشت دولة الحيرة أربعمائة سنة، أي مدة تعد طويلة لدولة، ولم ينته إلينا من أنبائها إلا الشيء القليل، وخضعت في سنة ٦٠٥ م للدولة الساسانية، وظلت مرزبةً فارسيةً إلى أن جاء محمدٌ بعد قليل زمن، ودك خلفاؤه دولة الأكاسرة، واستولوا على بلاد فارس. ظهر مما تقدم أن جزيرة العرب نجت من غزو الأجنبي خلا ما أصاب حدودها الشمالية، وأن عظماء الفاتحين من مصريين وأغارقة ورومان وفرس وغيرهم ممن انتهبوا العالم لم ينالوا شيئاً من جزيرة العرب التي أوصدت دونهم أبوابها. نعم، إن جزيرة العرب كانت حين ظهور محمد تحت خطر الغزو الأجنبي المرهوب، وإن الأحباش استولوا في سنة ٥٢٥ م على اليمن التي لم تدن لغير ملوك العرب فيما مضى، وإن الأحباش حاولوا أن يحملوا العرب على التنصر؛ فاستطاعوا تنصير بعض القبائل العربية، وإن الفرس طردوا الأحباش من اليمن في سنة ٥٩٧ م، أي قبل ظهور محمد بقليل؛ فأضحى للفرس مرازبة في اليمن وحضرموت وعمان، غير أن ذلك كله كان لأجل قصير، ولم يصب بلاد نجد والحجاز الواسعة منه شيءٌ. إذن، من الصواب قولنا: إن القسم الأكبر من جزيرة العرب هو القسم الوحيد الذي لم تطأه أرجل الفاتحين من بلاد العالم المتمدن على ما يحتمل. (٣) حضارة جزيرة العرب قبل ظهور محمد يقص علينا بنو إسرائيل بعض الأخبار عن تجارة العرب ومدنهم، ولا سيما مدينة سبأ في اليمن، ولكن قصصهم خالية من الأسانيد، وإن دلت على وجود مدن عربية عظيمة في أقدم العصور. ووصف هيرودوتس، قبل المسيح بنحو أربعمائة سنة، بلاد العرب السعيدة بأنها من أغنى بقاع العالم، وأنه كان في مأرب، أو سبأ التي ورد ذكرها في التوراة، قصور نضرة ذات أبواب عسجدية، وآنية من ذهب وفضة، وسرر من المعادن الثمينة. ولم يرو إسترابون غير ما رواه هيرودوتس، واستند إسترابون في روايته عن مدينة مأرب إلى أرتيميدور، وقال: «إن قصورها ذات سقوف مزخرفة بالذهب والعاج والحجارة الثمينة، وذات أثاث فاخر وآنية منقوشة»، ورأى إراتوستين أن بيوتها تشابه بيوت مصر في مجموعها. وهنالك مطابقةٌ بين ما رواه قدماء المؤلفين وما جاء في تواريخ العرب التي أجمعت على امتداح غنى اليمن، واسمع ما قاله المسعودي حين تكلم عن مأرب:

стр. 86

ذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثراها وأغدقها، وأكثرها جناناً وغيطاناً، وأفسحها مروجاً، بين بنيان وجسر مقيم، وشجرٍ موصوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهارٍ متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب أو المار كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا يرى جهة الشمس، ولا يفارقه الظل؛ لاستتار الأرض بالعمارة والشجر، واستيلائها عليها، وإحاطتها بها، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفهه وأهنأ حال وأرغده، وفي نهاية الخصب وطيب الهواء، وصفاء الفضاء، وتدفق المياه، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة، فكانت بلادهم في الأرض مثلاً، وكانوا على طريق حسن من اتباع شريف الأخلاق وطلب الفضائل على القاعد والمسافر بحسب الإمكان، وما توجده القدرة من الحال، فمضوا على ذلك ما شاء الله من الإعصار لا يعاندهم ملكٌ إلا قصموه، ولا يوافيهم جبار في جيش، فذلت لهم البلاد، وأذعن لطاعتهم العباد؛ فصاروا تاج الأرض. ويظهر أن أسداد مأرب كانت سبب ثراء بلاد اليمن، والأسداد جدرانٌ ثخينة قائمة في عرض الأودية لحجز السيول، حتى إذا امتلأ ما بينها تكونت بحيرةٌ واسعة ذات منافذ تجري منها المياه لري الأراضي، ويروي مؤرخو العرب أن الملكة بلقيس التي زارت سليمان، على زعمهم، هي التي أنشأت تلك الأسداد، ونشأ عن خراب أسداد مأرب في القرن الأول من الميلاد فقر بلاد اليمن وتفرق سكانها. ويكفي تطابق تلك الروايات لإثبات مماثلة مدن اليمن في نضارتها لمدن مصر وتقدمها الكبير في ميدان الحضارة، ولا تزال بقاياها مطمورةً تحت التراب، وهي تنتظر البحاثة الذي يزيله عنها كما أزيل عن نينوى وبابل. ومن الأدلة على ازدهار مدن اليمن في القرون القديمة ما كان لها من الصلات التجارية الواسعة بالبلاد الأخرى، وبما أن من الصعب أن نعثر في التاريخ على أمةٍ ذات شأن كبير في التجارة من غير أن تكون متمدنة، وبما أن علاقات العرب التجارية العالمية استمرت ألفي سنة، وقد ورد ذكرها في التوراة، فإننا نقول: إن العرب ضربوا بسهم وافر في ميدان الحضارة، وإنه كان لمخازنهم من الأهمية ما لمخازن البندقية في إبان عظمتها. وكان العرب واسطة بين قدماء الأوربيين وبقاع الشرق القاصية، ولم تقتصر تجارة العرب على منتجات بلادهم، بل كانت تشمل السلع التي كانوا يجلبونها من إفريقية

стр. 87

والهند أيضاً، وكانت النفائس، كالعاج والعطور والأفاويه والحجارة الكريمة والتبر والأرقاء ... إلخ، أهم ما يتاجر به العرب. واستعان العرب بالفينيقيين، القريبين منهم لغة، زمناً طويلاً لبيع سلعهم، وكان الفينيقيون يخونون سلع العرب في مدنهم الكبيرة كمدينة صور، ثم يبعثون بها إلى الخارج لبيعها. وكان العرب والبابليون يتنافسون في الاتجار مع الهند، وكان البابليون يصلون إلى الهند بطريق البر أو بطريق البحر من خليج فارس، وكانت قوافل البابليين تنقل السلع إلى سورية؛ لتوزعها على العالم، مارة في طريقها إلى دمشق من تدمر وهليوبوليس (بعلبك) المهمتين اللتين لا تزال بقاياهما الماثلة في الصحراء تثير عجب السياح. فبمثل تلك العلاقات التجارية التي دامت مئات السنين نتصور ما كانت عليه مدن جزيرة العرب، ولا سيما مدن اليمن النضرة التي اغتنت بالتجارة وألفت أطيب النفائس، وندرك سر إجماع مؤلفي اليونان واللاتين والعرب على امتداح ازدهار تلك المدن العجيب. ولم يسطع نجم حضارة العرب قبل محمد في اليمن وحدها، فما جاء في أقدم روايات التاريخ عن حضارة الحيرة والغساسنة يثبت، أيضاً، درجة استعداد أتباع محمد للقيام برسالتهم في عالم المدنية. وقد تحدثنا عن الحيرة التي مجدها العرب، وقلنا إنها كانت تنافس القسطنطينية وعاصمة الفرس، ولم تقل عنها أهميةً مملكة غسان التي أسسها عرب اليمن بعد ظهور المسيح بزمن قليل، والتي دام سلطانها نحو خمسمائة سنة، واشتملت على ستين مدينةً محصنة كما جاء في كتب التاريخ. وظهرت عظمة حضارة مملكة غسان من حل الكتابات الحميرية المنقوشة على آثارها التي اكتشفت بالقرب من عاصمتها القديمة بصرى الواقعة على حدود سورية، ومن بقايا قنواتها التي تشهد بما كان عند سكانها من الاستعداد الكبير للقيام بالأعمال العظيمة. وإذ كان عرب الحيرة وغسان متصلين بالفرس والرومان كان تأثير هؤلاء في حضارة أولئك كبيراً، وغير ذلك أمر حضارة اليمن العربية التي هي أقدم من حضارة الرومان، والتي يجب أن يبحث فيها عن بقايا حضارة العرب القديمة، والتي نأسف على بقائها بعيدةً من يد البحث والتنقيب حتى الآن، فيظل اطلاعنا على أمر مدن اليمن القديمة ناقصاً نقصان اطلاعنا السابق على آثار الآشوريين التي كانت مطمورة تحت رمال الصحراء.

стр. 88

وتدل جميع الدلائل على أن كل تنقيبٍ في بلاد اليمن يأتي بأحسن النتائج، فقد حدث مسيو هاليفي، الذي جاب بلاد اليمن منذ بضع سنين، ولم يسطع أن يقوم بأي حفر كان، أن العرب يعثرون أحياناً على تحف ذهبية وفضية بين خرائب اليمن، وأنه وجد بجوار الحرم غير البعيد من صنعاء مسلاتٌ ذات كتاباتٍ كثيرة، وأنه اكتشف باب معبدٍ حميري منقوشة على حجارته صور حيوانات ونباتات. واشتري مسيو شلونبرجر في القسطنطينية حديثاً مئتي قطعةٍ من نقود ملوك اليمن التي اكتشفها عربيٌ في صنعاء فترجع في قدمها إلى ما قبل الميلاد، ولهذه النقود، التي لم يوجد منها قبل ذلك سوى قطعتين أو ثلاث قطع في جميع المتاحف الأوربية، أهميةٌ خاصة، فعلى أحد وجهيها صورةٌ جانبية لملك متوجٍ يذكرنا شعره المضفور بضفائر ملوك الرعاة الذين خرجوا من بلاد العرب وملكوا مصر زمناً طويلاً، والذين اكتشف مسيو ماريت بعض تماثيلهم المعروضة اليوم في متحف بولاق، وعلى الوجه الآخر صورة بومة، ويظهر أن رسام تلك النقود اقتبس رسومها من النقود الإغريقية التي كانت تتداولها أمم البحر المتوسط ذات العلاقات التجارية الكثيرة بالعرب. ومهما تكن الآثار التي ألمعنا إليها آنفاً ناقصةً فإنها مما تتم به روايات قدماء المؤلفين، ومما تبصر من خلاله ازدهار حضارة العرب الغابرة التي نسيها الناس في الوقت الحاضر فتنتظر من يكشف الغطاء عنها، والتي نرتدع، بما نعرف عنها من العلم القليل، عن عد العرب همجاً، والعرب هؤلاء قد ظهروا على مسرح التاريخ قبل الرومان بقرون كثيرة، وأنشأوا المدن العظيمة، وكانت علاقاتهم بأرقى شعوب الأرض وثيقةً. (٤) أديان جزيرة العرب القديمة كانت عبادات القبائل العربية قبل ظهور محمد كثيرةً إلى الغاية، وكانت عبادة الشمس وأهم النجوم أكثرها انتشاراً، وأخذت القبائل العربية عن الأمم التي كانت تتصل بها كثيراً من آلهتها، فكان زونها جامعاً لشتى الأصنام كالألنبيا الإغريقية الرومانية. وتدل كتابات الآشوريين التي رسمت قبل ظهور المسيح بسبعمائة سنة أو ثمانمائة سنة، وما اكتشف في الصفا، على أن العرب كانوا مشركين، وأنهم كانوا يقيمون لآلهتهم تماثيل، وإليك، مثلاً، ما جاء في إحدى الكتابات الآشورية التي تشير إلى عودة أسرحدون من غزوه لجزيرة العرب الصحراوية:

стр. 89

شكل ٣ - ٢: أعرابيات من بادية الشام (من صورة فوتوغرافية). أتى الملك العربي فلانٌ إلى عاصمتي نينوى ومعه هدايا كثيرة، وقبل قدمي طالباً أن أعيد إليه تماثيل آلهته، فرق له قلبي، وأعدتها إليه بعد أن أمرت بإصلاحها ونقش تمجيد ربي آشور عليها وتوقيعها، وجعلت الأميرة العربية طبوة التي نشأت في بلاطي ملكةً، وأعدتها إلى بلادها مع آلهتها. ووجد في ثنايا تلك العبادات المختلفة بذور توحيد مما تعهد محمد إنماءه فيما بعد، وقد بني إبراهيم الكعبة في جزيرة العرب كما روى العرب، وجعل العرب منها موضع تكريم وحج منذ القديم، وكان فيها حين ظهور محمد ٣٦٠ صنماً وصورة، وكانت صورة المسيح ومريم العذراء من هذه الصور -كما جاء في تواريخ العرب- وكان من دواعي الفخر عند العرب تزيين الكعبة التي كان اليهود شديدي التعظيم لها أيضاً، وكانت سدانتها بيد قبيلة قريش التي نالت بذلك نوعاً من السيادة الدينية بين العرب. ووجد بين العرب، فضلاً عن النصارى واليهود الذين لم يكن عددهم قليلاً في جزيرة العرب، من يعبدون إلهاً واحداً، وسمي هؤلاء بالحنفاء، وكان محمد يحب هذا الاسم، وليست عقيدة التوحيد، التي هي من أهم مبادئ القرآن، كل ما عند الحنفاء، بل قالوا أيضاً، كما قال القرآن فيما بعد، إن على الإنسان أن يسلم بقضاء الله وقدره تسليم إبراهيم حينما رأى ذبح ابنه إسحق، ولذا لم يكن من الخطأ إخبار محمد في القرآن بوجود مسلمين قبل ظهوره.

стр. 90

شكل ٣ - ٣: جمالان من بلاد الحجر العربية (بطرا). ونشأ عن وحدة لغة العرب وحشر آلهتهم في الكعبة إمكان صهر عبادات هذه الآلهة وتحويلها إلى عبادة إله واحد، ومما يسر هذا الصهر تكلم عُباد هذه الآلهة الكثيرة بلغة واحدة. والحق أن وقت جمع العرب على دين واحد كان قد حل، وهذا ما عرفه محمد، وفي الوجه الذي عرفه فيه سر قوته، وهو الذي لم يفكر قط في إقامة دين جديد خلافاً لما يقال أحياناً، وهو الذي أنبأ الناس بأن الإله الواحد هو إله باني الكعبة، أي إله إبراهيم الذي كان العرب يجلونه ويعظمونه. وعلائم اتجاه العرب أيام ظهور محمد إلى الوحدة السياسية والدينية كثيرة، وما حدث من الثورة على الأوثان في عهد قياصرة الرومان حدث مثله في جزيرة العرب حيث ضعفت المعتقدات القديمة، وفقدت الأصنام نفودها، ودب الهرم في آلهتها، والآلهة مما يجب ألا يهرم.

стр. 91

الباب الثاني مصادر قوة العرب

стр. 92

الفصل الأول محمد: نشوء الدولة العربية (١) فُتُؤَّة محمد وُلِد محمد في مكة في اليوم السابع والعشرين من شهر أغسطس سنة ٥٧٠ م، وكان أبوه عبد الله، الذي توفي قبل ميلاده بشهرين، ابن قطب من أقطاب الكعبة الشهيرة، وكانت أمه آمنة بنت زعيم إحدى القبائل. ورأى العرب أن يَقرنوا ميلاد زعيمهم الأعظم بالآيات، فرووا أن العالم أهتر لولادته، وأن نار المجوس المقدسة خبت، وأن شياطين الشر جرت من أعلى الشهب، وأنه تصدع من أبراج إيوان كسرى «ملك الملوك» أربعة عشر برجاً إيذاناً بقرب انهيار دولة الفرس العظمى. ورضع محمد أمه في البداءة، ثم دفعت به إلى قبيلة في البادية وفق عادة لا تزال تصادف حتى اليوم، فلما بلغ الثالثة من سنيه، ورأى أبواه من الرضاعة ما رأيا من الخوارق التي كانت تلازمه، على زعم كتب السيرة، خافا مغبة الأمر، ولم يريدا بقاءه عندهما. ولم تلبث أمه أن ماتت وهو صبي تاركة أمر رعايته لجده عبد المطلب، فغالى جده هذا في الاهتمام به. ولكن ملائكة الرحمة، التي أرادت مضي محمد قدما، صبت عليه، وهو صغير، أنواع المصائب التي يصاب بها الإنسان عادة درجة درجة، فقد مات جده بعد وفاة آمنة بسنتين، وكفله عمه التاجر الذي كان يسافر، ولم يجد محمد له غير نفسه حامياً بعد قليل.

стр. 93

وتقول القصة إن محمدًا سافر مع عمه إلى سورية مرة، وتعرف في بصرى براهب نسطوري في دير نصراني، وتلقى منه علم التوراة. ولما بلغ محمد العشرين من عمره اشترك في حرب بين قريش وقبيلة أخرى، فأظهر فيها، كما قيل بصيغة التأكيد، براعة حربية تجلت فيه بعد زمن. ونال محمد شهرة فائقة، وغرف برفقه وصدقه، فلقيته قريش بالأمين. شكل ١ - ١: منظر المدينة (من صورة فوتوغرافية). وإذا أضيف إلى شهرته حسن صحته علمنا السر في عطف خديجة، التي كانت أرملة غني، عليه وتفويضها أمور تجارتها إليه، وتهيأ له السفر إلى سورية بذلك، والاجتماع مرة ثانية بالراهب الذي أطلعه على علم التوراة سابقاً، وتزوج بعد رجوعه من سورية، وكان عمره خمسًا وعشرين سنة، خديجة الأيم المثرية البالغة من العمر أربعين سنة، وخديجة هي أولى زوجاته، ولم يتزوج امرأة أخرى في حياتها. ولم يخبرنا التاريخ عن سيرة محمد في السنين الخمس عشرة التي انقضت بعد زواجه بخديجة، ويفترض، وإن لم يقم دليل على ذلك، أنه كان يفكر في أثنائها في مبادئ دينه الذي سيكون زعيمه، ولم يبد منه في تلك السنين أي نفور من عبادات العرب مع ذلك، كما أنه لم يقع فيها ما يدل على تفكيره في قلب تلك العبادات رأساً على عقب.

стр. 94

(٢) رسالة محمد لم يتكلم محمد عن بعثته إلا بعد بلوغه الأربعين من عمره، فبعد أن كان قائماً يتحنث على جبل حراء، الذي يبعد ثلاثة أميال من مكة، مثل ما كان يفعل في كل سنة، جاء خديجة ممتقعاً وأخبرها، كما روى مؤرخو العرب، بأنه بينما كان تائهاً في الجبل إذ سمع جبريل يقرع أذنيه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبريل»، كما أخبرها بأن هذا كلام إلهي، وبأنه يشعر في نفسه بقوة نبوية. ولم تتردد المرأة المطيعة، خديجة، في تصديق بعثة زوجها النبوية، وانطلقت إلى ابن عمها ورقة، وكان على جانب من العلم، وقصت عليه ما سمعت، فقال: «قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى بن عمران، وإنه لنبي هذه الأمة.» ورجعت خديجة إلى محمد، وأخبرته بقول ورقة، واطمأنت نفسه، فطاف بالكعبة سبع مرات، ثم انصرف إلى منزله، ثم تواتر الوحي عليه كما ذكر أبو الفداء. ولم ينذر محمد، في السنين الثلاث الأولى من بعثته، غير عشيرته الأقربين الذين كانوا، على العموم، من ذوي النفوذ والوجاهة بسبب مقامهم وأعمارهم، فلما اطمأن إلى جوارهم جهر بدعوته، وأخذ يحمل على الإشراك الذي كان مركزه في بيت آلهة جزيرة العرب المقدس، الكعبة، كما ذكرنا ذلك. ولم يكتب له التوفيق في بدء الأمر، وكان الناس يسخرون منه، ولكن سخرية سدنة الكعبة، قريش، لم تلبث أن انقلبت إلى غضب على محمد، وتهديد له ومن والاه بالقتل. ولم يفل ذلك من عزم محمد، وقد قال، كما ذكر أبو الفداء: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر.» هنالك فكرت قريش في اضطهاد محمد، ولم يمنعها من القضاء عليه غير ما تعودته الأسر العربية من إجارة أبنائها، وما كانت تراه من تعريض قريش لأثار عشيرة محمد الأقربين الكثيرين. ولذلك أمكن محمداً أن يواصل دعوته، وأن يزيد عدد أصحابه من غير أن يصيبه أذى كبير، ثم هاجر هؤلاء الأصحاب إلى الحبشة، لما لم يلاقوا من جوار كما لاقى محمد. وروى مؤرخو العرب أن ملك الحبشة سأل هؤلاء المهاجرين عن دينهم الجديد، فأجابه جعفر ابن عم محمد بما يأتي:

стр. 95

كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا. وكان محمد يقابل ضروب الأذى والتعذيب بالصبر وسعة الصدر، وكان في كل يوم يجتذب أصحاباً آخرين ببلاغته، والتجأ محمد إلى عمه أبي طالب في الجاه الكبير راغباً في السلامة. ومضت عشر سنين ومحمد لم يفتر ثانية عن الدعوة إلى دينه، فلما بلغ الخمسين من عمره أصيب بمصيبتين كبيرتين: وفاة عمه أبي طالب الذي كان يحميه، ووفاة زوجته خديجة التي كان أقرباؤها من الأعيان النافذين. وترك النبي مكة حين أضحي غير قادر على مقاومة أعدائه، وذهب إلى الطائف القريبة، ودافع أمام أهليها عن صدق بعثته، ولم يصغوا إليه، فاضطر إلى العودة. ولم يلبث الأمر أن تبدل، ولم يلبث الزمن أن تبسم لمحمد بعد عبوس، فقد اغتنم محمد موسم الحج، ودعا إلى دينه أناساً من اليمن كانوا ينظرون إلى مكة بعين الغيرة، وكانوا ينتظرون، كما شاع بينهم، ظهور نبي، وقد استهواهم حديث النبي، واعتقدوا أنه هو النبي المنتظر، وقد حدثوا بذلك أهل يثرب التي كانت تأكلها الغيرة من مكة أيضاً، وقد جاءه من هؤلاء رجال كثير؛ ليستمعوا إلى دينه البسيط الواضح، فلم يطلب منهم غير الإيمان بإله واحد وبالآخرة حيث يجازي الأشرار ويكافأ الأبرار، وغير إطاعة أمر الله، والصلاة صباح مساء مع الطهارة بالوضوء والتحلي بجميع الفضائل، والإقرار بأن محمداً رسول الله وإطاعته، وقد أخذ هذا الدين بمجامع قلوبهم؛ فآمنوا به وصدقوه وبايعوه، ثم انصرفوا للدعوة إلى دينه. ولما علمت قريش ما أصاب محمد من النجاح غضبوا وسخطوا، وهم الذين لم يستطيعوا أن يغضوا على دين جديد قد يضر بمصالحهم، فأتمروا بمحمد ليقتلوه.

стр. 96

ولم يعلم محمد بالأمر إلا بعد أن حاصر المؤتمرون منزله، واستطاع محمد، مع ذلك أن يتسلل ليلاً من بين المؤتمرين، وأن يتفلت من مطاردة قريش له، وأن يصل هو وصديقه أبو بكر إلى يثرب التي سميت بالمدينة بعدئذ. وكانت هذه الهجرة في سنة ٦٢٢ م، واتخذها العرب مبدأ لتاريخهم. (٣) محمد بعد الهجرة دخل محمد المدينة دخول الظافرين، وأظل أصحابه رأسه بسعوف النخل، وصارت الجموع ترتمي على قدميه. وشرع محمد، منذ وصوله إلى المدينة، ينظم شؤون دينه، وأخذ القرآن، الذي كان في دور التكوين، يكتمل بفضل تواتر نزول الوحي على محمد في جميع الأحوال الصعبة خلا مبادئه الأساسية التي كانت قد عرضت. ووضعت شعائر الإسلام بالتعاقب، فسن الأذان لدعوة المؤمنين إلى الصلوات الخمس، وفرض صوم شهر رمضان، أي الامتناع عن الطعام من الفجر إلى غروب الشمس شهراً كاملاً، وفرضت الزكاة التي يعين المسلم بها الدين الذي أقيم. وصار محمد، بعد وصوله إلى المدينة، يقود الغزوات بنفسه، أو بواسطة أحد أصحابه، وغزوة بدر التي وقعت في السنة الثانية من الهجرة هي أولى الغزوات المهمة؛ ففيها هزم جنود محمد، الذين لم يزيدوا على ٣١٤ مقاتلاً، والذين لم يكن بينهم سوى ثلاثة فرسان، أعداءهم الذين كانوا ألفي مقاتل، فكانت هزيمة أعداء النبي التامة في بدر فاتحة شهرته الحربية. وتوالت الوقائع بين محمد وجيرانه، وكانت كل مصيبة تصيبه يعقبها انتصار له في الغالب، وكان يبدو رابط الجأش إذا ما هزم، ومعتدلاً إذا ما نصر، وهو لم يقس على أعدائه إلا مرة واحدة حين أمر بأن تضرب رقاب سبعمائة معتقل يهودي خانوه. وعظم شأن محمد في عدة سنين، وأصبح لا بد له من فتح مكة حتى يعم نفوذه، ورأى أن يفاوض قبل امتشاق الحسام وصولاً إلى هذا الغرض، فجاء إلى هذا البلد المقدس ومعه ١٤٠٠ من أصحابه، ولم يكتب له دخوله، وقد دهش رسل قريش من تعظيم أصحابه له، فقال أحدهم: «إني جئت كسرى وقيصر في ملكهما فو الله ما رأيت ملكاً في قومه مثل محمد في أصحابه ... ».

стр. 97

ورأى محمد بعد ذلك الإخفاق أن يروح أصحابه، فخف بهم إلى مدينة خيبر المحصنة المهمة الواقعة في شمال المدينة الغربي، والبعيدة منها مسيرة خمسة أيام، والتي كانت تقطن فيها قبائل يهودية، والتي كانت مقر تجارة اليهود، ففتحها عنوة، وشعر محمد بدنو أجله بعد خيبر، وذلك أن زينب اليهودية أهدت إليه شاة مسمومة، فأخذ منها قطعة ولاكها، ثم لفظها بعد أن ذاق طعماً غريباً فيها، وقال: «تخبرني هذه الشاة أنها مسمومة»، ثم دعا بزينب الإسرائيلية فاعترفت اعترافاً دقيقاً، ونجت من العقاب حين قالت: «لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر»، ولم تزل أكلة خيبر تعاوده مع حماية الله له، فتوفي بتأثيرها بعد ثلاث سنين كما روى المؤرخون. شكل ١ - ٢: مخيم حجاج بالقرب من المدينة (من صورة فوتوغرافية). ولما أحس محمد نمو سلطانه عم على فتح مكة، وألف جيشاً من عشرة آلاف محارب، أي ألف جيشاً لم يسبق أن جمع مثله، وبلغ محمد أسوار مكة، وفتحها به من غير قتال، وذلك بقوة ما تم له من النفوذ. وعامل محمد قريشاً، الذين ظلوا أعداءً أشداء له عشرين سنة، بلطف وحلم، وأنقذهم من سورة أصحابه بمشقة، مكتفياً بمسح صور الكعبة وتطهيرها من الأصنام (الـ ٣٦٠)

стр. 98

التي أمر بكبها على وجوهها وظهورها، وبجعل الكعبة معبداً إسلامياً، وما انفك هذا المعبد يكون بيت الإسلام. ودخل أكثر القبائل المجاورة في الدين الإسلامي على أثر فتح مكة، وحاولت بعض القبائل أن تقاوم، فهزمت شر هزيمة. وهنالك بلغ محمد أوج مجده، فعزم على غزو سورية التي كان يعتقد أن أصحابها الروم يهددون حدوده. واستطاع محمد أن يجمع جيشاً مؤلفاً من ثلاثين ألف مقاتل، ووجد عشرة آلاف فارس بين هؤلاء المقاتلين، ولما وصل إلى تبوك الواقعة في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق علم أن الروم أقلعوا عن غرضهم، فلم يتابع سيره، ولم يخل زحفه هذا من فائدة، إذ نتج عنه أن خضع للنبي أمراء البلاد العربية المجاورة لمصر وسورية. ورغب محمد في زيادة نفوذه حتى قبل فتح مكة، فأرسل كتباً إلى جميع الجهات، وإلى أقوى ملوك الأرض أيضاً، يدعو فيها إلى الإسلام، وساق إلى ملك غسان الذي كان من عمال ملوك الروم جيشاً صغيراً لم يكتب له غير الفرار، وكانت هذه الغزوة، وهي الوحيدة التي وقعت خارج جزيرة العرب في أثناء حياته، ذات نفع، فلم يلبث العرب الذين وكل إليهم أمر حفظ الحدود أن انحازوا إلى النبي حين أخر هرقل عنهم رواتبهم. ولم تثمر كتب محمد إلى الملوك، وقد قص التاريخ علينا أن رسول محمد وصل إلى كسرى حين كان السفراء يمضون معاهدة السلم بين كسرى وهرقل، وأنه عندما ألقي كتاب محمد إلى كسرى، ورأى فيه اسم محمد قبل اسمه ووجد، وهو ملك الملوك، أن هذا يتضمن أفضلية محمد عليه -وفق رأي الشرقيين- مزق الكتاب غاضباً قبل أن يقرأه، وداسه تحت قدميه، وقال: «يكاتبني بهذا وهو عبدي»، وأن النبي لما بلغه ذلك قال: «مزق الله ملكه كما مزق كتابي». وقد قبلت دعوة النبي، فمق خلفاؤه ملك كسرى كل ممزق من فورهم. ولم يكتف كسرى بتمزيق كتاب محمد، بل بعث إلى عامله باليمن، «أن أبعث إلي هذا الرجل الذي يزعم في الحجاز أنه نبي»، ولكن ابن كسرى قتل أباه هذا قبل أن يقوم عامل اليمن بتنفيذ ذلك الأمر الصعب. ومضى على الهجرة عشر سنين، فخرج النبي حاجاً إلى مكة، وكان هذا آخر حج قام به، قال أبو الفداء: «ثم رجع إلى المدينة، وبدأ به مرضه وهو في بيت زينب بنت جحش، وكان يدور على نسائه حتى اشتد مرضه وهو في بيت ميمونة بنت الحارث، فجمع نساءه

стр. 99

واستأذنهن في أن يمرض في بيت إحداهن، فأذن له في أن يمرض في بيت عائشة، فانتقل إليه.» وشعر محمد بدنو أجله، وأراد أن يودع قومه فجمعهم وشكر لله توفيقه لإكمال رسالته، ثم قال: «أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد مني، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قبلي؛ فإنها ليست من شأني.» فادعى عليه رجل ثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: «ألا إن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة»، ثم صلى على الذين قاتلوا معه، ثم أعيد إلى بيت عائشة. شكل ١ - ٣: الوضوء من بئر زمزم المقدسة في موسم الحج بمكة (من صورة فوتوغرافية). وأراد محمد، قبل وفاته بثلاثة أيام، أن ينقل إلى المسجد ليصلي، ولم يحتمل محمد هذا النقل، فأمر بأن يقوم أبو بكر مقامه، فعد المسلمون هذا دليلاً على أن الخلافة لأبي بكر بعد النبي. وتوفي محمد بعد مرض دام خمسة عشر يوماً، وكانت وفاته في السنة الحادية عشرة من الهجرة حين كان عمره ثلاثاً وستين سنة. وكانت جزيرة العرب، حتى عمان، قد صبأت قبل وفاة محمد إلى الإسلام، وقد رضي بالإسلام مشركو العرب ومسيحيوهم ويهودهم، وأصبحوا بذلك أمة واحدة ألهبتها المعتقدات الجديدة، وغدت مستعدة لفتح العالم بعد زمن قليل بقيادة زعمائها الماهرين.

стр. 100

(٤) حياة محمد وأخلاقه تكلمنا عن حياة محمد العامة فيما تقدم، والآن نبحث في أخلاقه وحياته الخاصة، مستعينين بأسانيد العرب وآثارهم، قال المؤرخ العربي أبو الفداء في وصف محمد مستنداً إلى ما روي عن أصحابه: «وصفه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان النبي (ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم الرأس كث اللحية شثن الكفين والقدمين ضخم الكرادييس مشرباً وجهه حمرة، وقيل: كان أدعج العينين سبط الشعر سهل الخدين كأن عنقه إبريق فضة، وقال أنس: لم يشنه الله بالشيب، كان في مقدم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض ... وكان (أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً، يكثر الذكر، ويقل اللغو، دائم البشر، مطيل الصمت، لين الجانب، سهل الخلق، وكان عنده القريب والبعيد والقوي والضعيف في الحق سواء، وكان يحب المساكين، ولا يحقر فقيراً لفقره، ولا يهاب ملكاً لملكه، وكان يؤلف قلوب أهل الشرف، وكان يؤلف أصحابه، ولا ينفرهم، ويصابر من جالسه ولا يحيد عنه حتى يكون الرجل هو المنصرف، وما صافحه أحد فيترك يده حتى يكون ذلك الرجل هو الذي يترك يده، وكذلك من قاومه لحاجة يقف رسول الله (معه حتى يكون الرجل هو المنصرف، وكان يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، وكان يحلب العنز، ويجلس على الأرض، وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويلبس المخصوف والمرقوع، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله (من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء، وكان رسول الله (يعصب على بطنه الحجر من الجوع.» ويضاف إلى الوصف السابق ما رواه مؤرخو العرب الآخرون من أن محمداً كان شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير، صموتاً حازماً، سليم الطوية، عظيم العناية بنفسه مواظباً على خدمتها بالذات حتى بعد اغتنائه. وكان محمد صبوراً قادراً على احتمال المشاق ثابتاً بعيد الهمة لين الطبع وديعاً، فذكر أحد خدمه أنه ظل عنده ثماني عشرة سنة وأنه لم يعزره قط في هذه المدة ولو مرة واحدة. وكان محمد مقاتلاً ماهراً، وكان لا يهرب أمام المخاطر، ولا يلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في الطاقة؛ لإنماء خلق الشجاعة والإقدام في بني قومه.

стр. 101

ويقال: إن محمداً كان قليل التعليم ونرجح ذلك، وإلا لوجدت في تأليف القرآن ترتيباً أكثر مما فيه، ونرجح أيضاً أن محمداً لو كان عالماً ما أقام ديناً جديداً، فالأمميون وحدهم هم الذين يعرفون كيف يدرك أمر الأميين. وكان محمد عظيم الفطنة سواء أكان متعلماً أم غير متعلم، وتذكرنا حكمته بما عزته كتب اليهود إلى سليمان. شاءت الأقدار أن يكون محمد، وقد كان شاباً، حكماً بين أقطاب قريش الذين كادوا يقتتلون، حين اختلفوا في من يضع في أحد جوانب الكعبة ذلك الحجر الأسود الشهير الذي كان العرب يعتقدون أن ملكاً جاء به من السماء إلى إبراهيم، فقال محمد الشاب أمام الخصوم الذين أوشكوا أن يلجأوا إلى السلاح: «هلم إلى ثوبا»، فأتي به فنشره، وأخذ الحجر الأسود، ووضعه بيده فيه، ثم قال: «ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب»، فحملوه جميعاً إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه في موضعه، وانحسم الخلاف. وضعف محمد الوحيد هو حبسه الطارئ للنساء، وهو الذي اقتصر على زوجته الأولى حتى بلغ الخمسين من عمره، ولم يخف محمد حبه للنساء فقد قال: «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة.» ولم يبال محمد بسن المرأة التي يتزوجها، فتزوج عائشة وهي بنت عشر سنين، وتزوج ميمونة وهي في الحادية والخمسين من سنيها. وأطلق محمد العنان لهذا الحب، حتى إنه رأى اتفاقاً زوجة ابنه بالتبني وهي عارية، فوقع في قلبه منها شيء، فسرحها بعلها ليتزوجها محمد، فاغتم المسلمون، فأوحي إلى محمد، بواسطة جبريل الذي كان يتصل به يومياً، آيات تسوغ ذلك، وانقلب الانتقاد إلى سكوت. وتزوج محمد أربع نسوة في سنة واحدة، وبلغ عدد من تزوجهن خمس عشرة امرأة، واجتمع منهن إحدى عشرة في وقت واحد، وقد يرى الأوربي أن هذا العدد كبير، ولكن الشرقيين لا يرون إفراطاً فيه ما رأوا أنه يمكن النبي أن يتزوج نساء أكثر من أولئك لو سمح لنفسه أن يسير على غرار الملك سليمان العظيم الذي هو أكثر ملوك التوراة حكمة. ولم يثبت، تماماً، وفاء زوجات محمد الكامل له، ويظهر أن محمداً لاقي من المكاره الزوجية ما يندر وجوده عند الشرقيين ويكثر وقوعه لدى الأوربيين، وكانت عائشة موضوع قلق له على الخصوص، وأصبحت ذات مرة موضع قالة سوء فشهد بعصمتها

стр. 102

جبريل المحب للخير دائماً، ودونت شهادته في هذه المسألة الحساسة في القرآن، وحظر الشك. وعرف محمد في آخر الأمر، ما ينجم عن زيادة عدد الزوجات من المفاسد والشرور، وحرم محمد على المسلم أن يجمع أكثر من أربع زوجات، ولم يكن محمد هو الذي أباح تعدد الزوجات بين العرب، فتعدد الزوجات مما عرفته أمم آسية على اختلاف مللها ونحلها قبل النبي، ولا يزال تعدد الزوجات شائعاً بين هذه الأمم. وكان محمد قليل المسامحة نحو النساء مع ميله الشديد إليهن، ومع أن محمداً لم يبلغ في شدته درجة رجال التوراة وصفهن في القرآن بأنهن ينشأن في الحلية ويخاصمن من غير سبب، وقال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، وروى أبو الفداء أن محمداً ذكر أنه كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء سوى أربع: امرأة فرعون: آسية، وأم عيسى: مريم، وزوجة النبي: خديجة، وبنت النبي: فاطمة. وأولاد محمد هم من زوجته الأولى خديجة التي هي ثالثة نساء العالم الأربع الكاملات، وثلاثة ذكور من أولاده السبعة ماتوا صغاراً، ولم يبق له سوى أربع بنات تعد أشهرهن فاطمة. ومات محمد عن تسع أيامي، وحرم عليهن الزواج بعد وفاته احتراماً لحظره مهما كان عزاؤهن. ولم يقل محمد إنه يأتي بالخوارق مع إيمانه برسالته، وعزا المسلمون إليه خوارق كثيرة مجاراة للعنعنات الشائعة القائلة إنه لا نبوة بغير خوارق، وإليك قول مسيو كاز يميرسكي الوجيز: انشق القمر بطلبه فرقتين على مشهد من الملأ، ووقفت الشمس بدعوته على الجبال والأرض حتى يؤدي على صلاة العصر بعد أن أفاق النبي من غفوته ورأسه على ركبتي علي الذي أخبره بأنه لم يؤدها حرصاً على راحته، وكان يظهر، وهو المعتدل القامة، أطول من كل شخص يسير بجانبه، وكان النور يسطع من وجهه، ويشع من بين أصابعه حين يضع يده على وجهه، وكانت الحجارة والأشجار والنباتات تسلم عليه وتنحني أمامه، وكانت الحيوانات، كالظباء والذئاب والضباب، تكلمه، وكانت الجديان تخاطبه وهي مشوية، وكان الجن يخافونه ويؤمنون برسالته لما له من السلطان المطلق عليهم، وكان

стр. 103

يرد البصر للعمي ويشفي المرضى ويحيي الموتى، وأنزل من السماء مائدة لعلي وأسرته حين جاعوا، وأنبأ بأن ذرية فاطمة سينالها جور وعدوان، وبأن ملك بني أمية سيدوم ألف شهر، فحدث كما أخبر ... إلخ. وفضلاً عن ذلك فإنه أثبت للمسلمين الصالحين أنه أسري بمحمد ليلاً على ظهر حيوان خيالي يسمى البراق، والبراق دابة مجنحة لها وجه المرأة وجسم الفرس وذنب الطاووس، ويعتقد المسلمون أن محمداً اخترق السماوات السبع في معراجه حتى بلغ عرش الإله. شكل ١ - ٤: ضريح فاطمة بنت محمد في المقبرة الكبرى بدمشق (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). وقيل: إن محمداً كان مصاباً بالصرع، ولم أجد في تواريخ العرب ما يبيح القطع في هذا الرأي، وكل ما في الأمر هو ما رواه معاصرو محمد، وعائشة منهم، من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيط فغشيان، وإذا عدوت هوس محمد، ككل مفتون، وجدته حصيفاً سليم الفكر. ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح، وذلك كأكثر مؤسسي الديانات، ولا كبير أهمية لذلك، فأولو الهوس وحدهم، لا ذوو المزاج البارد من المفكرين، هم الذين ينشئون الديانات ويقودون الناس، ومتى يبحث في عمل المفتونين في العالم يعترف بأنه عظيم، وهم الذين أقاموا الأديان وهدموا الدول وأثاروا الجموع وقادوا البشر، ولو كان العقل، لا الهوس، هو الذي يسود العالم؛ لكان للتاريخ مجرى آخر.

стр. 104

ولا يقف أي قول بخداع محمد ثانية أمام سلطان النقد كما يلوح لي، ومحمد كان يجد في هوسه ما يحفزه إلى اقتحام كل عائق، ويجب على من يود أن يفرض إيمانه على الآخرين أن يؤمن بنفسه قبل كل شيء، ومحمد كان يعتقد أنه مؤيد من الله، فيتقوى، ولا يرتد أمام أي مانع. وجمع محمد قبل وفاته كلمة العرب، وخلق منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى. ومن العبث أن نبحث في: هل كانت هذه النتائج التي بلغها محمد مما توخاه قبلا؟ ونحن إذ لم نؤت سوى علم قليل عن علل ارتباط الحوادث التي نذعن لحكمها طوعاً أو كرهاً ترانا مضطرين إلى مجاراة المؤرخين في رأيهم أن ما بلغه أعاظم الرجال، ومنهم محمد، من النتائج هو مما كانوا يسعون إلى تحقيقه، ورأي مثل هذا، وإن كان لا يسلم به على علاته، لا نخوض في نقضه؛ لما في ذلك من الخروج عن موضوع هذا الكتاب. ومهما يكن من أمر فإن مما لا ريب فيه أن محمداً أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيماً، ويتجلى هذا الفضل العظيم في جواب رسل عمر بن الخطاب إلى كسرى حين سألهم عن أعمال النبي، قال هؤلاء الرسل: فأما ما ذكرت من سوء حالنا فما كان أحد أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فكنا نرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فكانت ظهر الأرض، ولم نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ويغير بعضنا على بعض، وكان أحدنا يدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرنا لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، فقذف الله في قلوبنا التصديق له، واتباعه، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: «إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم فبعث إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق.

стр. 105

وإذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ، وأخذ بعض علماء الغرب ينصفون محمداً مع أن التعصب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله. قال العلامة بارتلمي سنت هيلر: «كان محمد أكثر عرب زمانه ذكاء وأشدهم تديناً وأعظمهم رأفة، ونال محمد سلطانه الكبير بفضل تفوقه عليهم، ونعد دينه الذي دعا الناس إلى اعتقاده جزيل النعم على جميع الشعوب التي اعتنقته.» فما سر هذا الدين الذي خضع لحكمه ملايين من الناس؟ وما الحقائق التي أرشد العالم إليها؟ ذلك ما نبحث فيه عما قليل.

стр. 106

الفصل الثاني القرآن (١) خلاصة القرآن القرآن هو كتاب المسلمين المقدس، ودستورهم الديني والمدني والسياسي الناظم لسيرهم، وهذا الكتاب المقدس قليل الارتباط مع أنه أنزل وحياً من الله على محمد، وأسلوب هذا الكتاب، وإن كان جديراً بالذكر أحياناً، خال من الترتيب فاقد السياق كثيراً، ويسهل تفسير هذا عند النظر إلى كيفية تأليفه، فهو قد كتب تبعاً لمقتضيات الزمن بالحقيقة، فإذا ما اعترضت محمداً معضلة أتاه جبريل بوحي جديد حلا لها، ودون ذلك في القرآن. ولم يجمع القرآن نهائياً إلا بعد وفاة محمد، وبيان الأمر أن محمداً كان يتلقى في حياته عدة نصوص عن الأمر الواحد، فلما انقضت عدة سنين على وفاته حمل خليفته الرابع على قبول نص نهائي للقرآن مقابلاً بين ما جمعه أصحاب الرسول. والقرآن مؤلف من مائة وأربع عشرة سورة، وكل سورة مؤلفة من آيات، ومحمد هو الذي يتحدث فيها باسم الله على الدوام. ويعد العرب القرآن أفصح كتاب عرفه الإنسان، ومع ما في هذا من مبالغة شرقية نعترف بأن في القرآن آيات موزونة رائعة لم يسبقه إليها كتاب ديني آخر. وتقرب فكرة الكون الفلسفية في القرآن مما في الديانتين الساميتين العظيمتين اللتين ظهرتا قبل الإسلام، أي اليهودية والنصرانية، ويزعم أن العنعنات الآرية الفارسية أو الهندية ذات نصيب ظاهر في النصرانية والإسلام، ونحن نرى النفوذ الآري في الإسلام ضعيفاً جداً. ولم يكن محمد فيلسوفاً كبيراً، أي من المفكرين المتبحرين الذين يقاسون بمؤسسي البرهمية والبدهية، فهو لم ينكر سبب الأسباب كما أنكره البدهيون، ولم يقل مثلهم بأن

стр. 107

الكون موجود بالضرورة ذو انحلال وتركيب دائمين، ولم يتصف بنصف ما عند مؤلفي كتب البراهمة المقدسة من الشك، ولم يدخل إلى القرآن مثل التأملات الآتية التي تجدها في كتب الويدا: «من أين أتي هذا الكون؟ أهو من صنع خالق أم لا؟ يعلم ذلك من ينظر من فوق الفلك، وقد لا يعلم.» ولكن أقوالاً مجردة مثل هذه لا تنفع غير الفلاسفة، ومحمد لم يزعم أنه يكتب من أجل الفلاسفة، وكان من مقاصد محمد أن يقيم ديناً سهلاً يستمرئه قومه، وقد وفق لذلك حين أخذ من الأديان الأخرى ما يلائمهم، ولم يفكر محمد في إبداع دين جديد قط، وهو الذي أعلن أنه يسير على غرار من تقدمه من أنبياء بني إسرائيل من إبراهيم إلى عيسى قائلاً إن ما أوحي إليهم صحيح، والحق أن اليهودية والنصرانية والإسلام فروغ ثلاثة لأصل واحد، وأنها ذات قربي وشيجة. والدين الذي دعا النبي إليه الناس سهل جداً، وقد عرفه محمد بالكلمات القليلة الآتية حين أتاه جبريل بزي العرب وسأله عنه، وهي: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً»، وهذا التعريف الذي قبله جبريل تام كما هو واضح. ويلخص المسلم الإسلام في هاتين الكلمتين اللتين لا ينكر إيجازهما، وهما: «لا إله إلا الله محمد رسول الله.» وإنني أنقل من القرآن بضع آيات في كل موضوع مهم، وأرتب ما نقلته من آياته على حسب الموضوعات نظراً إلى أن ما ورد من الآيات في الموضوع الواحد مبعثر فيه اتفاقاً. وإنني أبدأ بما جاء في القرآن عن مصدره وعن قرباه الوشيجة بالكتب المقدسة التي أتت قبله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ (من سورة الرعد) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (من سورة البقرة)

стр. 108

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ (من سورة الشعراء) ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (من سورة عبس) ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ (من سورة التكوير) ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾ (من سورة الأحقاف) ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (من سورة الشورى) وإله محمد واحد في السماء، واسمع تعريف النبي له: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ (من سورة البقرة ( ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (من سورة البقرة)

стр. 109

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (من سورة آل عمران) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ (من سورة البقرة) وإله القرآن الواحد، وإن لم يكن شديداً شدة إله التوراة، جبار عزيز ذو انتقام يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، جاء في القرآن: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ (من سورة الرعد) ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ (من سورة الفجر) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾ (من سورة آل عمران)

стр. 110

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ (من سورة هود) ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ (من سورة الرعد) وما جاء في القرآن من نص على خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وخلق آدم والجنة، وهبوط آدم منها، ويوم الحساب مقتبس من التوراة. وإليك وصف محمد ليوم الحساب: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ (من سورة عبس) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ (من سورة الانفطار) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (من سورة الشمس) ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ (من سورة إبراهيم)
следующие страницы →