← Общие книги

Общие книги · id 150939

حضارة العرب - غوستاف لوبون

غوستاف لوبون

Полный текст (598 стр.). Показаны 561–598 · переход к 566.

стр. 561

شكل ١٠ - ١٣: باب مخزن الأمتعة المقدسة في كاتدرائية أشبيليه (طراز إسباني عربي) شكل ١٠ - ١٤: قلادة من ذهب مصنوعة في غرناطة في القرن الرابع عشر على الطراز العربي الإسباني (متحف الآثار في مدريد، من صورة فوتوغرافية).

стр. 562

فالمرء عندنا ذو شخصيتين: الشخصية العصرية التي كونتها الدراسات الخاصة والبيئة الخلقية والثقافية، والشخصية القديمة غير الشاعرة التي جمدت وتحجرت بفعل الأجداد وكانت خلاصةً لماضٍ طويل، والشخصية غير الشاعرة وحدها، ووحدها فقط، هي التي تتكلم عند أكثر الناس وتمسك فيهم المعتقدات نفسها مسماةً بأسماء مختلفة، وتملي عليهم آراءهم، فيلوح ما تُمليه عليهم من الآراء حراً في الظاهر فيحترم. والحق أن أتباع محمد ظلوا أشد من عرفته أوربة من الأعداء إرهاباً عدة قرون، وأنهم، عندما كانوا لا يردعوننا بأسلحتهم، كما في زمن شارل مارتل والحروب الصليبية، أو يهددون أوربة بعد فتح القسطنطينية، كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم الساحقة، وأننا لم نتحرر من نفوذهم إلا بالأمس. وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة، وصارت جزءاً من مزاجنا، وأضحت طبيعةً متأصلةً فينا تأصُّلَ حقد اليهود على النصارى الخفي أحياناً والعميق دائماً. شكل ١٠ - ١٥: مصباح من زجاج مطلي بالميناء (من تصوير بريس الأفيني). وإذا أضفنا إلى مبتسراتنا الموروثة ضد المسلمين مبتسرنا الموروث الذي زاد مع القرون بفعل ثقافتنا المدرسية البغيضة القائلة: إن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم

стр. 563

والآداب في الزمن الماضي أدركنا، بسهولةٍ سر جحودنا العام لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوربة. ويتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن يرى أن أوربة النصرانية مدينةٌ لأولئك الكافرين في خروجها من دور التوحش، فعارٌ ظاهر كهذا لا يُقبل إلا بصعوبة. نختم هذا الفصل بقولنا: إنه كان للحضارة الإسلامية تأثيرٌ عظيم في العالم، وإن هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، وإن العرب هَذَّبوا البرابرة الذين قَضَوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخُلقي، وإن العرب هم الذين فتحوا لأوربة ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية بتأثيرهم الثقافي، فكانوا ممدنين لنا وأئمةً لنا ستة قرون.

стр. 564

الباب السادس انحطاط حضارة العرب

стр. 565

الفصل الأول ورثة العرب تأثير الأوربيين في الشرق (١) ورثة العرب في الأندلس: إن من أحسن الوسائل لتقدير ما لأمةٍ من التأثير النافع أو الضار في أمة أخرى هو أن يبحث في أحوال هذه الأمة قبل أن تخضع للنفوذ الأجنبي وفي أثناء خضوعها له وبعد خلاصها منه؛ فأما أحوال الأمم التي دانت للعرب قبل خضوعها لهم وفي أثناء حكمهم لها فقد بحثنا فيها بما فيه الكفاية، وأما أحوالها، بعد أن غاب العرب عن مسرح العالم، فنبحث فيها الآن بادئين بإسبانية. لم يفكر النصارى، بعد أن استردوا غرناطة التي كانت مَعْقِل الإسلام الأخير في أوربة، في السير على سنة العرب في التسامح الذي رأوه منهم عدة قرون؛ بل أخذوا يضطهدون العرب بقسوة عظيمة على الرغم من العهود، ولكنهم لم يعزموا على طردهم جميعهم إلا بعد مرور قرن، ومع ما كان يصيب العرب من الاضطهاد كان تفوقهم الثقافي على الإسبان عاملاً في بقائهم على رأس جميع الصناعات، وكان من الصواب اتهام الإسبان إياهم بالاستيلاء على جميع المهن. وطالب الشعب بطردهم فقط، وبدا الإكليروس متطرفاً فأشار بقتلهم جميعاً رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالًا، وسلك فليب الثاني طريقاً وسطاً فاكتفى بإعلان طردهم في سنة ١٦١٠ م، ولكنه أمر بأن يُقتل أكثرهم قبل أن يوفقوا لترك إسبانية، فقتل ثلاثة أرباعهم تقريباً.

стр. 566

وتم الجلاء والذبح، وعم الفرح إسبانية؛ لما ظن من دخولها عهداً جديداً. شكل ١ - ١: قصر حديث في بهنا (البرتغال، طراز إسباني عربي، من صورة فوتوغرافية) حقاً لقد ظهر عهدٌ جديد ما وجدت نتائج عظيمةٌ لهذا الاستئصال الجامع الذي لا نظير له في التاريخ، ويكون تقديرنا لأهمية هذه النتائج أتم إذا ما رجعنا بعض السنين إلى الخلف، وبحثنا في أمر إسبانية بعد اختفاء سلطان العرب السياسي عنها. رأى النصارى، الذين هاجروا إلى المناطق الجبلية فراراً من سلطان العرب، إمكان إعادة دولتهم القديمة من بعد ما شاهدوا بدء تضعضع سلطان المسلمين في الأندلس بفعل تنافسهم وحروبهم الداخلية. ولم تكلل أعمال هؤلاء النصارى بالنجاح في البداءة، ولكنهم لم يهنوا؛ لما كان يغلي في عروقهم من الحمية الدينية، وقد صار لهم ما للعرب من الخبرة الحربية بفضل الوقائع التي اشتركوا فيها عدة قرون ما دام القتال مهنتهم الوحيدة، وقد ساعدهم انقسام العرب على النجاح فاستطاعوا، بعد حروب طويلة، أن يقيموا دويلات لم تفتأ تعظم وتتحد حتى استولت بعد ثمانية قرون على غرناطة التي كانت عاصمة آخر دولة عربية في الأندلس، وبهذا أضحت جميع إسبانية قبضتها، وبدت إسبانية أول دولة حربية في أوربة.

стр. 567

ولم يكن الملك شارلكن وفليب الثاني أقل براعة من سلفهما فرديناند، وكان القرن الذي مر بين سقوط غرناطة ووفاة فليب الثاني دور عظمةٍ لإسبانية لن ترى مثله. شكل ١ - ٢: ترس فليب الثاني في إسبانية (من صورة فوتوغرافية التقطها لوران). أجل، كان العرب يضطهدون في جميع ذلك العهد، ولكن مع بقائهم، وكان العرب ذوي شأن فيه بما لهم من التفوق الثقافي، وكان العلماء وأرباب الصناعات والتجار من العرب وحدهم، لا من الإسبان الذين كانوا ينظرون إلى كل مهنة شزراً، خلا مهنة الإكليروس ومهنة الجندية. وكانت إسبانية تشتمل، إذن، على جيلين مختلفين من الآدميين عاملين بمختلف الطرق على عظمتها، أحدُهما من النصارى القابضين على زمام السلطة العسكرية، والآخر من العرب القابضين على ناحية الحضارة المادية. وكان وجود هذين الجيلين أمراً ضرورياً، وذلك أن السلطة العسكرية إذا كانت كافيةً لإقامة دولة فإنها تعجز وحدها عن إدامتها، وأن ازدهار هذه الدولة لا يكون إلا بتوافر بعض عناصر الحضارة، وأن تماسك هذه الدولة لا يدوم طويلاً إلا ببقاء هذه العناصر.

стр. 568

وهذا هو عَينُ ما أصاب إسبانية بعد طرد العرب، فقد حلَّ الانحطاط فيها محل العظمة، وقد زاد انحطاطها سرعةً ما عطلت من قادة عظام حربيين كالذين ظهروا في قرن واحد، وقد أضاعت كل شيء حين خسرت سلطانها الحربي وحرمت الحضارة معاً. وكان من سرعة الانحطاط الذي عقب إجلاء العرب وقتلهم ما يمكننا أن نقول معه: إن التواريخ لم يرو خبر أمة كالإسبان هبطت إلى دركةٍ عميقة في وقت قصير جداً، فقد توارت العلوم والفنون والزراعة، والصناعة، وكل ما هو ضروري لعظمة الأمم، عن بلاد إسبانية على عجل، وقد أغلقت أبواب مصانعها الكبرى، وأهملت زراعة أراضيها، وصارت أريافها بلاقع، وبما أن المدن لا تزدهر بغير صناعة ولا زراعة فقد خلت المدن الإسبانية من السكان على شكل سريع مخيف، وأصبح عدد سكان مدريد مئتي ألف بعد أن كان أربعمائة ألف، وصارت إشبيلية، التي كانت تحتوي ١٦٠٠ حِرفَة كافية لإعاشة ١٣٠٠٠٠ شخص، لا تشتمل على غير ٣٠٠ حرفة، وهذا فضلًا عن خلوها من ثلاثة أرباع سكانها كما جاء في رسالة مجلس الكورتس إلى الملك فليب الرابع، ولم يبق في طليطلة سوى ثلاثة عشر مصنعًا للصوف بعد أن كان فيها خمسون، وخسرت طليطلة جميع مصانعها الحريرية التي كان يعيش منها أربعون ألف شخص، ووقع مثل هذا في كل مكان، ولم تعتم المدن الكبيرة، كقرطبة وشقوبية وبرغش، أن أصبحت كالصحارَى تقريباً، وزال ما ظل قائماً فيها من المصانع القليلة بعد تواري العرب، وكان من غياب جميع الصناعات في إسبانية أن اضطر القوم إلى جلب عمالٍ من هولندا عندما أريد إنشاء مصنعٍ للصوف في شقوبية في أوائل القرن الثامن عشر. ونجم عن أفول الصناعة والزراعة في بلاد إسبانية على هذا الوجه السريع ما يشاهد فيها من البؤس العميق، ومن وقوعها في الانحطاط التام في قليل من السنين. ومصائب كتلك مما يقتل كل نشاط وحيوية بسرعة، وإمبراطوريةٌ واسعة لا تغرب الشمس عن أملاكها كتلك، كما قيل، لا بد من أن تقع في دور الهمجية المظلم على عجل ما لم تنقذ بسلطان الأجنبي، ولذا اضطرت إسبانية، لتعيش بعد وهنٍ إلى تسليم زمام سلطتها العليا وشؤونها الإدارية وصناعتها وتجارتها إلى رؤساء من الأجانب كالفرنسيين والطلاينة والألمان ... إلخ. غير أنه لم ينشأ عن سلطة فليب الخامس، الذي هو حفيد لويس الرابع عشر، والإدارة الأجنبية التي أكره هو وخلفاؤه على إدخالها إلى إسبانية سوى حيويةٍ ظاهرة غير حقيقية، وذلك لتعذر انتشال أمة بعد هبوطها.

стр. 569

حقاً، ظهر في إسبانية ملوك نوابغ كشارل الثالث، وتمتعت إسبانية برخاء مصنوع ذات زمن، وذلك عندما استحضرت من الخارج فريقًا من العلماء وأرباب الصناعات، ولكن هذا كان على غير جدوَى، فلن يستطيع أحدٌ إحياء الموتى، وحقاً إن العرب زالوا، وقضت محاكم التفتيش على كل من يزيد ذكاؤه قليلاً على المستوى المتوسط، فصرت ترى فيها سكانًا، وعادت لا تحتوي رجالاً. وأجمع كتاب العصر الذين زاروا إسبانية على الاعتراف بضعف مستوى الإسبان الثقافي، وكان هذا الضعف عميقًا عاماً في أواخر القرن السابع عشر من الميلاد، وبدت تلك البلاد التي أضاءت العالم أيام سلطان العرب خاليةً من أية مدرسة لتعليم الفيزياء والرياضيات والطبيعيات، وصرت لا ترى فيها كلها، حتى سنة ١٧٧٦ م كيماوياً قادراً على صنع أبسط التراكيب الكيماوية، ولا شخصاً قادرًا على إنشاء مركب أو سفينة شراعية، وذلك كما قال الكاتب الإسباني كنبومانس مؤكدًا. ولا مراء في نجاح محاكم التفتيش المرهوبة في أعمالها، فقد أضحت جميع بلاد إسبانية لا تعرف غير كتب العبادة، ولا تعرف عملاً غير الأمور الدينية، جاهلةً ما أتاه نيوتن وهارقي وغيرهما من الاكتشافات العظيمة جهلاً تاماً. ولم يسمع أطباء الإسبان شيئاً عن الدورة الدموية إلى ما بعد اكتشافها بقرن ونصف قرن، ويمكن استجلاء مستوى معارفهم بالأمر الغريب القائل: إن بعض الناس، في سنة ١٧٦٠ م، اقترحوا، مع التواضع، إزالة الأقذار التي كانت تملأ شوارع مدريد وتفسد هواءها، وإن رجال الصحة احتجوا على ذلك بشدة ذاكرين أن آباءهم العقلاء كانوا يعفرون ما يصنعون، وأنه يمكن السكان أن يعيشوا مثلهم بين الأقذار، وأن رفعها ينطوي على تجربة لا يقدر أحدٌ على كشف عواقبها. ولم تستطع أطيب الجهود أن تنهض ببلاد إسبانية التعسة، فاليوم لا تجد فيها زراعة ولا صناعة، واليوم تستعين بالأجانب في كل ما يحتاج إلى استعداد يزيد على أدنى مستوى، واليوم يدير الأجانب مصانعها، ويمدون خطوطها الحديدية، ويمدونها بمن يسوق قاطراتها، وبكل ما له علاقة بالعلوم والصناعات. وبلاد هذه حالها تعد من البلاد التي تقدر على معاجلة أمورها أية حكومة قديرةٍ حرة أو غير حرة، وذلك أن الحكم لا يمكن بغير موافقة الجمهور، وأن الجمهور الإسباني دون حكومته دائماً مهما كانت هذه الحكومة قليلة الرقي، أجل، تتمتع إسبانية بمظاهر الحضارة، ولكن هذا لا يعدو حد المظاهر، فالجهل عام فيها كما

стр. 570

كان في القرون الوسطى، ولو قيض لمحاكم التفتيش أن تعود اليوم إلى إسبانية لرأت جميع طبقات الشعب الإسباني ظهيراً لها، والحكم العادل الشديد الذي أصدره المؤرخ الإنكليزي الكير بكل منذ بضع سنين على إسبانية يسري على حاضرها، وعلى زمن طويل من مستقبلها لا ريب، قال بكل: لا تزال إسبانية نائمةً هادئةً فاقدة للحس غير شاعرةٍ بكل ما يجري في بقية العالم، أي معدودة غير موجودة، وإسبانية هنالك، حيث أقصى نقطة في القارة لم تكن، وهي جامدة ضخمة الجرم، ممثلةً لغير مشاعر القرون الوسطى وأفكارها، ومما يحزن فهيا كثيرًا اقتناعها بحالها، واعتقادها أنها أرقى أمم أوربة، مع أنها أكثرها تأخراً، هي فخور بكل ماي جب أن يحمر وجهها منه خجلاً، فخور بقدم آرائها، فخورٌ بتدينها، فخور بقوة إيمانها، فخور بسرعة تصديقها الطائش الذي لا حد له، فخور برفضها لإصلاح معتقداتها وعاداتها، فخور بحقدها على الملحدين، فخور بيقظتها الدائمة في إبطال كل ما يعملونه، ليستقروا بأرضها استقراراً شرعياً، ومن مجموع هذه المور تتألف تلك الخلاصة الكئيبة التي تسمى إسبانية. (٢) ورثة العرب في مصر والشرق: الترك هم ورثة العرب في مصر وقسمٍ كبير من الشرق كما هو معلوم. وإذا ما نظر المرء إلى الترك من الناحية السياسية، أدرك أنه كان لهم دورٌ كبيرٌ من الهضمة، فقد ارتعدت فرائص أقوى ملوك أوربة، زمناً طويلاً، فرقاً من سلاطينهم الذين قاموا مقام القياصرة، وأحلوا الهلال محل الصليب الإغريقي فوق أيا صوفية، وبسطوا نفوذ الإسلام في الآفاق. بيد أن عظمة الترك لم تكن في غير الحرب، فالترك، وإن استطاعوا أن يؤسسوا دولةً كبيرة، أثبتوا عجزهم عن إبداع حضارة في كل زمن، وكان أقصى جهودهم أن يستفيدوا مما أصبح تحت أيديهم من علوم العرب وفنونهم وصناعاتهم وتجارتهم، ولم يقدر الترك أن يتقدموا خطوةً واحدة في هذه المعارف التي ازدهرت أيام سلطان العرب، والأمم، إذ كانت ترجع إلى الوراء، حتماً، إذا لم تتقدم، لم تلبث ساعة انحطاط الترك أن دقت.

стр. 571

وترجِع نهاية تاريخ حضارة العرب في الشرق إلى اليوم الذي صارت مقادير دولتهم قبضة الترك بالقوة، أجَل، ما فَتِئ العرب يَحيَون في التاريخ بنفوذهم الديني، ولكن الشعوب التي خَلَفَتهم لم تستطع أن تُمسِك مستوى الحضارة الذي بلغوه. وكان الانحطاط عميقاً في مصر على الخصوص، وبدأ هذا الانحطاط عندما جعلت انتصارات السلطان سليم منها ولايةً من الدولة العثمانية، فقد أخذت الفنون والعلوم والصناعات تنطفئ فيها شيئاً فشيئاً. وكان يدير مصر في العهد العثماني ولاةٌ مُتَقلِّبُون غيرُ مفكرين في غير الاغتناء بسرعة، ولم تلبث مصر أن وَقَعَت في ضنك العيش كبقية الولايات العثمانية التابعة للآستانة، وزال رَوْنَقَها القديم عنها، وصارت لا تقام فيها عمارةٌ جديدة، وأضحت مبانيها القديمة مهملةً، ولم يبقَ منها غيرُ ما سَمَح به الدهر. شكل ١ - ٣: درقة قديمة لأحد ملوك غرناطة (من صورة فوتوغرافية). ولا أحد يجهل ما آلت إليه الولايات العثمانية في الوقت الحاضر، ومن العبث أن نفيض في بيان أمرها، وإنما نقول، ملخصين لما قدرت به بإنصاف: إنها ليست خيراً

стр. 572

من أية بلاد عاطلة من الإدارة، فطرقها مهملة، ومناجمها وغاباتها وثروتها الزراعية معطلة، وقطع السبل فيها من الأمور الشاملة لأبواب مدنها الكبيرة كإزمير مثلاً، ولا تخلو بحارها، ومنها بحر مرمرة والبسفور، من القراصنة. ولا يستنتج القارئ مما تقدم أن أهل تركية أحط من سكان أوربة، فتركية تشتمل، بالحقيقة، على ذلك التضاد الغريب الذي أَعْجَبُ من أنني لم أره في مكان آخر، أي أنها ذات سكان لهم صفاتٌ من الطراز الأول مع أن طبقاتها القائدةَ أدنى من هؤلاء السكان بمراحل خلافًا لما في الغرب، وأن فلاحي الترك وعمالهم زهادٌ صابرون على الأعمال أوفياء لأسُرهم، ذوو نشاط محتملون لجور حكومةٍ فاسدة احتمالاً فلسفياً، ويرجح الجندي التركي الموت في مكانه على الهزيمة، وهو لا يَقْبض راتباً، وهو لا يلبس سوى الثياب الرثة، ويتألف طعامه من الخبز والماء، وقد قال لي أحد القادة الحربيين، الذين رأوا جنود الترك عن كثب: إنك لا تجد في أوربة جيشًا يستطيع العيش يومًا واحدًا في مثل تلك الأحوال، وقد يكون التركُ خيرَ جنود أوربة مع أنهم أسوأ الجنود قيادةً. وينطبق هذا القول على الترك حصرًا، لا على جميع سكان الولايات الآسيوية التي يحكم فيها الترك، وذلك أنه يرى، في الغالب، في مدن تلك الولايات، على الخصوص، مزيج فاسد من مختلف العروق يعد حثالة من جميع الفاتحين الذين جاسوا خلالها منذ قرون كثيرة فزاده النظام العثماني فسادًا، ولا ننكر وجود بعض المزايا في هذا المزيج الفاسد، ولكن مع القول بانحطاط مستواه الخلقي وشجاعته. واليوم، لا ترى في هذا الشرق الفاسد سوى سلطانٍ أجمع الناس على احترامه، وقد سمعت اسمه يرن في كل مكان يقع بين سواحل مراكش وصحراء جزيرة العرب، وبين شواطئ البسفور ورمال أثيوبية، في الآستانة تحت قبة أيا صوفية، وفي القدس على ذروة التل التي كان قائمًا عليها هيكل سليمان، وتحت قباب كنيسة القبر المقدس (القيامة) الدكن، وفي مصر من الأهرام إلى خرائب طيبة ذات مائة الباب، وفي كل زاويةٍ يأوي إليها السائح، ذلك الاسم الذي يرن راجيًا متوسلا هالكًا مبعوثًا بلا انقطاع إلى أن يغشى عليه بين جلبة سخرية أو عويلٍ، ذلك الاسمَ الذي ينطق به بلهجة الوعد أو الوعيد مع إمكان رنينه كالأمل، ذلك الاسم الذي يبدو تميمةً قادرة تغني عن الخطب الطويلة، ويصبح الإنسان بها سيدًا في الشرق، ذلك الاسم الذي يكفي ترديده على وجه ما لتنفرج أسرة الوجوه ويسجدَ الندماء ولتفتر ثغور النساء عن ابتساماتٍ تأخذ بمجامع القلوب، ذلك الاسم الساحر الذي يسهل أن ينال به ما لا يَقدر أمير المؤمنين على منحه، والذي

стр. 573

استطاع قائدٌ أوربي أن ينتصر به في إحدى المعارك عند النطق به منذ وقت قريب، وأن يصبح سيد دولة الفراعنة التي تَطَلَّب فتحُها قبل مدةٍ عبقريةَ نابليون الحربية، ذلك الاسمَ اللاهوتي المسيطر الذي له من القدرة ما ليس لله ولرسوله مُحَمَّد، والذي يُحتَرم ويُبَجَّل في كل ناحية من تركية، ذلك هو البخشيش. ورثة العرب الأخرون في مصر: ليست مصر تابعةً لسلطان الترك في الوقت الحاضر، وقد وقعت بين يدي إنكلترة القوية التجارية، ويمكن مَن اطلعوا على البؤس الشديد الذي شمِل بلاد الهند منذ سيطرة الإنكليز عليها أن يبصروا المصير الذي ينتظر مصر السيئة الحظ، ومما ذكرتُه في فصل سابق مقدار الضنك الذي أصاب فلاحي مصر منذ سنين بفعل مضاربين من الأوربيين، ولكن هذا الضنك يُعد أمراً ذهبياً عند مقايسته بما ينتظرهم، فسَيَرَوْن أنفسهم محاطين، كالهنود، بطرق منظمة مخيفة هادئة ساحقة عاصرة ممتصة لا تُبقي ولا تَذَر. ويظهر أن مصير المباني العربية القديمة التي لا تزال قائمةً في القاهرة، سيكون كمصير أمثالها في بلاد الهند، أي أن تزول بسرعة، وأن تحل محلها ثُكَنٌ للجيش أو ما يماثلها، وها هي ذي الأعمال التي هي من هذا القبيل تسير سيراً يدل على أنها لا تطول في عهد السادة الجدد، وعلى القارئ أن يطالع مقالات مسيو دو رونه (المرافق لبعثة الآثار في القاهرة) الممتعة ليطلع على أعمال التخريب التي تقترف في الوقت الحاضر اقترافًا لا يصدقه العقل، وليعلم أن أنفس الآثار التي لا تقلد تُهدم بحجة فتح الشوارع وبناء الثكن. (٣) ورثة العرب في الهند: المغول هم ورثة العرب الأوُل في الهند، والمغول قد وَرِثوا من حضارة العرب، وهم، وإن لم يقدروا على إنماء هذه الحضارة، استطاعوا أن ينتفعوا بها على الأقل، فتمتعت بلاد الهند الواسعة في أيامهم بالرخاء والغنى. والإنكليز هم ورثة المغول في الهند، والإنكليز قد مَدَّنُوها، أي أنشأوا فيها الطرق والخطوط الحديدية التي يَسهُل عليهم أن يستغلوها بها، ولكنه نَجَمَ عن هذه الحضارة الجديدة أن غَرِقَت بلاد الهند في بحر من البؤس لم تَرَ بُقعة من بقاع الدنيا مثله. والإنكليزُ عَمَلِيُّون على خلاف الإسبان الذين طَرَدوا العرب، فهم بدلًا من أن يفكروا في إجلاء الهنود رَأوا من الحكمة أن يستغلوهم بانتظام، ونحن، إذا ما نظرنا إلى الأمر

стр. 574

شكل ١ - ٤: مدق باب كاتدرائية طركونة (طراز إسباني عربي). من الناحية التجارية فرأينا بضعة آلاف من التجار يسوقون مئات الملايين من البشر إلى العمل في سبيلهم بأساليب أشد من الاسترقاق ألف مرة، لم يَسَعْنَا إلا الإعجاب بهم، ويكون حكمنا غير ذلك إذا ما بحثنا في الأمر من الناحية الإنسانية. نشأ عن طريقة الإنكليز الاستعمارية الدقيقة اغتناءُ الجزر البريطانية اغتناءً لا حَدَّ له، وفقرُ أولئك الهنود المُسَخرين المساكين فقرًا مطلقًا تقريبًا، فقال مسيو غَرانْدِيدْيه، مُبينًا نظام نزع الملكية لعدم دفع الضرائب النافع، وذلك بعد أن ذكر أن طبقة الفلاحين التي كانت في عهد الملوك المحليين تؤدي سدس المحاصيل الزراعية ضرائب صارت تؤذي نصفها في عهد الإنكليز: «إن هذا النظام أنزل طبقة الزراع إلى الدرك الأسفل من الانحطاط.» وحديثًا درس أحد كتاب الإنكليز، مستر هندمان، حالة الهند في العهد الإنكليزي؛ فأثبت أن إنكلترة تُغرِق الهنود بالضرائب فلا يبقى لهم غير الموت جوعاً، وأنها تخرب

стр. 575

شكل ١ - ٥: الميدان الملكي في أصبهان (من تصوير كوست). جميع مصانعهم؛ لكي تتمكن السلع الإنكليزية من إيجاد أسواق لها عندهم، ثم قال: «إننا نسير إلى مصيبة لا مثيل لها في تاريخ العالم.» وقد يكون التشاؤم لحمة هذه النبوءة، ولكن صدقها يظهر عندما نعلم أن في ولاية مدراس وحدها ستة عشر مليون فقيرٍ كما جاء في الإحصاءات الرسمية، وأن السكان البائسين مكلفون في كل سنة بإنفاق أربعمائة مليون على الجيش وخمسين مليوناً على الإدارة، فضلاً عن إرسال ما تعدل قيمته خمسمائة مليون إلى إنكلترة. (٤) شأن الأوربيين في الشرق: سبب إخفاقهم دَرَسنا ما كان للشرق من التأثير في الغرب بواسطة العرب، ولا يخلو من فائدة أن ندرس الآن تأثير الأوربيين الحاضر في الشرقيين: دلت المشاهدة على أن هذا التأثير صِفْر في كل وقت، وكنا نرغب عن هذا الموضوع لو لم نرَ من المفيد أن نبحث في أسباب رفض الشرقيين لحضارة الغرب ومعتقداته رفضاً مستمرًا مع اعتناقهم ما أتاهم به العرب بسهولة. ومن الأسباب العامة في عَجز الأوربيين عن حمل الأمم الأجنبية على انتحال حضارتهم هو أن الحضارة الأوربية وليدة تطور دام زمناً طويلاً، وأننا لم نصل إلى درجتها الحاضرة إلا بعد أن قطعنا كثيراً من المراحل الضرورية بالتدريج، فالرغبة في

стр. 576

إكراه أمة على قطع هذه المراحل فجأة هي من الأوهام كالرغبة في جعل الطفل كهلاً قبل أن يصبح فتى. وهذا السببُ وحده لا يفسر لنا، مع ذلك، قلة تأثير حضارتنا في الشرقيين، ما وُجِد بين عناصر حضارتنا ما هو بسيط سهل الملاءمة لاحتياجاتهم وما رفضوه أيضًا، ولذا فإن لعدم نجاحنا أسباباً أخرى. ومن هذه الأسباب نذكر أن زيادة التعقيد في عناصر حضارتنا أسفرت عن كثرة احتياجاتنا المصنوعة، وأن هذه الاحتياجات المصنوعة المهيمنة أوجبت اضطرابًا شديدًا في حياة الأوربي الحديث فحملته على العمل المضنى في سبيل قضائها، فكان ما نرى من كُرْه الشرقيين لهذا الاضطراب والعمل المضنى، وقد عَطِلوا من احتياجاتنا. شكل ١ - ٦: الوجهة الرئيسية لجامع السلطان أحمد بالآستانة (من صورة فوتوغرافية) حقاً إن احتياجات الشرقيين من عرب وصينيين وهندوس وغيرهم ضعيفةٌ إلى الغاية؛ فالعربي يكتفي في لباسه بقطعة من المنسوجات، وفي طعامه بالماء وقليل من التمر، والهندوسي أو الصيني يكتفي في طعامه بحفنة من الأرز وقليل من الشاي، ولا تجد فيه كبيرَ احتياج في أمر المأوى، وقد نشأ عن زهد الصيني وفُقدان احتياجاته

стр. 577

ونشاطه أن تقهقر أمامه العامل الذي يزعم أنه من شعبٍ أرقى من شعبه؛ فاضطُرت أمريكا وأسترالية إلى منعه من دخول بلادهما في الوقت الحاضر. وإذا أضيف إلى ما بين الشرقيين والأوربيين من ذلك الاختلاف اختلافُهما في الشعور والتفكير بَدَت الهُوة العميقة بينهما، ولا يحسُدُنا الشرقيون على حضارتنا، وأقلهم حسداً لنا مَن يَزُورُ منهم بلادنا، ويحمل هؤلاء عند رجوعهم إلى بلادهم أسوأ الآراء فينا، معتقدين أن دخول حضارتنا بلادهم ينطوي على أعظم البلايا والفجائع، ويستدل المثقفون منهم على هذا بما صارت إليه بلاد الهند، وذلك مع الإجماع على أن الشرقيين أسعد حالاً من الأوربيين، وأعظم شرفاً، وأمتن أخلاقاً ما ظلُّوا غير متصلين بهم. ولكن إذا كان التباين الواضح بين حياة الشرقيين والأوربيين وأفكارهم ومشاعرهم كافياً لإيضاح عدم اكتراث أمم الشرق لنِعَم حضارتنا، فإنه لا يكفي لإيضاح رفضهم لنا وازدرائهم البيِّن لنظمنا ومعتقداتنا وأخلاقنا. ومن العبث أن نكتم سبب تلك المشاعر، فهي ناشئة عن مَكر الأمم المتمدنة وظلمها الأممَ الأخرى التي هي غيرُ متمدنة أو التي نَعُدُّها ضعيفة الحضارة. وسياسة الأوربيين القائلة: «إنه لا يجوز أن يمشي على الأرض فريقٌ من الهمج» تؤدي إلى إبادة الأمم غير المتمدنة أي المتوحشة بسرعة؛ فيطارِد الأوربيون سكان أمريكا الأصليين كما يطارد الصَّيَّادون الأرانب، ويزول أصحاب الجلود الحمر من أمريكا لسلب أرَضِي الصيد منهم وحصرهم في مناطق جديبةٍ لا يخرجون منها بفعل الجوع إلا ليُجَدَّلوا كما يُجَدَّل البط، ويُبَاد هَمَج أقيانوسية، ولم يبقَ من أهل تسمانية الأصليين أحد. ولم تكن سياسة الأوربيين نحو الأمم الشرقية المتمدنة، كالصينيين والهنود مثلاً، أحسن كثيرًا من سياستهم نحو أولئك الهمج، وإذا أغضينا عن محاربتنا لهم بما ليس فيه ذرةٌ، من الإنصاف نرى أن سلوكنا اليومي تجاههم يكفي لجعلهم شديدي العداوة لنا، وكل من يُوغِل في الشرق يَعلَم أن أحقر الأوربيين يعتقد أن كل شيء مباحٌ له في الشرق، وإذا لم يُسْتَغَلَّ الشرقي رأساً، كما يُستَغَلُّ في الهند بما يثقل به كاهله من الضرائب التي تنزع آخر كِسرة خبز منه، فإنه يُستَغَل بالحيل التجارية التي تتم بوقاحة دالة على ضعف الطِّلاء لدى رجالنا المتمدنين، ويفقد الأوربي في الشرق كل صفاته ويهبط أخلاقاً إلى ما هو أدنى من مستوى الشعوب التي يستغلها، ولو حوكم

стр. 578

شكل ١ - ٧: جامع السلطان أحمد بالآستانة من ناحية البسفور (من صورة فوتوغرافية) التجار الأوربيون من أجل صلاتهم التجارية بالشرق على حسب قوانين بلادهم ما تَفَلَّت إلا أقلُّهم من أكثر العقوبات شَيْنًا. إذن، لا يخلو من سبب ما يَحمله الشرقيون من الرأي السيئ في شرفنا وأخلاقنا، وستكون قصة علاقات أوربة المتمدنة بالصين في القرن التاسع عشر من الميلاد من أسوأ صفحات تاريخ حضارتنا، وقد يُدْعَى حَفَدتُنا، ذات يوم، إلى التكفير عنها بثمنٍ غالٍ، وكيف يُفكَّر في المستقبل في أمر حرب الأفيون الدامية التي أكره الإنكليز فيها بلاد الصين، وذلك بقوة المدافع، على إدخال هذا السم القاتل الذي أرادت حكومتها تحريمه؛ لما رَاعَها من أخطاره، حقاً إن فائدة إنكلترة من تجارة الأفيون مائة وخمسون مليوناً في كل سنة، ولكن عدد الوفيات السنوية في بلاد الصين بفعل استعمال الأفيون ستمائة ألف نفسٍ كما جاء في إحصاءات الدكتور كرِيْسِتْلِيب المعتدلة على الخصوص. وهنا نسأل: أليس من الحق أن يُعلِّم الصينيون أبناءهم وصفَ الغربيين بالبرابرة بعد الذي رَأوْا من حرب الأفيون الطاحنة وما أسفرت عنه هذه الحرب من إباحة تجارته كُرهاً؟ لا يكون جواب الصينيين، كما روى ذلك الدكتور، وذلك عندما يحاول مبشرو الإنكليز تنصيرهم، إلا قولهم: «ماذا؟ تسموننا للقضاء علينا ثم تأتون لتعليمنا الفضيلة! »، وليس

стр. 579

الصيني على حق في تفكيره ذلك لا ريب، فهو لا يُدرِك أن الإنكليزي يَحُوز، بالوراثة، حِكَماً أخلاقية شديدة خاصة لا بد له من اتباعها، وذلك بأن ينفق على المبشرين ليُعِدُّوا الآسيوي للحياة الأبدية التي يسوقه إليها بسرعة ذلك الأفيون الذي يبيعونه منه! واستوقفت بغضاء الشرقيين للأوربيين نظرَ جميع السياح المتصفين بشيء من الملاحظة، وأذكر منهم السياسي الممتاز والوزير المفوض السابق، مسيو دورُو شِيشُوَار، الذي قال في كتاب نشره حديثاً: «إن أول ما يراه الغريب حينما تطأ قدماه بلاد الهند هو كره الهندي لسادته»، إلى أن قال في معرِض كلامه عن الصين: «إن أجراء البيض شديدو الحياء من أبناء وطنهم؛ لاضطرارهم إلى الاتصال بالبيض.» وإن للشرقيين في سلوكنا ما يُسَوِّغ مقتَهم لنا أشدَّ المقت بما فيه الكفاية، وإنني أضع نفسي في مكانهم وأنظر إلى الأمور من وِجْهَة نظرهم، وأضيف إلى ذلك، غير متردد، قولي: إننا لو بَدَونا عنوان الفضائل لهم؛ لكان من مصالحهم أن يَرْفِضونا، وأن يحيطوا بلادهم بأسوار كالتي أحُيطت بها مملكة ابن السماء، فما يصنعون بحضارة غير ملائمة لأفكارهم ومشاعرهم واحتياجاتهم جديرة، لذلك، بأن يرفِضوها؟ وما فائدتهم من ترك نظمهم الموروثة وحياتهم السعيدة القليلة الاحتياجات وانتحالهم لحياتنا المحمَّة ولمنازعاتنا التي لا يُشفَى لها غليل، ولنظام طبقاتنا الاجتماعية المتفاوتة، ولعيشنا الكريه في المصانع، ولكل ما تطلبه الحضارات الزاهية من مختلف الاحتياجات؟ وعن لليابان، أي لهذه الدولة الشرقية، أن تعتنق حضارتنا كما قيل، وأتيح لي أن أذكر ما أسفرت عند هذه التجربة من الارتباك في بلاد اليابان التي كانت سعيدةً، والتي «حال الواحد من سكانها تعد أفضل مائة مرةٍ من حال العامل المعوز اللاهث التعب الذي يكسب عيشه بعناء في المصانع»، كما قال أحد الأوربيين الذين عهد إليهم في إدخال الحضارة المصنوعة إليها. ولم ينشأ عن افتتاح العرب للشرق مثل هذه الشرور، فقد كانت الأمم التي قهروها شرقيةً مثلهم، وكانت مشاعرها واحتياجاتها وطرق معايشها مماثلةً لما كان عندهم، ولم ينشأ عن استيلاء العرب أو المغول أو الترك على الهند وفارس ومصر العليا من التغييرات الأساسية كما ينشأ عن انتحال أهل هذه البلدان للحضارة الحديثة، ولا بد من أن تنال يد التبديل التامِّ حياة هذه الأمم الشرقية عند اتصالها بالأوربيين، ولكن عجز الأمم الشرقية عن منافسة الأوربيين يؤدي حتمًا إلى مثل ما صار إليه الهندوس من البؤس الأسود والثورات الشديدة التي يولدها اليأس.

стр. 580

تبين مما تقدم، وذلك بدرجة الكفاية، تأثيرُ الغرب المخرِّب في الشرق في الوقت الحاضر، ولا يوجد ما يسوغ به الأوربيون شرهم وطمعهم سوى المبدأ الذي لم يعرِف التاريخ غيره، وهو حق الأقوى، والإيمان بهذا الحق المهيمن وحده هو الذي لا يزال قائمًا من بين عقائد الأجيال المسنَّة، ولدى الشعوب الحديثة ما يَشْغَلها من الهموم الخَطِرة عن التفكير في تمدين الأمم الأخرى ما اضطُرت إلى النظر في أمور عيشها قبل كل شيء، ولن يكون للأمم من الحقوق في التنازع الحاضر الذي يزيد كل يوم إلا بنسبة ما عندها من المقاتلين والمدافع، واليوم لا أمل لأحد في المحافظة على غير ما يَقدِر على الدفاع عنه، فإما غالبٌ، وإما مغلوبٌ، وإما صيادٌ، وإما قنيصةٌ، وهذه هي سُنَّة الأزمنة الحديثة، ولا قيمة لكلمة العدل والإنصاف في علاقات الأمم بعضها ببعض، ولا مُؤيِّد لها، وهي من الألفاظ المبهمة المشابهة لاحتياجاتنا المبتذلة التي يستعملها العالم بأسره فتنتهي بها رسائلنا من غير أن تخدع إنسانًا. واليوم يحدِّثُنا الشعراء عن العصر الذهبي الذي يسود الناسَ فيه إخاءٌ عام، وإنني أشك في وجود مثل هذا العصر في أي زمنٍ كان، وهو إن وجد تلاشى إلى الأبد، ولم يرن قول برينوس «ويل للمغلوب! »، حينما هدد رومة بخرابها، أكثرَ مما في الساعة الحاضرة، فالإنسان قد دخل دورًا من الحديد والنار لا بد من هلاك كل ضعيف فيه.

стр. 581

الفصل الثاني أسباب عظمة العرب وانحطاطهم حالُ الإسلام الحاضرة (١) أسباب عظمة العرب نختم تاريخ حضارة العرب بتلخيصنا أسبابَ عظمتهم وانحطاطهم في نظرة شاملة، فنقول: إن الزمن الذي ظهر فيه العرب من العوامل التمهيدية في قوتهم، وإن لعامل الزمن التمهيدي أهميةً كبيرة في حياة الأفراد والأمم، وإن هناك صفاتٍ لا تبرُز إلا في وقتٍ معين، فلو ظهر نابليون في زمن لويس الرابع عشر ما استطاع أن يصير سيد أوربة، ولو ظهر مُحَمَّد أيام سلطان الرومان ما قَدَرَ العرب على الخروج من جزيرتهم لا رَيب، ولظل التاريخ جاهلاً لهم. ولد محمد في أحسن الأوقات، وقد رأينا أن العالم المسن كان متصدعاً فيه من كل جانب، ولم يتوجب على أتباع محمد إلا أن يهزوه ليتساقط. بيد أن القضاء على دولةٍ لا يكفي لإقامة حضارة، ويدل عجز البرابرة الذين ورثوا حضارة الرومان في الغرب، كما ورثها العرب في الشرق، على ما في إقامة الحضارات من المصاعب، وإذا كان ذلك العامل التمهيدي مساعدًا على إنشاء دولة جديدة وحضارةٍ جديدة فلا بد من عواملَ أساسيةٍ أخرى لإقامتهما مما نُعَيِّنه الآن. وتأثير العرق من أهم تلك العوامل التي نذكرها: رأينا أن من أهم خصائص العرق أن يتَّصف أفراده - على الخصوص - بمشاعر وقابلياتٍ متماثلة، وأن يوجِّهوا جهودهم نحو غَرَض واحد، وهذه المشاعر المتماثلة التي

стр. 582

تكونت بتعاقب الوراثة، أي التي تتألف الأخلاق القومية من مجموعها، هي تُراث ماضٍ ساعد أجدادُنا على تكوينه، فنساعد على تكوينه أيضاً من أجل ذُرِّيَّاتنا، وهذه المشاعر، وإن كانت تختلف بين شعب وشعب لا تختلف إلا قليلًا في الشعب الواحد. ولا ريب في وجود أثر لكل جيل فيما هو أساسي من الأخلاق القومية، ولكن هذا الأثر ضعيفٌ، ولا بد من مرور عدة قرون حتى يبدو الطورُ الناشئ عن الآثار الموروثة المتراكمة بالتدريج واضحًا، وعلى ما تؤدي إليه التربية والبيئة والأحوال من التطور السريع لا يكون هذا التطور إلا مؤقتاً. والواقع أن صفاتِ العرق الخُلقية والعقلية ثابتةٌ ثباتَ صفات الأنواع الجسمانية، واليوم نعلم أن هذه الصفات تتحول مع الزمن أيضاً، وإن عدَّها علماءُ التاريخ الطبيعي سابقاً لا تتبدل مطلقاً. شكل ٢ - ١: بائع خبز جائل في القدس (من صور فوتوغرافية)

стр. 583

وقد حاولت أن أثبت في كتاب آخر أن الأخلاق التي تتألف من تجمُّع المشاعر اللاشعوري، لا الذكاء، هي التي تُسَيِّرنا، ولذا يجب على من يَرغَب في الوقوف على شأن الأفراد والأقوام في التاريخ أن يبدأ بالبحث في أخلاقهم، وقول يوليوس قيصر في أجدادنا: «إنهم محبون للثورات، موقدون للحروب بلا سبب، غير صبر على نوائب الدهر» مما يساعد على تفسير حوادث ماضينا. ومن السهل أن نستعين بحوادث التاريخ فنُثبت أن نتائج الأخلاق تختلف باختلاف الأحوال، وأن المزايا والنقائص التي كانت سببًا في عظمة أمةٍ في زمن معين قد تكون سببَ انحطاطها في زمن آخر، كما هو أمر العرب، ويدلُّ إنعام النظر على صدور مختلف النتائج عن عللٍ واحدة، ومن ذلك أنه يظهر، أولَ وهلةٍ، وجودُ هوة اجتماعية بين الإغريقي في عصر بركليس وبينه في العصر البيزنطي مع أن الأحوال، لا الجوهر الخُلقي، هي التي تغيرت في هذين العصرين، أي أن رقة الإغريقي ودِقَّته الفلسفية وجمالَ لغته انقلبت إلى خداعٍ وبحثٍ كلامي وثرثرة بيزنطية بفعل البيئة وبتبدل الزمن، وقد يخيل إلى الناظر أن رجال محاكم التفتيش في القرون الوسطى يختلفون بإيمانهم المتقد ومحفظتهم الغريزية الشديدة عن اليعاقبة المعاصرين المتصفين بالزندقة المتطرفة والغرائز الثورية، مع أن قليلَ تأملٍ يدل على أن هذين الفريقين متشابهان، وأن أسماء المعتقدات وحدها هي التي تغيرت. وينضم إلى عناصر الخلق القومي الأساسية الثابتة ثباتَ الفِقَر في ذوات الفِقرات عناصر ثانويةٌ تختلف كاختلاف الطول وشكل الجسم واللون في ذوات الفقرات أيضًا، وهذه العناصر الثانوية هي ما يَصحُّ أن يقال معها: إن الأذواق والأفكار تتغير بتغير الأزمان، ولكن تغيراتٍ كهذه لا تؤثر في عناصر الخلق الجوهرية، ويُمكن تشبيه هذه العناصر الجوهرية بالصخرة التي تلتطم عليها الأمواج من غير أن تزحزحها، ويُمكن تشبيه تلك التغيرات بما تَضَعُه الأمواج من الرمل والصَّدف والنبات على هذه الصخرة؛ لتعود فتأخذه منها بسرعة. ومما تقدم يعلم القارئ أن البحث التاريخي يجب أن يستند على دراسة عناصر الخُلق القومي الأساسية ليُفرِّق بين الأمم، وقد وَصَفْنَا - بما فيه الكفاية - عناصر الخُلق العربي، ولا فائدة من الرجوع إليها مرة أخرى، ونحن إذا تركنا جانبًا ما قلناه عن ذكاء العرب وحماستهم واستعدادهم الفني والأدبي ... وما إلى ذلك من الصفات التي لولا وجودُها فيهم ما استطاعوا أن يصلوا إلى درجة الحضارة، فإننا نذكُر صفاتِهم

стр. 584

شكل ٢ - ٢: عرب من جوار أسوان: (مصر العليا، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). الحربيةَ المتأصلة التي يمكن اتخاذُها مثالاً بارزًا على قولنا: إنه ينشأ عن القابليات الواحدة نتائجُ تختلف باختلاف الأحوال. ولم تكن جزيرة العرب، قبل ظهور محمد، سوى ميدانِ حرب دائم واسع؛ لما تأصَّل في العرب من الطبائع الحربية، ولمَّا جاء الإسلام وألَّف بين قلوب العرب وجَّهوا جميع قُوَّاتهم إلى البلاد الأجنبية، وكانت طبائعهم الحربية من أسباب انتصاراتهم، ولمَّا خلا الميدان من أعداء يحاربونهم صوَّبوا أسلحتهم نحو أنفسهم بفعل صفاتهم الحربية المتأصلة، وبدت هذه الصفات، التي كانت سر عظمتهم، سبب انحطاطهم. ولكن قولنا: إنه ينشأ عن العنصر الخلقيِّ الواحد نتائجُ مختلفةٌ باختلاف الأحوال لا يكفي وحده لإيضاح تطور أمة؛ فهنالك أحوالٌ وعواملُ أخرى كثيرةٌ لها تأثير عظيم أيضًا.

стр. 585

ونذكر على رأس هذه العوامل التي ندرُسها ذلك العامل الذي توحَّدت بفضله جميع القبائل العربية المنقسمة، وهو الدين الذي أنشأه محمد، فقد منح هذا الدين ما كانت تحتاج إليه أممٌ من المثل الأعلى المشترك الذي اكتسبوا به من الحميَّة ما استعدوا به للتضحية بأنفسهم في سبيله. وقد أتيح لي أن أذكر غيرَ مرة أن عبادة أيِّ مثلٍ عالٍ من أقوى العوامل في تطور المجتمعات البشرية، ويكفي أن يكون المثل الأعلى قوياً؛ ليمنح الأمة مشاعر مشتركة وآمالاً مشتركة وإيماناً متيناً يندفع به كلُّ واحد من أبنائها في التضحية بنفسه في سبيل نصره، وكانت عظمة رومة مَثَلَ الرومان الأعلى، وكان نيلُ حياة أخرى يُجتَنَى منها أطايبُ النِّعم مَثَلَ النصارى الأعلى، وتخيَّل الرجل العصري آلهة جددًا يقيم لهم تماثيل مع أنهم وهميون كقدماء الآلهة لا ريب، وذلك مع كفاية تأثيرهم الطيب لوقاية مجتمعاتنا القديمة من الزوال حينًا من الزمن، وليس التاريخ سوى رواية للحوادث التي قام بها الناس انتصارًا لمثلٍ عالٍ، ولولا تأثير المُثُل العليا ما تمدن الإنسان، ولظل في دور الهمجية، ويبدأ دور انحطاط الأمة حينما تعود عاطلةً من مَثَلٍ عالٍ محترم يستعد كل واحد من أبنائها لوَقْف نفسه عليه. والمثل الأعلى الذي أبدعه محمدٌ دينيٌّ محض، والدولة التي أسسها العرب هي الدولة العظمى الوحيدة التي قامت باسم دين اشتُقت منه جميعُ نُظُمِها السياسية والاجتماعية. وهل يكفي هذا المثل الأعلى القوي والعوامل الأخرى التي ذكرناها لإيضاح عظمة العرب؟ كلا. تقدمنا في الإيضاح وقلنا: إن العالم القديم كان متصدعاً، وإن أمةً ذاتَ صفاتٍ حربية اتحدت بفضل معتقداتها المشتركة وصارت مستعدة لفتحه، وإنه بقي لهذه الأمة أن تستولي عليه فعلًا وتَحْفظه. ورأينا كيف تمت فتوح العرب، وكيف أنهم لم تُفَلَّ عزائمهم ثانيةً، وأنهم تعلموا من غالبيهم ما كانوا يجهلون من فنون الحرب بعد أن خرجوا من جزيرتهم وغلبهم الوارثون الأخرون للسلطان الإغريقي الروماني، فلما تساوَوْا هم والروم في الأساليب الحربية لم يبقَ شكٌّ في تمام النصر لهم؛ لاستعداد كل جندي عربي لبذل نفسه في سبيل دينه، ولتوارِي كل إخلاص وحماسة وإيمان في جيش الروم منذ زمن طويل. وكان يمكن أن تُعمِيَ فتوحُ العرب الأولى أبصارَهم، وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة، ويسيئوا معاملة المغلوبين، ويُكرهوهم على اعتناق دينهم الذي

стр. 586

شكل ٢ - ٣: فتى عربي من مصر العليا (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف). كانوا يرغبون في نشره في العالم، ولو فعلوا هذا لتألبت عليهم جميع الأمم التي كانت غيرَ خاضعة لهم بَعدُ، ولأصابهم مثلُ ما أصاب الصليبيين عندما دخلوا بلاد سورية مؤخراً، ولكن العرب اجتنبوا ذلك، فقد أدرك الخلفاء السابقون الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما نَدَر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أن النظم والأديان ليست مما يُفرض قسراً، فعاملوا، كما رأينا، أهل سورية ومصر وإسبانية وكل قطر استولَوا عليه بلطف عظيم تاركين لهم قوانينَهم ومعتقداتهم غيرَ فارضين عليهم سوى جزية زهيدة، في الغالب، إذا ما قيست بما كانوا يدفعونه سابقاً، في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا ديناً مثل دينهم. وما جَهله المؤرخون من حِلْم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونُظُمهم، ولغتهم التي

стр. 587

رسخت، وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمةً حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم، ونعدُّ من الواضح خاصةً أمرَ مصر التي لم يوفَّق فاتحوها من الفرس والأغارقة والرومان أن يقلبوا الحضارة الفرعونية القديمة فيها وأن يقيموا حضارتهم مقامها. وهنالك أسباب أخر غيرُ تسامح العرب وحِلْمِهم ساعدت على انتشار دينهم ونظمهم المشتقة منه، وذلك أن هذه النظم كانت من البساطة، في الحقيقة، ما لاءَمت معه احتياجات طبقات الأهلين الوسطى البسيطة أيضاً، وإذا حدث اتفاقاً، أن كانت هذه النظم غيرَ ملائمة لهذه الاحتياجات عدَّلها العرب كما تقضي به الضرورة، وبهذا نفسر السِّرَّ في اختلاف نظم المسلمين في بلاد الهند وفارس وجزيرة العرب وإفريقية ومصر اختلافاً كبيراً في بعض الأحيان مع أن القرآن واحد. والآن انتهينا إلى الزمن الذي أتمَّ العرب فيه فتحَهم للعالم، ولكنَّ بحثنا لمَّا يتمَّ، وذلك أن دور الفتح لم يكن سوى وجه واحد من وجوه تاريخ أشياع النبي، وأن العرب أبدعوا حضارةً جديدةً بعد أن فتحوا العالم، وأن الأسبابَ التي ذكرناها لا تكفي لإيضاح هذا الإبداع، فلا بد، إذن، من وجود عوامل أخرى. وجد عاملان قاطعان في إبداع حضارة العرب، وهما بيئة العرب الجديدة وقابلياتُ ذكائهم. والبيئة مما وصفنا آنفًا، ولم يَلبث العرب بعد خروجهم من صحارى جزيرتهم أن وجدوا أنفسهم أمام ما بَهَرَهم من آثار الحضارة الإغريقية اللاتينية، وأن أدركوا تفوقها الثقافي كما كانوا قد أدركوا تفوقها الحربي، فجدوا ليكونوا على مستواها من فورهم. ويتطلب استمراء حضارة راقية ذكاءً مثقفاً، وأثبتت الجهود الخائبة التي حاول البرابرة قروناً كثيرةً أن يدركوا بها معنى ما بَقِيَ من الحضارة اللاتينية صعوبةَ ذلك، ولم يكن العرب من البرابرة لحسن الحظ، ونحن، وإن كنا نجهل حضارتهم قبل ظهور محمد بزمنٍ طويل، أي حين كانوا ذوي صلات تجارية ببقية العالم، أثبتنا أنهم كانوا ذوي ثقافةٍ أدبيةٍ رفيعةٍ أيامَ هذا النبي. والحق أن الرجل الأديب المثقف يجهل أموراً كثيرة، وإنما يتعلمها بسهولة لِمَا فيه من الاستعداد الذهني، وقد أظهر العرب في دراسة العالم الجديد في أعينهم، من الحماسة كالاستعداد الذي أبدَوْا لفتحه. ولم يتقيد العرب في دراسة الحضارة التي واجهتهم فجأةً بمثل التقاليد التي أثقلت كاهل البيزنطيين منذ زمن طويل، فكانت هذه الحرية من أسباب تقدمهم السريع،

стр. 588

فالذي يحدُث في حياة الأمم، في الغالب، هو أن تأثير الماضي يُعَبِّد الناس لنِير التقاليد المسنة بعد نفعه لهم، ويمنعهم من كل تقدم. ولم يلبث أن تجلَّى استقلال العرب الروحي الطبيعي وخيالهم وقوة إبداعهم في مبتكراتهم الحديثة، وقد رأينا أنه لم يمض غير وقتٍ قصير حتى طبعوا على فنِّ العمارة وسائر الفنون، ثم على مباحثهم العلمية، طابَعهم الخاص الذي يبدو في آثارهم أول وهلة، وأنهم لم يبالوا بفلسفة اليونان النظرية لملاءمتها القليلة لمزاجهم النفسي، وأن همَّهم كان مصروفاً إلى الفنون والعلوم والآداب على الخصوص، فوصفنا بدرجة الكفاية ما ابتكروه في هذه الفروع الكثيرة. تلك هي أسباب عظمة العرب السياسية، ولنبحث الآن في أسباب انحطاطهم. (٢) أسباب انحطاط العرب يمكن الاستنادُ إلى كثير من العوامل التي ذكرنا أنها من أسباب عظمة العرب في بيان انحطاطهم، ويكفي أن ننظر إلى عامل الزمن المهم؛ لنعلم أنه ينشأ عن أنفع صفات الأفراد والأمم في أحد الأزمنة أسوأ النتائج في زمن آخر، وأن الاستعداد الخُلقي أو الذهني الذي يكون عامل نجاح في أحد الأوقات حتماً يكون عامل حبوطٍ وإخفاق في وقت ثانٍ. ولقد بَينْتُ سابقاً كيف أن غرائز العرب في الحرب والخصام، التي كانت نافعة في دَوْر فتوحهم، لم تلبث أن أصبحت ضارةً بعد انقضائه وخُلُو الميدان من أعداء يحاربونهم، وذلك أن العرب، بعد أن تمَّت فتوحهم، أخذ ميلهم المتأصل إلى الانقسام يبدو، وصارت دولتهم تتجزأ حتى سقطت، وذلك كما حدث لهم في إسبانية وصقلية اللتين أضاعوهما بفعل انقساماتهم الداخلية على الخصوص، واللتين أجلاهم النصارى عنهما بسبب تنافسهم الدائم فيهما. ويمكن عد نُظم العرب السياسية والاجتماعية، التي ذكرنا أنها من أسباب تقدمهم السريع، من عوامل انحطاطهم أيضًا، وبيان ذلك: أن العرب لم يقدروا على فتح العالم إلا حينما خضعوا للشريعة الجديدة التي جاء بها محمد، وجمعوا كلمتهم المتفرقة تحت لوائها، وهي التي كان يمكنها وحدها أن تجمع القوى المبعثرة في جزيرة العرب، وقد بَقِي نير هذه الشريعة الحازم طيباً ما بَقيت نظم النبي ملائمة لاحتياجات أمته، فلما أصبح تعديل هذه النظم ضربة لازبٍ، بسبب مبتكرات حضارة العرب، كان نير التقاليد من الثِّقل بحيث لا يمكن زحزحته.

стр. 589

شكل ٢ - ٤: تاجر تونسي (من صور فوتوغرافية) وعادت نُظُم القرآن، التي كانت عنوان احتياجات العرب في زمن محمد، لا تكون هكذا بعد بضعة قرون، والقرآن، إذ كان دستوراً دينياً ومدنياً وسياسياً في آن واحد، وكان لا يتبدل بسبب مصدره الإلهي، تَعَذَّر تعديل أحكامه الأساسية. وتجلَّت نتائج الاختلاف - على الخصوص - بعد أن أخذ نجم سلطان العرب يَأفُل، وصار يتكرر رد الفعل الديني الذي أصبح يهدف باسم تجديد الإسلام، إلى وقوف الإسلام عند ظاهر أي القرآن، مع أن المسلمين في عصور خلفاء بغداد وقرطبة الزاهرة كانوا يعرفون جيداً أن يُعدِّلوا تعاليمهم وفق ما تقتضيه احتياجات الأمم التي رَضِيَتْ بها. وتجلى محذور عدم القدرة على التعديل الكبير - على الخصوص - في نُظُم العرب السياسية التي تقضي بأن يَقْبِض على زمام الدولة وليُّ أمر واحد يجمع في يده جميع السلطات العسكرية والدينية والمدنية، فهذه النظم، وإن كانت وحدها تساعد على تأسيس دولة عظيمة بسهولة، تعدُّ أقل النظم صلاحًا لبقائها، والدول الكبرى المطلقة التي تكون جميع السلطات فيها قبضةَ رجل واحد، وإن كانت ذات قدرة عظيمة على

стр. 590

الفتح، لا ترتقي إلا إذا كان على رأسها رجال عظماء، فإذا افتقدتهم تداعى كل شيء دفعة واحدة. ومن نتائج سوء نظام العرب السياسي: ما أصيبت به دولتهم من الانقسام، أي لم يُعتِّم ولاة الأقطار، الذين كان يَنْصِبُهم الخلفاء ليديروا شؤونها، والذين كانوا يتمتعون فيها بمثل ما يتمتع به الخلفاء من السلطات العسكرية والدينية والمدنية، أن أرادوا الاستقلال بها، وقد سَهَل عليهم هذا الاستقلال؛ لما لم يروا من سلطان يساوي سلطانهم، وقد نشأ عن نجاح بعضهم إغراءُ الآخرين، فلم تلبث أهم ولايات الدولة أن تحولت بهذا إلى دويلات مستقلة. وكان لهذا الانقسام نتائجُ ضارةٌ ونتائج نافعة، فأما نتائجه الضارة: فهي أنه أضعف سلطان العرب الحربي، وأما نتائجه النافعة فهي: أنه مَهَّدَ السبيل لتقدم الحضارة، والحق أن مصر والأندلس ما كانتا لتبلغا ما وَصَلتا إليه من الرقي والرخاء لو لم تنفصلا عن الدولة الكبرى، وأنه ما كان ليتفق لهما، في حالة بقائهما من أجزاء تلك الدولة، غيرُ مصير الولايات العثمانية التي يُعزل ولاتها عزلًا مستمرًا فلا يصرفون همَّهم إلا إلى الاغتناء منها بسرعة؛ لِمَا لا يَرَون لأنفسهم فوائد في تقدمها. أجل، إن تقدم بعض تلك الدُّويلات المستقلة كان عظيمًا، ولكن عاقبتها كانت كعاقبة الدول القديمة التي استندت إلى عدد الجنود وقيمتهم في سلطانها العسكري بدلًا من أن تستند بعض الاستناد إلى أداةٍ حربية مهمة كما هو واقعٌ الآن، والتي كانت تنهار أمام أول غارة أجنبية. ثم إن الحضارة التي تهذب الطبائع وتُثقف الذهن لا تُنمِي الصفات الحربية، وهي تهيئ سقوط الدول الكبرى بذلك، وذلك لأن الأمم التي يكون أبناؤها من المُعوِزين ترغب في تغيير حالها، وتهدد الأمم المتمدنة المتقاعسة التي تكون على شيء من الرَّخاء، وبهذا سقطت أكثر الحضارات القديمة، وهذا ما أصاب الرومان، وهذا ما أصاب العرب أيضاً، ولو كان الترك والمغول وغيرهم من الأمم التي صرعت العرب في إبان تمدنهم قد هاجموا أتباعَ النبي أيام تأسيس هؤلاء لدولتهم، وتأليفهم أمةً صابرة على المكاره متعودة شظف العيش غير مُترَفةٍ لباءوا بالخسران. ونذكر من أسباب انحطاط العرب أيضًا: اختلافَ العروق التي خضعت لسلطانهم، ويتجلَّى تأثير هذا السبب على وجهين مختلفين مشؤومين: الأول؛ ما أسفر عن تقابل مختلف العروق من التحاك، وما يجر إليه هذا التحاك من تنافسها. والثاني؛ ما أسفر عن التوالد الكثير من فساد دم الغالبين بسرعة.

стр. 591

وكان اختلاط مختلف الأمم في دولة واحدة عاملَ انحلال قويٍّ دائماً، وقد أثبت التاريخ أنه لا يمكن بقاء مختلف العروق تحت سلطان واحد إلا بمراعاة الشرطين الآتيين، وهما: أن يكون الفاتح من القوة ما يَعلمُ كل واحد معه أن كلَّ مقاومة له لا تُجدي نفعًا، وألا يتوالد الغالب والمغلوب، ومن ثَمَّ ألا يفنى الغالب فيه. ولم يُراعِ العرب الشرط الثاني قط، ولم يراعِه الرومان في كل زمن، وقد انحط الرومان حالاً حينما عَدَلوا عنه. ومن أهم العوامل الكثيرة في انحلال العالم الروماني القديم؛ سهولةُ منح السادة القدماء جميعَ حقوق المواطن للبرابرة، فقد نَجَم عن هذا أن غصَّت رومة بمختلف العروق، وعَطِلَت من سيادة الرومان، وانطفأت المشاعر التي كانت سر عظمتها سابقاً، وقد كان المواطن من أهل رومة لا يتردد ثانيةً في التضحية بحياته في سبيلها؛ لما في عظمتها من مثلٍ عالٍ قادر، فما تكون قيمة مِثْلَ هذا المثل الأعلى في نفوس البرابرة؟ ومن الصعب جدٍّا أن تَنْضَوِيَ إلى نظامٍ واحدٍ أممٌ مختلفة العروق وذات مصالح ومشاعر متباينةٍ في الغالب، وهذا لا يكون إلا بالضغط الشديد على الأكثر، ومن الأدلة عليه النظام المفروض على الايرلنديين والهندوس في الوقت الحاضر. وما كان العرب ليلجئوا إلى مثل هذا الضغط حِيالَ مختلف العروق التي خضعت لهم ما انتحلت ديانتهم ونظمهم بسهولة، وما ساوى الإسلام مساواةً تامة بين جميع الذين اعتنقوه على اختلاف شعوبهم. هذه هي شريعة القرآن، ولم يرغب الغالبون عنها، ولم يؤلف الغالبون والمغلوبون في بدء الأمر سوى أمة واحدة ذات معتقداتٍ واحدة ومشاعر واحدة ومصالحَ واحدةٍ، وقد ساد الوِفاق جميعَ نواحي الدولة العربية ما ظل العرب أقوياءَ محترمين في كل مكان. بيد أن منافساتِ هذه الشعوب كانت خامدةً غيرَ هامدة، وقد بدت حينما عاد العرب إلى ما تعودوه من الشِّقاق والانقسام، وصارت بلاد الإسلام ميدان خصام دائم بين أحزابٍ لم تترك تنازعها حتى حين كان النصارى يحاصرون آخر مَعقِلٍ إسلاميٍّ في الأندلس. ونشأ عن وجود عروقٍ كثيرة في البلاد التي دانت للإسلام نتيجةٌ أخرى أشرنا إلى خطرها آنفًا، وهي اضطرار العرب إلى الامتزاج بجميع الأمم التي كانوا يعيشون بينها، وكان يمكن العرب أن يكتسبوا بعض الأهليات من اختلاطهم بالأمم التي لم

стр. 592

تكن دونهم كثيرًا، كنصارى إسبانية مثلاً، وهم إذا ما اختلطوا بعروقٍ متأخرة كبعض الشعوب الآسيوية والبربر لم يُصبهم غير الخسران، وكان التوالد في كلتا الحالين يؤدي حتمًا إلى تقويض الأخلاق التي يتألف من اجتماعها عرقهم، ولذا أصبحت البلاد التي كانت خاضعة لسلطانهم كإسبانية ومصر، لا تشتمل إلا على قليل من العرب بعد زوال سلطانهم السياسي عنها. وكان عامل توالد العروق الذي أشرنا إليه يكفي وحده لتقرير انحطاط العرب، ولو لم يكونوا عُرْضَةً للمغازي ومختلف العوامل الأخرى، وذلك كما هو ثابت من أمرهم في مراكش التي نراها اليوم شبه همجية مع عدم غزو الأجنبي لها ومع مزاحمتها برخائها لبلاد الأندلس فيما مضى، والتي نجد أن تفوق البربر فيها وتوالد سكانها والزنوج أدَّيا إلى خفض مستوى حضارتها خفضاً عظيماً. وقد زُعم أن المستقبل للمولَّدين، وقد يكون الأمر هكذا، ولكنني لا أتمناه للأمم التي ترغب في المحافظة على مستواها في العالم. (٣) مقام العرب في التاريخ: ظهر مما قلناه عن حضارة العرب وأسباب عظمتهم وانحطاطهم أنه كان للعرب خصالٌ عظيمةٌ ومساوئ كبيرة وقابلياتٌ ذهنية عالية، وإذا كان العرب دون الرومان مرتبةً في النظم السياسية والاجتماعية فهم أعلى منهم بسِعَة معارفهم العلمية والفنية، ويمكن القول، على العموم: إن للعرب مقاماً رفيعاً في التاريخ، ولْنُعيِّن هذا المقام بالضبط: يتطلب تعيينُ قيمة الفرد أو الأمة بالضبط حيازة مقياس مُدَرَّج، ولكن مثل هذا المقياس مفقود تمامًا، وإن عدم وجوده يجعل أحكامنا مبنيةً على مشاعرنا الشخصية أكثر مما تُبنى على عقلنا، وهذا يكفي لعَدِّهَا موضع شك. ولو ظَفِرنا بهذا المقياس النفسي، غير الموجود، لتقدير قيمة الرجال لوجب تجديده دائماً، فهو إن صلح لتقدير الأفضلية في زمنٍ لا يصلح لتقديرها في زمن آخر. وكانت أعلى درجة في الأفضلية التي يتخيَّلها اليوناني هو أن يكون الأولَ في الألعاب الألنبية، أي المصارعة أو العدو أو الملاكمة أو ما إليها من التمارين، فإذا ما فاز فيها كان مظهراً لأعظم تكريم، أي كان اسمه يُنقش على الرخام، وكان من حقوقه أن يدخل مسقط رأسه من ثغرة تفتح له في الجدار، وكان هذا التكريم سائغًا، لا ريب، في زمن

стр. 593

كان للقوة واللياقة الجسمانية شأن كبير فيه، ولكن مثل هذه الأفضلية لا يُقَدَّر اليوم في غير أسواق القرى، ولا يكاد يمنح صاحبه خبزه اليومي. ونحن، عند مرورنا من مجرى القرون، نرى تحول مقياس الأفضلية باستمرار، أي كانت الأفضلية قائمة على القوة الجسمانية والشجاعة في القرون الوسطى أيضاً، وكانت تقاس بالمعارف العلمية والفنية والأدبية في أدوارٍ أخُر، وبقوة الجدل بفصاحة حَول بعض الموضوعات في أدوارٍ غيرها، واليوم يميل الناس إلى قياس الأفضلية بما يُملك من النقود، وسيكون ملوك العصر الذي سندخله عما قليل أقدر الناس على حيازة الثروات، ونرى اتِّصاف بني إسرائيل بدرجةٍ من هذه القابلية لم يساوهم فيها أحدٌ، ونبصر من خلال الكُرْهِ العام الذي يُحاك حولهم في كلِّ مكانٍ ما يدل على اضطرار الناس إلى مقاتلتهم بعنفٍ للتخلص من سلطانهم الخطر. شكل ٢ - ٥: مقعد مصنوع في دمشق من الخشب المرصع بالصدف (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف) ومما يستوقف نظر الباحث ما يراه، عند درس الأحوال التي تُعَيِّن نجاح الأفراد أو الأمم في العالم، من ضعف شأن الذكاء وقوة أثر الإرادة والعِناد وغيره من الصفات الخلقية، ولا شك في المخرج عند افتراض رجلين أو شعبين: أحدهما؛ محدود الذكاء عظيم الشجاعة ماضي العزيمة كبير الصبر مستعد للتضحية بنفسه في سبيل مثلٍ عالٍ،

стр. 594

وثانيهما؛ رفيع الذكاء عاطل من القابليات التي ذكرتُها؛ فالفوز يكون حليف الأقلِّ ذكاءً منهما لا ريب، وإذا ما عُدَّ الذكاء عامل نجاحٍ فقط أمكننا أن نقول: إن ضَرَّه أكثر من نفعه عندما يكون فوق المستوى المتوسط، ويَظهرُ مصداق هذا القول، الذي يلوح أنه غريبٌ، عندما يتمثَّل المرء مصيرَ معركة يكون أحد الشعبين فيها مؤلفًا من أناس حائزين لجميع الأخلاق التي تكلمت عنها آنفًا ويكون الآخر مؤلفًا من الفلاسفة والمفكرين الذين لا يطمعون في عالمٍ أفضلَ من العالم الحاضر، والذين يقولون ببطلان كل مثلٍ عالٍ، ولا يُضَحُّون بأنفسهم في سبيل أيِّ خيالٍ كان، والذين يبتسمون من ضعف مبادئ محمد اللاهوتية، ومع ذلك فإن العالَم لم يعرف فلاسفة تشتمل مذاهبهم على جزء من السلطان المخيف للأوهام التي استطاع مؤسسو الديانات أن يبتدعونها، والمؤمنُ، عربيٍّا كان أو رمانيٍّا وللهَ عَبَدَ أو عظمةَ رومة، يتمُّ له النصر بفضل معتقداته بسهولة إذا ما ضحى بنفسه في سبيلها. ذلك ما حَدث دائمًا، ولا شيء يَحمِل على افتراض غيره، ومع أن الرومان كانوا سادةَ العالم لم يُبدوا تفوقًا ذهنيٍّا ظاهرًا في الفنون والعلوم، وكان الأغارقة أساتذة لهم في كل ما يَمتُّ إلى الفكر بصلة، ولم يَحُلْ هذا دون استعبادهم لهؤلاء الأغارقة. ونحن، إذا لم نبالِ بغير الفوز، أمكننا أن نبحث عن مقياس التفوق والأفضلية في الصفات الخُلُقيَّة المذكورة آنفًا، ولكن مقياسًا كهذا خادعٌ أيضًا؛ لعدم قيمته فيما عدا ذلك الهدف الخاص، أي فيما عدا الفوز العتيد. والحق يقضي بألا ننظر إلى المسألة إلا من جهة الحضارة العامة، أي من الناحية الإنسانية؛ لنرى أنه يجب أن يُبْحَث عن الأفضلية في المستوى الذهني، لا في تلك الصفات الخُلقية، أجل، ما كان نيوتن، أو لِيبِنتْز، ليفوز في الألعاب الأوليمبية أو ليقاوم جنديٍّا رومانيٍّا ثانيةً واحدة، ولكن أمثاله من شِباه آلهة الفكر أوجبوا في العالم تحولاتٍ كثيرةً بما لاكتشافاتهم من النتائج القريبة والبعيدة أكثرَ مما أوجبته جميع القبائل الآسيوية التي أقامت دولًا كبيرة، والمستقبلُ حينما يحكم في أمر الماضي بمثل هذه الحرية الفكرية التي لا عهد لنا بها اليوم سيقول، لا ريب، أن اختراع الطباعة والآلة البخارية والخطوط الحديدية والتلغراف الكهربي ... وما إليه من الاختراعات الكثيرة أحدث في طرق معايش الناس من التطورات ما لا قيمة بجانبه لما أحدثته أشهر الثورات. ولنهمل، إذن، ضروب الفوز المادي التي تعدُّها الجماهير (والتاريخ في الغالب) مقاييس حقيقيةً لتقدير قيمة الأفراد والأمم، ولنُعلن أن قيمة الأمة العقلية، ومن ثم

стр. 595

درجتها في سلم الحضارة، تُقاس بعدد من يظهر بينها من ذوي المدارك السامية، وإنما يضاف الفوز إلى التفوق العقليِّ عندما يوجد بجانب أعاظم رجالها القليلين جمعٌ كافٍ من ذوي الذكاء العادي والثقافة المتوسطة والصفات الخلقية العالية التي ذكرناها. ونستطيع، بعد هذا الإيضاح التمهيدي، أن نُعَيِّنَ، بما فيه الكفاية، مكانَ العرب في التاريخ، فنقول: إنه ظهر من العرب رجالٌ من الطراز العالي كما تشهد بذلك اكتشافاتهم، ولكنني لا أظن أنهم أخرجوا رجالاً عظماء كأولئك العباقرة الذين ذكرتهم، والعربُ كانوا دون الأغارقة في كثير من المسائل، مساوين للرومان في الذكاء لا ريب، غيرَ حائزين، إلا لوقت قصير، ما كان سببًا في دوام فوز رومة زمناً طويلاً من الصفات الخلقية. وإذا قابلنا بين العرب والأمم الأوربية، بدلًا من مقارنتهم بالأمم التي غابت عن مسرح العالم، أمكننا أن نقول: إنهم أرقى من جميع أمم الغرب التي عاشت قبل عصر النهضة أخلاقًا وثقافةً، فلم تَعرِف جامعات القرون الوسطى، في قرون كثيرة، مصدرًا غير مؤلفاتهم ومناهجهم، وكانت أخلاقهم أفضلَ من أخلاق أجدادنا بمراحل. وكان العرب قد تواروا عن التاريخ حَوَالَيْ عصر النهضة، ولا نقدر أن نقول شيئًا عما يمكن أن يصلوا إليه لو لم يتوارَوا، ولكننا لا نعتقد، مع ذلك، أنهم كانوا يبلغون مستوًى أفضل مما بلغوا؛ لما كان يسفر نقص نُظُمهم عنه من الموانع. ولا تمكن المقابلة بين مختلف الأدوار، كالدور الذي غاب فيه العرب والدور الحاضر كما هو واضح، ولكننا إذا حُمِلنا على المقابلة بين هذين الدورين قلنا: إن أكابر العرب السابقين دون أكابر الزمن الحاضر، وإن عرب الطبقات الوسطى السابقة مساوون لأبناء طبقاتنا الوسطى المتمدنة الحاضرة على الأقلِّ، وأرقى منها في الغالب. وما قلناه عن طبقات العرب الوسطى السابقة نقول مثلَه عن أكثر الشرقيين في الوقت الحاضر، أي إن طبقات العرب والصينيين والهندوس الوسطى الحاضرة ليست دون أَخَواتها في أوربة، وإننا نرى بين هؤلاء زُرَّاعًا وعمالاً ماهرين مهارة زراعنا وعمالنا على الأقل، وإن في مزاحمة الصينيين الساحقة للعمال الأنغلو سكسون في أمريكا وأوسترالية، وما نَجَم عنها من اتباع سياسة طردهم منهما تقريباً، دليلاً قاطعاً على ذلك. والشرقيون المساوون لنا مهارةً، وهم الذين لم يَحُطَّ الاختصاص ذكاءهم يفوقوننا بقناعتهم وقلة احتياجاتهم وطبائعهم الموروثة، وهم لا يفتقرون إلا إلى أمر أساسي، أي

стр. 596

إلى طبقةٍ عاليةٍ كافيةٍ وبعض العظماء؛ ليكونوا هم والأمم الأوربية المتمدنة على قدم المساواة، ومن حظنا الحَسن أن كانوا عاطلين من مثل هؤلاء، وإلا لاستطاعوا بالإضافة إلى طبقاتهم الوسطى، أن يقوموا مقامنا، وأن يقبضوا على زمام الحضارة، ولذا فإنه إذا قُيِّض للاشتراكيين في الوقت الحاضر أن يحقِّقوا أحلامهم في إقامة مجتمع من ذوي الذكاء المتوسط، وفي القضاء التدريجي على الأفضليات؛ فإن سيادة العالم تنتقل من فورها إلى أبناء الشرق الأقصى. (٤) حال الإسلام الحاضرة: ثقلت قرونٌ على أعفار العرب، ودخلت حضارتهم في ذِمَّة التاريخ منذ زمن طويل، ولا نقول، مع ذلك، إنهم ماتوا تمامًا، فنرى الآن ديانتهم ولغتهم اللتين أدخلوهما إلى العالم أكثرَ انتشاراً مما كانتا عليه في أنضر أدوارهم، والعربيةُ هي اللغةُ العامَّة من مراكش إلى الهند، ولا يزال الإسلام جادٍّا في تقدمه. ويُقدِّر علماء الجغرافية عدد المسلمين في العالم بـ ١١٠ ملايين، ولكن هذا الرقم، الذي وُضع حين كنا نجهل انتشار الإسلام في الصين وإفريقية الوسطى، أقلُّ من

стр. 597

الحقيقة، واليوم يدرَّس القرآن، فيما عدا جزيرة العرب، في مصر وسورية وتركية وآسية الصغرى وفارس وقسمٍ مهم من روسية وإفريقية والصين والهند، وتناول القرآن مدغشقر وإفريقية الجنوبية، وعُرِف في جزر الملايو، وعلمه أهل جاوة وسومطرة، وتقدم إلى غينيا الجديدة، ودخل أمريكا مع زنوج إفريقية. والسهولة العجيبة التي ينتشر بها القرآن في العالم شاملةٌ للنظر تماماً، فالمسلم أينما مر ترك خلفه دينَه، وبلغ عدد أشياع النبي ملايين كثيرةً في البلاد التي دخلها العرب بقصد التجارة، لا فاتحين، كبعض أجزاء الصين وإفريقية الوسطى وروسية، وتم اعتناق هذه الملايين للإسلام طَوعاً، لا كَرْهًا، ولم يُسمع أن الضرورة قضت بإرسال جيوشٍ مع هؤلاء التجار المبشرين العرب لمساعدتهم، ويتسع نطاق الإسلام بعد أن يقيمه هؤلاء في أي مكان كان، ولم تُستأصل شأفة الإسلام بعد أن رسخ في روسية منذ عدة قرون، واليوم يَقطن خمسون مليون مسلم ببلاد الهند، ولم يُوفق مبشرو البروتستان لأي تنصير في الهند مع مظاهرة حكومتها لهم، ولا نعلم بالضبط عدد المسلمين في إفريقية، ولكن الرواد المعاصرين كلما أوغلوا فيها وَجدوا قبائل تُبَشِّر بالإسلام، والآن يُمدِّن الإسلامُ أقوام إفريقية، حيث يكونون، مُظهرًا عملَه الطيب في كل مكان. ولقد أصاب مسيو ج. دوفال حيث قال: «من فضل الإسلام زوال الأصنام والأنصاب من الدنيا، وتحريم القرابين البشرية، وأكل لحوم الإنسان، وحفظ حقوق المرأة، وتقييد مبدأ تعدد الزوجات وتنظيمه مع عدم الوصول إلى الحق المطلق، وتوطيد أواصر الأسرة وجعل الرقيق عضوًا فيها، وفتح أبواب كثيرة سهلة لتحريره، وتهذيب الطبائع العامة ورفع مستواها بالصلاة والزكاة، وإيواء الغرباء، وتثقيف المشاعر بالعدل والإحسان، وتعليم أولياء الأمور أن عليهم من الواجبات ما على الرعية، وإقامة المجتمع على أسسٍ منظمة، وإذا حدث أن وُجِد جَورٌ في الغالب، كما في أي مكان آخر، وجد في العدل الإلهي ما يخفف وطأته، وذلك أن في رجاء الحياة الآخرة، حيث السعادة وحسن الثواب، سندًا لضحايا الدهر أو الظلم، وتلك هي بعض المحاسن التي تدل في كل مكان على انتشار الإسلام بين المجتمعات غير المتمدنة.» ويتقدم الإسلام في الصين تقدماً يقضي بالعجب، ويكتب للإسلام أسطعُ فوز في الصين حيث اضطر المبشرون الأوربيون إلى الاعتراف بالحبوط، وقد رأينا أن عدد أتباع محمد في الصين عشرون مليوناً، وأن في مدينة بكين وحدها مائة ألف مسلم.

стр. 598

قال الأستاذ وازيلياف: «دخل الإسلام مملكة ابن السماء كما دخلتها البدهية (البوذية)، وسيقوم الإسلام، ومسلمو الصين لا يشكون في ذلك، مقام ديانة شاكيه مونى، وسيقوم الإسلام، ومسلمو الصين لا يَشُكُّون في ذلك، مقام ديانة شاكيه مونى، وهذه المسألة على جانب عظيم من الأهمية، فإذا وقع مثلُ هذا الحادث واعتنقت الصين، التي تضم ثلث البشر على الأقل، دين الإسلام تغيَّرت علاقات العالم القديم السياسية تَغَيُّراً عظيماً، وأمكن دين محمد، الذي يمتد، إذ ذاك، من جبل طارق إلى المحيط الهادي، أن يهدد النصرانية من جديد.» لقد تم الكتاب، ولنلخصه في بضع كلمات فنقول: إن الأمم التي فاقت العرب تمدنًا قليلة إلى الغاية، وإننا لا نذكر أمةً، كالعرب، حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل ما حققوا، وإن العرب أقاموا دينًا من أقوى الأديان التي سادت العالم، أقاموا ديناً لا يزال تأثيره أشد حيويةً مما لأي دين آخر، وإنهم أنشأوا، من الناحية السياسية، دولةً من أعظم الدول التي عرفها التاريخ، وإنهم مدنوا أوربة ثقافة وأخلاقًا، فالعروق التي سَمَتْ سموَّ العرب وهبطت هبوطهم نادرةٌ، ولم يظهر، كالعرب، عرقٌ يصلح أن يكون مثالاً بارزاً لتأثير العوامل التي تُهيمن على قيام الدول وعظمتها وانحطاطها.