Полный текст (598 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
شكل ٨ - ١٢: مسجد شاه خدا وضريحه في سلطانية (القرن السادس عشر، من تصوير تكسيه).
ولا يلاحَظ في أقسام القصر الأشبيلي الأولى مثلُ ما في قصر الحمراء من فَيْض الزخارف ومن القباب ذات النقوش المتدلية، ومع ذلك فكلا القصرين متقارب، ولا يختلفان في غير الدقائق، ويكثر في القصر الأشبيلي ما نَدَر وجوده في قصر الحمراء من الأقواس المجاورة (المصنوعة على شكل نعل الفرس) والأقواس المصنوعة على رسم البيكارين، وتجد في القصر الأشبيلي من السقوف ذات التقاطيع الملونة المذهبة المحفورة ما يشابه سقوف قصور القاهرة ودمشق القديمة.
وبلغ خِصْب الفن العربي الأندلسي غايته في قصر الحمراء الذي أنشئ في القرن الثالث عشر من الميلاد، وعلى ما فيه من غُلُوٍّ في الزُّخرف نرى هذا الغلو وليد ذوقٍ رفيع لا يتجلى في آثار دورٍ مُنحط.
ومع أن جُدُر قصر الحمراء مصنوعةٌ من مزيج من الكلس والرمل والصلصال والحصباء، لا من الحجارة المنحوتة، ومع أن زخارفه من الجِصِّ المضروب في القوالب،
стр. 527
تجده متيناً إلى الغاية، فقد قاوم تقلبات الجو مدَّةَ خمسة قرون من غير أن يحتاج إلى ترميمٍ ذي بال.
وأهم ما يختصُّ به قصر الحمراء ويتميز به من القصر الأشبيلي على ما أرى، هو ما يأتي: جُدُرُه المغطاةُ بقطعٍ ملوَّنة مصنوعة في القوالب، وعَمَده الخفيفة الأفقية الخطوط الحاملة تيجاناً منقوشة على شكل الأغصان المتشابكة، ونوافذه المؤلفة من الأقواس ذات الحنائر والمنقوشات على شكل الأزهار والمحاطة بأطر قائمة الزوايا، وسقوفه المغطاة بالمتدليات.
ولا يجد الإنسان في مصر قصوراً عربيةً معاصرة لقصر الحمراء، ولكننا إذا حكمنا بأن زخارف قصور مصرَ كانت مشابهة لزخارف مساجدها رَجَح عندنا وجود فروقٍ مهمة بين قصور ذينك القطرين، أجل، إن هنالك تقارباً بين الفنِّ العربي في مصر وبينه في الأندلس، ولكنهما لم يُبديِا سوى تشابهٍ بعيدٍ في جميع وجوههما.
وكان تأثير فنِّ عِمارة العرب في فن عمارة النصارى الذين حلُّوا محلهم في إسبانية عظيماً إلى الغاية، وكان النصارى يستخدمون العرب -قبل إجلائهم- في إقامة مبانيهم أو إصلاحها، فنشأ عن تمازج الفنين ظهورُ الفن المُدَجَّن الجديد كما ذكرنا ذلك في فصل آخر، وسنأتي بأمثلةٍ كثيرة على ذلك في الفصل الذي خصَّصناه لدرس تأثير العرب في أوربة.
ويُرَى طِرازٌ خاص قريب من الطراز العربي يمكن تسميته بالطراز العربي الإسرائيلي، وذلك خلا الطِّراز الذي ذكرته، وذلك في معابد اليهود القديمة التي أقُيمت في إسبانية، ولا يختلف هذا الطرازُ عن الطِّراز العربيِّ إلا باستخدام الحروف العبرية في زينته وبالأغصان والأوراق العريضة في زخارفه، ونَعُدُّ كَنِيسَ الترانسيتو وكنيس سَنتا مارية لابلانكا في طليطلة أمثلة بارزة على هذا الطِّراز الذي لا يخلو من مؤثِّرات الدور البيزنطي.
(٣ - ٦) مباني بلاد الهند:
مباني المسلمين في الهند دليلٌ واضح على التطورات التي يمكن أن تتَّفِق لفن عمارة أمة بتأثير العروق التي تتصل بها.
стр. 528
شكل ٨ - ١٣: ضريح تيمورلنك في سمرقند (من صورة فوتوغرافية، من مجموعة الجنرال كوفمان).
وقد رأينا أن العرب حينما وصلوا إلى الهند وجدوا أنفسهم أمام حضارة قويمة قديمة، وأنهم أثروا فيها بديانتهم ولغتهم وفنونهم تأثيراً لا يزال باقياً حتى الآن، وذلك مع ضعف تأثيرهم السياسي فيها دائمًا.
وظهر من وصفنا للمباني الإسلامية في الهند درجةُ ما كُتِب عليها بوضوح من تاريخ تأثير إحدى الأمم، فقد كانت المؤثرات العربية والهندسية مجتمعةً اجتماعًا وثيقًا في المباني الأولى كباب علاء الدين مع ضعف أثر الفن الفارسي فيها، ثم اجتمع الفنُّ الفارسيُّ والفن الهندوسي بنِسَبٍ متقلبة فيها، وصار الفنُّ العربيُّ لا يبدو إلا في الأقسام الثانوية كاتخاذ الكتابات والمتدليات وسائلَ للزينة، وكاتخاذ أشكال بعض الأقواس.
ويعد مزار أكبر وتاج محل وقصر المغول ... إلخ، من الأمثلة لاجتماع هذه المؤثِّرات التي نشأ عن تنضُّدها بالحقيقة، طرازٌ خاصٌّ يمكن تسميته بالطراز المغولي في الهند، أو الطراز الهندوسي الفارسي العربي.
стр. 529
ويتجلى هذا الطراز - على الخصوص- في مآذن الهند المخروطة الشكل كمآذن بلاد الفرس.
وتختلف مآذن الهند عن مآذن بلاد الفرس بتخاريمها وبطبقاتها غير المطلية بالميناء، وتختلف عن مآذن الأندلس وإفريقية والقاهرة بالزخارف الخارجية والأشكال العامة، فيبدو ذلك أول وهلة.
(٣ - ٧) مباني بلاد فارس:
يصل إلينا من المباني الفارسية التي أقيمت أيام الدولة الساسانية المعاصرة للفتح العربي، ولأكثر المباني التي شِيدَت في الصدر الأول من الخلافة، سوى بقايا ناقصة، فكان هذا سبباً في صعوبة تمثلنا تاريخ فن العمارة الفارسي ومَدَى تأثيره في فن العمارة العربي على الخصوص، ثم مدى تأثير فن العمارة العربي في فن العمارة الفارسي فيما بعد.
وأقيم أكثر مباني الفرس المهمة في القرن السادس عشر من الميلاد، أي في عهد الشاه عباس، فإذا قوبلت هذه المباني ببقايا العمارات السابقة ظَهَر أنها مقتبسة منها، وهي قائمةٌ على طراز يختلف عن طراز العرب الفني، ولا تشارك طراز العرب في غير الزخارف.
قال باتيسيه في كتاب «تاريخ فن العمارة» وذلك في معرض الكلام عن مساجد فارس: «يظهر أن مساجد بلاد الفرس لا تختلف عن مساجد بلا سورية» وتراني أجهل الأسس التي بنى عليها زعمه هذا ما فقد الشبه بين هذه المباني، والواقع أن المقابلة بين مساجد سوريا القديمة (أي بين مساجد دمشق والقدس وحبرون) ومساجد أصبهان أمرٌ متعذر، ولا نجادل في وجود طابعٍ خاصٍّ للفن الفارسي مع ما بين الفن الفارسي والفن العربي من صلة القرابة الواضحة التي مصدرها ما في الفن الفارسي من تأثرٍ بالفن العربي بعد أن كان مؤثِّرًا فيه.
ولمساجد الفرس صفات خاصة كثيرة يتجلى أهمُّها في شكل مآذنها وأقواسها وقبابها وزينتها الخارجية.
ويذكرنا شكل مآذن الفرس، حتى القديم منها، بمداخن مصانعنا، وهي مخروطة الشكل قليلة الارتفاع مكسوة بالميناء ذاتُ رواقٍ واحد في أعلاها، وهي تختلف اختلافاً جوهرياً عن مآذن سورية وإفريقية والأندلس المربعة، وهي تختلف أكثر من ذلك عن
стр. 530
شكل ٨ - ١٤: رسم مجدد لمسجد السنية في تبريز (فارس، من تصوير تكسيه).
مآذن مصر ذات الأروقة الكثيرة التي يتغيَّر مقطعها على حسب الطبقات، والمزينة بأنواع النقوش البارزة.
وللمساجد الفارسية طابع خاصٌّ أيضاً؛ فيُرى لكل مسجد من المساجد القديمة الفارسية المتداعية، كمسجد همذان مثلاً، بابٌ عظيم يبلغ ارتفاعه علوَّ المقدَّم، وينتهي بقوس طريفة مُفَرْطَحَة مصنوعة على رسم البيكارين من طراز خاصٍ مما لا ترى مثلَه في أي مسجد عربي كان.
ونرى لزخارف المساجد الفارسية من الخارج شكلاً خاصاً أيضاً، أي أنها مكسوةٌ بالميناء ذي الرسوم المنوعة، ولا سيما رسمُ الأزهار، مما امتاز به فن الزخرفة الفارسي، وإذا حدث أن رُئي مثلها في بعض المباني العربية، كجامع عمر، أمكن القطع بأنها من صنع عمال من الفرس.
وبُنيت قباب المساجد الفارسية الحاضرة بَصَلِيَّة الشكل، وهذه القباب، وإن بدت مبتكرةً، لم تنشأ عن غير فرطحة القبة التي يشبه مقطعها نعل الفرس أو عن تضييق قاعدة القبة المشابهة لقباب المساجد العربية في القاهرة، وبالغ الفرس في فرطحة القبة ذات المقطع الذي هو على رسم البيكارين فانتهوا إلى القباب التي تشاهد أيضاً في مساجد بغداد الحديثة، والتي رأيت مثلها في الكنائس الروسية، ولا سيما كنائس
стр. 531
موسكو، حقاً عُدت القباب الروسية قائمةً على الطراز البيزنطي، ولكن الإنصاف يقضي بعدِّها مبنيةً على الطراز الفارسي البيزنطي وحقاً عَجَز الروس، كما عجز الترك، عن إبداع طراز خاص، ولكنهم علموا جيدًا كيف يُوفقون بين احتياجاتهم وبين عناصر فنون البناء التي اقتبسوها من الأمم التي اتصلوا بها، وذلك بخلطهم هذه العناصر.
شكل ٨ - ١٥: مسجد في أصبهان (من تصوير كوست)
ولم يكن في بقايا أقدم المساجد الفارسية قبابٌ بصلية الشكل، وأكثر قباب سمرقند ومشهد وسلطانية ووَرَامين وأريفان ... إلخ. التي أنُشئت على طراز آثارٍ أقدمَ منها لا ريب، بيزنطيُّ الطراز أو من القباب التي ضُيِّقَت قواعدها قليلاً.
وأكثرَ الفرسُ من استعمال المتدليات والخطوط العربية في مساجدهم، وهذه هي أهم العناصر أخذوها عن العرب.
والقارئ الذي يَدرُس الصور التي نشرناها في هذا الكتاب، إتمامًا لِمَا علمه مما تقدم، يشاطرنا رأينا في اختلاف فن العمارة العربي باختلاف البلدان، وفي أن من
стр. 532
المتعذر جمع متباين المباني تحت وصفٍ واحد، كما أنه يتعذر جمع المباني الرومانية والقوطية ومباني عصر النهضة التي أقُيمَت في فرنسة تحت اسم الطراز الفرنسي.
ولا تجد غير شَبَه بعيد بين الطراز البيزنطي العربي الذي تجلَّى في الأندلس في جامع قرطبة، والطراز العربي البيزنطي الذي تجلى في مصر في جامع عمرو بن العاص وجامع ابن طولون، كما أنك لا تجد غير شبهٍ بعيد بين الطراز العربي الذي تجلى في قصر الحمراء والطراز العربي الذي تجلى في جامع قايتباي، ولذا يجب أن نُقسم الطراز العربي تقسيماً أساسياً، وأن نستند في هذا التقسيم إلى اختلافه باختلاف البلدان على حسب الطريقة التي سِرنا عليها في مباحثنا في العروق، ولذا يمكننا أن نأتي بالتقسيم الآتي الذي يلائم معارفنا الحاضرة:
(أ) الطراز العربي قبل ظهور محمد:
لا يزال هذا الطراز مجهولاً، خلا ما يُستَشف من بقايا مباني اليمن القديمة، ومن بقايا المباني التي أقيمت في المملكة العربية السورية القديمة كمملكة الغساسنة مثلًا.
(ب) الطراز البيزنطي العربي:
الطراز البيزنطي العربي في سورية: أقيمت بنايات هذا الطراز، أو جُدد بناؤها، فيما بين القرن السابع والقرن الحادي عشر من الميلاد، ومنها: جامعُ عمر والمسجد الأقصى في القدس، والجامع الكبير في دمشق.
الطراز البيزنطي العربي في مصر: أقيمت بنايات هذا الطراز فيما بين القرن السابع والقرن العاشر من الميلاد، ومنها: جامع عمرو بن العاص، وجامع ابن طولون.
الطراز البيزنطي العربي في إفريقية: بني جامع القيروان الكبير ومساجد الجزائر على حسب النماذج القديمة، وبَقِي تأثير الفن البيزنطي ثابتاً في إفريقية، وظلت قباب إفريقية بيزنطية، على العموم، حتى الزمن الحاضر.
الطراز البيزنطي العربي في صقلية: كانت البنايات، التي أقامها العرب في صقلية قبل الفتح الروماني، على هذا الطراز، كقصر العزيزة وقصر القبة.
الطراز البيزنطي العربي في الأندلس: بُني على هذا الطراز جامع قرطبة والمباني العربية في طليطلة، وذلك قبل انقضاء القرن العاشر من الميلاد.
стр. 533
شكل ٨ - ١٦: قصر راجا غوفر دهام (الهند، من صورة فوتوغرافية)
(ج) الطراز العربي الخالص:
الطراز العربي في مصر: تكامَل هذا الطراز فيما بين القرن العاشر والقرن الخامس عشر من الميلاد، وبلغ ذروة كماله في جامع قايتباي، ويمكن القارئ أن يتبيَّنَ تطوراته من النظر إلى سلسلة صور المساجد التي أحصيناها ونشرناها في هذا الكتاب.
الطراز العربي في الأندلس: تحول فنُّ العمارة العربيُّ في الأندلس بين قرن وقرن أيضًا، ولكن الوثائق الضرورية لوَصْل أدواره المتوسطة فُقِدَت أيضًا، ولم يبقَ من البنايات التي أقُيمت على هذا الطراز غيرُ ما هو قائمٌ في أشبيلية وغرناطة، ومع ذلك فإن هذا يُعد نموذجياً.
(د) الطراز العربي المختلط:
الطراز الإسباني العربي: يُشاهَد اختلاط عناصر فن العمارة النصراني بعناصر فن العمارة العربي في المباني التي أقُيمت بعد فتح النصارى لبلاد الأندلس على الخصوص، وواظب سكان القسم الجنوبي من إسبانية على إقامة بعض بناياتهم
стр. 534
عن عمارة العرب
على هذا الطراز المختلط حتى الوقت الحاضر، ويعد كثيرٌ من آثار طليطلة أمثلة على هذا الطراز المختلط الذي نشرنا كثيرًا من صوره في هذا الكتاب.
الطراز الإسرائيلي العربي: نذكر من هذا الطراز ما أقيم من المباني التي كانت معابدَ لليهود في طليطلة كسنتا مارية لابلانكا والترنسيتو ... إلخ.
الطراز الفارسي العربي: إن المباني التي أقيمت في بلاد فارس بعد أن اعتنقت الإسلام، ولا سيما مساجد أصبهان، هي من هذا الطراز، ولهذه المباني طابعٌ فارسي واضح وإن كانت ذات أثر عربي.
الطراز الهندوسي العربي: مباني هذا الطراز خليطٌ من عناصر الفن العربي وعناصر الفن الهندوسي، ومن هذه المباني منارة قطب ومعبد بِنْدِرَابن، ولا سيما باب علاء الدين الرائع.
الطراز الهندوسي الفارسي العربي، أو الطراز المغولي في الهند: شِيدت المباني التي أقيمت أيام سلطان المغول في الهند على هذا الطراز، ومنها تاج محل وقصر ملوك المغول وكثيرٌ من مساجد الهند، وحلت المؤثرات الفارسية في مباني هذا الطراز محل المؤثرات العربية التي كانت سائدة إلى حد كبير، ونرى مباني هذا الطراز خاليةً من الإبداع الحقيقي وإن دلت على فن خاص تنضَّدت فيه عناصرُ الفنون الأجنبية التي تتألف منها أكثر من أن تتمازج.
شكل ٨ - ١٧: سوار من ذهب يرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وهو على الطراز الإسباني العربي (من صورة فوتوغرافية، متحف العاديات بمدريد).
стр. 535
الفصل التاسع
تجارة العرب: صلاتهم بمختلف الأمم
(١) صلات العرب بالهند:
لم يكن نشاطُ العرب التجاري أقلَّ من نشاطهم في العلوم والفنون والصناعة، فقد كان للعرب، في الوقت الذي كانت أوربة فيه تشكُّ في وجود بلاد الشرق الأقصى ولا تَعْرِف من إفريقية سوى بعض شواطئها، علائقُ تجاريةٌ بالهند والصين وإفريقية الداخلية وبأقسام أوربة النائية كروسية وإسوج ودانيمركة.
ولم يكن نبأ رِيَادهم الذي وصل إلينا حتى الآن غيرَ ناقص، حتى إن العلامة سيديو الذي يُعَد حُجة فيما يتعلق بالعرب لم يذكر حتى علاقاتهم بشمال أوربة، فأرجو أن يكون فيما أقول في هذا الفصل، مع إيجازه، كافيًا لإثباتنا أن العرب لم يُساوِهم في النشاط التجاري غيرُ أمم الزمن الحاضر.
وترجع صلات العرب الأولى ببلاد الهند إلى أقدم عصور التاريخ، ولكن الذي يظهر أن الهنود، لا العرب، هم الذين كانوا يأتون بمحاصيلهم إلى سواحل البلاد العربية قبل محمد، وأن السفن العربية لم تذهب من مرافئ اليمن إلى بلاد الهند إلا قُبيل ظهور النبي.
ولسرعان ما اتسع أفق صلات العرب التجارية بعد أن أصبح سلطانهم ثابت الأساس، فلم يلبث العرب أن وصلوا إلى شواطئ كُورُمِيندِل ومَلَبار وسومطرة وجزائر الأرخبيل الكبرى، وقطعوا خليج سيام، وبلغوا جنوب بلاد الصين.
وكان العرب يتصلون ببلاد الهند بثلاث طرق أساسية، إحداها برية واثنتان منها بحريتان، وكانت الطريق البرية تصل أهم مراكز الشرق، كسمرقند ودمشق وبغداد ... إلخ، بالهند بواسطة القوافل مارَّةً ببلاد فارس وكشمير، وكان التجار الذين يُفضِّلون الطريق البحرية يأتون من بلاد الهند إلى موانئ الخليج الفارسي كميناء سيراف، أو
стр. 536
كانوا يدورون حول بلاد العرب ويَبْلغون موانئ البحر الأحمر، ولا سيما عدن، وكانت السلع التي تصل إلى الخليج الفارسي تُرسَل إلى بغداد، وترسل من بغداد إلى جميع المدن المجاورة بواسطة القوافل، وكانت السلع التي تُنزَّل في عدن ترسَل منها إلى السويس فإلى الإسكندرية وإلى جميع مدن سورية الساحلية، وكان تجار جنوة وفلورنسة وبيزة وكَتَلُونة ... إلخ. يجيئون ليبحثوا عن هذه السلع ويُرسِلوها إلى أوربة، وكانت مصر خط وصل بين الشرق والغرب، وكانت هذه التجارة العظيمة من موارد غِنى الخلفاء المهمة كما بَيَّنا ذلك.
وكانت السلع التي تُنقَل على تلك الطرق المختلفة كثيرةً، وكانت تُبادل، في عدن مثلاً، منتجاتُ الصين والهند بمنتجات بلاد الحبشة ومصر، وإن شئت فقل كان يبَادَل فيها أرقَّاء بلاد النوبة والعاج والتبر بمنسوجات الصين الحريرية وخَزَفها المطلي وبمنسوجات كشمير، ولا سيما بالأبايرز والعطور والخشب الثمين.
(٢) صلات العرب بالصين:
ترجع صلات العرب غيرُ المباشرة بالصين، بواسطة الهنود، إلى ما هو أقدم من ظهور محمد بزمن طويل، ولكن صلاتهم المباشرة بها لم تحدث إلا بعد أن أقاموا دولتهم.
وكان العرب يتَّصلون بالصين بطُرقٍ برية وطرق بحرية كاتصالهم ببلاد الهند، وكانوا يذهبون إلى الصين بحرًا من شواطئ بلاد العرب أو من موانئ الخليج الفارسي، فيصلون على جنوبها تواً.
وكان العرب يقومون برحلاتٍ متواصلة إلى بلاد الصين، ومن أقدمها الرحلة التي تكلمنا عنها في فصل آخر حيث ذكرنا أن التاجر سليمان هو الذي قام بها في سنة ٨٥٠ م، ومما يثبت كثرة صلات العرب بأهل الصين: ما كان من تبادل الوفود بين الخلفاء السابقين وملوك الصين، فضلًا عما هو مسطور في سجلات بيت مال الخلفاء من بيان للسلع الصينية.
ومع ذلك يبدو أن طريق البحر لبلاد الصين كانت غيرَ مسلوكةٍ كما يجب، وكان سلوك طريق البر بواسطة القوافل أعظم يسرًا أو أكثر استعمالاً، وكانت السلع التي يؤتى بها من الصين إلى مدينة سمرقند التركية تُرسل رأساً إلى مدينة حلب في آسية الصغرى؛ فتُوزَّع منها على أهمِّ مدن الشرق.
стр. 537
وفي كتاب الرحلة، الذي وُضِع باللغة الفارسية في أواخر القرن الخامس عشر من الميلاد فنشر مسيو شيفر بعضَ فصوله، أن تاجراً مسلماً أَطْلَعَ على الطُّرق البرية التي كانت تسلك إلى الصين، وكانت هذه الطرق ثلاثاً: «طريق كشمير، وطريق خوتن وطريق مغولية.»
ويشتمل كتابُ الرِّحلة هذا على طرائف عن نوع السلع التي كانت تُبادَل بسلع الصين، ومن هذه السلع الأسُودُ التي كان الواحد منها يبادل بثلاثين ألف قطعة من النسائج.
وكان التجار يرسلون إلى بلاد الصين ثمينَ الحجارة والمَرجان والخيل والمنسوجات الصوفية وأجواخ البندقية القرمزية ... إلخ، ويأخذون النسائج الحريرية والديباج والقاشانيَّ والشايَ ومختلف المستحضرات الصيدلية في مقابلها.
شكل ٩ - ١: صندوق صغير مصنوع من العاج المحفور في القرن العاشر من الميلاد على الطراز الهندوسي العربي (متحف كنسنغتن، من صورة فوتوغرافية)
ويمكننا، عند فُقْدان الأنباء عن صلات المسلمين بالصين وجهل علاقات الخلفاء بملوكها، أن نستدلَّ على سعة صلات المسلمين التجارية بأهل الصين من وجود عشرين
стр. 538
مليون مسلمٍ منتشرين في أجزاء مملكة ابن السماء، ومن وجود مائة ألف مسلمٍ وأحد عشر مسجدًا في مدينة بكين وحدها.
(٣) صلات العرب بإفريقية:
كانت صِلات العرب بإفريقية على جانب عظيم من الأهمية أيضاً، وكان العرب يعرفون جيدًا أصقاع إفريقية الوسطى التي يَصِل إليها رُوَّادنا في الوقت الحاضر بِشِقِّ الأنفس، فيُعدُّ كل ارتياد لما حادثاً مهماً في أوربة.
ويدلُّ إسلام أمم تلك الأصقاع التي يزورها تجار العرب على مقدرة العرب في حمل الأمم على الترحيب بهم، ويجد السياح أثرًا لتأثير العرب في أكثر البقاع التي يدخلونها في الوقت الحاضر، وعندي أنه يَجْدُر بالسياح المعاصرين الذين يرغبون في درس شؤون إفريقية درساً مفصلاً من غير أن يُرهِقوا ميزانية دولتهم، وفي الاغتناء عند الاقتضاء، أن يحذوا حَذْوَ العرب في ارتيادهم، أي في تنظيمهم للقوافل التجارية؛ فالنجاح أضمن -على العموم- في حمل أية أمة على قبول فريق من الناس قبولاً حسناً عن طريق المقايضة التجارية من اجتياز هذا الفريق لأرَضيها بغير هدفٍ ظاهر، ومبادرتها العدوان برصاص البنادق عند سوء الظن.
وكان لعرب المغرب صلاتٌ تجارية بأقسام إفريقية الغربية على الخصوص، وكان لعرب مصر صلات بأصقاع إفريقية الشرقية والوسطى، وكان عربُ مصرَ يذهبون إلى بلاد السودان بعد أن يقطعوا الصحراء طلباً للذهب والعاج والأرِقَّاء، وبلغ العرب -في ارتيادهم إفريقية- بقاعًا مهمة، ومنها مدنٌ لم يُوفَّق الأوربيون المعاصرون لزيارتها، كمدينة تَنْبَكْتُو، وكان العربُ يصلون إلى السواحل وإلى المناطق الوسطى أيضًا.
قال مسيو سيديو: «يصلُ العرب من شواطئ إفريقية إلى مضيق باب المندب ثم إلى الزنجبار فإلى بلاد الكاب، ويُؤسِّسون برافا ومنباسة وكيلوة حيث يعتزل أخٌ لأمير شيراز، وموازنبيق وصوفالا وميلندة ومغادوكسو، ويستولون على الجُزُر القريبة من الشواطئ، وعلى مراكز كثيرةٍ في مدغشقر ... ولم يكن أقل من هذا تأثير القرآن في إفريقية الوسطى التي لا تزال غير معلومة لدينا، وكان ما أقامه العرب من الممتلكات في الساحل الشرقي يُسهِّلُ عليهم ولوج داخل إفريقية من هذه الناحية، وكان المسلمون يزورون بلادَ الصومال الوديعة الِمقْرَاة، فتُؤلِّف، مع سوقطرة، مستودعاً تجارياً مهماً جداً، وكانوا يزورون بلاد الحبشة وسنار وكردفان التي لها علاقاتٌ دائمة بمصر فتعدُّ
стр. 539
المفتاح الحقيقي لدارفور والوادي، وكانوا يذهبون من طرابلس الغرب إلى فزان، وكانت قوافلهم تذهب من بلاد المغرب مُوغِلَةً في الصحراء الكبرى غيرَ خائفة من المغامرة في رمالها التي تمتد من ضفاف النيل إلى المحيط الأطلنطي، والتي تبلغ مساحتها نحو مائتي ألف فرسخ مربع، وغيرَ خائفة من الانتشار في بلاد السودان، والحق أن العرق العربي خطَّ طريقه بين سكان إفريقية بحروف لا تُمحى، والحق أن جميع السياح المعاصرين أجمعوا على الإشادة بما نجم عن هذا من الإصلاح في تكوين هؤلاء السكان بدناً وخلقاً وعقلاً.»
شكل ٩ - ٢: صندوق صغير من العاج المحفور، وهو مصنوع في مراكش في القرن الحادي عشر من الميلاد (من صورة قديمة).
(٤) صلات العرب بأوربة:
كانت لأوربة علائقُ بالعرب مدةً طويلة، وكانت هذه العلائق تتمُّ بالطرق الآتية:
(١) طريق جبال البرنات.
(٢) طريق البحر المتوسط.
стр. 540
شكل ٩ - ٣: إناء من البرونز مصنوع على الطراز الصيني العربي (من مجموعة شيفر، من صورة فتوغرافية التقطها المؤلف)
(٣) طريق الفلغا المؤدية إلى شمال أوربة باجتياز بلاد روسية؛ فأما الطريقان الأوليان: فكان يسلكهما عرب الأندلس، وأما الطريق الثالثة: فكان يسلُكها عرب المشرق.
وأقام العرب بجنوب فرنسة عدةَ قرون، وكان لا بد لهم من إيجاد صلاتٍ فيما وراء جبال البرنات، غير أنهم كانوا يفَضلون أن تَقصِد بِعثاتُهم التجارية سواحل البحر المتوسط على الخصوص، وأن يتصلوا فيها بأمم تجارية مهذبة أكثر من التي كانت تقطن بفرنسة أيام سلطانهم في إسبانية.
وكان العرب سادة البحر المتوسط، وكانوا يرسلون إلى جميع الموانئ الأوربية والإفريقية المحيطة بهم منتجاتِهم الصناعية والزراعية كالقطن والزعفران والورق والحرير الغرناطي والجلد القرطبي والنصال الطليطلية ... إلخ، وكانت المرافئ الإسبانية، قادس ومالقة وقرطاجنة ... إلخ، مراكز لنشاط يناقضه ما هي عليه الآن مناقضةً محزنة.
ولا نرى أي أثر لصلات العرب التجارية بشمال أوربة في كتب التاريخ القديمة التي انتهت إلينا، ولكن الوثائق التي هي أدقُّ من كتب التاريخ تُثبِت وجود تلك الصلات، وتدل على تاريخ بُداءتها ونهايتها فضلًا عن الطرق التي كانوا يسلكونها، وتتألف هذه الوثائق من نقودٍ تركها العرب في الطرق التي كانوا يمرون منها؛ فتكشف أعمال الحفر الحديثة عنها في كلِّ يوم.
стр. 541
شكل ٩ - ٤: إناء من البرونز مصنوع على الطراز الصيني العربي (من مجموعة شيفر، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف).
ومن هذه النقود نعلم أن نُقطة البُداءة لتلك التجارة هي سواحل بحر قزوين، حيث كان يجتمع تجار المراكز التجارية الكبرى، كدمشق وبغداد وسمرقند وطهران وتفليس، ويسيرون من أستراخان مع نهر القلغا إلى مدينة بُلغار (مدينة سنبرسك الحاضرة) الواقعة لدى قدماء البلغار في روسية، والتي كانت تعد مستودعًا تجارياً بين آسية وشمال أوربة.
ويظهر أن العرب لم يجاوزوا مدينةَ بلغار، وكان تجار أممٍ أخرى يأخذون السلع صاعدين مع نهر القلغا غير تاركين له إلا لِيَنْزلوا إلى البحر البلطيِّ ويصلوا إلى خليج فنلندة، وكانت نوفغورود وشلزويغ، ولا سيما جزر البحر البلطي وغُوتْلَنْد وأوُلَند وبُور نهْوُلْم، أهمَّ مستودعات شمال أوربة، وقد عُدت النقود العربية التي وُجِدَت في هذه المستودعات بالمئات.
стр. 542
شكل ٩ - ٥: آنية من البرونز مصنوعة على الطراز الصيني العربي (من مجموعة شيفر، من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف)
وكان التجار يتوجهون من خليج فنلندة إلى أهم نقاط شواطئ البحر البلطي، أي إلى شواطئ إسوج وفنلندة ودانيمارك وبروسية، وكانوا يصعدون مع ما يجدون على الشواطئ من مجاري المياه، وذلك كما تدل عليه النقود العربية التي وُجدت في سيليزية وبولونية، ولا سيما في جوار وارسو.
ويدل وجودُ كثيرٍ من النقود العربية في أماكن معينة على صلات أصحاب هذه النقود التجارية بالدولة العربية فيما مضى، وإن لم يكن عندنا سوى فرضيَّات حول حقيقة الشعوب التي كانوا ينتسبون إليها، وترانا نعرف، مع ذلك أنهم كانوا مسلمين، لما لا نزال نجد من روسٍ مسلمين. وتثبت الكتابات الكوفية التي وُجدت في روسية أنه كان للعرب مستعمرات عند الخزر والبلغار هنالك، ولكنه ليس لدينا ما يدل على أن تجار العرب كانوا يذهبون إلى ما هو أبعد من مدينة بلغار، وبلغار روسية هم الذين كانوا ينقلون السلع إلى أهل دانيمارك لا ريب، وأهل دانيمارك، الذين لم تصفهم التواريخ الأوربية لنا بغير القراصنة، كانوا يتعاطون التجارة أكثر من تعاطيهم القرصنة إذن.
وكان العنبر، الذي هو من السلع المرغوب فيها كثيراً في الشرق والفِراء والقصدير، والإماء على حسب ما ورد في بعض النصوص العربية، أهمَّ مواد تجارة العرب في شمال أوربة، وكان أهلُ دانيمارك يأخذون نسائج الشرق وبُسطه وآنيتَه المنقوشة وحليَّه في مقابل هذه السلع، وأرُجِّح أن يكون كثيرٌ من منتجات الشرق، كالحليِّ المحزَّزة مثلًا،
стр. 543
شكل ٩ - ٦: مصابيح عربية قديمة في بعض المساجد وهي مصنوعة من زجاج مطلي بالميناء (من تصوير المؤلف الفوتوغرافي)
قد دخل في عدة أقسام من أوربة الغربية، وتراني أميل إلى الاعتقاد بأن بعض الحليِّ الموجودة في متحف ستوكلهم، على أنها من مصنوعات إسكندينافية في الدور الحديدي، والتي نشرتُ صور عدة نماذج لها في كتابي الأخير، قد جُلِب من الشرق بتلك الطريق التي تكلمت عنها، فالحق أن كثيراً من هذه الحليِّ ذو منظر شرقي.
وتدلُّ تواريخ النقود التي وُجدت في روسية، من مصب نهر الفلْغَا إلى شواطئ البحر البلطي، على أن بدء تلك التجارة العربية كان في عهد الخلفاء الأولين، وأن ختامها لم يجاوز أواخر القرن الحادي عشر من الميلاد، ولذا تكون قد دامت نحو أربعة قرون.
وآخر تاريخ لتلك النقود التي وُجدت هو سنة ١٠٤٠ م، وبنو العباس هم أكثرُ من ذُكِرَ فيها من أولياء الأمور بآسية.
стр. 544
شكل ٩ - ٧: إناء من النحاس المكفت بالفضة مصنوع في دمشق على الطراز الحديث (من صورة فوتوغرافية التقطها المؤلف)
ووُجد بين تلك النقود نقود عربية ضُربت في الأندلس، ولكنها من الندرة ما يحتمل أن يكون قد وصلت معه إلى شمال أوربة بعد أن تداولها تجارُ دمشق وسمرقند.
والأسبابُ التي انقطعت بها صلاتُ العرب التجارية بشمال أوربة بسيطةٌ جداً، أي أن ما اشتعل من الفتن الداخلية في آسية وما تم من هجرة البلغار وما حدث من الاضطرابات السياسية في روسية وَقَفها في القرن الحادي عشر، وأنها إذا كانت لم تُستأنف فيما بعدُ فلِمَا نشأ عن الحروب الصليبية من تحويل تجارة أوربة مع الشرق إلى طريق البحر، وأن أهل البندقية ابتلعوا تجارة الشرق مع الغرب منذ القرن الثاني عشر من الميلاد، فصارت جميعُ المنتجات التي يُبادَل بها في مختلف أجزاء العالم تمرُّ من أيديهم.
стр. 545
الفصل العاشر
تمدين العرب لأوربة: تأثيرهم في الشرق والغرب
(١) تأثير العرب في الشرق:
خضع الشرق لكثير من الشعوب، كالفرس والأغارقة والرومان ... إلخ، ولكن تأثير هذه الشعوب السياسي إذا كان عظيمًا دائمًا فإن تأثيرها المدنيَّ كان ضعيفاً عموماً، وإذا عَدَوْتَ المدن التي كانت تملكها هذه الشعوب رأساً رأيتَها لم تُوَفَّق لِفَرض دينها ولغتها وفنونها، ومن ذلك أن ظلَّت مصر الثابتة في زمن البطالمة وفي زمن الرومان وفيَّةً لماضيها، وكان ما تعلم من اعتناق الغالبين لديانة المغلوبين ولغتهم وطِراز بنائهم فيها، وكان ما تَعْرِف من إقامة البطالمة لمبانيهم التي رمَّمَها القياصرة، على الطراز الفرعوني.
وما عجز الأغارقة والفرس والرومان عنه في الشرق قَدَرَ عليه العرب بسرعة ومن غير إكراه، ومن ذلك أن مصر، التي كان يلوح أنها أصعب أقطار العالم إذعاناً للمؤثرات الأجنبية، نسيت، في أقل من قرن واحد مرَّ على افتتاح عمرو بن العاص لها، ماضي حضارتها الذي دام نحو سبعة آلاف سنة معتنقة ديناً جديداً ولغة جديدة وفناً جديداً اعتناقاً متيناً دام بعد تواري الأمة التي حَمَلتها عليه.
ولم يُغيِّر المصريون دينهم سوى مرة واحدة قبل العرب، وذلك حين خرَّب قياصرة القسطنطينية بلاد مصر بتحطيمهم جميع آثارها أو تشويهها وجعلهم القتل عقوبة من يخالف حظر عبادة آلهتها الأقدمين، وهكذا عانى المصريون ديناً جديداً فُرِض عليهم بالقوة أكثر من اعتناقهم له، وما كان من تهافت المصريين على نَبْذِ النصرانية ودخولهم في الإسلام يُثبت درجة ضَعف تأثير النصرانية فيهم.
стр. 546
وما وُفِّق العرب له في مصر من التأثير البالغ اتفق لهم مثلُه في كل بلد خَفَقَت فوقه رايتهم كإفريقية وسورية وفارس ... إلخ، وبلغ نفوذُهم بلادَ الهند التي لم يدخلوها إلا عابري سبيل، وبلغ بلادَ الصين التي لم يزوروها إلا تجاراً.
شكل ١٠ - ١: مقدم قصر شقوبية في الوقت الحاضر (من صورة فوتوغرافية)
ولا نرى في التاريخ أمةً ذات تأثير بارز كالعرب، وذلك أن جميع الأمم التي اتصل العرب بها اعتنقت حضارتهم، ولو حينًا من الزمن، وأن العرب لما غابوا عن مسرح التاريخ انتحل قاهروهم كالترك والمغول ... إلخ، تقاليدهم، وبَدَوا للعالم ناشرين لنفوذهم، أجل، ماتت حضارة العرب منذ قرون، ولكن العالم لا يعرف اليوم غير دين أتباع النبي ولغتهم في البلاد الممتدة من المحيط الأطلنطي إلى السند، ومن البحر المتوسط إلى الصحراء.
ولم يتجلَّ تأثير العرب في الشرق في الديانة واللغة والفنون وحدها، بل تجلى في ثقافته العلمية أيضاً، ومن ذلك أن المسلمين كانوا ذوي صلاتٍ مستمرة بالهند والصين، وأنهم نقلوا إليهما قسماً كبيراً من المعارف العلمية التي عدَّها الأوربيون من أصل هندوسي أو صيني فيما بعد، وقد أصاب سيديُّو في توكيد هذا الأمر فذكر -على سبيل المثال- أن العربي البيروني المتوفى سنة ١٠٣١ م أتحف الهندوس، في أثناء سياحته
стр. 547
في بلادهم، بمختاراتٍ مهمة من كتب العلم فنقلوها بعدئذ نَظْماً إلى السنسكريتية على حسن عادتهم.
شكل ١٠ - ٢: قصر شقوبية، وقد أقيم على الطراز الإسباني (من رسم قديم لوايزنر)
ويجب ألا تستنبط من هذا القول نتائج واسعة، فإذا كان العرب أفضل من الهندوس علماً، كما هو واضح، فإنهم دونهم فلسفة وديانة، فليس في عامية القرآن ولاهوتيته الصبيانية، التي هي من صفات الأديان السامية أيضاً، ما يقاس بنظريات الهندوس التي أتيح لي أن أبُيِّن عمقها العجيب في كتاب آخر.
ويظهر أن ما اقتبسه الصينيون من العرب أهمُّ مما أخذه الهندوس عنهم، وقد بينا في فصل سابق أن علوم العرب دخلت الصين على أثر الغارة المغولية، وأن الفلكي
стр. 548
الصيني الشهير كُوشو كِنع تناول رسالة ابن يونس في الفلك في سنة ١٢٨٠ م وأذاعها في بلاد الصين، وأن الطبَّ العربيَّ أدُخل إلى الصين وقتما غزاها كوبلاي، أي في سنة ١٢١٥ م.
ولا يزال تأثير العرب العلمي في أهل المشرق جارياً، ولا يزال الفرس يدرُسون العلوم في كتب العرب، وقد ذكرنا أن للغة العرب في بلاد الفرس شأناً كالذي كان للغة اللاتينية في العرب في القرون الوسطى.
(٢) تأثير العرب في الغرب:
(٢ - ١) تأثير العرب العلمي والأدبي:
نثبت الآن أن تأثير العرب في الغرب عظيم أيضاً، وأن أوربة مدينة للعرب بحضارتها، والحق أن تأثير العرب في الغرب ليس أقلَّ منه في الشرق، ولكن بمعنى آخر، فأما تأثيرهم في الشرق فتراه بادياً في أمر الدين واللغة والفنون على الخصوص، وأما تأثيرهم الديني في الغرب فتراه صِفراً، وترى تأثيرهم الفني واللغوي فيه ضعيفًا، وترى تأثيرهم العلمي والأدبي والخلقي فيه عظيماً.
ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلا بتصوُّر حال أوربة حينما أدخلوا الحضارة إليها.
إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانية ساطعة جدٍّا، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجًا يسكنها سنيوراتٌ متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرأون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفةً كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليَكْشِطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع، وذلك كيما يكون عندهم من الرُّقوق ما هو ضروريٌّ لنسخ كتب العبادة.
ودامت همجيةُ أوربة البالغة زمناً طويلاً من غير أن تشعر بها، ولم يبد في أوربة بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر من الميلاد، وذلك حين ظهر فيها أناسٌ رَأَوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم فولوا وجوههم شطرَ العرب الذين كانوا أئمةً وحدهم.
ولم تكن الحروب الصليبية سبباً في إدخال العلوم إلى أوربة كما يُردَّد على العموم، وإنما دخلت العلوم أوربة من إسبانية وصقلية وإيطالية، وذلك أن مكتباً للمترجمين
стр. 549
شكل ١٠ - ٣: برج بليم، وهو قائم على الطراز الإسباني العربي (من صورة فوتوغرافية)
في طليطلة بدأ منذ سنة ١١٣٠ م يَنقُل أهم كتب العرب إلى اللغة اللاتينية تحت رعاية رئيس الأساقفة ريمون، وأن أعماله في الترجمة كُلِّلَتْ بالنجاح ما بدا للعرب بها عالمٌ جديد، ولم يتوانَ الغربُ في أمر هذه الترجمة في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر من الميلاد، ولم يقتصر الغرب على ترجمة مؤلفات علماء العرب، كالرازي وأبي القاسم وابن سينا وابن رشد ... إلخ، إلى اللغة اللاتينية، بل نُقِلت إليها، أيضاً، كتب علماء اليونان التي كان المسلمون قد ترجموها إلى لغتهم الخاصة ككتب جالينوس وبقراط وأفلاطون وأرسطو وأقليدس وأرشميدس وبطليموس؛ فزاد عدد ما تُرجم من كتب العرب إلى اللغة اللاتينية على ثلاثمائة كتاب كما روى الدكتور لوكلير في كتابه «تاريخ الطب العربي.»
والحق أن القرون الوسطى لم تعرف كتبَ العالَم اليوناني القديم إلا من ترجمتها إلى لغة أتباع محمد، وبفضل هذه الترجمة اطلعنا على محتويات كُتب اليونان التي ضاع أصلها ككتاب أبُلُّونيوس في المخروطات، وشروح جالينوس في الأمراض السارية،
стр. 550
ورسالة أرسطو في الحجارة ... إلخ، وأنه إذا كانت هناك أمةٌ نُقِرُّ بأننا مدينون لها بمعرفتنا لعالم الزمان القديم فالعربُ هم تلك الأمة، لا رهبانُ القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى اسمَ اليونان. فعلى العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافاً أبدياً، قال مسيو ليبري: «لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ؛ لتأخرت نهضة أوربة في الآداب عدة قرون.»
شكل ١٠ - ٤: كنيسة القديس بطرس في قلعة أيوب، وهي قائمة على الطراز الإسباني العربي (من صورة قديمة).
وعربُ الأندلس وحدهم، هم الذين صانوا في القرن العاشر من الميلاد، وذلك في تلك الزاوية الصغيرة من الغرب، العلومَ والآداب التي أهُمِلَت في كل مكان، حتى في القسطنطينية، ولم يكن في العالم في ذلك الزمن بلادٌ يمكن الدرسُ فيها غيرُ الأندلس العربية، وذلك خلا الشرق الإسلامي طبعاً، وإلى بلاد الأندلس كان يذهب أولئك النصارى القليلون لطلب العلوم في الحقيقة، ونذكر منهم، على حسب بعض الروايات التي هي موضوع جدال من غير أن يَثبُت عدم صحتها، جربرت الذي صار بابا في سنة ٩٩٩ م باسم سلفستر الثاني، والذي أراد أن ينشر في أوربة ما تعلمه؛ فعدَّ الناس عمله من الخوارق، واتهموه بأنه باع روحه من الشيطان.
стр. 551
ولم يظهر في أوربة، قبل القرن الخامس عشر من الميلاد، عالمٌ لم يقتصر على استنساخ كتب العرب، وعلى كتب العرب وحدها عوَّل روجر بيكن وليونارد البيزي وأرنود الفيلنوفي وريمون لول وسان توما وألبرت الكبير والأذفونش العاشر القشتالي ... إلخ، قال مسيو رينان: «إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا في كل شيء، وإن سان توما مدينٌ في جميع فلسفته لابن رشد.»
وظلت ترجمات كتب العرب، ولا سيما الكتب العلمية، مصدراً وحيداً، تقريباً للتدريس في جامعات أوربة خمسة قرون أو ستة قرون، ويمكننا أن نقول: إن تأثير العرب في بعض العلوم، كعلم الطب مثلاً، دام إلى أيامنا، فقد شُرِحَت كتب ابن سينا في مونبلية في أواخر القرن الماضي.
وبلغ تأثير العرب في جامعات أوربة من الاتساع ما شَمِل معه بعض المعارف التي لم يحققوا فيها تقدماً مهماً كالفلسفة مثلاً، فكان ابن رشد الحجة البالغة للفلسفة في جامعاتنا منذ أوائل القرن الثالث عشر من الميلاد، ولما حاول لويس الحادي عشر تنظيم أمور التعليم في سنة ١٤٧٣ م أمر بتدريس مذهب هذا الفيلسوف العربي ومذهب أرسطو.
ولم يكن نفوذ العرب في جامعات إيطالية، ولا سيما جامعة بادو، أقل منه في فرنسة، فقد كان للعرب فيها شأنٌ كالذي بدا للأغارقة واللاتين بعد عصر النهضة، ويمكن القارئ أن يتمثَّل سعة نفوذ العرب من الاحتجاج الصاخب الآتي الذي قاله الشاعر الكبير بترارك: «يا عجباً، استطاع شيشرون أن يكون خطيبًا بعد ديموستين، واستطاع فيرجل أن يكون شاعراً بعد أوميرس، فهل قُدِّر علينا ألا نؤلِّف بعد العرب؟ لقد تَساوَيْنَا نحن والأغارقة وجميع الشعوب غالباً وسبقناها أحياناً، خلا العرب، فيا للحماقة! ويا للضلال! ويا لعبقرية إيطالية الناعسة أو الخامدة! »
ولم يكن للقرآن تأثيرٌ في جميع مذاهب العرب العلمية والفلسفية التي نشروها في العالم في خمسة قرون، كما أنه لم يكن للتوراة أثرٌ في كتب العلم الحديثة، ولا عجب، فالقرآن مجموعة أحكام كان يحترمها العلماء تقريباً؛ لأنها مصدر سلطان العرب، ولملاءمتها احتياجات الجماهير التي ليس من طبيعتها أن تكترث للعلوم والفلسفة في كل زمن إلا قليلاً، غير أن العلماء كانوا لا يبالون بما بين نتائج اكتشافاتهم ونظريات الكتاب المقدس «القرآن» من الاختلاف، فإذا ما بلغت أفكارهم الحرة عامة الناس اضطر حمايتهم من الخلفاء، عادةً، إلى نفيهم لأجلٍ محدود احتراماً للشعور العام، وإذا
стр. 552
شكل ١٠ - ٥: تيجان أعمدة عربية وتيجان أعمدة على الطراز الإسباني العربي (مسجد قرطبة - مسجد طركونة القديم - شقوبية - سرقسطة - القصر بإشبيلية - طليطلة - دير غراقد - الترانسيتو بطليطلة، متحف العاديات الإسباني).
ما هدأت الزوبعة بسرعة استدعاهم الخلفاء، ولم يَبدُ عدم التسامح بين المسلمين إلا بعد أن اضمحل سلطان العرب في القرن الثالث عشر من الميلاد، وصارت سلطتهم قبضة «شعوب ثقيلة شرسة غير مهذبة» من تركٍ وبربر وغيرهم كما أشار إلى ذلك، بحقٍّ، مسيو رينان، وليست المذاهب مصدر عدم التسامح في الغالب، بل الأشخاص، وكان العرقُ العربي من التهذيب والسماحة ما لا يَحِيد معه عن هذا التسامح الذي أقام الدليل عليه في كل مكان منذ بدء فتوحه.
ويمكن القول بأن التسامح الديني كان مطلقاً في دور ازدهار حضارة العرب، وقد أوردنا على هذا غير دليل، ولا نُسهب فيه، وإنما نشير إلى ما ترجمه مسيو دوزي
стр. 553
شكل ١٠ - ٦: قوس الجعفرية في سرقسطة.
من قصة أحد علماء الكلام العرب الذي كان يحضر ببغداد دروساً كثيرة في الفلسفة يشترك فيها أناس من اليهود والزنادقة والمجوس والمسلمين والنصارى ... إلخ، فيستمع إلى كل واحد منهم باحترام عظيم، ولا يُطلَب منه إلا أن يستند إلى الأدلة الصادرة عن العقل، لا إلى الأدلة المأخوذة من أي كتاب ديني كان، فتسامح مثل هذا هو مما لم تصل إليه أوربة بعد ما قامت به في أكثر من ألف سنة من الحروب الطاحنة، وما عانته من الأحقاد المتأصلة، وما مُنِيَت به من المذابح الدامية.
وإذا كان تأثير العرب عظيماً في نواحي أوربة التي لم يسيطروا عليها إلا بمؤلفاتهم، أبصرنا أنه كان أعظم من هذا في البلاد التي خَضَعَت لسلطانهم كبلاد إسبانية التي نرى أن أفضل وسيلة لتقدير تأثير العرب فيها تقديراً قاطعاً، هو أن ننظر إلى حالتها التي كانت عليها قبل فتحهم إياها، وفي أثناء سيادتهم لها، وبعد إجلائهم عنها؛ فأما حالها قبل الفتح العربي وفي أيام سلطتهم: فقد بحثنا فيها، وذكرنا درجة السعادة التي تمت لها في زمن دولتهم. وأما حالها بعد العرب: فقد تكلمنا عنها
стр. 554
شكل ١٠ - ٧: قوس على الطراز الإسباني العربي في طليطلة (متحف العاديات الإسباني).
شكل ١٠ - ٨: دقائق زخارف في كنيسة الترانيستو (كنيس بطليطلة) وهي على الطراز الإسرائيلي العربي.
أيضاً، وستتاح لنا العودة إليها حينما نبحث في روثة العرب عما قليل، فهناك نرى أنها هبطت بعد إجلائهم إلى دركةٍ من الانحطاط لم تنهض منها حنى الآن، ولن يجد
стр. 555
الباحث مثالاً أوضح من هذا التأثير أمة في أمة أخرى، والتاريخ لم يشتمل على ما هو أبرز من هذا المثال.
ومما تقدم ننتهي إلى نتيجتين مهمتين: الأولى: هي أنه لم يكن للإسلام، ديانةً، تأثيرٌ في آثار العرب العلمية والفلسفية، والثانية: هي أن فضل الشرق في تأثيره في الغرب يعود إلى العرب وحدهم، وأما الشعوب التي حلت محل العرب، وإن اتفق لها شيء من التأثير السياسي أو الديني لم يكن تأثيرها العلمي والأدبي والفلسفي في غير درجة الصفر.
(٢ - ٢) تأثير العربي في فن العمارة
للعرب، لا ريب، تأثير في فنون أوربة، ولا سيما في فن عمارتها، ولكنه يبدو لي أضعف مما يعتقد على العموم، ولا أرى أن يبحث عنه حيث أريد وجوده، ومن ثم أن يقال: إن الطراز القوطي أخذ عن العرب في القرون الوسطى مثلاً، ومع أنني أوافق، مع كثير من المؤلفين، على أن أوربة اقتبست الأقواس القوطية (أي الأقواس المصنوعة على رسم البيكارين) من العرب، والعرب قد استعملوها في مصر وصقلية وإيطالية منذ القرن العاشر من الميلاد، تراني لا أقول: إننا مدينون للعرب بطرازنا القوطي؛ لما أرى من الفرق العظيم بين كنائسنا التي أقيمت عليه في القرن الثالث عشر أو القرن الرابع عشر من الميلاد وما بني في أي من هذين القرنين من المساجد، ولأن أقواس الأبواب والنوافذ المصنوعة على رسم البيكارين ليست كل ما في العمارة القوطية التي تتألف من عناصر مختلفة لا تقدر قيمتها إلا بعد البحث في مجموع البناء.
والحق أن الطراز القوطي لم يستند إلى عنصر واحد، فهو مشتقٌ من الطراز الروماني الذي هو وليد الطراز اللاتيني والطراز البيزنطي، وذلك بعد سلسلة من التطورات، والحق أن الطراز القوطي ظهر، بعد أن تم تكوينه، فناً مبتكراً مختلفًا عن فنون العمارة السابقة، فتعد كل كنيسة قوطية أتقن بناؤها من أجمل ما شاد الإنسان من المباني التي لا أستثني منها أكمل الآثار الإغريقية اللاتينية القديمة.
وهنا أقرر أن الغرب اقتبس أصول فن عمارته من العرب، وأن لعروق الغرب احتياجات وأذواقاً تختلف عن احتياجات الشرق وأذواقه، وأن بيئات الغرب مباينة لبيئات الشرق، وأن الفنون وليدة احتياجات أحد الأدوار ومشاعره؛ فكان ما نراه من اختلاف فنون الغرب عن فنون الشرق بحكم الضرورة.
стр. 556
شكل ١٠ - ٩: دقائق زخارف في كنيسة الترانسيتو بطليطلة (طراز إسرائيل عربي).
وإنني، على ما قررت من عدم المشابهة بين الطراز العربي والطراز القوطي بعد أن تكون، لا أنكر أهمية الفروع التي اقتبسها الغربيون من الشرقيين، ولم أنفرد بهذا الاعتراف، بل اعترف بذلك أكثر المؤلفين حجة، واسمع ما قاله باتيسيه:
لا يجوز الشك في أن البنائين الفرنسيين اقتبسوا من الفن الشرقي كثيراً من العناصر المعمارية المهمة والزخارف في القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر من الميلاد ... ألم نجد من كاتدرائية بوي، التي هي من أقدس البنايات
стр. 557
النصرانية، باباً مستوراً بالكتابات العربية؟ أو لم تقم من أربونة وغيرها حصونٌ متوجة وفق الذوق العربي؟
شكل ١٠ - ١٠: بعض أقواس في دير الراهبات بشقوبية (طراز إسباني عربي).
وذلك مسيو لونورمان: الذي هو حجة في هذه الموضوعات مثل باتيسيه، أن تأثير العرب واضح في كثير من الكنائس الفرنسية، ككنيسة مدينة ماغلون «١١٧٨ م» التي كانت ذات صلات بالشرق، وكنيسة «كانده مين ولوار» وكنيسة «غاماش» «سوم» ... إلخ.
وألمع مسيو شارل بلان إلى ما اقتبسه الأوربيون من العرب في فن العمارة، وقال: «أرى من غير مبالغة فيما لأمةٍ من التأثير في أمة، وذلك خلافًا لما يسار عليه اليوم أن الصليبيين الذين شاهدوا ما اشتمل عليه الفن العربي من المشربيات وشرف المآذن والأفاريز أدخلوا إلى فرنسة المراقب والجواسق والأبراج والأطناف والسياجات التي استخدمت كثيرًا في العمارات المدنية والحربية في القرون الوسطى.»
ولم يكن مسيو بريسي الأفيني المتخصص في فن العمارة العربي على غير هذا الرأي، فقد قال: «إن النصارى أخذوا عن العرب الأبراج الرائعة التي استخدمها الغرب بكثرةٍ حتى أواخر القرن السادس عشر من الميلاد.»
ولا يغرب عن بالك أن الأوربيين كانوا يستخدمون في القرون الوسطى كثيراً من بنائي الأجانب في إقامة مبانيهم، وأنهم كانوا يوحون إليهم مثلما كان يوحي به العرب
стр. 558
إلى بنائي البيزنطيين، وأن هؤلاء المعماريين كانوا يجيئون من كل مكان، وأن شارلمان كان يأتي بالكثير منهم من الشرق. وقد نقل مسيو ياردو عبارة عن كتاب «تاريخ باريس» لدولور جاء فيها أن مهندسين معماريين من العرب استخدموا في إنشاء كنيسة نورتردام الباريسية: ويتجلى في إسبانية - على الخصوص - تأثير العرب المعماري العظيم الذي غفل عن ذكره العلماء المشار إليهم، وقد ذكرنا في فصل سابق أنه نشأ عن تمازج فنون العرب والنصارى طرازٌ خاصٌ يعرف بالطراز المدجن الذي ازدهر في القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر من الميلاد على الخصوص، وترى في الصور التي نشرناها في هذا الفصل أمثلة مهمة لذلك، وما أبراج كثيرٍ من كنائس طليطلة إلا مقتبسةٌ من المآذن، وليست المباني التي شادها النصارى في الولايات المستقلة في العهد الإسلامي إلا عربيةً أكثر منها نصرانيةً، وذلك كقصر شقوبية الشهير الذي نشرت له عدة صور، فتدل إحدى هذه الصور التي التقطناها من رسمٍ قديم على حاله قبل حريق سنة ١٨٦٢، وتدل الصور الأخرى الفوتوغرافية الأصل على حاله في القوت الحاضر، ولا نجهل أن قصر شقوبية هذا أقيم في القرن الحادي عشر من الميلاد، أي أقيم في أيام السيد بأمر الأذفونش السادس الذي طرده أخوه من ممالكه، والتجأ إلى عرب طليطلة، ودرس قصرهم فيها وعاد إلى ممالكه، وأنشأ قصرًا شبيهًا به، ومما يزيد قصر شقوبية قيمةً إمكان عده مثالاً للقصور العربية المحصنة التي أقيمت في بلاد إسبانية ثم عفا رسمها تقريباً في الوقت الحاضر.
ويلوح لي أن آثاراً كثيرة عدها بعض المؤلفين من المباني القائمة على الطراز القوطي الخالص، كبرج بليم الذي أنشئ بالقرب من أشبونة، ذات مسحة عربية بشكلها العام وأبراجها المطنفة وشرفها وبجزئياتٍ أخرى فيها.
أجل، قد يرى أن تأثير العرب في إسبانية زال تماماً، ولكن بعض المدن الإسبانية، ولا سيما أشبيلية، حافلةٌ بذكريات العرب، ولا تزال بيوتها تبنى على الطراز الإسلامي، وهي لا تختلف عن نماذجها إلا بفقر زخارفها، ولا يزال الرقص والموسيقا فيها على الطريقة العربية، ويشاهَد الدم الشرقي فيها بسهولة كما ذكرت ذلك سابقًا. أجل، يمكن أن تُباد أمةٌ، وأن تحرق كتبها، وأن تُهدم آثارها، ولكنَّ تأثيرها يكون أقوى من القُلُزِّ غالباً، ولا يستطيع الإنسان محوه، ولا تكاد العصور تَقْدِر عليه.
стр. 559
شكل ١٠ - ١١: باب الغفران في قرطبة (طراز إسباني عربي، من صورة فوتوغرافية).
(٢ - ٣) تأثير العرب في الطبائع:
لا نعود إلى ما فصلناه في فصل سابق عن تأثير العرب الخلقي في أوربة، وإنما نذكر أننا أثبتنا فيه الفرق العظيم بين سنيورات النصارى وأشياع النبي في ذلك الزمن، وأن النصارى تخلصوا من همجيتهم بفضل اتصالهم بالعرب، واقتباسهم منهم مبادئ فروسيتهم، وما تؤدي إليه هذه المبادئ من الالتزامات، كمراعاة النساء والشيوخ والأولاد واحترام العهود ... إلخ، ونذكر أننا بينا في فصلنا عن الحروب الصليبية أن أوربة النصرانية كانت دون الشرق الإسلامي أخلاقًا بمراحل، فإذا كان للديانات ما يسند إليها، وما نجادل فيه، من التأثير في الطبائع على العموم أمكنت المقابلة بين الإسلام والأديان الأخرى التي تَزعُم أنها أفضل منه على الخصوص.
стр. 560
شكل ١٠ - ١٢: مدقة باب الغفران في قرطبة.
وقد تكلمنا في ذلك الفصل، بما فيه الكفاية، عن تأثير العرب الخلقي في أوربة، فنحيل القارئ عليه، وإنما نذكر القارئ بالنتيجة التي توصل إليها، أيضًا، العلامة المتدين مسيو بارتلمي سنت هيلر في كتابه عن القرآن حيث قال:
أسفرت تجارة العرب وتقليدهم عن تهذيب طبائع سنيوراتنا الغليظة في القرون الوسطى، وتعلم فرساننا أرق العواطف وأنبلَها وأرحمها من غير أن يفقدوا شيئًا من شجاعتهم، وأشك في أن تكون النصرانية وحدها قد أوحت إليهم بهذا مهما بولغ في كرمها.
وقد يسأل القارئ بعد ما تقدم: لم ينكر تأثير العرب علماء الوقت الحاضر الذين يضعون مبدأ حرية الفكر فوق كل اعتبار ديني كما يلوح؟ لا أرى غير جواب واحد عن هذا السؤال الذي أسأل نفسي به أيضًا وهو أن استقلالنا الفكري لم يكن في غير الظواهر بالحقيقة، وأننا لسنا من أحرار الفكر في بعض الموضوعات كما نريد.
стр. 561
شكل ١٠ - ١٣: باب مخزن الأمتعة المقدسة في كاتدرائية أشبيليه (طراز إسباني عربي)
شكل ١٠ - ١٤: قلادة من ذهب مصنوعة في غرناطة في القرن الرابع عشر على الطراز العربي الإسباني (متحف الآثار في مدريد، من صورة فوتوغرافية).
стр. 562
فالمرء عندنا ذو شخصيتين: الشخصية العصرية التي كونتها الدراسات الخاصة والبيئة الخلقية والثقافية، والشخصية القديمة غير الشاعرة التي جمدت وتحجرت بفعل الأجداد وكانت خلاصةً لماضٍ طويل، والشخصية غير الشاعرة وحدها، ووحدها فقط، هي التي تتكلم عند أكثر الناس وتمسك فيهم المعتقدات نفسها مسماةً بأسماء مختلفة، وتملي عليهم آراءهم، فيلوح ما تُمليه عليهم من الآراء حراً في الظاهر فيحترم.
والحق أن أتباع محمد ظلوا أشد من عرفته أوربة من الأعداء إرهاباً عدة قرون، وأنهم، عندما كانوا لا يردعوننا بأسلحتهم، كما في زمن شارل مارتل والحروب الصليبية، أو يهددون أوربة بعد فتح القسطنطينية، كانوا يذلوننا بأفضلية حضارتهم الساحقة، وأننا لم نتحرر من نفوذهم إلا بالأمس.
وتراكمت مبتسراتنا الموروثة ضد الإسلام والمسلمين في قرون كثيرة، وصارت جزءاً من مزاجنا، وأضحت طبيعةً متأصلةً فينا تأصُّلَ حقد اليهود على النصارى الخفي أحياناً والعميق دائماً.
شكل ١٠ - ١٥: مصباح من زجاج مطلي بالميناء (من تصوير بريس الأفيني).
وإذا أضفنا إلى مبتسراتنا الموروثة ضد المسلمين مبتسرنا الموروث الذي زاد مع القرون بفعل ثقافتنا المدرسية البغيضة القائلة: إن اليونان واللاتين وحدهم منبع العلوم
стр. 563
والآداب في الزمن الماضي أدركنا، بسهولةٍ سر جحودنا العام لتأثير العرب العظيم في تاريخ حضارة أوربة.
ويتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن يرى أن أوربة النصرانية مدينةٌ لأولئك الكافرين في خروجها من دور التوحش، فعارٌ ظاهر كهذا لا يُقبل إلا بصعوبة.
نختم هذا الفصل بقولنا: إنه كان للحضارة الإسلامية تأثيرٌ عظيم في العالم، وإن هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، وإن العرب هَذَّبوا البرابرة الذين قَضَوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخُلقي، وإن العرب هم الذين فتحوا لأوربة ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية بتأثيرهم الثقافي، فكانوا ممدنين لنا وأئمةً لنا ستة قرون.
стр. 564
الباب السادس
انحطاط حضارة العرب
стр. 565
الفصل الأول
ورثة العرب
تأثير الأوربيين في الشرق
(١) ورثة العرب في الأندلس:
إن من أحسن الوسائل لتقدير ما لأمةٍ من التأثير النافع أو الضار في أمة أخرى هو أن يبحث في أحوال هذه الأمة قبل أن تخضع للنفوذ الأجنبي وفي أثناء خضوعها له وبعد خلاصها منه؛ فأما أحوال الأمم التي دانت للعرب قبل خضوعها لهم وفي أثناء حكمهم لها فقد بحثنا فيها بما فيه الكفاية، وأما أحوالها، بعد أن غاب العرب عن مسرح العالم، فنبحث فيها الآن بادئين بإسبانية.
لم يفكر النصارى، بعد أن استردوا غرناطة التي كانت مَعْقِل الإسلام الأخير في أوربة، في السير على سنة العرب في التسامح الذي رأوه منهم عدة قرون؛ بل أخذوا يضطهدون العرب بقسوة عظيمة على الرغم من العهود، ولكنهم لم يعزموا على طردهم جميعهم إلا بعد مرور قرن، ومع ما كان يصيب العرب من الاضطهاد كان تفوقهم الثقافي على الإسبان عاملاً في بقائهم على رأس جميع الصناعات، وكان من الصواب اتهام الإسبان إياهم بالاستيلاء على جميع المهن.
وطالب الشعب بطردهم فقط، وبدا الإكليروس متطرفاً فأشار بقتلهم جميعاً رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالًا، وسلك فليب الثاني طريقاً وسطاً فاكتفى بإعلان طردهم في سنة ١٦١٠ م، ولكنه أمر بأن يُقتل أكثرهم قبل أن يوفقوا لترك إسبانية، فقتل ثلاثة أرباعهم تقريباً.
следующие страницы →