← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 150960

الزيادة والإحسان في علوم القرآن

محمد عقيلة

Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

﴿قم اليل إلا قليل (٢) نصفه أو انقص منه قليلا (٣) أو زد عليه ورتل القرءان ترتيلا (٤)﴾.

стр. 1927

وقوله تعالى: ﴿وأذكر ايم ربك وتبتل إليه تبتيلا (٨)﴾. وقوله تعالى: ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم جميلا (١٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿ ... فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وءاخرون يقتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا ... (٢٠)﴾.

стр. 1928

سورة المدثر ﴿يأيها المدثر (١) قم فأنذر وربك فكبر (٣)﴾.

стр. 1929

﴿وثيابك فطهر (٤)﴾.

стр. 1930

﴿والرجز فاهجر (٥) ولا تمنن تستكثر (٦) ولربك فأصبر (٧)﴾.

стр. 1931

سورة الإنسان قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (٧) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (٨)﴾.

стр. 1932

﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (٩)﴾. وقوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (٢٥) ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (٢٦)﴾. سورة المطففين ﴿ويل للمطففين (١) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (٢) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (٣)﴾.

стр. 1933

سورة الإنشقاق قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون (٢١)﴾.

стр. 1934

سورة البلد قوله تعالى: ﴿وما أدرك ما العقبة (١٢) فك رقبة (١٣) أو إطعم فى يوم ذى مسغبة (١٤) يتيما ذا مقربة (١٥) أو مسكينا ذا متربة (١٦) ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (١٧)﴾.

стр. 1935

سورة الضحى وقوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر (٩) وأما السائل فلا تنهر (١٠) وأما بنعمة ربك فحدث (١١)﴾. سورة البينة قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدون الله مخلصين له الذين حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة (٥)﴾.

стр. 1936

سورة الماعون ﴿أرءيت الذى يكذب بالذين (١) فذلك الذى يدع اليتيم (٢) ولا يحض على الطعام المسكين (٣) فويل للمصلين (٤) الذين هم عن صلاتهم ساهون (٥) الذين هم يراءون (٦) ويمنعون الماعون (٧)﴾.

стр. 1937

- (الجزء الخامس) -

стр. 1938

النوع السادس والتسعون علم المحكم والمتشابه

стр. 1939

النوع السادس والتسعون علم المحكم والمتشابه قال الفخر الرازي -رحمه الله تعالى- في «تفسيره»، في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] واعلم أن القرآن دل على أنه بكلِّيته محكم، ودل على أنه بكليته متشابه، ودل على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه. أما ما دل على أنه بكليته محكم فهو قوله تعالى وتقدَّس: ﴿الر كِتَابٌ

стр. 1940

أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، وقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١] فذكر في هاتين الآيتين أنه جميعه محكم، والمراد بالمحكم بهذا المعنى: كونه كلامًا حقًا، فصيح الألفاظ صحيح المعاني. وكل] قول [وكلام يوجد، فالقرآن أفضل منه في فصاحة وقوة المعنى، ولا يتمكن أحد من الإتيان بكلام يساوي القرآن] في [هذين الوصفين. والعرب تقول] في [البناء الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم. فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم. وأما ما دل على أنه بكليته متشابه، فهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]، والمعنى: أنه يشبه بعضه بعضًا في الحُسن ويصدِّق بعضه بعضًا. وإليه الإشارة بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، أي: لكان بعضه واردًا على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة

стр. 1941

والركاكة. وأما ما دل على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها. ولا بدّ لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة. فأما المحكم: فالعرب تقول: حَكَمْتُ وحَكَّمْتُ بمعنى: رددت، ومنعت. والحاكم يمنع الظالم عن الظلم. وحَكَمة اللجام: هي التي تمنع الفرس عن الاضطراب. وفي حديث النخعي: حكم اليتيم كما تحكم ولدك،

стр. 1942

أي: امنعه من الفساد. قال جرير: ..... أحكموا سفهاءكم ...... أي: امنعوهم. وبناء محكم: أي وثيق يمنع من تعرَّض له. وسميت الحكمة حكمة: لأنها تمنع مما لا ينبغي. وأما المتشابه: فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للآخر، بحيث يعجز الذهن عن التمييز. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا (٧٠)﴾ [البقرة: ٧٠]،

стр. 1943

وقال في وصف ثمار الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥] أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨] ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمران، إذا لم يفرق بينهما. ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه .............

стр. 1944

وقال ﵊: «الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمور مُتَشَابِهَاتٌ»، وفي رواية: (مُشْتَبِهَاتٌ). ونظيره: المشكل، سمي بذلك لأنه أشكل، أي: دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله.

стр. 1945

ثم يقال لكل ما غمض -وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة- مشكل. ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يُعرَف أن الحق ثبوته أو عدمه، وكان الحكم بثبوته مساويًا للحكم بعدمه في العقل والذهن، ومشابهًا له، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان، فلا جرم أن سمي غير المعلوم بأنه متشابه. فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة. وأما في عرف العلماء فنقول: الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير (المحكم والمتشابه)، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه، فنقول: اللفظ الذي جُعل موضوعًا لمعنى، فإما أن يكون محتملًا لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون، فإن كان اللفظ موضوعًا لمعنى، ولا يكون محتملًا لغيره فهذا هو النص، وأما إن كان محتملًا لغيره فلا يخلو: إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحًا على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك، بل يكون احتماله

стр. 1946

لهما على السوية. فإن كان احتماله لأحدهما راجحًا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا، وبالنسبة إلى المرجوح مؤوَّلًا. وأما إن كان احتماله لهما على السوية: كان اللفظ بالنسبة إليهما معًا: مشتركًا، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملًا. فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه: أن اللفظ إما أن يكون (نصًا) أو (ظاهرًا) أو (مؤولًا) أو (مشتركًا) أو (مجملًا). أما النص الظاهر: فيشتركان في حصول الترجيح، إلا أن (النص) راجح مانع من الغير، و (الظاهر) راجح غير مانع من الغير. فهذا القدر المشترك هو المسمى بـ: (المحكم). وأما (المجمل) و (المؤوَّل): فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة. فهذا القدر المشترك المسمى بـ (المتشابه)، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعًا.

стр. 1947

وقد بيَّنا أن ذلك سمي متشابهًا: إمّا لأن الذي لا يعلم يكون النفي مشابهًا للإثبات في الذهن، وإمّا لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم، فَأُطْلِقَ لفظُ المتشابهِ على ما لا يُعْلَم، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه. ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية، فها هنا يتوقف الذهن، مثل: (القرء) بالنسبة إلى الحيض و (الظهر). وإنما المشكل

стр. 1948

أن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحًا في (أحد) المعنيين، ومرجوحًا في الآخر ثم كان الراجح باطلًا والمرجوح حقًا. ومثاله من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦]، فظاهر هذا الكلام أنهم يؤُمرون بأن يفسقوا،

стр. 1949

ومحكمه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨]، ردًا على الكفار فيما حكى عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨] وكذلك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٦٧)﴾ [التوبة: ٦٧]، وظاهر النسيان ما يكون ضدًا للعلم، ومرجوحه الترك، والآية المحكمة فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢] واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول: إنَّ كل أحد من أصحاب المذاهب يدَّعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة، فالمعتزلي يقول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]، محكم، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]، متشابه. والسني يقلب الأمر في ذلك، فلا بدّ هاهنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب، فنقول: اللفظ إذا كان محتملًا لمعنيين، وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحًا، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحًا، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح فهذا هو (المحكم)، وإن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح فهذا هو (المتشابه). ونقول: صرف اللفظ من الراجح إلى

стр. 1950

المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيًا وإما أن يكون عقليًا. أما القسم الأول، فنقول: هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظين تعارض، فليس ترك أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس، اللهم إلا أن يقال: أن أحدهما قاطع في دلالته، والآخر غير قاطع، فحينئذٍ يحصل الرجحان أو يقال لكل واحد منهما وإن كان راجحًا إلا أن أحدهما يكون أرجح، وحينئذٍ يحصل الرجحان، إلا أن نقول: أما الأول: فباطل، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة البتة. لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونًا، فثبت أن شيئًا من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعًا. وأما الثاني: وهو أن يقال: أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني، وإن كان أصل الاحتمال قائمًا فيهما معًا، فهذا صحيح، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنيًا، ومثل هذا لا يجوز التعديل عليه في المسائل الأصولية، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهية. فثبت بما ذكرنا أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره، فعند هذا

стр. 1951

تعين التأويل. فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلًا. ثم إذا قامت هذه الدلالة، وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشهر بع ظاهره، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح -الذي هو المراد- ماذا؟ لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية، والدلائل اللفظية -على ما بينا- ظنية، لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف، والتعويل على مثل هذه الدلائل اللفظية في المسائل القطعية محال. فلهذا: التحقيق المتين مذهبًا، أن بعد إقامة الدلالة العقلية على أن حمل اللفظ على ظاهره محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل. فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب. والله ولي الهداية والرشاد. المسألة الثانية: في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه: فالأول: ما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: المحكمات: هي الثلاث الآيات في سورة (الأنعام): ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ ... ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث.

стр. 1952

والمتشابهات: هي التي تشابهت على اليهود، وهي أسماء حروف التهجي المذكورة في أوائل السور. وذلك أنهم أوَّلوها على حساب الجُمَّل، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط الأمر عليهم واشتبه.

стр. 1953

وأقول: التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين: منها: ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى، والاحتراز عن الظلم والكذب، والجهل، وقتل النفس بغير حق. ومنها: ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات، ومقادير الزكوات، وشرائط البيع، والنكاح، وغير ذلك. فالقسم الأول: هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس ﵄ لأن الآيات الثلاث في سورة (الأنعام) مشتملة على هذا التقسيم. وأما المتشابه: فهو الذي سميناه بالمجمل، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية، إلا بدليل منفصل على ما لخَّصناه في أول سورة (البقرة).

стр. 1954

والقول الثاني: وهو أيضًا مروي عن ابن عباس ﵄، أن المحكم: هو الناسخ، والمتشابه: هو المنسوخ. والقول الثالث: قال الأصم: المحكم هو الذي تكون دلائله واضحة

стр. 1955

لائحة. مثل: ما أخبر الله تعالى من إنشاء الخلق في قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقوله تبارك اسمه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] والمتشابه: ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو: الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا ترابًا. ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكمًا؛ لأن من قدر على الإنشاء أولًا قدر على الإعادة ثانيًا. واعلم أن كلام الأصم غير ملخص، فإنه إن عّني بقوله: (المحكم: ما تكون دلائله واضحة) أن المحكم: هو الذي تكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة، والمتشابه: ما لا يكون كذلك وهو: إما المجمل المتساوي، أو المؤول المرجوح، فهذا هو الذي ذكرناه أولًا. وإن عني به: أنه الذي تعرف صحة معناه من غير دليل، يصير (المحكم) على قوله: ما تعلم صحته بضرورة العقل، و (المتشابه): ما تعلم صحته بدليل العقل.

стр. 1956

وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهًا، لأن قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] أمر يحتاج إلى معرفة صحته إلى الدلائل العقلية، وإن أهل الطبيعة يقولون: السبب في ذلك الطبائع والفصول، وتأثيرات الكواكب، وتركيبات العناصر وامتزاجها. وكما أن إثبات الحشر والنشر يفتقر إلى الدليل، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله يفتقر إلى الدليل. ولعل الأصم يقول: هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهرًا، بحيث تكون مقدماته قليلة ومرتبة، ومنسقة، يؤمن الغلط فيها إلا نادرًا، ومنه ما يكون الدليل فيه خفيًا كثير المقدمات، غير مرتبها. فالقسم الأول هو (المحكم) والثاني هو (المتشابه). والقول الرابع: أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء أكان ذلك بدليل جلي أو بدليل خفي فذاك هو: (المحكم). وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو (المتشابه). وذلك كالعلم بوقت قيام القيامة، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق كل المكلفين. ونظيره قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]

стр. 1957

المسألة الثالثة: في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن (محكمًا)، وبعضه (متشابهًا). واعلم أن من الملاحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيان الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه. فالجبري: يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار، بدليل أن الله حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، وفي موضع آخر: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]

стр. 1958

وأيضًا مثبت الرؤية يتمسك بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٤]، والنافي يتمسك بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ومثبت الجهة متمسك بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وبقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. والنافي متمسك بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ثم إن كل أحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه: (محكمة)، والآيات المخالفة لمذهبه (متشابهة). وربما آل في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة. فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب -الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام القيامة- هكذا؟ ! أليس أنه لو جعله ظاهرًا جليًا نقيًا عن هذه المتشابهات، كان أقرب إلى حصول الغرض؟ ! واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهًا: الوجه الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. قال الله تعالى: ﴿أَمْ

стр. 1959

حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] الوجه الثاني: لو كان القرآن محكمًا بالكلية لما كان مطابقًا إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلًا لكل ما سوى ذلك المذهب. وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله، والنظر فيه، والاستمتاع به. أما لما كان مشتملًا على المحكم والمتشابه، فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه، ويؤيد مقالته، فحينئذٍ ينظر فيه جميع المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب. وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات. فبهذا الطريق يتلخص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق. الوجه الثالث: أن القرآن إذا كان مشتملا على (المحكم) و (المتشابه)،

стр. 1960

افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذٍ يتلخص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة. أما لو كان كله محكمًا، لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فحينئذٍ كان يبقى في الجهل والتقليد. الوجه الرابع: أن القرآن لما كان مشتملًا على المحكم والمتشابه، افتقر الناظر فيه إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة، والنحو، وعلم أصول الفقه. ولو لم يكن الأمر كذلك، ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة. فكان في إيراد المتشابهات هذه الفوائد الكثيرة. الوجه الخامس: السبب الأقوى في هذا الباب: أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخاص والعام بالكلية، وطبائع العلوم تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم، ولا بمتحيز، ولا بمشار إليه، ظن أن هذا عدم، فنفى، فوقع في التعطيل. فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما توهموه وتخيَّلوه، يكون ذلك مخلوطًا بما يدل على الحق الصريح. فالقسم الأول: -وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر- يكون من

стр. 1961

باب (المتشابهات). والقسم الثاني: -وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر- هو (المحكم). فهذا ما حضرنا في هذا الباب، والله أعلم بمراده. وإذا عرفت هذه المباحث، فلنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧]، فالمراد: القرآن. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وهي التي تكون مدلولاتها متأكدة، إمَّا بالدلائل العقلية القاطعة، وذلك في المسائل القطعية، أو تكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها. ثم قال: هن أم الكتاب. وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى كون المحكم (أُمَّا) للمتشابه؟

стр. 1962

الجواب: الأم في حقيقة اللغة: الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات. وقيل: وإنما جرى في الإنجيل من ذكر الأب هو أنه قال: الباري تعالى القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق، وبه ثبتت إلى أن يفنيهما. فعبر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن. ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة. فكان قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]. محكم، معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية. فكان قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ... ﴾ [النساء: ١٧١]،

стр. 1963

من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم. السؤال الثاني: لِمَ قال: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ولم يقل: (أمهات) الكتاب؟ والجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابه في تقدير شيء آخر، وأحدهما أم الآخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك: على معنى أن مجموعهما آية واحدة. فكذا هاهنا. ثم قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد عرفت حقيقة المتشابه. قال الخليل وسيبويه: إن (أُخر) فارقت أخواتها في حكم واحد، وذلك أن (أُخر)

стр. 1964

جمع أخرى، و (أخرى) تأنيث آخر، و (آخر) على وزن (أفعل)، وما كان على وزن (أفعل) فإنه يستعمل مع (من)، أو بالألف واللام، فيقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل من عمرو، فالألف واللام معاقبتان لـ (من) في باب (أفعل). فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو، أو يقال: زيد الآخر من عمرو، إلا أنهم حذفوا منه لفظة: (من)؛ لأن لفظه اقتضى معنى (من) فأسقطوا اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام معاقبتان لـ (من)، فسقط الألف واللام أيضًا. فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار (أخر)، ف (أخر) جمعه، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها. ثم قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] اعلم أنه تعالى لما بيَّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين: منه محكم، ومنه متشابه، بيَّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه. و (الزيغ): الميل عن

стр. 1965

الحق. يقال: زاغ زيغًا، أي: مال ميلًا. واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، قال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوُّا رسول الله ﷺ في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور.
следующие страницы →