Полный текст (4 238 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
باب (المتشابهات).
والقسم الثاني: -وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر- هو (المحكم).
فهذا ما حضرنا في هذا الباب، والله أعلم بمراده.
وإذا عرفت هذه المباحث، فلنرجع إلى التفسير.
أما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧]، فالمراد: القرآن.
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وهي التي تكون مدلولاتها متأكدة، إمَّا بالدلائل العقلية القاطعة، وذلك في المسائل القطعية، أو تكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها. ثم قال: هن أم الكتاب. وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى كون المحكم (أُمَّا) للمتشابه؟
стр. 1962
الجواب: الأم في حقيقة اللغة: الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات. وقيل: وإنما جرى في الإنجيل من ذكر الأب هو أنه قال: الباري تعالى القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق، وبه ثبتت إلى أن يفنيهما.
فعبر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن. ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة.
فكان قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٥].
محكم، معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية. فكان قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ... ﴾ [النساء: ١٧١]،
стр. 1963
من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم.
السؤال الثاني: لِمَ قال: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ولم يقل: (أمهات) الكتاب؟
والجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابه في تقدير شيء آخر، وأحدهما أم الآخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك: على معنى أن مجموعهما آية واحدة. فكذا هاهنا.
ثم قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد عرفت حقيقة المتشابه. قال الخليل وسيبويه: إن (أُخر) فارقت أخواتها في حكم واحد، وذلك أن (أُخر)
стр. 1964
جمع أخرى، و (أخرى) تأنيث آخر، و (آخر) على وزن (أفعل)، وما كان على وزن (أفعل) فإنه يستعمل مع (من)، أو بالألف واللام، فيقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل من عمرو، فالألف واللام معاقبتان لـ (من) في باب (أفعل).
فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو، أو يقال: زيد الآخر من عمرو، إلا أنهم حذفوا منه لفظة: (من)؛ لأن لفظه اقتضى معنى (من) فأسقطوا اكتفاء بدلالة اللفظ عليه، والألف واللام معاقبتان لـ (من)، فسقط الألف واللام أيضًا. فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار (أخر)، ف (أخر) جمعه، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها.
ثم قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]
اعلم أنه تعالى لما بيَّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين: منه محكم، ومنه متشابه، بيَّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه. و (الزيغ): الميل عن
стр. 1965
الحق. يقال: زاغ زيغًا، أي: مال ميلًا. واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧]، قال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوُّا رسول الله ﷺ في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]
وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور.
стр. 1966
وقال قتادة والزجاج: هم الكفار الذين ينكرون البعث، لأنه قال في آخر الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وما ذاك إلا وقت قيام القيامة، فإنه تعالى أخفاه عن كل الخلائق، حتى الملائكة،
стр. 1967
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقال المحققون: إن هذا يعم جميع المبطلين، وكل من احتج لباطله بالمتشابه، لأن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فيدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه، ومن جملته ما وعد الله به الرسول ﷺ من النصرة، وما أوعد الكفار من النقمة، الذين يقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: ٣] و ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] فموَّهوا الأمر على الضعفة.
ويدخل في هذا الباب استدلال المشتبهة بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصًا بالخير فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ، وهو باطل بالاتفاق.
وإما أن يكون أكبر، فيكون منقسمًا مركبًا، وكل مركب فإنه ممكن، ومحدث.
стр. 1968
فهذا الدليل الظاهر يمنع أن يكون الإله في مكان. فيكون قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ من المتشابه. فمن تمسك به كان متمسكًا بالمتشابهات.
ومن جملة ذلك: استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل
стр. 1969
بالكلية إلى العبد. فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك، كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجبًا، وعدمه عند عدم هذا الداعي واجبًا. فحينئذٍ بطل ذلك التفويض، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره، ومشيئته. فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر -وإن كثرت- استدلالًا بالمتشابهات. فبين تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات، لأجل أن في قلوبهم زيغًا عن الحق، وطلبًا لتقرير الباطل.
واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة.
стр. 1970
ثم يهول الأمر في ذلك. ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقول: المجبرة الذين يضيفون الظلم، والكذب، وتكليف ما لا يطاق إلى الله، هم المتمسكون بالمتشابهات. وقال أبو مسلم الأصفهاني: (الزائغ): الطالب للفتنة، وهو من يتعلق بآيات الضلالة، ولا يتأول على المحكم الذي بيَّنه الله -جل شأنه- بقوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وفسروا أيضًا قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] على أنه -تعالى- أهلكهم وأراد فسقهم، وأن الله -تعالى- يطلب العلل على خلقه
стр. 1971
ليهلكهم، مع أنه -تعالى- قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]
وتأولوا قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] على أنه تعالى زين لهم أنعُمَه. ونقضوا بذلك ما في القرآن، كقوله تعالى: ﴿نَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، فكيف يزين النعمة؟ ! فهذا ما قاله أبو مسلم. وليت شعري لِمَ حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات، وعلى الآيات المخالفة لذلك بأنها متشابهات؟ !
ولم أوجَبَ في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجراءَها على الظاهر، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟ !
ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية. فإذا دلت على بطلان مذهب المعتزلة -الأدلة العقلية الباهرة- فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح، وذلك تصريح بنفي الصانع، ولا يتم إلا إذا قلنا بأنه -سبحانه- ما كان
стр. 1972
عالمًا بكيفيات الأعمال في الأزل وذلك تصريح بتجهيل الصانع، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به. فحينئذٍ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا بمخصص وذلك نفي للصانع.
ويلزم أيضًا أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالمًا، وحينئذٍ يفسد الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالمًا. ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها، فإذا لاحت هذه الجلائل العقلية الباهرة، فكيف يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه؟ ! فظهر بما ذكرناه، أن القانون المستمر عند جمهور الناس، أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفه فهي المتشابه.
وأما المحقق المنصف فإنه يجد الأمر في الآيات على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالأدلة العقلية، فذاك هو المحكم حقًا.
وثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهر.
وثالثها: الذي لم يوجد مثل هذا الدليل على طرفي ثبوته وانتفائه، فيكون فرضه التوقف، ويكون ذلك متشابهًا، بمعنى أن الأمر اشتبه فيهـ ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حصل في إجرائها على ظواهرها. فهذا ما عندي في هذا الباب.
стр. 1973
واعلم أنه تعالى لما بيَّن أن الزائغين يتبعون المتشابه، بيَّن أن لهم فيه غرضين: فالأول: قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾.
والثاني: قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.
فأما الأول: فاعلم أن الفتنة في اللغة: الاستهتار بالشيء والغلو فيه.
يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي: قد غلا في طلبها وتجاوز القدر.
وذكر المفسرون في تفسير هذه (الفتنة) وجوهًا: أولها: قول الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين، صار بعضهم مخالفًا للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل، والهرج والمرج، فذاك هو (الفتنة).
وثانيها: أن التمسك بذاك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه، فيصير مفتونًا بذلك الباطل، عاكفًا عليه، لا ينقلع عنه بحيلة البتة،
стр. 1974
وثالثها: أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه، ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه.
وأما الغرض الثاني لهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]: فاعلم أن (التأويل) هو التفسير. وأصله في اللغة: المرجع والمصير من قولك: آل الأمر إلى كذا، إذا صار إليه، وأولته تأويلًا: إذا صيرته إليه. هذا معنى التأويل في اللغة. ثم يسمى (التفسير) تأويلًا، قال تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
стр. 1975
[النساء: ٥٩]، وذلك لأنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ في المعنى.
واعلم أن المراد منه: أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟ !
قال القاضي: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين: أحدهما: أن يحملوه على غير الحق، وهو المراد من قوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾.
والثاني: أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو المراد من قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ثم بيَّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
стр. 1976
واختلف في هذا الموضع: فمنهم من قال: تم الكلام ههنا. ثم (الواو) في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، واو ابتداء. وعلى هذا القول لا يعلم المتشابه إلا الله. هذا قول ابن عباس ﵄ وعائشة، ومالك بن أنس، والكسائي، والفراء. ومن المعتزلة: قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا.
والقول الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وعلى هذا القول: يكون العلم بالمتشابه حاصلًا عند الله وعند الراسخين في العلم.
وهذا القول أيضًا مروى عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وأكثر المتكلمين.
стр. 1977
والذي يدل على صحة القول الأول وجوه: الحجة الأولى: أن اللفظ إذا كان له معنى ظاهر، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، والمجازات كثيرة. وترجُّح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية. والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز.
مثاله: قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجه على ما بيناه بالبراهين الخمسة في تفسير هذه الآية علمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية فلا بدّ من صرف اللفظ إلى بعض المجازات، وفي المجازات كثرة، وترجيح بعض على بعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية، ولا تفيد إلا الظن الضعيف. وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلًا.
وأيضًا قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ودل الدليل على
стр. 1978
أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان، فعرفنا أنه ليس مراد الله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها، إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين. وهذه حجة قاطعة في المسألة. والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه والفطرة الأصلية تشهد بصحته.
الحجة الثانية: وهو أن ما قيل: هذه الآية تدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم حيث قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزًا لما ذم الله تعالى ذلك.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وأيضًا: طلب مقادير الثواب والعقاب وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]
قلنا: أنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين: (محكم)، و (متشابه)، ودل العقل على صحة هذه القسمة من حيث أن حمل اللفظ على معناه الراجح (محكم) وحمله على معناه الذي ليس براجح (المتشابه) ثم إنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركًا للظاهر وهو لا يجوز.
الحجة الثالثة: أن الله تعالى مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنَّا
стр. 1979
به، وقال في أول سورة البقرة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦]، فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأن كل من عرف شيئًا على سبيل التفصيل فإنه لا بدّ وأن يؤمن به. إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا -بالدلائل القطعية- أن الله عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها -من الكليات والجزئيات- وعلموا أن القرآن كلام الله وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مرادًا لله تعالى، علموا أن المراد الله تعالى منه غير ذلك الظاهر، ثم فوَّضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، وقطعوا بأن ذلك المعنى -أي شيء كان- فهو الحق والصواب. فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله، بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين، عن الإيمان بالله، والجزم بصحة القرآن.
الحجة الرابعة: لو كان قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، معطوفًا على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، لصار قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ابتداء، وهو بعيد عن ذوق
стр. 1980
الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون آمنا به. فإن قيل: في تصحيحه وجهان: الأول: أن قوله: (يقولون) كلام مبتدأ، والتقدير: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون: (آمنا به).
والثاني: أن يكون: (يقولون) حالًا من الراسخين.
قلنا: أما الأول: فمدفوع، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار.
والثاني: أن هذا الحال هو الذي تقدم ذكره. وههنا تقدم ذكر الله وذكر الراسخين في العلم، فوجب أن يجعل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالا من الراسخين، لا من الله، فيكون ذلك تركًا للظاهر. فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر. ومذهبنا لا يحتاج إليه. فكان هذا القول أولى.
الحجة الخامسة: قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعني أنهم آمنوا بما عرفوا على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله. ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة.
الحجة السادسة: نقل عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحدًا جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.
стр. 1981
وسئل مالك بن أنس -رضي الله تعالى عنه- فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة. فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرناه هناك تم الكلام في هذه المسألة.
ثم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله تعالى وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية. وعرف أن القرآن كلام الله بالدلائل اليقينية. فإذا
стр. 1982
رأى متشابهًا، وقد دل الدليل القاطع على أن ظاهره ليس مرادًا لله تعالى، علم حينئذٍ قطعًا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردودًا شبهة في الطعن في صحة القرآن.
ثم حكى عنهم أيضًا: ﴿يَقُولُونَ ... كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، والمعنى: أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا. وفيه سؤالان: السؤال الأول: لو قال: (كل من ربنا) كان صحيحًا، فما الفائدة في لفظ: (عند)؟
الجواب: الإيمان بالمتشابه يحتاج إلى زيادة التأكيد، فذكر كلمة (عند) لمزيد التأكيد.
السؤال الثاني: لمَ جاز حذف المضاف إليه من (كل)؟
الجواب: لأن دلالته على المضاف قوية، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وهذا ثناء من الله تعالى
стр. 1983
على الذين قالوا: آمنا. ومعناه: ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة، فصار هذا الوصف كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن فيعلمون ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقول، فيكون محكمًا؟ أو ما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهًا؟ ثم يعلمون أن الكل: كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بدّ وأن يكون له معنى صحيح عند الله.
وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى، وصفاته، وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول، ويوافق اللغة والإعراب.
стр. 1984
واعلم أن الشيء كلما كان أشرف، كان ضده أخس. فلما كان مفسر القرآن موصوفًا بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليها. وكذلك من تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرًا في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ولهذا قال ﷺ : «من فسَّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]
اعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين بأنهم: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، حكى أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، وحذف ﴿يَقُولُونَ﴾ لدلالة الأول عليه.
كما في قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]
стр. 1985
وفي هذه الآية: اختلف كلام أهل السنة وكلام المعتزلة.
أما كلام أهل السنة فظاهر، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى. فإن كانت تلك الداعية: داعية الكفر فهي: الخذلان، والإزاغة، والصد، والختم، والطبع، والرين، والقسوة، والوقر، والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن.
وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي: التوفيق، والإرشاد، والهداية، والتسديد، والتثبت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن.
وكان رسول ﷺ يقول: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن».
стр. 1986
والمراد من هذين الأصبعين: الداعيتان. وكما أن الشيء الذي يكون بين أصبعي الإنسان يقلبه الإنسان بواسطة تينك الأصبعين، فكذلك القلب، لكونه بين الداعيتين يتقلب، كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين. ومن أنصف ولم يتعسف، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس.
ولو جوز حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ومؤثر، لزم
стр. 1987
نفي الصانع.
وكان النبي ﷺ يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»، ومعناه ما ذكرناه. فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه في أن لا يجعل قلبهم مائلًا إلى الباطل بعد أن جعله مائلًا إلى الحق. فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني. ومما يؤكد ما ذكرنا أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتعبون المتشابهات. بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال، وترك الخوض فيها. فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فلا بدّ وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء، لاعتقادهم أنه من المحكمات.
ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم، والثناء عليهم، لسبب أنهم قالوا ذلك. وهذا يدل على أن الآية من أقوى المحكمات. وهذا كلام مبين. انتهى كلام الفخر الرازي في تفسيره عفا الله عنه.
وقال الإمام الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في: «الإتقان»: ذكر
стр. 1988
الآيات المتشابهة على طريقة أهل السنة.
من ذلك: صفة الاستواء، وحاصل ما رأيت فيها سبعة أجوبة: أحدها: حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس ﵄ أن: ﴿اسْتَوَى﴾ [الأعراف: ٥٤] بمعنى: (استقر). وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل، فإن الاستقرار يُشعر بالتجسيم.
ثانيها: أن ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى، ورد بوجهين: أحدها: أن الله تعالى مستول على الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش؟ !
والآخر: أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة، والله تعالى منزه عن
стр. 1989
ذلك. أخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي أنه سئل عن معنى: ﴿اسْتَوَى﴾ فقال: هو على عرشه كما أخبر، فقيل: يا أبا عبد الله معناه: استولى؟ قال: اسكت، لا يقال: استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى.
ثالثها: أنه بمعنى صعد، قاله أبو عبيد. ورُد بأنه تعالى منزه عن
стр. 1990
الصعود أيضًا.
رابعها: أن التقدير: (الرحمن علا) أي: ارتفع من العلو، والعرش له استوى. حكاه إسماعيل الضرير في تفسيره. ورد بوجهين: أحدها: أنه جعل «علا» فعلًا، وهي «حرف» هنا باتفاق فلو كانت فعلًا لكتب بالألف كقوله: ﴿عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]
والآخر: أنه رفع (العرش) ولم يرفعه أحد من القراء.
خامسها: أن الكلام تم عند قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾، ثم ابتدأ بقوله: ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [طه: ٥، ٦] ورد: بأنه يزيل الآية عن نظمها ومرادها.
قلت: ولا يتأتى له في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 1991
سادسها: أن معنى (استوى): أقبل على خلق العرش، وعمد إلى خلقه، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، أي: قصد، وعمد إلى خلقها. قاله: الفراء والأشعري، وجماعة أهل المعاني، وقال إسماعيل الضرير: إنه الصواب.
قلت: يبعده تعديته بـ (على)، ولو كان كما ذكروه لتعدى بـ (إلى)، كما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩، فصلت: ١١ [
стр. 1992
سابعها: قال ابن اللبان: الاستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى: (اعتدل)، أي قام بالعدل، كقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، و (العدل) هو استواؤه، ويرجع معناه: إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونًا بحكمته البالغة.
ومن ذلك: (النفس) في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
ووجه: بأنه خرج على سبيل المشاكلة، مرادًا به (الغيب)، لأنه مستتر
стр. 1993
كالنفس.
وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: عقوبته، وقيل: إياه.
وقال السهيلي: (النفس) عبارة عن حقيقة الوجود، دون معنى زائد، وقد استعمل من لفظها النفاسة، والشيء النفيس، فصلحت للتعبير عنه سبحانه.
وقال ابن اللبان: أولها العلماء بتأويلات: منها: أن (النفس) عبر بها عن الذات. قال: وهذا -وإن كان سائغًا في اللغة- ولكن تعدى الفعل إليها بـ (في) المفيدة للظرفية، محال عليه تعالى.
وقد أولها بعضهم بـ (الغيب)، أي: ولا أعلم ما في غيبك وسرك.
стр. 1994
قال: وهذا حسن، لقوله آخر الآية: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]
ومن ذلك (الوجه)، وهو مؤول بالذات. قال ابن اللبان في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠]، والمراد: إخلاص النية.
стр. 1995
وقال غيره في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أي: الجهة التي أمر بالتوجه إليها.
ومن ذلك: (العين) وهي مؤولة بالبصر والإدراك. بل قال بعضهم: إنها حقيقة في ذلك، خلافًا لتوهم بعض الناس أنها مجاز، وإنما المجاز في تسمية العضو بها.
وقال ابن اللبان: نسبة (العين) إليه ، اسم لآياته المبصرة التي بها -سبحانه- ينظر للمؤمنين، وبها ينظرون إليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا
стр. 1996
مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٣]، نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقًا، لأنها المرادة بـ (العين)، المنسوبة إليه، وقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤].
قال: وعلى هذا يتنزل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] أي: بآياتنا تنظر بها إلينا، وننظر بها إليك.
ويؤيد أن المراد بالأعين هنا الآيات: كونه علل بها الصبر لحكم ربه صريحًا في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]. قال: وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أي: بآياتنا، بدليل: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، أي على حكم آيتي التي أوحيتها إلى أمك ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ الآية [القصص: ٧].
وقال غيره: المراد بالآيات كلاءته وحفظه تعالى. ومن ذلك:
стр. 1997
(اليد) في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩] و] آل عمران: ٧٣ [، وهي مؤولة بالقدرة.
وقال السهيلي: (اليد) في الأصل كالمصدر، عبارة عن صفة لموصوف، ولذلك مدح -سبحانه- بالأيدي مقرونة بالأبصار في قوله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، فلم يمدحهم بالجوارح، لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر.
قال: ولهذا قال الأشعري أن (اليد) صفة ورد بها الشرع.
стр. 1998
والذي يلوح من معنى الصفة أنها قريبة من معنى (القدرة) إلا أنها أخص، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فإن في (اليد) تشريفًا لآدم.
وقال البغوي: في قوله: (بيدي) في تحقيق الله التثنية في (اليد) دليل على أنها ليست بمعنى: القدرة، والقوة، والنعمة، وإنما هما صفتان من صفات ذاته. وقال مجاهد: (اليد) ههنا صلة وتأكيد، كقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. قال البغوي: وهذا تأويل غير قوي، لأنها لو كانت صلة، لكان لإبليس أن يقول: إن كنت خلقته فقد خلقتني. وكذلك في القدرة، والنعمة، لا يكون لآدم في الخلق مزية على إبليس.
وقال ابن اللبان: فإن قلت: فما حقيقة (اليدين) في خلق آدم؟ قلت: الله أعلم بما أراد، ولكن الذي استشرته من تدبر كتابه: أن (اليدين) استعارة لنور قدرته، القائم بصفة فضله، ولنورها القائم بصفة عدله. ونبه على تخصيص آدم وتكريمه بأن جمع له في خلقه بين فضله وعدله.
قال: وصاحبة الفضل هي (اليمين) التي ذكرها في قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ
стр. 1999
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ومن ذلك: (الساق) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] ومعناه: عن شدة وأمر عظيم، كما يقال: قامت الحرب على ساق.
وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه سئل عن قوله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:
стр. 2000
اصبر عناق أنه شرباق .... قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: هذا يوم كرب وشدة.
ومن ذلك: (الجنب) في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، أي: في طاعته وحقه، لأن التفريط إنما يقع في ذلك، ولا يقع في
следующие страницы →