Полный текст (4 238 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الشكر".
وأخرج الترمذي من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿قل يا أيها الكفرون (١)﴾ ربع القرآن".
وأخرج أبو عبيد من حديث ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ﴿قل يا أيها الكفرون (١)﴾ [الكافرون: ١] تعدل بربع القرآن".
وأخرج أحمد والحاكم من حديث نوفل بن فروة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اقرأ ﴿قل يا أيها الكفرون﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك".
стр. 597
وأخرج أبو يعلى من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تعالى، تقرأون: ﴿قل يا أيها الكفرون﴾ عند منامكم".
وأخرج الطبراني عن علي - كرم الله وجهه - قال: "لدغت النبي ﷺ عقرب فدعا بماء وملح وجعل يمسح عليه ويقرأ ﴿قل يا أيها الكفرون﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ".
وأخرج الترمذي من حديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ ربع القرآن".
стр. 598
وأخرج البخاري عن قتادة بن النعمان ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن".
وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ربع القرآن".
وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃.
وأخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث عبد الله بن الشخير، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغثة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى يجيزه الصراط إلى الجنة".
стр. 599
"ضغثة القبر: ضمته.
وأخرج مسلم عن أبي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن".
وأخرج العقيلي، عن رجاء الغنوي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرات، فكأنما قرأ القرآن أجمع".
وأخرج أحمد في "مسنده" عن معاذ بن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات، بنى الله له بيتا في الجنة".
стр. 600
وأخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات بني له قصر في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة، بني له قصران، ومن قرأها ثلاثين بني له ثلاثة".
وأخرج في "الصغير" من حديثه، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد صلاة الصبح اثني عشر مرة، فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى".
وأخرج ابن زنجويه، ..............................................................................................................
стр. 601
عن خالد بن زيد، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشرين مرة، بنى الله له قصرا في الجنة".
وأخرج ابن نصر، عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ خمسين مرة، غفر له ذنوب خمسين سنة".
وأخرج الترمذي/ من حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ مائة مرة ﴿قل هو الله أحد﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين، ومن أراد أن ينام على فراشه ونام على يمينه، ثم قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي أدخل عن يمينك الجنة".
стр. 602
وأخرج الطبراني من حديث ابن الديلمي - هو فيروز بن سعيد الصحابي -، عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ مائة مرة في الصلاة، أو غيرها، كتب [الله] له براءة من النار".
وأخرج الديلمي في "الفردوس"، عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من صلى الفجر في جماعة، وجلس في محرابه، فقرأ مائة مرة ﴿قل هو الله أحد﴾ غفر الله له الذنوب التي بينه وبين الله تعالى، التي لم يطلع عليها غير الله تعالى".
وأخرج البيهقي في "الشعب" عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال:
стр. 603
"من قرأ/ ﴿قل هو الله أحد﴾ مائتي مرة غفر له ذنوب مائتي سنة".
وأخرج ابن عدي، والبيهقي في "الشعب"، من حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ في يوم ﴿قل هو الله أحد﴾ مائتي مرة، كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين".
وأخرج الخيارجي في "فوائده"، عن حذيفة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله".
стр. 604
وأخرج الوبري في "الدعوات من أماليه"، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، نظر الله إليه بالآية الأولى، وبالآية الثانية استجاب له ألف دعوة، وبالآية الثالثة أعطاه ألف مسألة، وبالآية الرابعة قضى الله له ألف حاجة، كل حاجة خير من الدنيا وما فيها".
وأخرج البيهقي في "الدلائل"، عن أبي أمامة ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ جبريل ﵇، وهو بتبوك، فقال: يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني. فخرج رسول الله ﷺ ونزل جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال، فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرض، فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة، فصلى رسول الله ﷺ وجبريل والملائكة، فلما فرغ قال: يا جبريل بما بلغ معاوية هذه المنزلة؟ قال: بقراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ قائما، وراكبا، وماشيا".
стр. 605
وأخرج أحمد، من حديث عقبة: أن النبي ﷺ قال: "ألا أعلمك سورا ما أنزل في "التوراة"، ولا في "الزبور"، ولا في "الإنجيل"، ولا في "الفرقان" مثلهن؟ ". قلت: بلى. قال: " ﴿قل هو الله أحد﴾، و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ".
وأخرج أبو داود، والترمذي، عن عبد الله بن خبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ و (المعوذتين) حين تمسي، وحين تصبح، ثلاث مرات تكفيك من كل شيء".
стр. 606
وأخرج ابن السني من حديث عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ بعد صلاة الجمعة ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ سبع مرات، أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى".
وأخرج أبو الأسعد القشيري في "الأربعين" عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ إذا سلم/ الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه (فاتحة الكتاب)، و ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ سبعا سبعا، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
стр. 607
وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يكره الرقى إلا بالمعوذات.
وأخرج الترمذي، والنسائي عن أبي سعيد ﵁: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان، وعين الإنسان، حتى نزلت (المعوذتان)، فأخذ بها وترك ما سواها.
стр. 608
وأخرج أحمد من حديث ابن عابس ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ "، قلت: بلى. قال: " ﴿أعوذ برب الفلق﴾، و ﴿أعوذ برب الناس﴾ ".
وأخرج ابن النجار، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات أوجب الله رضوانه ومغفرته".
وأخرج سعيد بن منصور، وابن الضريس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات في دبر صلاة الغداة لم يلحق به ذلك اليوم ذنب، وإن جهده الشيطان".
стр. 609
وأخرج أبو يعلى عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء: من عفى عن قاتله، وأدى دينا خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات".
وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه، أو واحدة منهن، فليتزوج من الحور العين حيث شاء: رجل اؤتمن على أمانة فأداها مخافة الله ، ورجل خلى عن قاتله. ورجل قرأ في دبر كل صلاة عشر مرات ﴿قل هو الله أحد﴾ ".
ومن فضائل القرآن أيضا (المسبعات العشر): التي أهداها الخضر عليه السلام
стр. 610
لإبراهيم التيمي، نقلها في الإحياء فقال:
فقد روى عن كرز بن وبرة، وكان من الأبدال قال: أتاني أخ لي من أهل الشام، فأهدى إلي هدية وقال: يا كرز اقبل مني هذه الهدية فإنها نعم الهدية.
فقلت: (يا أخي) من أهدى لك هذه الهدية؟
قال: أعطانيها إبراهيم التيمي قلت: أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه إياها؟
قال: بلى سألته فقال: كنت جالسا في قبالة الكعبة، وأنا في التهليل والتسبيح والتحميد، فجاءني رجل، فسلم علي وجلس عن يميني،
стр. 611
فلم أر في زماني أحسن وجها منه، ولا أحسن ثيابا ولا أشد بياضا، ولا أطيب رائحة! فقلت: يا عبد الله من أنت؟ [ومن أين جئت؟ ].
فقال: أنا الخضر.
فقلت: في أي شيء جئتني؟
فقال: جئتك للسلام عليك وحبا لك في الله تعالى، وعندي هدية أريد أن أهديها عليك.
فقلت: ما هي؟
فقال: هي أن تقرأ قبل طلوع الشمس وانبساطها على الأرض، وقبل غروبها سورة (الفاتحة) سبع مرات، وو ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١]، و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق]، و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص]، و ﴿قل يا أيها الكفرون﴾ [الكافرون]، و (آية الكرسي) [البقرة: ٢٨٥] كل واحدة سبع مرات، وتقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (سبعا) / وتستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات (سبعا) وتستغفر لك ولوالديك (سبعا)، وتقول: اللهم افعل بي وبهم عاجلا وآجلا في الدين والدنيا والآخرة ما أنت له أهل، ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له أهل إنك حليم كريم جواد بر رؤوف
стр. 612
رحيم متفضل. وانظر أن لا تدع ذلك غدوا وعشية.
/فقلت: أحب أن تخبرني من أعطاك هذه العطية؟
فقال: أعطانيها محمد ﷺ .
فقلت: أخبرني بثواب ذلك؟
فقال: إذا لقيت محمدا فاسأله عن ثوابه فإنه يخبرك عن ذلك.
فذكر إبراهيم التيمي أنه رأى ذات ليلة في منامه كأن الملائكة جاءته فاحتملته حتى أدخلته الجنة، فرأى ما فيها، ووصف فيها أمورا عظيمة مما رآه في الجنة، قال: فسألت الملائكة فقلت: لمن هذا كله؟ فقالوا: لمثل الذي يعمل مثل عملك.
وذكر أنه أكل من ثمرها، وسقي من شرابها، قال: فأتى النبي ﷺ ومعه سبعون نبيا وسبعون صفا من الملائكة، كل صف مثل ما بين المشرق والمغرب، فسلم علي وأخذ بيدي.
فقلت: يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث؟
فقال ﷺ : صدق الخضر، وكلما يحكيه فهو حق وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو من جنود الله تعالى في الأرض.
стр. 613
فقلت: يا رسول الله فمن فعل هذا الدعاء وعمل به ولم ير مثل الذي رأيت في منامي، هل يعطى شيئا مما أعطيته؟
فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، إنه ليعطى العامل بهذا وإن لم [يرني ولم] ير الجنة، إنه ليغفر له جميع ذنوبه الكبائر التي عملها، ويرفع غضبه عنه ومقته، ويأمر صاحب الشمال أن لا يكتب عليه سيئة من السيئات إلى سنة، والذي بعثني بالحق نبيا ما يعمل بهذا إلا من خلقه الله سعيدا، ولا يتركه إلا من خلقه شقيا.
وكان إبراهيم التيمي مكث أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب، ولعله كان بعد هذه الرؤيا.
فصل في الآثار الواردة في فضل القرآن:
عن أبي محمد الجريري - رحمه الله تعالى - أنه قال: من رضي
стр. 614
بالدرجات العلى في الجنة نظير قراءة القرآن فقد رضي بالقليل بدلا عن الكثير، لأن الجنة مخلوقة، والقرآن غير مخلوق، ومعظم الفائدة في قراءة القرآن إنما هي مجالسة الله تعالى، وفهم مخاطبته.
وكان أبو معاوية الأسود - رحمه الله تعالى - يقرأ في المصحف فذهب بصره، فكان إذا جاء وقت القراءة ونشر المصحف رد عليه بصره.
ونقل الطبري في كتاب "كرامات الأولياء" بالسند إلى المعلى الوراق قال: كنا إذا دخلنا على حبيب العجمي - رحمه الله تعالى - قال: افتح جونة المسك وهات الترياق المجرب.
قال: جونة المسك: القرآن. والترياق: الدعاء.
стр. 615
وقال سلم بن ميمون الخواص - رحمه الله تعالى -: شكوت إلى شيخي عدم وجود حلاوة القرآن فقال: مثل لنفسك كأنك تقرأه على رسول الله ﷺ . فوجدت حلاوة، فقلت له، فقال: مثل كأنك تقرأه على جبريل. ففعلت فازددت حلاوة. فقلت له، فقال: مثل كأنك تقرأه على الله تعالى. ففعلت، فجاءت الحلاوة كلها".
وروى: أن الإمام أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - ختم القرآن في المحل الذي مات فيه سبعة آلاف مرة.
وكان الإمام مالك - رحمه الله تعالى - إذا دخل في بيته شغله قراءة القرآن
стр. 616
في المصحف.
وعن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - قال: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب بما يتقرب إليك المتقربون؟ فقال: بكلامي. فقلت: بفهم وبغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم.
وقال عمرو بن ميمون ﵀: من نشر مصحفا فقرأ منه مائة آية حين يصبح، رفع الله له مثل عمل جميع أهل الدنيا.
وقال بعض العارفين: لي في كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة/ وذلك بحسب درجات التدبر.
وقال وهيب بن الورد: نظرنا ما في المواعظ فلم نجد أرد للقلوب من قراءة القرآن وتفهمه، وتالي القرآن المعوض عنه بالقلب جدير بأن يقال له حين يحشر أعمى: ﴿قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا (١٢٥)﴾ [طه: ١٢٥].
وذكر الشيخ محيي الدين ﵁ في "الفتوحات": أنه روي عن بعض المعلمين من الصالحين: أن شابا صغيرا كان يقرأ عليه القرآن، فرآه مصفر اللون، فسأل عن حاله فقيل له: إنه يقوم الليل بالقرآن [كله].
стр. 617
فقال له: يا ولدي أخبرت أنك تقوم الليل بالقرآن كله؟
فقال: هو ما قيل لك.
قال: يا ولدي إذا كان الليلة فأحضرني في قلبك، واقرأ القرآن علي ولا تغفل عني.
فقال الشاب: نعم.
فلما أصبح، قال له: هل فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم. قال: وهل ختمت القرآن البارحة؟ قال: لا، وما قدرت على أكثر من النصف.
قال: يا ولدي هذا أحسن، إذا كان هذه الليلة فاجعل من شئت من الصحابة أمامك، الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ واقرأ عليه، واحذر فإنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فلا تزل في تلاوتك. فقال: إن شاء الله.
فلما أصبح، سأله عن ليلته فقال: ما قدرت على أكثر من ربع القرآن.
فقال: يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله ﷺ ، فقال: نعم.
فلما أصبح سأله، فقال: ما قدرت طول ليلتي إلا على جزء من القرآن، أو ما يقاربه.
فقال: إذا كان الليلة فاقرأه على جبريل الذي نزل به على قلب محمد ﷺ .
فلما أصبح قال: ما قدرت إلا على أكثر من كذا سورة قليلة. فقال: إذا كان هذه الليلة تب إلى الله/ وتأهب، واعلم أن المصلي يناجي ربه، وأنك واقف بين يديه، تتلو عليه كلامه، فانظر حظك من القرآن وحظه، وتدبر ما تقرأه، فليس المقصود جمع الأحرف وتأليفها ولا حكاية الأقوال، وإنما المراد بالقراءة التدبر لمعاني ما تتلو، فلا تكن جاهلا؟
فلما أصبح انتظر الأستاذ الشاب فلم يجيء إليه، فبعث من يسأل عن شأنه، فقيل له: أنه أصبح مريضا يعاد.
?
стр. 618
فجاء إليه، فلما أبصر الأستاذ بكى، وقال: يا أستاذ جزاك الله عني خيرا، ما عرفت أني كاذب إلا البارحة، لما قمت في مصلاي، وأحضرت الحق وأنا بين يديه، وتلوت عليه، فلما استفتحت الفاتحة ووصلت إلى قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥ [؛ فنظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها، فاستحييت أن أقول بين يديه ﴿إياك نعبد﴾ وهو يعلم أني كاذب في مقالتي، فإني رأيت نفسي لاهية في خواطرها عن عبادته، فبقيت أردد الفاتحة ﴿إياك نعبد﴾ ولا أقدر أقولها لأنها ما خلصت لي، فبقيت أستحيي أن أكذب بين يديه فيمقتني فما ركعت حتى طلع الفجر، وقد رضت كبدي، ولا أنا إلا راحل إليه على حالة لا أرضاها من نفسي.
فما انقضت ثلاثة أيام حتى مات الشاب، فلما دفن جاء الأستاذ إلى قبره، فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب وهو يقول:
أنا حي عند حي ... لم يحاسبني بشيء
فرجع الأستاذ بيته مريضا، فلزم فراشه مما أثر فيه من حال الشاب حتى لحق به - رحمهما الله تعالى -.
فهكذا المطلوب أن تكون القراءة، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
ويحكى عن حمزة بن حبيب الزيات - رحمه الله تعالى - أنه دخل عليه مجاعة بن الزبير وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي،
стр. 619
رأيت في منامي كأني/ قد عرضت على الله جل ثناؤه فقال: يا حمزة اقرأ علي القرآن كما علمتك، فوثبت قائما، فقال لي: اجلس، فإني أحب أهل القرآن. فقرأت حتى بلغت سورة (طه) فقلت؛ "طوى" فقال لي: تبين. فتبينت "طوى وأنا اخترناك" [طه: ١٣]. ثم قرأت حتى بلغت (يس) فأردت أن أعطف فقلت: ﴿تنزيل العزيز الرحيم﴾ [يس: ٥]. فقال لي: قل ﴿تنزيل العزيز الرحيم﴾، هكذا أقرأت حملة العرش، وهكذا يقرأ المقربون. ثم دعا بسوار فسورني فقال: هذا بصومك النهار. ثم دعا بتاج فتوجني ثم قال: هذا بإقرائك الناس يا حمزة، ولا تدع "تنزيل"، فإني نزلته تنزيلا.
وقد روي عنه رواية أخرى طويلة، في آخرها: يا حمزة، وحق القرآن لأكرمن أهل القرآن سيما إذا عملوا بالقرآن يا حمزة. ثم ضمخني بالغالية وقال: ليس أفعل هذا بك وحدك، قد فعلت ذلك بنظرائك ومن فوقك ومن دونك، ومن أقرأ القرآن كما أقرأته لم يرد به غيري، وما خبأت لك يا
стр. 620
حمزة عندي أكثر.
وعن بعض الصالحين أنه قال: رأيت رب العزة في المنام، فقرأت عليه القرآن حتى ختمت، وأعدت أول سورة (البقرة) إلى قوله: ﴿سيقول السفهاء﴾ [البقرة: ١٤٢] ثم أنشدت:
يرى جمالك قلبٌ أنت تغمره ... بفضل جودك لا بالكد والعمل
وقال الشيخ أبو الربيع المالقي ﵁: كنت ليلة في المسجد مع الشيخ أبي محمد سيد بن علي الفخار ﵁، وكان من أدبي معه أني لا أقوم لوردي حتى يقوم، فقال ليلة وتوضأ وأنا مستيقظ في مضجعي، ثم استقبل القبلة وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم أخذ في ورده، فرأيت الحائط قد انشق، وخرج شخص بيده زبدية بيضاء فيها شهد أبيض، فكلما فتح فمه ألقمه ذلك الشخص لقمة من ذلك الشهد، فتعجبت مما رأيت فانشغلت به عن وردي، فلما أصبحت قلت له: يا سيدي رأيت كذا وكذا، فنزلت عيناه وقال لي: ذاك طيب القرآن يا سليمان.
стр. 621
ويحكى عن بعض الصالحين قال: كنت في مسجد مغلق علي الباب، فما شعرت وأنا أقرأ إلا وثلاثة عليهم ثياب بيض [عندي]. وذكر أنه لم يزالوا عنده إلى أن سكت، ثم غابوا عن بصره.
ونقل الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي - رحمه الله تعالى - في كتاب "التطريز في فضل ذكر الله وتلاوة كتابه العزيز" قال: أخبرني بعض الإخوان أنه مات بعض الناس في بلاد اليمن، فلما فرغوا من دفنه، وافترق الناس، بقي هناك شيخ من الأولياء يقال له العائدي ﵁ ونفع به - فقعد يصلي المغرب في مسجد هناك، ثم سمع ضربا في القبر، ودقا عنيفا، ثم رأى كلبا خرج من القبر فقال له الشيخ: ويحك أيش أنت؟ فقال: أنا عمل الميت. قال: وأيش هذا الضرب الذي سمعته فيك أو فيه؟ قال: بل في، وجدت عنده سورة (يس) وأخواتها، وحيل بيني وبينه وطردت.
وكذلك سمعت الحكاية المستفاضة المشهورة: أن الشيخ محمد بن زاكي
стр. 622
المقرئ في "حراز" من بلاد اليمن ﵁ ونفع به - قرأ عليه بعض المبتدعين القراءات السبع، وحفظها، واجتمع له الإتقان وحسن الصوت.
فلما رجع إلى بلاده أعجب أصحابه تحقيقه وحسن صوته، وقالوا: ما أحسن هذا لو كان شيخك منا. فقال: وما علي من ذاك، أخذت العسيلة وتركت الظرف! .
فبلغ الشيخ محمد بن زاكي المذكور، فجمع وأصحابه وقال: اقرؤوا [٦٣ أ/هـ] سورة/ (يس) حتى ترجع إلينا عسيلتنا. فقرؤوا؛ فذهب حفظ ذلك الشخص، وبقي لا يعرف شيئا من القرآن أصلا، فعرف من أين أتي، ثم جاء إلى الشيخ المذكور مستغفرا تائبا من مذهبه، ودخل في مذهب الشيخ صالح المذكور، وهو شافعي المذهب، ثم ابتدأ يتعلم القرآن كما يتعلم المبتدئ، وبلغ إلى/ [٤٢ ب/ ح] خمس روايات ثم مات - رحمه الله تعالى -.
ونقل أيضا ﵁ في كتابه المذكور: أنه كان بعض الشيوخ في بلاد الهند، وكان السلطان يعظمه، فحسده بعض الكفار البراهمة هناك، وقال للسلطان: هذا ما هو على شيء؛ فاجمع بيني وبينه، حتى أبين لك حاله. فعقد لهم مجلسا، فلما اجتمعوا واجتمع الناس، قال الحكيم البرهمي للشيخ المسلم المذكور: إن كنت صادقا فطر مثلي. ثم ارتفع في الهواء، وبقي يعنف الشيخ
стр. 623
ويعيبه ويستهزء به، فأخذ الشيخ يقرأ ويقول: اللهم انصر دينك. فانقلب البرهمي على رأسه منكسا يصرخ ويستغيث، وربما خرج منه الحدث، فافتضح، وأعز الله دينه.
стр. 624
النوع الحادي والأربعون
علم أفضل القرآن وفاضله
стр. 625
النوع الحادي والأربعون
علم أفضل القرآن وفاضله
نقل الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - في "الإتقان":
اختلف الناس في القرآن، هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وابن حبان، إلى المنع؛ لأن الجميع كلام الله؛ ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه.
وروي هذا القول عن مالك - رحمه الله تعالى -، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ.
وكذلك كره الإمام مالك - رحمه الله تعالى - أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها.
وقال ابن حبان في حديث أبي بن كعب: ما أنزل الله في "التوراة" ولا في
стр. 626
"الإنجيل" مثل (أم القرآن) إن الله لا يعطي لقارئ "التوراة" و"الإنجيل" من الثواب مثل ما يعطي لقارئ (أم القرآن)، إذ الله يفضله كما فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، أعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه.
قال: وقوله: أعظم سورة أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض.
وذهب آخرون إلى التفضيل، لظواهر الأحاديث، منهم إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي والغزالي. وقال القرطبي: إنه الحق. ونقله عن جماعة من العلماء والمتكلمين.
стр. 627
وقال الغزالي في "جواهر القرآن": لعلك تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله فكيف يفارق بعضها بعضا؟ ! وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ !
اعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية (الكرسي)، وآية (المداينات) وبين سورة (الإخلاص) وسورة (تبت)، وترتاع عن اعتقاد الفرق نفسك الجوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة ﷺ فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال: " (يس) قلب القرآن"، و (فاتحة الكتاب) أفضل سور القرآن. و (آية الكرسي) سيد آي القرآن. و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة التواب في تلاوتها لا تحصى. انتهى.
стр. 628
وقال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفضيل!
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كلام الله في الله/ أفضل من كلامه [٦٣ ب/هـ] في غيره، فـ ﴿قل هو الله أحد﴾ أفضل من ﴿تبت يدا أبي لهب﴾.
وقال الخويي: كلام الله كله أبلغ من كلام المخلوقين، وهل يجوز أن يقال: بعض كلامه أبلغ من بعض؟ جوزه قوم لقصور نظرهم، وينبغي أن
стр. 629
يعلم أن معنى قول القائل: هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام. أن هذا موضعه له حسن ولطف، وذاك في موضعه له حسن ولطف، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذلك في موضعه.
فإن من قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص] أبلغ من ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد] يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبي لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافر، وذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ دعاء عليه بالخسران، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه؟ . وكذلك في ﴿قل هو الله أحد﴾ لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها؛ فالعالم إذا نظر إلى ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ في باب الدعاء بالخسران، ونظر إلى ﴿قل هو الله أحد﴾ في باب التوحيد، لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الأخرى. انتهى.
وقال غيره: اختلف القائلون بالتفضيل، فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس، وخشيتها، وتدبرها، وتفكرها عند ورود أوصاف العلا.
وقيل: بل يرجع لذات اللفظ، وأن ما تضمنه قوله تعالى ﴿وإلهكم إلهٌ واحد﴾ الآية [البقرة: ١٦٣]، و (آية الكرسي)، وآخر سورة (الحشر)، وسورة (الإخلاص)، من الدلالات على وحدانيته وصفاته، ليس موجودا مثلا في مثل ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ وما كان مثلها، فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها.
وقال الحليمي ونقله عنه البيهقي: معنى التفضيل يرجع إلى أشياء:
أحدها: أن يكون العمل بآية أولى من العمل بأخرى وأعود على الناس،
стр. 630
وعلى هذا يقال: آيات الأمر والنهي، والوعد والوعيد، خير من آيات القصص؛ لأنها إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والإنذار والتبشير، ولا غناء للناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم [مما] يجري مجرى الأصول خيرا لهم، مما يجعل تبعا لما لا بد منه.
الثاني: أن يقال الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته، والدلالة على عظمته أفضل، بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا.
الثالث: أن يقال سورة خير من سورة، وآية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجل له بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة، كقراءة آية (الكرسي) و (الإخلاص) و (المعوذتين)، فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله، ويتأدى بتلاوتها عبادة الله؛ لما فيها من ذكره سبحانه بالصفات العلا/ على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر وبركته، وأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم، وإنما يقع بها علم.
ثم لو قيل في الجملة: إن القرآن خير من "التوراة" و"الإنجيل" و"الزبور"، بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها، والثواب بحسب قراءته لا بقراءتها، وأنه من حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث، وتلك الكتب لم
стр. 631
تكن معجزة ولا كانت حجج أولئك الأنبياء، بل كانت دعوتهم، والحج غيرها، لكان ذلك أيضا نظير ما مضى.
وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة؛ لأن الله جل شأنه جعل قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال/ إن يوما أفضل من يوم، وشهرا أفضل من شهر، بمعنى أن العبادة فيه تفضل عن العبادة في غيره، والذنب فيه أعظم منه في غيره. وكما يقال: إن الحرم أفضل من الحل، لأنه يتأدى فيه من المناسك ما لا يتأدى في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره. انتهى كلام الحليمي.
وقال ابن التين - وهو شارح البخاري - في حديث البخاري: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور: معناه: أن ثوابها أعظم من غيرها.
وقال غيره: إنما كانت أعظم السور لأنها جمعت جميع مقاصد "القرآن"، ولذلك سميت (أم القرآن).
وقال الحسن البصري: إن الله أودع علوم الكتب السابقة في "القرآن" ثم أودع علوم القرآن في (الفاتحة)، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع
стр. 632
الكتب المنزلة. أخرجه البيهقي.
وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرر الزمخشري باشتمالها على الثناء على الله بما هو أهله، وعلى التعبد بالأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد. انتهى.
وآيات "القرآن" لا تخلو عن أحد هذه الأمور.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المقصود من "القرآن" كله تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، فقوله: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يدل على الإلهيات. وقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ يدل على المعاد. وقوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يدل على نفي الجبر وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره. وقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلى آخر السورة، يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوات.
فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وهذه السورة مشتملة عليها سميت (أم القرآن).
وقال البيضاوي: هي مشتملة على الأحكام النظرية والأحكام العملية
стр. 633
التي هي سلوك الطريق المستقيم، والإطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء.
وقال الطيبي: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين:
أحدها: علم الأصول، ومعاقده: معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله: ﴿رب العالمين (٢) الرحمن الرحيم﴾. ومعرفة النبوات، وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم﴾. ومعرفة المعاد، وهي المومى إليها بقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾.
وثانيها: علم الفروع واسمه العبادات، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾.
وثالثها: علم ما يحصل به الكمال، وهو علم الأخلاق، وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقه، والاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم﴾.
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية، السعداء منهم والأشقياء وما يتصل بها من وعد محسنهم، ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
стр. 634
وقال الغزالي: مقاصد القرآن ستة، ثلاثة مهمة، وثلاثة متمة:
الأولى: تعريف المدعو إليه كما أشير إليه بصدرها. وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرح به فيها، وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى، وهو الآخرة كما أشير إليه بـ ﴿مالك يوم الدين﴾.
والأخرى: تعريف أحوال المطيعين، كما يشير إليه بقوله ﴿الذين أنعمت عليهم﴾، وحكاية أقوال الجاحدين، وقد أشير إليها بـ ﴿المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. وتعريف منازل الطريق، كما أشير إليه بقوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ انتهى.
ولا ينافي هذا وصفها في الحديث الآخر بكونها ثلثي القرآن، لأن بعضهم وجهه/ بأن دلالات القرآن الكريم إما أن تكون بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام، وهذه السورة تدل على جميع مقاصد القرآن بالتضمين والالتزام دون المطابقة والاثنان من الثلاثة ثلثان، ذكره الزركشي في "شرح التنبيه" وناصر الدين بن الميلق.
стр. 635
قال: وأيضا الحقوق ثلاثة، حق الله على عباده، وحق العباد على الله، وحق بعض العباد على بعض، وقد اشتملت الفاتحة صريحا على الحقين الأولين، فناسب كونها بصريحها ثلثي القرآن. وحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" شاهد لذلك.
قال الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -: قلت: ولا تنافي أيضا بين كون الفاتحة أعظم السور، وبين الحديث الآخر أن (البقرة) أعظم السور؛ لأن المراد به ما عدا (الفاتحة) من السور التي فصلت فيها الأحكام وضربت الأمثال، وأقيمت الحجج، إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه، ولذلك سميت: فسطاط القرآن.
قال ابن العربي في أحكامه: سمعت بعض أشياخي يقول: اشتملت سورة (البقرة) على ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر، ولعظيم فقهها أقام ابن عمر ثماني سنين على تعليمها. أخرجه مالك في "الموطأ".
قال ابن العربي أيضا: وإنما صارت (آية الكرسي) أعظم الآيات لعظم مقتضاها؛ فإن الشيء إنما شرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته.
وهي في آي القرآن كسورة (الإخلاص) في سور القرآن، إلا أن سورة (الإخلاص) تفضلها بوجهين:
следующие страницы →