Полный текст (951 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وأم بيع الوكيل على والده وولده ونحوهم حال كونهم وكلاء لغيرهم، فالظاهر صحته جزما، لأنه - أي الولد ونحوه - إنما هو وكيل لغيره فقط، وحقوق العقد متعلقة بالموكل دون وكيله. انتهى.
ما قولكم فيمن له على آخر مطبقة، هل يجوز يأخذ عنها طويلة؟
وهل يجوز كسر الأحمر، أو المطبقة للصياغة؟ وهل يجوز بيع التمر المعجون بنحو وعاء بآصع حب في الذمة؟ وهل يجوز أكل جوزة الطيب، أم لا؟ وهل هي طاهرة، أم نجسة، أو تختص النجاسة بعد سحقها وإمتاعها؟
الجواب عن الأولى: إذا لم يكن بلفظ البيع أو التعويض، فهو جائز، لأنه استيفاء لا معارضة فيه ولو بلفظ الصلح.
والثانية: إذا أراد بكسره حلياً مباحاً، جاز، لأنه يتصرف في ملكه بما يشاء.
والثالثة: لا يجوز بيع التمر بما ذكره لعدم القبض المشترط في الربوي.
والرابعة: أنه لا يحرم من الجوزة إلا أكل القدر المسكر، أما القليل الذي لا يسكر عادة، فلا، وهذا ينبغي إخفاؤه عن العوام، وهي طاهرة لعدم انطباق حد النجاسة عليها وإن أميعت، ما لم يصر في ذاتها شدة مطر به، كتبه عبد الرحمن بن عبد الله الشافعي.
ما قولكم فيمن قال: يجمع زيد مالي، ثم يشتري به نخلا فيسبله ويصرف غلته لجهة كذا؟
الجواب: ما حصل من ثمرة النخل قبل بيع الوصي للورثة، والحالة ما ذكروا.
وإذا شرى بثمن الثلث فوقفه على ما أمر به، فله ما شرط.
وقوله في "الإقناع": وإن شرط لناظر أجرة، فكلفته عليه حتى
стр. 352
يبقى أجرة مثله الخ. وهي بطولها في "المستوعب" وذلك مقيد بما إذا لم يصرح الواقف بالزيادة للناظر، فإن صرح، عمل به مطلقا، والله أعلم نقلته من جواب شيخنا بخطه.
وسئل أيضا: إذا ادعى زيد على ورثة ميت أوصى بثلث ماله لجهة بدين. وأقام به بينة، فأقام الورثة شاهدا بإبرائه منه وحلفوا معه، هل يكفي عن جميع الدعوى وإن كان موصياً بثلث ماله؟
الجواب: إذا حلف الورثة مع شاهد البراءة، اندرجت البراءة على الجميع، لأنها تركة، فتندرج الوصية بالثلث معها.
والثانية: إذا أوصى بثلث ماله لجهة مطلقا، وأقام الورثة شاهدا على حق وحلفوا معه، هل يثبت جميعه، أم لا؟
الجواب: إذا حلف الورثة بالدين مع الشاهد، فهي تركة يندرج فيها الثلث للوصية لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه والديون التي له وعليه. انتهى. ونقلته من خطه.
قال الزركشي: والقبض فيه وجهان: فإن كان مما ينقل، فقبض المرتهن له، أخذه من راهنه منقولا. وإن كان مما لا ينقل، كالدور والأرضين، فقبضه تخلية راهن بينه وبين مرتهنه لا حائل دونه بشئ، فقبض كل شئ بحبسه على ما جرت العادة فيه ... غلى أن قال: وما عدا ذلك، كالدور، والعقار، والثمرة على الشجر ونحو ذلك، التخلية بينه وبين مرتهنه من غير حائل، بأن يفتح له باب الدار، أو يسلم إليه مفتاحها ونحو ذلك. وإن كان فيها قماش للراهن ونحو ذلك في الدكان ونحوها، بأن يمشي إليها ويشاهد المرهون ليتحقق التمكين فيكون كالقبض. انتهى.
قال ابن قندس في "حاشيته على الفروع": والأصح لا يثبت
стр. 353
فيما تولى واحد كأب، يعني إذا اشترى الأب لنفسه من مال ولده الذي تحت حجره. انتهى.
ومنه أيضا: وليس له البيع من نفسه، ويجوز بإذنه - وتوليه طرفيه - في الأصح فيهما.
قال في "الرعاية": ومن وكل في بيع شئ، لم يبعه لنفسه، ولا لمن ترد شهادته له، كولده ووالده ومكاتبه ولا لوكيله، وعنه: له شراؤه إن زاد على ثمنه المذكور، وكذا الخلاف والتفصيل لو وكله في شرائه فاشتراه لموكله من نفسه أو ممن ترد شهادته له، فإن أذن له موكله في ذلك، أو بعضه، أو وكله رجل في بيع شئ ووكله آخر في شرائه، فتولى طرفي العقد، صح على الأقيس، كالوالد إذا اشترى من مال ولده الصغير شيئا، أو باعه شيئا وتولى في العقدين. إن مراده في تولي طرفي العقد على الأقيس، إذا أذن له البائع في البيع من نفسه، أو وكل وكيله في الشراء، بدليل قوله أول الفصل: ولا لوكيله فمسألة البيع لوكيله تعرف من أول الفصل، ومن هنا يعرف تولي طرفي العقد.
قوله: وآخر في شرائه مرفوع عطفا على فاعل المصدر وهو توكيل، والمعنى: لو وكله شخص في بيعه، ووكله آخر بشرائه، وكان شراه لمن وكله في الشراء وتولي طرفي العقد، كما لو اشترى لنفسه على ما مر من الخلاف والتفصيل. انتهى.
من "الانصاف" قوله: وكذلك الوديعة، يعني أنها تكون دينا في تركته إذا مات ولم يعينها، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
هل يصح بيع الأرز في قشره والسلم فيه كذلك؟
أجاب محي الدين النووي الشافعي: الجواب الصحيح جوازهما. انتهى.
стр. 354
إذا اشترى شيئا فرأى فيه شيئا، ثم بعد مدة ظهر أن ذلك عيب، فقال المشتري: أنا ظننت أنه أثر ليس بعيب!
أجاب النووي: إن كان ذلك مما قد يخفى على مثله، صدق المشتري بيمينه.
وسئل أيضا: ما الصيغة فيمن أراد أن يسلم في حنطة أو شعير؟
فأجاب: مثاله أن يقول: أسلمت أو أسلفت إليك هذه الدراهم في غرارة قمح من قمح الجولان الجديد الجيد الأصفر تسلمها إلي في الموضع الفلاني. انتهى.
من "إعلام الموقعين" لابن القيم: ومن الحيل المحرمة الباطلة أن يكون له على رجل مال وقد أفلس غريمه وأيس من أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكا للوفاء فيطالبه بالوفاء. فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع. وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء، أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه، أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة، ولا يعد مخرجا لها، لا شرعا ولا عرفا ...
إلى أن قال: فتحصل من مذهبه: إن دفع الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء، أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله، أو استيفاء دينه، لم يجز، لأن الزكاة حق لله تعالى وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع ويفوز بدفعها العاجل ...
إلى أن قال: والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلة، لم تسقط عنه الزكاة، فإنه لا يحل مطالبة المعسر وقد أسقط الله عنه المطالبة، فإذا توصل إلى وجوبها بما يدفعه إليه، فقد دفع إليه شيئا ثم أخذه، فلم يخرج منه شئ. فإنه لو أراد الآخذ التصرف في المأخوذ وسد خلته منه، لم أمكنه، وهذا هو الذي لا يسقط عنه الزكاة. فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من
стр. 355
عوده إليه، وملكه ظاهرا وباطنا، ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة، فهذا جائز، كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه.
وإذا طلق امرأته ثلاثا جملة، فهذا مما يحتج لها، لا يحتج بها، وللناس فيه أربعة أقوال:
أحدها: الإلزام. والثاني: الغاؤها، وإن كان هذا إنما يعرف عن فقعاء الشيعة.
والثالث: إنها واحدة، وهذا قول أبي بكر وجميع الصحابة في زمانه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، واختيار أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ محمد بن اسحاق، والحارث العكلي وغيرهما، وهو أحد القولين في مذهب مالك، حكاه التلمساني في "شرح تفريع ابن الجلاب"، وأحد القولين في مذهب أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
والرابع: إنها واحدة في حق التي لم يدخل بها، ثلاث في حق المدخول بها، وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته اسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي، ومذهب جماعة من السلف، وفيها مذهب خامس، وهو: إن كانت منجزة، وقعت. وإن كانت معلقة، لم تقع، وهو مذهب حافظ الغرب، وإمام أهل الظاهر في وقته أبي محمد ابن حزم. ومنها أيضا: ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيلة حرام، والافتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام.
ومنه أيضا: فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب به زيد عيبا فأراد رده على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا على عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم
стр. 356
تعلم بهذا العيب؟ ! فقال: لا، فرده عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم، ذكرها الإمام أحمد وغيره، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب، لم ينفعه شرط البراءة، وأن المدعى عليه متى نكل عن اليمين، قضى عليه بالنكول، ولم ترد اليمين على المدعي.
ومنها أيضا: ويصح أن يعلق الضمان بالشرط فيقول: إن نوى المال على الأصيل، فأنا ضامن له. فإن خاف من قاصر في الفقه غير راسخ في حقائقه، فليقل: ضمنت لك هذا الدين عند تعذر استيفائه ممن هو عليه، وهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة، فلا يجوز الزامه به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلا، أو ضمنه في مكان دون مكان. انتهى ملخصا.
قال في "التحفة" للشافعية: لو غفل عن نحو كتاب فأكلته الأرضة، أو جعله في محل هو مظنتها، ضمنه لتفريطه. انتهى.
ومن جواب للشيخ محمد بن اسماعيل: وأما إذا كانت الأرض معلوماً إحياؤها وإنه معصوم لكنها تركت حتى خربت عمارتها، ودثرت حتى صارت مواتا فأحياها هذا المحيي، فكذلك حكمه في مذهب أحمد، وقال مالك: يملكها المحيي.
وإن جهل محييها الأول وجهل عقبه، ففيه عن أحمد روايتان:
المذهب أنها تملك بالإحياء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
والثانية: لا تملك به، وعلى كل حال تجوز الصلاة فيها مع العذر، وكذا سائر العبادات. انتهى.
قال أبو العباس: إذا صالح على بعض الحق خوفا على ذهاب جميعه، فهو مكروه لا يصح صلحه، وله أن يطالبه بالحق بعد ذلك إن
стр. 357
أقر به، أو ثبت ببينة. انتهى. هذا موافق لكلام ابن قندس، والمذهب:
لا ينقض الصلح، لكن لو أقر المنكر بأنه أنكره لطلب الصلح من ربه، فالصلح يكون باطلا في حقه، لعلمه بكذب نفسه، قاله شيخنا.
ومن جواب للشيخ محمد بن اسماعيل: والصلح عن المجهول، فإن كان من أحد الورثة لبقيتهم، صح. وإن كان من غير الشركاء، فلا أدري. انتهى.
يجوز لولي اليتيم أن يأذن له في الصدقة بيسير، أشار إليه في "شرح المنتهى" قاله شيخنا.
قوله: ومن وجد مسيل مائه إلى آخره.
الذي تحرر لنا عند الشيخ محمد: إن كان الذي هو بيده يدعى عليه أنه قد أحدثه، فيمينه أنه له بحق. وإن كانت الدعوى أن مورثه، أو الذي انتقل إليه منه العقار قد أحدثه، فيمينه على النفي أنه ما علم أنه وضع بغير حق، وإن أجمل المدعي دعواه لتكون اليمين على البت، فهذا محل الاشكال. والظاهر أن صاحب الد إذا أقام بينة تشهد بتقدمه على ملكه، أفادت أن الذي أحدثه غيره وتسمع، ثم يحلف على النفي للعلم، من تقرير شيخنا.
قوله في الحجر: ولم يكن صيد والبائع محرم إلى آخره.
الظاهر: يوقف للبائع حتى يحل من إحرامه، ثم هو بالخيار، ونفقته حال إيقافه من مال المفلس، لأنه ملكه، لكن يتعلق به حق البائع، كما في الرهن نفقته على راهنه وثمنه للمرتهن، قاله شيخنا.
سئل البلباني عن قولهم في الوكالة: يحلف الوكيل في المال مع الشاهد، فإذا مات الوكيل قبل حلفه وقد تصرف بأن باع أو شرى، هل يحلف العاقد مع الوكيل، أو يحلف ورثة الموكل على ثبوت الوكالة، أو تبطل الوكالة؟
стр. 358
فأجاب: وتصرف الوكيل المذكور قبل ثبوت وكالته موقوف على ثبوتها، فعلى العاقد اثباتها، فإن عجز، فالقول قول ورثة الموكل، والله أعلم.
إذا كان لشخص على آخر دينار مثلا، فأراد دفعه له، فامتنع من قبضه له ولا حاكم يجبر أو يقبض، وعلى المدين ضرر، كطلاق أو خيار، أشهد عدلين على عدها ووزنها ونقدها، ثم وضع ذلك بحجره، وقال:
هذا حقك ويبرأ ويفسخ الخيار إن كان. ولقد فعل مثل ذلك ابن بسام في عقار شراه بالخيار لبائعه، قاله شيخنا.
وأما تلف المغصوب فهو خروجه من يده إلى من لا يقر بالغصب ولا بينة، ولا يشترط استهلاكه، كما قيل: لا يكون تالفا إلا مع عدم عينه، ولأن الاتلاف الحكمي كالحسي، وقد نصوا أن هبته ووقفه كتلفه مع بقاء عينه، قاله شيخنا.
إذا تجلد للبلد سور غير الأول، واستهدم الأول ولم يعرف له مالك، هل يباح الأخذ منه للبناء، أم يبيعه عدل ويصرف ثمنه في المصالح، الأحوط الثاني، قاله شيخنا.
إذا أقر بعد الصلح أنه جحده لطلب أن يصلح له ببعض الحق، فالصلح باطل، قاله شيخنا.
ليس للمستأجر أن يحفر في الأرض المستأجرة بئراً بلا إذن المستحق، فإن فعل وفي بقائه مصلحة للأرض وبقيت، وإلا دفنت. فإذا كانت وقفاً ومات المؤجر، وقلنا بالانفساخ لانتقال الأرض، وأريد تقدير أجرة المثل على المستأجر للمستحق الثاني، فهل تقدر على وجود البئر لأنه يزيد في الأجرة، لأن المستأجر لا يملك دفنها إذا منعه المستحق، أم لا بلا بئر كأول مرة، لأنها عمل مستأجر؟
فيها ثقل، والأول أقرب للفهم، وتقدر في الصورتين على كونها
стр. 359
خالية من النخل الآن، لأن النخل عروقه تنجب الأرض، لا على أنها موات مستريحة. ولا يجوز للمستأجر إخراج ماء البئر إلى أرض أخرى، لإضرار ذلك بالوقف حالا أو مآلا ولا مصلحة فيه، بل ربما مع طول المدة يدعي أنه له بحق، قاله شيخنا.
قال ابن عطوة: سألت شيخنا: إذا عاوض الراعي ببعضه خوفا من ذهاب الجميع ضرورة؟
فأجاب: إنه جائز، لأنه يجب عليه الحفظ حسب الطاقة والامكان، وانقاذه وحمايته من كل رديء بكل وجه. فإذا لم يمكن حمايته إلا به، وجب، وجاز دفع أعلى الضررين بأدناهما، ولما فيه من المصلحة شرعا وعرفا وعقلا، ويرشح ذلك أن المالك لو كان حاضرا لم يفعل إلا ذلك، وإلا عد سفيها لإضاعته إنقاذ ماله مع القدرة عليه، وذلك قبيح شرعا وعقلا، يوضحه إصلاح الوقف ببيع بعضه، ويؤيده من عمل لغيره عملا له فيه مصلحة، كحصار زرعه، والاستخراج من معدنه، أن يستحق الأجرة. فإذا جاز التصرف في المال بغير الإذن للمصلحة فيما لا يخشى ضياعه، فجوازه فيما يخشى عليه التلف أحرى وأولى، والشرع لم يرد بتحريم مصلحة لا ضرر فيها، ويعضده ما قاله الطوفي من جواز التمسك بالمصلحة المسترسلة إذا دعت الضرورة إلى ذلك. انتهى.
ووجدت بخط الشيخ عبد الوهاب بن موسى جد عبد الوهاب ابن عبد الله من المساقاة: ولا تصح بجزء من الشجر، ولا بجزء من ودي يغرسه ويعمل عليه حتى يحمل ولا بجزء مما لا يثمر كصفصاف. انتهى. وأظنها من "الرعاية".
ما قولكم في منحاة قاصرة، هل يجوز حفر أسفلها وجعل دباب - ولو وصل السوق - بأن يغرز الحفر ولا يحصل ضرر على المار؟
стр. 360
وإذا احتاج إنسان لسقي أرض له من بئر أخرى وبينهما سوق، هل يجوز أن يحدث فيه ساقياً ويطم بأحجار بحيث يظن أن لا ضرر يترتب على ذلط؟
الجواب: الظاهر: حيث لا ضرر في المنحاة، أنه إذا أذن فيه الإمام أو نائبه في الشارع، أو أذن أهله في غيره، أنه بمنزلة الساباط ونحوه أسبه، وكذا الطريق لسقي الأرض كذلك، والله أعلم، كتبه عبد الله ابن محمد بن ذهلان، ومن خطه نقلت.
ومن جواب لسليمان بن علي: وإذا صالح المساقي، أو أخذ أجرة، أو أبرأ المالك على سقيه، أو باعه، صح ذلك كله. ولو كان له غرماء، لم يكن لهم عليه اعتراض ولو كان دينه أكثر من ماله، لصحة تصرف المفلس قبل الحجر عليه. لكن إن كانت الثمرة مرهونة رهنا صحيحا، لم ينقذ تصرف المساقي بغير إذن الراهن. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": وما فضل من شجره بعد جذاذه، أو قطافه، أو في أرضه من بصل أو فجل أو نحوه بعد قلمه، أو في مقثاته بعد قطفها ونحو ذلك، يجوز أخذه، وهو من باب ما تركه أهله رغبة عنه، لأنه في منزلة ساقط لا تتبعه الهمة، لكن لابد من تحقق الرغبة عنه، ويتوجه الاكتفاء بغلبة الظن في ذلك. انتهى.
قوله في الإحداد: وتخرج لأذاها إلى آخره.
مثله لو أراد مالك دار يؤجرها على رجل سوء، فللجار منعه إذا كان فاسقا (أو سارقا) أو بائقا أو بذيء اللسان، وقد أفتينا بذلك، قاله شيخنا.
وفي الملتقط: أهل قرية غرمهم السلطان، إن كانت الغرامة لتحصين أموالهم، فعلى قدر أملاكهم. وإن كانت لتحصين الرؤوس، فعلى عدد
стр. 361
الرؤوس، ولا يدخل الصبيان والنساء. انتهى. وهذا ملخص من جواب لسيف بن غراز، وذلك أنه ذاكر الشيخ أحمد وجماعته، وكذلك أحمد بن شبانه، وعبد الرحمن بن عبيد في مسألة المساقاة بمكتوب، فراجعوه برده وعدم التسليم، فكتب هذا، ولخصنا منه ما تيسر:
بعد، فوصل المكتوب وهو مشعر بشدة تمضغكم بذلك المكتوب وليس فيه ما يوجب ذلك، لأني مبالغ في التلطف في الخطاب.
وقابلتموه بهذه الغلظة الشديدة، ونسبتم أنه جمع الغث والسمين، والصواب وضده، ولم يظهر لكم ذلك بصريح من النقل. وقد عن لي ألا أجيب مكتوبكم لما فيه الإيحاش، ثم بدا لي بالإجابة بما لا إيحاش فيه، سواء قابلتم ذلك بالقبول أو الرد. قال ابن رجب:
التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضررا على أحد المتعاقدين، لم يجز ولم ينفذ، إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه، فيجوز على ذلك. ثم ذكر منها فسخ المالك بعد ظهور الثمرة، أن نصيب العامل فيها ثابت، وكذلك لو فسخ العامل بعد ظهور، فهذا مع عبارة الأصحاب: إن العامل إذا فسخ بعد ظهور الثمرة عليه تمام العمل، يفيد أن عليه من العمل بعد الفسخ ما كان عليه منه من قبل الفسخ. وقد صرحوا بصحة المساقاة على ودي النخل بجزء من ثمرته إذا أثمر مع كونه لا ثمرة فيه مدة طويلة ... إلى أن قال: والحاصل أن المفهوم من هذه العبارات وأمثالها، أن الفسخ لايستفيد به الفاسخ شيئا، لأنه إذا كان المالك، فالعامل ملك حصته بالظهور، وإن كان العامل فكذلك، لأن عليه من العمل بعد الفسخ ما كان عليه قبله، وموجب ذلك ظهور الثمرة، ولا عبرة بتلفها بعد ذلك أو بعضها، وهذا ظاهر لمن أنصف.
وبالجملة فالقائل بعدم وجوب العمل على العامل إلا فيما فيه ثمرة
стр. 362
موجودة، لا دليل له من كلامهم. ومما يؤيد ما ذكرنا غلبة وقوع هذه المسألة في العادة، ومثلها مما يكثر وقوعه، ويكون العمل ساقطا عن العامل بالنسبة لما يحمل، أو لما حمل ثم تلف، ولا يمكن أن يغفلوا عن ذكر ذلك، لاسيما والحق لآدمي مبني على الشح والضيق، فخلو النخل عن حيل بعضه أو تحيل بعضه، لا تخلو العادة منه، والله أعلم، كتبه من خطه ملخصا.
ومن جواب للشيخ أحمد بن محمد القصير لبقا، بعد كلام له سبق: فأما إن ادعاه، فقال: أدعي عليك في البقرة التي بعت - أو باع وكيلك - على عيب كذا ويسميه، فأنكرته وتعذر عليه البينة، فله يمينك، وصفتها: والله الذي لا إله إلا هو، لقد باعت عليك زوجتي تلك البقرة، وإنها بريئة من العيب الذي تدعي فيها، أو لقد باعتها عليك وهي سليمة منه. ذكر ذلك في "المستوعب" و "المغني" و "الانصاف" و "الاقناع" في القسامة. وكلام الشيخ منصور في "الإقناع" في هذه المسألة، لا أدري يتم أم لا؟ فيه تأمل.
والكي، فليس عيبا مطلقاً، لكن إن كان على مفصل، فهو عيب، واعلم أن فصل الخطاب في الكي وغيره، أنه ما نقص عين المبيع أو قيمته في عرف التجار، وتمامه فيه. أجاب به مسند بن محمد في "المجمعة" ومن خطه نقلت.
قال في "الشرح الكبير":
فصل: ويجوز بيع الجوز، واللوز، والفستق، والباقلاء، الرطب في قشرية مقطوعا وفي شجره، وبيع الطلع قبل تشققه مقطوعا وفي شجره. انتهى.
الفحال المشترك إذا طلب أحد الشركاء سقيه، أجبر الممتنع بشرط
стр. 363
كون السقي يزيد في ذاته قوة، أو نمائه. فإن اختلفا ولا بينة، فقول طالب السقي، لأن الظاهر معه، كتبه أحمد بن محمد، ومن خطه نقلت. انتهى.
الذي استقر عندنا لزوم المساقاة بالظهور. ويلزم سقي النخل الحائل كالحامل، كتبه عبد الله بن محمد بن ذهلان، ومن خطه نقلت.
وإذا أكل الجراد بعض الثمرة بعد الظهور، لزم العامل إتمام العمل بسقي النخل الذي بقيت ثمرته، والذي تلفت ثمرته، وكلام "الرعاية" و "الاقناع" كالصريح في ذلك، ودليله واضح بأنه بظهور الثمرة يلزم العامل تمام العمل، بقيت الثمرة أو تلفت، كلا أو بعضا، لأن ملك العامل تام على نصيبه. إن بقي، فله، وإن تلفت فمن ماله. ولا يلزم من صحة فسخ المساقاة بعد الظهور عدم لزوم العامل إتمام العمل.
والظاهر أن من فوائده عدم ملك العامل لشئ مما يحدث بعد فسخه من الثمرة مما لم يظهر منها، وعدم إلزامه بالعمل بعد الفسخ لما يستقبل من السنين الآتية فيما إذا كانت المساقاة غير موقتة، وما قلنا، هو الذي كان يعتمده ويفتي به شيخنا عبد الله بن محمد بن ذهلان عفى الله عنه وسامحه، كتبه عبد الله بن أحمد، ومن خطه نقلت. ومن جواب للشيخ عبد الوهاب في ذلك: ظاهر كلام الأصحاب حيث أطلقوا أن العامل يلزمه تمام العمل بظهور الثمرة، فإنه يلزمه سقي جميع ما في البستان الذي وقعت في المساقاة سواء أطلع جميعه، أو حال بعضه، أو تلف بعض ثمر الشجر، لزم العامل سقي الجميع إلى أن تكمل الثمرة، لأن المساقاة على الكل لا على أعيان كل شجرة أو نخلة، ومن المعلوم أن الثمر لا يتناهى كما له في وقت متحد، فإن بين مباكير النخل الذي في البستان الشهر وأكثر نجدها قبل هذه، ولم يفصل الأصحاب أن كل نخلة جذ ثمرها، أو حالت، تنفسخ، أو له الفسخ قبل كل الثمرة، أي ثمرة جميع
стр. 364
البستان، بل أطلقوا أن العامل عليه تمام العمل إلى كمال الثمرة، فسخ أم لا، فإن من النخل ما يباطن فيحمل سنة ويحيل أخرى. وصرحوا أن المساقاة تصح على دوي مغروس وغير مغروس مدة يحمل فيها غالبا بجزء ثمره، ومن المعلوم أنه لا يحمل في سنة واحدة. وما أجاب به الشيخ محمد، وهو الصواب لا يجوز العدول عنه. انتهى ملخصا. ومن خطه نقلت. فراجعه بعض الإخوان في ذلك، فكتب عبد الوهاب ما ملخصه:
وبعد، فقد وقفت على ما ذكرت من التمثيل بما لا طائل فيه. واعلم أن المفهوم حل العبارات بالمفهوم الموافق للمنقول، وأما القياس فممنوع محرم، فوظيفة متفقه الزمان الإخبار بما رآه مسطوراً لمن سأله، وما سواه يكف عنه، وإلا كان آثماً خائنا، مع أن ما ذكرتم غير مطابق لحكم المساقاة، ولا موافق، فكيف يصدر هذا من متفقه، سبحانك! هذا افتراء على مذهب الإمام أحمد، فإن العامل في المضاربة يجب عليه التنضيض وإن لم يكن في المال ربح، بخلاف المساقاة إذا لم تظهر الثمرة. والأصحاب أطلقوا أن العامل في المساقاة إذا فسخت بعد الظهور للثمرة، بأنه يجب على العامل إتمام العمل، فيجب على العامل سقي النخل الحائل، وما تلفت ثمرته، وما جذت، إذ الثمرة لا تتكامل في وقت واحد، ولم ينقل خلف عن سلف أن رب البستان يكلف سقي ما حال، أو تلفت ثمرته، أو جذت من أوائل النخل، وأنه لا يجب على عامل إلا سقي ما عليه ثمرته فقط. هذا خلاف ما أطلق الأصحاب.
وقد صرحوا بجواز المساقاة على ودي نخل مغروس من ثمرته مدة يحمل فيها غالبا، ومن المعلوم أنه لا يتكامل حمله في سنة واحدة بل في سنين عديدة، فإن العامل في البستان متعلق استحقاقه لنصيبه من ثمرة
стр. 365
كل شجرة بسقي جميع البستان حيث أطلقت، بخلاف قوله: ساقيتك على كل نخلة بنصف نمائها، لكن لما قلتم وجه، لكونها على أعيان النخل. ومسألتنا على جميع البستان، هذا هو الذي عليه قدماء متفقهة قطرنا، ومن عرفنا وعرفه غيرنا، فأنت تدارك نفسك. انتهى ملخصا.
فروجع ثالثا، فكتب ما ملخصه: لقد وقفت على هذا الجواب وما تضمنه من زكاة الخطاب، من استدلاله بكلام الأصحاب، وحمله على غير الصواب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فهذه مصيبة في الدين. وكيف تنقل كلام ابن حمدان وابن عطوة ولم تمتثل مقالهما، وكذا غيرهما من الأصحاب. ولا يخفى على متفقه أن المساقاة عقد جائز، فمع الفسخ بعد ظهور الثمرة، ولو ثمرة شجرة على ما ذكره الشيخ مرعي، أنه يجب على العامل تمام العمل، وقد عومل على جميع البستان، فيجب عليه إتمام العمل، فمن أين وجدتم هذا التفصيل؟ من أي كتاب؟ وعمن أخذتم؟ فلم نجد من فصل لا في كتب الترجيح ولا الخلاف، بل أطلقوا:
حيث فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة، وجوب إتمام العمل على العامل.
ومعلوم أنهما دخلا على ذلك في شجر معلوم، فإذا عمل في البعض، فما أتم العمل. ويجب على القائل بالتفصيل إقامة البرهان على ذلك، وإلا وجب الكف. وأوهمكم قولهم: وعلى عامل ما فيه نمو إلى آخره.
إن هذا إذا وقع على شجر له ثمر موجود وقت عقد المساقاة، وليس الأمر كذلك، فإن الثمرة لا تخلق ولا تنمو إلا بالسقي وذلك واجب على العامل. وقد صرح في "الإقناع" أن العامل إذا شرط له من كل نوع جزءاً آخر، أن ذلك بمنزلة المساقاة على بساتين، بمعنى أنه لا يجب على العامل سقي النوع الآخر إذا جذ. وما استدل به من قولهم: وإن ساقاه على مدة تكمل فيها الثمرة غالبا إلى آخره، فهذا دليل واه، هذا في بستان لم يحمل منه شئ. ومسألتنا حمل بعضه أو تلف، فيجب
стр. 366
على العامل سقي جميع ما في البستان حيث كان نصيب العامل متحداً من الجميع إلى جذاذ الجميع، ولايجوز التفصيل إلا بدليل، وأئمة المذهب مطلقون وأنتم تفصلون، ليت ما كان منكم ما كان، وكانت حالكم عندنا مستورة، وليت لكم سلف في القضية. وقد أرسلت إليكم رسالة نصيحة فقابلتموها بهذه المفاهيم الواهية، والله أعلم، ومن خطه نقلت.
ومن جواب له أيضا: إذا ملك العامل نصيبه من الثمرة في المساقاة بالظهور، ثم رهن نصيبه رهنا مقبوضاً في دين معلوم، ثم عجز العامل عن إتمام العمل، قدم الحق السابق وهو إتمام العمل، وليس للمرتهن إلا ما فضل عن العمل، والله أعلم، ومن خطه نقلت.
ومن جواب لعبد الله بن أحمد بن شويهين: ومسألة المساقاة: إذا أكل الجراد بعض الثمرة بعد ظهورها، فما عندنا فيها زيادة عما علمتم فيها: بأنه يلزم العامل إتمام العمل بسقي النخل الذي بقي ثمره، وسقي النخل الذي تلفت ثمرته. وكلام "الرعاية" صريح في عدم بطلان عقد المساقاة بتلف الثمرة بعد الظهور، وأنه يلزم العامل إتمام العمل. وكلام "الإقناع وشرحه" صريح في عدم بطلان العقد بتلف البعض. والظاهر أنها لا تبطل بتلف الكل، ودليله واضح بأن ظهور الثمرة يلزم العامل إتمام العمل، بقيت الثمرة أو تلفت، كلا أو بعضا، لأن ملك العامل تام على نصيبه، إن بقي، فله، وإن تلف، فمن ماله. ولا يلزم من صحته فسخ المساقاة بعد الظهور عدم لزوم العامل. والظاهر أن من فوائد صحة الفسخ عدم ملك العامل لشئ مما يحدث من الثمرة مما لم يظهر منها، وعدم إلزام العامل بالعمل بعد الفسخ لما يستقبل من السنين الآتية فيما إذا كانت غير موقتة. وإن ظهرت والحالة هذه، لم يملك العامل منها شيئا لبطلان المساقاة بفسخها، وهذا هو الذي يعتمده شيخنا ويفتي به، ومن خطه نقلت.
стр. 367
قوله: وإن كانت الأرض أو السطح الذي يجري عليه الماء مستأجراً الخ.
الظاهر أن الأرض إذا كانت وقفاً، لم يجز الصلح على إجراء ساقية فيها، لانفساخ الإجارة بموت المؤجر، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": الخامس: لو دخل لص إلى ملك رجل من ملك غيره، فلا ضمان على صاحب الملك ولو تهاون في عمارته.
السادس: هل للإمام أن يؤجر شيئاً من طريق المسلمين؟
يتوجه أوجه: الأول: لا يجوز، كالبيع، الثاني: الجواز. الثالث: إن كان لمصحلة، جاز، وإلا فلا. انتهى.
ومن جواب لمحمد بن عثمان الشافعي: الودي النابت في الأرض، فهو لمالكها لا للمستأجر وإن حصل نموه بفعل المستأجر من سقيه ومعاهدته. انتهى.
في القاعدة الخمسين ما يشعر أن تملك زرع الغاصب كفسخ الخيار، لا ينفذ بدون نقد الثمن وقت التملك، وكالشفعة، هل يملكه بالشفعة، أم لابد من نقد الثمن؟ فليراجع. قال في "الانصاف":
الثالث: ظاهر كلام ابن عقيل السابق أنه لا يجوز إجارة العين إذا كانت مشغولة، وقد قال في "الفائق": ظاهر كلام أصحابنا عدم صحة إجارة المشغول بملك غير المستأجر، وقال شيخنا: يجوز في أحد القولين، وهو المختار. انتهى.
وقال أبو العباس: فيمن استأجر أرضا من جندي وغرسها قصبا، ثم انتقل الإقطاع عن الجندي، إن الجندي الثاني لا يلزمه حكم الإجارة الأولى، وإنه إن شاء، يؤجرها لمن فيها له القصب، أو لغيره. انتهى.
قلت: قال شيخنا البعلي: ظاهر كلام الأصحاب صحة إجارة المشغولة بملك لغير المستأجر، من إطلاقهم جواز الإجارة المضافة، فإن عموم
стр. 368
كلامهم يشمل المشغولة وقت الفراغ، بغراس، أو بناء أو غيرهما. انتهى.
وقال في "الفروع" ك ولا يجوز للمؤجر إجارة المشغولة بغراس الغير أو بنائه بعد فراغ مدة صاحب الغراس والبناء. وقال أيضا:
لا يجوز إيجاره لمن يقوم مقام المؤجر كما يفعله بعض الناس. قال:
وأفتى جماعة من أصحابنا وغيرهم في هذا الزمان أن هذا لا يصح، وهو واضح، ولم أجد في كلامهم ما يخالف هذا. قال: ومن العجب قول بعضهم في هذا الزمان الذي لم يخطر بباله من كلام أصحابنا: إن هذه الإجارة تصح، كذا قال. انتهى.
وقد قال تقي الدين في "الاختيارات": ويجوز للمؤجر إجارة العين المؤجرة من غير المستأجر في مدة الإجارة، ويقوم المستأجر الثاني مقام المالك في الاستيفاء من المستأجر الأول، وغلط بعض الفقهاء، فأفتى في نحو ذلك بفساد الإجارة الثانية ظنا منه أن هذا كبيع المبيع، وأنه تصرف فيما لا يملك، وليس كذلك، بل هو تصرف فيما يستحقه على المستأجر. انتهى.
ومن كلام تقي الدين، قال: وأفتيت أميرا مقدما على عسكر كبير، في الحرامية إذا نهبوا أموال المسلمين فلم ينزجروا إلا بالقتل، أن يقتل ما ينفكون بقتله ولو أنهم عشرة، إذ هو من باب دفع الصائل. وأمرت أميراً آخر خرج لكف الفتنة بين قيس ويمن - وقد قتل بينهم ألفان - أن يقتل من يحصل بقتله كف الفتنة ولو أنهم مائة. انتهى.
ومن جواب لسليمان بن علي: ومسألة إجارة العقار الموقوف، فإن كان المؤجر الناظر الخاص أو الحاكم، لم تنفسخ، وإن كان المؤجر غير الناظر، لم تنفسخ في وجه، قال "المنقح": وهو أشهر، وعليه العمل. انتهى.
فمتى حكم به حاكم، لزم ولم تنفسخ، ومتى قلنا بالانفساخ،
стр. 369
خير مالك الأرض بين تملك الغراس بالقيمة أو تركه بالأجرة، أو قلعه وضمان نقصه. وكذلك لو قلنا بفساد العقد لتضمنه إذنا. انتهى.
ومن "حاشية ابن قندس على الفروع" بعد كلام له سبق: والظاهر أن المصنف وافق أبا العباس على قوله، فإنه حكاه ولم يخالفه، فالظاهر أنه يقول به، فإن هذه طريقة المصنف إذا حكى عن قول غيره ولم يخالفه، فالظاهر أنه يقول به، فإنه ذكر في "الفروع" هذا المعنى ... إلى أن قال: وقد عرف من عادته أنه إذا نقل عن شخص شيئا وفيه له معارضة، عرضه وبين ما فيه، إما بطريق التفصيل، أو بطريق الإجمال، كقوله:
كذا قال: فمع سكوته يكون فيه إشارة على إقراره وموافقته. ولقد ذكر المصنف عن شخص أنه ذكر قول شخص آخر ثم قال: والظاهر أنه يقول به، وهذا قوي جدا. انتهى.
ومنها قوله: قالوا: إنما تشترط القدرة على التسليم عند وجوبه.
لا يلزم منه عدم صحة إجارة المشغول إذا كانت المنفعة للمؤجر، لأنه إذا كانت مملوكة له، فهو قادر على التسليم لعدم وجود ما يمنع ذلك، وإنما يمتنع إذا كانت المنفعة مملوكة لمن هي مشغولة بملكه والمسألة مفروضة في غير ذلك. وإذا كان كذلك، لم يبق للمصنف فيما ذكر دليل. فإن اتضح لذلك ما يصححه، عمل به، وإلا تعين العمل بما ذكر من تصحيح إجارة المشغول، كما ذكره أبو العباس في مسألة الغصب، واختاره في "الفائق".
وقوله في "الفائق": ظاهر كلامهم أنه لا يصح.
لم يذكر دليلا، لكنه موافق لما ذكره ابن القيم في "إعلام الموقعين"، والخلاف في المسألة معروف، وإنما المراد في كلام الأشياخ، هل يقتضي صحة ذلك أو عدمه؟ والذي ظهر لي الصحة.
وقوله في "الفصول": لا يتصرف مالك العقار في المنافع بإجارة
стр. 370
ولا إعارة. إلا بعد انقضاء المدة واستيفاء المنافع.
ظاهره أن بعد انقضاء المدة واستيفاء المنفعة المستحقة بعقد الإجارة، لأنه يتصرف ولو كانت مشغولة بغراس الأول أو بنائه. فهو يدل عليه عكس قول المصنف، لأن المصنف جعله دليلا على عدم إجارة المشغول.
والذي يظهر كما ترى في كلامه عكس ذلك. نعم! فيه دليل على أن إجارة العين المؤجرة في مدة إجارة الأول لا تصح، فظاهره أن إجارة المضاف في مثل هذه الصورة لا تصح.
وقوله: وأفتى جماعة من أصحابنا وغيرهم في هذا الزمان أن هذا لا يصح.
قول الشيخ تقي الدين في مسألة الغصب يخالف ما أفتى به الجماعة، ويصحح إيجاره لمن يقوم مقامه.
وقوله: هذا واضح لم يظهر وضوحه، بل الواضح خلافه، لما ذكروه في مسألة المضاف، واختاره صاحب "الفائق" وذكر أبو العباس في مسألة القصب أنه الصحيح.
فقوله: لم أجد في كلامهم ما يخالف هذا. فهذا كلام الشيخ في مسألة القصب يخالفه، وظاهر كلامهم في إجارة المضاف يخالفه، لأنهم لم يشترطوا فراغها عند أول مدة الثاني، مع أن اللازم غالبا في الغراس والبناء أنها تكون مشغولة عند فراغ مدة الأول. فإذا كانت مدة الثاني تلي مدة الأول، لزم أن تكون مشغولة أيضا، وليس في كلامهم ما يمنع من إجارة المضاف في مثل هذه الصورة.
وقوله: ومن العجب قول بعضهم في هذا الزمان الذي يخطر بباله من كلام أصحابنا: إن هذه الإجارة تصح.
هذا الذي خطر ببال هذا القائل، هو مقتضى ما حكاه المصنف في قوله: وقد قال شيخنا إلى آخره.
стр. 371
وقد صرح في "الاختيارات" ف نقل هذه المسألة عن الشيخ أنه قال: ويقوم ذلك الغير فيها مقام المؤجر، وهذا القول هو اختيار صاحب "الفائق" فإنه قال: ظاهر كلام أصحابنا عدم صحة إيجار المشغول بملك غير المستأجر، وقال شيخنا: يجوز في أحد القولين، وهو المختار.
وصرح ابن القيم بعدم الصحة، ذكره في كتاب الحيل في "إعلام الموقعين" وهو مخالف لما ذكره شيخه في مسألة القصب. ولعل ما خطر ببال هذا القائل من كلام الأصحاب، حصل من قولهم: يصح إجارة المضاف، سواء كانت مشغولة أو لا، ولم يفرقوا بين كونها مشغولة بملك المستأجر أو غيره، ولم يصرحوا أنه يشترط فيما إذا كانت مشغولة فراغها عند دخول مدة الثاني، وإذا جاز عند دخول مدة الإجارة أن تكون مشغولة بملك غيره، ويكون الحكم فيما إذا عقد عليها وهي مشغولة، ويكون ما قاله الشيخ في مسألة القصب: إن المستأجر يقوم مقام المؤجر، والذي ينبغي حيث قلنا بالصحة أنه لابد من قدرة المستأجر على أخذها ممن هي مشغولة لملكه، كما قالوا في بيع المغصوب من غير غاصبه: إنه لا يصح إلا إذا كان قادرا على أخذه منه، وأقل أحوال هذا أن يكون كذلك، فتلخص أن في المسألة خلافاً، واختلفوا في الراجح، فالمصنف يقول بعدم الصحة وأنه مراد الأصحاب، وفي "الفائق" هو ظاهر كلامهم، والثاني: يصح، وهو الذي خطر ببال بعضهم من كلام الأصحاب على ما ذكره المصنف، وقال في "الفائق": وهو المختار، وهو مقتضى كلام أبي العباس في مسألة الغصب، وكذا قد ذكر في "الاختيارات" هذه المسألة، إلا أنه قال: وله أن يؤجرها لمن له فيها القصب، وكذا لغير على الصحيح، ويقوم ذلك الغير فيها مقام المؤجر.
وظاهر كلام أشياخ مذهب أحمد في إجارة المضاف، أن الأرض إذا كانت مؤجرة للغراس مدة، وأجرها لغير صاحب الغراس المدة التي تلي
стр. 372
مدة صاحب الغراس، أن الإجارة تصح مع أنها تكون غير فارغة غالبا. انتهى.
قال ابن عطوة: من أقر بأخذ مال غيره، لم يبادر بإيجاب ضمانه حتى يفسر صفته، أعداؤنا الأخذ أو مباحا؟ وإن بادرنا، فلأن الأصل فيه صفة العدوان، كاليد دليل الملك، إلا أن يقوم دليل عليه. وذكر في "المعتمد": من أخذ ما يقع عليه اسم مال من غيره قل أو كثر، فإنه يفسق به. انتهى.
قوله: ولا يصح استئجار دابة بعلفها إلا أن يكون إلى آخره.
فيقول: لها كل يوم صاع بر أو صاع شعير صفته كذا وكذا، أو خمس وزان عرفج صفته كذا، ومثلها تبن صفته كذا وكذا، قاله شيخنا.
ومن "جمع الجوامع": المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابة بعلفها، وكذلك المرضعة، وفاقا لمالك. ثم قال: ثم إن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها فيلزمه بأجرة مثله، فالحيلة في تصحيح ذلك أن يستأجره بنقد معلوم يكون بقدر الطعام والكسوة، ثم يشهد عليه أنه وكله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته، وكذلك الدابة. انتهى.
قال في "الاختيارات": ومن كسب مالا حراما برضى الدافع ثم تاب، كثمن الخمر، ومهر البغي ونحوهما، فالذي يتلخص من كلامه أن القابض إن لم يعلم بالتحريم ثم علم، جاز له أكله، وإن علم تاب، فإنه يتصدق به، وله أكله إن كان فقيرا، فله قدر كفايته. وإذا عرف ربه، هل يلزمه رده، أم لا؟ على قولين. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": وأما المضار العامة، فالكلام فيها على مقامين:
الأول: الإجارة على رفعها وردها، فيجوز ذلك ... إلى أن قال:
стр. 373
الثاني: من المضار العامة العواني الذين يتعاونون على الناس إلى الظلمة، فيحرم أن يؤجر دابة يركبها ليتقوى بها على الاطلاع على أمور الناس، وأن يؤجر ما يستعين به في ذلك، أو أن يساعده أحد على ذلك بأجرة.
الرابع: من المضار العامة: الظلم، فلا يجوز الاستئجار على الظلم، ولا لأحد أن يؤجر نفسه للظلمة بجميع الظلم، ولا يكتبه، ولا يحملولا يعين عليه بوجه من الوجوه، ولا تصح على ذلك. انتهى.
قوله: يوصله إلى مقره.
أي مقر البلد، وهو ربضه، ومناخه، وموضع سوقه الذي عادة القوافل الإناخة فيه. وإذا استأجر أرضا مدة فمات المستأجر في أثنائها وله أولاد وصغار، فللولي إجارتها مدة طويلة لأن ملكهم المنافع لا الرقبة، قاله شيخنا.
الظاهر صحة الإجارة على سقي أحواض النخل المعلومة بالمشاهدة وكذا الزرع، لأن اختلافه يسير. ولقد رأيت في بعض نسخ "المغني" وهي نسخة قديمة صحة الإجارة على سقي الزرع. وقيل: تصح الإجارة على سقي النخل عاما، والمرجع في السقي للعرف، قاله شيخنا. وقد تقدم ما يشعر بذلك.
قال في "شرح المنتهى": قال في "الفروع": وظاهره ولو ظن عدم العاقد ولو مدة لا يظن فناء الدنيا فيها، وفي طريقة بعض أصحابنا:
الشرع يراعي الظاهر، ألا ترى لو اشترط أجلا تفي به مدته، صح، ولو اشترط مائتي سنة أو أكثر، لم يصح. انتهى.
قال في "جمع الجوامع": لو دخل لص إلى مالك رجل من ملك غيره، فلا ضمان على صاحب الملك ولو تهاون في عمارته أو عمارة بعضه، وكذلك إن دخل عليه منه كلب أو سبع أو غيرهما، لكن إن
стр. 374
كان لا يمكنه زوال ضرر نفسه إلا بعمارته، فعليه أن يزيل ضرره بعمارته، أو بيعه إن عجز عنه.
وإذا وضع نعله أو قبقابه في المسجد، جاز. فإن تلف به شئ لم يضمن في قياس المذهب.
وإذا وضع في المسجد سطلا أو جرة ونحو ذلك ليشرب منه الناس، جاز.
الثالث عشر: إذا وضع عشبا لقتل بهيمة بمكان فأكلته بهيمة الغير (فماتت) فلا ضمان عليه إلا أن يضعه لها قصد قتلها، فإنه يضمن. انتهى.
إذا كان عنده دين أو وديعة لمجهول الآن، فدفعه إلى الحاكم، برئ ..
فلو رده إليه الحاكم لمعنى فيه، كفقر ونحوه، جاز له، قاله شيخنا.
قال في "الإنصاف": فإذا اكترى حنطة، فله زرع شعير ونحوه، ولا يملك الغرس ولا البناء. فإن فعل لزمه أجرة المثل.
وإن اكترى لأحدهما، لم يملك الآخر. وإن اكتراهما للغرس، ملكه للزرع وهذا المذهب.
وإذا استأجر دابة لحمل قفيز فزاد عليه وتلفت، ضمنها مطلقا، ولو بعثور أو عدو، ولو كان مالكها معها، لأنه لم يرض بالزيادة، والظاهر ولو قلت الزيادة. وإن أجره في الذمة على حمل القفيز، فأتى له ببعير فزاد عليه وتلف، فهل يضمن كالأولى، أو لا؟
فيها ثقل، وضمانه أقرب كالأولى، قاله شيخنا.
قال في "المنتهى": ولو شرط عليه مدة تعطيلها. في هامشه بخط الشيخ منصور ذكر أنه من خط مؤلفه.
стр. 375
قوله: لم يصح. أي الشرط، وبطلت الإجارة لأدائها إلى الجهالة. انتهى.
الخسارة المطلوبة من محلة أو قرية تكون على قدر الأموال من نقد وحيوان وعقار وغيرها. ويجب التساوي فيها على عدد الرؤوس، كتبه البلباني. انتهى.
وله أيضا: الوقف على جماهة لا يمكن حصرهم، ولاية إيجاره للحاكم، سواء كان لا يمكن حصرهم أولا، أو ثاني حال وليس له حد يعرف به، أما ضابطه، عدم الامكان، كتبه محمد الحنبلي.
قوله: ولا يجعل في الدار رمادا ولا زبالة إلى آخره.
هذا شئ يأتي به من خارج، وما حصل من رماد بسبب وقود الساكن فيها، فالظاهر جوازه لأنه العرف، فإذا خرج لزمه نقله، قاله شيخنا.
قوله: وإن استأجر الدابة للسقي، فلابد من معرفة الغرب إلى آخره.
هذا على ظاهره، فإذا تلف ذلك الغرب، فهل تبطل أم لا؟ الظاهر بطلانها، قاله شيخنا.
من "القواعد": وأما المساقي، إذا ظهر الشجر مستحقا بعد تكملة العمل، فللعامل أجرة المثل، لعمله على الغاصب. والأموال المغصوبة، أو المنهوبة، أو المسروقة، كلموجود مع اللصوص، وقطاع الطريق ونحوهم، يكتفى فيها بالصفة. انتهى.
إذا استأجر أرضا وأجرها آخر، وظهر فساد الإجارة الأولى، فالمالك يطالب كلا منهما، قاله شيخنا،
ما قولكم في قرية قريبة من البادية، ويرد على ماء منها ضوال الإبل، وعادة العرب إذا وجدوها أخذوها، بحيث أن ربها من حيث يفقدها
стр. 376
يحصل له الأياس منها، (هل) يجوز لأهل القرية امساكها، ولهم أن يتملكوها بعد التعريف أم لا؟
أجاب محمد الرملي: نعم! لهم أخذها إذا خيف امتداد الأيدي لها، وتعريفها ثم تملكها بعد ذلك بشرطه. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": ومنه ما في "الصحيحين" من لعب الحبشة بدرقهم وحرابهم، قد يؤخذ منه جواز رقص في عرس ونحوه، ولعب بسيف ونحوه. قال صاحب "الفروع" بعد كلام له سبق: اختار شيخنا ذلك، وقال: إنه أحد الوجهين معتمدا على ما ذكره ابن البنا، قال: فظاهره جواز الرهان في العلم وفاق للحنفية، لقيام الدين بالجهاد والعلم. وقال أبو الحسن ابن اللحام: قلت: وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم، ولا وجه لقوله. قلت: لكون صاحب " الفروع" سبقه إلى ذلك القول.
ما قولكم في المكس الذي يؤخذ من جدة مثلا من التجار بغير طيب أنفسهم، هل يفصل فيه بين أن يجهل ملاكه ويحصل اليأس من معرفتهم فيصير من أموال بيت المال، فيحل لمن رتب فيه أخذه والانتفاع به إذا كان ممن يستحق في بيت المال، وبين أن لا يجهل ملاكه، أو يجهل لكن لم يحصل اليأس من معرفتهم، فلا يصير من أموال بيت المال، ولا يحل لمن رتب فيه شيئا أخذه ولا التصرف فيه. وهل من القسم الثاني - وهو الحرام - ما لو أمكن معرفتهم بسؤال متولي قبض المكس، أو شهود القبض، أو مراجعة دفتر القبض إذا حصل العلم منهم بواسطة ولو بالقرائن؟
وهل منه أيضا ما لو شك هل حصل اليأس من معرفتهم، أو لا لأن الأصل احترام مال الغير وحرمة التعرض له حتى مسوغه؟ وهل إذا علم بعض ملاكه وأمكن علمه، وأيس من علم الباقين، ودفع متولي قبضه
стр. 377
لمن رتب له فيه ما رتب له، يمتنع عليه التصرف في جميعه، أو يلزمه اجتناب قدر حصة من علم منهم، أو أمكن علمه؟ وحيث حرم أخذه، فأراد رجل رتب له فيه قدر معلوم أن يتورع عن أكله، فاقترض مبلغا من شخص ليأكله ثم قضاه مما قبضه من مرتبه، هل ينفعه ذلك وتبرأ ذمته من دين القرض بهذا القضاء؟ وهل يلزمه عند القضاء منه إعلام المقرض بأن هذا المدفوع من المكس، وأنه حرام إذا كان المقرض ممن يجهل حرمة المكس ويظن جوازه ولو علم الحال ما قبله، أم لا؟ وهل تبرأ ذمته بهذا الإعلام إذا طابت نفس المقرض بهذا الأخذ من ذلك، أو لا تبرأ ولا عبرة برضاه مع حرمة المأخوذ؟ وهل يحرم على من رتب له القبض منه ويصير غاصبا بوضع يده عليه من ضمان المغصوب، أم لا؟ وهل إذا قبض شيئا منه، وعلم أربابه أو بعضهم، أو أمكن علمهم بالسؤال والبحث، ليتخلص من عهدة ما قبضه بدفعه إلى ملاكه، أم لا؟ أوضحوا لنا الجواب مفصلا عما في السؤال ببيان شاف كاف بصريح المقال، أثابكم الله الجنة وحسن المآب.
فأجاب سيدنا عمر بن عبد الرحيم الحسيني الحسني الشافعي:
الحمد لله في "شرح المنهاج للشمس الشربيني" ما حاصله:
خربت قرية وتعطلت ولم يعرف مالكها، هل للإمام إعطاؤها لم يعمرها؟ زجهان: نعم! أخذ من قول السبكي: كل ما لا يعرف مالكه ولا يرجى ظهوره، فلبيت المال، يجوز للإمام التصرف فيه كسائر أموال بيت المال، ويؤخذ منه ما عمت به البلوى من أخذ العشور والمكوس من نحو جلود البهائم التي تذبح وغير ذلك، تؤخذ من ملاكها قهرا ثم تصير بحيث لا يعرف مالكها، أي فتصير لبيت المال. انتهى.
وقوله: يؤخذ إلى آخره.
في "شرح المنهاج" للجمال الرملي: أيضا: ثم عقبه بقوله: وأفتى
стр. 378
به الوالد ﵀، إذا تقرر هذا، فحكم المال المفروض في السؤال أخذا مما ذكر، إن ما أيس من معرفة أربابه، صار لبيت المال، فيحل لمن هو بيده التصرف فيه حيث صرفه في مصارفه مراعيا محل الاستحقاق وقدره، ويحل لمن دفع له تناوله والتصرف فيه بالشرط المشار إليه.
وما لم يحصل فيه اليأس من معرفتهم، فموقوف إلى تحقق معرفتهم، أو اليأس حيث لم يعلموا في الحالة الراهنة، وواجب الدفع إليهم حيث علموا فيها قول السائل كثر الله فوائده.
وهل من القسم إلى آخره.
جوابه: إن اعتراف من بيده مال المكس، يثبت به، لأنه إقرار من له اليد، وهو مقبول عدلا كان أو فاسقا. وأما ثبوت استحقاق مدعيه بشهادة شهود المكس، فلا يتخرج على أصل المذهب من اعتبار العدالة في الشهود والرواة. نع! إن حصل العلم بأخبارهم لوصولهم عدد التواتر، وحصول الوثوق بقولهم، ووقوع صدقهم في القلب، وجب على من حصل له العلم بخبرهم العمل بقضية علمه، والثبوت بدفاترهم أولى بعدم القبول، لأن خط العدل لا يثبت به حكم فكيف بغيره؟ ! وهذا بالنسبة لظاهر الحكم، وإلا فالورع غير خاف، لاسيما عند توفر القرائن، ووجود مخائل الصدق.
وقوله: وهل منه إلى آخره.
هو كذلك، لما أشار إليه السائل أن المسوغ للتصرف صيرورته لبيت المال، وإنما يتحقق عند العلم باليأس، أو غلبة الظن الملحقة بالعلم حكما. وأما عند الشك والتردد ولو كان ناشئا عن نحو إخبار ممن تقدم ممن لم يثبت قوله في ظاهر الحكم، فالأمر فيه الوقف، كما علم مما تقدم.
وقوله: وهل إذا علم بعض ملاكه إلى آخره.
стр. 379
جوابه: ينبغي على تفصيل متفرع على اختلاف أحوال العمال، فقد يجمعون جميع المتحصل في وعاء واحد، وقد يوزعون على أوعية متعددة بحيث لا ينتقلون إلى الوعاء الثاني إلا بعد استيفاء الأول، ما جرت به عادتهم من المقادير وهكذا، وهذا القسم الثاني هو الواقع المأخوذ بالبندر المذكور من المراكب الهندية، كما هو المسموع من أهل الخبرة المشاهدين لصورة الحال. وحينئذ، فإن كانت صورة السؤال في القسم الأول أو الثاني، وقد علم اشتمال كل وعاء على ما أيس من معرفة أربابه، وم نلم يؤيس، فهي مسألة من خلط المال المغصوب بمال آخر ولم يتميز، فالمعتمد فيها أنه يمتنع على الغاصب التصرف في الجميع، فيحجر عليه في الجميع حتى يوصل القدر المستحق إلى مستحقه.
هذا ما أطبقت عليه كلمتهم، وإن حصل بينهم اختلاف في حصول الملك بالخلط، أعرضنا عنه خوف الإطالة.
وأفتى الإمام النووي فيمن خلط الحرام بماله، بأنه يكفيه عزل قدر الحرام، ثم يجوز في بعض الأوعية أن يكون جميع ما فيه من المال يؤيس من معرفة أربابه، فهي مسألة معاملة من اشتمل ماله على حلال وحرام، والمذهب المعتمد المعول عليه في الإفتاء، جواز معاملته والأخذ منه وإن كان أكثر ماله الحرام، ما لم يعلم المعامل أن المأخوذ من عين الحرام.
وقد أشار السيد السمهودي في كتاب "شفاء الأشواق في بيان حكم ما يباع في الأسواق" إلى مزيد بسط فيها.
ومنه ما حاصله: وإذا اشتمل السوق على حلال وحرام واشتبه، ولم يتميز عين الحرام، لم يحرم الشراء منه، وإن كنا نعلم أن الكثير في الأسواق الحرام، لفساد المعاملات، وإهمال شروطها، وكثرة الربا، والنهب والظلم وغير ذلك. وفي الصحيح: "أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي على شعير لأهله" ومعلوم أنهم
стр. 380
لا يتحرزون عن الربا، وثمن الخمور والمعاملات الفاسدة، مع أن الأصح إذا رأى ذميا باع خمرا مثلا وقبض ثمنها وأراد دفعها عما عليه، لا يحل للمسلم، لبطلان اعتقادهم وإن كانوا يقرون عليه، كما قاله شيخنا.
ونقل في "الخادم": والتعقيبات عن النص موافقة ذلك، بخلاف إذا لم يعلم المسلم حال ما أتاه.
وقد روى الترمذي، وقال: - حسن غريب - عن علي ﵁: "أن كسرى أهدى إلى رسول الله ﷺ هدية فقبلها منه، وأن الملوك أهدوا له فقيل منهم": وقد اشتهر أن مارية ﵂ كانت من هداياهم، فلم يجتنب ذلك ﷺ ، مع العلم بعدم تحرزهم عن ذلك.
وكان الصحابة ﵃ في زمنه ﷺ لا يتوقون معاملة الكفار والمنافقين، ولم يخل عصرهم من السرقة والغلول في الغنيمة، ولم يجتنبوا لأجل ذلك الشراء من أسواقهم. وقد روى جماعات من حديث معمر عن سليمان، قال: إذا كان لك صديق عامل، فدعاك إلى طعامه، فاقبله فإنه مهنأة لك ومأتمة عليه. قال معمر: وكان عدي بن أرطأة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان من ثريد فيأكل منها ويطعم أصحابه، قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة، فقال: قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا، وأحل لكم طعامهم. وقال منصور: قلت لإبراهيم النخعي: عريف لنا يصيب فيدعوني فلا أجيب، فقال إبراهيم: الشيطان يحرص في هذا ليوقع العداوة، وقد كان العمال يهمطون، أي يظلمون، ثم يدعون فيجابون.
وسألته عن صاحب الربا، فقال: اقبل ما لم تره بعينك.
стр. 381
وفي "فتاوى قاضي خان" عن بعض المشايخ: الأفضل أن لا يقبل جائزة السلطان، فإن كان له أموال ورثها، يجوز أخذ جائزته. قيل له:
لو أن فقيرا أخذها مع علمه بأنها غصب، تحل له؟ ! قال: إن كان خلط بعض الدراهم ببعض، فلا بأس، وإن دفع عين الغصب من غير خلط، لم يجز. قال أبو الليث: هذا الجواب مستقيم على قول أبي حنيفة، لأن عنده إذا غصب الدراهم من قوم وخلط بعضها ببعض، يملكها الغاصب. أما على قولهما، فلا يملكها، بل تكون على ملك صاحبها. انتهى.
ورأيت في "تذكرة السراج بن فهد": إن القطب القسطلاني استفتى عن قوم من المسلمين عرفوا بعدم توريث البنات، ما الحكم في تناول ما بأيديهم؟
فأجاب بما حاصله: إن لهم أحوالاً: منها أن يكون لهم مال اكتسبوا بوجه حل، فلا يحكم على ما بأيديهم بالحرمة للاختلاط، فهو كمعاملة آكل الربا من أهل المسلمين، وأهل الذمة الذين يستحلون بيع الخمور. قال: رأى هذه الفتيا ثم شافهه فيها صاحبها القطب، قال: فزادني بسطا ورخصة في أحوال الزمان، وقال: متى ضاق الأمر وسعه الدين، إذ لا حرج في الدين، وإنه رأى في تاريخ البلاد أن الإمام مالك أخذ من خزانة المنصور ما كان يطلقه من الأموال التي باع بها عقار عبد الله بن الحسن وماله، فإنه كان قد اصطفى أمواله. انتهى كلام السيد السمهودي.
وأما ما أشار على ما نقله عن "فتاوى قاضي خان" فيه سعة زائدة على ما عند الشافعية، فينبغي لمن ابتلي وخاف على نفسه الوقوع في ورطة الحرمة على طريق الشافعية في بعض الصور التي تقدمت الإشارة إليها، أن يقلل هذا الإمام الجليل بعد البحث والفحص عن صحة هذا النقل
стр. 382
بمراجعة أئمة المذهب المعول عليهم في إتقانه، فإن المذاهب لا ينبغي أخذها إلا عن أربابها، ويخلص نفسه من اقتحام الحرام في معتقده.
وأما ما نقل عن الإمام مالك على تقدير صحته، وكونه أخذه لنفسه لا ليعيده لأربابه كما يقضي به حسن الظن اللائق برفعة مقامه، فلعله محمول على أن الاثمان خلطت، وأن رأيه فيها بعد الخلط كرأي النعمان، أفاض الله على ضريحهما شآبيب الرحمة والرضوان.
ولعل هذه السعة المفهومة مما يحكي عن هذين الإمامين الجليلين مجمل قول: "التحفة" قيل ك كيف يستبعد القول بالملك، يعني في مسائل الخلط، وهو موجود في المذاهب الأربعة، بل اتسعت دائرته عند الحنفية والمالكية؟ ! انتهى.
هذا، وجميع ما تقرر من البسط في هذه المسألة إنما هو لبيان الحل الذي يخرج الإنسان من ورطة الفسق والعصيان، وإلا فاجتنابه من أجل القربات، وأعظم الوسائل في امتطاء أسنى المراتب، وفي شهرة ما ورد من الأحاديث والآثار ما يغني عن التطويل بإيرادها.
وما ورد من الاحتجاج به عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه وورثته كالحسن وأحزابه ﵃، فخرج مخرج التشريع، وبيان الأحكام التي قد يصير بها المكروه واجبا. وأما غيرهم من عامة الخلق الذي لم يكلف إلا بخويصة نفسه كأمثالنا، فالحكم في حقه إنما هو الكراهة، وتأكد ندب الاجتناب، ففي "التحفة" في صدقة التطوع فرع: قال في "المجموع" عن الشيخ أبي حامد، وأقره:
يكره الأخذ ممن بيده حلال وحرام كالسلطان الجائر. وتختلف الكراهة بقلة الشبهة وكثرتها، ولا يحرم إلا أن يتقين أن هذا من الحرام الذي تمكن معرفة صاحبه. انتهى.
وفي "الرسالة السمهودية" المشار إليها سابقا ما ملخصه: ولا نقاء
стр. 383
الشبهات أثر عظيم في صلاح القلب وتنوره، كما أن تناوله يكسب إظلامه، وإليه يشير قوله ﷺ في الحديث: "ألا وإن في الجسد مضغة" الحديث. ولهذا كان الأرجح لمن في يده مال في بعضه شبهة، أن يصرف لقوته ما لا شبهة فيه، ويجعل الآخر لنحو كسوة إن لم يف الأول بالجميع، لما في أكل الشبهة من التأثير في قساوة القلب، لامتزاج القوت باللحم والدم، فليحذر سالك طريق الآخرة الشبهة. انتهى.
وقول السائل كثر الله فوائده: وحيث حرم أخذه، فأراد رجل رتب له إلى آخره.
جوابه: إنه لا تبرأ ذمته به.
قوله: وهل يلزمه الإعلام إلى آخره.
جوابه: إنه إذا أعلمه بحقيقة الحال، وأبرأه براءة إسقاط لا براءة استيفاء، برئت ذمته من دين القرض لا من دين الغصب، وحاله حينئذ شبيهة بحالة من أصابته نجاسة مخففة فحاول إزالتها بملابسة ما هو أغلظ منها، لأن دين القرض ثبت برضى مالكه، بخلاف دين الغصب، فإنه بوضع يده عليه يصير ضامنا ضمان الغصب.
وقوله: وهل إذا قبض شيئا وعلم أربابه إلى آخره.
جوابه: إنه حيث علم، وجبت المبادرة بالدفع لهم، وحيث رجي العلم، وجب البحث عنهم حسب الطاقة، لأنه طريق إلى براءة ذمته الواجبة عليه، ووسائل حكم المقاصد، ونسأل الله التوفيق لمزاولة مناصحة النفس قبل مشارفة الحلول بالرمس، والله أعلم. انتهى.
إذا كان عليه دين وأوفاه من مال حرام، فأبرأه صاحب الدين ولم يعلم أن المال الذي استوفاه حرام، هل تصح براءته ويسقط، أم لا؟
стр. 384
أجاب الإمام النووي: إن أبرأه براءة استيفاء، لم يصح ولم تبرأ ذمته. انتهى.
ومن أجوبة له أيضا: وقد اتفق أصحابنا ونصوص الشافعي عليه فيما إذا غصب حنطة أو زيتاً أو غيرهما وخلطه بماله، قالوا: يدفع إليه من المختلط قدر حقه، ويحل الباقي للغاصب. وأما ما يقوله بعض العوام: اختلاط الحلال بالحرام يحرمه، فهذا باطل لا أصل له. وإذا أخذ مكاس من إنسان دراهم فخلطها بدراهم المكس، ثم رد عليه قدر دراهمه من ذلك المختلط، لا يجوز له ذلك إلا أن يقسم بينه وبين الذي أخذت منه بالنسبة.
وإذا سرق صبي مالا وسلمه لأبيه، ومات أبوه ولم يخلف شيئا، وبلغ الصبي وليس لأبيه تركة يؤخذ منها بدل المسروق، وجب على الابن ضمانه، لأنه من أهل الضمان في غرامة المتلفات. انتهى.
ما يقول السادة العلماء في مدينة لا يذبح فيها شاة إلا ويأخذ المكاس سقطها ورأسها وكوارعها مكسا، ثم يضع ذلك ويبيعه في الأسواق، وفي المدينة من لا يمتنع عن شراء ذلك وأكله من أهل المدينة وغيرهم، وليس يباع في المدينة رؤوس وأكارع وأسقاط غير هذا ولا يمكن غير ذلك، فهل يحرم شراء ذلك وأكله والحالة هذه أم لا؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب أبو العباس تقي الدين بن تيمية: هذه الأمكاس التي ذكرتم، حكمها حكم ما يأخذه الملوك من الكلف التي ضربوها على الناس، فإن هذه في الحقيقة تؤخذ من أصحاب الغنم الذين يبيعونها للقصابين وغيرهم، فإن المشتري يحسب أنه يؤخذ منه السواقط فيسقط من الثمن بحسب ذلك، وهكذا جميع ما يؤخذ من الكلف، فإنها وإن كانت تؤخذ
стр. 385
من المشتري، فهي في الحقيقة من مال البائع، وهذه الكلف دخلها التأويل والشبهة، ومنها ما هو ظلم محض ولكن تعذرت معرفة أصحابه ورده إليهم، فوجب صرفه في مصالح المسلمين، وولاية بيعها وصرفها لهم، فالمشتري لذلك منهم إذا أعطاهم الثمن لم يكن بمنزلة شراء المغصوب المحض الذي لا تأويل فيه ولا شبهة، وليس لصاحبه ولاية بيعه حتى يقال: إنه فعل محرما يفسق بالإصرار عليه، وفي المنع من شرائها - أي الأسقاط والأكارع والرؤوس - إضرار بالناس، وإفساد للأموال من غير منفعة تعود على المظلوم، فالمظلوم له أن يطالب ظالمه بالثمن الذي قبضه إن شاء، أو بنظير ماله. والتورع عن هذه من التورع عن الشبهات، ولا يحكم بأنها حرام محض، ومن اشتراها وأكلها لم يجب الإنكار عليه، ولا يقال: إنه فعل محرما لا تأويل فيه، فإن طائفة من الفقهاء أفتوا طائفة من الملوك بجواز وضع أصل هذه الوظائف، كما فعل ذلك أبو العباس الجويني في كتابه " غياث الأمم"، وكما ذكر ذلك بعض الحنفية. وما قبض بتأويل، فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه وإن كان المشتري يعتقد ذلك العقد محرما، كالذمي إذا باع خمرا وأخذ ثمنها، جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن، وإن كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر، كما قاله عمر ﵁: ولوهم بيعها، وخذوا أثمانها. وهذا كان سببه أن بعض العمال أخذ خمرا في الجزية وباع الخمر لأهل الذمة، فبلغ عمر ذلك فأنكر ذلك، وقال: ولوهم بيعها - أي الخمر - وخذوا ثمنها. وهذا ثابت عن عمر، وهو مذهب الأئمة. وهكذا من عامل معاملة يعتقد جوازها في مذهبه، وقبض المال، جاز لغيره أن يشتري منه ذلك المال وإن كان هو لا يرى جواز تلك المعاملة. فإذا قدر أن الوظائف قد فعلها من يعتقد جوازها لافتاء بعض الناس له بذلك، أو لاعتقاده أن أخذ هذا المال وصرفه في
стр. 386
الجهاد أو غيره من المصالح جاز لغيره أن يشتري منه ذلك وإن كان لا يعتقد جواز أصل القبض. وعلى هذا، فمن اعتقد أن لولاة الأمور فيما فعلوه تأويلا سائغا، جاز له أن يشتري ما قبضوه وإن كان لا يجوز هو ما فعلوه، مثل أن يقبض ولي الأمر عن الزكاة قيمتها فيشتري منه، أو مثل أن يصادر بعض العمال مصادرة يعتقد جوازها، أو مثل أن الجهاد وجب على الناس بأموالهم، وإن ما أخذوه من الوظائف هو من المال الذي يجوز أخذه وصرفه في الجهاد، ونحو ذلك من التأويلات التي قد تكون خطأ، ولكنها مما قد ساغ فيها الاجتهاد. فإذا كان قبض ولي الأمر المال على هذا الوجه، جاز شراؤه منه، وجاز شراؤه من نائبه الذي أمره بقبضه وإن كان المشتري لا يسوغ قبضه. والمشتري لم يظلم صاحبه، فإن شراءه بماله ممن قبضه قبضا يعتقد جوازه، وما كان على هذا الوجه، فشراؤه حلال في أصح الوجهين، وليس من الشبهات، فإنه إذا جاز أن يشتري من الكفار ما قبضوه بعقود يعتقدون جوازها وإن كانت محرمة في دين الإسلام، فلأن يجوز أن يشتري من المسلم ما قبضه بعقد يعتقد جوازه أولى، وإن كنا نراه محرما بطريق الأولى والأحرى، فإن الكافر تأويله المخالف لدين الإسلام باطل قطعا، بخلاف تأويل المسلم، ولهذا إذا أسلم الكفار وتحاكموا إلينا وقد قبضوا أموالا بعقود يعتقدون جوازها، كربا، وثمن خمر وخنزير، لم تحرم عليهم تلك الأموال، كما لا تحرم معاملتهم فيها قبل الإسلام، لقوله تعالى: " اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا". فأمرهم بترك ما بقي في الذمم، ولم يحرم عليهم ما قبضوه. وهكذا من الربا، من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها، ثم تبين له أنها لا تجوز وكانت من المعاملات التي
стр. 387
تنازع فيها المسلمون، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملات على الصحيح، والله أعلم.
والذي ظهر لنا أن ثواب الرؤوس ونحوها للمشتري لا للبائع، لأنه اشتراها كلها ولم يستثن عليه، وربما أنه يبيعها قبل الذبح، أو لا يذبح، وتقدم فيه كلام عن الشيخ ابن عطوة موافق لما قاله شيخنا.
قال ابن قندس في "حاشيته على المحرر" بعد كلام له سبق: وهذا معروف في الأمناء وهو فعل الأصلح، كالوكيل، والمضارب، والشريك، ولأن الأمين متى قدر على فعل الأصلح ولم يفعل، كان متعديا بلا شك ولا ريب. انتهى.
قوله: أو إلى من يحفظ مال ربها عادة، كزوجته إلى آخره.
قال في "جمع الجوامع": قلت: ويتوجه: إن كان يعلم منه الرضى بالدفع إليهم، وليس من عادتهم إفساد ماله، جاز، وإلا فلا. وظاهر كلامهم: لا يجوز إلى ولده، ويتوجه: بلى، وأنه كالعبد والزوجة وأولى. انتهى.
قوله: ويكفي في ثبوته الاستفاضة.
ثم ذكر كلام ابن القيم في شرحه بأن الحاكم أن يحكم بعلمه بالاستفاضة في هذه وغيرها، ونقلها في "شرح المنتهى" الصغير في طريق الحكم. والظاهر من الشارح أنه معتمدها، ولا نعلم نصا يخالفه، قاله شيخنا.
قوله: ثم علمت تلفها.
لم يقبل قوله. وصرح في "المنتهى" في الإقرار بقبوله قوله، قاله شيخنا.
قوله: وإن كان لم يرج وجود صاحبها - أي اللقطة - لم يجب تعريف في أحد الوجهين الخ.
стр. 388
مثله من وجد لقطة يعلم أنها للمسلمين لأن عليها سكة الإسلام، ولا يرجو معرفة مالكها لكونها قديمة، فلا تعريف، قاله شيخنا.
إذا كان مع أمين شاة، وهو غير عدل، فولدت ثم ماتت الأم فغذي الأمين البنت من غنمه، صح، وله أجرة المثل إن كان نوى الرجوع، والقول قوله في ذلك، لأنه أمين، وتركها يؤدي إلى موتها. فلو غاب ففعله ولده القائم بأمره، أو وكيله، أو زوجته، أو راعيه، فكذلك، لأنهم كالوكلاء للأمين، ولو دفعها الأمين أو من يقوم مقامه إلى آخره بجزء منها، صح أيضا، قاله شيخنا.
قوله في "المنتهى": ولا يضمن دابة عليها مالكها الكبير إلى آخره.
إن كان لم يرد عن قصده، فظاهر. وإن صده إلى طريق آخر، ففي النفس منها شئ، لكن لا نجسر أن نخالفها إلا أن يعثر على دليل يخالفه، قاله شيخنا.
قال في "جمع الجوامع" فروع: إذا كان فيما أحياه شجر بري لم يغرسه، فهو أحق به، وهل يملكه، على روايتين:
إحداهما: لا يملكه وهي الصحيحة، فليس له منع الناس من أخذه، وعليه أن يأذن لم يستأذنه في الأخذ منه، وعنه: يجوز الدخول لأخذه من غير إذن، والثانية: يملكه. انتهى.
قال في "الإنصاف": قوله: فإن أراد إنسان إحياء أرض يسقيها منه، جاز ما لم يضر بأهل الأرض الشاربة منه.
إذا كان لجماعة رسم شرب من نهر غير مملوك أو سيل، فجاء إنسان ليحيي مواتا أقرب إلى رأس النهر من أرضهم، لم يكن له أن يسقي قبلهم على المذهب، واختار الحارثي أن له ذلك، وقال: وظاهر الأخبار المتقدمة وعمومها يدل على اعتبار السبق إلى أعلى النهر مطلقا، قال: وهو الصحيح. انتهى.
стр. 389
ومن "جمع الجوامع": وفي "الأحكام السلطانية" الثالث:
ما جرى عليه ملك المسلمين ثم خرب حتى صار مواتا عاطلا، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يملك بالإحياء عرف أربابه أو لم يعرفوا.
والثانية: إن عرف أربابه، لم يملك باحياء، فإن قلنا: لا يملك بالإحياء، فهل يجوز إقطاعه؟ إن عرف أربابه، لم يجز إقطاعه، وإن لم يعرفوا، جاز إقطاعه وكان الاقطاع كافياً، وتمامه فيه.
قال في "الرعاية": وما فضل في بئره من ماء عد عن حاجته لشرب زرع وغيرهما، بذله لبهائم غيره مجانا، وعنه: وزرعه مع قرب المرعى وعدم ماء غيره. انتهى.
سئل السيد عمر بن عبد الرحيم عن ساقية لأراضي متعددة، لكل منها منفذ يجري منه الماء، وبعض منافذها مرصد بوضع أحجار فيه، ولا يسد شئ من المنافذ لشرب الآخر، وأراد صاحب المنفذ الذي لا رصد عليه أن ينحت تراب أرضه وينقله لينخفض ويأخذ الماء على أصحابه لانخفاض أرضه اللازم معها انخفاض منفذها، فهل لصاحب الأرض المرصدة بالأحجار منعه، والحال أن منافذها متساوية الاتساع، أو متفاوتة؟ وهل لو اطردت عادة بأن الذي لا رصد عليه فعل ذلك، هل لهذه العادة أثر، أم لا؟
فأجاب بقوله: وقد صرحوا بأن من أراد حفر نهر فوق نهر غيره، إن ضيق عليه، منع، وإلا فلا، وبأنه لو أراد من أرضه أسفل توسيع فم النهر، وأراد الأولون تضييقه، أو أراد أحدهم بناء قنطرة أو رحى عليه، أو غرس شجرة على حافته، أو تقديم رأس ساقيته أو تأخيره، لم يجز إلا برضى الجميع، وبذلك يعلم أن نحت الرتاب ونقله إن كان يضر بأخذه ماء كثيرا أو بغيره، منع منه مطلقا.
من "فتاوى ابن حجر" قوله: وإن حفر نهر صغير إلى آخره.
стр. 390
هذا يفيد في السيل، لأن هذا مملوك ومعد له، والسيل من المصالح العامة فلا يكون ملكا، لكن الأول أحق بالتقدم كما قرروه، قاله شيخنا.
قال في "الهداية": في ماء المطر يسقي الأعلى إلى الكعب، ثم يرسله إلى الأسفل إلى من بعده، ثم هو إلى من بعده، فإذا انتهى كعب وأخذ من لا منفذ بعده كعب أيضا، حبسه الأعلى كعباً أيضا، ثم أرسله كالأولى على من بعده طعباً ثانيا وهلم جرا. فلهذا يحتاج إلى ثقوب بعضها فوق بعض، كل مرة يرسله من أعلى من الأول وبين النقبين بقدر الكعب من الأرض. انتهى. نقلتها من خط أحمد البجادي، وذكر أنه عرضها على الشيخ محمد فأعجبته، وقال: هذا هو الصواب، وبه قال شيخنا. وقال: الظاهر أن الشرب يكون كعباً، لأن الماء لا يملك، لكن للأول حق التقدم. والوادي الذي وقع في زمنه النزاع في سبله وهو مهروز بالمدينة، قضى فيه بالكعب، وهو ثابت قبله بلا تردد، فلا يقال: إنه محدث وقت النزاع. قاله شيخنا.
وهذه مسألة وجدتها بخط شيخنا، وأشار لنا بكتابتها، وقال: العمل عليها، لكن لا نقدر على العمل بها، لأن عادات أهل نجد في السيل بخلاف الشرع فنترك الكلام بسبب ذلك.
اعلم أيها السائل عن حكم المياه أنها لا تخلو من حالتين:
إما أن تكون في نهر، أو واد كبير لا يتشاح الناس في الشرب منه، فكل من الناس أن يسقي ما شاء كيف شاء. وأما مياه الأمطار والأنهار الصغار، فلمن في أعلاه أن يسقي ويحبس الماء إلى الكعب، ثم يرسله إلى جاره الأعلى فالأعلى على هذه الصفة. وإذا أحيا سابق في أسفله، ثم ثان فوقه، ثم ثالث، سقى المحيي أولا، ثم الثاني بعده، ثم الثالث. ولو كان أقرب إلى فوهة النهر، فالمحيي أولا أولى، ولا يملكه بالسبق،
следующие страницы →